متحف الأيام المفقودة 86

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ — السَّجِينُ السِّيَاسِيُّ – كَاوَهْ | إِيرَانُ، ٢٠٠٩م «الذَّاكِرَةُ كَمُقَاوَمَةٍ حِينَ تُصَادَرُ الأَقْلَامُ»
________________________________________
الغُرْفَةُ ضَيِّقَةٌ.
ضَيِّقَةٌ بِشَكْلٍ مَدْرُوسٍ، كَأَنَّ مَنْ صَمَّمَهَا كَانَ يَعْرِفُ مَا يَفْعَلُهُ ضَيِّقًا بِالذَّاكِرَةِ وَبِالجَسَدِ مَعًا. لَيْسَتْ بِحَجْمِ زِنْزَانَةٍ، لَكِنَّهَا تَسْتَحْضِرُهَا بِهَمَسٍ. جُدْرَانٌ قَرِيبَةٌ مِنْ بَعْضِهَا بِمَا يَكْفِي لِأَنْ تُحِسَّ بِوُجُودِهَا، وَبَعِيدَةٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْ تَتَنَفَّسَ. كَأَنَّهَا صُمِّمَتْ لِتَكُونَ عَلَى حَدِّ الاحْتِمَالِ بِالضَّبْطِ، لَا دُونَهُ وَلَا فَوْقَهُ.
وَفِيهَا رَجُلٌ يَمْشِي.
لَا يَجْلِسُ، لَا يَقِفُ سَاكِنًا، لَا يَتَكِئُ عَلَى الجِدَارِ. يَمْشِي ذَهَابًا وَإِيَابًا فِي مَسَارٍ ثَابِتٍ كَأَنَّ قَدَمَيْهِ تَعْرِفَانِ المَسَافَةَ حِفْظًا وَلَا تَحْتَاجَانِ إِلَى عَيْنَيْهِ لِتَهْتَدِيَا. أَرْبَعُ خُطُوَاتٍ وَعَوْدَةٌ. أَرْبَعُ خُطُوَاتٍ وَعَوْدَةٌ. الإِيقَاعُ مُنْتَظِمٌ كَنَبْضِ قَلْبٍ لَمْ يُقَرِّرْ بَعْدُ إِنْ كَانَ يُرِيدُ التَّوَقُّفَ.
حِينَ رَأَى سَامِرًا، تَوَقَّفَ. لَكِنَّ ذِرَاعَيْهِ ظَلَّتَا فِي حَرَكَةٍ خَفِيفَةٍ لَحْظَةً إِضَافِيَّةً، كَأَنَّ جَسَدَهُ احْتَاجَ ثَانِيَةً لِيُصَدِّقَ أَنَّ الأَمْرَ تَغَيَّرَ وَأَنَّ الحَرَكَةَ انْتَهَتْ فِعْلًا.
لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّأَخُّرُ قِلَّةَ انْتِبَاهٍ. كَانَ أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. فَعِلْمُ الأَعْصَابِ يُخْبِرُنَا أَنَّ الجَسَدَ الَّذِي أَقَامَ طَوِيلًا فِي حَالَةِ تَوَتُّرٍ مُزْمِنٍ يُطَوِّرُ ذَاكِرَةً عَضَلِيَّةً خَاصَّةً بِهِ، تَسْتَقِرُّ فِي الأَعْصَابِ وَالعِظَامِ لَا فِي الوُجْدَانِ وَحْدَهُ. المُحَارِبُونَ الَّذِينَ عَادُوا مِنَ الحُرُوبِ يَعْرِفُونَ هَذَا: الجَسَدُ يَحْمِلُ مَا تَحَاوَلُ الذَّاكِرَةُ الوَاعِيَةُ نِسْيَانَهُ. وَهَذَا الرَّجُلُ، مَعَ أَرْبَعِ خُطُوَاتٍ وَعَوْدَةٍ، كَانَ يَمْشِي فِي غُرْفَةٍ حُرَّةٍ بِخُطُوَاتِ سَجِينٍ لَا يَزَالُ جُزْءٌ مِنْهُ هُنَاكَ.
— كَاوَهْ؟
— نَعَمْ. عُذْرًا عَلَى المَشْيِ. أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ — الجَسَمُ تَعَلَّمَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى نَفْسِهِ بِالحَرَكَةِ.
— لَا حَاجَةَ لِلِاعْتِذَارِ. هَلْ يُمْكِنُنَا الجُلُوسُ؟
— أَنْتَ اجْلِسْ. أَنَا أُفَضِّلُ الوُقُوفَ فَتْرَةً. الكَرَاسِيُّ وَالجُدْرَانُ — بَيْنَهُمَا ذَاكِرَةٌ لَا أَزَالُ أُعَالِجُهَا.
جَلَسَ سَامِرٌ. نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ الوَاقِفِ، أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَكِنَّهُ يَبْدُو أَحْيَانًا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ تَمُرُّ عَلَى وَجْهِهِ ظِلَالٌ لَا تَنْتَمِي إِلَى الحَاضِرِ.
— أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ. بِسَبَبِ مَاذَا؟
— بِسَبَبِ كَلِمَاتٍ. كَتَبْتُ مَقَالَاتٍ. تَرْجَمْتُ نُصُوصًا. المَعْرِفَةُ حِينَ تُهَدِّدُ السُّلْطَةَ تُصْبِحُ جَرِيمَةً.
هَذِهِ الجُمْلَةُ لَيْسَتْ مَجَازًا وَلَا مُبَالَغَةً. عَبْرَ التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ الطَّوِيلِ، كَانَتِ المَكْتَبَاتُ تُحْرَقُ لِأَنَّ الكِتَابَ سِلَاحٌ يَبْقَى بَعْدَ انْتِهَاءِ المَعْرَكَةِ. أَحْرَقَ الإِسْكَنْدَرُ مَكْتَبَةَ فَارِسَ. أَحْرَقَ الغُزَاةُ مَكْتَبَةَ بَغْدَادَ عَامَ ١٢٥٨م حَتَّى قِيلَ إِنَّ مِيَاهَ دِجْلَةَ اسْوَدَّتْ مِنَ الحِبْرِ. وَفِي القَرْنِ العِشْرِينَ، كَانَ النَّازِيُّونَ يُحْرِقُونَ الكُتُبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِقُوا البَشَرَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْهَمُونَ أَنَّ الفِكْرَةَ أَخْطَرُ مِنَ الجَسَدِ الَّذِي يَحْمِلُهَا. كَاوَهْ لَمْ يُكْتَبْ عَنْهُ فِي الكُتُبِ بَعْدُ. لَكِنَّهُ يَنْتَمِي إِلَى سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ دَفَعُوا ثَمَنَ الفِكْرِ مِنْ حُرِّيَّتِهِمْ.
— وَمَاذَا فَعَلْتَ بَعْدَ أَنْ صَادَرُوا أَقْلَامَكَ وَأَوْرَاقَكَ؟
— لَمْ يَسْتَطِيعُوا مُصَادَرَةَ الرَّأْسِ. الذَّاكِرَةُ بَقِيَتْ.
— كَيْفَ اسْتَخْدَمْتَهَا؟
— حَفِظْتُ. كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ النَّوْمِ أُعِيدُ تَشْغِيلَ مَا أَعْرِفُهُ: قَصَائِدَ، نُصُوصًا فَلْسَفِيَّةً، آيَاتٍ قُرْآنِيَّةً، أَشْعَارًا فَارِسِيَّةً، أَفْكَارًا لَمْ تَكْتَمِلْ. كُنْتُ أُنَظِّمُهَا فِي رَأْسِي كَأَنَّنِي أُرَتِّبُ مَكْتَبَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
وَهَذَا لَمْ يَكُنِ اخْتِرَاعًا طَرِيفًا مِنْ كَاوَهْ وَحْدَهُ. كَانَتْ هَذِهِ طَرِيقَةَ الإِنْسَانِيَّةِ مُنْذُ فَجْرِهَا حِينَ لَمْ تَكُنِ الكِتَابَةُ مَوْجُودَةً بَعْدُ. الشُّعَرَاءُ الجَاهِلِيُّونَ حَفِظُوا دَوَاوِينَ كَامِلَةً فِي صُدُورِهِمْ وَنَقَلُوهَا شَفَاهًا مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ. الرُّهْبَانُ المَسِيحِيُّونَ فِي الكَهَنُوتِ الشَّرْقِيِّ كَانُوا يَحْفَظُونَ أَسْفَارَ الإِنْجِيلِ كَامِلَةً خَشْيَةَ حَرِيقٍ أَوْ غَزْوٍ. الأَدَبُ السَّوْفِيَتِيُّ المُضْطَهَدُ كَانَ يُتَنَاقَلُ كَتَابَةً يَدَوِيَّةً سِرِّيَّةً أَوْ حِفْظًا شَفَاهِيًّا بَيْنَ الشُّعَرَاءِ وَأَصْدِقَائِهِمُ المُقَرَّبِينَ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَرَادَتِ السُّلْطَةُ أَنْ تُصَادِرَ الكَلِمَةَ، اسْتَأْجَرَتِ الذَّاكِرَةُ البَشَرِيَّةُ وَبَقِيَتْ.
— وَهَلْ نَجَحَ هَذَا؟
— نَجَحَ فِي إِبْقَائِي. الإِنْسَانُ بِدُونِ فِكْرٍ يَتَفَتَّتُ. الفِكْرُ المَحْفُوظُ فِي الذَّاكِرَةِ كَانَ خَيْطًا يَرْبِطُنِي بِنَفْسِي.
— هَلْ خِفْتَ أَنْ تَنْسَى؟
— فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ بَدَأَتْ بَعْضُ الأَشْيَاءِ تَتَلَاشَى. أَسْمَاءٌ. تَوَارِيخُ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا طَبِيعِيًّا أَمْ أَنَّ الضَّغْطَ يَأْكُلُ الذَّاكِرَةَ. كَانَ مُرْعِبًا لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ كَانَتْ آخِرَ مَا أَمْلِكُهُ.
فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ فَهِمَ سَامِرٌ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَدْ وَعَى بِهِ بِوُضُوحٍ كَافٍ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَرْشِيفٍ لِلمَاضِي، بَلْ هِيَ أَيْضًا الطَّرِيقُ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ الإِنْسَانُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ هُوَ نَفْسَهُ. فَقَدِ الذَّاكِرَةِ لَيْسَ فَقَدَانَ المَاضِي فَحَسْبُ؛ هُوَ فَقَدَانُ الخَيْطِ الَّذِي يَرْبِطُ اللَّحْظَةَ الحَاضِرَةَ بِالشَّخْصِ الَّذِي كَانَ. وَحِينَ يَنْقَطِعُ هَذَا الخَيْطُ، لَا يَعُودُ الإِنْسَانُ قَادِرًا عَلَى الإِجَابَةِ عَنِ السُّؤَالِ البَسِيطِ المُرَوِّعِ: مَنْ أَنَا؟
— وَكَيْفَ تَصَرَّفْتَ؟
— طَوَّرْتُ نِظَامًا. رَبَطْتُ كُلَّ مَعْلُومَةٍ بِصُورَةٍ حِسِّيَّةٍ. قَصِيدَةَ المُتَنَبِّي رَبَطْتُهَا بِصُورَةِ تُفَّاحَةٍ كَانَتْ فِي بَيْتِ أُمِّي. حُجَّةً فَلْسَفِيَّةً رَبَطْتُهَا بِصَوْتِ مُعَلِّمٍ قَدِيمٍ. الصُّوَرُ الحِسِّيَّةُ تَبْقَى أَطْوَلَ مِنَ الكَلِمَاتِ المُجَرَّدَةِ — هَذَا مَا يَقُولُهُ عِلْمُ الأَعْصَابِ، وَأَنَا اكْتَشَفْتُهُ بِالتَّجْرِبَةِ.
لَمْ يَكُنْ كَاوَهْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَخْتَرِعُ مَا اخْتَرَعَهُ الخُطَبَاءُ الإِغْرِيقُ القُدَامَى بِاسْمِ «طَرِيقَةِ الأَمَاكِنِ» — Loci Method. كَانُوا يَتَخَيَّلُونَ قَصْرًا ذِهْنِيًّا وَيَضَعُونَ فِي كُلِّ غُرْفَةٍ مِنْ غُرَفِهِ فِكْرَةً أَوْ حُجَّةً يُرِيدُونَ تَذَكُّرَهَا، ثُمَّ يَتَجَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ القَصْرِ المُتَخَيَّلِ وَقْتَ الخِطَابَةِ فَيَجِدُونَ مَا وَضَعُوهُ مَكَانَهُ. وَكَاوَهْ فِي زِنْزَانَتِهِ بَنَى قَصْرَهُ الذِّهْنِيَّ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّهُ بَنَاهُ مِنَ الضَّرُورَةِ لَا مِنَ الرَّفَاهِيَةِ. فِي تُفَّاحَةِ الأُمِّ، كَانَ يَحْفَظُ المُتَنَبِّيَ. وَفِي صَوْتِ المُعَلِّمِ، كَانَ يَحْفَظُ الفَلْسَفَةَ. وَفِي كِلَيْهِمَا مَعًا، كَانَ يَحْفَظُ نَفْسَهُ.
— الذَّاكِرَةُ الحِسِّيَّةُ كَحَارِسٍ.
— الذَّاكِرَةُ الحِسِّيَّةُ جِذْرٌ. وَالكَلِمَاتُ المُجَرَّدَةُ فُرُوعٌ. الفُرُوعُ تَتَكَسَّرُ. الجِذْرُ يَصْمُدُ.
— حِينَ خَرَجْتَ — كَيْفَ كَانَ العَالَمُ؟
— غَرِيبًا. أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ وَالعَالَمُ تَغَيَّرَ وَالأَشْخَاصُ تَغَيَّرُوا وَأَنَا تَغَيَّرْتُ. الأَصْعَبُ لَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرَ — كَانَ الشُّعُورَ بِأَنَّ جُزْءًا مِنِّي بَقِيَ هُنَاكَ. دَاخِلَ تِلْكَ الجُدْرَانِ الضَّيِّقَةِ.
— جُزْءٌ مِنْكَ بَقِيَ فِي السِّجْنِ؟
— جُزْءٌ مِنْ ذَاكِرَتِي تَشَكَّلَ هُنَاكَ. أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ هِيَ جُزْءٌ مِنْ هُوِيَّتِي الآنَ سَوَاءٌ أَرَدْتُ أَمْ لَا. المَشْيُ الَّذِي تَرَاهُ — لَا أَسْتَطِيعُ إِيقَافَهُ تَمَامًا. الجَسَدُ حَمَلَ مَا لَمْ يَسْتَطِعِ العَقْلُ نِسْيَانَهُ.
هَذِهِ الحَقِيقَةُ الَّتِي يَصِفُهَا كَاوَهْ تَجِدُ صَدَاهَا فِي مَفْهُومٍ نَفْسِيٍّ مُهِمٍّ يُعْرَفُ بِالصَّدْمَةِ المُعَقَّدَةِ؛ وَهِيَ حَالَةٌ لَا تَخُصُّ الذَّاكِرَةَ الوَاعِيَةَ وَحْدَهَا، بَلْ تُشَكِّلُ الجِهَازَ العَصَبِيَّ بِكَامِلِهِ، فَيُصْبِحُ الجَسَدُ مُسَجِّلًا صَامِتًا يَحْتَفِظُ بِمَا عَاشَهُ حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَنْسَى الذَّاكِرَةُ الوَاعِيَةُ التَّفَاصِيلَ. المُعَالِجُونَ النَّفْسِيُّونَ الَّذِينَ عَمِلُوا مَعَ النَّاجِينَ مِنَ الصَّدَمَاتِ الكُبْرَى يَعْرِفُونَ أَنَّ العِلَاجَ الكَلَامِيَّ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي أَحْيَانًا؛ لِأَنَّ الجُرْحَ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ، بَلْ فِي مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنَ اللُّغَةِ، فِي أَلْيَافٍ عَصَبِيَّةٍ تَحْفَظُ الخَوْفَ كَمَا يَحْفَظُ المَغْنَاطِيسُ المَعْدِنَ.
— هَلْ تُرِيدُ نِسْيَانَهُ؟
تَوَقَّفَ. فَكَّرَ بِصِدْقٍ وَاضِحٍ، كَأَنَّ السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَامَلَ بِجِدِّيَّةٍ لَا بِإِجَابَةٍ جَاهِزَةٍ مَحْفُوظَةٍ:
— لَا. لِأَنَّ نِسْيَانَهُ سَيَعْنِي نِسْيَانَ كُلِّ مَا صَنَعْتُهُ هُنَاكَ أَيْضًا. الأَفْكَارُ الَّتِي نَضَجَتْ فِي تِلْكَ الضِّيقَةِ. الوُضُوحُ الَّذِي جَاءَ مِنِ انْعِدَامِ الضَّجِيجِ الخَارِجِيِّ. القَصَائِدُ الَّتِي حَفِظْتُهَا وَأَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنِّي. لَا أُرِيدُ نِسْيَانَهَا.
وَفِي إِجَابَتِهِ هَذِهِ حِكْمَةٌ لَا يَمْنَحُهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ مَا عَاشَهُ كَاوَهْ: أَنَّ التَّجْرِبَةَ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ أَلِيمَةً، لَيْسَتْ شَيْئًا يُضَافُ إِلَى مَنِ الإِنْسَانُ مِنَ الخَارِجِ، بَلْ هِيَ شَيْءٌ يُعِيدُ تَشْكِيلَهُ مِنَ الدَّاخِلِ. الإِنْسَانُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ لَيْسَ هُوَ ذَاتُهُ الَّذِي دَخَلَهُ مَعَ إِضَافَةِ سَنَوَاتٍ أَرْبَعٍ. هُوَ شَخْصٌ مُخْتَلِفٌ، تَشَكَّلَ مِنْ تِلْكَ الضِّيقَةِ وَالحِفْظِ وَالخَوْفِ وَالصُّمُودِ، وَنِسْيَانُ السِّجْنِ سَيَعْنِي نِسْيَانَ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ.
— هَلْ كَتَبْتَ بَعْدَ خُرُوجِكَ عَمَّا عِشْتَهُ؟
— كَتَبْتُ. لَكِنْ لَيْسَ مُبَاشَرَةً. احْتَجْتُ وَقْتًا حَتَّى تَنْضُجَ الكَلِمَاتُ. الكِتَابَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَأْتِي فِي لَحْظَةِ الأَلَمِ — تَأْتِي حِينَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الأَلَمِ دُونَ أَنْ يَأْخُذَكَ.
وَهَذَا مَا يَفْرِقُ بَيْنَ التَّعْبِيرِ وَالكِتَابَةِ. التَّعْبِيرُ صَرْخَةٌ تَخْرُجُ فِي لَحْظَتِهَا. أَمَّا الكِتَابَةُ فَهِيَ عَمَلِيَّةُ تَأَمُّلٍ تَأْتِي حِينَ يُصْبِحُ الكَاتِبُ قَادِرًا عَلَى الجُلُوسِ أَمَامَ تَجْرِبَتِهِ كَشَاهِدٍ عَلَيْهَا، لَا كَأَسِيرٍ لَهَا. فُلُوبِيرُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ الفَنَّانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَاللهِ فِي خَلِيقَتِهِ: حَاضِرًا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَا تَرَاهُ فِي أَيِّ مَكَانٍ. وَمَا يَعْنِيهِ كَاوَهْ شَيْءٌ مُقَارِبٌ: الكَاتِبُ الحَقِيقِيُّ يَكُونُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الأَلَمِ بِمَا يَكْفِي لِيَحْكِيَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَعِدْ عَنْهُ بِمَا يَكْفِي لِيَفْقِدَ حَرَارَتَهُ.
— وَالكِتَابَةُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا — كَيْفَ تَغَيَّرَتْ؟
— صَارَتْ أَكْثَرَ وُضُوحًا. حِينَ تَعْرِفُ ثَمَنَ الكَلِمَةِ — حِينَ تَعْرِفُ أَنَّكَ دَفَعْتَ سَنَوَاتٍ مُقَابِلَ كَلِمَاتٍ قُلْتَهَا — تُصْبِحُ أَكْثَرَ دِقَّةً فِي اخْتِيَارِ مَا تَقُولُهُ. كُلُّ كَلِمَةٍ أَكْتُبُهَا الآنَ تَحْمِلُ وَزْنًا لَمْ تَكُنْ تَحْمِلُهُ قَبْلَ السِّجْنِ.
— الكَلِمَةُ كَمَسْؤُولِيَّةٍ لَا كَتَعْبِيرٍ فَقَطْ.
— الكَلِمَةُ كَفِعْلٍ. لِأَنَّهَا كَانَتْ فِعْلًا عُوقِبْتُ عَلَيْهِ.
هَذَا التَّمَيُّزُ بَيْنَ الكَلِمَةِ كَتَعْبِيرٍ وَالكَلِمَةِ كَفِعْلٍ لَيْسَ تَفَاصُحًا أَدَبِيًّا. هُوَ حَقِيقَةٌ فِلْسَفِيَّةٌ عَمِيقَةٌ عَرَفَهَا المُتَفَلْسِفُونَ قَبْلَ كَاوَهْ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ. حِينَ قَالَ الفَيْلَسُوفُ أوْسْتِنْ إِنَّ بَعْضَ الجُمَلِ لَا تَصِفُ فِعْلًا بَلْ هِيَ ذَاتُهَا فِعْلٌ، كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الكَلِمَاتِ الَّتِي تُغَيِّرُ الوَاقِعَ حِينَ تُنْطَقُ: «أَنَا أَتَزَوَّجُ» تَزْوِيجٌ، وَ«أَنَا أَعِدُكَ» وَعْدٌ، لَا وَصْفٌ لِزَوَاجٍ أَوْ وَعْدٍ. وَمَقَالَةُ كَاوَهْ كَانَتْ فِعْلًا بِهَذَا المَعْنَى: لَمْ تَصِفِ المُعَارَضَةَ، بَلْ كَانَتْ هِيَ المُعَارَضَةَ. وَلِهَذَا بِالذَّاتِ خَافَتِ السُّلْطَةُ مِنْهَا.
— وَمَا الحِكْمَةُ الَّتِي لَنْ تَتْرُكَهَا مِمَّا تَعَلَّمْتَهُ؟
مَشَى كَاوَهْ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ. ثُمَّ تَوَقَّفَ. قَالَ:
— أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَا تَحْفَظُهُ — هِيَ مَا تَخْتَارُ أَنْ تَبْقَى بِسَبَبِهِ. أَنَا بَقِيتُ لِأَنَّنِي قَرَّرْتُ أَنَّ مَا فِي رَأْسِي يَسْتَحِقُّ الحِفَاظَ عَلَيْهِ. وَهَذَا القَرَارُ — قَرَارُ أَنَّ شَيْئًا فِيكَ يَسْتَحِقُّ الحِمَايَةَ — هُوَ أَعْمَقُ فِعْلٍ إِنْسَانِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ بِهِ.
خَرَجَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ. سَمِعَ خَلْفَهُ صَوْتَ خُطُوَاتٍ تَسْتَأْنِفُ مَسَارَهَا — أَرْبَعُ خُطُوَاتٍ وَعَوْدَةٌ. أَرْبَعُ خُطُوَاتٍ وَعَوْدَةٌ.
وَأَدْرَكَ سَامِرٌ وَهُوَ يَمْشِي أَنَّ الذَّاكِرَةَ المُقَاوِمَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ ذَاكِرَةً تَتَحَدَّى مَحْوَ الآخَرِينَ — هِيَ أَوَّلًا ذَاكِرَةٌ تَتَحَدَّى مَحْوَ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ. وَالقَرَارُ بِأَنَّ شَيْئًا فِيكَ يَسْتَحِقُّ الحِفَاظَ عَلَيْهِ هُوَ نُقْطَةُ الانْطِلَاقِ لِكُلِّ مَا تَبَقَّى.
وَفِي هَذَا وَجَدَ سَامِرٌ صَدًى لِمَا يَبْحَثُ عَنْهُ هُوَ نَفْسُهُ: لِيْسَ كُلُّ ذَاكِرَةٍ مَفْقُودَةٌ مَسْرُوقَةٌ، وَلَيْسَتْ كُلُّ فَجْوَةٍ فِي الزَّمَنِ خِيَانَةً. أَحْيَانًا مَا يُوجَدُ خَلْفَ النِّسْيَانِ لَيْسَ غِيَابًا، بَلْ شَيْءٌ انْتَظَرَ فِي الصَّمْتِ حَتَّى يَجِدَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ.
________________________________________
وَمَضَى إِلَى الرَّوَاقِ، وَصَوْتُ الخُطُوَاتِ الأَرْبَعِ لَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي أُذُنَيْهِ كَإِيقَاعٍ لَا يَنْسَى.

متحف الأيام المفقودة 87