معانٍ في ظلال الكلمات 07

معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء السابع
الفصل الثالث عشر:
سحبَ الدكتور ورقةً ناصعة البياض، ثم انحنى عليها كمن يخطّ ميثاقًا علميًّا، وكتب بخطّ محكمٍ لا لبس فيه:
“الفصل الثاني – التحليل البنيوي للنص القصصي
نسخة مُحكَمة – المقترح المعتمد”
ثم رتّب النقاط الأساسية، وكأنّه ينسج خارطة ذهنية لبناء سيُعاد تشييده كلمةً كلمة:
1. بنية الدالّ المحوري
– مدينة متحوّلة
– مدلولات الهوية
– أثر التحوّل على شبكة النص
2. التحوّل البنيوي
– الطفل والظل
– الأمّ الصامتة
– انكسار المرجعية
3. شبكة العلاقات الدلالية
– التكرار
– التضاد
– الانزياح البنيوي
4. مقارنة نقدية
– سوسير × الجرجاني
– لايكوف × ابن جنّي
– السكاكي × هاليداي
– بين البنيوية الغربية والدلالة العربية القديمة
5. الإطار المرجعي
– استخدام المادة من الملف المرفق
– الاستعانة بمراجع عربية وغربية موازية
ثم دفع الورقة نحوهما، وقال بصوت خافت ولكن يقطر حضورًا:
“هذه… خريطة الفصل.”
وقبل أن تُطوى الجلسة، رفع صوته فجأة، وبدت كلماته كأنها تُدفع من عمق القلب دفعًا:
“أريد أن أقول كلمة… لم أقلها من قبل.”
تجمّد الزمن لحظة.
ميّ حُبست أنفاسها.
وسالم توقّف عن أي حركة، كأن جسده كله تحوّل إلى أذن تستمع.
قال الدكتور، متقطّع العبارة ولكن ثابت النظرة:
“تحليلكما… ممتاز. لكن الأهم… أنكما قادران على التطور. وهذا… شرط الباحث الحقيقي.”
ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة، لكنها كانت من النوع الذي يدفئ الغرفة كلها:
“وأنا… فخور بكما. حقًا.”
في داخل ميّ:
هل هذا هو الاعتراف الذي كنتُ أبحث عنه؟
شعرت بانقباض لطيفٍ في صدرها، كأن المعنى نفسه يسيل داخلها دمعة لم تسقط بعد.
وفي داخل سالم:
الثناء جميل… لكنه حجَر ثقيل يوضع فوق كتف الباحث.
شعر بخفةٍ في النفس، ولكن بثقلٍ مضاعف للمسؤولية.
وحين خرجا إلى الممر المديد، قال سالم وهو يمشي بمحاذاتها:
“ميّ… هذا الفصل يحتاج إلى شغل أكثر… بكثير.”
أجابت وهي تشدّ حقيبتها، وكأنها تشدّ عزيمتها أيضًا:
“نعم… لكن ما أعطانا إياه الدكتور… ليس ملاحظات. إنه مخطّط رسالة.”
ثم توقّفت، ونظرت إليه بعينين فيهما بريق لا يخطئه قارئ:
“سالم… نحن قادران. وبقوة.”
ابتسم، وشعر أن شيئًا من الطمأنينة يتسلل إلى صدره:
“وبالتعاون.”
ضحكت بخفوت، وقالت بنبرة تحمل عمقًا لا يحتاج شرحًا:
“وبالحب… لأن الحب… أول دلالة.”
سارا معًا في الممر الجامعي الذي بدا أطول من المعتاد؛ كل خطوة كانت تقول شيئًا:
إنهما لم يعودا مجرد خطّاب، ولا طلابًا يجمعهما مشروعٌ عابر… بل باحثان يتشكلان، يصنعان معنى جديدًا لحياتهما، ويمهّدان لفصل لم يولد بعد في تاريخهما.
اقتربت الساعة من التاسعة مساءً حين دخلا غرفة الدراسة المشتركة في بيت أهل ميّ — الغرفة التي ستشهد لاحقًا، في أعوام كثيرة، ولادة فصولٍ أخرى، وتكوّن نسيجهما العلمي والعاطفي معًا.
جلست ميّ أمام أوراق المقارنة بين دي سوسير وعبد القاهر الجرجاني، وجلس سالم أمام الملف المطبوع يراجع ما دوّناه بعد ملاحظات الدكتور نزار.
قالت ميّ وهي تفتح المرجع الفرنسي:
“سالم… يجب أن نبدأ بالمحور الأساسي:
سوسير يتحدث عن العلاقة بين الدال والمدلول،
أما الجرجاني فيتحدث عن “النظم”—
أي علاقة الكلمة بالكل… لا بمدلول واحد.”
أجاب سالم وهو يحدّق في الورقة بين يديه:
“صحيح… لكن التشابه واضح:
كلاهما يرى أن المعنى لا يولد من الكلمة وحدها، بل من علاقتها بغيرها.”
رفعت ميّ رأسها شيئًا فشيئًا، وقالت:
“ليس تمامًا يا سالم… سوسير يرى العلاقة اعتباطية، بينما الجرجاني يراها مقصودة ومنتظمة.
هذه ليست تفصيلة صغيرة… بل اختلاف جوهري.”
توقّف سالم عن الكتابة، والتفت إليها، وفي داخله سؤال يتشكل:
هل كنت أختصر المسألة أكثر مما يجب؟
قال بصوت خافت:
“هل تعتقدين أن المقارنة بينهما غير دقيقة؟”
ابتسمت ميّ، ووضعت قلمها على الطاولة بإيقاع هادئ:
“ليست غير دقيقة… لكن يجب أن نُظهر أن لكل منهما فلسفته الخاصة:
سوسير يبني علم اللغة، والجرجاني يبني علم البلاغة.”
شعر سالم بوخزة فكرية؛ كان مقتنعًا بأن “العلاقات” هي جوهر المسألة كلّها.
لكنه قال بنبرة تجمع الحيرة والإصرار:
“ميّ… إذا ركّزنا كثيرًا على الخلاف… سنفوّت الفكرة الأكبر:
أن المعنى ليس ثابتًا… بل يتكوّن من العلاقات.”
رفعت حاجبها قليلًا، وقالت بلهجة الباحثة التي لا تتنازل عن الدقة:
“سالم… البحث ليس مشاعر… البحث تفاصيل.”
وفي داخله — دون أن يقول:
لكن ألا تحتاج التفاصيل روحًا؟
ألا يحتاج العلم حرارةً ليبقى حيًّا؟
ساد صمتٌ قصير، كأن الغرفة في تلك اللحظة دخلت في “سكونٍ معرفي” يسبق انبثاق الفكرة؛ برودة خفيفة مرّت في الهواء، لكنها لم تكن برودة نفور، بل برودة تُصفّي الذهن قبل أن يتخذ شكله.
وفي ذلك الفاصل الرقيق بين الفكرة والانفعال، قال سالم وهو يحاول أن يجعل العقل يتقدّم خطوةً على القلب:
“ميّ… أنا لا أسمح للمشاعر بأن تتدخل. لكنني أرى أن النقد البنيوي يمنحنا القدرة على اكتشاف نقاط التماس… لا نقاط القطيعة.”
وفي داخله سؤالٌ خفيّ يتمرّد:
أليس التماسّ أصل الحركة في اللغة؟ أليست العلاقات بين الألفاظ — كما قال النحاة الأوائل — هي التي تمنح الكلام روحه؟
ردّت ميّ بصوتٍ مُقتصد لكنه حادّ في وضوحه، وكأنها تقطع الخيط المتصل بين العاطفة والحجة:
“وأنا أرى أن النقطة الجوهرية… هي الاختلاف، لا التشابه.”
ثم أضافت، بلهجة تحمل صرامة الباحث الذي يمتحن حدود الفكرة:
“سالم، نحن بصدد كتابة فصل علمي… لا صناعة “توافق قسري”.”
كانت الجملة صادقة أكثر مما هي قاسية. ومع ذلك شعر سالم بوخزة دقيقة في صدره، كأن السؤال داخله قال:
هل أبدو وكأني أبحث عن مخرج سهل؟
أم أنني فقط أريد أن أمسّ روح النص؟
فقال بصوت خافت، فيه شيء من الارتباك:
“يعني… هل أنا أقوم بفرض توافق قسري؟”
جاء ردّ ميّ بنبرة أعلى قليلًا، لكنها لم تكن غضبًا بل خوفًا من الانزلاق العلمي:
“لا تفسّر ما لم أقله. لكن هناك فرق بين الربط العقلاني… والتمطيط القسري.”
ثم سقط الصمت مرة أخرى، صمتٌ كانت له رائحة التفكير، ومساحة تسمح للنفس بأن تعيد النظر في موقعها من الفكرة.
بعد دقائق طويلة من التأمل المدروس، سحب سالم دفترًا آخر، كأن تغيير الورقة يغيّر مصير النقاش، وكتب بخطّ ثابت:
“محور الاختلاف والتقاطع بين سوسير والجرجاني”
ثم دفع الدفتر نحوها وقال:
“ميّ… دعينا نعمل بطريقة جديدة:
أنتِ اكتبي “الاختلافات الجوهرية”،
وأنا سأكتب “نقاط التلاقي”.
وبعدها… نركّب المقارنة.”
نظرت إليه طويلاً. وفي نظرتها تلك كان وعيٌ كامل بأن ما يفعله سالم ليس بحثًا عن “إثبات الذات” فحسب، بل بحث عن العدالة العلمية، وعن المشاركة كحقّ فكري لا كفضلٍ يُمنح.
قالت بصوتٍ خافت يشبه خطوة اعتذار خجولة:
“سالم… أنا آسفة… لم يكن قصدي أن أجرحك.”
ابتسم بخفوت، وسمعت ميّ في ابتسامته صوت العقل وهو يهدّئ القلب:
“لم تجرحيني… لكن شعرت أنه يجب أن أتوقف قليلًا… لأوضح أنني شريك فعلي.”
أغلقت ميّ عينيها لحظة، كأنها تعترف أمام نفسها قبل أن تعترف أمامه:
البحث يحتاج شريكًا قويًا… لا تابعًا.
ثم قالت بصراحة ناضجة:
“وأنا… بحاجة إلى شريك قوي… لا تابع.”
وعاد الدفء إلى الغرفة، كأن المفاهيم العلمية، حين تُقال بصدق، تستطيع أن تمحو أي جمود عاطفي.
جلست ميّ، وأمسكت القلم، وكأن الحروف تنتظر أمرًا بالانطلاق من قلبها قبل عقلها:
“الاختلافات الجوهرية”
– العلاقة بين الدال والمدلول عند سوسير “اعتباطية”،
أما عند الجرجاني فهي “منتظمة” تخضع للنظم لا للفوضى.
– سوسير يؤسّس لعلم اللغة الحديث، والجرجاني يبني لبنةً كبرى في علم البلاغة العربية.
– منهج سوسير وصفيّ قائم على “البنية”، بينما الجرجاني إيحائي قائم على “النظم” وعلاقاته.
وفي الجانب الآخر جلس سالم يدوّن بتركيز شديد:
“نقاط التلاقي”
– كلاهما يرى أن المعنى لا يتولّد من اللفظ منفردًا.
– كلاهما يمنح “العلاقات” دورًا محوريًا في بناء الدلالة.
– كلاهما يفصل بين اللفظ والمعنى، ويجعلهما يلتقيان بالتركيب.
وخلال ساعة واحدة فقط، تداخلت أوراقهما، واندمج الجهد الشخصي بالمعرفة التاريخية، وكأن الفصل الذي يكتبانه يكتب روحيهما أيضًا.
وحين فرغا من الكتابة، التفتت ميّ إليه وقالت بصوتٍ صادق، يشبه اعترافًا مبطّنًا:
“سالم… اليوم… اختلفنا.”
ابتسم وهو يغلق الدفتر بهدوء:
“إي… لكن تعلّمنا.”
قالت وهي تنظر إليه نظرة تحمل فهمًا جديدًا لا يُدرّس في الكتب:
“والأهم… أني اكتشفت شيئًا جديدًا فيك.”
سألها بابتسامة خفيفة:
“ماذا؟”
قالت بصوت يشبه وصفًا شعريًا:
“إنك تعرف أن تثبت رأيك… بهدوء… وبقلب نقي.”
فأجاب، وكأنه يعيد إليها ما منحته له اللحظة:
“وأنتِ… لا تسمحين للبحث أن يكون أقل من الحقيقة.”
ثم غادرا الغرفة، وقد صار اختلافهما جزءًا من نضجهما العلمي والعاطفي، وصارت المعرفة – في تلك اللحظة – جسرًا لا يفصل بينهما… بل يقرّبهما أكثر.
كان صباحٌ رماديّ من صباحات شباط، ذلك النوع من الصباحات التي تبدو فيها السماء وكأنها صفحة أولى لكتاب لم يُفتح بعد. دخل سالم وميّ مكتب الدكتور نزار، وثقل السهَر ما يزال عالقًا تحت أعينهما، كظلّ يرافق الباحث الجادّ حيثما ذهب.
يحملان بين يديهما ملفًا أعدّاه بعناية استغرقت ليالي طويلة: النسخة الجديدة من “مقارنة سوسير × الجرجاني”، بوصفها تمهيدًا ضروريًا للفصل البنيوي القادم.
جلسا بهدوء، والدكتور يقلب الأوراق ببطءٍ يشبه حركة من ينقّب عن معدن نادر خلف الكلمات. كان صامتًا، لكن عيناه كانتا تقولان ما لا يقوله اللسان.
راح ينتقل من سطر إلى آخر، وابتسامة ضيّقة ترتسم تدريجيًا على شفتيه؛ ابتسامة لا تعلن الرضا تمامًا، لكنها تُوحي بأن العمل في المسار الصحيح.
وحين أغلق الملف، رفع رأسه وقال بصوت عميق تختلط فيه الجدية بشيء من الدفء:
“عملٌ رائع… متين… وفيه نقاش حقيقي بين مصدرين. لكن…”
وارتفع قلباهما مع تلك الـ “لكن” ارتفاعَ ورقةٍ في مهبّ الريح.
“هناك ملاحظة… مهمة جدًا.”
مسح الأستاذ نظارته ببطء، كمن يهيئ العدسة لرؤية أوضح:
“الفصل البنيوي ممتاز… لكن هناك مشكلة. النص الذي تحلّلونه… نص معاصر. والنصوص المعاصرة
لا تُفهم من “البنية” وحدها.”
شعر سالم بأن الفكرة تهتزّ في داخله، فسأل بتوجسٍ لا يخلو من رغبة في الفهم:
“يعني… ما الذي ينقص يا دكتور؟”
شبك الأستاذ أصابعه أمامه، وكأن كلّ حرف يستعدّ للخروج في موقعه الدقيق:
“ينقصه التحليل التداولي.”
رفعت ميّ حاجبها، وسؤالها يسبق صوتها:
“المقاصد؟”
ابتسم الأستاذ ابتسامةً صغيرة، تشبه ابتسامات المعلمين حين يلمع الجواب الصحيح في ذهن الطالب:
“تمام. النص فيه بنية… لكن هناك مقاصد وسياقات ولحظات انزياح لا تستطيع البنيوية وحدها تفسيرها.”
هزّ سالم رأسه، والارتباك يجرّ السؤال من عمق صدره:
“يعني… تريد فصلين؟ واحد بنيوي… وآخر تداولي؟”
لكن الأستاذ اكتفى بابتسامة تحذّر من تبسيط ما لا ينبغي تبسيطه:
“لا… أريد فصلًا واحدًا فقط.”
تبادل سالم وميّ نظرة مذهولة؛ تلك النظرة التي تنشأ حين يكتشف الباحث أنّ الطريق إلى الحقيقة ليست طريقًا مستقيمًا، بل مسارٌ يتقاطع فيه العلم مع الشكّ، والمنهج مع الجرأة.
قال الدكتور نزار بنبرة تجمع بين الحزم والإيمان بقدرتهما:
“أريد أن يُظهر عملكما أنّ المعنى ينبثق من طبقتين متكاملتين:
طبقة التركيب… وطبقة الاستعمال. النص المعاصر لا يُقرأ إلا بهاتين العدستين معًا.”
ثم رسم على ورقة أمامهما مخططًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة:
البنية → “كيف تُنتج اللغة المعنى؟”
التداولية → “لماذا قيلت اللغة؟ لمن قيلت؟ وفي أي سياق؟”
ثم رفع رأسه، ونبرة جديته تُحيل السمع إلى يقظة كاملة:
“إن قرأتم النص بنيويًا فحسب… ستفهمون “كيف بُني” النص، لكنكم لن تدركوا “لماذا كُتب”.”
أطرقت ميّ رأسها، وصوتها الخارج من عمق التفكير كان أشبه ببحث داخلي عن مرجعية جديدة:
“هل… هذا لم يُعمل به من قبل؟”
أجاب الأستاذ بثقة هادئة:
“ليس لأول مرة… لكن قليلون يطبقونه بصورة صحيحة. وأنا… أرى فيكما القدرة على ذلك.”
وفي تلك اللحظة بالذات، شعر سالم أن الطريق البحثي قد اتسع فجأة؛ وشعرت ميّ أن اللغة – بعمقها الممتد من الخليل إلى الجرجاني، ومن سيبويه إلى هاليداي – أصبحت فضاءً أرحب مما كانت تتوقع.
وكانت تلك اللحظة، رغم هدوئها، أشبه ببداية فصل جديد في معرفتهما… وفي نفسيهما.
كان سالم يشعر كأن ثِقْلًا من الحديد يستقر على صدره كلما تقدّم في الحديث، فقال بصوت بدا كأنه يخرج من عمق حيرةٍ صامتة:
“لكن يا دكتور… الربط بين المدرستين معقّد… وفيه خشية أن نفقد نقاء التحليل البنيوي.”
لم يتعجل الأستاذ نزار الردّ. اكتفى بابتسامة هادئة، تلك التي تسبق عادةً لحظة كشفٍ معرفي، ثم قال بصوتٍ ثابت:
“وإذا فقدتم النقاء… واكتسبتم تكاملًا دلاليًّا… فمن قال إن هذا خطأ؟ ثم إن رسالتكم عنوانها التكامل البنيوي – التداولي – المعرفي، أليس كذلك؟”
شعرت ميّ بخيطٍ خفيّ من القلق يشدّ أصابعها، فأغلقت الملف ببطء، وكأنها تخشى أن يسقط شيء من بين صفحاته. ثم سألت بصوت خافت يحمل في داخله ارتجاف سؤالٍ أكبر:
“يعني… علينا إعادة كتابة النص بأكمله؟”
هزّ الأستاذ رأسه، ورفع النسخة المطبوعة كمن يرفع شاهداً من شواهد المعرفة، وقال:
“لا… لكن عليكم أن تنسجوا حبلًا جديدًا بين التحليل البنيوي الذي كتبتموه… وبين التحليل التداولي الذي ستكتبونه.”
ثم التفت إلى الملف الذي أمامهما، ملف “أثناء البحث في علم الدلالة”، وقال وهو يشير إلى بعض صفحاته بتركيز العارف بما يبحث عنه:
“في هذا الملف مقاطع عن السياق، وعن القرائن، وعن التحوّل الدلالي… وهذه لا بد أن تُدرَج في الجزء التداولي، لتعيدوا بها وصل البنية بجذرها الحقيقي.”
فتح فقرة بعينها، وقرأ بصوتٍ منخفض كأنه يحدّث المعنى ذاته:
“المعنى لا يستقرّ إلا إذا دلّت القرائن على المقصود، فالعلاقة بين اللفظ والمراد علاقة تخضع للحال والمقام.”
ثم رفع رأسه، ونظر إليهما نظرةً كانت أشبه بومضة إضاءة في ممرٍّ طويل.
“هذه الجملة… هي مفتاح النص القصصي. فكلّ التحوّل فيه… مرتبط بالمقام.”
أحسّ سالم أن الضباب الذي يغلّف الصورة بدأ ينقشع شيئًا فشيئًا، لكن في اللحظة نفسها أحسّ بثقلٍ جديد يتشكّل في داخله. قال في نفسه: هل نحن مستعدان فعلًا لهذه القفزة؟ وهل يملك الباحث — أي باحث — شجاعة مواجهة أسئلته قبل أن يواجه نصّه؟
وعلى الجانب الآخر، كانت ميّ تشعر بأن العمل يتّسع كأفق لا نهاية له، وأن مسؤولية الإمساك بالخيوط المتشابكة بين “البنية” و”السياق” لم تعد فكرةً نظرية، بل مهمةٌ تتطلب صبرًا وجرأة وذكاءً لغويًّا يشبه حدس القدماء عندما تتبعوا دلالات اللفظ عبر العصور.
عاد صوت الأستاذ، هذه المرة أكثر حزمًا، وأكثر تحفيزًا:
“هذا ما ستقومون به:”
“1. تكتبون التحليل البنيوي كما هو:
– تحديد الدالّ المحوري،
– العلاقات بين الدوال،
– التحوّلات البنيوية…”
“2. وبعد ذلك مباشرة، تنتقلون إلى التحليل التداولي:
– المقاصد،
– القرائن،
– السياق الثقافي،
– الإشارات غير المباشرة.”
“3. ثم تدمجون بين المستويين:
– كيف تخدم البنية السياق؟
– وكيف يعيد السياق تعريف البنية؟
– وكيف يتكامل المعنى عبر الطبقتين؟”
ثم رفع الأستاذ صوته قليلًا، وكأنه يعلن انطلاق فصلٍ جديد، لا في الرسالة فحسب، بل في طريقتهما في النظر إلى اللغة ذاتها:
“هذا… سيكون أصعب فصل في الرسالة، ولكنه — بكل يقين — أجمل فصل.”
حين خرجا من مكتب الدكتور نزار، لم يكن التوتر هو الذي يتعقّب خطواتهما، بل دهشةٌ صافية ممزوجة بإعجابٍ بما أخذ يتشكّل أمامهما من أفقٍ جديد.
كانت ميّ تسير بمحاذاة سالم، وصوتها يجيء هادئًا لكنه مفعمٌ بحياة المعنى:
“سالم… ربما هذه أول مرة أشعر أن الرسالة أصبحت مشروعًا حقيقيًا، لا مجرد أوراق متتابعة.”
ابتسم سالم، وقد أحسّ بثقل المسؤولية يجاور شرارة الحماس داخله، فاحتواه شعورٌ غريب بين الخوف والرغبة في المضيّ:
“وأول مرة أشعر أن كل ما درسناه… يلتقي أخيرًا في مكان واحد.”
ثم التفت نحوها قليلاً، وصوته ينساب بنبرة خافتة يظللها صدقٌ غير متكلّف:
“ميّ… هذا الدمج يعني أننا سنعمل جنبًا إلى جنب… أقرب من أي وقت مضى.”
أومأت مبتسمة، وفي ابتسامتها دفء يشبه لطمات النسيم في ليالي الربيع الأولى:
“وهذا يعني… أن الحب سيشاركنا الدراسة… ليس العقل وحده.”
ضحك سالم ضحكة قصيرة، كأنما يخفّف بها وطأة المفهوم الجديد الذي بدأ يلوح في أفقهما، ثم واصلا السير يحملان في حقيبتيهما بذرة فصلٍ هو الأكثر تعقيدًا… والأكثر جمالًا في الرسالة.
هبط الليل على المدينة بخطوات بطيئة، حتى غلّف الأحياء بضوء خافت، كأنما يهيّئ مسرحًا للمعرفة.
وفي الغرفة الصغيرة المخصصة للدراسة في بيت أهل سالم، بدا ضوء المصباح الأبيض كأنّه يرسم دائرةً من التركيز حول الطاولة، دائرة لا يدخلها إلا الحوار، والبحث، والانغماس في أسرار النص.
على الطاولة أمامهما:
– نسخة من “النص القصصي”
– دفاتر مملوءة بملاحظات “التحليل البنيوي”
– نسخة مطبوعة من ملف “أثناء البحث في علم الدلالة”
– وكوب شاي فقد حرارته كأنما بانتظار أن تعود إليه حرارة النقاش
كانت ميّ تقلّب صفحات النص ببطءٍ وتمعّن، ثم قالت:
“اليوم… سنبدأ بالتحليل التداولي. أي: لماذا قال الكاتب ما قاله؟ وما الهدف الذي يريده من وراء البناء اللفظي؟”
أومأ سالم، وعيناه تشعّان بإحساس الباحث الذي وجد أخيرًا الباب المؤدي إلى عمق الأسئلة:
“تمام… وبالذات يجب أن نركز على شخصية الأمّ الصامتة في النص.
الصمت هنا ليس مجرد تفصيل… إنه مقصد كامل.”
ابتسمت ميّ، وكأنها تحمل بين يديها خيطًا دقيقًا ستبني عليه تأويلًا جديدًا:
“بالضبط…”
حلّ صمتٌ خفيف بينهما، لكنه كان صمتًا ينذر ببداية غوصٍ عميق؛ ليس صمتًا فارغًا، بل صمتًا يتخلّق على حافّة المعنى.
كأنهما يقفان عند عتبة عالم جديد، عالم يتجاوز الحروف إلى ما بين الحروف، وإلى ما وراءها.
فتحت ميّ الملف المطبوع، ووقفت عند فقرة محددة أشارت إليها بقلمها، ثم قالت بصوتٍ هادئ لكنه حاسم:
“المعنى لا يُفهم من اللفظ وحده، بل من مجموع القرائن: ما قيل، وما لم يُقل، وما أحاط بالقول من سياق ومقام.”
كانت تسترجع – في أعماقها – الدرس القديم من تراث العربية، من أيام سيبويه والجرجاني وابن جني، حين فهموا أن اللغة لا تكتمل إلا بالقرائن، وأن “المقام” ليس تفصيلًا بل مفتاحًا يفتح أبواب الدلالة.
ثم قالت وهي تتأمل النص ببطء، وكأنها تقرأ صمت الأم لا كلماتها:
“سالم… هذه أهم فقرة.
الصمت عند الأمّ… ليس تفصيلًا عابرًا، بل قرينة دلالية و مقصدية.”
ردّ سالم بسرعة وهو يحاول أن يجمع شتات الفكرة التي راودته:
“تمام… إذن الصمت يدلّ على فقد، على خوف، على شيء أكبر من الكلام.”
لكن ميّ هزّت رأسها بنبرة واضحة لا تترك موضعًا للظن:
“لا… ليس هكذا.”
توقّف سالم، وشعورٌ خفيف بالارتباك يعبر عينيه؛ سؤالٌ يسبق الكلام.
فقالت ميّ وهي تقرأ ما وراء النص، لا ما عليه وحسب:
“الصمت… ليس خوفًا. الصمت… موقف.”
ثم تابعت، وصوتها يجمع بين النظرية الذهنية والحدس التأويلي:
“الأمّ تصمت لأنها تدرك أن الكلام لم يعد قادرًا على التعبير. الدالّات عندها منهارة… ولذلك اختارت الصمت.”
اقترب سالم من الطاولة، وفي صوته ظلّ من الحميمية يرافق التحليل:
“ميّ… ولكن في النص… الأمّ منهارة أصلًا. يعني الصمت لم يكن اختيارًا… بل عجزًا.”
رفعت ميّ عينيها نحوه، نظرة ثابتة، فيها يقين الباحث الذي يدرك ما يريد أن يقوله:
“هنا خلافنا… أنت ترى العجز، وأنا أرى الوعي.”
قال سالم، وهو يشير إلى الجملة المظلَّلة في النص، وكأنّ إصبعه يلامس موضع السؤال ذاته:
“كانت الأمّ تنظر إلى طفلها وتضمّ شفتيها دون كلمة.”
ثم قال بصوت يختلط فيه التحليل بشيء من القلق:
“هذا… عجز واضح.”
ارتفعت ملامح ميّ بنبرة حازمة، لا قسوة فيها، بل وضوحٌ يخصّ الباحثين حين يعترضون من موقع المعرفة:
“ليس بالضرورة. قد يكون صمتها رفضًا للكلام… رفضًا لتلك الكذبة التي يعيشونها كلهم.
فالمدينة تغيّر أسماءها وهويّاتها، والأمّ… لا تريد أن تبني كلامًا فوق أرض غير ثابتة.”
هزّ سالم رأسه بتفكير عميق، وحاول أن يحافظ على خيط قراءته:
“لكن الكاتب لم يعطِنا دليلًا مباشرًا على الرفض، بينما قدّم لنا أدلة واضحة على العجز.”
اقتربت ميّ من أوراقها، وقالت بنبرة علميّة متزنة، كأنها تضع لبنة جديدة في حجّة مكتملة:
“التداولية لا تطلب دليلًا مباشرًا. التداولية تسأل عن المقصد… عن النية… والمقصد لا يُستخرج من العبارة وحدها، بل من السياق.”
ثم قرأت من الملف بصوت يعبّر عن رسوخ الفكرة:
“السكوت باب من أبواب الدلالة، لأن المقصد قد يكون أبلغ من القول… والقرينة تقوم مقام الكلام.”
رفعت رأسها بثقة، وأضافت:
“هذا بالضبط ما يحدث في النص… كل شيء فيه يحكي من خلال الصمت.”
في تلك اللحظة، أغلق سالم الملف بهدوء، ولكن الهدوء هذه المرة كان أشبه بحركة حاسمة تُعلن بدء مرحلة مختلفة.
ثم قال بنبرة تقلّب الاحتمالات كلها:
“ميّ… إذا اعتبرنا الصمت موقفًا، فسنغيّر قراءة النص بأكمله. سيتحوّل فهمنا لديناميكية السرد، وسنُعيد النظر في الطفل… وفي المدينة… وفي حتى الظلّ نفسه.”
نظرت إليه ميّ بعين ثابتة، وصوتها يمزج الطمأنينة باليقين:
“وإذا اعتبرناه عجزًا… فنحن نقرأ النص قراءة ناقصة.”
حلّ الصمت بينهما… لكنّه لم يكن صمت خلاف، بل صمت بحثٍ يفتح نوافذ جديدة، صمتٌ يشبه لحظة تأمّل البلاغيين القدامى حين كانوا يبحثون عن المعنى في ما وراء اللفظ، وفي التوتر بين الدال والمدلول، وفي ما يُقال… وما يُحجب. بعد دقائق من الترقّب، مدّت ميّ يدها نحو النسخة المطبوعة من النص القصصي، وتوقفت عند جملة محددة كأنها تمسك بخيط لم يره أحد.
قالت بصوت يحمل لمعة اكتشاف:
“سالم… انظر إلى هذا الوصف:
“كانت الأمّ تلمس كتف الطفل ثم تنظر إلى النافذة طويلًا قبل أن تعود إليه.””
رفع سالم حاجبيه، وبدا الاضطراب على وجهه:
“تمام… وما المغزى؟”
ردّت ميّ بحسمٍ يشبه وضع النقطة الأخيرة في برهان لغوي:
“هذا فعل مقصود… وليس فعلًا عاجزًا. العاجز لا يقوم بأفعال مركّبة. هذه الأمّ تعبّر بجسدها… لا بلسانها.
تتكلم الحركة حيث يعجز الكلام.”
تجمّد سالم لحظة، وكأنّ الجملة أعادت ترتيب الصورة في ذهنه.
لقد لامست ميّ طبقة دلالية لم يكن قد التفت إليها، طبقة تربط بين الفعل والسياق، بين الحركة والمقصد، كما تحدث عنها الجرجاني حين قال إن المعنى يتشكّل من “النظم” لا من “المفردات”، وكما وسّعها السكاكي حين أعطى المقام والقرائن سلطة إعادة تشكيل الدلالة.
لقد أصبح واضحًا أن الأمّ ليست صامتة لأن الكلام خانها، بل لأنها أدركت أن الكلام لن يقول ما تريد قوله.
وأن جسدها… صار هو اللغة.
بعد دقيقةٍ من السكون، بدا فيها الهواء كأنّه يتهيّأ لمرحلة جديدة من التفكير، قال سالم وهو يرفع رأسه قليلًا كمن يلتقط خيطًا ضائعًا:
“طيب… لنبحث عن حلٍّ وسط.”
تطلّعت إليه ميّ بعينين تنعكسان تساؤلًا وشيئًا من الترقّب. أحسّ سالم بأنّ نظرتها تلك تُلزمه بالدقة، فكتب على الورقة أمامه، ببطء محسوب:
“الصمت عند الأمّ مساحةٌ مشتركة بين العجز والوعي.”
ثم توقّف لحظةً، كأنه يصغي لنداء داخلي يُسائله: أيّهما أقرب إلى روح النص؟ لكنه تابع، مستجيبًا لحدسه اللغوي:
“لنقل: الصمت فيه أثر العجز… وفيه أثر الموقف، والتحليل التداولي يجب أن يعمل داخل هذه المساحة.”
ارتسمت على وجه ميّ ابتسامة خفيفة، فيها صفاء واعتراف غير منطوق: لقد أصاب الفكرة في قلبها.
“هذا الكلام دقيق جدًا.”
جلسا متقاربين، ليس قربًا جسديًا فحسب، بل قرب فكرين يتقدمان نحو منطقة اشتراك جديدة، وكتبا معًا الفقرة التالية للنص الأكاديمي:
“يظهر الصمت في النص لا بوصفه توقّفًا عن الكلام، بل بوصفه فعلاً دلاليًا مركّبًا، يتأرجح بين العجز عن التعبير، والوعي بعدم جدوى التعبير في سياقٍ مضطرب. وبهذا يصبح الصمت مقصداً، وتصبح القرائن الحركية مثل “لمس الكتف” و”النظر إلى النافذة” جزءًا من الرسالة التداولية التي تعجز البنية وحدها عن تفسيرها.”
وحين فرغا من الكتابة، لحظ سالم شيئًا يتشكّل بينهما، شيء لا تخطّه الأقلام. نظر إليها نظرةً طويلة، كأنّه يقرأ في حضورها صفحة أخرى من النص، ثم قال بصوتٍ يكاد يلامس نفسه قبل أن يلامسها:
“ميّ… أنتِ تعلمين المعنى حتى قبل أن يُكتب.”
أجابته مبتسمة، وكأنّها تحلّ لغزًا لطيفًا:
“وأنت ترى الطبقات… حتى قبل أن تنكشف.”
خرجا إلى الشرفة. انفتح الليل عليهما كسطرٍ جديد، وجاءتهما نسمة باردة تحمل رائحة الأرض بعد غروبٍ رطب. بقيت ميّ صامتة للحظة، ثم قالت وقد تردّد في صوتها سؤالٌ أعمق من ظاهر عبارته:
“هل تشعر أنّ المعنى ليس فقط داخل النص؟”
أغمض سالم عينيه قليلًا، كأنه يختبر وقع السؤال في داخله. ثم قال:
“نعم… المعنى… بيننا أيضًا.”
عادا إلى الداخل. الأوراق مبعثرة أمامهما، الحبر الأحمر والأزرق يخطّان مسارات لم يكتمل مصيرها بعد. بدا المشهد أشبه بورشة معنى، لا بورشة كتابة.
لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًّا. نور الشمس الخافت تسلّل عبر الستارة البيضاء، ورسم على سبورة جدارية خطوطًا تشبه خرائط أقاليم لغوية تبحث عن توازنها. قالت ميّ وهي تقلّب ملاحظات الدكتور نزار:
“هو يريد الدمج… ليس فصلين يقفان جنبًا إلى جنب، بل نظامًا واحدًا، مساحة يلتقي فيها البنيوي مع التداولي.”
هزّ سالم رأسه ولحظ في داخله سؤالًا ينهض من عمق التاريخ اللغوي: أليس هذا ما سعى إليه النحاة والبلاغيون حين جمعوا بين “اللفظ” و”المعنى”، وبين “النظم” و”الدلالة”؟
ثم قال متأمّلًا:
“يعني يريد أن تفسّر البنية المقاصد، وأن تفسّر المقاصد البنية… هذا أكبر من مجرد مقارنة.”
سحب ورقة بيضاء، ورسم خطًا أفقيًا:
“هنا… البنية.”
ثم خطّ فوقه خطًا آخر:
“وهنا… التداولية.”
وأضاف، وكأنه يطرح سؤالًا قديمًا بأسلوب جديد:
“نريد نقطة يلتقيان فيها… ليس واحدًا فوق الآخر، بل نقطة تقاطع تشترك فيها الروح مع الشكل.”
اقتربت ميّ، ورسمت دائرة صغيرة عند نقطة التقاء الخطّين، وقالت برفق يشبه وضع الحرف الأخير في بيت شعري:
“هذه هنا… هو المكان الذي يُولد فيه المعنى.”
كأنّ الدائرة لم تكن شكلًا مرسومًا، بل كشفًا صغيرًا: فالمعنى — كما عند الجرجاني في نظريته الكبرى، وكما عند البلاغيين بعده، وكما عند اللغويين المحدثين — لا يسكن المفردة وحدها، ولا ينفرد به السياق وحده، بل يولد في اللحظة التي يتعانقان فيها.
وهكذا شعر الاثنان، ربما دون تصريح، أنّهما لم يكونا يبحثان عن المعنى في النص وحده… بل كان النص يبحث عن معنى جديد فيهما.
بدأ الاثنان بناء النموذج من جديد، وكأنهما يعيدان ترتيب خيوط فهمٍ قديم بلغة جديدة.
قالت ميّ، وفي صوتها نبرة استحضرت فيها إرث النحاة والبلاغيين:
“البنية تعلّمنا كيف بُني النص، كيف تشكّل الدالّ والمحور، وكيف تتشابك الشبكات الدلالية.”
شعر سالم أنّ عبارتها تفتح بابًا آخر للسؤال، فقال وهو يقلب المفهوم في ذهنه:
“أما التداولية، فتكشف لنا لماذا تم البناء بهذه الطريقة، ما المقاصد، وما تأثير السياق على المعنى.”
تابعت ميّ، بعينين تتسعان كلّما اتّسعت مساحة المعنى:
“والدمج… يكشف ما حدث داخل البنية نفسها عندما دخل سياق المقصد، وكيف أعاد تشكيل العلاقات بين العناصر الدلالية.”
ثم تناولت النسخة المطبوعة من الملف، وفتحتها كما يفتح الباحث مخطوطة يبحث فيها عن شاهد يهدي خطاه. أشارت بإصبعها إلى فقرة تتحدّث عن تغيّر المعنى بالسياق، وقرأت بصوت يحمل بُعدًا تأمّليًا:
“الكلمة واحدة،
ولكن المقام يغيّر معناها،
ويحوّل وظيفتها،
ويعيد تشكيل علاقتها بما يجاورها من ألفاظ.”
سكتت لحظة، ثم قالت بثقةٍ تنبع من فقهٍ لغويّ أصيل:
“هنا تكمن الفكرة… البنية تعتمد على العلاقات، والتداولية تغيّر هذه العلاقات. إذًا… النموذج يجب أن يعمل على ديناميكية العلاقة.”
رفع سالم رأسه، وكأنه يرى في كلامها خيطًا يمتد من سيبويه إلى الجرجاني ثم إلى مدارس اللسانيات الحديثة. قال وقد تفتّحت عيناه على حركة المعنى:
“نعم! ليست ثابتة… ليست ساكنة… إنها علاقة تتحرك، تتبدّل، وتعيد تشكيل نفسها.”
ثم كتب بخطّ واضح في منتصف الورقة، وكأنه يدوّن معادلة وجودية:
“العلاقة الدلالية = (علاقة بنيوية) × (تغيّر تداولي)”
لم تستطع ميّ إخفاء ابتسامتها، وقد ارتسم الامتنان على وجهها كأنها وجدت الصيغة التي كانت تبحث عنها منذ أيام:
“هذا…! هذا بالضبط ما يريده الدكتور نزار.”
تأمّل سالم النصّ أمامه، وكأنّه خريطة تنتظر ترتيب معالمها، ثم قال:
“دعينا نجرب… أول شيء: الدالّ المحوري = المدينة.”
أجابت ميّ، وكلماتها تسير بخفة الباحث الذي يرى المنهج يتجسّد أمامه:
“في البنية: المدينة متحوّلة، تتغير بتغيّر مركز الدلالة.”
أضاف سالم، وبدا واضحًا أنّه يعالج الفكرة من زاوية أوسع، أقرب إلى ما يسمّيه البلاغيون “مقام الخطاب”:
“وفي التداولية: المدينة هي خطاب السلطة، هي المقصد الذي يخفي أكثر مما يظهر.”
ثم رسم سهمين على الورقة، وكأنّه يرسم طريقين يلتقيان في نقطة سرّية:
البنية:
“تغيّر الاسم = تغيّر الهوية السردية.”
التداولية:
“تغيّر الاسم = قصد سياسي / رمزي.”
وعند نقطة التقاطع، حيث تتداخل الرؤية البنيوية مع الرؤية التداولية، كتب سالم بيدٍ ثابتة:
“تغيّر الاسم
هو فعل لغوي – اجتماعي
ينتج دلالة متحركة.”
رفعت ميّ رأسها، وعلى ملامحها دهشة تتّسع شيئًا فشيئًا، وكأنّها تشاهد مولد نموذج لا مجرد استنتاج:
“سالم… النموذج يعمل بالفعل!”
وهكذا، بدا لهما أنّ الدلالة لم تعد فكرة مجردة، بل كائنًا نابضًا يتحرك بين البنية والمقصد… بين النصّ والقارئ… بين السؤال والإجابة.
أمسكت ميّ النص بيدٍ يتناوبها التردّد والإصرار، ثم قالت كمن تكشف طبقة كانت مخبوءة تحت السطور:
“الطفل يبحث عن ظله…
في البنية: فقدٌ للمرجع.
وفي التداولية: سؤال عن الحقيقة.”
شعر سالم أن عبارتها تلامس أصل الفكرة قبل ظاهرها، فأضاف بصوت بدا وكأنه يخرج من صفحات التراث اللغوي:
“وبالتقاطع؟
هذا بحث عن الذات في سياقٍ متحوّل.”
ثم انحنى قليلًا على الورقة، وأخذ ينظّم العلاقة بين العناصر كما ينظّم اللغويّ مسار الدلالة:
“الظلّ
البنية: علاقة بين الذات وما يعكسها
التداولية: مقصد البحث عن الجذور
التقاطع: هوية مهدّدة بالسياق الخارجي.”
وضعت ميّ يدها على فمها، حركة خفيفة لكنها محمّلة بإعجاب لم تستطع حجبه:
“سالم…
هذا النموذج يجب أن يكون عنوانًا فرعيًا في فصول الرسالة.”
قالت ميّ، وقد غلب على صوتها التأمّل العميق:
“دعنا نُطبّق النموذج على الأمّ.”
فتحت الصفحة، وبدت عيناها كأنهما تلتقطان أدقّ التفاصيل، تلك التي تتخفّى عادة بين الكلمات.
أشار سالم، محاولًا تفكيك الطبقات على نحو يذكّر بعمل البلاغيين في تتبّع أثر المعنى:
البنية:
“الصمت = فراغ دلالي.”
التداولية:
“الصمت = مقصد (وعي أو عجز).”
ثم كتبت ميّ عند نقطة التقاطع، حيث تتداخل البنية مع المقصد، وينبثق معنى جديد لم يكن ظاهرًا في أيّ منهما منفردًا:
“الصمت
هو مساحة توتّر بين ما يُقال وما يستحيل قوله،
فتصبح الأمّ نقطة التقاء
بين انهيار البنية اللغوية…
وانكشاف المقصد.”
تمتم سالم، وكأن الكلمات تُعيد ترتيب شيء داخله:
“ما أجمل هذا الكلام…
وما أعمق هذه الفكرة.”
ثم أضاف تحتها، ليبرهن أنّ الدمج ليس مسلكًا إضافيًا بل ضرورة تفسيرية:
“الصمت خطاب…
يُقرأ بالبنية،
ويُفهم بالتداولية.”
مرّ ساعتان من العمل المتواصل، كأن الزمن كان بدوره ينصت إلى ما يحدث على الورق. وحين رفعا رأسيهما، نظرا معًا إلى الصفحة التي امتلأت بالخطوط والدوائر والهوامش، فاكتشفا أنها قد بدأت تتخذ شكلًا متماسكًا للنموذج الجديد:
النموذج التكاملي لقراءة النص المعاصر
1. البنية:
– الدوالّ المحورية
– علاقات النص
– التحوّلات البنيوية
2. التداولية:
– المقاصد
– السياق
– القرائن
3. التقاطع (المستوى الثالث(:
– ديناميكية العلاقة
– إعادة إنتاج المعنى
– كشف طبقة جديدة من الدلالة
قالت ميّ بصوت خافت، مدهوش ومفعم باعتراف داخليّ بالإنجاز:
“سالم…
لقد صرنا فعلاً نخلق علمًا جديدًا…
ليس مجرد تطبيق لما درسناه.”
نظر إليها سالم، بعينين تمتلئان احترامًا وحبًا وشعورًا عميقًا بالشراكة:
“ميّ…
هذا الانموذج…
انكتب بيننا…
ليس مجرد كتابتنا نحن.”
حين خرجا من الغرفة، كانت الشمس قد ارتقت في كبد السماء ارتقاءً كاملاً، ترسل أشعتها على الدفتر المفتوح أمامهما، حتى بدا استدارة الدائرة التي رسمتها ميّ عند نقطة التقاء “البنية” بـ”التداولية” كأنها ومضة إشعار، أو ميلاد خفيّ لنموذج يتشكّل في رحم الفكرة.
وقفت ميّ عند الباب، والفرح يتلألأ في ابتسامتها، يختلط بعزم يشبه انطلاقة الحرف الأول في تاريخ العربية؛ ذاك الحرف الذي لم يُكتب صدفة، بل وُلد بدافع الحاجة والفهم. قالت وهي تنظر في عيني سالم نظرة من يعرف أن المعنى لا يكتمل إلا بشراكة:
“سالم…
هذا النموذج أشبه بطفل صغير…
وسنمضي في تنميته سويًا.”
ارتعش صوت سالم، رجفة لا تخطئها الأذن؛ خليط من فخر خافت وخوف جميل يشبه خوف الشاعر حين يلقي أول قصائده على الملأ. أجاب وكأن الكلمات تخرج من داخله لا من فمه:
“وهذا الطفل…
سيغدو اسم رسالتنا.”
أغلقا الباب معًا، كأنهما يغلقان وراءهما مرحلة كاملة ويُفتحان بأيديهما بابًا آخر. وللمرة الأولى شعرا بأن الرسالة العلمية والقصة العاطفية لا تتحركان في اتجاهين متباينين، بل تمضيان في خطّين متقابلين، متوازيين في الوقت نفسه؛ كأن القلب والدماغ توصلا إلى معادلة نادرة لا تُصاغ إلا بعد جهد روحي ومعرفي عميق.
كان الجوّ في كلية الآداب يشبه صباحًا دمشقيًا ثقيلًا من شتاء طويل، حيث تختلط رائحة الورق القديم بعبق تاريخ اللغة العربية نفسها؛ تلك اللغة التي تعاقبت عليها العصور من جاهلية، إلى فصاحة، إلى نحو، إلى بلاغة، إلى تداولية، ولم تَخلُ يومًا من سؤال: “ما اللغة؟ وما علاقتنا بها؟”.
ممرّات الكلية تضج بأصداء خطوات الطلبة؛ يذهبون ويجيئون، لكن في عيني ميّ وسالم لم يكن شيء من ذلك مهمًا. كان الهواء البارد المتسرّب من النوافذ الطويلة هو وحده الذي يوقظ السؤال الكبير في داخلهما:
هل بلغنا حقًا قلب الرسالة؟
في مكتب مضاء بضوء أصفر دافئ، جلس الدكتور نزار خلف مكتبه، كعادته، صبورًا كمن يقف على تخوم اكتشاف. كان يدرك أن هذا اليوم ليس عاديًا؛ فهو اليوم الذي سيعرف فيه إن كان الطالبان قد جاوزا حدود البحث التقليدي، واقتربا من “المعنى” الذي يظلّ مختبئًا خلف النصوص إلى أن يجرؤ أحد على كشفه.
دخل الاثنان يحملان ملفًا جديدًا، وعنوانه يلمع كعلامة على شراكة معرفية نضجت وكبرت. جلسا سويًا، ووضعا الملف أمام الأستاذ.
فتح الدكتور نزار الصفحات ببطءٍ محسوب، وبدأ يقرأ في صمت. صفحة تتلو صفحة؛ عشر صفحات بدت في عيونهما وكأنها دهور من القلق والترقّب. وجه الأستاذ ثابت، لكن أصابعه تنقر بخفة على حافة الورقة — الإشارة التي يعرفها كل من درس معه:
هذه “قراءة من مستوى آخر”، قراءة يُفتَّش فيها عن معدن الفكرة، لا عن حروفها.
أغلق الأستاذ الملف ببطء، ثم رفع رأسه وحدّق فيهما بعينين هادئتين تحملان صدى قرارٍ مهم.
قال بصوت عميق، حتى بدا وكأنه يلقي حكمًا نهائيًا على فصل من فصول حياته هو، لا حياتهما:
“هذا… أفضل فصل كُتب حتى الآن.”
تسعت عينا ميّ كمن تلقى خبرًا يغيّر مساره، وانفرجت كتفا سالم كأن ثقلًا قد انزاح عن صدره.
لكن الأستاذ لم يتوقف، بل تابع وقد أخذ صوته نبرة الباحث الذي يرى في طلابه امتدادًا لفكرته:
“ليس لأن العمل متقَن فحسب… بل لأن هذا الفصل يحمل فكرة جديدة… في طور التشكّل.”
وأشار إلى الصفحة الأولى قائلًا:
“هذا “النموذج التكاملي”…
إذا اكتمل ونضج، قد يجد طريقه إلى النشر في مجلة علمية مرموقة.”
ارتجف قلب ميّ فرحًا؛ فرحًا يشبه فرح القارئ حين يكتشف جمال نصّ لم يكن يظن أنه سيُدهشه. أما سالم، فقد خفق قلبه خفقة لم يفلح في إخفائها، وكأن داخله يسأله:
“هل نحن مؤهلون فعلًا لهذا الاعتراف؟
هل بلغنا العتبة التي يبدأ منها العلم الحقيقي؟”
وصمت الدكتور نزار، صمتًا طويلًا، صمتًا يُشبه وقفة النحاة حين يتساءلون عن علّة رفع كلمة أو نصبها، لأن وراء ذلك ما هو أعمق من الإعراب:
“المعنى.”
قال الأستاذ، وهو يضم أصابعه ببطء، كأن كل حركة تحمل ثقل فكرة، وصوته يزن كل كلمة قبل أن تنطق:
“لكن… هناك مشكلة.”
جملة واحدة أعادت توتّرًا خفيًّا إلى صدريهما، كأن الهواء توقف لحظة في الغرفة.
تابع الأستاذ، وعيناه تلمعان بالحزم:
“النموذج يمزج بين البنية و”التداولية” بشكل ممتاز، ولكن… أين ‘الطبقة الثالثة’؟”
ارتفع حاجب سالم، وارتجف صوته وهو يسأل بصوت يختلط فيه الفضول والريبة:
“أي طبقة؟”
ميّ أمالت رأسها، كأنها تحاول قراءة النوايا الخفية خلف السؤال، وقالت:
“تقصد… ‘المعرفية’؟”
ابتسم الأستاذ ابتسامة خفية، ثم أعلن بوضوح يقطع الصمت:
“بالضبط. لا يكفي لأي نص معاصر أن يُفهم بالبنية والمقاصد وحدهما… لابد أن نصل إلى ‘العقل’ الذي صنع النص، إلى الطريقة التي يُخزّن بها الإنسان العالم والمعاني في ذهنه.”
رفع سالم حاجبه، وتحوّلت الدهشة إلى سؤال متداخل في رأسه:
“يعني… التحليل المعرفي؟ الاستعارات المفهومية؟ النماذج الذهنية؟”
أومأ الأستاذ برأسه تأكيدًا، وأضاف:
“تماماً. هنا أريد منكما فصلًا كاملًا يربط ما اشتغلتما عليه بالعقل البشري ذاته، بما يختزنه عن العالم، وبطريقة إنتاجه للمعنى.”
فتح الأستاذ صفحة صغيرة كتبها بخطّه الواضح، وعيناه تتقدّان بالحزم:
مطلوب: “الفصل المعرفي”
1. “النموذج المعرفي في النص”
2. “الاستعارات المفهومية” (مثل: الليل، الظل، المدينة)
3. “النماذج الذهنية للهوية”
4. “العلاقة بين المعرفة والسياق”
5. “الدمج مع البنية و”التداولية””
ثم أشار إلى مرجع مهم موجود بين أوراقهما، وسحب نسخة مطبوعة:
وأظهر مقطعًا محددًا، كأنه يضيء شعلةً في العقل:
“إن المعنى لا ينشأ من اللغة وحدها، بل من صورة ذهنية يحملها الإنسان عن العالم، فمنح اللفظ حياته.”
ثم قال الأستاذ بصوت يملؤه التأمل:
“هذا… هو المفتاح الحقيقي للفصل القادم.”
استند إلى مقعده، ونبرة صوته اتخذت صرامة لا تقبل النقاش:
“النموذج التكاملي… لا بد أن يصبح ثلاثي الأبعاد:
– بنية
– “تداولية”
– معرفة”
أضاف بعينين تتقدّان بالجدية والفضول:
“وهذا… إذا أُنجز كما ينبغي… سيكون نموذجًا جديدًا كليًا، لم يُكتب مثله من قبل.”
التفتت ميّ إلى سالم، وعيناها تعكسان مزيجًا من الخوف والدهشة والحماسة في آن واحد.
قال سالم بصوت منخفض، يحمل قدرًا من الرصانة التي فرضها التحدي:
“دكتور… هل يعني هذا أننا بحاجة لإعادة جزء كبير من التحليل؟”
ابتسم الأستاذ، وابتسامته كانت من نوع الحكمة التي تفتح الطريق دون أن تفرضه:
“لا… بل عليكم أن توسعوا التحليل، كما يفتح الضوء بابًا نحو بعد جديد من الفهم.”
ثم نطق بجملة ستظل محفورة في ذاكرتهما، كما تُحفر الكلمات العميقة في صفحات البلاغة:
“إذا تمكنتما من كتابة الفصل المعرفي… فأنتم… لن تكونوا طلاب ماجستير فقط، بل باحثين حقيقيين.”
خرج الاثنان من المكتب، لم يكونا يمشيان، بل كانا يطوفان بين الممرات، كأن الأرض فقدت ثقلها، وكأن كل خطوة تقربهما أكثر إلى عالم جديد من المعرفة.
توقفت ميّ عند النافذة، وعيناها تتوهجان بالحماسة:
“سالم… أتعلم؟
هذا الكلام يعني أن رسالتنا… لم تعد مجرد مهمة جامعية، بل مشروع حقيقي.”
أجابها سالم ببطء، وهو يزن كلماته كما يزن الباحث كل فكرة قبل أن يطلقها:
“وصارت أصعب بكثير… لكنها أجمل أيضًا.”
ثم أضاف، وصوته يمزج الفخر بالمسؤولية:
“وتخيّلي… فصل كامل علينا أن نكتبه… من العقل… وللعقل.”
ابتسمت ميّ، وارتسم على شفتيها ابتسامة تفيض التفاهم والصداقة والوفاء:
“وأجمل شيء… أن نكتبه سويًا.”
تصافحت أيديهما بخفوت، تلك المصافحة التي تشبه وعدًا صامتًا، غير مكتوب على ورق، لكنها أقوى من أي توقيع، همست بينهما لغة لا تحتاج إلى كلمات:
هنا يولد البحث… وهنا يولد المعنى.
عادا إلى البيت، ومجرد أن فتحا الدفتر، كتب سالم في أعلى الصفحة:
“الفصل الثالث: التحليل المعرفي (الاستعارة – النموذج الذهني – بناء المعنى في العقل)”
تنهدت ميّ بعمق، وكأن كلماتها خرجت من قلبها قبل شفتيها:
“سالم… نحن الآن… لا نحلّل نصًا فقط، بل نبني طريقة جديدة لفهم اللغة.”
نظر إليها سالم بعينين تتلألأان بالحلم والفضول:
“وهذه… متابعة جديدة للرحلة الطويلة.”
كان الليل ينسحب بهدوء من فوق الأسطح، حين جلسا عند الطاولة الخشبية، التي صارت عبر الأيام ورشة حلم:
أوراق متناثرة، أقلام، كتب، ودفتر أبيض في وسطها، كأنه ينتظر ولادة فكرة جديدة.
قالت ميّ، وهي تفتح ملفًا جديدًا بعناية:
“اليوم… نريد أن نفهم المدينة من الداخل، ليس من بنيتها… ولا من سياقها… بل من عقلها.”
ابتسم سالم، متحيرًا قليلًا:
“من عقل من؟
وهل للمدينة عقل؟”
اقتربت ميّ من الكرسي، ونظرت إليه بعينين صادقتين، تقولان أكثر مما تعبران الكلمات عنه:
“كل شيء في النص… له عقل. المدينة… الظل… الطفل… الأم… كل واحد منهم يحمل نموذجًا ذهنيًا، يربط اللغة بذاكرة الإنسان وبخبرته.”
ثم فتحت دفعة واحدة النسخة المطبوعة من الملف:
وبحثت عن فقرة بعينين تركّزان على الجوهر، ثم وضعتها أمام سالم:
“المعنى لا يُبنى من اللفظة وحدها، بل من الصورة الذهنية التي يصنعها العقل للشيء، ثم يصوغها باللغة.”
ابتسمت ميّ، وكأنها وجدت مفتاحًا لبوابة جديدة:
“هذه هي الفكرة… هذه هي أساس التحليل المعرفي.”
أومأ سالم برأسه، وأحاسيسه تتراقص بين الدهشة والإثارة:
“إذاً… كل دلالة في النص ليست مجرد لغة، بل تجسيد لما يحمله العقل من تصورات، وما يضيفه السياق والخبرة الإنسانية.”
رفعت ميّ قلمها، وبدأت تدوّن بخط متأنٍ، كأنها تبني جسرًا بين النص والعقل، بين البنية والتداولية والمعرفة، ليصبح التحليل أكثر من تفسير… ليصبح خلقًا للمعنى نفسه.
فتح سالم النص القصصي، وأشار إلى أول جملة تتكرر في النص:
“كانت المدينة تغيّر اسمها كلما هبّت ريح جديدة.”
قال سالم، متفحصًا الكلمات بعناية:
“بالتحليل البنيوي… اعتبرناها دالًّا متحوّلًا.”
هزّت ميّ رأسها بتمعّن، وعينيها تتوهجان بالفضول:
“لكن معرفيًا… هذا ليس مجرد تحول لغوي… إنه اضطراب في النموذج الذهني.”
توقف سالم لحظة، ثم سأل:
“يعني؟”
أجابته ميّ بثقة، وكأنها تقرأ بين السطور ما لم يُقال:
“العقل البشري… لا يحب الأشياء التي لا اسم ثابت لها. فالاسم هو مفتاح الذاكرة، وعندما يتغير الاسم…
تهتز الذاكرة نفسها.”
ثم دوّنت في الدفتر:
النموذج الذهني للمدينة:
– مدينة بلا اسم ثابت = ذاكرة مضطربة
– ذاكرة مضطربة = خوف جماعي
– خوف جماعي = سلطة تتحكّم بالمعنى
– سلطة تتحكّم بالمعنى = نص غير مستقر
نظر سالم إلى النقاط المكتوبة، كمن يرى ما لم يلحظه من قبل:
“يعني… المدينة هنا ليست مكانًا فقط. هي عقل… أو بالأصح: خلل في العقل.”
ابتسمت ميّ بابتسامة نصفها حذر ونصفها فهم عميق:
“تمامًا. والكاتب يجعل القارئ يشعر بهذا الخلل من خلال تغيّر الاسم.”
مرّر سالم إصبعه على السطر الثالث من النص:
“كانت المدينة تتنفس غبارًا… وتسعل أسماءها القديمة.”
أومأت ميّ برأسها بحذر:
“هنا… دخلنا إلى الاستعارة المفهومية.”
فتح سالم كتاب لايكوف الذي استعاره من المكتبة، وقال:
“الاستعارة هنا… ليست مجرد صورة شعرية.
إنها نقل نموذج من مفهوم (الجسد(
إلى مفهوم (المدينة(.”
ثم كتب على الصفحة:
المدينة = جسد
– تتنفس
– تسعل
– تتعب
– تتقدّم بالعمر
لمست ميّ الورقة ببطء، وصوتها كهمس داخلي:
“وعندما تتغيّر أسماء المدينة… كأنها تفقد هويتها الجسدية.
كأنها… تُمحى.”
ثم أضافت، وكأن كلماتها خرجت من قلبها قبل عقلها:
“وربما… المدينة تشبه الإنسان الذي فقد اسمه بسبب الخوف.”
نظر إليها سالم طويلًا، وعيناه تمتلئان بالفهم والدهشة.
كان يعرف أن كلامها لم يكن اعتباطيًا؛ ميّ تحمل ذاكرة تخاف عليها… وطفولة لا تريد أن تعود إليها.
لكنها لم تقل كل شيء، والنص وحده كان يلمّح إلى هذا كله، يهمس بما لم يُكتب صراحة، ويترك للعقل أن يكمل الصورة.
قال سالم، وهو يحدّق في الصفحة أمامه:
“طيب… ما علاقة الطفل بالمدينة على المستوى المعرفي؟”
أجابت ميّ بصوت هادئ متأمل:
“الطفل… يمثل النموذج الذهني الأوّلي، العقل قبل أن تتشكل فيه خيوط الخوف والسياسة والتقاليد.
لذلك… بحثه عن ظلّه ليس مجرّد لعبة، بل هو بحث عن ‘أول ذاكرة’ تتشكّل فيها الإحساس بالثبات.”
ثم كتبت في دفترها، وكأنها تصيغ قوانين عالمية صغيرة:
النموذج الذهني للطفل:
– يبحث عن الثبات
– يحتاج إلى اسم واحد
– يخاف من فقدان المرجعية
– يرى العالم بعينَي “النموذج البسيط”
نظر إليها سالم بعينين يملؤهما الدهشة والفهم العميق:
“والمدينة… تمثل النموذج المعقد، السلطوي، المتحوّل.”
أومأت ميّ برأسها، وأضافت:
“والمعرفة … تنشأ من صراع هذين النموذجين:
البسيط × المعقّد.”
فتحت ميّ ورقة جديدة، وعيناها تتلألأ باليقين:
“الأمّ… أهم من المدينة والطفل.”
تعجب سالم، وقال بتردد:
“وكيف ذلك؟”
ردّت ميّ بهدوء، كأنها توزّع مفاتيح النص أمامه:
“المدينة نموذج مضطرب، الطفل نموذج أولي، والأمّ… نموذج ‘الذاكرة الحافظة’.”
ثم أضافت بصوت خافت يحمل وزنًا معرفيًا:
“والصمت فيها… هو أعلى درجات المعرفة الشعورية.”
وسرحت في الملف المرفق، وقرأت بصوت أهدأ:
“السكوت يحمل صورة ذهنية أوضح مما يصرّح به اللسان، لأنه يترك المعنى للوعي، لا للكلمة.”
تنهدت لحظة، ثم قالت وهي تدون ملاحظاتها:
“الصمت… هو فعل ذهني قبل أن يكون فعلًا لغويًا.”
تمتم سالم بتساؤل داخلي، كأنه يعيد رسم حدود النص في ذهنه:
“يعني… الأمّ هي مركز الوعي في النص؟”
أجابته ميّ بثقة، وعينيها تتأملان النص من أعماقه:
“نعم… وهي نقطة التقاء بين البنية… والتداولية… والمعرفة.”
جلسا معًا، وشرعا بصياغة الإطار الذي طلبه الدكتور نزار.
كتب سالم بخط متأنٍ:
النموذج الذهني للنص:
1. المدينة = ذاكرة مضطربة
2. الطفل = عقل أولي يبحث عن الثبات
3. الأمّ = وعي صامت يلتقط الحقيقة
ثم كتبت ميّ بجانبها، وكأنها ترسم شبكة من المعاني:
الاستعارات المفهومية:
– المدينة = جسد حي
– الظل = الهوية
– الصمت = خطاب
– الاسم = ذاكرة
– الريح = تغيّر السلطة
ثم كتب سالم في نهاية الصفحة، وكأنها نقطة التقاء عالمين:
تلاقي الطبقات الثلاث:
– البنيوية: العلاقات بين العناصر
– التداولية: مقاصد العناصر
– المعرفية: النماذج الذهنية التي تصوغ كل شيء
نظرت ميّ إلى الصفحات المليئة بالخطوط والدوائر، وقالت بصوت خافت:
“هي أوّل مرة… أشعر فيها أن النص ينفتح أمامنا، مثل باب له طبقات… وكل طبقة فيها عالم كامل.”
ابتسم سالم، وهو يحدّق في الورقة:
“وأول مرة… أشعر أن معرفتنا نحن كذلك تنفتح.”
وقفا قرب النافذة، والليل يتسلّل إلى المدينة من جديد.
قالت ميّ بصوت خافت، كأنها تتحدث إلى نفسها والمدينة معًا:
“سالم… ربما المدينة في النص… تشبه المدن التي مررنا بها.”
أجابها وهو يراقب الظلال المتناثرة على الأرض:
“وربما الطفل… هو نحن.
كل واحد فينا يبحث عن ظلّه… ليجد معنىً ثابتاً.”
ثم التفت إليها، وعيناه تلمعان بالحقيقة المكتشفة:
“لكن الأجمل… أن نجد ظلّنا معًا.”
ابتسمت ميّ، وأغلقت الملف بيد ترتجف قليلًا—
ليس من التعب، بل من امتلاء القلب بمعنى أصبح أكبر من النص، وأكبر من الرسالة نفسها.
كان صباح ذلك اليوم مشرقًا بشكل غريب، كأن ضوء الشمس يشارك اللحظة فرحها.
حمل سالم وميّ ملف الفصل المعرفي الجديد، والقلق الهادئ يسير بجوارهما.
لم يكن هذا الفصل مجرد تحليل… كان روح النص متجلّية.
وكانا يعرفان أن الدكتور نزار لن يقبل إلا أن يكون ناضجًا… مختلفًا… ومبتكرًا بحق.
طرقا الباب، ودخلا.
ابتسم الأستاذ حين رآهما، لكن في عينيه بريق ترقّب عميق، كمن يتوقع ولادة فكرة جديدة.
وضع سالم الملف أمامه، فتح الدكتور نزار الصفحة الأولى… ثم الثانية… ثم غاص في القراءة
كأن الزمن حوله اختفى.
ميّ كانت تراقب تعابير وجهه بحثًا عن أي إشارة، وسالم يحبس أنفاسه، كأن هذا الملف امتحان حياة.
بعد عشر دقائق، رفع الأستاذ رأسه، وعيناه تحملان تقديرًا يختلط بالدهشة.
الفصل الرابع عشر:
قال الدكتور نزار بهدوء ثابت، لكن كلماته حملت وزنًا ثقيلًا في الغرفة:
“هذا… أفضل فصل كتبتموه.”
لم تستطع ميّ منع نفسها من الابتسام، ولم يتمالك سالم نفسه من شهيق خفيف، يشبه لحظة الإفراج بعد تعب طويل، لحظة يلتقي فيها الجهد بالصواب.
تابع الأستاذ كلامه، وعيناه تتفحصان الصفحات وكأنها خرائط للعقل البشري:
“النموذج الذهني للمدينة… الاستعارات… التقاط العقل البشري من بين سطور النص… كل هذا عمل عميق.”
ثم ضغط إصبعه على فقرة محددة، كمن يريد أن يؤكد نقطة مركزية:
“المدينة = ذاكرة مضطربة”
وقال بصوت يزن كل كلمة:
“هذه جملة من مستوى الدراسات العليا، وقليل من الناس يلتفت إليها حق الالتفات.”
انتقل بعد ذلك إلى فقرة أخرى، وصوته يزداد احترامًا، وكأن كل حرف فيه يحمل تقديرًا للنص والعقل:
“الصمت خطاب… يُقرأ بالبنية، ويُفهم بالتداولية، ويتجلّى بالمعرفة.”
أضاف قائلاً:
“هذا… نص سيُذكر، ولن يُنسى.”
ابتسمت ميّ في هدوء، أما سالم فقد شعر بموجة امتنان تغمر قلبه، امتنان لا تفيه الكلمات حقه، امتنان يختزن المعنى بين الصدر واللسان.
لكن الدكتور نزار كان على وشك قول الجملة الأهم في اللقاء.
وضع الأستاذ الأوراق أمامه، شبك أصابعه، وقال بجدية، لكن بصوت دافئ يشع ثقة وإيمانًا بالقدرة:
“حان الوقت لتحديد عنوان رسالتكم.”
تجمّدا للحظة، كأن الزمن توقف ليصغي، ثم تابع:
“كل ما اشتغلتُم عليه — البنية، التداولية، المعرفة، النموذج التكاملي… كلّه يسير نحو هدف واحد.”
ثم سحب ورقة وكتب بخط كبير وواضح:
“التكامل الدلالي في قراءة النصوص العربية المعاصرة:
مقاربة بنيوية – تداولية – معرفية”
وضع القلم، ونظر إليهما بعينين مشبعتين بالفخر:
“هذا… عنوان رسالتكم.”
غطت ميّ فمها بيدها، كأنها تحاول حبس دهشة جميلة من الإفلات، أما سالم فشعر بقشعريرة تمتد من أطراف أصابعه إلى قلبه، قشعريرة تذكّره أن الكلمات حين تتشكل بهذا العُمق، تتحوّل إلى مسؤولية.
ابتسم الأستاذ وأضاف بصوت حنون، يحمل اعترافًا بالجهد:
“إذا التزمتم بهذا النموذج… ستنجزون رسالة تُنشر… تُذكر… ويعاد قراءتها مرات ومرات.”
ثم ألقى بابتسامة فخر قائلاً:
“وأنا… سأفتخر بأنني كنت مشرفكم.”
جلس الاثنان صامتين للحظات، لم يكن هذا الصمت صمت خوف، ولا صمت نقاش، ولا صمت بحث عابر، بل كان صمت ولادة… صمت ولادة عنوان، صمت ولادة مشروع، صمت ولادة طريق يمتد من هذا المكتب إلى قاعات المؤتمرات، وإلى المستقبل الأكاديمي الذي ينتظرهما.
تنفس سالم ببطء، وقال بصوت مبحوح قليلًا:
“دكتور… هذا العنوان… أكبر بكثير منّا.”
ابتسم الأستاذ، وقال بثقة حازمة:
“وهذا المطلوب. يجب أن تكبروا أنتم… لتصلوا إلى مستواه.”
ثم نظر إليهما بعينين تشعان إيمانًا بالقدرة، كعينين ترى ما وراء النص:
“وأنا واثق بأنكما قادران.”
خرجا من المكتب بخطوات بطيئة، كأنهما يخشيان أن يوقظا الحلم فيتفتت، كأن كل خطوة تتطلب احترام اللحظة وروح المشروع الذي وُلِد لتوه.
وقفت ميّ عند نهاية الممر، نظرت إلى الورقة التي تحمل العنوان الجديد، وقالت:
“سالم… صرنا رسميًا نكتب رسالة.”
ردّ سالم بصوت خافت، يقترب من اعتراف داخلي طويل الأمد:
“وليست أي رسالة… رسالة لها اسم… ولها طموح… ولها مستقبل… ولها روح… وهذه الروح هي نحن الاثنين معاً.”
ابتسمت ميّ، فابتسمت الحياة حولهما، وصار الصمت الذي يملأ الممر مشبعًا بالفرح والرهبة معًا.
كان صباح ذلك اليوم مشرقًا بشكل مختلف، كأن الضوء نفسه أراد أن يبارك ولادة المشروع.
كان مكتب الدكتور نزار مضاءً بنور قوي، ونظرته تحمل الدقة الصارمة التي لا يظهرها إلا حين يبدأ العمل الجاد، عيناه تتفحص كل تفصيل، كل سطر، كأنها رقابة دقيقة على وعي الباحثين.
جلس سالم وميّ أمامه، والملف بين يديهما يحمل العنوان الجديد الذي أقرّه بنفسه:
“التكامل الدلالي في قراءة النصوص العربية المعاصرة”
فتح الأستاذ دفترًا صغيرًا ووضعه أمامهما، لم يكن دفترًا عاديًا، بل كان جدولًا محكمًا، مثل خطة معركة، مثل خارطة طريق لا مكان فيها للضياع، كل سطر فيه ينبض بالمقاصد والمنهجية، وكل عمود يروي قصة الجهد المسبق والدقة الأكاديمية.
قال الدكتور نزار بصوت حازم، لكن في صوته كان هناك بريق توجيه مليء بالثقة:
“من اليوم… نبدأ التنفيذ الكامل.”
ثم كتب على السبورة الصغيرة، موضحًا المراحل بدقة علمية:
الفصل الأول: الإطار النظري (٤٠ يومًا(
– علم الدلالة: المفاهيم
– التراث العربي عبر العصور
– المدارس الغربية
– التحليل البنيوي
– التداولية
– المعرفة والاستعارة المفهومية
الفصل الثاني: التحليل البنيوي (٣٠ يومًا)
– المدينة: الدالّ المحوري
– الطفل والظلّ
– الأمّ
– خرائط العلاقات
– المخطط البنيوي
وقف سالم لحظة، متأملًا الجدول، وفكر في كل يوم يمر عليهما:
“كل يوم… كل فقرة… كل تحليل… جزء من ولادة هذا المشروع الكبير، جزء من رحلة نحو فهم النصوص ليس كما يُقرأ عادة، بل كما يُعاش ويُصوّر في العقل.”
ميّ همست في نفسها، تنظر إلى الأستاذ بعينين مشحونتين بالانبهار:
“كل خطوة تقربنا من أن نخلق علمًا… وأن نكتب ما سيذكره الزمن، ليس فقط نصًا، بل تجربة معرفية كاملة، جسدت بين الكلمات والخرائط الذهنية.”
ثم تابع الدكتور نزار توضيح الجدول الزمني بدقة متناهية:
الفصل الثالث: التحليل التداولي (٣٠ يومًا(
– المقاصد
– القرائن
– السياق
– مجال السلطة في النص
– المدينة والطفل والأم بوصفهم خطابات
الفصل الرابع: التحليل المعرفي (٣٥ يومًا)
– النماذج الذهنية
– الاستعارات المفهومية
– المعنى في العقل
– بناء الهوية
– دمج الطبقات الثلاث: البنيوية، التداولية، والمعرفية
– الاستنتاجات
– إعادة صياغة النموذج
– الإمكانات البحثية المستقبلية
ثم قال الدكتور نزار بصوت حازم، يزن كل كلمة وكأنها حجر أساس:
“هذا الجدول… غير قابل للتأجيل.
إذا أردتم أن تنجح رسالتكم… لا بد من الالتزام فيه يومًا بيوم.”
نظر إليهما الأستاذ بثبات، وعيناه تحملان مزيجًا من الحزم والثقة:
“ستكتبون الرسالة سويًا… لكن ليس بأسلوب واحد.”
رفع سالم حاجبه مستفسرًا، تتردد في صوته ملامح الاستفهام والدهشة:
“كيف يعني ذلك؟”
ابتسم الأستاذ بهدوء، ووضح الفكرة كمن يفتح نافذة على أسلوب علمي متكامل:
“كل واحد منكم له صوته العلمي الخاص. يجب أن يظل صوت سالم واضحًا… ويجب أن يظل صوت ميّ واضحًا… وأنا سأنسّق اللغة في النهاية.”
ثم أضاف مبتسمًا، وكأنّه يضع قاعدة ذهبية للبحث المشترك:
“ليس مسموحًا أن تذوب أصواتكم في بعضها. الشراكة لا تعني الذوبان، الشراكة تعني التناغم.”
ابتسمت ميّ برقة، وشعرت أن هذا الكلام لمس جوهرها الداخلي، أما سالم فهزّ رأسه بتفهّم، يشعر بثقل المسؤولية يتوزع بينهما بشكل عادل، ويعي أن التناغم الحقيقي لا يلغي تفرد كل منهما.
أخرج الأستاذ نسخة مطبوعة من الملف الذي أثرى بحثهما:
ووضعها على الطاولة بعناية، وقال بصوت حاسم لا يقبل الجدل:
“هذا الملف… أصبح مرجعًا رئيسيًا في الرسالة.”
ثم فتح الملف على فقرة محددة، مؤكدًا أهميتها بدقة أكاديمية:
“المعنى يتشكّل من حركة السياق قبل أن يتشكّل من بنية اللفظ، فاللسان وحده لا يولد الدلالة، السياق هو العقل الأول للمعنى.”
ميّ دونت بسرعة في دفترها، وهي تتفاعل داخليًا، صوّر عقلها كل طبقة من المعنى:
“السياق… هو ما يعطي الكلمة روحها… والمعنى لا ينشأ من اللفظ وحده، بل من عقل القارئ وصورته الذهنية.”
ثم أشار الأستاذ إلى فقرة أخرى، لتأكيد مركزية الفكرة:
“الإنسان يعطي اللفظ صورته، لا اللفظ يعطي الإنسان صورته.”
وقال بصرامة، لتأكيد الجدية والالتزام الأكاديمي:
“هذه… أساس الفصل المعرفي.”
ثم ختم كلامه، وعيناه ثابتتان على كليهما:
“هذا الملف… لم يعد مجرد ورقة إضافية.
هذا… جزء لا يتجزأ من الرسالة نفسها.”
نظر سالم إلى الفقرات بعين جديدة، كأنه يكتشفها لأول مرة، وأحسّت ميّ بقوة المعنى وهو يتغلغل في ذهنها، تدرك أن كل كلمة في هذا الملف هي حجر زاوية في بناء مشروعهما العلمي والفكري.
أغلق الأستاذ ملفّه ببطء، وقال بنبرة أبوية، تحمل كل معاني الجدّ والحزم:
“هذا العمل سيختبركما… علميًا… ونفسيًا… وعاطفيًا.”
حاول سالم أن يبتسم، صوت خافت يختنق بين الكلمات:
“جاهزون… إن شاء الله.”
نظر إليه الدكتور نزار بجدّيةٍ أعمق، وكأن صوابه يتجاوز الكلمات:
“لا تقل “إن شاء الله”… وتقف!
قل: جاهزون…“إن شاء الله”… وسنعمل كل يوم.”
ثم مدّ نظره إليهما طويلاً، كمن يقرأ أعماقهما، وأكمل:
“الرسالة التي تكتبونها ليست مجرد بحث.
إنها بداية الحياة الأكاديمية، وهي أيضًا فصل من حياتكما الشخصية.”
ميّ أدارت وجهها، ووجنتاها تتوردان من عمق المعنى، أما سالم فشعر بقلبه يضيء، كما لو أن روح جديدة تسري فيه، نور لا يعرفه ولا يمكن تفسيره بالكلمات، نور يجعل كل حرف وكل سطر يحوي الحياة نفسها.
سحب الأستاذ ورقة أخرى، وضع عليها اسميهما بعناية، ثم كتب:
“الأسبوع الأول:
– جمع المراجع
– تحديد الإطار النظري
– خطة الفصل الأول
– قراءة شاملة لمحتوى الملف المرفق
– تحديد قائمة الاستعارات والنماذج الذهنية”
ثم قال بنبرة صارمة، لكنها محفّزة، كمن يضع حجر الأساس على طريق طويل:
“غدًا…
أريد أول تقرير مرحلي منكم.
نصف صفحة فقط:
ماذا قرأتم…
ماذا فهمتم…
ماذا ستكتبون لاحقًا.”
تبادلا سالم وميّ نظرةً مختلطة بين الخوف الجميل، والإصرار، والإحساس بأنهما على عتبة طريق سيغيّر حياتهما إلى الأبد، كأن هذه اللحظة تفتح أمامهما بوابة المستقبل الأكاديمي والفكري.
حين خرجا من المكتب، وقفا وحدهما في الممر الطويل، الذي يطل على ساحة الكلية المبلّلة بأشعة شمسٍ خافتة، قالت ميّ بصوتٍ هادئ، لكنه مشحون بالعزم:
“سالم… بدأت الرحلة الحقيقية.”
أجابها وهو ينظر إليها بعمق، كمن يحاول تثبيت عهد بين العقل والقلب:
“ولم يبقَ مجال للتراجع.”
ثم أضاف، وكأن كل كلمة هي عهد بينهما:
“ميّ… وعد؟
نكتب… ونتعب… ونكمل… سويًا؟”
مدّت يدها بخفة، وضعت إصبعها فوق إصبعه، “وعد… سالم.
من هنا… نبدأ كتابة حياتنا.”
كان أسبوع العمل الأول يمر بثقل يشبه ثقل الحجارة، المراجع تتراكم، ودفتر الملاحظات يمتلئ، والجداول التي وضعها الدكتور نزار لا ترحم أحدًا.
في بداية الأسبوع الثاني، جلس سالم وميّ في المكتبة المركزية، والنافذة مفتوحة على أشجار الحديقة المحيطة التي تهتز تحت ريحٍ خفيفة، كأنها تراقبهما، وتحثهما على الاستمرار.
كانت المراجع موزعة أمامهما:
– ” علم الدلالة” – ليويس
– “المعنى والسياق” – ريتشاردز
– “اللسانيات المعرفية” – لايكوف
– “نظرية النظم” – الجرجاني
– الملف المطبوع “أثناء البحث في علم الدلالة”.
كانت ميّ تقلب الصفحات ببطء غير معتاد، وسالم لاحظ فورًا توتّرها، وسأل بصوت منخفض، كأنه يحاول قراءة روحها:
“ميّ… ماذا هناك؟”
رفعت رأسها، وعيونها تتلألأ بالقلق الحقيقي:
“سالم… أشعر أني… لا ألحق.
كل شيء كبير… أكبر مني.”
أغلق سالم كتابه بهدوء، وجلس مقابلها مباشرة، كأن مساحة الطاولة تفصل بين جسدين، لكنها لا تفصل بين روحين، وفكر بصوت داخلي: “لماذا ترى نفسها ضعيفة، وهي التي صنعت أهم فقرة في الفصل المعرفي؟”
قال بصوت دافئ، يزن كلماته بعناية، يحاول أن يخفف ثقل الخوف عنها:
“لماذا تقولين هذا؟
أنتِ التي كتبتِ أهم فقرة في الفصل المعرفي.”
هزّت ميّ رأسها برفق، ثم أضافت بصوت متردد، يختلط فيه التوتر بالصدق:
“لكن هذا الفصل… شيء، والإطار النظري… شيء آخر.
كمية المدارس… المفاهيم… التعاريف… تاريخ الدلالة… التراث… المدارس الغربية… السيميائيات…
والملف الذي أرفقته… كل ذلك يجب أن أفهمه، لا أن أكتبه فقط.”
شهقت نفسًا مرتعشًا، كأنها تطلب الاطمئنان:
“سالم… أخاف… أخاف أن أقصر… أخاف ألا أكون على قدر العنوان الذي كتبناه.”
شعر سالم بشيء ينكسر في داخله، ليس خوفًا على الرسالة، بل لأنه رأى ميّ الحقيقية — التي تحمل أحلامًا كبيرة، وقلبًا هشًّا حين يثقل عليه الطريق، وفهم أن الدعم الحقيقي لا يأتِ من الكلمات فقط، بل من حضور الروح بجانب الروح.
همس سالم بصوت خافت، كأن صوته يحمل دفءَ الحماية عبر ثقل المكان:
“ميّ… تعالي نفتح الملف من جديد… من البداية.”
أخرج نسخة من الملف، وأمسكها بحذر كأنها مفتاح لعالم كامل، ثم قال مبتسمًا، كأن يمد يد العون نحو قلبها:
“انظري… كل فقرة فيه مكتوبة بلغة أبسط من كل تلك الكتب.
هذا هو الأساس.
ونحن لا نريد كتابة موسوعة… نريد فصلًا واضحًا، متينًا، مفهومًا.”
قلب الصفحة إلى فقرة أخرى، وقرأ بصوت خافت لكنه ثابت:
“لغة المعنى لا تتعقّد إلا إذا فقدت جذورها.”
ثم أضاف، كأنه يهمس لعقليهما معًا:
“إذا رجعنا للجذور… كل شيء يصبح أسهل.
وأنا وأنتِ… معًا… سنجد الجذور.”
نظرت إليه ميّ مطوّلًا، وكأن الكلام وصل إلى عمقٍ كانت تخفيه عن نفسها، عمق يحمل خوفها، وعزمها، ورغبتها في أن تكون جزءًا من هذا البناء المعرفي الكبير، كأنها تدرك لأول مرة أنّ فهم الجذور ليس مجرد عمل علمي… بل هو رحلة نحو العقل، والذاكرة، والهوية، كلها معًا.
بعد ساعات من العمل المستمر، لاحظ سالم يد ميّ ترتجف وهي تمسك القلم.
قال بلهجة حانية، ممزوجة بالحرص:
“ميّ… يدك ترتجف. ارتاحي قليلًا.”
ابتسمت محاولة التماسك، لكنها أضافت بصوت متردد:
“لا… يجب أن أنهي هذا المقطع…”
لكن القلم سقط من يدها.
التقطه سالم بسرعة ووضعه أمامها، ثم قال بصوت حازم لكنه ملؤه الحب:
“ميّ… هذا ليس سباقًا. هذا عمر…
ونحن نكتبه معًا. لا داعي لأن تجري فوق طاقتك.”
أخفت ميّ وجهها بكفّها، كأنها تحاول كبح موجة من العاطفة:
“أنا… لا أريد أن أكون الحلقة الضعيفة.”
مد سالم يده نحوها برفق، لمسها بخفة، وقال:
“أنتِ… لستِ الحلقة الضعيفة. أنتِ النص كله.”
صرخت فجأة بصوت مكسور، تكاد دموعها تختلط بالكلمات:
“سالم… أهلي يقولون إن هذا التخصص كبير جدًا… وأن عليّ التركيز على الدراسة فقط.
لا أحد مقتنع بالبحث… ولا بالرسالة… ولا بالمستقبل الذي نحلم به.”
شعر سالم بثقل على صدره. لم يكن مجرد تعب علمي، بل ضغط عائلي يحطم الثقة بالنفس.
سألها بحزن:
“ولماذا لم تخبريني من قبل؟”
دمعت عيناها، وأجابت:
“لم أرد أن أحمّلك همّي … يكفيني الضغط الذي على كتفيك.”
اقترب منها سالم، وخفض صوته إلى همس حنون:
“ميّ… نحن فريق. وإذا خبأ كل واحد منا ألمه… فلن نمضي خطوة واحدة.
دعينا نواجه الضغط… معًا. وليس كل واحد لوحده.”
بعد دقائق من الصمت الهادئ، رفعت ميّ رأسها، وعيناها تلمعان بعزم جديد:
“طيب… ماذا نكتب الآن؟”
ابتسم سالم، واضعًا يده على أوراق جديدة:
“نكتب أبسط شيء… البداية.”
فتح ملفًا جديدًا وكتب العنوان:
“١ – مدخل إلى علم الدلالة: تعريفات ومفاهيم أولية”
ثم قال:
“كل الكتب… كل المدارس… كل التعقيد…
سنعود إليه مبسطًا… ثم نغوص فيه خطوة خطوة.
وكل يوم… صفحة واحدة فقط.”
أخذت ميّ نفسًا عميقًا، كأنها تتنفس الشجاعة:
“صفحة واحدة… أستطيع أن أفعلها.”
أجابها سالم بابتسامة دافئة:
“ونكتبها… معًا.”
مع حلول المساء، كان على الطاولة شيء جديد:
ليس فصلًا مكتملًا، ولا تحليلًا معقّدًا، بل مجرد صفحة واحدة.
صفحة واحدة…
كتباها من خارج دائرة الخوف، من عالم يملؤه القلق والتردد.
نظر سالم إليها وقال بهدوء يكتنفه الإعجاب:
“هي البداية الصحيحة.”
ابتسمت ميّ ابتسامة ضعيفة، لكنها كانت أصدق ابتسامة شهدها الأسبوع كله:
“وغداً… صفحة جديدة.”
أجابها سالم بصوت دافئ:
“وبعد غد… صفحة أخرى.”
ثم نظر إليها بعمق، كأنه يرى المستقبل أمامه:
“وبعد شهرين… رسالة مكتملة.”
كان نهار الخميس باردًا بطريقة غريبة، كأن الهواء يذكّر الطلبة بأن العلم يحتاج شيئًا من الصقيع ليصنع صلابة المعرفة.
دخل سالم وميّ مكتب الدكتور نزار، وفي أيديهما أول مسودة مكتوبة من الفصل النظري — الصفحات التي استغرق إنجازها ثمانية أيام كاملة، خلالها ناما أقل، واطّلعا أكثر، وكتبا بعناية تشبه خياطة دقيقة لنسيج معقّد.
استقبلهما الدكتور نزار بابتسامة محسوبة، ثم قال بنبرة جديّة:
“دعوني أقرأ… وبعدها نتحدث.”
جلسا ينتظران، والصمت حولهما كأنه ماء يغمر المكان، لا يعلو فوقه أي صوت.
بعد دقائق طويلة، وضع الأستاذ أوراق ميّ على طرف المكتب وقال:
“ممتاز… واضح، متسلسل، ومرتّب حسب الخطة.
فيه قوة تحليل… وفيه سلاسة.”
شهقت ميّ بصمت، كأن صوتها اختنق بالفرح، وسالم ابتسم فرحًا لها، وكأن ابتسامته تعكس جزءًا من ضوء الأيام الطويلة التي أمضاها في البحث.
لكن الدكتور نزار لم يفتح أوراق سالم بعد، بل ظل صامتًا، ينظر إلى الصفحة الأولى نظرة طويلة…
طويلة جدًا، مليئة بالتأمل والمراجعة الصارمة، كأنها عين القاضي التي لا تغفل عن أدق التفاصيل.
ثم قال بلهجة تختلف عن تلك التي خاطب بها ميّ:
“سالم… تعال.”
تقدّم سالم، ووقف قرب الطاولة، وكأن جسده يشارك روحه رهبة اللحظة.
رفع الأستاذ الورقة الأولى، ونقر بإصبعه على السطر الأول:
“من طلب منك أن تبدأ بتاريخ السيميائيات؟”
ارتبك سالم، محاولًا الدفاع عن اختياره:
“كنت أحب أن أقدّم خلفية…”
قاطعه الأستاذ بهدوء حازم:
“الخلفية مهمة… لكن المسار البحثي أهم.
هذا فصل نظري لرسالة، ليس مقدمة لكتاب.”
ثم قلب الصفحة بسرعة:
“وهنا… ما هذا؟
قائمة طويلة من المراجع الغربية بدون تحقيق، بدون تحديد مدرستها، من دون سياق واضح… لماذا؟”
شعر سالم بوخزة في صدره، كأن الكلمات تنغرس في روحه، وتدقّ أجراس القلق في داخله:
“دكتور… كنت أحاول الربط بين المدارس…”
رفع الأستاذ حاجبه، وصوت التحذير يملأ المكان:
“الربط؟ يا سالم… لا يمكن الربط قبل العرض الدقيق.
هذا ليس ربطًا… هذا مجرد حشد معلومات.”
وضرب الصفحة برفق، لكنه حازم:
“هذا ليس أسلوبًا أكاديميًا.
هذا أسلوب طالب سنة أولى يلخّص المعلومات، وليس باحثًا يكتب رسالة.”
شعرت ميّ بقلق عميق، ثم بحزن يسكب على وجه سالم، الذي بدأ شعاعه يخف، كما لو أن حريقًا صغيرًا في داخله بدأ يخبو، ينذر بأنه بحاجة إلى استعادة البوصلة العلمية والروحية معًا.
حاول سالم أن يتمالك نفسه، وصوته يختنق بالاعتذار:
“آسف دكتور… لم يكن قصدي…”
قاطعه الأستاذ مرة أخرى، بصوت حازم يزن كل كلمة:
“المشكلة ليست بالقصد… المشكلة… أنك تهرب من الصعوبة بتكديس المعرفة، لا ببنائها.”
ثم قال جملة أثقل من أي نقد:
“سالم… إذا لم تشدّ نفسك… ميّ ستسبقك.”
وقع الكلام كصفعة غير مؤذية، لكنه أيقظ شيئًا مُرعبًا في داخل الروح، كخوف قديم يطلّ فجأة من عمق الذاكرة، يذكّره بأن العلم ليس مجرد حشو، بل بناء متقن وعقل واعٍ يلتقط الجذور.
رفعت ميّ رأسها مصدومة، كانت على وشك الكلام، لكن سالم أشار إليها بلطف، كي تبقى صامتة، كأن الصمت نفسه يحمل معنى أكثر ثقلًا من أي كلمة.
تابع الدكتور نزار بنبرة صارمة:
“لا أريد شعارات… ولا حماسًا بلا دليل… أريد علمًا.
الفصل النظري هو عمود الرسالة — وأنت يا سالم، يجب أن تكون عموده، لا ثغرتها.”
أومأ سالم بهدوء، لكن يده كانت ترتجف قليلًا، كأن جسده يحمل وزر الكلمات أكثر من عقله، وتساؤلاته الداخلية تتصارع: “هل أستطيع أن أكون هذا العمود؟ هل سأتمكن من أن أصنع البناء الصحيح؟”
كان الصمت بعد كلمات الدكتور نزار ثقيلًا، لا يطفئه أي صوت، بل يزيد الشعور بالمسؤولية، ويزرع في القلب عزيمة خفية، عزيمة تقول: “هيا… عليك أن تنحت علمك كما ينحت النحات تمثالًا من حجر صلب.”
بعد انتهاء الاجتماع، خرجا معًا، يمشيان بصمت طويل في الممر الفارغ، والظلال تتراكم على الجدران كأنها تراقبهما بصمت، تتساءل: هل سيتجاوزان الشكوك؟ أم أن ثقل المهمة سيكسر عزيمتهما؟
كان سالم ينظر إلى الأرض، وصوته منخفضًا:
“ميّ… ربما الدكتور معه حق…
ربما عن جد… أنا مقصر.”
توقفت م يّ فجأة، أمسكت بيده بقوة لم تعرفها من قبل، وقالت بلهجة مشبعة باليقين:
“سالم… هذا ليس تقصيرًا.
هذا مجرد اختلاف طريقة.
وإذا كان هناك ما يجب تصحيحه… نصلحه معًا.”
هزّ سالم رأسه، لكن نظراته لم تكذب— كان مجروحًا، مترددًا، مُحاصرًا بشكوكه، تتساءل نفسه: هل أستحق أن أكون شريكًا حقيقيًا في هذا البناء العلمي؟
اقتربت ميّ خطوة أخرى، وقالت بنبرة حازمة:
“ويجب أن تفهم شيئًا… أنا لن أسبقك. فنحن نمشي سويًا. وإذا شعرت يومًا أنني سبقتك، فسأتوقف عن كل شغلي عندك، لن أكمل من دونك.”
انتفض سالم سريعًا:
“لاااا! ميّ، لا تقولي هذا… أنتِ من حقك أن تتألقي، وعملك كان بالفعل أفضل.”
ابتسمت ميّ، وأملت عليه روحًا جديدة:
“وأنت أيضًا ستكون أفضل. لكن… يجب أن تعمل كما يجب، لا بسرعة، ولا بكثرة، بل بدقة.”
وضعت يدها على كتفه برفق:
“ويجب أن تثق بنفسك… كما أنا واثقة بك.”
كانت كلماتها تنسج السلام داخله، تجمع شتاته، قطعة قطعة، وتعيد إليه شعور القوة واليقين، كما لو أن قلبه استعاد دفء الحياة بعد برد طويل.
عادا إلى المكتبة بعد ساعة فقط، لم يستسلما لليأس، بل عادا بنوع من العناد الجميل، الذي يولده الألم، ويصنع صلابة القلب قبل صلابة العقل.
فتح سالم صفحة جديدة، وكتب عنوانًا بسيطًا وواضحًا:
“١ – مفهوم الدلالة: تعريف مقارن بين ثلاث مدارس”.
قالت ميّ بهدوء:
“هي البداية… بثبات.”
وضعت أمامه فقرات مختارة من الملف ذاته:
“المعنى لا يُبنى بالكمّ، بل بالترابط.”
أضافت:
“هذه هي ثقلها . كل فقرة يجب أن تُنشأ عليها روابط… ليست مجرد تجميع معلومات.”
ابتسم سالم لأول مرة منذ صباح اليوم، وبصوت داخلي صادق:
“تمام… نعيد الصياغة بهذه الطريقة.”
وبدأ الكتابة — هذه المرة، كان صوته الداخلي أكثر وضوحًا، وأكثر صلابة، كأنه يهمس له:
“اعمل بدقة… هنا يولد العلم الحقيقي.”
مع غروب الشمس، كانت على الطاولة صفحة جديدة، أفضل من السابقة، وأنقى، كتبت بروح أكثر صراحة وانضباطًا.
سالم قال وهو يقرأها بصوت منخفض:
“ميّ… من اليوم، سأكتب وكأن الدكتور نزار واقف بجانبي، يراقب كل كلمة.”
ابتسمت ميّ بلطف:
“وإذا سقطنا… سننهض.
وإذا تأخرنا… سنكمل.
وإذا ضاقت صدورنا… سنتمهل ثم سنتابع.”
نظر إليها طويلًا، ثم قال بابتسامة صادقة:
“طالما فينا قلبان يعملان لنفس الحلم… فلن نخسر.”
كانت المكتبة المركزية بعد الغروب كصندوق خشبي ضخم، تتداخل فيه الظلال، وتختلط فوق الطاولات أصوات الأوراق مع صمت المكان.
جلس سالم وميّ في القسم المعزول، قرب نافذة عالية، تنسل منها ريح باردة تحرك أوراقهما
مثل صفحات كتاب يتنفس.
كانا غارقين في كتابة الفقرة الأخيرة من مبحث “تطور الدلالة عبر التاريخ”، حين اقترب شخص ببطء دون أن يشعروا.
كانت يد سالم قريبة جدًا من يد ميّ، ولم ينتبها لذلك، فكانا منغمسين في النقاش حول جملة:
“الدلالة بنت السياق، لا بنت الكلمة وحدها.”
قالت ميّ:
“لا… هي قوية جدًا هكذا. من الملف، بصياغة ألطف:”
فتحت نسخة من الملف:
قرأت:
“تتشكّل الدلالة من حركة العقل بين اللفظ والسياق؛ فإذا انفصل أحدهما عن الآخر، ضاع المعنى.”
ابتسم سالم وقال:
“أجمل… وأعمق.”
ثم ضحكا — ضحكة قصيرة، كان فيها قرب أكثر مما يجب، وصدق أكثر مما يسمح به قلبان
لم يعترفا بعد بمشاعرهما.
وهنا… ظهر ظل على الطاولة.
رفع الاثنان رأسيهما فجأة:
كان الدكتور نزار واقفًا، ملامحه هادئة، لكنّ عينيه… تسجّلان كل شيء.
قال الأستاذ، بصوته المألوف، نصف مبتسم:
“مساء الخير…
هل هذه سهرة دلالية؟”
انتفضت ميّ كمن أفاقت لتوّ من سبات فكري:
“دكتور!
أهلًا… لم ننتبه.”
سالم حاول ترتيب الأوراق بعجلة خفيفة:
“كنا نعمل على قسم ‘تاريخ الدلالة’، ونستعرض بعض الجذور في التراث العربي.”
ابتسم الدكتور نزار ابتسامة قصيرة، لكنها ملؤها ذكاء مراقب:
“واضح… واضح أنكم مندمجان في العمل… ربما أكثر من اللازم.”
احمرّ وجه ميّ، وابتلع سالم ريقه بصعوبة.
لكن الأستاذ لم يجلس فورًا، بل ظل واقفًا للحظة، يراقب كل تفصيل:
طريقة جلوسهما، تموضع الأوراق، قرب الكراسي، وكيف أنّ الكتب موزّعة بينهما، ليس بطريقة عمل فردي، بل كما لو كانت مائدة مشتركة بين شخصين تعودا على التناغم.
ثم جلس أخيرًا، بثبات، وكأن حضوره يمنح الجو صمتًا مؤثّرًا مليئًا بالترقب والمعرفة.
قال الأستاذ وهو يتأمل المسودة:
“دعوني أرى… إلى أين وصلتم.”
أخذ أول ورقة، قرأها بنظرة هادئة دقيقة، ثم قال:
“التقدم ممتاز… وخاصة هنا— ” وأشار إلى جملة كتبتها ميّ:
“الدلالة كائن متحرّك لا ينمو إلا في بيئة سياقية حيّة.”
ابتسم:
“هذه… جميلة جدًا.”
التفت نحو سالم:
“ومن هذه الجملة وحتى هنا… يبدو أنكما تعملان معًا بشكل متقن.”
ابتسم سالم بخجل، لكن الأستاذ لم يكمل، بل قال بحزم رقيق:
“لكن… ليس الأمر علميًا فقط.”
تجمّدت ميّ، وشعر سالم بقلق خفيف يمرّ عبر صدره، كما لو أن الكلمات تطرق باب قلبه قبل أن تطرق عقله.
الأستاذ، الذي يقرأ العيون قبل الأوراق، قال بصراحة لا تقبل اللبس:
“هناك شيء ينمو بينكما… أليس كذلك؟”
لم يجيباه، ولم يكن السؤال فعليًا، بل كشف مبطن، سؤال يفتح نافذة على العوالم الداخلية، على ما لم يُقال بين الكلمات.
رفع الأستاذ يده، وأضاف:
“اسمعوني جيدًا…
أنا لا أقتحم خصوصياتكم، لكن العلاقة الإنسانية، إذا لم تتضح، قد تؤثر على البحث العلمي، سلبًا أو إيجابًا.”
ثم نظر إليهما بعمق، وكأن صوته يحمل تحذيرًا خافتًا:
“أنتم…
واضح أنكم تسيرون في اتجاه واحد، لكن عليكم أن تعلموا:
البحث العلمي لا يرحم العلاقات المخبأة.”
خفضت ميّ عينيها، وشعر سالم بصراحة الكلمات تغزو روحه، تخبره بما لم يستطع التعبير عنه منذ شهور:
أنه ليس وحده في الحيرة، وأن الالتزام بالعلم والحقيقة يتطلب وضوح القلوب قبل وضوح الأفكار.
قال سالم بصوت هادئ، متثاقل لكنه صادق:
“دكتور…
نحن…
نشتغل معًا، وربما… نجد بعض الراحة في هذا العمل.”
ابتسم الأستاذ، ونبرة ابتسامته تحمل فضولًا ومراقبة دقيقة:
“راحة؟ أم اهتمام؟ أم شيء أعمق من ذلك؟”
تمتمت ميّ بخفّة، وكأنها تحاول استجماع أفكارها:
“لا أعلم…
ربما… لم نكتشف بعد.”
ضحك الدكتور نزار بخفّة، ثم قال بنبرة مليئة بالملاحظة:
“خمس وعشرون سنة وأنا أراقب الطلاب، ولم أرَ طالبين بهذه الدرجة من الانسجام… ثم يقولان ‘لم نعرف بعد’!”
ثم صار صوته أكثر جدّية، وكأن كلماته تشبه التوجيه الأكاديمي الصارم:
“إذا كانت هناك مشاعر، فلنسمح لها بالنضج مع الوقت، ولا نهرب منها.
لكن يجب أن تكون واضحة، فالغموض أكثر ما يكسر الشراكات العلمية.”
نظر سالم إلى الأستاذ مترددًا، وكأنه يطلب إذنًا:
“يعني…
ليس في الأمر مشكلة؟”
أجاب الأستاذ بصراحة وهدوء لا يقبل اللبس:
“المشكلة الوحيدة، أن تكذبوا على أنفسكم، أو تخافوا من الاعتراف بما تشعرون.”
نهض الدكتور نزار، ورفع صوته قليلًا، ولكن بثقل خبرته:
“وبصراحة…
أنا أرى شيئًا جميلًا، وشيئًا ناضجًا، وشيئًا يمكن أن يكمل بعضه البعض إذا احترمتموه.”
تبادل سالم وميّ نظرة مختلفة عن كل ما مضى، لم تكن مجرد تبادل عابر، بل نظرة مكشوفة، صادقة، كأنهما يسمعان لأول مرة ما كانا يخفيانه عن أنفسهما، وكأن اللغة نفسها هنا لم تعد مجرد كلمات… بل انعكاس للقلوب، للنوايا، للمعنى المتجدد بين العقل والعاطفة.
حين خرج الدكتور نزار، ترك الباب نصف مفتوح، كأنه أراد أن يترك شيئًا أكثر من مجرد الهواء يدخل إلى الغرفة، مساحة خفية للنضج والصدق، كي تنمو بحرية بين الأضلاع العلمية والقلوب الباحثة.
همست ميّ بصوت منخفض، وكأنها تسأل نفسها قبل الآخرين:
“سالم… هل ما قاله… صدق أم مبالغة؟”
جلس سالم بجانبها، وابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال ببطء، كأنه يبلّغ نفسه قبل أن يبلّغها:
“ميّ… هناك شيء أعرفه جيدًا… وجودك معي، يجعل العلم أجمل… أكثر من أي وقت مضى.”
ابتسمت، والدمعة في عينيها لم تكن مجرد حزن أو فرح، بل حبّ يتشكل برقة، بدقة شبيهة بتشكّل المعنى من السياق، كما علمتها علوم الدلالة منذ العصر العباسي إلى السيميائيات الحديثة.
قال سالم بصوت ثابت، لا يرتجف:
“وربما… ليس الأمر مقتصرًا على العلم فقط.”
لم تجبه ميّ، اكتفت بأن تترك يدها قريبة جدًا من يده، كما كانت قبل دخول الدكتور نزار، ولكن هذه المرة… دون خوف، دون تردد، وكل شيء بدا وكأنه بدأ يتوضح تدريجيًا بينهما.
في داخل ميّ، ارتسمت تساؤلات صغيرة:
“هل أستطيع أن أثق بهذا الشعور؟
هل يمكن أن يكون عمق العمل المشترك جسرًا للارتباط الحقيقي؟”
وسالم بدوره، كان يسمع صوته الداخلي:
“هل القدرة على التحمل والصبر المشترك يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية في البحث… وفي حياتنا؟
هل العلم يحتاج فقط للمعرفة أم للقلوب التي تفهم المعنى قبل اللفظ؟”
«عند العرب الأوائل كان المعنى حاضرًا بلا علم؛ سليقة صافية، فصاحة متوارثة، ومعجم حيّ، وسياق اجتماعي يضمن انتقال المعنى بلا لبس.»

معانٍ في ظلال الكلمات 08