معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء الثامن – الأخير-
الفصل الخامس عشر:
كانت قاعةُ الاجتماعاتِ في البناءِ الثاني لكلية الآداب ساكنةً على غير عادتها، كأنّ الصمت فيها يتهيّأ لمشهدٍ قادمٍ يختبر فيه العلمُ أصحابه.
الطاولاتُ المصقولةُ مصطفّةٌ على هيئة نصف دائرة، وفي مقدّمتها شاشةٌ كبيرة تُعرض عليها عادةً مشاريعُ الدراسات العليا قبل أن تنال ختمَ القبول أو تُعاد إلى أصحابها محمّلةً بالملاحظات.
دخل “سالم” أولًا، يتفقد المكان بعينين تشبهان عيني رجلٍ يدخل امتحانًا لا يعرف إن كان مُعِدًّا له أم أنه على وشك اكتشاف نقصٍ لم ينتبه إليه من قبل.
وتساءل داخليًا:
“هل ما كتبناه قادرٌ على الوقوف أمام أسئلة هؤلاء الأساتذة؟
وهل ستصمد حججنا كما صمدت نصوص القدماء حين اختُبرت بالاستدلال والبرهان؟”
ثم دخلت “ميّ”، ترتدي سترةً داكنة أنيقة، تحمل بين يديها ملفًا أزرق يحتوي مسوّدة بحثهما المشترك.
كانت خطواتها واثقة، لكن في عينيها وهجُ الترقّب كأنها تسأل نفسها بصمت:
“هل أحسنّا الربط بين النظرية والتطبيق؟
هل تجتمع لغة الباحث مع قلبه أم يفترقان حين يبدأ الامتحان الحقيقي؟”
اقتربت من “سالم”، وقالت بصوت منخفضٍ تلوّنُه السكينة والقلق معًا:
“جاهز…؟”
أجابها وهو يضبط وقفته، ويستجمع ما تبقّى من رباطة جأشه:
“جاهز… وبوجودكِ إلى جانبي… أصبح أقوى.”
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ تجمع بين الامتنان والثقة، ابتسامةٌ تشبه تلك اللحظة التي يدرك فيها الباحث
أنّ المعرفة لا تُكتب بالعقل وحده، بل بالشراكة… وبالروح أيضًا. دخل ثلاثةٌ من الأساتذة:
الدكتور “جمال”، والدكتور “وفيق” المتخصص في اللسانيات الحديثة، والدكتورة “آمنة” التي تشتهر بنقدها الحاد وملاحظاتها التي لا تترك نصًّا على حاله.
جلسوا في أماكنهم، وبدأت الجلسة.
قال الدكتور جمال وهو يفتح المجلّد الرسمي للجلسة:
“اليوم… لدينا مشروعٌ مشترك لـ”سالم” و “ميّ”. مشروعٌ فيه جرأةٌ منهجية وتطبيقٌ عملي على نصوص مختارة.”
ثم رفع رأسه نحوهما، وألقى جملةً أقرب إلى ميزان لا يميل لأحد:
“نسمعُ ملخصَكم… تفضّلا.”
تقدّم “سالم” خطوةً إلى الأمام، وشعر للحظة أنّ الأرض تحته تسأل:
“هل ستقف بثبات؟
أم ستتردد كما يتردد المبتدئون عندما يختبرون أول أدواتهم؟”
بدأ بصوت هادئ، يحمل نبرةَ من يعرف طريقه، ولو بشيءٍ من الحذر:
“مشروعُنا… ينطلقُ من فكرةٍ أساسية:
أنّ الدلالة ليست ثابتة، لكنها أيضًا ليست فوضى.
هي تتشكّل من توازنٍ بين البنية، والسياق، والقصد.”
وفي داخله أضاف سؤالًا لم ينطق به:
“أليس هذا ما أدركه أئمة العربية حين قالوا:
الكلمة ابنةُ زمانها ومكانها؟
فكيف للمعنى أن يكون جامدًا والحياة من حوله تتحرّك؟”
ثم أشار سالم إلى “ميّ”، فاستلمت الحديث مباشرة، بصوتٍ يحمل ثباتًا مكتسبًا من ساعاتٍ طويلة من المراجعة والتفكير:
“ومن هنا… اشتغلنا على خمسة نصوص معاصرة تجمع بين الشعر والسرد، وركّزنا على تعدّد مستويات الدلالة بين القارئ المتخصص والقارئ العام.”
كانت كلماتها تتقدّم بثقةٍ تشبه ثقة الباحثين الذين يعرفون أنّ العلم لا يمنح صاحبه طمأنينةً مجانية،
بل يُكسبه قدرةً على مواجهة الأسئلة مهما اشتدّت.
وقفت مع “سالم” أمام الشاشة، يتبادلان الشرح وكأنّ الحوار ليس مجرد عرضٍ أكاديمي، بل حديثٌ بين عقلين تشكّلا في غرفةٍ واحدة، وعرفا أن المعنى لا يستقيم إلا إذا حمله صوتان متكاملان.
كان “سالم” يقدّم الجانب البنيوي، مستعرضًا العلاقات بين المفردات، وتحديد الحقول الدلالية، والبنى الصرفية التي تحوّل اللفظة من مستوى إلى آخر، وتطرح على السامع سؤالًا قديمًا جديدًا:
“هل تتغيّر الكلمة… أم نحن الذين نغيّر زاوية النظر إليها؟”
أما “ميّ” فكانت تتولى الجوانب السياقية، توظيف التاريخ الشخصي للنص، والفضاء الاجتماعي الذي يتحرك فيه الخطاب، وطبقات المعنى المضمرة التي لا تُكشف إلا حين يُقرأ النص بعينٍ تعرف أن اللغة ليست سطحًا، بل عمقٌ يزداد اتساعًا كلما اقتربنا منه.
والمدهش، أنّ الأفكار كانت تنتقل بينهما بانسيابٍ لا يتعثّر، وكأنّ كلّ واحدٍ منهما يكمل الجملة التي بدأها الآخر، من غير التفاتٍ أو تنسيقٍ مسبق، تمامًا كما تنتقل الدلالة في النص حين يتجاور البُعدُ البنيوي مع الإيحاء السياقيّ، فلا ينفصلان.
قالت الدكتورة “آمنة” وهي تحرّك نظارتها بلمسةٍ توحي بالدهشة:
“أنا… متفاجئة.
بهذا المستوى… وخصوصًا أنّه بحثٌ مشترك.
هذا نادر.”
توقف الصمت لحظة، ثم بدأت بأسئلتها التي عرفها الطلاب على مدى سنوات بأنها لا تأتي إلا لتختبر العمق قبل المعرفة:
“سالم… في مقاربتكم بين دي سوسير وتمام حسان، كيف فسّرتَ التباين بين مفهوم العلامة عند الأول، ومفهوم البنية الدلالية عند الثاني؟
هل تجاهلتَ ما لا يتوافق؟”
شعر “سالم” للحظةٍ بعودة ذلك القلق الصغير الذي يسبق كل إجابة كبرى، ثم قال بثقة هادئة، كأنّه يشرح فكرة طالما دارت في ذهنه:
“لم أتجاهلُ…
أنا دمجت.
دي سوسير يضع العلاقة بين الدال والمدلول ضمن نظامٍ مغلق…
نظامٍ يرى العلامة ككائنٍ مكتفٍ بذاته.
أمّا تمام حسان… فيوسّع الفضاء الدلالي، ليسمح للسياق بأن يصنع المعنى داخل البنية… لا خارجها.
كأنّه يقول:
“المعنى يُولد في قلب اللغة… لا في هامشها.””
هزّت الدكتورة “آمنة” رأسها ببطء، وفي عينيها شيءٌ من الإعجاب الممزوج بالاعتراف:
أنّ الإجابة كانت أعمق مما توقّعت، وأنّ الطالبين أمامها يحملان بذرةَ باحثَين لا يكتفيان بالحفظ، بل ينسجان المعنى كما نسج القدماءُ علومهم:
عقلًا وحسًّا، وتساؤلًا لا ينتهي.
ثم جاء دور الدكتور وفيق، وقد بدا في نبرته شيءٌ من تلك الحِدّة الهادئة التي تُخفي وراءها رغبةً في الاختبار قبل الاعتراض. حدّق في ميّ طويلًا، كأنّه يعيد قراءة ما قالته قبل قليل قراءةً ثانية وثالثة في صمتٍ لا تسمعه إلا هي. وفي تلك اللحظة، أحسّت ميّ بأنّ السؤال سيأتي في الموضع الذي لا تتمنّاه.
قال الدكتور، وهو يميل قليلًا إلى الأمام، كمن يلقي حجراً في ماءٍ راكد:
“ميّ… ذكرتِ أنّ أثر السياق يتجاوز حدود النص. لكن كيف نفرّق بين السياق المنتج والسياق المتخيّل لدى القارئ؟ ألا يُدخل هذا العنصر الذاتي في التحليل؟”
ارتجف بصرُها للحظةٍ لا تُرى، وشعرت كأنّ الكلمات تتجمّع عند بوّابة حلقها ثم تتراجع، قبل أن تستحضر في داخلها صوتًا آخر يناقشها: هل كنتِ مستعدّة لهذا السؤال؟ أليس هذا الاعتراض قديمًا، حضر في مباحث الأصول كما حضر في علوم البلاغة، حين اختلف العلماء بين ظاهر اللفظ وما يجرّه المقام من دلالات؟
ابتلعت ريقها، وأجابت بعد نفسٍ هادئٍ صاغته في داخلها أولًا على هيئة حوارٍ ذاتيّ قصير: لا بدّ من التماسك… فاللغة أقوى من الارتباك، والسياق ليس ضبابًا، بل شبكة علامات.
وقالت بصوتٍ بدا أكثر ثباتًا مما شعرت به في داخلها:
“نفرّق من خلال السلوك النصّي. فالسياق المنتج يترك علامات يمكن التحقّق منها، علاماتٌ تسري في بنية النص كما يسري الوزن في القصيدة، فلا تخطئه الأذن وإن خفي على العين. أما السياق المتخيّل، فهو ما يحتاج إلى قرائن إضافية تأتي من داخل الخطاب نفسه، لا من ذهن القارئ وحده.”
توقّفت لحظة، وكأنّها تمنح الفكرة فرصة لتتشكّل أكثر، ثم تابعت بنبرةٍ أقرب إلى شرحٍ يجاوز الجواب إلى فتح بابٍ للبحث:
“بهذا المعنى… نحن لا ننفي دور القارئ، بل نضبطه ضمن معيارٍ قابلٍ للقياس. منذ أيام سيبويه وحتى مناهج النقد الحديثة، ظلّت العربية تقول لنا إنّ الدلالة لا تولد من فراغ، بل من التقاء اللفظ بمقامه، وهذا الالتقاء هو الذي نبحث عن أثره. فإذا وجدنا العلامة النصّية، عُدّ من السياق المنتج. وإذا افتقدناها، ظلّ التأويل محتاجًا إلى دليلٍ يشهد له من النص نفسه.”
كانت ميّ، في داخلها، تُصغي لصوتٍ خافتٍ آخر يسألها: أترى اقتنع الدكتور؟ أم سيبحث عن ثغرة جديدة؟ لكنها، وللمرّة الأولى منذ بدأت المناقشة، شعرت بأنّ الكلمات لم تخذلها، وأنّ النصّ — بما يحمله من أسراره — قد وقف إلى جانبها هذه المرّة.
وهنا… بدأ همسٌ خافت يسري في أطراف القاعة، كأنّ الهواء نفسه يتساءل عمّا سيأتي. شعر سالم بأنّ الأصوات تتداخل في رأسه كطبقاتٍ من قلقٍ مكتوم، بينما أحسّت ميّ بأنّ كلّ الأنظار قد صارت كحبالٍ مشدودة حول صدرها.
قبل نهاية الجلسة، أخذ الدكتور جمال أوراقه بين يديه، وبدا في ملامحه ذاك الخليط الغريب من الصرامة والهدوء، كأنّه يقف على تخوم الحكم الأخير. كان ينظر إليهما بعينٍ تتذكّر معرفتها وتختبرها في آن واحد.
قال، بصوتٍ حمل وقع المطرقة لكنه ظلّ رفيقًا بما يكفي ليوقظ الفكر دون أن يهدمه:
“سالم… ميّ… السؤال التالي جوابكم عليه هو مفتاح تقييم الرسالة: هل يمكن للمعنى أن يستقرّ إذا كان السياق يتبدّل باستمرار؟ أم أنّ الدلالة محكوم عليها بالهشاشة؟”
تبادل سالم وميّ نظرة قصيرة، لكنها محمّلة بما يشبه الحوار الداخلي الصامت: هل نحن مستعدّان لهذه الذروة؟ هل هذا هو السؤال الذي سيحسم كلّ ما عملنا عليه؟
كان سالم يقول في داخله: المعنى… هل حقًا يقف؟ أم أنّه مثلنا، يتنقّل بين لحظةٍ وأخرى؟
وكانت ميّ تردّ عليه في نفسها: لكن اللغة — كما علّمنا التراث — ليست ريشة في مهبّ الريح… لها أصول، ولها جذور تحفظها حتى حين تتغيّر فروعها.
تنفّست ميّ ببطء، خطوة صغيرة تقدّمت بها، وكأنّها تتقدّم نحو امتحانٍ لم يُكتب على ورق، بل في ذاكرة السنّةٍ طويلة من الدرس والبحث.
قالت، بنبرة بطيئة لكنها تحمل ثبات مَن يعرف الطريق ولو كان ضبابيًا:
“المعنى… لا يستقرّ، لكنّه لا يضيع.”
خفتت الهمسات. وساد صمتٌ بدا كأنّه يطالبها بالشرح، أو يفتح لها الباب لتجعل الكلمة فكرة.
تابعت، بعد لحظةٍ تشكّل فيها الكلام من أعماقها، لا من سطح المعرفة:
“المعنى يشبه البشر. يتغيّرون… لكنهم ليسوا بلا هوية. والدلالة كذلك — تتحرك، وتتبدّل، لكنها تتحرك ضمن إطار يحفظ جوهرها.”
وفي داخلها كانت تسأل نفسها: أليس هذا ما قاله القدماء في جدل الثبات والتغيّر؟ أليس هذا ما أثبته استعمال الناس على مرّ العصور؟ كيف يمكن للغة أن تبقى حيّة إن لم تتغيّر، وكيف كانت ستُفهَم لو لم تحتفظ بقدرٍ من الثبات؟
رفعت رأسها، وصوتها هذه المرة خرج أقوى، كأنّها تدافع لا عن بحثها فقط، بل عن الفكرة التي آمنت بها زمنًا طويلًا:
“والدراسة كلها… تثبت هذه الحقيقة.”
نظر إليها الدكتور جمال نظرة خفّفت من وطأة القلق؛ كانت نظرة امتزجت فيها دهشة الأستاذ وإعجاب المفكّر، كأنّه يقول لها دون كلام: هذا جوابٌ يصعب تجاهله.
ثم بدأت اللجنة التداول. عشر دقائق فقط، لكنّها بدت لسالم وميّ عشر سنوات كاملة. كان سالم يشعر وكأنّ الزمن ينكمش ثم يتمدّد داخل صدره، فيما كانت ميّ تتساءل في داخلها: هل أوصلنا المعنى؟ أم تركناه يتأرجح بين ما نقول وما نريد قوله؟
وأخيرًا… دخل الأساتذة.
وقف الجميع.
كان صمتُ اللحظة يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة، أو ذاك الذي يختم رحلة طويلة من الانتظار. وقف سالم وميّ في مكانيهما، يَتشابَهُ ارتجافُ اليدين، ويختلفُ لحنُ القلق في صدريهما؛ غير أنّهما كانا يدركان، من غير كلمة، أنّ هذه اللحظة ستعيد رسم خريطتيهما المعرفية والإنسانية معًا.
رفع الدكتور جمال أوراقه، ثم نظر إليهما نظرة هادئة، فيها من الوقار ما يوحي بأنّ القرار قد نُحتَ نحتًا، لا قيل ارتجالًا. ولم يلبث أن ظهرت على شفتيه ابتسامة رصينة، ابتسامة قال المراقبون إنهم لم يروها عليه منذ أعوام.
قال بصوته العميق:
“تقرّر اللجنة منح الباحثَيْن درجة الماجستير بتقدير ممتاز.”
كان وقع الجملة أشبه بانفراج السدّ بعد امتلاء. انفجرت القاعة تصفيقًا، وتحوّل الهواء إلى موجات متلاحقة من الفرح. رفعت ميّ يدها إلى فمها، كأنّها تمنع دمعة من الانحدار أو تمنع صرخة من أن تهرب. وفي أعماقها كانت تسمع سؤالًا يرتجف: أهذا حقٌّ؟ أأنا هنا فعلًا؟
أما سالم، فقد وقف مبهوتًا، يحدّق أمامه كأنّ العالم تحوّل فجأة إلى مقطوعة موسيقية كان يجهل أنه ينتظرها منذ سنوات. وفي داخله همسٌ يجيبه: لقد وصلت… ولكن أيّ طريق سيبدأ الآن؟
أضاف الدكتور جمال، وقد عاد صوته إلى صرامته الهادئة، لكن عينيه ظلّتا تلمعان بإعجاب مكتوم:
“قدّمتما عملًا يستحق التقدير… وأنتم… تستحقون المستقبل.”
ترددت كلمة “المستقبل” في روحيهما كما يتردّد صدى النداء في وادٍ فسيح؛ ومع كل تردّد كانت الأسئلة تتدافع:
أيّ مستقبل؟ وكيف سنمضي إليه؟ وهل نحن مستعدّان له حقًّا؟
أسئلة لا تُجاب دفعة واحدة، بل تظلّ مفتوحة كما تبقى الدلالة مفتوحة في النصّ، تتحرك، وتتشكّل، وتستمد معناها مما يأتي بعدها.
وبعد أن انفضّ الجمع، وقد خفّ ضجيج القاعة إلى ما يشبه النسيم الأخير الذي يعبر المكان قبل الهدوء الكامل، اقترب الدكتور وفيق منهما، ووضع يده على كتف سالم ثم ميّ بالتتابع، وقال بنبرة عالمٍ يعرف إلى أين تتجه البذور الناجحة:
“هذان الطالبان… سيصبحان يومًا أسماء أكاديمية مهمّة.”
كانت جملته قصيرة، لكنها من النوع الذي يُكتب في الذاكرة لا في السجلات؛ من النوع الذي يفتح باب تساؤل جديد:
هل يكون الاسم قدرًا؟ أم مسارًا نصنعه خطوةً خطوة؟
وفي داخلهما، سمع كلٌّ منهما الجواب يتسرّب بخجل: إنه مسار… وقد بدأ الآن.
خرج الجميع من القاعة، وبقي سالم وميّ وحدهما في ذلك الممرّ الطويل الذي كان شاهدًا على كل خطوة خطاها بحثهما منذ بداياته الأولى. بدا الممرّ، في تلك اللحظة، كأنه يستعيد أصواتهما، ويعيد إليهما صدى ما مضى وما سيأتي.
قال سالم بصوتٍ خافت، وكأنه يخشى أن يبدّد سحر اللحظة:
“ميّ… تفوّقنا.”
رفعت رأسها نحوه، بعينين يختلط فيهما الفرح بالدهشة، وقالت:
“تفوقنا… معًا.”
في داخله، كان صوتٌ آخر يهمس له: أترى… هل كانت هذه الخطوة الأخيرة في البحث، أم أنها الخطوة الأولى في شيء أكبر؟
وفي داخلها أيضًا، كان سؤالٌ يشتعل: هل يمكن للنجاح أن يغيّر ملامح الروح كما يغيّر المعنى حين ينتقل من نصّ إلى آخر؟
اقترب منها خطوةً واحدة — خطوة قصيرة في المكان، لكنها كانت، في زمنهما الداخلي، كعبور جسرٍ خفيٍّ نحو عالمٍ جديد. شعر كل منهما بأن تلك المسافة الصغيرة لم تكن مسافةً فحسب، بل كانت لحظة انبثاق، كأن اللغة نفسها — بما تحمل من “دلالة” و”سياق” و”قصد” — قد قررت أن تمنحهما معنى جديدًا.
وانتهى يوم المناقشة… كأجمل بداية.
بداية تُشبه ما يحدث في النصوص حين يُفتح بابٌ كان مغلقًا، أو حين يكتشف القارئ فجأة أنّ المعنى الذي ظنه مكتملًا، ما زال يتوسع في أفقٍ أبعد.
بعد ثلاثة أيام من ذلك النجاح المشترك، كانت شمس الربيع تفيض فوق شرفة بيت ميّ نورًا دافئًا، يشبه النور الذي ينساب في “السطر الأول من قصيدة جديدة”.
كانت ميّ تمشي ذهابًا وإيابًا أمام المرآة — مرآةٌ تعكس وجهها، وتعكس في الوقت نفسه تلك الحيرة الرقيقة التي تسبق التغيّرات الكبيرة. كانت تصلح وشاحها حينًا، وتعيد ترتيب شعرها حينًا آخر. ورغم محاولاتها جميعًا، لم تستطع منع ارتجاف أصابعها.
لماذا ترتجف؟
سألت نفسها، ثم أجابت في سرّها: لأن الأحداث الكبيرة لا تمرّ على الروح مرّ العابرين؛ بل تترك فيها مثلما يترك الشاهد اللغوي أثره في النص.
أهو ارتجاف خوف؟ أم ارتجاف فرح؟ أم أنّ المعنى — شأنه شأن الدلالة — لا يستقرّ في صيغة واحدة؟
دخلت ميّ مع والدتها إلى أحد صالونات الأزياء في دمشق.
الصالون كان عالمًا من الأقمشة اللامعة المعلّقة على الجدران، وكأن كل قطعة قماش “نصّ” ينتظر من يقرأه. كانت رائحة العطر — المختلطة بغبار الحرير — تعبّ المكان، وتمنحه ذلك المزيج الغريب الذي يجعل المرء يتساءل: هل للألوان رائحة؟ وهل للأنثى لغةٌ تكتمل إلا إذا لبست ما يشبه روحها؟
قالت الأم بنبرة خبيرة، تحمل في طيّاتها ما يشبه حكمة النساء اللواتي عرفن الحياة قبل أن يقرأنها في الكتب:
“نريدُ شيئًا يَلائمُ العروسَ… ويتناسَبُ مع عيني العريس”
وفي أعماق ميّ، تردّد سؤالٌ آخر:
أيّ معنى جديدٍ ينتظرني؟ وهل يمكن للحب — مثل اللغة — أن يجمع بين الثابت والمتغيّر، بين ما نعرفه عن أنفسنا، وما نكتشفه فجأة حين يمر شخصٌ ما في حياتنا؟
احمرّت وجنتا ميّ كمن لُمس قلبها قبل خدّها، وبدأت رحلة البحث.
فستان طويل… بدا أكبر من أحلامها.
فستان ضيّق… أكثر رسميّة مما يجب.
فستان ناعم… لكن أمّها قالت:
“هذا اللونُ لا يَنسَجِمُ مع لونِ بَشرتها.”
وبين فستان وآخر، كانت “ميّ” تفكر في “سالم”:
“ما رأيه؟
أي اللون قد يسرّ قلبه؟
هل سينبهر أم يبتسم فقط قائلاً: ميّ هي الأجمل مهما لبست؟”
حتى جاء مندوب المحل بفستانٍ بسيط، أبيض ناصع، بأكمام شفافة قصيرة، وتطريز دقيق يعكس الضوء كما لو يلتقط همس الهواء.
وقفت “ميّ” أمام المرآة، صامتة، وسكنت أمّها أيضًا، كأنهما أدركتا أنّ الجمال حين يكون صادقًا يُجبر كل شيء على الصمت.
قالت أمّها أخيرًا:
“ميّ… هذا الفستان لكِ.”
ولأول مرة، لم تفكر “ميّ” في “سالم”.
بل فكرت في ذاتها، في امرأة تنضج، لا في فتاة تبحث عن الإعجاب.
فابتسمت ابتسامة من يعرف أنّها اكتملت.
وفي الجهة الأخرى من دمشق، كان “سالم” يقف في محل خيّاط قديم قرب سوق الحريقة، حيث تتدلّى البدلات كأنها شخصيات تنتظر دورها.
قال الأب وهو يقلب القماش:
“البدلة السوداء… لا أحبّها. الأسود للحداد لا للفرح.”
ضحك “سالم”:
“بابا… الأسود الأكثر أناقة.”
هزّ الأب رأسه:
“نعم، لكن هناك الرمادي الغامق… يجعل الواحد يبدو ملهمًا.”
ردّ “سالم” مبتسمًا:
“يعني تريدني أن أكون ملهمًا في عرسي؟”
ضحك الأب وربّت على كتفه قائلاً:
“نعم… وليس فقط ملهمًا، بل متألّقًا أيضًا.”
بعد ساعة، اختار “سالم” البدلة الرمادية التي كانت حلًا وسطًا بين ذوق الأب ورغبته هو.
وحين وقف أمام المرآة، شعر للمرة الأولى أنّه يغادر آخر بقايا طفولته.
في بيت “ميّ”، كانت الأم تكتب أسماء المدعوّين في دفتر كبير، كأنها ترسم خارطة يوم لا يتكرّر.
قالت بحماس:
“خالتك تريد أن تدعو جماعتها من حمص… والوالد قال إنه يجب دعوة زملائه… وبدي… وبدي…”
قاطعتها “ميّ” بلطف:
“ماما… لا نريد تكبير القاعة أكثر من اللازم. أنا و’سالم’ نفضّل عرسًا صغيرًا.”
رفعت الأم حاجبيها بدهشة:
“صغير؟ هذه مناسبة العمر! كيف يكون صغيرًا؟”
أجابت “ميّ” ضاحكة:
“ليس بعدد الحضور… بل بمزاج اليوم.”
أما في بيت “سالم”، فكان والده يدوّن أسماء أهل القرية واحدًا واحدًا، كأنّ كل اسم دين يجب الوفاء به.
قالت والدته محاولةً التخفيف من هذه الحماسة:
“ليس كل أهل القرية ضروريًا أن يحضروا.”
أجاب الأب بحزم:
“عيب! ابن المعلّمة والمعلم… والقرية كلها سند. يجب أن يحضر الجميع.”
ضحكت الأم قائلة:
“يعني تريد نقل القرية كلها إلى دمشق؟”
قال الأب بثقة:
“نعم، ولم لا؟”
فضحك “سالم” من آخر الممر:
“بابا… دعها زفّة، لا مهرجانًا!”
بعد ذلك، بدأ “سالم” تجهيز شقته الصغيرة القريبة من الجامعة.
وفي مساء هادئ، دعا “ميّ” لزيارتها.
دخلت “ميّ” المكان، فوجدته بسيطًا، لكنه يشبه بداية كتاب جميل لم يُكتب بعد.
همست:
“سالم… هذه أول مرة أشعر أنّ المستقبل صار شيئًا ملموسًا.”
اقترب منها وقال:
“علينا أن نملأ البيت كتبًا… قهوة… ضحكًا… عملًا… وصوتين… يحبان بعضهما.”
أغمضت عينيها وقالت:
“هنا… سنبدأ.”
وفي تلك الليلة، كتبت ميّ في دفترها:
“الأعراس لا تُقاس بالفساتين ولا بالزفّة، بل بالقدرة على ترويض التفاصيل دون أن نفقد حبنا.”
وكتب سالم في دفره:
“البيت صار جاهز لاستقبالها… وبقي أن أكون جاهزاً لنفسي معها.”
ومضت الأيام سريعًا نحو يوم الزفاف، كما تمضي الموجة نحو الرمل — بطمأنينة وقلق معًا.
وفي مساءٍ من تلك المساءات، اجتمعا لإكمال آخر تفاصيل المفروشات.
كانت ميّ قد وصلت أولًا، وفتحت النوافذ، وجلست تراجع قائمة الأشياء.
دخل سالم بعد دقائق، واستغرب أنها لم تنتبه إليه فور دخوله.
قال “سالم” مبتسمًا ممازحًا:
“مرحبًا… أمَا زلْتِ منشغلة بالخشب؟”
رفعت “ميّ” رأسها وأجابت:
“أهلًا… كنت أعدّل القائمة.”
لكن في صوتها بقي خيطٌ رقيق من شعور لم يدركه بعد.
نظر “سالم” إلى الورقة، ولاحظ بندًا جديدًا قد أضافته “ميّ”:
“ستارة بيضاء خفيفة – غرفة النوم.”
قال مترددًا:
“لكن… ألم نتفق على أن الغامقة هي الأنسب؟ حتى لا تزعجك أشعة الشمس صباحًا.”
أجابت دون أن تنظر إليه:
“غيّرت رأيي. أحبّ الضوء… والمكان سيكون أجمل.”
صمت “سالم” قليلًا، ثم قال بنبرة حاول أن تكون محايدة:
“ميّ… لكنك كنتِ أخبرتني مسبقًا. لقد ذهبت واشتريت القماش الغامق.”
توقّفت يدها فوق الورقة.
وهنا… بدأت المسافة الصغيرة بينهما تتّسع.
قالت “ميّ” بنبرة حازمة وهادئة:
“سالم… ليس كل شيء يجب أن نقرّر فيه معًا. هناك تفاصيل… أحبّ أن أختارها بنفسي.”
ردّ “سالم” بحدة خرجت منه بلا قصد:
“والمفترض أن أفعل ماذا؟ أجي أسأل إن كان لي رأي؟”
رفعت “ميّ” رأسها فجأة، وارتسمت في عينيها ظلال ألم خفيف:
“إذا كنت ترى الأمور هكذا… فدعني أرتّب البيت بمفردي.”
وصلت كلماتها إلى قلبه كصفعة مفاجئة، فاقترب منها وقال محاولًا ضبط نبرة صوته:
“لم أقصد ذلك… لكن أشعر أنك تتخذين كل القرارات بمفردك.”
أغلقت “ميّ” دفترها ببطء وأردفت:
“وأشعر أنك تريد أن يمرّ كل قرار من عندك قبل أن آخذه أنا.”
سكت “سالم”، كأن كلماتها كانت مرآة وضعت أمامه دون تحضير.
سارت “ميّ” نحو الطرف الآخر من الغرفة، ثم استدارت نحوه وقالت بصوت صادق يخرج بجرأة:
“سالم… أنا أحبّك. لكني أخشى أن أفقد جزءًا من ذاتي حين نصبح ‘نحن’.”
اتسعت عيناه. هذه الجملة لم يسمعها منها من قبل.
قالت “ميّ” بنبرة صادقة:
“كل حياتي كانت التفاصيل مهمة بالنسبة إلي… وهذه التفاصيل تجعلني أشعر أن هذا البيت… سيكون بيتي أيضًا.”
اقترب “سالم” نحوها، ورأى للمرة الأولى هشاشتها لا غضبها.
قال بصوت متعب:
“ميّ… أنا أيضًا أخاف. ليس منك… بل من نفسي. أخشى أن أكون ثقيلاً عليك، أخشى أن أعود إلى عادتي… أن أحمل المسؤولية عن كل شيء وحدي.”
كانت هذه أعمق جملة قالها لها منذ أن تعارفا.
اقتربت “ميّ”، ووضعت يدها على كتفه، وقالت بدفء يذيب القلق:
“سالم… لا أريدك أن تسيطر. وفي الوقت نفسه… لا أريدك أن تخاف. المساحة لنا جميعًا… ليست لي وحدي ولا لك وحدك.”
تنفّس “سالم” وكأنما خرج من غرفة ضيقة، وقال:
“وأنا… لا أريد منك أن تتنازلي عن شيء تحبينه. فقط اخبريني… حتى أكون معك، لا ضدك.”
ابتسمت “ميّ”، وقالت:
“حسنًا… نتفق؟”
أجاب مبتسمًا:
“نتفق.”
وفي تلك اللحظة، شعرا معًا أن الحب لا يكتمل إلا عندما يقول أحدهما:
“أنا أخاف… وأنت الأمان.”
عادا إلى الطاولة، وضحك “سالم” قائلاً:
“سنضع ستائر بيضاء وأخرى غامقة… ونصنع مزيجًا دلاليًا بين الثابت والمتغيّر.”
ضحكت “ميّ” وقالت:
“هذا ليس بحثًا… هذا بيت. وبيتنا سيكون أجمل من أي نظرية.”
وفي صباحٍ دمشقيّ مشرق، امتلأ البيت الجديد بأمّهات وآباء وحكايات.
دخلت أمّ ميّ، وتوقفت، ثم قالت وهي تكاد تبكي:
“يا روحي… هذه اللحظة التي تحلم بها كل أم. كوني سعيدة… ودعي الدنيا تفرح بك.”
“سالم… الرجل الذي يشعر أن الدنيا تبدأ الآن”
كان يقف أمام المرآة في غرفته القديمة، يحاول إصلاح ربطة عنقه.
دخل والده وقال ضاحكًا:
“أعلم أنّك ستواجه صعوبة في ربطة العنق! تعال… دعني أضبطها لك.”
ثم قال بنبرة عميقة تشعّ بخبرة العمر:
“سالم… الرجولة ليست بالبدلة، إنما بالطمأنينة التي تمنحها لزوجتك.”
ردّ سالم بصوت خافت:
“إن شاء الله أكون عند حسن ظنّها.”
دخلت والدته، وحين رأته شهقت، ووضعت يدها على فمها:
“ما شاء الله عليك… هذا الجمال، وليس رفيقك!”
ضحك الجميع، وتحوّل التوتر إلى فرح صافٍ ونقي.
كانت القاعة مزدانة بمزيج من الفضي والذهبي— اللونان اللذان تصالحت بهما العائلتان كما تصالح القدر.
تجمّع المدعوّون، تملأهم الرغبة في رؤية العروس والعريس يخوضان المشهد الأعظم في حياتهما.
وعند الساعة التاسعة مساءً، دخلت ميّ.
توقفت الحركة، توقفت الهمسات، توقفت الأنفاس.
كان الفستان الأبيض يلامس الأرض كما لو أنه يمشي بنفسه، ووجه ميّ يفيض بهدوء مضيء يشبه بداية قصيدة تتفتح في الصباح.
اقتربت أمّها وهمست:
«روحي… امشي وتوكّلي.»
سارت ميّ، وكأن خطواتها تحمل العالم بأسره معها.
وقف سالم قُرب المنصّة، ينظر إلى العروس وهي تقترب خطوةً بعد أخرى، كأن الزمن يمهّد لها طريقًا من نور. لم يستطع أن يبتسم في اللحظة الأولى؛ فقد كان مأخوذًا بالمشهد حدَّ الصمت، وكأن صوته الداخلي يسأله: أهذه هي اللحظة التي انتظرها العمر؟ أهذه الخطوة التي تُفتح بها صفحة جديدة من الوجود؟
اقتربت منه أخته، وهمست في أذنه برفق يدلّ على إدراكها لاضطرابه الجميل:
“سالم… ابتسم.”
ابتسم، ولكن ابتسامته لم تكن امتثالًا لوصيّة، بل انبثقت من عمقٍ لم يمسّه إلا الحب حين يكتمل.
وحين بلغت ميّ مكانه، قال بصوت خفيض لا يسمعه إلا قلبها:
“سبحان من خلقك… وجعلك نصيبي.”
احمرّ وجهها، لكن وقفتها ظلّت ثابتة، يتداخل فيها خجل العروس بثقة المرأة التي تعرف قيمة اللحظة.
نهض والدها، رجلٌ جمع بين الأبوة والتعليم والخبرة، وألقى كلمات صادقة موجزة، كأنها تُتلى من ضمير الزمن:
“اليوم نشهد اجتماع روحين، وعقلين، وطريقين جمعهما العلم أولًا، ثم جمعهما الحب. فليشهد الجميع على بداية حياة تليق بهذين الشابين.”
وحين نطق الشيخ بالإشهار، جاء صوت ميّ هادئًا، واثقًا، رقيقًا. وجاء صوت سالم عميقًا، صادقًا، يرتجف قليلًا لا من خوف، بل من شدة المعنى.
ثم أعلن الشيخ:
“بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.”
وانطلقت القاعة تصفيقًا، كأن الأيدي تترجم الفرح الذي يعجز عنه الكلام. أطفئت الأنوار إلا من نور دافئ كان يسقط عليهما وحدهما، فيغمرهما بهالة من السكينة.
وضعت ميّ يدها على كتف سالم، فوضع يده على خصرها للمرة الأولى أمام العالم كلّه. قالت مبتسمة:
“سالم… هل أصبحنا بيتًا؟”
اقترب منها قليلًا، وقال بصوت يحمل يقينًا يمتدّ أبعد من الكلمات:
“صِرْنَا حياة… لا بيتًا فحسب.”
تحرّكا ببطء، وكأن الزمن ينحني احترامًا لخطواتهما الأولى. لم يكن في القاعة صوت سوى نبضين يتجاوبان.
بعد انتهاء الحفل خرج العروسان إلى الباحة الخارجية، حيث الهواء البارد ممتزج برائحة الزهور. رفعت ميّ رأسها نحو السماء وقالت:
“لم أكن أتخيّل… أن الفرح يمكن أن يتسع إلى هذا الحد.”
اقترب سالم، ووضع يده على يدها:
“وهذه… ليست سوى البداية.”
فتح باب السيارة وهو يبتسم ابتسامة واثقة هادئة:
“هيا… إلى البيت.”
ضحكت ميّ بخجل رقيق:
“بيت… لنا.”
وانطلقت السيارة ببطء، ودمشق تُغمض عينيها على يوم سيُروى طويلًا؛ يومٌ أضيفت فيه قصة جديدة إلى حكاياتها الكثيرة.
كان الليل كثيفًا، لكنه جميل، يكسو دمشق بسكون يشبه ذراعًا تمتدّ لتحرس المدينة. وصلت سيارة العروسين إلى الشقّة الصغيرة قرب الجامعة. صعدا الدرج بخطوات متّسقة، كأنهما يتهيّبان عتبة حياة جديدة لم يختبرا مثلها من قبل.
فتح سالم الباب، فدخلت ميّ أولًا. وقفت في الممر الضيّق تتأمل المكان الذي شاركت في ترتيبه، لكنها الآن تراه بعين جديدة، عين الزوجة التي تدرك أن كل شيء سيكتسب معنى آخر ابتداءً من هذه اللحظة.
همس سالم من خلفها:
“ميّ… هذه أول خطوة لنا معًا… دون وجود أحد.”
التفتت إليه، وعلى وجهها ابتسامة خجولة، وفي عينيها خوف لطيف يشبه أول محاولة لنطق كلمة في لغة محبوبة لم تتقنها بعد.
وضع سالم أمتعته جانبًا، وتقدّم إليها ببطء، كأن كل حركة تحتاج إذنًا من قلبه ومن قلبها. قال بصوت خافت:
“كيف حالك؟”
ضحكت ميّ بخفّة:
“أنا… بخير… لكنني لا أعرف لماذا يخفق قلبي بهذا الشكل.”
اقترب أكثر، وقال:
“لأن هذا يوم كبير… ولأننا للمرة الأولى… نكون وحدنا.”
سكتت قليلًا، ثم همست:
“سالم… لنمضِ ببطء.”
أجاب فورًا، من غير تردّد، كأنه يطمئن نفسها قبل أن يطمئنها:
“سنمضي على وَتَرك… لا على وَتَري.”
ضحكت ميّ فجأة وقالت:
“أريد شايًا. لا أريد أن أبدأ حياتي الجديدة وأنا متوترة.”
ابتسم سالم وهو يقول:
“الشاي… أوّل قرار زوجي رسمي.”
ذهبا إلى المطبخ، وأعدّا الشاي معًا؛ هي تفتح الخزانة، وهو يسكب الماء، وكأن الحياة نفسها تُبنى من هذه التفاصيل الصغيرة التي يمارسها شخصان اختارا أن يتشاركا الطريق.
جلسا إلى الطاولة الصغيرة، وقد بدا الليل كأنّه يُعيد ترتيب خشوعه حولهما.
قالت ميّ، بعد أن رفعت فنجان الشاي إلى شفتيها:
“أحسستُ أن طعم الشاي مختلف اليوم.”
ابتسم سالم، وقال كمن يكشف سرًّا بسيطًا لكنه عميق:
“لأنك تشربينَه في بيتنا… لا في بيت أسرتك.”
أطرقت برأسها قليلًا، ثم رفعت عينيها بملامح تشبه اكتشافًا لغويًا جديدًا:
“بل هو بيتنا يا سالم… وليس بيتك وحدك.”
تبدّلت نظرة سالم، وارتسمت على وجهه ابتسامة تنبع من أعماق ليست قريبة، كأنها تمتد إلى جذور اللغة نفسها حين تنحت كلمة “بيت” من روح الأمان.
خفّ التوتر شيئًا فشيئًا. وقف سالم قرب النافذة، وتقدّمت ميّ إليه بخطواتٍ خفيفة يكاد يُسمع فيها صدى قلبٍ يسير قبل قدميه.
قالت بصوت خافت:
“سالم…”
التفت إليها، فالتقت نظراتهما بنقاء اللحظة الأولى في أي علاقة إنسانية، تلك اللحظة التي تسأل: هل نحن الآن مستعدّون ليقول كلٌّ منّا ما في داخله؟
قالت بثقة لم تُجاهر بها من قبل:
“أنا مستعدة لأن نبدأ حياتنا معًا… ولكنني أرغب في أن نكون متفاهمين.”
اقترب منها ولامس كتفها برفق، كمن يضع إصبعه على كلمةٍ يريد أن يتذوّق معناها قبل أن ينطقها:
“أنتِ أماني يا ميّ… ولست شيئًا يُستعجل.”
رفعت يدها فوق يده، وقالت بابتسامة تشبه مطلع قصيدة عربية تفتّحت على مهل:
“وأنت… أماني أيضًا.”
اقتربت خطوة أخرى، بلا ارتباك ولا توجّس، بل كأنها تتعلّم نطق حرفٍ جديد في لغة أحبّتها منذ زمن، لكنها لم تُتقنها إلا الآن.
جلسا على طرف السرير، لا بعجلة ولا تردّد، بل بينهما حوار لطيف يأتي من قلبين يبحثان عن الطمأنينة قبل كل شيء.
قال سالم:
“إن شعرتِ في أي لحظة أنك ترغبين في التوقف… أو الإبطاء… فاخبريني. فأنا معك… لا فوقك.”
اغرورقت عيناها بالدمع، ووضعت يدها على وجهه:
“يا سالم… هذا الكلام أجمل من كل شيء.”
اقتربا ببطء، كأنهما يتذوّقان الدهشة خطوةً خطوة. كانت اللحظة أشبه ببداية قصيدة لا يُعرف عدد أبياتها، ولكن يُعرف إيقاعها الأول.
وازداد الضوء خفوتًا… وازداد القلبان قربًا.
بعد وقت هادئ، اتكأت ميّ على صدره وهي تتنفّس بعمق، وقالت هامسة:
“سالم… هذه اللحظة جعلتني أشعر بأن الحياة ستكون طيبة.”
ربّت على كتفها وقال:
“وأنتِ أول نعمة فيها.”
ساد بينهما صمت طويل؛ صمت لم يأتِ من نفاد الكلام، بل من امتلاء اللحظة بلغة جديدة تُكتب بلا صوت.
استيقظت ميّ قبل سالم، وجلست على طرف السرير تتأمل الغرفة التي بدت مختلفة، كأن الليل ترك على جدرانها طبقة من المعنى.
نهض سالم بصوت ناعس وقال:
“صباح الخير… يا سيّدتي.”
ضحكت وهي تهز رأسها بخفة:
“هذه أول مرة يناديني أحد بـ”سيّدتي”.”
قال وهو يحاول أن يخفي حياءه:
“وأول مرة أصحو لأجد… بيتي كاملًا.”
اقتربت منه قائلة:
“وأنا… أول مرة أشعر أن البيت لا يكون جدرانًا… بل يكون شخصًا.”
جلسا إلى مائدة الإفطار: جبنة، زيتون، خبز، وشاي.
قال سالم:
“هذه أول مائدة لنا، وأول صباح… وأول خطة للحياة.”
سألته:
“وما أول خطوة؟”
قال وهو يثبت نظره في عينيها:
“أن نبني… كل يوم، معنى جديدًا.”
ابتسمت:
“ونحن أبناء الدلالة نعرف أن المعنى ليس كلمة… المعنى حياة كاملة.”
وانفتح الصباح على بيتهما كأنّه يبارك مولدًا جديدًا.
ومرّت أسابيع الزفاف كأنها أمواج هادئة تتوالى دون اضطراب.
أصبح البيت الصغير منارة فجرهما: رائحة القهوة، أصوات الكتب وهي تُفتح، وخطواتهما المتقاطعة على سجادة واحدة.
وكان السؤال الذي يتردّد في داخليهما دائمًا:
“هل تبنى الحياة إلّا من هذه التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة… ثم نكتشف أنها أصل المعنى؟”
وكان الجواب يأتيهما كل يوم، بلا كلام، وبلا إعلان:
“نعم… الحياة تُبنى هكذا.”
في صباح يومٍ خريفي،
استيقظ سالم وميّ باكرًا، كأنّهما يتحضّران ليوم ينتظر روحَيهما منذ زمن.
ركبا الحافلة الصغيرة التي تقلّ أعضاء الهيئة التدريسية.
جلست ميّ قرب النافذة تتأمّل مدينة دمشق وهي تنساب تحت ضوء الشمس المتردّد بين غيمة وأخرى.
سألها سالم مبتسمًا، وكأنه يريد أن يخفّف عنها ثقل الانتقال من مقعد الطالبة إلى منصّة الأستاذة:
“كيف هو شعور الأستاذة الجديدة اليوم؟”
ابتسمت ابتسامة تجمع بين الخجل والدهشة:
“لا أزال غير مصدّقة ما يحدث. كنتُ أمس طالبة، أقف مرتجفة أمام أسئلة الأساتذة… وها أنا اليوم أقف في مكانهم.”
قال سالم بنبرة تحمل مزيجًا من الاعتراف والمسؤولية:
“ونحن الآن جزء من هذه المنظومة.”
أضافت ميّ بصوت يملأه وعيٌ جديد بالدور:
“لكن… لا أريد أن أكون جزءًا مكرّرًا. أريد أن نترك أثرًا. أن يكون لنا نَفَسٌ خاص، كما كان للعربية عبر عصورها نَفَسٌ يميّز كلّ مدرسة وكلّ عصر.”
هزّ سالم رأسه موافقًا، كأنّه يوقّع بصمت على عهدٍ غير مُعلن.
دخل الاثنان الحرم الجامعي.
كانت الساحة تضجّ بالحياة؛ طلابٌ يحملون دفاترهم، وأصوات تتقاطع كأنها نصوصٌ في كتاب مفتوح.
اقترب الدكتور جمال بخطوات واسعة، يحمل في ملامحه فخرًا لا يُخفى.
قال وهو يبتسم:
“أهلاً بأساتذتنا الجدد.”
انحنت ميّ احترامًا:
“صباح الخير يا دكتور.”
سوّى نظارته على وجهه، ثم التفت إلى سالم:
“هل أنت مستعد لأول محاضرة في حياتك؟”
أجاب سالم بثقة تخفي في خلفيتها رعشة صغيرة، تشبه رعشة الوقوف أمام نصّ جديد:
“مستعد… بل أكثر من مستعد.”
ربت على كتفه:
“ستكون محاضرةً تُحفَظ في ذاكرة طلابك.”
دخلت ميّ المدرّج الصغير.
كانت تمسك بأوراقها كمن يمسك تاريخ اللغة كلّه بين يديه.
التوتر الخفيف الذي يسكن أول خطوة على المنصّة كان يشبه ارتجاف القصيدة قبل أن تُلقى.
وقفت أمام اللوح، تنفّست، ثم قالت:
“صباح الخير. أنا ميّ ، مُدرّسة في قسم اللغة العربية. سنبدأ اليوم أول محاضرة في “مدخل إلى علم الدلالة”.”
رفع أحد الطلاب يده وسأل ببراءة علمية:
“أستاذة… ما معنى الدلالة؟”
ابتسمت، وأحسّت أن السؤال ليس موجّهًا لها وحدها، بل موجّه إلى اللغة العربية نفسها، بكل امتداداتها.
قالت:
“الدلالة سؤالٌ بسيطٌ في ظاهره، لكنه يكشف أعماق اللغة.
الدلالة هي: كيف نفهم؟
ولماذا نفهم؟
ولماذا نعجز أحيانًا عن الفهم… مع أننا نعرف الكلمات؟”
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أعمق:
“الدلالة… علم القلب قبل أن تكون علم اللغة. هي علمٌ يبحث في العلاقة بين الإنسان والكلمة، بين الشعور والمعنى.”
ساد صمتٌ مدهوش، كأنّ الطلاب سمعوا تعريفًا لم يمرّ عليهم في كتبهم.
في مدرج آخر، وقف سالم أمام طلاب السنة الأولى في مادة “المكتبة العربية”.
قال بهدوئه العميق:
“اللغة لا تمنح نفسها بسهولة. علينا أن نصبر عليها، أن نراقبها، أن نسمع ما تقوله وما لا تقوله… قبل أن نجرؤ على تحليلها.”
رفعت إحدى الطالبات يدها:
“أستاذ… لماذا تقول إن علينا أن نصبر على اللغة؟ كلامك يجعلها تبدو كإنسان.”
ابتسم سالم:
“لأن اللغة تعاند أحيانًا أكثر من الإنسان. لكنها حين تهبك معناها… تمنحك ما هو أكبر مما تتوقع.”
لم يعلم أن الجملة الأخيرة كانت تلخّص حياته مع ميّ أيضًا.
اجتمعا بعد انتهاء محاضرتيهما في الكافتيريا.
كانت ميّ تخلط السكر في الشاي، بينما يراجع سالم دفترًا صغيرًا.
سألته:
“كيف كانت محاضرتك؟”
أجاب مبتسمًا:
“ألقيتها كما لو أني أشرح الدلالة… لأجلك.”
ضحكت:
“أما أنا فقلت للطلاب إن الدلالة علم القلب، فبدا عليهم الذهول.”
رد سالم:
“ومع الوقت… سيدركون أن قلبك هو الدليل الأقوى.”
احمرّ وجهها، ثم غيّرت الموضوع:
“سالم… هل نبدأ مشروعنا المشترك؟ بحث يحمل اسمنا معًا؟”
تأمل وجهها، ثم قال:
“هذا ما حلمت به منذ دخلنا الجامعة. كتاب… أو بحث… أو نظرية… تمتد من شيء عشناه معًا.”
رفعت حاجبيها:
“تقصد: دلالة العلاقة؟”
ضحك:
“تمامًا. وربما… نتعلّم الدلالة من داخل البيت.”
في المساء، جلسا بين عشرات الكتب:
من “سوسير” إلى “أوغدن و ريتشاردز”،
من “تمام حسان” إلى “شارل بيرس”.
وكأنهما يستدعيان مسار الفكر اللغوي كله إلى بيتهما الصغير.
فتحت ميّ دفترًا جديدًا وكتبت:
“عنوان مؤقت: “المعنى بين الحميمية والنص:
دراسة دلالية في تفاعل التجربة الإنسانية مع البنية اللغوية”.”
رفع سالم رأسه بدهشة:
“ميّ… هذا ليس بحثًا… هذا مشروع عمر.”
قالت بثقة يشبهها الشعر العربي حين يختار البحر المناسب للمعنى:
“ولن نكتب شيئًا حقيقيًا… ما لم يخرج من قلب حقيقي.”
وضع يده على يدها وقال:
“وقلوبنا… جاهزة.”
ومع مرور الليل، كانت الطاولة الصغيرة تمتلئ بالمراجع، والسجادة بالأوراق، والغرفة كلها تتحوّل إلى مختبر دلالة جديد، تتشكل فيه لغةٌ تخصّهما وحدهما.
قالت ميّ:
“سالم… هذه أجمل بداية.”
رد بابتسامة دافئة:
“وهذه… لغة جديدة نكتبها معًا.”
فتح أحد الكتب ونظر إليها:
“هل أنتِ مستعدة للمتابعة؟”
أجابت بثبات:
“بل مستعدة للبدء.”
جاء صباح الجامعة ثقيلًا، والسماء رمادية كأنها تمهّد ليوم غير عادي.
دخل سالم وميّ مبنى الأساتذة، وفي قلبيهما حماسة تختلط بقلق مشروع.
فاليوم ستُناقش أمام لجنة القسم مسودة مشروعهما المشترك.
وكان العنوان مكتوبًا على الورق:
“المعنى بين الحميمية والنص:
مقاربة دلالية معرفية للعلاقة بين التجربة الإنسانية والبنية اللغوية”.
كانت بداية طريق… بدا وكأنه قد اختارهما قبل أن يختاراه.
دخل الاثنان القاعة في صمتٍ ينطوي على يقظةٍ داخلية.
جلس الدكتور نزار في مقدّمة الطاولة، كما لو كان يعتلي مقامًا يعرفه جيدًا؛ هادئًا، ثابت النظرة، لا يرفع صوته ولا يحتاج إلى ذلك.
إلى جانبه جلس الدكتور فؤاد، الرجل الذي اشتهر بتشدّده الأكاديمي إلى حدّ يجعل كل جديدٍ في نظره تهديدًا، وكل محاولةٍ للإضافة خروجًا عن النصّ الأصلي؛ وكأنه يؤمن بأن “ما لم يُكتب في الخمسينيات… ليس علمًا”.
كان يتأمل الأوراق أمامه بعينٍ ضيقة، كمن ينظر إلى جرمٍ ارتُكب، لا بحثٍ يُقدَّم.
جلس سالم وميّ متجاورين، وبدا عليهما شيء من التوتر الذي لا يخفيه إلا الإصرار.
وضعا دفاترهما على الطاولة، ثم تبادلا نظرةً خفيفة، قبل أن ينظرا إلى الدكتور نزار الذي قال بصوته الواثق:
“نبدأ… قدّما مشروعكما.”
أشارت ميّ لسالم أن يفتتح العرض.
فتح دفتَره، وشعر للحظةٍ بثقل السؤال الذي سيخرج من فمه، ثم قال:
“نحن ننطلق من سؤالٍ بسيطٍ في ظاهره، عميقٍ في جوهره:
هل يمكن للمعنى أن ينفصل عن تجربة الإنسان؟
أم أن اللغة تكتسب دلالتها من كونها تُعاش… لا تُقرأ فقط؟”
في داخله ارتفعت همسةٌ لم يصرّح بها: هل يستطيع أحدٌ أن يقرأ كلمة الألم دون أن يتذكّر وجعه؟ أو كلمة الأم دون أن يستعيد صورة وجهٍ أحبّه؟
لكنّه التزم بما يمكن قوله داخل القاعة.
رفع الدكتور فؤاد حاجبيه في استنكارٍ لم يُخفِه، وقال بسخريةٍ جليّة:
“هذه ليست دلالة يا أستاذ سالم… هذا كلامٌ صوفيٌّ فلسفي!”
ارتسمت على وجه ميّ ابتسامةٌ صغيرة، ربما لأنها توقّعت هذا الاعتراض.
تبادلت مع سالم نظرةً سريعة حملت اتفاقًا صامتًا، ثم قالت بنبرةٍ متماسكة:
“دكتور… الدلالة المعرفية اليوم تفسّر المعنى من خلال التجربة الإدراكية للإنسان.
جورج لايكوف، لانغكر، وبيرس… جميعهم يقولون إن المعنى تفاعُلٌ بين العقل والعالَم، لا معجمٌ جامد.”
ارتفع صوت د. فؤاد قليلًا، كمن يريد قطع الطريق:
“هذا كلامٌ غربي لا علاقة له بعلومنا.
لدينا عبد القاهر الجرجاني، والسكاكي، وابن جني…
ولدينا قواعد واضحة لا تسمح بخلط العاطفة بالنص.”
هنا تكلّم د. نزار بلهجةٍ هادئة كعادته، لكن هدوءه كان حادًا كالسكين:
“ومن قال إنهم يخلطون؟
هما يقدّمان مقاربةً تعيد وصل تراثنا بالدلالات الحديثة…
وتفتح بابًا لم يُفتح من قبل.”
تجمّد د. فؤاد للحظة، ثم قال بحدّة:
“أنا… أعترض على المشروع.”
ساد صمتٌ متوتر، وكأن الهواء نفسه ينتظر.
شعرت ميّ بارتجافٍ طفيف في يدها، لم تحاول إخفاءه؛ كان ارتجاف الخوف والرجاء معًا.
سمعته تهمس في داخلها: أهذا الاعتراض بداية السقوط… أم بداية الطريق؟
لكن سالم انحنى نحوها وهمس بصوتٍ خافت:
“لا تخافي… الطريق الحقيقي يبدأ هنا.”
سأل د. نزار أعضاء اللجنة الآخرين:
“هل من اعتراضات؟”
قالت الدكتورة هناء — وهي أستاذة معروفة بتبنّيها للبحث الجديد — بصوتٍ متروٍ:
“المشروع جديد جدًا، وجرئ جدًا، وقد يكون خطوة مهمّة للقسم.
أنا أوافق.”
تبعها الدكتور ياسين:
“المقاربة معرفية، ومسنودة بمراجع قوية، وتجمع بين التراث والحداثة.
أوافق.”
بقي صوت د. فؤاد وحده معلّقًا، بلا أثر.
ابتسم نزار وقال:
“الأغلبية وافقت.
إذن… المشروع يُقبل.”
نظرت ميّ إلى سالم بدهشةٍ وامتنان، وقد ارتسم على وجهها انتصارٌ صغير يشبه انشراحًا غير معلن.
وعندما خرجا إلى الساحة الخلفية، كان الهواء باردًا لكن صدريهما دافئان بما يشبه ولادة جديدة.
قالت ميّ وهي تلتقط أنفاسها:
“كنت سأقول لك… إنه لو رفضوه، كنت سأواصل الدفاع عنه.
هذا المشروع… أراه أمامي، أعيشه كل يوم.”
أجاب سالم وهو ينظر في عينيها نظرةً تشبه اعترافًا مخبوءً:
“وأنا… مشروعي الحقيقي أنتِ.
وكل فكرة نكتبها… وُلدت من رحلة عشناها معًا.”
ضحكت بخجلٍ لطيف، وقالت:
“هل تربطني بالبحث؟”
“بل أربطك… بالمعنى.”
في المساء، جلسا في مكتب الدكتور نزار.
فتح ملف المشروع، ونظر إليهما نظرة المعلّم الذي يعرف أن الطريق المقبل لن يكون سهلاً، ثم قال:
“اليوم… بدأت معركتكما الحقيقية.
فالدلالة علمٌ يمتلئ بالمدارس، والصراعات، والاتجاهات المتعارضة.
وإذا أردتما أن تتركا أثرًا، فعليكما أن تتحمّلا مشقة هذا الطريق.”
سأله سالم:
“ما الذي يجب أن نفعله أولاً؟”
قال د. نزار:
“اقرآ أكثر مما تتوقعان.
ناقشا أكثر مما تطيقان.
واكتبا… بما يشبهكما أنتما، لا بما يشبه أحدًا سبقكما.”
شكرته ميّ بنبرة امتنان، فقال وهو يهزّ رأسه:
“لا تشكراني…
ففي يومٍ من الأيام، سأكتب أنا عنكما.”
عندما عادا إلى البيت، كان الملف الذي يحملانه أثقل مما يبدو؛ لم يكن بحثًا فقط، بل بذرةٌ كاملة لمشروع حياة.
دخلت ميّ الشقة وقالت بصوتٍ خافت:
“سالم… من هنا تبدأ المعركة الحقيقية.”
ووضع سالم الملف على الطاولة وقال بثقة:
“ومن هنا يبدأ التاريخ.”
لم تكن الليلة كسابقتها.
الغرفة الصغيرة ازدادت سعةً بما فيها من كتب وأوراق:
“دلائل الإعجاز”،
“الخصائص”،
“نظرية الاستعارة عند لايكوف”،
“إشارات بيرس”،
وغيرها من المراجع التي كانت تشكّل جسورًا بين عصورٍ متباعدة.
كانت ميّ تقلب صفحات الجرجاني بتركيز تامّ، وكأنها تعيد إحياء زمنٍ منصرم.
أما سالم، فكان يغرق في الرسوم المعرفية:
خرائط المفهوم، الشبكات الدلالية، الاستعارة المفهومية، وتفاعل الإدراك مع البنية.
قالت ميّ بعينين تلمعان:
“سالم… كلّما قرأت ازددت يقينًا أن مشروعنا ليس بحثًا فقط.
إنه… مشروع حياة.”
ابتسم سالم وقال وهو يعيد ترتيب أوراقه:
“ولذلك علينا أن نقدّره.
كل فقرة… كل مفهوم… كل مقارنة… يجب أن تكون محسوبة.
هذا مشروع قد يُغيّر شيئًا في القسم… وفي العربية نفسها.”
جلست ميّ قربه أكثر، وقالت وهي تشير إلى فقرة تحتها خط:
“انظر هنا…
الجرجاني يتحدث عن العلاقة بين النظم والمعنى، وكأنه يسبق نظريات الإدراك الحديثة!
ما رأيك أن نفرد فصلًا كاملًا لربط التراث بالدلالة المعاصرة؟”
قال سالم على الفور:
“فكرة ممتازة.
هذا سيكون القسم الأول:
العلاقة بين التجربة الإنسانية، والنظم، والتأويل المعرفي.”
فتح دفترًا جديدًا، وكتب في أول صفحة:
“الخطة الأولية للأطروحة – ميّ + سالم – ”
ثم قال:
“المنهجية سنكتبها معًا.
أما التحليل الأولي للنصوص، فأقترح أن نقسّم العمل.”
سألت:
“كيف؟”
“أنتِ تتولين النصوص التراثية…
وأنا أتولى المدارس المعرفية الحديثة.”
أضاء الاقتراح عينيها:
“هكذا نصنع جسرًا حقيقيًا بين الزمنين.
ونلتقي في النص نفسه.”
“تمامًا…
ولما نلتقي… نولد المعنى.”
في ليلةٍ ساكنة، كانت الساعة تقارب الواحدة بعد منتصف الليل.
فجأة صرخت ميّ:
“سالم! تعال فورًا!”
اقترب منها، فوجد كتاب “دلائل الإعجاز” مفتوحًا على فصل “البلاغة والنظم”.
أشارت بإصبعٍ مرتجف قليلًا إلى فقرة محددة وقالت:
“انظر…
الجرجاني يقول:
“المعنى لا يُفهم إلا من هيئة التأليف”.
أليس هذا هو جوهر الدلالة المعرفية؟
الإطار البنائي للمعنى!”
ابتسم سالم كمن يعثر على حلقة ضائعة منذ زمن طويل وقال:
“ميّ…
هذا الربط…
هو قلب مشروعنا.
هذه أول لحظة اكتشاف حقيقية.”
وضعَت يدها على صدرها وقالت في دهشة:
“أشعر… كأن كل شيء يتجمع في نقطة واحدة.
التراث… الحداثة… التجربة…
كلها تتحوّل إلى نسيج واحد.”
قال سالم بصوتٍ يشبه الوعد:
“وحين يصبح نسيجًا واحدًا…
تولد النظرية.”
جلست ميّ وقالت بنبرة خافتة:
“سالم…
هذه الليلة…
سنكتب عنها يومًا في مقدمة كتابنا.”
وأجاب بثقة:
“وسنقول… إن البداية كانت هنا.”
انطفأت الأنوار، إلا ضوءً واحدًا:
ضوء مكتبٍ صغير، يجلس عنده شريكان يكتبان مستقبلًا جديدًا للغة.
وكان النهار التالي رماديًا، الهواء مشبعًا برائحة المطر، كما لو أن السماء نفسها تهيّئ القسم الجامعي لشيءٍ غير مألوف.
دخلت ميّ وسالم مبنى العمادة وهما يحملان أوراق الفصل الأول من مشروعهما؛ أوراقٌ أثقل من مجرد صفحات، كأنها خلاصةُ جهدٍ يريد أن يُبصر العالم.
كان كل منهما يدرك أن ما يحملانه بين أيديهما ليس بحثًا تقليديًّا، بل محاولة لفتح نافذة جديدة بين تراث العربية العريق، ونظريات الدلالة الحديثة الممتدة من “لايكوف” إلى “بيرس”، ومن “ابن جني” إلى “غرايس”.
كانت المقاربة جريئة… بل محفوفة بالمخاطر أيضًا.
الفصل السادس عشر:
دخل الاثنان القاعة التي اكتمل فيها اجتماع اللجنة:
ـ الدكتور فؤاد: أشدّهم تمسّكًا بالقديم، رجل يرى أن ما لم يُكتب في “الكتب الصفراء” فهو ليس علمًا.
ـ الدكتورة هناء: منفتحة، محبّة للتجديد، تنصت بفكرٍ يبحث لا بموقفٍ مسبق.
ـ الدكتور ياسين: عقل هادئ يتأمل أكثر مما يعترض.
ـ وفي صدر الطاولة جلس الدكتور نزار… كمرجع، وميزان، وركنٍ لا يلين.
فتح د. نزار الجلسة بصوته الرصين:
“اليوم نناقش القسم الأول من مشروعكما… تفضّلا وابدآ.”
وقف سالم بثقةٍ هادئة، كمن يزن كلماته قبل أن يرسلها:
“اعتمدنا في هذا القسم مفهوم (النظم) عند عبد القاهر الجرجاني، بوصفه محورًا يصل بينه وبين ما يسمّى في الدلالة المعرفية بـ(الإطار المفهومي) عند لايكوف. فالنظم يرتكز على العلاقات بين أجزاء الكلام، والإطار يقوم على البنية الإدراكية التي تمنح المعنى سياقه. وكلاهما يؤكد أن المعنى لا يتولد من الكلمة وحدها، بل من تفاعلها مع ما حولها.”
لم يترك الدكتور فؤاد الفرصة حتى استوى جالسًا وقال بحدّة:
“هذا ربطٌ قسري! الجرجاني رجل بلاغة، لا منظّر معرفيّ معاصر!”
تبادلت ميّ وسالم نظرة سريعة؛ تلك النظرة التي تسبق قرارًا مشتركًا. ثم قالت ميّ بصوت ثابت:
“نحن لا نزعم أن الجرجاني سبق نظريات الإدراك. بل نقول إن أفكاره تسمح بقراءة جديدة، تُظهر إمكان وصلها بالدلالة المعرفية، من باب المشترك لا من باب التطابق. فالتراث ليس جدارًا مغلقًا، بل مساحة حيوية لا تزال قابلة للتأويل.”
ابتسمت دة. هناء، وبدا د. ياسين أكثر اهتمامًا. أمّا د. فؤاد فرفع قلمه وضرب به الطاولة كأنّما يريد أن يستعيد السيطرة:
“هذا الكلام يجعل مدارس غربية دخيلة تتحكّم بتراثنا! ويجمع بين ما لا ينبغي جمعه!”
رفع نزار عينيه ببطء، ونظر إليه نظرة هادئة لكنها قادرة على إيقاف العاصفة:
“الدخيل يا دكتور فؤاد… هو الجمود. وليس البحث.”
ساد الصمت كأنه حكم غير معلن.
فتح د. فؤاد الملف، وقرأ بصوت أشبه بقراءة لائحة اتهام:
“تقولان هنا إن المعنى يتشكّل من (الخيط العلائقي) بين المفردات… أهذا مصطلح علمي أم تعبير شاعري؟”
قال سالم بثبات:
“هو ترجمة عربية لمفهوم ‘relational thread’ في الدلالة المعرفية. وحرصنا أن تكون الترجمة قريبة من روح العربية، وأن لا تنقطع عن المصطلح التراثي.”
توقّف لحظة، ثم أضاف:
“المصطلح ليس غاية في ذاته، بل وسيلة. والمصطلح الذي يجسر بين عالمين أقدر على تأدية وظيفته من مصطلحٍ منغلق لا يتحرك.”
ضيّق د. فؤاد عينيه وسأل:
“أأنتَ تتحدّاني؟”
أجابه سالم بهدوء يشبه الماء حين يتجاوز حجارة النهر:
“نحن نتحدّى الفكرة… لا صاحبها.”
اهتزّ الجو في القاعة، كما لو أن كلمة غير متوقعة وقعت في قلب اجتماعٍ رتيب.
ثم قال د. فؤاد بصوت حاسم:
“أنا أعترض رسميًا على القسم الأول. وأراه قائمًا على مقاربة غير مأمونة للنص التراثي.”
شعرت ميّ بارتجافة خفيفة في صدرها، لكنها تماسكت، بينما أحسّ سالم بحرارة صاعدة في قلبه كأن الاعتراض مسّ شيئًا عزيزًا عليه.
نظر د. نزار إلى اللجنة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها قاطعة:
“الاعتراض يُسجّل… لكن القرار ليس قرار فرد.”
ثم التفت إلى دة. هناء:
“ما رأيك؟”
قالت بوضوح لا يلبس التردّد:
“المشروع متماسك. جديد. ومبني على استدلال علمي محترم. أوافق.”
نظر إلى د. ياسين:
“وأنا… أرى أنه مقاربة مهمة. وأوافق أيضًا.”
أخذ د. نزار قلمًا أزرق، ووقّع:
“يُقبل القسم الأول بعد تعديلات شكلية بسيطة.”
حدّق د. فؤاد في التوقيع كما لو أنه يرى بابًا يُغلق في وجهه.
خرج سالم وميّ إلى الساحة. كان الهواء باردًا، لكن نسيمه يشبه نسيمًا يمرّ حين تخرج روحٌ من ضيقٍ إلى اتساع.
قالت ميّ بصوت خافت:
“قُبِل… لكنني أحسست أن المعركة بدأت الآن.”
أجاب سالم:
“نعم… وكل اعتراض يعني أن المشروع يهزّ الأرض قليلاً. وهذا جيد. الأرض التي لا تهتزّ… لا تُنبت.”
جلست ميّ على مقعدٍ قريب، تنظر إلى الأشجار المرتعشة في الريح، وقالت:
“المهم أن نبقى معًا، وأن نعرف دائمًا لماذا نفعل هذا.”
جلس بجانبها، ووضع يده على يدها قائلًا:
“لأن المعنى الحقيقي… هو نحن.”
مرّت أسابيع ثقال، مليئة بالعمل، وبالنقاشات التي تمتد حتى عمق الليل.
وفي ليلة هادئة، كانت ميّ تقرأ في كتابٍ قديم بينما كان سالم يدوّن ملاحظات بتأن ودقة. فجأة لمحا رسالة ألقى بها ساعي البريد تحت الباب الخارجي تحمل لونًا مختلفًا، لونًا جعل قلبيهما يضربان قبل أن يُفتح.
فتحت ميّ الرسالة… وسكتت.
ثم وضعت يدها على فمها وقد ارتسمت على وجهها دهشة ممزوجة بفرح يكاد يُبكي.
سألها سالم:
“ما الخبر؟”
ناولته الورقة.
قرأ السطور الأولى:
“تم قبول الورقة البحثية المقدّمة بعنوان
“النظم والإطار المعرفي: نحو مقاربة دلالية تكاملية”
للنشر في مجلة الدرس اللغوي الحديثة.”
تجمّد للحظة، ثم قال بصوت أشبه بالهمس:
“ميّ… لقد نُشرنا!”
انفلتت ضحكتها، ثم بكاؤها، ثم ضحكتها من جديد. قالت وهي تمسح عينيها:
“لا أصدق! هذه أول خطوة حقيقية أمام العالم!”
جلس بقربها، ووضع رأسه على كتفها:
“وهذا… ردّ علمي على كل اعتراض.”
في صباح اليوم التالي كانت الكلية مثل خلية نحل.
نظر كثيرون إليهما؛ بعضهم بإعجاب، بعضهم بفضول، وبعضهم بضيق لا يخفى.
جاءت الدكتورة هناء وقالت:
“أنا فخورة بكما! لقد صنعتم جسرًا لم يجرؤ أحدٌ على بنائه.”
اقترب د. فؤاد بعد لحظات، ونظر إليهما نظرةً تحمل غضبًا… وشيئًا من الخوف أيضًا.
الخوف من أن يفلت زمام الماضي من يده.
قال ببرود:
“مبارك النشر… لكن الطرق المختصرة ليست دائمًا صحيحة.”
ردّ سالم بثبات:
“لم نسلك طريقًا مختصرًا. الطريق كان طويلًا… وما زال.”
قال د. فؤاد بنبرة لاذعة:
“سنرى إلى أين سيقودكما ذلك.”
ثم مضى.
استدعاهما د. نزار إلى مكتبه، وما إن دخلا حتى قال بصوتٍ لا يشبه كل الأصوات:
“أنا فخور بكما… كما لو أنني أنا الذي نشر.”
كانت الجملة كافية لتجعل كل الجهد، وكل السهر، وكل المعارك… تستقر في مكانها الصحيح.
قالت ميّ بخجلٍ يشفّ عن امتنان عميق:
“دكتور… لولا إشرافك لما بلغنا ما بلغناه اليوم.”
رفع الدكتور نزار كتابًا عن مكتبه، وأمسكه كما لو أنه يحمل ذاكرة أو درسًا:
“تعلمان… أنّ أول ورقة منشورة في حياة الباحث تشبه الخطوة الأولى لطفلٍ يتعلّم المشي. خطوة صغيرة، نعم… لكنها تفتح العالم بأسره.”
ثم سكت لحظة، وحدّق فيهما نظرة العالم الذي خبر البشر قبل أن يَخبر الكتب:
“لكن انتبها… فالإعجاب شيء، والحسد شيء آخر. واليوم… دخلتما مساحة لا يُقيم فيها إلا الحلفاء والخصوم. فكونا حَذِرَين… وحَكيمَين.”
قال سالم بإجلال:
“نعدك يا دكتور.”
وأضافت ميّ بصوت أقرب إلى عهد تقطعه لنفسها:
“ونعد أنفسنا… أن نُكمل المسير بالروح ذاتها.”
غادرا المكان والهواء بارد، لكن مازال في صدريهما ذلك الدفءَ الذي يشبه شعلة يحملانها بين الريح.
وعندما وصلا البيت، علّقت ميّ خبر النشر العلمي على باب الثلاجة بمغناطيس صغير.
سألها سالم مبتسمًا:
“لماذا هنا بالذات؟”
فقالت وقد أشرقت عيناها بمعنى أكبر من الكلمات:
“لأنني أريد، كلما فتحنا الثلاجة أو أعددنا طعامًا أو عشنا تفصيلة من تفاصيل يومنا، أن نتذكّر أن نجاحنا لا يعيش خارج حياتنا… بل فيها.”
ثم جلست قربه، فأسند رأسه إلى كتفها كما يفعل كلما أثقله التعب. قالت في همس ناعم:
“سالم… أظنّ أن هذه الخطوة ستُغيّر أشياء كثيرة. أشعر… أن أمرًا كبيرًا يقترب.”
أجاب بصوتٍ خفيض:
“وأنا أيضًا… أشعر بما تشعرين به. وسنستقبله معًا.”
أطفآ الأنوار، وبقي ضوء صغير ينعكس من قصاصة الخبر على باب الثلاجة. ضوءٌ خافت لكنه كان يشبه انتصارًا صغيرًا، بداية طريق لا نهايته.
لكن الليل بدأ يثقل على البيت يومًا بعد يوم.
ازدادت ساعات العمل، تضاعفت اجتماعات القسم، توزّعت صيغ البحث، وتكاثفت هوامش الأوراق. وكان بين كل ذلك صمتٌ ينمو، لا يسألان عنه ولا يسميانه.
في مساء بارد، كانت ميّ تقرأ على الطاولة بعينين مرهقتين، تدون ملاحظاتٍ بيد تكاد ترتعش. وكان سالم يطيل الجبوس أمام مكتبه يراجع “التحليل الإطاري للمفاهيم المعرفية” بوجهٍ غارق في التركيز.
قالت ميّ بصوتٍ خافت:
“سالم… هل يمكنك أن تترُك ما بيدك قليلًا؟ أريد أن أقول لك شيئًا.”
لم يرفع رأسه:
“لحظة فقط… اقتربت من الانتهاء.”
مرّت اللحظة… ثم عشر… ثم نصف ساعة.
أغلقت ميّ كتابها بحركة خفيفة، وقالت بنبرة مشبعة بخيبة هادئة:
“سالم… أنا هنا.”
التفت إليها أخيرًا، لكن بعينين نصف شاردتين:
“نعم ميّ… قولي.”
حدّقت فيه طويلاً ثم قالت:
“أشعر… أننا نبتعد شيئًا فشيئًا. كأن كلٌّ منا غارق في عمله، والبيت… صار غرفة دراسية لا أكثر.”
ضحك سالم ضحكة خفيفة تخفي توتره:
“ميّ… نحن منشغلان، نعم. لكن هذا طبيعي، فنحن نبني أطروحة… ومستقبلًا… ومكانًا في الجامعة.”
لكن ردّه لم يكن ما تنتظره قلبًا وروحًا.
قالت بهدوء فيه رجفة ألم:
“لكن أين نحن؟ أين الطعام معًا؟ أين الجلسة؟ أين الليل الخالي من الكتب؟ أين كلمة… ضحكة… ونَفَسُ راحة؟”
قال سالم بنبرة مرهقة:
“ليس وقت هذا الحديث الآن. نحن نمرّ بضغط… وحين يخفّ الضغط سنعود كما كنّا.”
ابتسمت ميّ ابتسامة كسيرة لا يريد أحد أن يراها:
“لكنني أخشى… أن يأتي ذلك الوقت بعد أن نكون خسرنا شيئًا لا يُعوّض.”
لم يفهم سالم — أو ربما لم يشأ أن يفهم — أن جملتها كانت أعمق من كل تعريفات “الدلالة” التي يحفظها.
تكرّر المشهد في الليلة التالية.
ميّ تصمت، وتبتلع كلمات كثيرة.
وسالم يغوص في النصوص بلا التفات.
حتى قالت فجأة، بصوت كان مختبئًا منذ شهور:
“سالم! توقّف قليلًا… فقط قليلًا.”
رفع رأسه مندهشًا:
“ميّ! ما الذي حدث؟”
قالت بنبرة مكسورة:
“أنا… لست مرتاحة. أشعر أنك تبتعد عني. أشعر أنّي تائهة… بين أن أكون زوجتك… وشريكتك في البحث… وبين أن لا أكون شيئًا.”
وقف مذهولاً:
“ما هذا الكلام؟ أنتِ أهم ما في حياتي. ومن دونك لا وجود للبحث أصلًا!”
قالت وهي تبكي بصمتٍ يكسر الحجر:
“لكنني لا أشعر بذلك! أشعر أن البحث… أخذك مني.”
ساد صمت طويل.
ثم قالت جملة كسهم بطيء:
“سالم… أنا لست ورقة بحث. أنا إنسان. وأريد وقتي… ونريد ‘نحن’ التي كنّاها.”
قال سالم بفتور منهك:
“ميّ… بالله عليكِ… ليس وقت الحساسيّات الآن. هناك عمل يجب أن نُكمله.”
انطفأت ابتسامتها.
انطفأ شيء آخر معها.
قالت بهدوء:
“حسنًا… عدْ إلى عملك.”
ودخلت الغرفة وأغلقت الباب.
وبقي سالم يشعر أنه ارتكب خطأً كبيرًا لم يعرف اسمه.
صار البيت صامتًا.
ليس لأن الحب غاب، بل لأن الكلام غاب.
والصمت حين ينفصل عن الحب يصبح أخطر من الخصام نفسه.
وفي ليلة متعبة، عاد سالم متأخرًا.
وجد البيت معتمًا، إلا من ضوء خافت ينبعث من غرفة واحدة.
اقترب.
فتح الباب.
وجد ميّ جالسة قرب النافذة، وبين يديها كتاب، لكن عينيها لم تنزلا على حرفٍ منه.
رفعت رأسها وقالت بصوت ينساب مثل اعترافٍ حزين:
“سالم… إذا لم نتوقف الآن… سنسقط. وسنخسر شيئًا… إذا فُقد لا يُستعاد.”
جلس أمامها بصمت ثقيل.
تبادلا نظرة طويلة… كأنهما واقفان على حافة جسر.
قبل أن يتكلم، قالت:
“أنا… لم أعد قادرة على الاستمرار هكذا. أريد أن نتوقّف… أن نستريح… أن نعود نحن.”
أغمضت عينيها… كمن ينتظر إمّا النجاة أو السقوط.
في الجامعة، رأى الدكتور نزار عينيهما من آخر الرواق…
فعرف فورًا أن “المعنى” انكسر بينهما.
استدعاهما بإشارة سريعة:
“إلى مكتبي… حالاً.”
دخل الاثنان.
نظر إليهما طويلاً، ثم قال بصوت يعرف كيف ينزع الأقنعة دون قسوة:
“ما الذي جرى بينكما؟”
لم يجب أحد.
فقال:
“أعلّمكما نظريات الدلالة… لكنكما نسيتم دلالة واحدة: البشر… ليسوا نصوصًا.”
تجمّدت الكلمات في الهواء.
قال سالم بصوت مرتبك:
“الدكتور… الأمر صعب… نحن تحت ضغط…”
قاطعه د. نزار:
“الضغط لا يقتل. ما يقتل هو الإهمال.”
ثم وجّه سؤاله إلى ميّ:
“ما الذي يؤلمكِ؟ قولي.”
قالت بصوت يكافح كي لا ينكسر:
“شعرت… أن سالم تغيّر. وأن البحث صار أهم. وأنني… آخر اهتماماته.”
نظر سالم إليها، ورأى التعب الحقيقي للمرة الأولى.
فسأله د. نزار:
“وأنت؟ ما الذي تشعر به؟”
قال سالم خافتًا:
“أشعر أن عليّ أن أثبت نجاحي… نجاحنا… قبل أن تضيع الفرصة. أعلم أنني ابتعدت… لكنني ضعت مع السرعة.”
ابتسم د. نزار ابتسامة موجوعة، وقال جملة كأنها قادمة من عمق علم الدلالة:
“يا سالم… أنت تركض لتقبض على المعنى… لكنك نسيت أن المعنى يجلس إلى جوارك منذ البداية.”
أغمضت ميّ عينيها.
وانخفض رأس سالم كأنه تلقى أخيرًا ما كان يبحث عنه.
كتب د. نزار على ورقة كلمة واحدة:
“نحن”
ثم قال:
“هذه الكلمة… أعمق كلمة في علم الدلالة كلّه. ليست ‘أنا’، ولا ‘أنت’، ولا ‘هو’… بل ‘نحن’.”
ثم مزّق الورقة نصفين:
“وهذا ما يحدث الآن.”
ارتجفت ميّ.
فالتقط سالم قطع الورقة بسرعة، ولصقها معًا، وقال بصوت مخنوق:
“لا… لن ندعها تتمزق.”
مدّ يده إلى يد ميّ وقال:
“ميّ… أخطأت. أخطأت حين تركتكِ وذهبتُ أبحث عن نجاحٍ لا يساوي شيئًا إذا لم تكوني معي. أعتذر… بكل صدق.”
رفعت ميّ عينيها، وفيهما دمعة تتردّد:
“وأنا… أخطأت حين أخفيتُ وجعي. سامحني يا سالم.”
أمسك يدها بقوة الحياة التي تستعاد.
قال د. نزار وقد عاد صوته معلّمًا للدلالة:
“الآن… يمكننا أن نتكلم في العلم.”
ضحكا — رغم الدموع.
وأضاف د. نزار:
“من اليوم… ساعة كاملة يوميًا للبيت فقط. لا كتب، لا أطروحة، ولا تفكير في أي من هذا أيضا. فقط ‘أنتم’. لأن البحث من دون حياة… يموت.”
خرجا من مكتبه يسيران ببطءٍ وطمأنينة.
وكان الصمت بينهما هذه المرة ليس صمت الألم… بل صمت المودّة التي تُرمّم نفسها.
أسندت ميّ رأسها إلى كتفه، وقالت كمن يفتح بابًا:
“سالم… نعود؟”
وأجابها بنظرة تشبه وعدًا:
“نعود.”
عاد سالم يجيب بصوتٍ يحمل يقينًا صافياً، كأنما استقرّ فيه قرار طال انتظاره:
“سنعود… ونبدأ من جديد… ولكن هذه المرّة معًا، لا متقابلَين ولا متخاصمَين.”
وكان الغروب ينسلّ عبر النوافذ بضياءٍ مائلٍ إلى العسليّ، فتبدو الطريق أمامهما أقلّ ظلالًا وأكثر وضوحًا، وكأن النهار يمدّ لهما يده كي يكملا ما انقطع.
كان الفصل التالي من حياتهما ينتظر بإشراقة مختلفة: خطوة واسعة نحو الأمام، تتمثّل في الاستعداد للمؤتمر الدولي، تلك الخطوة التي ستجعل اسميهما يتقدّمان في صفوف الباحثين الشباب، وتضع تجربتهما البحثية على محكّ العلن.
عاد البيت كما عرفاه في بدايات العمل: دافئًا، مضيئًا، تضجّ جدرانه برائحة الكتب، لكنّ الدفء فيه لم يكن دفءَ الأشياء، بل دفءَ النفس حين تُرفع عنها أثقال الشك والخذلان. وكانت ميّ تُعدّ القهوة بيدين هادئتين، بينما كان سالم يرتّب الأوراق أمامه بابتسامةٍ لا تخفى، ابتسامة من يعرف أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
قالت ميّ وهي تضع فنجان القهوة قربه:
“تخيّل… هذا المؤتمر سيكون أوّل مرّة نقف فيها أمام جمهور ليسوا من طلاب القسم… بل أمام باحثين، وأساتذة كبار، ونقّاد.”
نظر إليها سالم، ثم قال بهدوءٍ خفيف يشوبه التوتر الجميل:
“وهذا وحده… يدعو إلى شيء من الخوف.”
ثم أضاف وهو يحدّق في عينيها:
“لكنني… ما دمتِ معي، لا أخاف.”
جلست قريبًا منه، وكان في جلستها ما يشبه الثقة المستعادة، وقالت:
“نريد أن نصنع شيئًا حقيقيًا، شيئًا يترك أثرًا. نحن لا نذهب لعرض ورقة فحسب… نحن نذهب لنقول إن العربية تسكن فينا، لا في كتبنا وحدها.”
هزّ رأسه موافقًا، وقال:
“سنمزج التراث بالعصر، ونبيّن كيف يتكوّن المعنى من الإنسان قبل أن يتكوّن من اللفظ.”
فتحت ميّ دفترها، وبدأت بترتيب الأسئلة. ثم قالت:
“ما القسم الذي نعرضه؟ هل نبدأ بالربط بين الجرجاني ولايكوف؟ أم نركّز على التحليل التطبيقي للنصوص المعاصرة؟”
فكّر سالم لحظة ثم قال:
“برأيي… نعرض النموذج الذي ابتكرناه نحن: النموذج النَّظْمي – المعرفي. هذا تركيب جديد… وكثيرون سيتوقفون عنده.”
أضاءت عينا ميّ بحماسة:
“صحيح! ويجب أن نعدّ مخططًا بصريًا يشرح الفكرة بوضوح. أهل بيروت يحبّون العرض الذي يُرى، لا الكلام المجرد.”
ضحك سالم وقال:
“حسنٌ… لأن كلامنا كثير!”
وفي مساءٍ هادئ، طرق الأستاذ نزار باب بيتهما. كان يحمل ملفًا صغيرًا، وعلى ملامحه إشراقة رضا تشبه اعترافًا غير منطوق بأن جهدهما أثمر.
جلس معهما، يقلّب المخططات الأولى، ويصغي إلى أفكارهما كما يصغي المرشد إلى طلاب يعرف أنهم تجاوزوا الامتحان الأول. ثم قال:
“الفكرة قوية، والمقاربة جريئة… ولكن احذرا من الإفراط. المؤتمر الدولي ليس كأجواء القسم. هناك، يريد الناس وضوحًا مختصرًا، وعمقًا بلا زوائد.
إن أهل بيروت… لا يميلون إلى الحشو، ولا إلى الغموض، ولا إلى الخوف.”
سألته ميّ بصوتٍ يحمل رغبة صادقة في الفهم:
“وماذا إن هاجمونا؟”
ابتسم د. نزار ابتسامة خفيفة، وقال:
“ليهاجِموا. الهجوم علامة حياة، لا علامة ضعف.”
ثم أضاف بصوت أقرب إلى وصيّة:
“المهمّ أن تقفا معًا. لا أريد أن أرى أحدكما يشرح والآخر يتراجع. أنتما مشروع واحد… لغة واحدة… ومعنى واحد.”
انهمرت الأيام التالية متلاحقة كأنّها قطار لا يتوقف: إعداد العرض، تنقيح الورقة، تنسيق الشرائح، تسجيل الملاحظات، مراجعة المراجع، استكمال إجراءات السفر، وحزم الحقائب. وفي ليلةٍ قبل السفر بيومين، أغلقت ميّ دفترها وبدت ثقتها متلألئة، كأن القرار قد اكتمل في داخلها:
“أشعر… أن هذه الخطوة ستغيّر الكثير. ليس في العمل فقط… بل في حياتنا أيضًا.”
وقال سالم، بنبرة تتردّد فيها احتمالات واسعة:
“وربما تكون بداية لشيء أكبر… أكبر من بحث، وأكبر من مؤتمر.”
سألته بخجل يحمل نبرة سؤالٍ أعمق مما يبدو:
“ماذا تقصد؟”
ابتسم، وقال:
“أعني… قد نكتب مشروع عمرنا، لا مشروع تخرّجنا.”
تردّدت قليلاً، لكن ابتسامتها أفشت ما يختلج في قلبها.
جلسا قرب النافذة، والمدينة تهدأ تحت ضوء القمر. لم يتبادلا الكثير من الكلام؛ كان الصمت بينهما ناعمًا، يشبه السكينة التي تأتي بعد عاصفةٍ طويلة. قالت ميّ:
“سالم… لا أريد أن نعود إلى التباعد… أو سوء الفهم. هل تعدني؟”
أمسك يدها، وشدّ عليها بحنان ثابت:
“أعدك… أن نبقى نحن… مهما كان.”
وضعا رأسيهما على كتفي بعضهما، في اللحظة نفسها، كأنّهما يعيدان صياغة معنى الطمأنينة في أبسط صورها.
وفي الصباح، استقلا حافلة الجامعة المتجهة إلى مطار دمشق. كانت ميّ تحمل ملف العرض بعناية، بينما كان سالم يحمل دفتره الصغير الذي يحمل ملاحظاته… لكنه كان يدرك في داخله أن أجمل ما في رحلته لم يكن مكتوبًا على الورق، بل يمشي إلى جواره في المقعد المجاور. وحين بدأت الحافلة بالتحرك، سألت ميّ بصوت خافت:
“أأنت جاهز؟”
قال سالم وهو يحدّق عبر النافذة:
“جاهز… وأنتظر.”
ثم أضاف:
“وها هنا… تبدأ الرحلة الحقيقية.”
وصلت الطائرة إلى بيروت عند أوّل خيط من نور الفجر. كانت المدينة من نافذة فندق الجامعة تبدو كصفحة جديدة، لم تُكتب كلماتها بعد. وقفت ميّ أمام المرآة، ترتّب شعرها بعناية، وتُثبت وشاحًا هادئ اللون. أما سالم فكان يعقد ربطة عنقه للمرة الأولى منذ شهور، محاولًا أن يخفي ارتجاف أصابعه بابتسامة صغيرة.
قالت ميّ:
“سنقف أمام أساتذة كبار… عالميين… ونقّاد… ولا أدري لماذا أشعر… بالهدوء.”
ابتسم سالم وقال:
“لأن التي تقف معي… أكبر من أي جمهور.”
ضحكت بخجل:
“بلا شعر اليوم… نريد عقلًا صافياً!”
دخل الاثنان قاعة “الكلمة والحضور”، إحدى أوسع القاعات في الجامعة اللبنانية. تتابعت المقاعد المرتّبة، والمنصّة الخشبية المضاءة، وملصق كبير يحمل عنوان المؤتمر:
“الدلالة بين التراث والحداثة: حدود أم جسور؟”
جلس الباحثون، وكان همس القاعة أشبه بموجٍ خفيف. بعضهم سمع بورقتهما المنشورة حديثًا، وبعضهم جاء بدافع الفضول، وبعضهم جاء يبحث عمّا يمكن أن يُهاجم. كان د. نزار يجلس في الصف الأول، وفي عينيه نظرة فخر عميقة، نظرة الأب الذي يرى أبناءه على أعتاب مستقبلهم.
قال لهم د. نزار حين دخلا:
“لا تفكّرا بأحد. يا سالم، تحدّث كأنك تخاطب ميّ. ويا ميّ، تحدّثي كأنك تخاطبين سالم.”
ابتسما، وبدأت اللحظة.
وقفا على المنصّة. أخذ سالم دفتره، وتولّت ميّ إدارة الشرائح. قال سالم بصوت واضح:
“صباح الخير… نحن ميّ وسالم. نقدّم اليوم جزءً من مشروعٍ حاول أن يعيد قراءة اللغة، من زاوية تجمع الجرجاني ولايكوف على طاولة واحدة.”
رفعت بعض الحواجب دهشة. كانت بداية جريئة.
قالت ميّ:
“نقترح في بحثنا مقاربة نسميها: النَّظْم – المعرفي، ننظر فيها إلى المعنى باعتباره محصلة العلاقة بين البنية اللغوية والإدراك الإنساني.”
ثم تابع سالم:
“ونرى أن علماء التراث قدّموا تصورًا قريبًا من المبادئ الحديثة، دون أن يسمّوه تسمية معرفية. وليس ذلك نقصًا في التراث، بل فرصة لبناء جسرٍ بين زمنين.”
كبرت أعين كثيرة، ومالَت الوجوه إلى الأمام.
وما إن فرغا من العرض، حتى رفع أستاذ ضخم البنية يده. كان الدكتور جميل، المعروف بقسوته النقدية، وقال بصوت جهوري:
“كيف تقولان إن النظم يتقاطع مع الإطار المفهومي؟ ألا ترَيان أنكم تُدخلون التراث في سياق غربيّ لا يحتمله؟ أليس هذا إسقاطًا؟”
ساد الصمت، انتظارًا للجواب.
تقدمت ميّ خطوة، وقالت بثقة هادئة:
“دكتور… نحن لا نزعم أنهما متماثلان، بل نقول إنهما يلتقيان في نقطة أولى، لا يدّعي أحد ملكيتها: المعنى محصلة علاقة.
في النظم: علاقة بين الألفاظ.
وفي الإدراك: علاقة بين التجربة والعقل.
ونقطة اللقاء… هي العلاقة.”
تراجع د. جميل خطوة إلى الوراء، وكأن الجرأة التي صدرت فجأة عن ميّ أربكته للحظة. كان المشهد أقرب إلى احتدامٍ خفيف بين رؤيتين: رؤية تقليدية ترى التراث مُغلقًا على نفسه، وأخرى تحاول أن تفتحه على العالم.
رفع سالم صوته قليلًا، وفي نبرته شيء من دفاع الباحث عن أرضه المعرفية:
“نحن لا نُقحِم التراث في قوالب غريبة عنه، بل نحرّره من القراءة الجامدة. ندرسه باعتباره علمًا حيًّا… قابلاً للتجدد.”
عمّ الصمت القاعة، وخفتت الهمسات، واتجهت الأنظار نحو الطاولة التي يجلس عندها الباحثان الشابّان.
رفعت باحثة شابّة يدها، وعلى شفتيها ابتسامة تحمل شيئًا من الدهشة وشيئًا من اللطف:
“سؤال شخصي: هل يسّر تعاون الشريكين في بحث واحد مهمتكما… أم جعلها أصعب؟”
ضحكت القاعة، وارتبك الاثنان قليلًا، لكن سالم أجاب وهو يستعيد توازنه:
“يُسهّل… ويُصعّب.”
وأضافت ميّ، وقد بدا الصدق واضحًا في ابتسامتها:
“لكن… المعنى الحقيقي يولد بين اثنين، مثل اللغة تمامًا؛ لا تتكوّن دلالتها إلا من اجتماع حرفين، أو التقاء صوتين.”
وجاء التصفيق الأول، تصفيق لم يكن مجاملة بل إقرارًا بأن ما قيل كان خارج المألوف.
وبعد نصف ساعة من النقاش، أغلق رئيس الجلسة الملف وقال:
“بحث جديد، جريء، سلس، ويفتح أبوابًا واسعة للحوار. نشكركما.”
وانفجرت القاعة بالتصفيق مرة أخرى. كان التصفيق هذه المرّة أعمق، يشبه اعترافًا بأن اجتهادًا صادقًا قد وُضع أمامهم.
في الخلف، كان الدكتور نزار يمسح دمعة صغيرة لم ينتبه لها أحد. وحين انتهى كل شيء، تقدّم منهما وصافحهما وهمس:
“أنتم… لستم مجرد باحثين. أنتم… روح جديدة.”
خرجوا إلى رواق الجامعة. الهواء عليل، وصوت البحر يصل كأنما عبر ممرات غير مرئية. قالت ميّ بصوت خافت:
“سالم… منذ زمن لم أشعر بقوة مثل اليوم.”
أجابها وهو يبتسم: “لأننا وقفنا معًا.”
ثم جاء أحد منظّمي المؤتمر يخبرهما بأن ورقتهما رُشّحت لجائزة أفضل بحث شبابي.
توقفت ميّ في مكانها، كأن الأرض اتّسعت تحت قدميها فجأة:
“نحن؟ حقًا؟”
ضحك سالم وقال بثقة هادئة:
“نعم… نحن.”
تلك الليلة، في الغرفة الفندقية، كانا مرهقين لكن مغمورين بشيء يشبه الامتلاء. وقفا عند الشرفة يتأملان أضواء بيروت وهي تنعكس على صفحة البحر.
قالت ميّ:
“سالم… أشعر بأن هذه الخطوة ستغيّر بقيّة القصة.”
فأجاب:
“وربما… تكون بداية النهاية التي نستحقّها.”
عادا من بيروت مساءً. كان الباص يشقُّ طريقًا طويلة بين ظلمة الجبال وأضواء القرى المتناثرة. جلست ميّ قرب النافذة، ساكنة على غير عادتها، كأن شيئًا يتشكّل داخلها دون أن يُفصح عن نفسه.
حاول سالم كسر الصمت:
“ما زلت غير مصدّق… لقد رُشّحنا للجائزة.”
لكنها لم تلتفت، وقالت بصوت منخفض:
“أعرف… شيء جميل… لكن… أشعر بشيء آخر.”
سألها:
“ما هو؟”
هزّت رأسها كأنها تبحث عن كلمة لا تريد أن تُقال:
“لا أعرف… ربما خوف… وربما تعب… وربما… تغيّر.”
لم يُعلّق، فقط أمسك يدها بصمت، وظلّا هكذا حتى وصل الباص إلى دمشق.
في اليوم التالي، توجّها إلى الجامعة بحماس تراجع بسرعة أمام نظرات شاحبة ومواقف مُلتبسة.
بعض الزملاء ابتسموا ابتسامات باهتة.
بعضهم مرّ وكأن الخبر لا يعنيه.
آخرون همسوا:
“ماشي الحال…”
“مؤتمر بيروت ليس معيارًا…”
“سنرى كيف سيتغيّرون الآن…”
دخلَا غرفة الأساتذة، فرفع الدكتور فؤاد رأسه وقال ببرود مقصود:
“سمعنا… قدّمتم بحثًا جديدًا؟”
أجابت ميّ بهدوء:
“نعم… وكان هناك حوار مهم وأسئلة جادّة.”
ابتسم هو ابتسامة ساخرة:
“حسنًا… لكن لا تنغرّوا. بيروت شيء… والمعايير هنا شيء آخر.”
لم يأبه سالم كثيرًا، لكن ميّ كانت تصمت طويلاً بعد كل كلمة تُقال، وكأن الكلام يترك أثرًا داخليًا لا يظهر بسهولة.
ودون أن يدركا، بدأت المسافة تُبنى بينهما… المسافة التي تُعد أخطر ما ينشأ بين اثنين.
دخل الدكتور نزار مكتبهما، وأغلق الباب. جلس أمامهما وقال:
“سمعت ما دار في الغرفة المشتركة… وما قاله د. فؤاد. لا تهتما.”
ثم أضاف بنبرة العالم الذي خبر الطريق:
“النجاح لا يحبّ الكلام. الكلام يأتي من الذين لا يريدون رؤية غيرهم يصعد. لكن عليكما أن تفعلا أمرًا مهمًا: العودة من النجاح أصعب من الوصول إليه.”
سأله سالم:
“وماذا علينا أن نفعل؟”
أجاب نزار:
“تعودا إلى بيوتكما… وتصمتا قليلاً. لا تردّا. لا تشرحا. دعوا الورقة تتكلم. دَعوا نتيجة المؤتمر تظهر. وأهم من ذلك… اجعلا علاقتكما أهم من بحثكما.”
ثم نظر إلى ميّ مباشرة:
“الضوء العالي يعمي… إن لم ينتبه المرء.”
كانت كلماته كيدٍ تُعاد بها الطمأنينة إلى قلبين مضطربين.
في تلك الليلة، جلسا على الشرفة بلا أوراق، ولا كتب، ولا لغة أكاديمية.
فقط كأس شاي… وصمت لطيف.
قالت ميّ:
“سالم… لم أكن خائفة من المؤتمر. كنت خائفة مما بعده.”
سألها:
“وماذا بعده؟”
أجابت:
“أن نصبح نحن والمؤتمر شيئًا واحدًا… وننسى أن حبّنا أهم.”
اقترب منها ووضع يده على كتفها برفق:
“لن يأتي يوم… يكون البحث أهم منك. ولن أتركك تمشين وحدك.”
أغمضت عينيها كمن تعيد ترتيب نفسها من الداخل.
مرّت أسابيع، وعادت المدينة إلى إيقاعها المعتاد. سالم غارق في تدقيق الفصول، وميّ تحاول أن توازن بين القاعة والبيت والعمل.
لكنّ شيئًا ما كان يتغيّر في داخلها، ببطءٍ شديد، كأن الحياة تستعد لكتابة فصل لا علاقة له بالأوراق ولا المؤتمرات.
في صباح أحد الأيام، استيقظت ميّ مرهقة بصورة لا تشبهها. لم تستطع شرب القهوة، وكان رأسها مثقلاً.
لاحظ سالم ذلك فورًا:
“مي… ما بالك؟ وجهك ليس كعادته.”
ابتسمت محاولةً التخفيف:
“ربما تغيّر الطقس… أو ربما تعب.”
قال بلطف:
“ارتاحي اليوم… لسنا مضطرين لكتابة الفصل الرابع.”
لكنها أصرّت، وجلست تقرأ فقرة عن “تداخل السياقات في إنتاج الدلالة”، ثم توقفت فجأة، وضعت يدها على بطنها… كأن شيئًا مرّ في داخلها.
شيء لم تفهمه… لكنه لم يكن تعبًا.
وفي اليوم التالي، ذهبت إلى العيادة “للاطمئنان فقط”.
بعد الفحص، ابتسمت الطبيبة ابتسامة هادئة وقالت:
“مبروك يا ميّ… أنتِ حامل.”
اتّسعت عيناها، كأن العالم اتّسع معها.
هل تبكي؟
هل تضحك؟
هل تصمت؟
أم تترك الأمر للدهشة؟
وضعت يدها على بطنها بحذر، كأنها تتحسس كلمة لم تستقر بعد في عقلها.
قالت الطبيبة:
“تقريبًا… بداية الشهر الثاني.”
شهران…
وبينها وبين سالم كان هناك جهد، وتعب، وانشغال…
لكن الحياة كانت تعمل بصمت أكبر في الداخل.
خرجت من العيادة والمدينة من حولها تبدو لوحة جديدة، ألوانها أكثر وضوحًا وأكثر غموضًا في آن واحد.
دخلت البيت، وسالم يجلس إلى الطاولة يراجع ملاحظات د. نزار على الفصل الجديد…
وكانت هي تحمل خبرًا يعرفه المرء غريزيًا؛ أنه لن يغيّر بحثًا… بل حياة كاملة.
خرجت من غرفة الفحص؛ فرفع رأسه، وقد سبقت ابتسامته كلماته، كأنها اندفاع طبيعي نحو بشارةٍ لم يكن يعرف كُنْهها بعد. قال بلهجة يغلب عليها الرجاء:
“ماذا قالت الطبيبة؟”
لكنّ ميّ لم تستطع أن تجيب فورًا. توقّف الزمن لحظةً بين السؤال والجواب، وكأن المعنى يريد أن يتشكّل في صمت قبل أن ينطق به اللسان. اقترب سالم منها، ووضع يده على كتفها، ثم سألها بصوت خفيض يشبه الخوف المستتر:
“مي… ما الذي يحدث؟”
ترددت كلمتها قبل أن تخرج، ثم انسابت مرتعشة، واضحة، لا تحتمل التأويل:
“سالم… أنا… حامل.”
تجمّد سالم كما لو أن الكلمة نفسها تحتاج وقتًا كي تستقرّ في وعيه. سألها، لا ليعرف، بل ليصدّق:
“حامل؟ نحن!!!!؟ حقًا؟”
هزّت رأسها، وابتسامة تمتزج فيها الدموع بالدهشة تلوح على وجهها. وحين اقترب منها وأمسك وجهها بكلتا يديه، بدا كأن العالم كله اتّسع فجأة ليتسع لهذا الخبر وحده.
“مي… يا الله… هذا الخبر… غيّر كل شيء.”
ضمّها إليه، ضمّة لا تشبه الاحتفال، بل تشبه الاتّكاء على يقين جديد يولد في روحين معًا.
في المساء، جلسا على الشرفة من دون أوراق ولا دفاتر ولا حديث عن “الفصل الرابع” أو “النشر العلمي” أو “المؤتمر”. كان الصمت هذه المرة ممتلئًا بالحياة، لا بالخوف. قالت ميّ:
“سالم… أشعر أنّ شيئًا في داخلي أعاد ترتيب نفسه. كأنّ المعنى يتكوّن من جديد.”
سألها: “أانتِ خائفة؟”
قالت:
“نعم… وبطمأنينة غريبة أيضًا. كأنّ اللغة التي درسناها طويلًا تُعلّمنا الآن درسًا آخر… معنى لا تصنعه النظريات، بل تصنعه الحياة.”
ووضع سالم يده على يدها قائلًا:
“ذلك المعنى… نحن من سيكتبه، وليس أحد غيرنا.”
تلك الليلة، لم يناما على فرح ولا على يأس، بل على وعي جديد بأنّ “المعنى” — ذلك الذي طالما بحثا عنه في النصوص — صار ينبض الآن في جسد صغير لم يولد بعد.
اقترب الشتاء، وأوراق دمشق بدأت ترتدي لونًا يشبه السكينة. ميّ في شهرها الأخير، وسالم يتحرّك في البيت بين المهام والأوراق وحقائب صغيرة أعدّها بحماس يشبه الحذر. لم يعد للنقاشات العلمية صدى في البيت؛ فالحياة نفسها أصبحت محورًا لا يحتاج تنظيرًا ولا استشهادًا.
وفي ليلة رأس السنة؛ ليلة باردة من شهر كانون الثاني، جاءها المخاض. كانت ترتجف، ليس خوفًا من الولادة، بل من رهبة اللحظة التي تختبر قدرة الإنسان على مواجهة ما يفوقه. قاد سالم السيارة كما لو أنه يقود قلبه المرتجف، وتمتم:
“مي… خذي نفسًا. أنا معك.”
أجابته وهي تمسك يده بقوة غير معهودة:
“لا تبتعد… ابق قريبًا… أرجوك.”
قال لها:
“أنا بجوارك… ولن أرحل.”
في المستشفى، تناسقت الأصوات: خطى مسرعة، ضوء أبيض، وهمس ممرضات، كلّها تُشير إلى معنى واحد: “الحياة”. دخلت ميّ غرفة الولادة، وبقي سالم في الخارج، يبكي بلا صوت، كما لو أنّ الدموع لغة قديمة يحتفظ بها القلب حين تعجز اللغة المنطوقة.
ثم — فجأة — جاء الصوت. صرخة صغيرة، لكنها بدت له كأنها جملة جديدة كُتبت في صفحة الوجود.
خرجت الممرضة مبتسمة:
“مبارك… لقد رُزِقْتُم صبيًّا.”
جلس سالم على المقعد وكأنّ وزن جسده أصبح خفيفًا فجأة، ثم قال بانهيار دافئ:
“صبي؟ مي… لدينا صبي!”
دخل إليها. كانت مرهقة، لكن عينيها تلمعان بنورٍ يشبه البدايات الأولى للخلق. حمل الطفل بيدين مرتعشتين، وشعر أنّ وزنه أثقل من العالم كلّه، وأخفّ من الريح في آن واحد. سألها:
“ماذا سنسميه؟”
قالت ميّ وهي تبتسم ابتسامة يعرف فيها العطاء طريقه:
“كنتُ أفكر باسم… منذ شعرت به أول مرة. لكنه اسم أردت أن تسمعَه معي.”
اقترب منها: “ما هو؟”
قالت:
“نوح.”
توقّف الزمن. اسم يحمل معنى البحث، والرحلة، والنجاة، والصبر. اسم يشبههما.
قال سالم:
“نوح… جميل. وفيه نجاة.”
أجابته ميّ:
“وفيه رحلة تشبه رحلتنا… لا تغرق مهما حملت على ظهرها.”
في اليوم الثاني من العام الجديد عاد الثلاثة إلى بيتهم الصغير بصحبة الجدين والجدتين. كان البرد يقرع النوافذ، لكن داخلهم دافئ كأن الحياة قررت أن تبدأ من جديد. وضع سالم الطفل في سريره، وتأمل أصابعه الصغيرة وأنفه الذي يشبه ميّ، ثم قال بصوت يفيض امتنانًا:
“مي… أشعر أننا كُتِبنا من جديد.”
قالت وهي تضع رأسها على كتفه:
“سنستطيع أن نكمل؟ بين العمل، والأطروحة، والجامعة، و… نوح؟”
أجاب بثقة الهادئ:
“نعم. لأننا كتبنا أطروحة بالروح قبل أن نكتبها على الورق.”
بعد أسابيع، دخل الدكتور نزار إلى مكتبهما الجديد. كان يحمل ظرفًا بدا عليه أنه يخفي خبرًا كبيرًا. قال وهو يرفع الورقة:
“وصلت النتيجة… بحثكما فاز بجائزة أفضل بحث شبابي في المؤتمر.”
فرحا، لكن فرحًا هادئًا يشبه الماء حين يعرف طريقه ولا يفيض.
وأضاف د. نزار وهو ينظر إلى الطفل النائم:
“الآن… يمكنكما أن تكتبا عملاً أكبر من كل ما أنجزتماه. كتاب يحكي رحلتكما. لعلّه يكون درسًا لآخرين.”
نظر سالم إلى ميّ، نظرة من يعرف أن زمناً جديدًا يبدأ.
سألته:
“سالم… ما عنوان الكتاب؟”
أجاب فورًا، من غير تفكير، كأن العنوان كان ينتظر هذه اللحظة كي يولد:
“الدلالة… سيرةُ حُبّ وحياة.”
هزّت رأسها مبتسمة:
“تمامًا… هكذا يجب أن يكون.”
في تلك الليلة، كتب سالم الجملة الأولى من الكتاب بينما كانت ميّ تُرضع نوحًا وتهمس له كلمات لا تكتمل، لكنها مفهومة بقلبٍ يعرف اللغة قبل أن ينطقها اللسان:
“إلى نوح… الذي جاء ليعلّمنا أن كل معنى يولد مرتين: مرةً في اللغة، ومرةً في الحياة.”
وأغلق الليل ستارَه على بيت صغير في دمشق، يضيئه مصباح، وطفل، وحبّ، ومعنى يتشكّل حياة جديدة كل يوم.
تمّت.
الخاتمة:
هذه الرواية، «معانٍ في ظلال الكلمات»، لا تُقارب الحبّ ولا التحوّل الفردي ولا صراع الريف والمدينة بصيغها المألوفة، بل تتجاوز ذلك كلّه لتجعل من اللغة مركزَ ثقلها وفضاءها الأعمق.
فهي لا تبحث عن الإنسان من حيث هو كائنٌ يعيش الأحداث، بل من حيث هو المكان الذي تتشكّل فيه اللغة وتتجلّى، ذلك الكائن الذي لا يعرف نفسه إلا بقدر ما تنعكس عليه الكلمات. وهكذا تتحوّل الرواية إلى محاولة لتوسيع مفهوم السرد، إذ تنتقل من حكاية ما وقع إلى حكاية ما يُدرك، ومن تتبّع أثر الزمن على الشخصيات إلى تتبّع أثر اللغة على الوعي، لتطرح سؤالها الكبير: أيهما يوجِد الآخر؟ الإنسان يصنع اللغة، أم اللغة هي التي تعيد تشكيل الإنسان؟
هذا الانحياز إلى المعنى لا يأتي بوصفه خيارًا جماليًا فحسب، بل بوصفه الإطار المفهومي الذي تأسست عليه الرواية منذ جملتها الأولى؛ إذ تحوّل السرد فيها إلى مختبر للتساؤلات، لا إلى قناة للأحداث. فالكاتب لا ينشغل بما يحدث بقدر انشغاله بالكيفية التي يُدرك بها الإنسان ما يحدث، وبالعمق الذي تتحوّل عنده التجربة إلى وعي. ومن هنا برزت اللغة بوصفها الكائن الحقيقي الذي تتحرّك حوله الشخصيات؛ فهي ليست وسيلة تعبير، بل عينٌ ثانية ترى بها الذات العالم، وصوتٌ يتقدّم الكائن البشريّ ويقوده نحو اكتشاف ذاته. وكل خطوة سردية تُعاد تلقائيًا إلى أصلها اللغوي: هل المعنى ينشأ من التجربة أم من الوعي؟ وهل يصمت الإنسان لأن المعنى غاب، أم لأن الصمت ذاته امتلأ باللغة؟
وإزاء هذا الانشغال بالأسئلة، يصبح الحدث في الرواية مجرّد حامل للفكرة، لا محورًا لها. فالرحلة من الريف إلى المدينة، والمحاضرات الجامعية، وظهور ميّ، ليست نُوى يتولّد منها التوتّر الحكائي، بل مجالات يُختبَر فيها المعنى ويُعاد تشكّله. كلّ ما يجري في الخارج يتحوّل إلى إشارة تُحيل إلى الداخل، إلى البنية المعرفية التي تُعاد صياغتها من خلال الكلمات، وإلى وعيٍ يتفتّح على نفسه لحظة بعد أخرى.
ولأن الرواية تقوم على هذه البنية التأملية، فإن الشخصيات فيها لا تظهر كما تظهر الشخصيات في الأعمال التقليدية، بل تتقدّم بوصفها تمثيلات فكرية. فسالم، مثلًا، لا يأتي بطلاً، بل كيانًا تتصارع في داخله الأصوات والصمت، القرية والمدينة، الذاكرة والدهشة. هو مساحة يتحرّك فيها السؤال، ويكشف من خلالها النصّ أن التحوّل الإنساني الحقيقي لا يحدث خارج اللغة بل داخلها، وأن الإنسان لا يتغيّر حين ينتقل من مكان إلى آخر، بل حين تنتقل لغته من زمن إلى زمن. أمّا ميّ، فهي الوجه المقابل لهذا الوعي، الفكرة حين تتجسّد، والثقة الهادئة التي تمنح الفكرة وضوحها. ليست حضورًا عاطفيًا في حياة سالم، بل مرآة تكشف ما ينقصه، ومجالًا معرفيًا يوسّع إدراكه ويعيد توجيه أسئلته.
وفي هذا الامتزاج بين الشخصيات واللغة، يغدو الزمن والمكان جزءً من البنية الفكرية، لا إطارًا خارجيًا. فالريف لا يظهر بوصفه تربة وبساتين ووجوهًا ريفية، بل بوصفه الزمن الأول للغة، زمنًا تولد فيه الكلمات من الطبيعة وتتشكل من الصمت، حيث يصير الصوت امتدادًا لنبض الأشياء. أما المدينة، ودمشق على وجه الخصوص، فهي زمنٌ آخر للغة؛ يتحوّل فيه الحسّ إلى سؤال، والانفعال إلى فكرة، والخبرة إلى نظام معرفي. وهكذا لا يكون الانتقال من الريف إلى المدينة انتقالًا جغرافيًا، بل عبورًا من لغة الطبيعة إلى لغة الفكر، ومن عفوية المعنى إلى نظامه.
ولأن الرواية تتحرّك داخل هذا النسيج الدقيق، فإن تقنياتها السردية تأتي في خدمة مشروعها الدلالي، لا في خدمة الإيقاع الدرامي. فالسرد يجري داخل الوعي أكثر مما يجري خارجه، ما يجعل الإيقاع متروّيًا، لكنه في الوقت نفسه عميقًا، متوغّلًا في الطبقة التي تتشكّل فيها الفكرة قبل أن تظهر. حتى الحوار لا يأتي بوظيفته التقليدية، بل يظهر أقرب إلى حوار فكري، أقرب إلى درس مستتر في الدلالة والبلاغة، حيث الكلمة تُفتح كما يُفتح كتابٌ قديم، فينبثق منها زمنٌ ومعنى. المفردات نفسها تتحوّل إلى مفاتيح دلالية: الهوى، النسيء، السياق… كل كلمة تُقرأ لا بما تقوله، بل بما تلمّح إليه من تاريخها وامتدادها.
وبهٰذا البناء لم تكن «معانٍ في ظلال الكلمات» روايةً تروي أحداثًا، بل كانت كشفًا لوعيٍ يتخلَّق.
إنّها رحلةٌ إلى اللحظة التي ينبثق فيها المعنى من جوف الكلمة، وتنبثق الكلمة من جوف الإنسان، فيصير كلٌّ منهما مرآةً لصاحبه، وصدىً لا يكتمل إلا به.
نعمان البربري
دبي – واحة السيليكون
الخميس الواقع في الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة من العام الهجري1437
الموافق لـ 2016/08/25 من العام المـيلادي
