مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُون — الجَدَّةُ الحَكَّاءَة – القِصَّةُ كَجِهَازِ حِفظٍ حَضَارِيٍّ لا يَحتَاجُ كَهرَبَاء – أُنثى، خَمسٌ وَثَمَانُونَ عَاماً — جَنُوبُ المَغرِب، الحَاضِر
________________________________________
لَم يَكُن فِي الغُرفَةِ أَثَاث.
لا كُرسِيَّ يُرتَفَعُ عَلَيهِ وَلا طَاوِلَةَ تُعلَى عَلَيهَا الأَشيَاء.
فَقَط حَصِيرٌ مَفرُوشٌ عَلَى الأَرضِ الطِّينِيَّة، وَفَوقَهُ امرَأَةٌ عَجُوزٌ جَالِسَةٌ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَجلِسُ بِهَا النِّسَاءُ اللَّواتِي تَعَلَّمنَ مِن الأَرضِ مُبَاشَرَة — ظَهرٌ مُستَقِيمٌ دُونَ كُرسِيّ، وَسَاقَانِ مُتَقَاطِعَتَانِ بِلا تَعَب، وَيَدَانِ مُستَقِرَّتَانِ عَلَى الرُّكبَتَينِ كَأَنَّهُمَا نُحِتَتَا لِهَذَا الوَضعِ مُنذُ البَدء.
وَرِدَاؤُهَا الأَزرَقُ المُطَرَّزُ بِخُيُوطٍ بُرتُقَالِيَّةٍ كَانَ أَثمَنَ شَيءٍ فِي الغُرفَةِ دُونَ مُنَازَع.
نَظَرَت إِلَى سَامِرٍ حِينَ دَخَلَ نَظرَةً لا تُقَيِّمُ بَل تَقرَأ، كَأَنَّهَا تَحسُبُ فِي لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ كَم الطَّرِيقَ الَّتِي قَطَعَهَا وَمَا الَّذِي لَم يَجِدهُ بَعد.
________________________________________
قَالَ سَامِر وَهُوَ يُقَدِّمُ تَحِيَّتَهُ بِصَوتٍ هَادِئ:
— السَّلامُ عَلَيكُم.
— وَعَلَيكَ السَّلامُ وَرَحمَةُ الله.
اجلِس عَلَى الحَصِير.
الكَرَاسِي تُبَعِّدُ النَّاسَ عَن بَعضِهِم وَتُنسِيهِم أَنَّهُم خُلِقُوا مِن طِين.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الحَصِيرِ مِن غَيرِ تَرَدُّد.
— أَفضَل.
الآنَ نَتَحَدَّث.
— أَنَا سَامِر.
جِئتُ مِن بَعِيد.
رَدَّت الجَدَّةُ بِنَبرَةٍ فِيهَا شَيءٌ مِن الدُّعَابَةِ وَشَيءٌ مِن الحِكمَة:
— كُلُّ مَن يَصِلُ جَاءَ مِن بَعِيد.
هَذَا لَيسَ خَبَرَاً.
الخَبَرُ هُوَ مَا جَاءَ يَبحَثُ عَنه.
— أَبحَثُ عَن يَومٍ مَفقُود.
— يَومٌ وَاحِدٌ فَقَط؟
مَحظُوظٌ أَنت.
أَنَا فَقَدتُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً لا أَجِدُ لَهَا قِصَّة.
________________________________________
انتَبَهَ سَامِرٌ إِلَى الكَلِمَةِ الأَخِيرَة.
لَم تَقُل: لا أَجِدُ لَهَا ذِكرَى.
قَالَت: لا أَجِدُ لَهَا قِصَّة.
— مَا الَّذِي تَعنِينَه؟
أَجَابَت الجَدَّةُ وَهِيَ تَتَأَمَّلُ نُقطَةً فَوقَ رَأسِ سَامِرٍ كَأَنَّهَا تَقرَأُ جُملَتَهَا مِن هُنَاكَ:
— أَعنِي أَنَّ القِصَّةَ هِيَ مَا تَجعَلُ الأَيَّامَ بَاقِيَة.
اليَومُ الَّذِي لا تُروَى لَهُ قِصَّةٌ يَختَفِي.
لَيسَ لِأَنَّهُ لَم يَحدُث، بَل لِأَنَّ أَحَداً لَم يُعطِهِ لِسَانَاً يَتَكَلَّمُ بِه.
فَكِّر فِي هَذَا: أَلَيسَ كَثِيرٌ مِن أَيَّامِ طُفُولَتِكَ قَد اختَفَى لَيسَ لِأَنَّهُ لَم يَقَع، بَل لِأَنَّهُ مَرَّ فِي صَمتٍ وَلَم يُروَ لِأَحَد؟
— إِذَن اليَومُ المَروِيُّ يَحيَا، وَاليَومُ الصَّامِتُ يَمُوت.
— بِالضَّبط.
وَأَنَا عَمَلِي مُنذُ خَمسِينَ عَاماً هُوَ أَن أُعطِيَ الأَيَّامَ أَلسِنَةً قَبلَ أَن تَمُوت.
________________________________________
— وَقَبلَ الخَمسِينَ سَنَة؟
— كُنتُ أَسمَع.
وَقَبلَ ذَلِكَ كَانَت أُمِّي تَحكِي وَأَنَا أُصغِي.
وَقَبلَهَا جَدَّتُهَا.
سِلسِلَةٌ مِن النِّسَاءِ يُمرِّرنَ الكَلامَ مِن فَمٍ إِلَى أُذُنٍ إِلَى فَمٍ آخَر.
لا أَعرِفُ بِدَايَتَهَا.
وَهَذَا لا يُزعِجُنِي.
كُلُّ نَهرٍ حَقِيقِيٍّ لا يَعرِفُ المَطَرَ الأَوَّلَ الَّذِي بَدَأَه.
— وَمَا نَوعُ القِصَصِ الَّتِي تَحكِينَهَا؟
— كُلُّ نَوع.
قِصَصٌ فِيهَا أَسَدٌ وَفِيهَا حِكمَة.
قِصَصٌ فِيهَا رَجُلٌ أَخطَأَ وَعَرَف.
قِصَصٌ فِيهَا امرَأَةٌ صَبَرَت حَتَّى جَاءَ وَقتُهَا.
قِصَصٌ فِيهَا أَولادٌ ضَاعُوا وَعَادُوا.
وَقِصَصٌ فِيهَا أَولادٌ ضَاعُوا وَلَم يَعُودُوا.
الأَنوَاعُ كُلُّهَا ضَرُورِيَّة.
________________________________________
— لِمَاذَا القِصَصُ الَّتِي لا تَنتَهِي بِسَعَادَةٍ ضَرُورِيَّة؟
أَلا تُحزِنُ الأَطفَالَ الَّذِينَ يَسمَعُونَهَا؟
ابتَسَمَت الجَدَّةُ بِطَرِيقَةٍ لَم يَرَهَا سَامِرٌ مِن قَبل — لَيسَت ابتِسَامَةَ مَن يَعرِفُ الجَوَابَ فَقَط، بَل ابتِسَامَةَ مَن عَاشَ الجَوَابَ وَدَفَعَ ثَمَنَه:
— لِأَنَّ الحَيَاةَ فِيهَا نِهَايَاتٌ مِن كُلِّ نَوع.
لَو حَكَيتُ لِلأَطفَالِ فَقَط مَا يَنتَهِي بِالفَرَح، صَنَعتُ لَهُم عُقُولاً هَشَّةً لا تَحتَمِلُ الحَقِيقَةَ حِينَ تَأتِي.
القِصَّةُ المُؤلِمَةُ تُعَلِّمُ الجَسَدَ كَيفَ يَتَنَفَّسُ فِي الضِّيقِ، قَبلَ أَن يَعِيشَ الضِّيقَ الحَقِيقِيّ.
مِثلَ السِّبَاحِة.
الطِّفلُ الَّذِي تَعَلَّمَ فِي المَسبَحِ لا يَخَافُ مِن البَحرِ خَوفَ مَن لَم يَرَ مَاءً مِن قَبل.
القِصَّةُ المُؤلِمَةُ هِيَ مَسبَحُ الرُّوح.
________________________________________
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِندَ هَذِهِ الصُّورَة.
مَسبَحُ الرُّوح.
تَدَرَّبُ عَلَى الأَلَمِ بِالقِصَّةِ قَبلَ أَن يُبَاغِتَكَ الأَلَمُ فِي الحَيَاة.
— هَل القِصَّةُ الشِّفَهِيَّةُ مُختَلِفَةٌ عَن المَكتُوبَة؟
— مُختَلِفَةٌ جُذرِيَّاً.
القِصَّةُ المَكتُوبَةُ ثَابِتَة — تَقرَأُهَا اليَومَ أَو بَعدَ مِئَةِ سَنَةٍ وَهِيَ هِيَ.
لا تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ مَن أَمَامَكَ وَلا بِحَسَبِ مَا مَرَّ عَلَيكَ.
أَمَّا القِصَّةُ الشِّفَهِيَّةُ فَهِيَ حَيَّة — تَتَغَيَّرُ مَعَ كُلِّ مَن يَروِيهَا وَمَعَ كُلِّ مَن يَسمَعُهَا.
أَنَا حِينَ أَحكِي قِصَّةً سَمِعتُهَا مِن أُمِّي لا أَحكِيهَا كَمَا سَمِعتُهَا حَرفَاً بِحَرف.
أُضِيفُ مَا عَلَّمَتنِي إِيَّاهُ الحَيَاة، وَأَحذِفُ مَا لَم يَعُد يَصِلُ إِلَى الَّذِينَ أَمَامِي.
سَأَحكِي لَكَ مِثَالاً: قِصَّةُ الغُرَابِ الَّذِي أَرَادَ المَاء.
حِينَ كَانَت جَدَّتِي تَحكِيهَا لِأَطفَالِ الصَّحرَاء، كَانَت تُطَوِّلُ وَصفَ العَطَش، لِأَنَّ الأَطفَالَ يَعرِفُونَ العَطَشَ وَيَفهَمُونَهُ فِي أَجسَادِهِم.
لَكِن حِينَ أَنَا أَحكِيهَا الآنَ لِأَحفَادِي فِي المَدِينَة، أُطَوِّلُ مَشهَدَ الإِبدَاعِ وَالتَّفكِير، لِأَنَّ مُشكِلَتَهُم لَيسَت العَطَشَ بَل التَّفكِيرَ فِي حُلُول.
القِصَّةُ وَاحِدَة، لَكِنَّهَا تَتَكَلَّمُ لُغَةَ كُلِّ زَمَن.
________________________________________
— إِذَن القِصَّةُ الشِّفَهِيَّةُ تَتَطَوَّر.
— تَتَطَوَّرُ وَتَبقَى فِي الوَقتِ نَفسِه.
الجَوهَرُ يَبقَى — العِبرَةُ وَالرُّوحُ وَالشَّخصِيَّةُ الأَسَاسِيَّة.
لَكِنَّ الثَّوبَ يَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ الزَّمَن.
مِثلُ الشَّجَرَة — الجِذرُ ثَابِتٌ وَالأَورَاقُ تَتَجَدَّدُ كُلَّ مَوسِم.
وَلَو قُلنَا إِنَّ الأَورَاقَ المُتَجَدِّدَةَ تَخِيَانُ الشَّجَرَةَ لَكُنَّا حُمَقَاء.
التَّجَدُّدُ هُوَ مَا يُبقِيهَا حَيَّة.
________________________________________
— وَهَل تَخَافِينَ مِن أَن تَنقَطِعَ السِّلسِلَة؟
مِن أَن لا أَحَدَ يَحمِلُ القِصَصَ بَعدَك؟
تَوَقَّفَت الجَدَّةُ لَحظَةً حَقِيقِيَّة، وَفِي صَمتِهَا شَيءٌ كَانَ يَتَذَكَّرُ وَشَيءٌ كَانَ يَطمَئِنّ.
— كُنتُ أَخَاف.
أَيَّاماً طَوِيلَةً كُنتُ أَنظُرُ إِلَى مَن حَولِي وَأَرَى أَعيُناً مُنشَغِلَةً بِمَا يَلمَع.
ثُمَّ رَأَيتُ حَفِيدَتِي ذَاتَ يَومٍ تَجلِسُ وَتُصغِي بِنَفسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي كُنتُ أُصغِي بِهَا أَنَا لِجَدَّتِي.
لَم أَطلُب مِنهَا ذَلِك.
لَم أَقُل لَهَا: اجلِسِي وَاسمَعِي.
جَلَسَت وَحدَهَا كَأَنَّ شَيئاً فِيهَا يَعرِفُ مَكَانَهُ.
القِصَّةُ الحَقِيقِيَّةُ تَجذِبُ مَن يَستَحِقُّهَا.
هَذَا قَانُونٌ قَدِيمٌ أَقدَمُ مِنِّي وَمِن جَدَّاتِي.
________________________________________
— أُرِيدُ أَن أَفهَمَ أَكثَر:
لِمَاذَا تَحفَظُ القِصَّةُ مَا لا تَحفَظُهُ الكِتَابَة؟
نَظَرَت الجَدَّةُ إِلَيهِ كَأَنَّهَا كَانَت تَنتَظِرُ هَذَا السُّؤَالَ مُنذُ أَن دَخَل:
— الكِتَابَةُ تَحفَظُ الكَلِمَات.
القِصَّةُ الشِّفَهِيَّةُ تَحفَظُ الإِنسَان.
حِينَ أَحكِي لَكَ قِصَّةً، أَنقُلُ إِلَيكَ شَيئاً مِن نَبضِي وَمِن طَرِيقَةِ نَظرَتِي، وَرُبَّمَا شَيئاً مِن خَوفِي وَشَيئاً مِن أَمَلِي.
حَرَارَةَ اليَدِ الَّتِي تَحكِي.
الكِتَابَةُ لا تَنقُلُ هَذَا كُلَّه.
يُمكِنُ لِإِنسَانٍ أَن يَقرَأَ كِتَاباً كَامِلاً وَلا يَلتَقِيَ بِصَاحِبِه.
لَكِنَّكَ لا تَسمَعُ قِصَّةً مِن إِنسَانٍ حَقِيقِيٍّ دُونَ أَن تَتَلَامَسَ أَروَاحُكُمَا وَلَو لِلَحظَة.
________________________________________
قَالَ سَامِر بِتَرَدُّدٍ خَفِيف، كَأَنَّهُ يَعرِفُ مَسبَقاً أَنَّ مَا سَيَقُولُهُ قَاصِر:
— لَكِنَّ الكِتَابَةَ تَبقَى بَعدَ المَوت.
— وَالذَّاكِرَةُ تَبقَى فِي مَن سَمِعَ وَعَاشَ بِالقِصَّة.
أَنَا حِينَ أَمُوت، القِصَصُ الَّتِي زَرَعتُهَا فِي النَّاسِ سَتَستَمِرُّ بِهِم.
لَكِنَّهَا لَن تَكُونَ قِصَصِي بِالضَّبط.
سَتَكُونُ قِصَصَهُم المُتَشَكِّلَةَ مِن قِصَصِي.
وَهَذَا أَجمَلُ مِن أَن تَبقَى كَلِمَاتِي مَيِّتَةً فِي وَرَق.
الوَرَقُ يَحفَظُ جِثَّةَ الكَلِمَة.
وَالإِنسَانُ يَحفَظُ رُوحَهَا.
________________________________________
صَمَتَت الجَدَّةُ لَحظَة.
ثُمَّ نَظَرَت إِلَى سَامِرٍ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَة — كَأَنَّهَا قَرَّرَت شَيئاً كَانَ مُعَلَّقَاً.
— أُرِيدُ أَن أَحكِيَ لَكَ قِصَّة.
— أَنَا مُستَعِدّ.
أَغمَضَت الجَدَّةُ عَينَيهَا لَحظَةً واحِدَةً فَقَط، كَأَنَّهَا تَستَدعِي شَيئاً مِن مَكَانٍ بَعِيد.
ثُمَّ قَالَت:
________________________________________
— كَانَ رَجُلٌ يَبحَثُ عَن يَومٍ ضَاعَ مِنه.
مَشَى طَوِيلاً وَسَأَلَ كَثِيرَاً.
وَفِي كُلِّ مَكَانٍ وَجَدَ إِنسَاناً يَعرِفُ شَيئاً عَن الضَّيَاعِ وَشَيئاً عَن الوُجُود.
أَحيَاناً كَانَ مَا يَسمَعُهُ يُخِيفُهُ.
وَأَحيَاناً كَانَ يُضِيءُ لَهُ شَيئاً كَانَ مُظلِمَاً.
وَفِي النِّهَايَةِ وَصَلَ إِلَى بَاب.
البَابُ كَانَ مُغلَقَاً وَلا لَافِتَةَ عَلَيه.
فَقَرَع.
فَسَمِعَ صَوتاً مِن الدَّاخِلِ يَقُول: مَن؟
فَقَال: أَنَا.
فَقَالَ الصَّوت: لا يُوجَدُ هُنَا مُتَّسَعٌ إِلَّا لَكَ أَنت.
فَدَخَل.
صَمَتَت.
وَالصَّمتُ كَانَ جُزءاً مِن القِصَّة.
________________________________________
قَالَ سَامِر بَعدَ لَحظَةٍ مِن الصَّمتِ المُشتَرَك:
— وَمَاذَا وَجَد؟
— وَجَدَ نَفسَه.
لَكِن نُسخَةً مِنهُ تَعرِفُ مَا لا يَعرِفُهُ هُوَ بَعد.
— هَذِهِ قِصَّتِي.
ابتَسَمَت الجَدَّةُ بِهُدُوءٍ كَامِل، كَأَنَّهَا تَقُولُ: نَعَم، كُنتُ أَعرِف.
— كُلُّ قِصَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ هِيَ قِصَّةُ مَن يَسمَعُهَا.
هَذَا سِرُّ القِصَص.
لَيسَ أَنَّهَا تَحكِي عَن الآخَرِين.
بَل أَنَّهَا تَحكِي لَكَ عَن نَفسِكَ مِن خِلالِ مَنفَذٍ لَم تَكُن تَتَوَقَّعُهُ.
________________________________________
قَامَ سَامِر.
أَومَأَ لِلجَدَّةِ بِتَقدِيرٍ حَقِيقِيٍّ لا تَكَلُّفَ فِيه.
— شُكرَاً.
رَدَّت الجَدَّةُ بِحَسمٍ هَادِئ:
— لا تَشكُر.
احمِل مَا سَمِعت.
هَذَا كُلُّ مَا أَطلُبُه.
وَلا تَحمِلهُ كَمَا تَحمِلُ الكِتَاب — فِي الحَقِيبَة.
احمِلهُ كَمَا تَحمِلُ المَاء — فِي الجَسَد.
________________________________________
مَشَى سَامِرٌ وَهُوَ يَحمِلُ قِصَّةً لَم تُكتَب بَعد — قِصَّتُهُ هُوَ.
وَأَدرَكَ أَنَّ كُلَّ مَا سَمِعَهُ فِي هَذَا المُتحَفِ لَم يَكُن دُرُوساً تُحفَظ.
بَل مَوَادَّ خَامَ تَنتَظِر.
وَعَلَيهِ وَحدَهُ أَن يُشَكِّلَ مِنهَا مَا لا يَستَطِيعُ أَن يُشَكِّلَهُ أَحَدٌ غَيرُه.
وَتَساءَلَ — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّة — إِن كَانَ اليَومُ المَفقُودُ هُوَ بِالضَّبطِ اليَومُ الَّذِي يَبدَأُ فِيهِ تَشكِيلُ قِصَّتِه.
