متحف الأيام المفقودة 82

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ — المُحتَضَر – هَل حَيَاةُ الإِنسَانِ تَمُرُّ أَمَامَهُ قُبَيلَ المَوت؟ – ذَكَر، ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ عَامًا — تُونِس، ٢٠١٩م
________________________________________
لَم تَكُن الغُرفَةُ كَأَيِّ غُرفَةٍ مَرَّ بِهَا سَامِرٌ فِي هَذَا المُتحَفِ العَجِيب.
الغُرَفُ الأُخرَى كَانَ لِكُلٍّ مِنهَا هَدَأُهَا الخَاص — هَدَأٌ فَارِغٌ كَفَرَاغِ الإِنَاءِ المُنتَظِرِ مَن يَملَؤُه، أَو هَدَأٌ مُتَوَتِّرٌ كَهُدُوءِ مَن يَكتُمُ شَيئًا عَن أَن يُقَال.
لَكِنَّ هَذِهِ الغُرفَةَ كَانَ هَدَأُهَا مُكتَمِلًا.
كَأَنَّ كُلَّ الأَسئِلَةِ الَّتِي يُمكِنُ أَن تُطرَحَ فِيهَا قَد وَجَدَت إِجَابَاتِهَا بِالفِعل، وَأَنَّ الكَلَامَ المُتَبَقِّيَ هُوَ فَقَط مَا يَستَحِقُّ فِعلًا أَن يُقَال.
عَلَى السَّرِيرِ الأَبيَضِ المُنخَفِض، اِستَلقَى رَجُلٌ عَجُوزٌ بِعَينَينِ مَفتُوحَتَينِ تَنظُرَانِ إِلَى السَّقفِ كَأَنَّهُمَا تَقرَآنِ فِيهِ شَيئًا لَا يَرَاهُ سِوَاه. تَنَفُّسُهُ كَانَ بَطِيئًا وَمُنتَظِمًا كَمَوجِ البَحرِ فِي لَيلَةٍ هَادِئَة. جَسَدُهُ نَحِيلٌ كَمَا تَنحَلُّ الأَجسَادُ حِينَ تَستَعِدُّ لِأَن تُودِّعَ ثِقَلَهَا، لَكِنَّ وَجهَهُ كَانَ يَحمِلُ شَيئًا يَبدُو كَالرِّضَا — لَيسَ السَّعَادَةَ الَّتِي يَعرِفُهَا النَّاسُ فِي أَيَّامِ أَفرَاحِهِم، بَل مَا هُوَ أَعمَقُ مِنهَا وَأَهدَأ: القَبُول.
قَبُولُ مَن عَاشَ حَتَّى آخِرِ مَا يُمكِنُ أَن تُعَاشَ إِلَيه.
حِينَ أَحَسَّ بِدُخُولِ سَامِر، أَدَارَ رَأسَهُ بِبُطءٍ وَقَالَ بِصَوتٍ أَضعَفَ مِمَّا كَانَ يَبدُو مُمكِنًا:
— تَعَال. اِجلِس قَرِيبًا.
اِقتَرَبَ سَامِرٌ وَجَلَسَ.
— أَنَا سَامِر.
— أَعرِف. كُنتُ أَنتَظِرُك.
— لَم نَلتَقِ مِن قَبل.
— لَكِنَّنِي سَمِعت. هَذَا المُتحَف — جُدرَانُهُ رَقِيقَةٌ حِينَ تُصغِي. وَأَنَا فِي هَذَا الوَقتِ لَا أَفعَلُ شَيئًا إِلَّا أُصغِي. لَيسَ لِأَنَّنِي فَضُولِيّ، بَل لِأَنَّ الإِصغَاءَ هُوَ آخِرُ شَيءٍ بَقِيَ لِي أَن أُتقِنَه.
________________________________________
— كَيفَ حَالُك؟
قَالَهَا سَامِرٌ وَأَدرَكَ فَورًا أَنَّهَا سُؤَالٌ لَا يَنتَمِي تَمَامًا إِلَى هَذَا المَكَان.
— أَنَا فِي المَرحَلَةِ الَّتِي لَا تَحتَاجُ إِجَابَةً مُرَكَّبَةً عَلَى هَذَا السُّؤَال. أَنَا فِي نِهَايَةِ مَسَارِي. وَالنِّهَايَة — خِلَافًا لِمَا ظَنَنتُ طَوَالَ حَيَاتِي — لَيسَت مُرعِبَةً كَمَا تَوَقَّعت.
— لِمَاذَا تَوَقَّعتَ أَنَّهَا سَتَكُونُ مُرعِبَة؟
أَجَابَ الرَّجُلُ العَجُوزُ دُونَ أَن يَتَزَحزَحَ مِن وَضعِهِ، كَمَن وَصَلَ إِلَى إِجَابَةٍ بَعدَ رِحلَةٍ طَوِيلَة:
— لِأَنَّ كُلَّ مَا عِشتُهُ عَلَّمَنِي أَن أَتَمَسَّك. التَّمَسُّكُ بِالصِّحَّة. التَّمَسُّكُ بِالعَمَل. التَّمَسُّكُ بِمَن أُحِبّ. التَّمَسُّكُ بِالخُطَطِ وَالمَوَاعِيدِ وَالأَيَّامِ الَّتِي نَرسُمُهَا كَأَنَّنَا نَملِكُ الحَقَّ فِي رَسمِهَا. وَالمَوتُ هُوَ عَكسُ التَّمَسُّكِ تَمَامًا. ظَنَنتُ أَنَّ عَكسَ كُلِّ مَا تَعَلَّمتُهُ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ مُرَوِّعًا.
— وَهُوَ لَيسَ كَذَلِك؟
— هُوَ… تَحَرُّر.
وَهَذِهِ كَلِمَةٌ استَخدَمتُهَا كَثِيرًا فِي حَيَاتِي دُونَ أَن أَعرِفَ مَعنَاهَا الحَقِيقِيّ. قُلتُهَا حِينَ تَقَاعَدتُ. قُلتُهَا حِينَ تَزَوَّجَ أَبنَاؤِي وَانتَقَلُوا. قُلتُهَا حِينَ وَضَعتُ آخِرَ عِبءٍ كُنتُ أَحمِلُه وَتَخَيَّلتُ أَنَّنِي أَشعُرُ بِخِفَّة. لَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ كَانَ تَحَرُّرًا جُزئِيًّا.
الآنَ أَعرِفُ مَا تَعنِيهِ الكَلِمَةُ كَامِلَة.
________________________________________
— النَّاسُ يَسأَلُونَ دَائِمًا عَن تِلكَ اللَّحظَة — لَحظَةِ مُرُورِ الحَيَاةِ أَمَامَ الإِنسَانِ قُبَيلَ الاحتِضَار. هَل هَذَا يَحدُثُ فِعلًا؟
— لَيسَ بِالطَّرِيقَةِ الدَّرَامِيَّةِ الَّتِي تُصَوِّرُهَا الأَفلَام، حَيثُ تَرَى حَيَاتَكَ شَرِيطًا مُنَظَّمًا مِنَ المَوَاقِفِ يَعبُرُ أَمَامَكَ بِتَسَلسُلٍ مَدرُوسٍ مِنَ المِيلَادِ حَتَّى الآن.
مَا يَحدُثُ أَشبَهُ بِـ… إِضَاءَةٍ انتِقَائِيَّة.
كَمَا لَو أَنَّ شَخصًا مَجهُولًا يَحمِلُ مِصبَاحًا وَيَسِيرُ فِي مُستَودَعٍ وَاسِعٍ مُعتِم — لَا يُضِيءُ كُلَّ شَيء، بَل يَتَوَقَّفُ عِندَ بَعضِ الأَشيَاءِ دُونَ غَيرِهَا. أَشيَاءُ بَعِيدَةٌ تُصبِحُ فَجأَةً قَرِيبَةً جِدًّا كَأَنَّهَا حَدَثَت أَمس. أَشيَاءُ اعتَقَدتَ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ — المَنَاصِبُ وَالإِنجَازَاتُ وَالخُصُومَاتُ الكُبرَى — تُصبِحُ صَغِيرَةً لَا تَستَحِقُّ المِصبَاح. وَأَشيَاءُ بَدَت صَغِيرَةً تَكشِفُ عَن ثِقَلِهَا الحَقِيقِيِّ وَتَقُول: «كُنتَ هُنَا. كُنَّا هُنَا مَعًا.»
— مِثلَ مَاذَا؟
تَنَهَّدَ الرَّجُلُ العَجُوزُ بِشَيءٍ يُشبِهُ الاِمتِنَانَ الهَادِئ، وَقَال:
— صَبَاحٌ فِي تُونِس. كُنتُ فِي العَاشِرَة. جَلَستُ مَعَ أَبِي فِي المَقهَى لِأَوَّلِ مَرَّةٍ كَرَجُل — لَيسَ كَطِفلٍ يَصطَحِبُهُ أَبُوهُ وَيُعطِيهِ مَاءً أَو عَصِيرًا، بَل كَمَن يَأخُذُ مَكَانَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ وَيَنتَمِي إِلَى الكِبَار.
أَعطَانِي أَبِي قَهوَةً بِلَا حَلِيبٍ لِلمَرَّةِ الأُولَى. لَم أُحِبَّهَا — كَانَت مُرَّةً وَقَاسِيَةً وَبَعِيدَةً عَن ذَوقِ صَبِيٍّ عُمرُهُ عَشرُ سِنِين. لَكِنَّنِي شَرِبتُهَا حَتَّى الآخِرِ لِأَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُنِي. وَلِأَنَّنِي أَرَدتُ أَن يَرَى فِيَّ مَا أُرِيدُهُ أَن يَرَى.
هَذِهِ اللَّحظَة — ثَمَانِيَةٌ وَسَبعُونَ عَامًا بَعدَهَا — أَرَاهَا الآنَ أَوضَحَ مِن أَيِّ شَيءٍ آخَر. أَوضَحَ مِنَ الأَعرَاسِ وَالوِلَادَاتِ وَالمَنَاصِبِ. أَوضَحُ مِن كُلِّ مَا اعتَقَدتُ يَومًا أَنَّهُ الأَهَمّ.
— لِمَاذَا هَذِهِ تَحدِيدًا؟
________________________________________
— لِأَنَّهَا كَانَت لَحظَةَ انتِقَال. لَم أَعرِفهَا وَقتَهَا — الطِّفلُ لَا يَعرِفُ أَنَّهُ يَعبُرُ عَتَبَةً وَهُوَ يَعبُرُهَا. لَكِنَّهَا كَانَت اللَّحظَةَ الَّتِي قَرَّرتُ فِيهَا — دُونَ أَن أُقَرِّر — أَنَّ أَبِي يَستَحِقُّ أَن أَكُونَ مَن يُرِيدُنِي أَن أَكُون.
وَالذَّاكِرَةُ كَثِيرًا مَا تُخفِي قِيمَةَ اللَّحَظَاتِ حِينَ تَحدُث، وَتَكشِفُهَا لَاحِقًا — حِينَ تَكُونُ قَد أَصبَحتَ مَن أَصبَحتَه بِسَبَبِهَا.
تَنَهَّدَ الرَّجُلُ ثَانِيَةً وَقَالَ بِنَبرَةٍ تَحَوَّلَت مِن الذِّكرَى إِلَى السُّؤَال:
— وَأَنتَ — مَا الَّذِي تَبحَثُ عَنهُ فِي هَذَا المُتحَف؟
— يَومٌ مَفقُود. السَّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرِينَ الأَوَّل، عَامَ أَربَعَةٍ وَتِسعِين. يَومٌ لَا أَجِدُ لَهُ ذِكرَى وَاضِحَة.
— وَهَل وَجَدتَه؟
— لَم أَجِد الذِّكرَى. لَكِنَّنِي وَجَدتُ شَيئًا آخَر.
— مَاذَا وَجَدت؟
— وَجَدتُ أَنَّ السُّؤَالَ نَفسَهُ تَغَيَّر. دَخَلتُ أَبحَثُ عَن يَوم. وَالآنَ أُدرِكُ أَنَّنِي كُنتُ أَبحَثُ عَن طَرِيقَةٍ لِلعَلَاقَةِ مَعَ مَا لَا يُمكِنُ استِرجَاعُه. عَن طَرِيقَةٍ لِلسَّلَامِ مَعَ مَا لَا يَستَجِيبُ لِلبَحث.
أَومَأَ الرَّجُلُ بِرَأسِهِ كَمَن يَسمَعُ جُملَةً يَعرِفُ صِدقَهَا:
— هَذَا اكتِشَافٌ أَهَمُّ مِن الذِّكرَى المَفقُودَة.
________________________________________
— مِن هَذَا المَكَانِ الَّذِي أَنتَ فِيه — مِن هَذِهِ النَّافِذَةِ الَّتِي لَا يَمُرُّ بِهَا أَحَدٌ مَرَّتَين — مَا الَّذِي تَرَاهُ عَنِ الذَّاكِرَةِ لَا يَستَطِيعُ رُؤيَتَهُ مَن هُوَ فِي مُنتَصَفِ حَيَاتِه؟
صَمَتَ المُحتَضَر. نَظَرَ إِلَى السَّقفِ مَرَّةً أُخرَى كَأَنَّهُ يَقرَأُ مِنهُ مَا سَيَقُولُه. ثُمَّ:
— أَرَى أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيسَت سِجِلًّا.
هِيَ عَلَاقَة.
عَلَاقَةٌ بَينَ مَن كُنتَ وَمَن أَصبَحتَ وَمَن سَتَكُون. وَالفَرقُ بَينَهُمَا كَبِيرٌ جِدًّا. السِّجِلُّ يُحفَظُ كَمَا هُوَ — أَرقَامٌ وَتَوَارِيخُ وَوَقَائِعُ جَامِدَة. لَكِنَّ العَلَاقَةَ حَيَّةٌ تَتَغَيَّر. العَلَاقَةُ تَكبُرُ مَعَك. وَمَا تُسَمِّيهِ «اليَومُ المَفقُود» رُبَّمَا هُوَ يَومٌ لَم تَبنِ مَعَهُ عَلَاقَةً بَعد. لَم تُقَرِّر بَعدُ مَاذَا يَعنِي لَك. وَهَذَا لَيسَ فَشَلًا فِي الذَّاكِرَة — هَذَا دَعوَةٌ لِلحِوَار.
— وَكَيفَ تَبنِي عَلَاقَةً مَعَ يَومٍ لَا تَتَذَكَّرُه؟
— بِالاعتِرَافِ بِأَنَّهُ كَان. بِأَنَّ غِيَابَهُ فِي ذَاكِرَتِكَ لَا يُلغِي حَقِيقَتَه — وَهَذَا أَمرٌ يَبدُو بَسِيطًا حَتَّى تُفَكِّرَ فِيهِ جَيِّدًا. نَحنُ نَمِيلُ لِلإِيمَانِ بِأَنَّ مَا لَا نَتَذَكَّرُهُ لَم يَحدُث بِالمَعنَى الكَامِل، وَهَذَا غَيرُ صَحِيح. وَبِأَنَّكَ اليَوم — بِسَبَبِ كُلِّ مَا مَرَرتَ بِه، كُلِّ الغُرَفِ الَّتِي دَخَلتَهَا فِي هَذَا المُتحَف — تَستَطِيعُ أَن تُعطِيَهُ مَعنًى لَم يَكُن يَملِكُهُ وَقتَهَا. يُمكِنُكَ أَن تَقُولَ: «كُنتَ هُنَاكَ وَإِن لَم تُخبِرنِي بِنَفسِك.»
نَظَرَ إِلَيهِ سَامِرٌ بِشَيءٍ فَاقَ مُجَرَّدَ الاستِمَاع:
— أَشعُرُ أَنَّكَ تُخبِرُنِي بِشَيءٍ عَن نَفسِكَ أَيضًا — عَن يَومٍ فِي حَيَاتِك.
اِبتَسَمَ الرَّجُلُ العَجُوزُ اِبتِسَامَةً خَفِيفَة:
— ذَكِيّ. نَعَم.
________________________________________
كَانَ لَدَيَّ يَومٌ لَم أُوَدِّع فِيهِ أَبِي قَبلَ سَفَرِهِ الأَخِير. لَم أَعرِف أَنَّهُ سَفَرُهُ الأَخِير — وَمَن يَعرِفُ؟ كَانَ عِندِي عَمَلٌ وَمَوَاعِيدُ وَأَسبَابٌ مَقنُعَةٌ كَمَا دَائِمًا. الأَسبَابُ المَقنُعَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُشَارِكُ بِهَا أَنفُسَنَا فِي اختِيَارَاتٍ لَا نُرِيدُ الاعتِرَافَ بِأَنَّهَا اختِيَارَات.
ذَهَبَ أَبِي وَمَاتَ فِي الطَّرِيق. وَذَلِكَ اليَومُ ظَلَّ يُعَذِّبُنِي عُقُودًا. لَيسَ لِأَنَّنِي لَم أُوَدِّعه، بَل لِأَنَّنِي كُنتُ أَعتَقِدُ أَنَّ التَّوَدِيعَ كَانَ سَيَقُولُ لَهُ شَيئًا لَم يَكُن يَعرِفُه.
— وَهَل تَصَالَحتَ مَعَ ذَلِكَ اليَوم؟
— تَصَالَحتُ حِينَ أَدرَكتُ أَنَّ أَبِي — لَو عَاشَ — كَانَ يَعرِفُ أَنَّنِي أُحِبُّه. لَيسَ لِأَنِّي كُنتُ أَقُولُهَا دَائِمًا، بَل لِأَنَّهُ كَانَ يَرَاهَا فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي أَتَعَامَلُ بِهَا مَعَهُ، فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي شَرِبتُ بِهَا قَهوَتَهُ المُرَّةَ دُونَ أَن أَشكُو. التَّوَدِيعُ لَم يَكُن سَيَنقُلُ إِلَيهِ شَيئًا لَم يَكُن يَعرِفُهُ بِالفِعل.
مَا كُنتُ أُعَذِّبُ نَفسِي بِهِ لَم يَكُن حَاجَةَ أَبِي.
كَانَت حَاجَتِي أَنَا.
حَاجَتِي لِلخِتَام. لِلجُملَةِ الأَخِيرَة. لِلبَابِ الَّذِي يُغلَقُ بِصَوتٍ وَاضِح. وَبَعضُ الأَبوَابِ لَا تُغلَقُ — تَبقَى مُوَارَبَةً إِلَى الأَبَد. وَهَذَا لَا يُبطِلُ مَا كَانَ خَلفَهَا.
________________________________________
مَدَّ الرَّجُلُ العَجُوزُ يَدَهُ بِبُطءٍ وَمَسَّ ذِرَاعَ سَامِرٍ لِثَانِيَة. لَم تَكُن حَرَكَةَ مَن يَطلُبُ شَيئًا — كَانَت حَرَكَةَ مَن يُعطِي شَيئًا أَخِيرًا ثُمَّ يَسحَبُ يَدَه.
— اِذهَب الآن. اِذهَب إِلَى الغُرفَةِ التَّالِيَة. لَا أَعرِفُ مَا سَيَكُونُ فِيهَا لَكِنَّنِي أَعرِفُ أَنَّكَ جَاهِزٌ لَهَا.
— كَيفَ تَعرِف؟
— لِأَنَّكَ تَسأَلُ أَسئِلَةً مُختَلِفَةً عَمَّا بَدَأتَ بِه. مَن يَتَغَيَّرُ سُؤَالُهُ يَتَغَيَّرُ هُو. وَمَن تَغَيَّرَ يَستَطِيعُ أَن يُوَاجِهَ مَا لَم يَكُن يَستَطِيعُهُ مِن قَبل.
— وَأَنتَ؟ مَا الَّذِي تُرِيدُ أَن تَقُولَهُ آخِرَ شَيء؟
فَكَّرَ الرَّجُلُ بِهُدُوءٍ حَقِيقِيّ. بِهُدُوءِ مَن لَا يُحَاوِلُ أَن يَجِدَ الجَوَابَ الصَّحِيح، بَل يَنتَظِرُ مَا سَيَقُولُهُ قَلبُهُ:
— أَنَّ الأَيَّامَ العَادِيَة — الَّتِي لَا تَتَذَكَّرُهَا وَلَا تَذكُرُهَا لِأَحَد، الَّتِي تَمُرُّ بِلَا إِشَارَةٍ وَلَا احتِفَال — هِيَ الحَيَاةُ الحَقِيقِيَّة.
اللَّحَظَاتُ الكُبرَى هِيَ الإِطَار. لَكِنَّ اليَومَ العَادِيَّ الَّذِي جَلَستُ فِيهِ مَعَ أَبِي فِي مَقهَى وَشَرِبتُ قَهوَةً لَم تَكُن بِمَذَاقِي — ذَاكَ هُوَ العُمرُ كُلُّه.
لَيسَ فِي انتِصَارَاتِي وَلَا فِي مَحَطَّاتِي الكُبرَى.
بَل فِي تِلكَ القَهوَةِ المُرَّةِ وَأَنَا لَا أُظهِرُ أَنَّهَا مُرَّة.
________________________________________
خَرَجَ سَامِرٌ وَالبَابُ أُغلِقَ خَلفَهُ بِهُدُوءٍ تَامّ، كَأَنَّهُ لَم يُغلَق بَل اِنتَهَى.
لَم يَتَوَقَّف فِي المَمَرّ. لَكِنَّ شَيئًا تَغَيَّرَ فِي طَرِيقَةِ مَشيِهِ — أَقَلُّ تَعَجُّلًا. أَخَفُّ وَطأَةً. كَأَنَّهُ أَوَدَعَ فِي تِلكَ الغُرفَةِ شَيئًا كَانَ يَحمِلُهُ دُونَ أَن يَعرِفَ أَنَّهُ يَحمِلُه.
لَم يَكُن البَحثُ قَد اِنتَهَى. لَكِنَّ طَبِيعَتَهُ تَبَدَّلَت.
لَم يَعُد يَبحَثُ عَن يَوم.
كَانَ يَمشِي نَحوَ فَهم.
ثَمَانِيَةُ مَحَاوِر. اِثنَانِ وَثَمَانُونَ صَوتًا. وَسَامِرٌ يَقتَرِبُ مِنَ البَابِ الَّذِي لَم يَكُن يَعرِفُ أَنَّهُ مَوجُودٌ حِينَ دَخَل:
الغُرفَةُ صِفْر.

متحف الأيام المفقودة 83