يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
— بِدَايَةُ الرِّوَايَةِ
قَالَ الصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ — وَكَانَ صَوْتاً مِنْ كُلِّ الأَصْوَاتِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَمَا يَكُونُ النَّهْرُ صَوْتاً مِنْ كُلِّ قَطَرَاتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
— التَّارِيخُ لَمْ يَكُنْ خَطَأً.
كَانَ جُزْءاً مِنَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ.
وَكُلُّ مَنْ مَشَى فِيهِ — بِيَقِينِهِ وَشَكِّهِ،
بِعَقْلِهِ وَعِشْقِهِ،
بِصَلَابَتِهِ وَانْكِسَارِهِ — لَمْ يَمْشِ وَحْدَهُ.
كَانَ اللهُ يَعْلَمُ أَيْنَ يَسِيرُ.
وَالإِنْسَانُ كَانَ حُرًّا فِي كَيْفَ يَسِيرُ.
وَفِي الآخِرَةِ سَيَلْتَقِيَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَامِلَةً.
وَقَفَ بَعْدَهَا صَمْتٌ لَهُ ثِقَلُ الذَّهَبِ وَخِفَّةُ الْهَوَاءِ.
ثُمَّ أَضَافَ الصَّوْتُ بِنَبْرَةٍ فِيهَا مِنَ الصِّدْقِ مَا يَجْعَلُ الْكَلِمَةَ تَصِلُ قَبْلَ أَنْ تُفْهَمَ:
— أَمَّا هُنَا… فَالأَمَانَةُ مَا زَالَتْ فِي الأَيْدِي.
وَهِيَ ثَقِيلَةٌ.
وَهِيَ جَمِيلَةٌ.
بِالْقَدْرِ ذَاتِهِ.
آخِرُ مَنْ بَقِيَ وَاقِفاً كَانَ أَنَسٌ — الطِّفْلُ ذُو الْعَشْرِ سَنَوَاتٍ،
الَّذِي يَسْأَلُ أَسْئِلَةً لَا يَجْرُؤُ الْكِبَارُ عَلَى طَرْحِهَا لَا لِجَهْلِهِمْ بِهَا،
بَلْ لِأَنَّهُمْ تَعَلَّمُوا الْخَوْفَ مِنْهَا.
نَظَرَ إِلَى الْجَمِيعِ.
نَظَرَةَ طِفْلٍ لَا يَعْرِفُ أَنَّ نَظَرَتَهُ تُحْرِجُ.
وَهَذَا بِالذَّاتِ هُوَ مَا جَعَلَهَا أَصْدَقَ نَظَرَةٍ فِي الْمَكَانِ.
قَالَ بِتِلْكَ الْبَرَاءَةِ الَّتِي تُحْرِجُ الْفَلَاسِفَةَ وَتُسْعِدُ الْقُلُوبَ:
— إِذاً… اللهُ لَمْ يَغْضَبْ؟
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ مُبَاشَرَةً.
لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ أَبْسَطَ مِنْ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ الإِجَابَاتُ الْكَبِيرَةُ،
وَأَعْمَقَ مِنْ أَنْ يَكْتَفِيَ بِإِجَابَةٍ صَغِيرَةٍ.
لَكِنَّ سَلْمَى نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
تِلْكَ الْعَجُوزُ الَّتِي رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ طِفْلَةً وَحَفِظَتْهُ فِي عَيْنَيْهَا تِسْعَةَ عُقُودٍ.
وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ بِتِلْكَ الْحَنَانَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى اسْمٍ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَوَابُ الْكَافِي.
لَيْسَ لِأَنَّهُ أَجَابَ عَلَى السُّؤَالِ.
بَلْ لِأَنَّهُ أَحَاطَهُ.
لَمْ تَكُنْ نِهَايَةً.
كَانَتِ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَصِيرُ فِيهَا السُّؤَالُ بَيْتاً لَا سِجْناً.
وَالتَّارِيخُ شَاهِداً لَا قَاضِياً.
وَالإِنْسَانُ — بِكُلِّ مَا حَمَلَ وَأَخْطَأَ وَأَحْسَنَ وَسَأَلَ وَعَادَ وَسَأَلَ مَرَّةً أُخْرَى — عَبْداً حُرًّا يَسِيرُ نَحْوَ رَبٍّ لَا يُحَاسِبُ قَبْلَ الأَوَانِ،
وَلَا يَتْرُكُ أَحَداً يَسِيرُ فِي الظَّلَامِ مُطْلَقاً.
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
فَجْرٌ بِلَا صَوْتٍ
“الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً” ـ الْمَائِدَة: ٣
أَوَّلاً: الْمَدِينَةُ — رَبِيعُ الأَوَّلِ، السَّنَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ
لَمْ يَكُنِ الْفَجْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُخْتَلِفاً فِي شَكْلِهِ.
جَاءَ كَمَا يَأْتِي دَائِماً — خَطٌّ رَفِيعٌ مِنَ الضَّوْءِ يَشُقُّ الأُفُقَ فَوْقَ جِبَالِ الْحِجَازِ،
بِبُطْءٍ يُشْبِهُ التَّرَدُّدَ،
كَأَنَّ النُّورَ نَفْسَهُ يَعْرِفُ أَنَّ مَا سَيُضِيئُهُ الْيَوْمَ لَيْسَ كَمَا كَانَ بِالأَمْسِ،
وَيَتَهَيَّبُ الإِضَاءَةَ.
الْهَوَاءُ كَانَ هَوَاءَ الْمَدِينَةِ — حَامِلاً رَائِحَةَ التُّرَابِ وَالنَّخِيلِ وَشَيْئاً آخَرَ يَجْعَلُ الْمَدِينَةَ مَدِينَةً وَلَا يَجْعَلُ غَيْرَهَا إِيَّاهَا — كَأَنَّ الْمَكَانَ يَحْمِلُ ذَاكِرَةً مِنَ التُّرَابِ نَفْسِهِ.
الطَّيْرُ بَدَأَ.
النَّخْلُ صَمَتَ.
وَالْمَسْجِدُ كَانَ يَسْتَيْقِظُ كَمَا يَسْتَيْقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ.
لَكِنَّ شَيْئاً — شَيْئاً لَا تَسْتَطِيعُ سَلْمَى بِنْتُ الْمَخْزُومِيِّ أَنْ تُسَمِّيَهُ حَتَّى الْيَوْمَ،
وَقَدْ حَاوَلَتْ أَلْفَ مَرَّةٍ — كَانَ مُخْتَلِفاً.
لَيْسَ فِي الْهَوَاءِ.
لَيْسَ فِي الضَّوْءِ.
بَلْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَلْمَسُ بِهَا الْهَوَاءُ الْجِلْدَ — كَأَنَّ الْعَالَمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ بِطَرِيقَةٍ مُغَايِرَةٍ قَلِيلاً دُونَ أَنْ يُغَيِّرَ ملَامِحَهُ.
كَانَتْ سَلْمَى فِي السَّابِعَةَ عَشَرَ مِنْ عُمْرِهَا.
لَمْ تَكُنْ جَمِيلَةً بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَصِفُهَا الشُّعَرَاءُ — لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْجَمَالِ الَّذِي يَسْتَوْقِفُ الْعَيْنَ وَيَطْلُبُ منها أَنْ تَنْظُرَ.
لَكِنَّ فِي عَيْنَيْهَا شَيْئاً آخَرَ — كَانَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا يَشْعُرُ فَجْأَةً أَنَّهَا تَرَى أَكْثَرَ مِمَّا يَرَاهُ.
عُيُونٌ تَحْفَظُ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ كَمَا يَحْفَظُ الْحَجَرُ الأَثَرَ — دُونَ قَصْدٍ،
دُونَ جُهْدٍ،
دُونَ نِسْيَانٍ.
الْعُيُونُ الَّتِي تَحْفَظُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْإِرَادَةِ — تَفْعَلُهُ لأَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ مَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ.
كَانَتْ تَحْمِلُ جَرَّةَ الْمَاءِ مِنَ الْبِئْرِ إِلَى بَيْتِ عَمَّتِهَا حِينَ سَمِعَتِ الصَّوْتَ.
لَمْ يَكُنْ صَوْتاً مِنَ الْخَارِجِ.
كَانَ صَوْتاً فِي الْهَوَاءِ — أَوْ فِي النَّاسِ — أَوْ فِي تِلْكَ الْمَسَافَةِ الرَّقِيقَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْهَوَاءِ حِينَ يَكُونُ الْخَبَرُ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَحْمِلَهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ.
كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَنْتَقِلُ مِنْ فَمٍ إِلَى فَمٍ كَمَا تَنْتَقِلُ النَّارُ فِي الْهَشِيمِ — لَكِنَّ هَشِيمَ ذَلِكَ الصَّبَاحِ كَانَ مَبْلُولاً بِالدُّمُوعِ لَا بِالْمَاءِ،
فَكَانَتِ النَّارُ تَنْتَقِلُ وَتُحْرِقُ وَتَبْكِي فِي آنٍ:
— مَرِضَ.
وَضَعَتِ الْجَرَّةَ عَلَى الأَرْضِ.
لَمْ تَنْكَسِرْ.
وَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهَا.
كَأَنَّ مَا حَدَثَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَشْغَلَ نَفْسَهَا بِمَا قَدْ يَنْكَسِرُ أَوْ لَا يَنْكَسِرُ.
مَشَتْ نَحْوَ صَوْتِ الْكَلِمَةِ — نَحْوَ الْمَسْجِدِ،
نَحْوَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ،
نَحْوَ ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ هُوَ مَرْكَزَ كُلِّ شَيْءٍ:
كُلَّ سُؤَالٍ،
كُلَّ جَوَابٍ،
كُلَّ فَجْرٍ،
كُلَّ عَتَمَةٍ.
الْمَرْكَزُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ وَتَدُورُ حَوْلَهُ الْأَشْيَاءُ — وَلَمْ تَتَخَيَّلْ يَوْماً أَنَّ الْمَرَاكِزَ أَيْضاً قَدْ تَتَحَرَّكُ،
أَوْ قَدْ تَرْحَلُ.
النَّاسُ كَانُوا يَمْشُونَ بِنَفْسِ الاتِّجَاهِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَدَافُعٌ — وَهَذَا مَا لَاحَظَتْهُ وَلَمْ تَنْسَهُ.
النَّاسُ لَا يَتَدَافَعُونَ حِينَ يَخَافُونَ الْخَوْفَ الْحَقِيقِيَّ.
يَمْشُونَ بِبُطْءٍ غَرِيبٍ،
كَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ تَعْرِفُ مَا لَا تُرِيدُ عُقُولُهُمْ مَعْرِفَتَهُ،
فَتَتَعَمَّدُ الإِبْطَاءَ — كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَمُدَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي مَا زَالَ فِيهَا الشَّيْءُ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ.
فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ عنِ البَابِ وَقَفَ جُبَيْرُ بْنُ ظَالِمٍ.
كَانَ فِي الْخَامِسَةِ وَالأَرْبَعِينَ،
عَرِيضَ الْكَتِفَيْنِ،
وَجْهُهُ مَحْفُورٌ بِالسِّنِينَ وَالشَّمْسِ وَشَيْءٍ يُشْبِهُ الدَهَشَ المُقِيمَ— كَأَنَّهُ مَا زَالَ يَسْتَيْقِظُ عَلَى الإِسْلَامِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ،
غَيْرَ مُصَدِّقٍ تَمَاماً أَنَّ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ الَّذِي يَمْتَدُّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ هُوَ حَظُّهُ مِنَ الْحَيَاةِ — هُوَ،
رَجُلُ الْقَبِيلَةِ الَّذِي أَسْلَمَ مُتَأَخِّراً وَمَا زَالَ يَشْعُرُ بِبَعْضِ التَّأَخُّرِ فِي دَاخِلِهِ.
رَآهَا تَقْتَرِبُ وَقَالَ بِصَوْتٍ أَجَشَّ،
الصَّوْتِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَاتٍ لَا تُؤْلِمُ أَكْثَرَ مِمَّا تُوْضِحُ:
— لَا تَذْهَبِي الآنَ.
— لِمَاذَا؟
تَرَدَّدَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ،
بَلْ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ ثَقِيلاً عَلَى اللِّسَانِ — ثِقَلَ شَيْءٍ تَعِيشُهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَلَا تَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً فِي مَا تَعَلَّمْتَهُ مِنَ الْكَلَامِ.
— الْمَكَانُ مُمْتَلِئٌ.
وَالْخَبَرُ…
لَمْ يُكْمِلْ.
نَظَرَ إِلَى النَّخْلَةِ أَمَامَهُ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بَدَلاً مِنْهُ — وَالنَّخْلَةُ،
بِحِكْمَتِهَا الصَّامِتَةِ،
لَمْ تَفْعَلْ.
قَالَتْ سَلْمَى:
— الْخَبَرُ وَصَلَ إِلَيَّ.
— إِذاً لِمَاذَا تَسْأَلِينَ؟
— لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ شَخْصٍ رَآهُ بِعَيْنَيْهِ.
لَا مِنَ الْهَوَاءِ.
الْهَوَاءُ يَنْقُلُ الْخَبَرَ.
الْعَيْنُ تَنْقُلُ مَا وَرَاءَهُ.
جَلَسَا عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ الْبَابِ.
فِي الدَّاخِلِ كَانَتْ أَصْوَاتٌ — نِسَاءٌ يَبْكِينَ بِطَرِيقَةٍ لَا تُشْبِهُ الْبُكَاءَ الْعَادِيَّ، ذَلِكَ الْبُكَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ فِي الْجِسْمِ.
رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأَصْوَاتٍ مُنْخَفِضَةٍ جِدًّا، كَأَنَّ الْكَلَامَ نَفْسَهُ كَانَ يَخْجَلُ مِنْ نَفْسِهِ — مِنِ اسْتِمْرَارِهِ فِي مَكَانٍ يَحْدُثُ فِيهِ هَذَا.
قَالَ جُبَيْرٌ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ كَانَ فِيهِ يُرَتِّبُ كَلِمَاتٍ تَأْبَى الترتيبَ:
— رَأَيْتُهُ أَمْسِ.
كَانَ… كَانَ يَتَكَلَّمُ.
لَكِنَّ الْكَلَامَ كَانَ فِيهِ تَعَبٌ.
— أَيُّ تَعَبٍ؟
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ.
— تَعَبُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُوَدِّعُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُحْزِنَ مَنْ يُوَدِّعُهُ.
ذَلِكَ التَّعَبُ الَّذِي يَظْهَرُ لَا فِي الصَّوْتِ بَلْ فِي طَرِيقَةِ النَّظَرِ — كَأَنَّهُ يَنْظُرُ وَيَحْفَظُ فِي آنٍ.
صَمَتَتْ سَلْمَى.
وَفِي صَمْتِهَا كَانَ شَيْءٌ يشْبِهُ مَنْ يَتَلَقَّى ضَرْبَةً وَيَقِفُ بَعْدَهَا مُسْتَقِيماً — لَيْسَ لِأَنَّ الضَّرْبَةَ لَمْ تُؤْلِمْ،
بَلْ لِأَنَّ الْوُقُوفَ كَانَ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الْمُمْكِنَ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— وَمَاذَا قَالَ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا جُبَيْرٌ.
وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الارْتِبَاكَ — لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَذْكُرُ،
بَلْ لِأَنَّ مَا يَذْكُرُهُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى نَقْلِهِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا.
قَالَ:
— قَالَ أَشْيَاءَ.
قَالَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
لَكِنَّ الَّذِي عَلِقَ فِي قَلْبِي…
قَالَ:
“تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا.
كِتَابَ اللهِ.”
تَوَقَّفَ.
— وَقَالَ أَشْيَاءَ أُخْرَى.
لَكِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَعْدُ عَلَى مَا قَالَهُ بِالضَّبْطِ.
كُلٌّ حَفِظَ مَا وَصَلَ إِلَى قَلْبِهِ.
وَالْقُلُوبُ لَا تَحْفَظُ بِالتَّسَاوِي.
وَفِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ كَانَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحِكْمَةَ الَّتِي لَا يَعْرِفُ صَاحِبُهَا أَنَّهَا حِكْمَةٌ — تِلْكَ الْحِكْمَةُ الَّتِي لَوْ عَرَفَ صَاحِبُهَا أَنَّهَا حِكْمَةٌ لَمَا قَالَهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي تَصِلُ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ رَجُلٌ.
كَانَ فِي الثَّلَاثِينَ.
وَجْهُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْخَوْفِ — لَيْسَ الْخَوْفَ الَّذِي يَجْعَلُكَ تَهْرُبُ، بَلِ الْخَوْفَ الَّذِي يَجْعَلُكَ تَقِفُ وَلَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَخْطُو.
يَمْشِي كَمَنْ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي عَالَمٍ تَغَيَّرَ تَغَيُّراً لَا يَظْهَرُ عَلَى أَرْضِهِ لَكِنَّهُ يَظْهَرُ عَلَى أَرْضِيَّةِ كُلِّ شَيْءٍ.
رَآهُمَا وَتَوَقَّفَ.
قَالَ لِجُبَيْرٍ دُونَ مُقَدِّمَةٍ، لِأَنَّ بَعْضَ الأَخْبَارِ تَأْبَى الْمُقَدِّمَاتِ:
— سَمِعْتَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؟
— مَاذَا قَالَ؟
— قَالَ إِنَّ الْقَلَمَ وَالْقِرْطَاسَ… أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ…
تَلَعْثَمَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُ، بَلْ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُتَشَابِكاً فِي صَدْرِهِ كَخُيُوطٍ لَمْ تَجِدْ بَعْدُ مِغْزَلَهَا.
— اخْتَلَفُوا.
اخْتَلَفُوا دَاخِلَ الْبَيْتِ وَالرَّجُلُ مَا زَالَ…
لَمْ يُكْمِلْ.
جَلَسَ عَلَى الأَرْضِ فَجْأَةً كَأَنَّ رُكْبَتَيْهِ تَخَلَّيَتا عَنْهُ — لَيْسَ مِنَ التَّعَبِ بَلْ مِنَ ثِقَلِ مَا يَحْدُثُ.
قَالَ بِصَوْتٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ،
صَوْتِ مَنْ يَسْأَلُ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ أَنْ لَّا يَسْأَلَ:
— كَيْفَ يَخْتَلِفُونَ الآنَ؟
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ؟
وَالرَّجُلُ…
لَمْ يُكْمِلْ.
لِأَنَّ الْجُمْلَةَ لَا تَحْتَاجُ إِكْمَالاً.
وَلِأَنَّ إِكْمَالَهَا كَانَ سَيُؤَكِّدُ شَيْئاً لَا يُرِيدُ تَأْكِيدَهُ.
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ.
لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ.
كَانَ يَبْحَثُ عَنْ أَحَدٍ يَحْمِلُهُ مَعَهُ — وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَسْئِلَةِ لَا يَجِدُ جَوَاباً لِأَنَّ الْجَوَابَ لَيْسَ مَا يَحْتَاجُهُ.
يَحْتَاجُ حُضُوراً.
وَكَانَ الثَّلَاثَةُ يُقَدِّمُونَهُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ أَنْ يُسَمُّوهُ.
قَالَتْ سَلْمَى — وَكَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الأُفُقِ حَيْثُ الشَّمْسُ تَصْعَدُ بِبُطْءٍ لَا يَرْحَمُ وَلَا يَتَوَقَّفُ:
— أَبِي قَالَ لِي مَرَّةً:
“حِينَ يَغِيبُ مَنْ تُحِبُّ،
لَا تَبْكِ عَلَى غِيَابِهِ.
ابْكِ عَلَى اللَّحْظَةِ الَّتِي سَتَكْتَشِفُ فِيهَا أَنَّكَ لَمْ تَفْهَمْهُ بِالْكَامِلِ وَهُوَ حَاضِرٌ.”
الْتَفَتَ إِلَيْهَا جُبَيْرٌ.
— أَبُوكِ حَكِيمٌ.
— أَبِي مَاتَ فِي أُحُدٍ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَا زَالَتْ حَيَّةً.
وَفِي هَذَا وَحْدَهُ — أَنَّ الرَّجُلَ مَاتَ وَبَقِيَتْ جُمْلَتُهُ — كَانَ جَوَابٌ عَلَى سُؤَالٍ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ بَعْدُ.
لَكِنَّهُ كَانَ السُّؤَالَ الَّذِي سَيَحْكُمُ الْقُرُونَ الْقَادِمَةَ:
مَاذَا يَبْقَى حِينَ يَرْحَلُ مَنْ نَحَبُّ؟
جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكَاتِبُ مُسْرِعاً مِنَ الْجِهَةِ الأُخْرَى.
كَانَ يَحْمِلُ لَوْحاً وَقَلَماً — عَادَتُهُ الَّتِي لَا يَتْرُكُهَا،
كَأَنَّ الْعَالَمَ حِينَ يَتَكَلَّمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ دُونَ أَنْ يَكْتُبَ أَحَدٌ مَا يَقُولُ.
كَأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي لَا تُكْتَبُ تَصِيرُ أَقَلَّ حَقِيقَةً،
وَهُوَ لَا يُرِيدُ لِشَيْءٍ أَنْ يَصِيرَ أَقَلَّ حَقِيقَةً.
وَقَفَ أَمَامَهُمْ وَقَالَ بِنَفَسٍ مُتَقَطِّعٍ:
— الْخَبَرُ رَسْمِيٌّ الآنَ.
أَبُو بَكْرٍ خَرَجَ وَأَعْلَنَ.
تَوَقَّفَ لِيَتَنَفَّسَ.
وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي سَتَأْتِي كَانَتْ هِيَ نَفْسُهَا تَتَنَفَّسُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ.
— قَالَ:
“مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ.
وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ.”
صَمَتَ.
ثُمَّ وَضَعَ اللَّوْحَ وَالْقَلَمَ عَلَى الأَرْضِ.
وَلِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ لَمْ يَكْتُبْ.
وَكَانَ هَذَا — لِمَنْ يَفْهَمُ مَنْ هُوَ — الْبُكَاءُ الأَصْدَقُ.
الشَّمْسُ صَعِدَتْ.
وَالْمَدِينَةُ — تِلْكَ الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَتْ لِعَشْرِ سَنَوَاتٍ تَعِيشُ فِي حَضْرَةِ مَعْنىً مُبَاشِرٍ،
فِي ضَوْءٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ،
فِي هُدىً يَأْتِي حِينَ يَأْتِي السُّؤَالُ كَمَا يَأْتِي الْمَاءُ حِينَ تَجُوعُ الأَرْضُ — وَقَفَتِ الآنَ أَمَامَ شَيْءٍ لَمْ تَقِفْ أَمَامَهُ مِنْ قَبْلُ.
الصَّمْتُ.
لَيْسَ صَمْتَ الْفَرَاغِ الَّذِي يُخِيفُ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ.
بَلْ صَمْتُ الامْتِلَاءِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ بَعْدُ لُغَتَهُ — ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ وَيَنْتَظِرُ مَنْ يُفَرِّغُهُ إِلَى كَلِمَاتٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ الصَّمْتِ — لَا مِنَ الضَّوْضَاءِ — وُلِدَ كُلُّ مَا جَاءَ بَعْدَهُ.
ثَانِياً: بَعْدَ الظُّهْرِ — فِي الْمَسْجِدِ
تَجَمَّعَ الرِّجَالُ.
لَمْ يَكُنْ تَجَمُّعَ “مَجْلِسِ شُورَى” — أَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُوداً أَنْ يَكُونَ.
لَكِنَّ النَّاسَ حِينَ يَخْسَرُونَ مَرْكَزَ ثِقَلِهِمْ يَتَجَمَّعُونَ تِلْقَائِيًّا كَالْمَاءِ حِينَ يَنْكَسِرُ إِنَاؤُهُ يَلْتَمِسُ أَدْنَى مَكَانٍ — لَيْسَ لِأَنَّ الأَسْفَلَ هُوَ الْهَدَفُ، بَلْ لِأَنَّ الاجْتِمَاعَ نَفْسَهُ يُخَفِّفُ.
كَانَ جُبَيْرٌ جَالِساً فِي الصَّفِّ الْخَلْفِيِّ — مَوْقِعُهُ الدَّائِمُ الَّذِي اخْتَارَهُ لَيْسَ تَوَاضُعاً بَلْ رُؤْيَةً.
مِنَ الْخَلْفِ تَرَى كُلَّ شَيْءٍ.
لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ،
لَكِنَّهُ كَانَ دَائِماً مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ — يَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ،
يُعَلِّقُ عَلَى أَشْيَاءَ قَلِيلَةٍ،
وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَانَ مَشْغُولاً بِالتَّكَلُّمِ.
كَانَ بِجَانِبِهِ ضِرَارُ بْنُ الأَسْوَدِ — الْحَارِسُ،
الرَّجُلُ الَّذِي يَعِيشُ الإِسْلَامَ فِي خُطُوَاتِهِ لَا فِي مَجَالِسِهِ،
الَّذِي لَا يَعْرِفُ نَصَّ الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّهُ يَعِيشُ جَوَابَهَا.
هَمَسَ ضِرَارٌ لِجُبَيْرٍ:
— يَتَكَلَّمُونَ كَثِيراً.
— هَذَا طَبِيعِيٌّ.
— لَكِنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ الْخِلَافَةِ.
وَالرَّجُلُ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ جُبَيْرٌ.
— مَاذَا تُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا عَنْها؟
فَكَّرَ ضِرَارٌ بِجِدِّيَّةٍ مُزْعِجَةٍ — تِلْكَ الْجِدِّيَّةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ مَنْ لَا يُفَكِّرُ لِلنِّقَاشِ بَلْ لِيَفْهَمَ فِعْلاً.
— لَا أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ وَقْتاً لِكُلِّ شَيْءٍ.
وَوَقْتُ الْخِلَافَةِ لَيْسَ الآنَ.
— وَمَنْ يُقَرِّرُ الْوَقْتَ؟
— كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ وَاضِحٌ.
ابْتَسَمَ جُبَيْرٌ ابْتِسَامَةً لَمْ تَكُنْ سَعِيدَةً — كَانَتِ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الإِجَابَةَ الصَّحِيحَةَ أَكْثَرُ إِيلَاماً مِنَ السُّؤَالِ:
— كَانَ وَاضِحاً. مُنْذُ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ كَانَ وَاضِحاً.
الآنَ…
لَمْ يُكْمِلْ.
وَنَظَرَ إِلَى الأَمَامِ حَيْثُ كَانَ الرِّجَالُ يَتَكَلَّمُونَ — وَفِي نَظْرَتِهِ كَانَ فَهْمٌ حَزِينٌ لِشَيْءٍ:
أَنَّ الْوُضُوحَ لَمْ يَكُنْ خَاصِيَّةَ الأَشْيَاءِ، بَلْ خَاصِيَّةَ الْوُجُودِ الَّذِي يُضِيئُهَا.
فِي طَرَفِ الْمَجْلِسِ الآخَرِ كَانَ مَسْرُوقٌ يَكْتُبُ — أَوْ يُحَاوِلُ.
وَضَعَ الْقَلَمَ.
رَفَعَهُ.
وَضَعَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
الْكَلِمَاتُ لَا تَأْتِي — لَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يَكْتُبُ،
بَلْ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتُبَ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ هُوَ الأَصْعَبُ — مَعْرِفَةٌ تَعْرِفُ حَدُودَهَا وَتَتَأَلَّمُ مِنْهَا.
قَالَ لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ:
— كَيْفَ أَكْتُبُ مَا رَأَيْتُهُ دُونَ أَنْ يُصْبِحَ مَا أَكْتُبُهُ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ مِمَّا رَأَيْتُ؟
وَكَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الأُولَى — لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنِ الأَخِيرَةَ — الَّتِي يَطْرَحُ فِيهَا هَذَا السُّؤَالَ.
وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ — سُؤَالُ الأَمَانَةِ فِي النَّقْلِ — سَيَطْرَحُهُ كُلُّ مَنْ يَكْتُبُ أَوْ يَنْقُلُ أَوْ يَرْوِي،
إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.
وفي الْخَارِجِ بَعيداً عن سَقيفةِ بَنِي سَاعِدَة وَقَفَتْ زَيْنَبُ الْكُوفِيَّةُ.
لَمْ تَكُنْ مِنَ الْمَدِينَةِ.
جَاءَتْ قَبْلَ شَهْرَيْنِ مَعَ أَبِيهَا لِزِيَارَةِ أَقَارِبَ،
وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَشْهَدُ هَذَا الْيَوْمَ — ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ التَّارِيخُ عَلَى عَتَبَةٍ جَدِيدَةٍ وَيَتَرَدَّدُ قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ.
كَانَتْ تُرِيدُ الدُّخُولَ.
وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُهَا صَرَاحَةً.
لَكِنَّ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِي تَرْتِيبِ الْمَكَانِ — الرِّجَالُ هُنَا،
الرِّجَالُ هُنَاكَ،
الْكَلَامُ لِلرِّجَالِ — جَعَلَ دُخُولَهَا يَحْتَاجُ إِلَى قَرَارٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ إِلَى مَكَانٍ يُفْتَرَضُ أَنَّهُ لِلْجَمِيعِ.
وَقَفَتْ.
مَرَّتْ بِهَا سَلْمَى.
قَالَتْ زَيْنَبُ:
— هَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ أَدْخُلَ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهَا سَلْمَى،
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الدَّاخِلِ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى — نَظْرَةَ مَنْ يَرَى السُّؤَالَ وَيَرَى أَيْضاً كُلَّ مَا سَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ فِي السَّنَوَاتِ وَالْقُرُونِ الْقَادِمَةِ.
قَالَتْ:
— لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
— لَكِنَّ أَحَداً لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يَجُوزُ.
— هَذَا الْفَارِقُ الَّذِي سَيُتْعِبُنَا كَثِيراً فِي السَّنَوَاتِ الْقَادِمَةِ.
لَمْ تَفْهَمْ زَيْنَبُ الْجُمْلَةَ كَامِلاً.
لَكِنَّهَا دَخَلَتْ.
وَكَانَ هَذَا الدُّخُولُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ شَجَاعَةٌ — وَهُوَ بِالذَّاتِ أَشْجَعُ أَنْوَاعِ الشَّجَاعَةِ.
فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ مِنَ سقيفة بني ساعدة ،
جَلَسَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ الأَنْصَارِيَّةُ وَحْدَهَا.
كَانَتْ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ.
تَحْفَظُ آيَاتٍ لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ أَنَّهَا تَحْفَظُهَا.
سَمِعَتْ فِي بَيْتِ أَبِيهَا نِقَاشَاتٍ لَمْ يُقْصَدْ أَنْ تَسْمَعَهَا.
فَهِمَتْ مِنْ تِلْكَ النِّقَاشَاتِ مَا لَمْ يُقْصَدْ أَنْ تَفْهَمَهُ.
لَمْ تَبْكِ.
لَمْ تَكُنْ قَسْوَةً.
كَانَتْ شَيْئاً آخَرَ — كَأَنَّ الْحُزْنَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ بِالدُّمُوعِ،
فَبَقِيَ دَاخِلَهَا يَفْعَلُ فِعْلاً لَا اسْمَ لَهُ بَعْدُ،
وَيَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الْحُزْنِ — إِلَى ذَلِكَ الْوَعْيِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يَكُونُ الأَلَمُ كَافِياً لِيُجْبِرَكَ عَلَى الرُّؤْيَةِ.
جَاءَتْهَا سَلْمَى وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهَا.
لَمْ تَقُلْ شَيْئاً.
وَكَانَ هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الصَّحِيحُ أَنْ يُفْعَلَ.
بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ قَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ:
— يَا سَلْمَى.
— نَعَمْ.
— مَنْ سَيُجِيبُنَا الآنَ؟
لَمْ تَقْصِدْ سُؤَالاً فِقْهِيًّا.
لَمْ تَقْصِدْ مَسْأَلَةً شَرْعِيَّةً.
قَصَدَتْ شَيْئاً أَعْمَقَ وَأَبْسَطَ فِي آنٍ وَاحِدٍ — ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي يَأْتِي لَا لِأَنَّكَ لَا تَعْرِفُ الْجَوَابَ،
بَلْ لِأَنَّ الْوُجُودَ نَفْسَهُ صَارَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ وُجُوداً.
قَالَتْ سَلْمَى:
— لَا أَعْرِفُ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ — بَعْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ مَا يُقَالُ بِسُرْعَةٍ وَمَا يُقَالُ بِصِدْقٍ:
— لَكِنَّ السُّؤَالَ سَيَبْقَى.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْأَلَ.
وَمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْأَلَ لَا يَبْقَى بِلَا جَوَابٍ إِلَى الأَبَدِ.
قَدْ يَتَأَخَّرُ الْجَوَابُ.
لَكِنَّ التَّأَخُّرَ لَيْسَ الْغِيَابَ.
ثَالِثاً: اللَّيْلُ — خَارِجَ الْمَدِينَةِ، قُرْبَ النَّخِيلِ
بَعِيداً عَنِ الْمَجَالِسِ وَالأَصْوَاتِ،
جَلَسَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الأَرْضِ.
جُبَيْرٌ وَضِرَارٌ وَمَسْرُوقٌ.
لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى اللِّقَاءِ.
لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى هَوَاءٍ — إِلَى ذَلِكَ الْفَضَاءِ الَّذِي لَا تَمْلَأُهُ الأَصْوَاتُ وَلَا تُزَاحِمُكَ فِيهِ الأَجْسَادُ — وَوَجَدَ كُلٌّ مِنْهُمُ الآخَرَيْنِ يَبْحَثَانِ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ.
وَكَانَ فِي هَذِهِ المصَادَفةِ الَتِّي لَيْسَتْ مُصَادَفةً مَا يُشْبِهُ الْعَزَاءَ.
النُّجُومُ كَانَتْ وَاضِحَةً بِذَلِكَ الْوُضُوحِ الَّذِي يُؤْلِمُ — لِأَنَّ الأَشْيَاءَ الثَّابِتَةَ تُؤْلِمُ حِينَ يَتَغَيَّرُ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهَا.
قَالَ جُبَيْرٌ أَخِيراً،
بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ كَلَامَهُ قَدْ لَا يَكُونُ صَائِباً لَكِنَّهُ صَادِقٌ:
— فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
حِينَ يَمُوتُ شَيْخُ الْقَبِيلَةِ،
كُنَّا نَبْكِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَخْتَارُ غَيْرَهُ.
كَانَتِ الأُمُورُ بَسِيطَةً.
— وَهَلْ تُرِيدُ الْبَسَاطَةَ الْقَدِيمَةَ؟ — قَالَ مَسْرُوقٌ بِحِدَّةٍ خَفِيفَةٍ لَمْ تَكُنِ اتِّهَاماً بَلْ سُؤَالاً حَقِيقِيًّا.
— لَا. أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ لِمَاذَا صَارَتِ الأُمُورُ أَصْعَبَ وَأَجْمَلَ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
الشَّيْءُ الَّذِي يَصِيرُ أَصْعَبَ وَأَجْمَلَ فِي آنٍ وَاحِدٍ — هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْحَيَاةَ.
صَمَتَ.
ثُمَّ قَالَ ضِرَارٌ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَجْعَلُ كَلَامَهُ يَبْدُو سَاذَجاً حَتَّى تُفَكِّرَ فِيهِ:
— أَنَا لَا أَفْهَمُ كَثِيراً.
لَكِنَّنِي أَفْهَمُ شَيْئاً وَاحِداً.
— مَاذَا؟
— طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ كُنَّا نَسْأَلُ وَيَأْتِي الْجَوَابُ.
الآنَ سَنَسْأَلُ وَنَحْتَاجُ أَنْ نَجِدَ الْجَوَابَ.
هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْجَوَابَ غَابَ.
يَعْنِي أَنَّنَا صِرْنَا مَسْؤُولِينَ عَنِ الْبَحْثِ.
وَالْمَسْؤُولِيَّةُ لَيْسَتْ عِقَاباً — هِيَ كَرَامَةٌ.
نَظَرَ إِلَيْهِ جُبَيْرٌ وَمَسْرُوقٌ.
قَالَ جُبَيْرٌ:
— هَذَا الْكَلَامُ كَبِيرٌ عَلَى رَجُلٍ حَارِسٍ.
ابْتَسَمَ ضِرَارٌ ابْتِسَامَةَ مَنْ لَا يَمْلِكُ وَقْتَ الاعْتِرَاضِ:
— كُنْتُ أَسْمَعُ.
طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ كُنْتُ أَسْمَعُ وَأَنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ.
يَبْدُو أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ عَلِقَ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَرْسٌ لَمْ يَتَعَلَّمُوهُ بَعْدُ:
أَنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَثِيراً وَيَتَكَلَّمُ قَلِيلاً قَدْ يَكُونُ الأَقْدَرَ عَلَى رُؤْيَةِ الْحَقِيقَةِ — لَيْسَ لِأَنَّهُ أَذْكَى،
بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُغْرِقْ رُؤْيَتَهُ فِي كَلَامِهِ.
فِي مَكَانٍ مَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ سَلْمَى تَجْلِسُ وَحْدَهَا عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ.
لَمْ تَكُنْ تَبْكِي.
أَوْ رُبَّمَا كَانَتْ تَبْكِي بِطَرِيقَةٍ لَا تُشْبِهُ الدُّمُوعَ — بِطَرِيقَةِ الصَّمْتِ الَّذِي يُؤَدِّي مَا لَا تُؤَدِّيهِ الدُّمُوعُ.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى سَمَاءٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
نَفْسُ النُّجُومِ.
نَفْسُ الْقَمَرِ.
نَفْسُ الْهَوَاءِ الَّذِي كَانَتْ بِالأَمْسِ لَا تُفَكِّرُ فِي أَنَّهُ سَيَبْقَى حِينَ يَتَغَيَّرُ كُلُّ شَيْءٍ.
الثَّوَابِتُ تَصِيرُ مُؤْلِمَةً حِينَ يَتَغَيَّرُ مَا كَانَ يُضْفِي عَلَيْهَا مَعْنَاهَا.
قَالَتْ فِي سِرِّهَا — أَوْ قَالَتْهَا لِلْهَوَاءِ،
أَوْ قَالَتْهَا لِمَنْ عَلَّمَهَا أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يَجِدُ مَكَانَهُ دَائِماً،
حَتَّى حِينَ لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ مَكَانَهُ:
— الآنَ بَدَأْنَا.
لَمْ يَكُنْ فِي الْجُمْلَةِ حُزْنٌ وَلَا فَرَحٌ. كَانَ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ — خَلِيطٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ وَشَيْءٍ يُشْبِهُ الشَّجَاعَةَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهَا شَجَاعَةٌ.
فِي الْفَجْرِ التَّالِي أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ.
كَانَ نَفْسَ الأَذَانِ.
نَفْسَ الْكَلِمَاتِ.
نَفْسَ الصَّوْتِ الَّذِي يَشُقُّ الْفَضَاءَ كُلَّ يَوْمٍ بِتِلْكَ الثِّقَةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الشَّكَّ.
لَكِنَّ لِمَنْ سَمِعَهُ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ،
بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ — كَانَتْ فِيهِ نَبْرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ.
لَيْسَتْ فِي الصَّوْتِ.
فِي مَنْ يَسْمَعُ.
كَأَنَّ الأَذَانَ كَانَ يَقُولُ الشَّيْءَ ذَاتَهُ الَّذِي كَانَ يَقُولُهُ دَائِماً، لَكِنَّ مَنْ يَسْمَعُهُ كَانَ يَسْمَعُهُ الآنَ بِأُذُنٍ تَعْرِفُ أَنَّ الْكَلِمَاتِ — مِنَ الآنِ فَصَاعِداً — سَتَحْتَاجُ مِنْهُمْ شَيْئاً أَكْثَرَ مِنَ السَّمَاعِ.
سَتَحْتَاجُ الْفَهْمَ.
وَسَتَحْتَاجُ الْحَمْلَ.
وَسَتَحْتَاجُ الْقَرَارَ.
وَسَتَحْتَاجُ — وَهَذَا الأَصْعَبُ — الاعْتِرَافَ بِأَنَّ الْفَهْمَ الَّذِي يَتَوَصَّلُونَ إِلَيْهِ لَنْ يَكُونَ كَامِلاً أَبَداً،
وَأَنَّ هَذَا النَّقْصَ لَيْسَ فَشَلاً — بَلْ هُوَ الْبَابُ الَّذِي يَظَلُّ مَفْتُوحاً.
خَرَجَتْ سَلْمَى إِلَى الصَّلَاةِ.
وَخَلْفَهَا،
بِبُطْءٍ وَبِوُجُوهٍ تَحْمِلُ الأَمْسَ وَتَتَسَاءَلُ عَنِ الْغَدِ،
خَرَجَ الآخَرُونَ.
جُبَيْرٌ يَمْشِي بِخُطُوَاتِهِ الْعَرِيضَةِ الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ — لِأَنَّ الْجِسْمَ أَحْيَاناً يَحْفَظُ عَادَاتَهُ حِينَ يَحْتَاجُ الْعَقْلُ وَقْتاً لِيَتَكَيَّفَ.
ضِرَارٌ يَتَمَتَّمُ بِشَيْءٍ رُبَّمَا كَانَ دُعَاءً وَرُبَّمَا كَانَ تَسَاؤُلاً — وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ حِينَ يَصْدُرَانِ مِنَ الصَّمِيمِ.
مَسْرُوقٌ يَحْمِلُ لَوْحَهُ — لِأَنَّ الْكِتَابَةَ سَتَبْدَأُ مِنَ الآنِ،
وَهُوَ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَيَخَافُ ذَلِكَ وَيَفْخَرُ بِذَلِكَ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أُمُّ كُلْثُومٍ تَمْشِي بِصَمْتٍ مَحْفُورٍ — الصَّمْتُ الَّذِي يَكُونُ أَعْمَقَ الأَصْوَاتِ.
زَيْنَبُ تَمْشِي خَلْفَهَا وَتَنْظُرُ وَتَحْفَظُ — تِلْكَ الطَّرِيقَةُ فِي الْحِفْظِ الَّتِي لَا تَنْسَى لِأَنَّهَا لَا تَحْفَظُ بِالْقَصْدِ بَلْ بِالتَّأَثُّرِ.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَحْمِلُ قَلَمَهُ وَلَا يَحْمِلُ جَوَاباً — وَهَذَا هُوَ الأَمِينُ الْحَقِيقِيُّ:
أَنْ تَحْمِلَ أَدَاةَ التَّسْجِيلِ دُونَ أَنْ تَدَّعِيَ الإِجَابَةَ.
كُلُّهُمْ نَحْوَ الصَّلَاةِ.
كُلُّهُمْ نَحْوَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَقِفُونَ فِيهَا أَمَامَ اللهِ — لَا أَمَامَ نَبِيٍّ يَسْأَلُونَ،
وَلَا وَحْيٍ يَنْزِلُ، بَلْ أَمَامَ مَا أُعْطُوا:
كِتَابٌ، وَعَقْلٌ، وَقَلْبٌ.
وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي — قُرُونٌ مِنَ الاجْتِهَادِ وَالْخَطَأِ وَالصَّوَابِ وَالْبَحْثِ وَالضَّيَاعِ وَالْعَوْدَةِ.
كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَبْدَأْ بَعْدُ.
لَكِنَّ فَجْرَهُ كَانَ هَذَا — هَذَا الْفَجْرُ الَّذِي يُشْبِهُ كُلَّ فَجْرٍ قَبْلَهُ وَيُخَالِفُهُ.
وَلَمْ يَكُنِ الْفَجْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُخْتَلِفاً فِي شَكْلِهِ.
لَكِنَّهُ كَانَ مُخْتَلِفاً فِي كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ.
