الْخَاتِمَةُ
———————————————————————–
كَتَبْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة، وَهِيَ اللُّغَةُ الَّتِي تَحْمِلُ فِي بُنْيَتِهَا الصَّوْتِيَّةِ وَالصَّرْفِيَّةِ ذَاكِرَةً جَمْعِيَّةً عُمْرُهَا آلَافُ السِّنِين.
كَتَبْتُهَا فِي أَلْمَانْيَا، مِنْ مَكْتَبٍ يُطِلُّ عَلَى غَابَةٍ لَا تُشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ فِي طُفُولَتِي.
وَكَتَبْتُهَا عَنْ شَخْصٍ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُتْحَفٍ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْخَيَال، مَلِيءٍ بِأَصْوَاتِ كُلِّ شَخْصٍ مَاتَ أَوْ عَاشَ عَلَى هَذِهِ الأَرْض.
إِنْ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ قَدْ نَجَحَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَقَط، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا:
أَنْ يَجْعَلَ الْقَارِئَ — أَيَّ قَارِئٍ — يَشْعُرُ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ أَقَلُّ وَحْدَةً فِي فَقْدَانِه، وَأَنَّ ذَاكِرَتَه — حَتَّى الْمُشَوَّهَةِ وَالْمَثْقُوبَةِ وَالْخَائِفَة — تَسْتَحِقُّ أَنْ تُحْتَرَمَ وَأَنْ تُرْوَى— .
———————————————————————–
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا أَوَّلُ مَنْ وَصَلَ إِلَى السُّؤَالِ، بَيْنَمَا لَا نَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا حَلْقَةً فِي سِلْسِلَةِ مَنْ سَبَقَ وَطَرَقَ بَابَ السُّؤَالِ.
«لِمَاذَا هَذِهِ الرِّوَايَة؟ وَلِمَاذَا هُنَا؟ وَلِمَاذَا هُو؟»
لِكُلِّ رِوَايَةٍ عَتَبَتَان عَلَى الأَقَلِّ:
عَتَبَةُ الْقَارِئِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْخَيَال، وَعَتَبَةُ الْكَاتِبِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ بَابِ السُّؤَال.
وَهَذَهِ دَعْوَةٌ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقِفَ مَعِي لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ الْكِتَاب، لِنَتَحَدَّثَ بِصَوْتٍ مُبَاشِرٍ عَنْ ثَلَاثَةِ اخْتِيَارَاتٍ شَكَّلَتِ الْعَمُودَ الْفِقْرِيَّ لِهَذَا الْعَمَل:
لِمَاذَا هَذِهِ الرِّوَايَة؟ وَلِمَاذَا أَلْمَانْيَا؟ وَلِمَاذَا اللَّاجِئُ السُّورِيّ؟
ـ أَوَّلاً:
الْغَايَةُ الْبَعِيدَةُ وَالْهَدَفُ الْمُبَاشِر
حِينَ بَدَأْتُ أُفَكِّرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة، لَمْ أَكُنْ أَكْتُبُ قِصَّة.
كُنْتُ أَطْرَحُ سُؤَالاً أَعْمَق:
هَلْ يُمْكِنُ لِعَمَلٍ أَدَبِيٍّ وَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مُتْحَفًا لِلذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَمِرْآةً لِوَحْدَةِ التَّجْرِبَةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي مَصِيرِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ يَعِيشُ تَمَزُّقَهُ الْخَاصَّ فِي زَمَنِهِ؟
الْهَدَفُ الْمُبَاشِرُ كَانَ وَاضِحاً فِي ذِهْنِي مُنْذُ الْبِدَايَة:
أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ حِوَاراً مَوْسُوعِيَّاً، لَا ادِّعَاءً بِالْمَوْسُوعِيَّة.
أَنْ تَتَحَدَّثَ الشَّخْصِيَّاتُ بِصَوْتِهَا الْخَاصّ، بِمَنْطِقِ حَضَارَتِهَا وَزَمَنِهَا وَمُعَانَاتِهَا، لَا أَنْ تَكُونَ وَاجِهَاتٍ جَمِيلَةً تَقِفُ خَلْفَهَا أَفْكَارُ الْكَاتِبِ وَحْدَه.
أَنْ يَخْرُجَ الْقَارِئُ فِي نِهَايَتِهَا وَقَدْ سَمِعَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ صَوْتاً بَشَرِيَّاً — مِنَ الْجَسِيمِ الأَوَّلِ إِلَى الطِّفْلَةِ النَّاجِيَة — وَمَعَ ذَلِكَ يَشْعُرُ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتاً وَاحِداً فِي جَوْهَرِه:
الصَّوْتُ الَّذِي يَقُول:
نَحْنُ هُنَا، وَقَدْ كُنَّا هُنَا دَائِمَاً، وَسَنَظَلُّ نَتَسَاءَل.
لَكِنَّ الْغَايَةَ الْبَعِيدَةَ كَانَتْ أَعْمَقَ مِنْ هَذَا.
———————————————————————–
كُنْتُ أُرِيدُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ تُقَاوِمَ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ النِّسْيَانِ تُهَدِّدُ جِيلَنَا فِي آنٍ وَاحِد:
النَّوْعُ الأَوَّلُ هُوَ نِسْيَانُ الْجُذُور:
الإِنْسَانُ الْمُعَاصِر، مَسْحُوقاً بِسُرْعَةِ الْمَعْلُومَاتِ وَزَخَمِ الْحَاضِر، يَنْسَى بِسُهُولَةٍ أَنَّهُ نِتَاجُ تَرَاكُمٍ ضَخْمٍ مَدِيد؛ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ بَنَوْا وَشَكَّكُوا وَأَحَبُّوا وَأَخْطَأُوا وَتَعَلَّمُوا.
وَأَنَّ مَا يَعْتَقِدُ الْيَوْمَ أَنَّهُ اكْتَشَفَهُ وَحْدَهُ قَدْ عَرَفَتْهُ الْكَاهِنَةُ الْكَلْتِيَّةُ وَابْنُ سِينَا وَالْجُنْدِيُّ الْفَارِسِيّ — كُلٌّ بِلُغَتِهِ وَإِشَارَتِه.
—————-
النَّوْعُ الثَّانِي هُوَ نِسْيَانُ الآخَر:
فِي عَالَمٍ يَرْتَفِعُ فِيهِ مَنْسُوبُ الِانْغِلَاقِ وَالتَّنْمِيطِ وَالْكَرَاهِيَة، أَرَدْتُ رِوَايَةً تَضَعُ الْجَمِيعَ جَنْباً إِلَى جَنْبٍ بِلَا هَرَمِيَّة:
الشَّاعِرَةُ الإِغْرِيقِيَّةُ وَالْعَالِمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالرَّاهِبَةُ الْمَسِيحِيَّةُ وَالْكَاهِنُ الزَّرَادُشْتِيُّ وَالنَّاشِطَةُ الْبِيلَارُوسِيَّة — يَتَحَدَّثُونَ عَنْ نَفْسِ الأَسْئِلَةِ بِأَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَة، وَيُثْبِتُونَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَيْسَ تَنَاقُضاً بَلْ ثَرَاء.
—————–
النَّوْعُ الثَّالِثُ هُوَ نِسْيَانُ الذَّات:
سَامِرٌ لَا يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ مَفْقُودٍ فِي التَّقْوِيمِ فَحَسْب.
يَبْحَثُ عَنْ قَرَارٍ قَدِيمٍ اتَّخَذَهُ ثُمَّ خَافَ مِنْ مُوَاجَهَتِه.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ النِّسْيَانِ هُوَ الأَكْثَرُ شُيُوعاً وَالأَقَلُّ اعْتِرَافاً بِه:
حِينَ نَمْحُو مِنْ ذَاكِرَتِنَا لَيْسَ مَا آلَمَنَا بَلْ مَا أَخْجَلَنَا، لَيْسَ مَا خَسِرْنَاهُ بَلْ مَا اخْتَرْنَاهُ ثُمَّ نَدِمْنَا عَلَى اخْتِيَارِه.
الرِّوَايَةُ تَقُولُ لِلْقَارِئِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِر:
انْظُرْ إِلَى فَجَوَاتِكَ الْخَاصَّةِ بِلَا خَوْف.
الِاعْتِرَافُ بِهَا لَيْسَ ضَعْفاً — هُوَ الشَّرْطُ الأَوَّلُ لِلْحُرِّيَّة.
———————————————————————–
ـ ثَانِياً:
أَلْمَانْيَا، وَالْمُتْحَفَانِ الْحَقِيقِيُّ وَالْوَهْمِيّ
حِينَ تَبْحَثُ عَنْ دَوْلَةٍ تَحْمِلُ فِي كِيَانِهَا الْجُغْرَافِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ أَكْبَرَ قَدْرٍ مِنَ التَّوَتُّرِ بَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَان، بَيْنَ الْفَخْرِ وَالْخِزْي، بَيْنَ الْهَدْمِ وَإِعَادَةِ الْبِنَاء، سَتَجِدُ أَلْمَانْيَا فِي مُقَدِّمَةِ الْقَائِمَةِ دَائِمَاً.
أَلْمَانْيَا، فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ وَحْدَه، عَاشَتْ حَرْبَيْنِ كَوْنِيَّتَيْن، ثُمَّ انْقِسَاماً مُزْدَوَجاً لِلرُّوحِ وَالْجُغْرَافِيَا لِعُقُود، ثُمَّ إِعَادَةَ وَحْدَةٍ مُؤْلِمَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ نَفْسِيَّاً حَتَّى الْيَوْمَ بِالْكَامِل.
وَبَدَلاً مِنْ أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ هَذَا الثِّقَلِ الْهَائِلِ بِالإِنْكَارِ أَوِ التَّبْرِيرِ أَوِ الصَّمْتِ الْمُرِيح، اخْتَارَتْ أَلْمَانْيَا — وَإِنْ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ وَعَبْرَ أَجْيَالٍ طَوِيلَة — مُوَاجَهَةَ ذَاكِرَتِهَا وَجْهاً لِوَجْه، حَتَّى بَنَتْ فِي قَلْبِ عَاصِمَتِهَا نُصُباً تَذْكَارِيَّةً لِلْجَرَائِمِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا أَجْدَادُهَا.
هَذِهِ الْجُرْأَةُ الأَخْلَاقِيَّةُ عَلَى الذَّاكِرَةِ هِيَ مَا جَعَلَ أَلْمَانْيَا الأَنْسَبَ جُغْرَافِيَّاً وَرَمْزِيَّاً لِاحْتِضَانِ الْمُتْحَفِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمُتْحَفِ الْوَهْمِيِّ مَعاً.
——————
الْمُتْحَفُ الْحَقِيقِيُّ فِي أَلْمَانِيَا لَيْسَ بِنَاءً وَاحِدًا.
أَلْمَانِيَا مَلِيئَةٌ بِالْمَتَاحِفِ، عَلَى نَحْوٍ يَفُوقُ مُعْظَمَ دُوَلِ الْعَالَمِ،
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَتَاحِفِ تُؤَدِّي وَظِيفَةً مُشْتَرَكَةً:
رَفْضُ نِسْيَانِ مَا حَدَثَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ مَا حَدَثَ مُؤْلِمًا وَمُحْرِجًا وَمُدَمِّرًا.
أَلْمَانِيَا لَيْسَتْ بَلَدًا يَحْفَظُ تَارِيخَهُ فِي الْكُتُبِ فَقَطْ، بَلْ فِي الْفَضَاءِ الْعَامِّ نَفْسِهِ.
مُتَاحِفُهَا وَنُصُبُهَا التَّذْكَارِيَّةُ لَيْسَتِ احْتِفَالًا بِالْمَاضِي، بَلْ تَدْرِيبًا مُسْتَمِرًّا عَلَى أَلَّا يُنْسَى.
——————
وَمُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة — الْمُتْحَفُ الْوَهْمِيُّ الَّذِي تَدُورُ فِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَة — لَيْسَ اسْتِثْنَاءً مِنْ هَذَا السِّيَاقِ بَلِ امْتِدَادٌ لَه.
إِنَّهُ الْمُتْحَفُ الَّذِي يَحْفَظُ مَا لَا تَسْتَطِيعُ الْمَتَاحِفُ أَنْ تَحْفَظَه:
الذِّكْرَيَاتُ الْفَرْدِيَّة، الأَيَّامُ الَّتِي لَمْ تُسَجِّلْهَا كَامِيرَا وَلَمْ يُوَثِّقْهَا أَرْشِيف، الِاخْتِيَارَاتُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي غَيَّرَتْ حَيَاةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا أَحَد.
فِي أَلْمَانْيَا، هَذَا النَّوْعُ مِنَ الذَّاكِرَةِ يَحْمِلُ وَزْناً مُضَاعَفاً، وَلَعَلَّ التَّارِيخَ الْأَلْمَانِيَّ مِنْ أَجْلَى التَّجَارِبِ الَّتِي كَشَفَتْ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ صَمْتُ الْأَفْرَادِ، مَعَ الزَّمَنِ، إِلَى كَوَارِثَ جَمَاعِيَّةٍ.
وَهُنَاكَ سَبَبٌ آخَرُ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّة:
أَلْمَانْيَا الْيَوْمَ هِيَ إِحْدَى أَكْبَرِ بُلْدَانِ اللُّجُوءِ فِي الْعَالَم، وَفِي قَلْبِ مُجْتَمَعِهَا الْجَدِيدِ الْمُتَحَوِّلِ يَعِيشُ مِئَاتُ الآلَافِ مِنَ السُّورِيِّين، يَحْمِلُونَ فِي أَيْدِيهِمِ الْبَاقِيَةِ أَجْزَاءً مِنْ ذَاكِرَةِ حَضَارَةٍ عُمْرُهَا آلَافُ السِّنِين.
هَذَا التَّنَاقُضُ الْخَصِيبُ بَيْنَ أَرْضٍ أَلْمَانِيَّةٍ تُحَاوِلُ مُعَالَجَةَ جِرَاحِ مَاضِيهَا وَأَرْوَاحٍ سُورِيَّةٍ تَحْمِلُ جِرَاحَ حَاضِرِهَا — هُوَ اللِّقَاءُ الَّذِي تُجَسِّدُهُ الرِّوَايَةُ فِي لَحْظَةٍ سَرْدِيَّةٍ وَاحِدَة.
———————————————————————–
ـ ثَالِثاً: اللَّاجِئُ السُّورِيُّ وَخُصُوصِيَّةُ سُورِيَّة
حِينَ بَحَثْتُ عَنْ بَطَلٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ زَمَنَيْنِ: ذَاكِرَةً ضَارِبَةً فِي الْقِدَمِ، وَحَيَاةً تَتَشَكَّلُ فِي قَلْبِ وَاحِدَةٍ مِنْ أَحْدَثِ التَّجَارِبِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ.
سُورِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ دَوْلَةٍ؛ إِنَّهَا ذَاكِرَةُ الْمَكَانِ حِينَ يَطُولُ أَكْثَرَ مِنْ أَعْمَارِ الدُّوَلِ، وَحِينَ يَتَحَوَّلُ التَّارِيخُ مِنْ حِكَايَةٍ تُرْوَى إِلَى أَرْضٍ تُقْرَأُ.
وَدِمَشْقُ، الَّتِي تُعَدُّ فِي نَظَرِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ أَقْدَمَ عَاصِمَةٍ مَأْهُولَةٍ بِاسْتِمْرَارٍ، لَا تَشْهَدُ عَلَى التَّارِيخِ فَقَطْ؛ بَلْ تَحْمِلُهُ فِي حِجَارَتِهَا وَأَزِقَّتِهَا، حَيْثُ يَمْشِي الْمَرْءُ فَوْقَ طَبَقَاتٍ مِنَ الزَّمَنِ، لَا فَوْقَ الْأَرْضِ وَحْدَهَا.
لِمَاذَا إِذَنِ اللَّاجِئُ السُّورِيُّ تَحْدِيدَاً، لَا اللَّاجِئُ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَر؟
لأَنَّ فِي هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ بِالذَّاتِ يَتَجَمَّعُ أَكْبَرُ تَضَادٍّ رَمْزِيٍّ مُمْكِنٍ فِي عَالَمِ الْيَوْم:
وَارِثُ أَقْدَمِ حَضَارَاتِ الأَرْض، مُهَجَّرٌ مِنْ أَرْضِ أَجْدَادِه، يَعِيشُ حَاضِراً مُعَلَّقاً بَيْنَ ذَاكِرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِعَادَتَهَا كَامِلَةً وَمُسْتَقْبَلٍ لَا يَسْتَطِيعُ ضَمَانَهُ كَامِلاً.
اللَّاجِئُ السُّورِيُّ لَا يَحْمِلُ حَقِيبَةً فَقَط.
يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ أُوغَارِيتَ وَتَدْمُرَ وَحَلَبَ وَالْغُوطَة، يَحْمِلُ صَوْتَ الأَذَانِ فِي أُمَيَّةَ وَالْكَنَائِسَ فِي مَعْلُولَا وَأَعْيَادَ الْعُرُوبَةِ فِي الذّاكِرَةِ.
وَهَذَا التَّضَادُّ هُوَ الأَجْدَرُ بِأَنْ يَحْمِلَ سُؤَالَ الرِّوَايَةِ كُلَّه.
لأَنَّ فَقْدَانَ الذَّاكِرَةِ الشَّخْصِيَّةِ عِنْدَ سَامِرٍ لَا يُقْرَأُ بِمَعْزِلٍ عَنْ فَقْدَانِ الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيِّ الَّذِي أَصَابَ شَعْبَهُ بِأَسْرِه.
مَنْ يُهَجَّرُ لَا يَفْقِدُ بَيْتاً فَقَط؛ يَفْقِدُ السِّيَاقَ الْكَامِلَ الَّذِي كَانَتْ ذَاكِرَتُهُ تَحْيَا فِيه — الأَزِقَّةُ الَّتِي عَلَّمَتْهُ كَيْفَ يَتَذَكَّر، وَالْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَّرَتْهُ مَنْ هُو، وَالأَصْوَاتُ الَّتِي أَثْبَتَتْ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ.
حِينَ يُنْزَعُ هَذَا السِّيَاقُ مِنْ إِنْسَان، تَصْبَحُ الذَّاكِرَةُ الْفَرْدِيَّةُ مُعَلَّقَةً فِي هَوَاءٍ لَا أَرْضَ لَه.
سَامِرٌ إِذَنْ لَيْسَ فَقَطْ شَخْصاً يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَدَهُ مِنْ حَيَاتِه.
هُوَ صُورَةٌ مُصَغَّرَةٌ لِمَلَايِينَ مِنْ أَبْنَاءِ شَعْبِهِ يَبْحَثُونَ عَنْ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ فَقَدُوهَا.
وَفِي هَذَا التَّشَابُهِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِير، بَيْنَ الْفَرْدِيِّ وَالْجَمَاعِيّ، يَقَعُ قَلْبُ هَذِهِ الرِّوَايَة.
كَانَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَخْتَارَ بَطَلاً أُورُوبِيَّاً مُتَعَلِّماً يَعِيشُ أَزْمَةَ هُوِيَّةٍ مُرِيحَةٍ فِي شَقَّةٍ أَنِيقَة.
لَكِنَّنِي اخْتَرْتُ السُّورِيَّ اللَّاجِئَ لأَنَّ أَزْمَتَهُ لَيْسَتْ تَرَفاً وُجُودِيَّاً.
هِيَ حَالَةٌ طَارِئَةٌ، مَضْغُوطَةٌ بَيْنَ مَاضٍ لَمْ يُسْتَعَدْ وَحَاضِرٍ لَمْ يُسْتَقَرَّ فِيه.
وَحِينَ يَكْتَشِفُ فِي نِهَايَةِ رِحْلَتِهِ أَنَّ يَوْمَهُ الْمَفْقُودَ لَمْ يَكُنْ غِيَاباً بَلِ اخْتِيَاراً خَائِفاً، فَإِنَّ هَذَا الِاكْتِشَافَ يَحْمِلُ رِسَالَةً أَوْسَعَ بِكَثِير:
حَتَّى فِي أَعْمَقِ حَالَاتِ الضَّيَاعِ الْجَمَاعِيّ، ثَمَّةَ قَرَارَاتٌ فَرْدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ بَقِيَتْ مِلْكَنَا وَحْدَنَا، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ انْتِزَاعَهَا مِنَّا.
وَهَذِهِ الْقَرَارَاتُ الصَّغِيرَةُ هِيَ مَا نَبْنِي عَلَيْه، حِينَ يَحِينُ وَقْتُ الْبِنَاء.
فَرُبَّمَا لَمْ تَكُنِ الْأَيَّامُ الْمَفْقُودَةُ مَفْقُودَةً قَطُّ؛ بَلْ كَانَتْ تَنْتَظِرُ أَنْ نَعْرِفَهَا بِاسْمِهَا:
-أَيَّـــامَنَـــا-.
نُعمَان البَربَرِي
بَاكنَانغ، أَلمَانيَا
albarbari.com
