يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الْفَصْلُ الثَّانِي:
الْكُوفَةُ — حِينَ بَدَأَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ
“وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً” ـ الإِسْرَاء: ٨٥
أَوَّلاً: الْكُوفَةُ — نَحْوَ السَّنَةِ السَّابِعَةَ عَشَرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ
لَمْ تَكُنِ الْكُوفَةُ مَدِينَةً.
كَانَتْ فِكْرَةً تُحَاوِلُ أَنْ تَصِيرَ مَدِينَةً.
“رُسِمَتْ بِالرِّمَاحِ وَالْقَصَبِ بِأَمْرٍ مِنْ عُمَرَ وَيَدِ سَعْدٍ، قَبْلَ أَنْ تُبْنَى بِالطِّينِ وَاللَّبِنِ”.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ مَا سَيَسْكُنُهَا أَكْبَرُ مِنَ الْحَجَرِ وَأَسْبَقُ مِنْهُ — أَنَّ الأَفْكَارَ تَسْكُنُ قَبْلَ أَنْ تَبْنِيَ.
وُضِعَتْ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ كَأَنَّ سعداً أَرَادَ أَنْ يَقُولَ:
هُنَا لَا جِبَالَ تَحْمِي وَلَا وِدْيَانَ تَحْجُبُ — هُنَا كُلُّ شَيْءٍ مَكْشُوفٌ لِكُلِّ شَيْءٍ.
الْمَسْجِدُ فِي الْوَسَطِ.
الأَحْيَاءُ حَوْلَهُ كَأَشِعَّةٍ تَنْبَثِقُ مِنْ مَرْكَزٍ.
وَالْمَرْكَزُ دَائِماً — الْمِنْبَرُ.
لَيْسَ لِأَنَّ الْمِنْبَرَ حَجَرٌ وَخَشَبٌ — بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ شَيْئاً أَثْقَلَ:
وَعْدَ الْكَلِمَةِ أَنْ تُصْبِحَ قَانُوناً يَحِيَا بِهِ النَّاسُ.
جَاءَ إِلَيْهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
مِنَ الْيَمَنِ وَمِنَ الْحِجَازِ وَمِنَ الشَّامِ وَمِنْ فَارِسَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي تَحْمِلُ مِيرَاثَ آلاَفِ السِّنِينَ أو “مِنَ الأَرْضِ الرَّافِدِيَّةِ الَّتِي شَهِدَتْ حَضَارَاتٍ سَبَقَتِ الإِسْلَامَ بِقُرُونٍ”..
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ فِي جَسَدِهِ ثَقَافَةً، وَفِي لِسَانِهِ لُغَةً،
وَفِي عَادَاتِهِ أَسْئِلَةً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الْمَدِينَةِ لأَنَّ الْمَدِينَةَ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى سُؤَالِهَا — كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يُجِيبُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ السُّؤَالُ.
أَمَّا هُنَا فَقَدِ اجْتَمَعَتِ الأَسْئِلَةُ كُلُّهَا فِي الْهَوَاءِ الْوَاحِدِ،
وَلَمْ تَجِدْ إِلَّا بَعْضَهَا يُجِيبُ عَلَى بَعْضٍ.
فِي الْمَدِينَةِ كَانَتِ الأَسْئِلَةُ تُحَلُّ حِينَ تَنْزِلُ.
فِي الْكُوفَةِ كَانَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَحُلُّوهَا بِأَنْفُسِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الَّذِي سَيَصْنَعُ التَّارِيخَ — لَيْسَ لِأَنَّ الْفَارِقَ جَعَلَ النَّاسَ أَذْكَى أَوْ أَضَلَّ،
بَلْ لأَنَّهُ جَعَلَهُمْ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً:
مَعَ مَسْؤُولِيَّةِ الاخْتِيَارِ جَاءَ ثِقَلُهَا،
وَمَعَ ثِقَلِهَا جَاءَ الاجْتِهَادُ،
وَمَعَ الاجْتِهَادِ جَاءَ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ مَعاً،
وَكِلَاهُمَا كَانَ ضَرُورِيًّا.
فِي سُوقِ الْكُوفَةِ الصَّبَاحِيِّ كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ زِيَادٍ يَمْشِي بِبُطْءِ رَجُلٍ يَرَى الأَشْيَاءَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ — وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْبُطْءِ لَيْسَ تَرَدُّداً، بَلْ هُوَ انْتِبَاهٌ.
كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ.
قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَعَ قَافِلَةٍ تِجَارِيَّةٍ وَبَقِيَ.
لَمْ يَكُنْ قَرَارُ بَقَائِهِ وَاضِحاً حَتَّى لَهُ — لَكِنَّ شَيْئاً فِي الْكُوفَةِ كَانَ يُشْبِهُ سُؤَالاً كَبِيراً لَمْ يُصَغْ بَعْدُ،
وَهُوَ كَانَ دَائِماً مِنَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ مُغَادَرَةَ السُّؤَالِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ شَيْئاً يُشْبِهُ الْجَوَابَ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ بَائِعِ الْخُبْزِ.
كَانَ الْبَائِعُ رَجُلاً فَارِسِيَّ الأَصْلِ اسْمُهُ بَهْرُوزُ،
اعْتَنَقَ الإِسْلَامَ مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ وَمَا زَالَ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ كَلِمَةً كَلِمَةً — تِلْكَ الطَّرِيقَةُ فِي التَّعَلُّمِ الَّتِي تَجْعَلُكَ تَفْهَمُ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْ دَاخِلِهَا لأَنَّكَ اكْتَسَبْتَهَا بِجُهْدٍ لَا بِوِرَاثَةٍ.
قَالَ النُّعْمَانُ:
— بِكَمِ الرَّغِيفُ؟
— دِرْهَمَانِ.
— فِي الْمَدِينَةِ كَانَ بِدِرْهَمٍ.
— فِي الْمَدِينَةِ النَّاسُ أَقَلُّ وَالطَّحِينُ أَكْثَرُ.
هُنَا الْعَكْسُ.
دَفَعَ النُّعْمَانُ دِرْهَمَيْنِ وَأَمْسَكَ الرَّغِيفَ وَقَالَ — لَيْسَ لِيُحَادِثَ،
بَلْ لأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ يَنْتَظِرُ لِسَاناً:
— سَمِعْتُ أَنَّ فِي الْمَسْجِدِ دَرْساً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
أَضَاءَ وَجْهُ بَهْرُوزَ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُضِيءُ بِهَا وَجْهُ مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنْ شَيْءٍ يَعْنِيهِ حَقًّا:
— نَعَمْ. كُلَّ يَوْمٍ. يَأْتِيهِ النَّاسُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ.
— وَمَاذَا يُعَلِّمُ؟
فَكَّرَ بَهْرُوزُ بِجِدِّيَّةٍ لَافِتَةٍ لِرَجُلٍ يَبِيعُ الْخُبْزَ — لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ غَرِيبَةً إِذَا تَذَكَّرْتَ أَنَّ رَجُلاً يَتَعَلَّمُ لُغَةً كَلِمَةً كَلِمَةً يَتَعَلَّمُ مَعَهَا طَرِيقَةً فِي التَّفْكِيرِ:
— يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ.
وَ يُعَلِّمُ الرَّأْيَ.
وَكانَ شَدِيدَ الحَذَرِ مِنَ الرَّأْيِ،
وَكَثِيرًا ما كانَ يَتَوَقَّفُ وَيَقُولُ: “لا أَعْلَمُ”
— الرَّأْيَ؟
— نَعَمْ. حِينَ لَا يَجِدُ فِي الْقُرْآنِ جَوَاباً مُبَاشِراً — يَقُولُ:
“رَأْيِي كَذَا”.
وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ تَمْيِيزاً وَاضِحاً حَتَّى يَعْرِفَ السَّامِعُ مَا هُوَ نَصٌّ وَمَا هُوَ اجْتِهَادٌ.
تَوَقَّفَ النُّعْمَانُ.
— وَهَلْ يَقْبَلُ النَّاسُ “الرَّأْيَ”؟
ابْتَسَمَ بَهْرُوزُ ابْتِسَامَةَ رَجُلٍ اخْتَبَرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ خَلْفِ مِنْضَدَةِ الْبَيْعِ:
— بَعْضُهُمْ يَقْبَلُ.
بَعْضُهُمْ يَرْفُضُ.
وَبَعْضُهُمْ يَسْأَلُ:
هَلِ الرَّأْيُ حَلَالٌ؟
ضَحِكَ النُّعْمَانُ رَغْمَهُ — تِلْكَ الضَّحْكَةُ الَّتِي تَخْرُجُ حِينَ يَتَجَاوَزُ السُّؤَالُ الْحَدَّ الَّذِي يَقِفُ عِنْدَهُ الْعَقْلُ.
— وَمَنْ يُجِيبُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ؟
— ابْنُ مَسْعُودٍ نَفْسُهُ.
وَهَذَا يَجْعَلُ الدَّائِرَةَ تَدُورُ.
ثَانِياً: الْمَسْجِدُ — بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ
كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَجُلاً نَحِيلاً.
هَذَا مَا يُفَاجِئُ مَنْ يَرَاهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ — أَنَّ رَجُلاً بِهَذَا الثِّقَلِ الرُّوحِيِّ وَالْعِلْمِيِّ يَكُونَ فِي جَسَدٍ يَبْدُو أَنَّ الرِّيحَ قَادِرَةٌ عَلَى حَمْلِهِ.
لَكِنَّ مَنْ يَسْمَعُهُ يَفْهَمُ فَوْراً أَنَّ الثِّقَلَ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَسَدِ قَطُّ — كَانَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ وَالَّذِي يَتَكَثَّفُ فِي صَوْتِ مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنَ الصَّمِيمِ.
جَلَسَ عَلَى وِسَادَةٍ فِي مُقَدِّمَةِ حَلْقَةٍ ضَمَّتْ ذَلِكَ الصَّبَاحَ مَا يُقَارِبُ الأَرْبَعِينَ رَجُلاً.
مِنْ أَعْمَارٍ مُخْتَلِفَةٍ وَوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ — لَكِنَّهُمْ جَمِيعاً كَانُوا يَحْمِلُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ نَفْسَ الشَّيْءِ:
شَيْءٌ يُشْبِهُ الْجُوعَ.
لَيْسَ جُوعَ الْمَعِدَةِ — بَلْ جُوعَ مَنْ يَعِيشُ فِي عَالَمٍ يَسْأَلُهُ أَسْئِلَةً لَا يَجِدُ لَهَا جَوَاباً فِي جَيْبِهِ وَيَعْرِفُ أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ جَوَاباً.
كَانَ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ حَارِثُ الْوَرَّاقُ — فِي الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ،
أَصَابِعُهُ دَائِماً مُلَطَّخَةٌ بِالْحِبْرِ،
عَيْنَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِسُرْعَةٍ فَوْقَ الْوُجُوهِ كَأَنَّهُ يَنْسَخُهَا كَمَا يَنْسَخُ الْكُتُبَ — تِلْكَ الْعَادَةُ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا مَنْ اعْتَادَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِكُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي لَا تُحْفَظُ تَضِيعُ.
وَكَانَ بِجَانِبِهِ النُّعْمَانُ بْنُ زِيَادٍ الَّذِي وَصَلَ مُتَأَخِّراً وَوَجَدَ مَكَاناً فِي الْخَلْفِ — وَكَانَ الْخَلْفُ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ مَكَانَ مَنْ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يُرَى.
وَفِي الصَّفِّ الثَّالِثِ كَانَ رَجُلٌ يَجْلِسُ لِوَحْدِهِ قَلِيلاً — يُونُسُ،
حَافِظُ الْقُرْآنِ الْكَفِيفُ،
يَتَّجِهُ وَجْهُهُ نَحْوَ صَوْتِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِاهْتِمَامِ مَنْ يَرَى بِأُذُنَيْهِ — وَالَّذِي يَرَى بِأُذُنَيْهِ يَرَى أَشْيَاءَ لَا يَرَاهَا مَنْ يَرَى بِعَيْنَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ — وَكَانَتْ بِدَايَتُهُ دَائِماً مِنَ الْقُرْآنِ،
لَا مِنْ غَيْرِهِ،
كَأَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ يَبْدَأُ مِنْ هُنَا ثُمَّ يَنْطَلِقُ:
— سَأَلَنِي رَجُلٌ أَمْسِ مَسْأَلَةً لَمْ أَجِدْ لَهَا نَصًّا صَرِيحاً.
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ زَوْجَةً لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
فَمَاذَا لَهَا؟
صَمْتٌ قَصِيرٌ فِي الْحَلْقَةِ — ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ الْعُقُولَ بَدَأَتِ الْعَمَلَ.
— نَظَرْتُ فِي الْقُرْآنِ.
فَوَجَدْتُ آيَةَ الْمُفَوَّضَةِ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِوُضُوحٍ عَنْ هَذِهِ الصُّورَةِ بِالذَّاتِ.
نَظَرْتُ فِيمَا رَأَيْتُهُ وَفِيمَا رَوَاهُ أَصْحَابِي مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُشْبِهُهَا.
فَخَلَصْتُ إِلَى رَأْيٍ.
رَفَعَ رَجُلٌ يَدَهُ:
— وَمَا رَأْيُكَ؟
— تَبَيَّنَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْمِثْلِ فِي حادِثَةٍ مُشابِهَةٍ.
أَنَّ لَها مَهْرَ مِثْلِها — مِثْلَ نِساءِ قَوْمِها.
لِأَنَّ هٰذَا العَدْلَ الَّذِي رَأَيْتُ الإِسْلامَ يَسِيرُ نَحْوَهُ فِي كُلِّ حُكْمٍ.
قَالَ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْخَلْفِ — وَكَانَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ شَيْئاً مِنَ التَّحَدِّي غَيْرِ الْعَدَائِيِّ،
تَحَدِّي مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمَ لَا أَنْ يُعَارِضَ:
— لَكِنَّ هَذَا رَأْيُكَ أَنْتَ.
وَلَيْسَ نَصًّا.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ نَظْرَةً لَا دِفَاعَ فِيهَا وَلَا هُجُومَ.
— نَعَمْ. هُوَ رَأْيِي.
وَأَنَا أُمَيِّزُ بَيْنَ مَا هُوَ نَصٌّ وَمَا هُوَ رَأْيٌ.
فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اللهِ. وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ.
صَمَتَ. ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ فِيهَا وَزْنُ مَنْ يَقُولُ شَيْئاً عَاشَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ:
— لَكِنَّنِي لَوْ صَمَتُّ لأَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ — تَرَكْتُ النَّاسَ فِي حَيْرَةٍ.
وَالنَّاسُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعِيشُوا فِي الْحَيْرَةِ كُلَّ يَوْمٍ.
الْحَيْرَةُ لَيْسَتْ عَدُوَّةَ الإِيمَانِ — لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بَيْتاً يُقِيمُ فِيهِ الإِنْسَانُ.
فِي الْخَلْفِ، هَمَسَ حَارِثُ الْوَرَّاقُ لِلنُّعْمَانِ بِصَوْتٍ لَا يُزْعِجُ الدَّرْسَ:
— هَذِهِ هِيَ الْمُشْكِلَةُ.
— مَا الْمُشْكِلَةُ؟
— أَنَّ الْحَيْرَةَ الْيَوْمِيَّةَ تَحْتَاجُ جَوَاباً.
وَالْجَوَابُ يَأْتِي مِنْ رَجُلٍ.
وَالرَّجُلُ يُخْطِئُ.
لَكِنَّ الْجَوَابَ يَبْقَى — وَيَنْسَى النَّاسُ مَنْ قَالَهُ،
وَيَتَذَكَّرُونَ أَنَّهُ قِيلَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ النُّعْمَانُ:
— وَهَلْ هَذَا سَيِّئٌ؟
فَكَّرَ حَارِثٌ بِطَرِيقَتِهِ الَّتِي تَجْعَلُ كُلَّ تَفْكِيرٍ يَبْدُو كَأَنَّهُ يَحْسُبُ ثَمَناً لِشَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ:
— لَيْسَ سَيِّئاً.
لَكِنَّهُ خَطِيرٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ مُهِمٌّ — السَّيِّئُ تَتَجَنَّبُهُ.
وَالْخَطِيرُ تَتَعَامَلُ مَعَهُ بِيَقَظَةٍ.
بَعْدَ الدَّرْسِ، اقْتَرَبَ النُّعْمَانُ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
كَانَ النَّاسُ يَتَفَرَّقُونَ بِبُطْءٍ — بَعْضُهُمْ يَسْتَمِرُّ فِي النِّقَاشِ مَعَ بَعْضِهِمْ،
وَبَعْضُهُمْ يَمْشِي بِصَمْتِ رَجُلٍ يَهْضُمُ مَا سَمِعَ،
وَبَعْضُهُمْ يَحْمِلُ سُؤَالاً جَدِيداً وُلِدَ مِنَ الإِجَابَةِ.
قَالَ النُّعْمَانُ:
— أَتَيْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَسَمِعْتُ هُنَاكَ أَشْيَاءَ وَسَمِعْتُ هُنَا أَشْيَاءَ.
وَبَعْضُهَا يَخْتَلِفُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ بِعَيْنٍ لَا تَسْتَعْجِلُ — عَيْنُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الأَسْئِلَةَ الصَّادِقَةَ تَحْتَاجُ مَكَاناً قَبْلَ أَنْ تَحْتَاجَ جَوَاباً:
— مَا الَّذِي اخْتَلَفَ؟
— سَمِعْتُ في الْمَدِينَةِ تَوَقُّفاً عِنْدَ مَا نُقِلَ،
وَهُنَا أَسْمَعُ جُرْأَةً عَلَى مَا لَمْ يُنْقَلْ.
— وَمَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ الاثْنَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ؟
تَرَدَّدَ النُّعْمَانُ:
— لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ذَلِكَ صَرَاحَةً. لَكِنْ…
— لَكِنَّكَ تَشْعُرُ بِالتَّنَاقُضِ.
— نَعَمْ.
أَوْمَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِبُطْءٍ — إِيمَاءَةُ مَنْ يَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ انْتَهَى مِنْهُ:
— الشُّعُورُ بِالتَّنَاقُضِ هُوَ بِدَايَةُ الْفَهْمِ.
مَنْ لَمْ يَشْعُرْ بِالتَّنَاقُضِ لَمْ يُفَكِّرْ بَعْدُ — أَوْ فَكَّرَ وَأَغْلَقَ عَقْلَهُ عَلَى نِتِيجَةٍ قَبْلَ أَنْ تَنْضُجَ.
ثُمَّ قَالَ:
— السُّنَّةُ أَصْلٌ.
وَالرَّأْيُ اجْتِهَادٌ حِينَ لَا يَكْفِي النَّصُّ وَحْدَهُ.
“لِأَنَّ البَعْضَ رَأَى أَنَّ الحَياةَ أَوْسَعُ مِنَ النَّصِّ” — لَا لأَنَّ النَّصَّ نَاقِصٌ،
بَلْ لأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَنِ الاتِّسَاعِ.
وَهَذَا الاتِّسَاعُ ليس تَحَدِّياً لِلنَّصِّ — هُوَ دَعْوَةٌ لِلتَّفَكِيرِ فِي النَّصِّ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ مِمَّا اعْتَادَ النَّاسُ.
ثَالِثاً: اللَّيْلُ — فِي بَيْتِ ابْنِ مَسْعُودٍ
لَمْ يَكُنْ مَجْلِسُ اللَّيْلِ رَسْمِيًّا.
كَانَ خَمْسَةُ رِجَالٍ جَلَسُوا بَعْدَ الْعِشَاءِ لأَنَّ أَحَداً مِنْهُمْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَنْتَهِيَ الْيَوْمُ بِسُؤَالٍ بِلَا جَوَابٍ — وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ اللِّقَاءِ هُوَ الَّذِي يُنْتِجُ الفِكْرَ الحَقِيقِيَّ:
لَا لِأَنَّ أَحَداً قَرَّرَ أَنَّهُ سَيُنْتِجُ فِكْراً،
بَلْ لِأَنَّ الصِّدْقَ يَخْرُجُ حِينَ لَا يَكُونُ ثَمَّةَ شَكْلٌ يَحْبِسُهُ.
ابْنُ مَسْعُودٍ وَالنُّعْمَانُ وَحَارِثٌ وَيُونُسُ الأَعْمَى وَرَجُلٌ خَامِسٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ كَثِيراً طَوَالَ اللَّيْلِ —كَانَ اسْمُهُ طَاهِرٌ وَكَانَ قَائِداً عَسْكَرِيًّا، جَاءَ الْكُوفَةَ قَبْلَ سَنَةٍ مَعَ فِرْقَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَبَقِيَ،
وَوَجَدَ الْفِقْهَ يُتْعِبُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتْرُكَهُ — تِلْكَ الْمَفَارَقَةُ الَّتِي تَعِيشُهَا مَعَ كُلِّ مَا يُتْعِبُكَ وَيُعَلِّمُكَ فِي آنٍ.
قَالَ حَارِثُ الْوَرَّاقُ — وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَجَالِسِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنْهُ كَلَامَهُ الْحَقِيقِيَّ،
الَّذِي يَحْجُبُهُ نَهَاراً خَلْفَ تِلْكَ التَّعْلِيقَاتِ الْقَصِيرَةِ الَّتِي تَقْطَعُ النِّقَاشَ:
— أَنَا أَنْسَخُ كَثِيراً.
وَأَقْرَأُ كُلَّ مَا أَنْسَخُ. وَلَاحَظْتُ شَيْئاً.
— مَاذَا لَاحَظْتَ؟ — قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
— أَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي الرِّوَايَاتِ.
نَفْسُ الْحَادِثَةِ يَرْوِيهَا اثْنَانِ بِطَرِيقَتَيْنِ.
وَنَفْسُ الْقَوْلِ يُنْقَلُ بِلَفْظَيْنِ.
وَكِلَا النَّاقِلَيْنِ صَادِقٌ.
صَمَتَ.
— فَمَنْ نُصَدِّقُ؟
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:
— نُصَدِّقُ الأَوْثَقَ.
وَالأَوْثَقُ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ وَأَضْبَطَ وَأَتْقَى.
— لَكِنَّ “الأَتْقَى” يَحْكُمُ عَلَيْهَا مَنْ؟
الْتَفَتَ إِلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ بِنَظْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَلَمَ اللَّطِيفَ — أَلَمَ مَنْ يَرَى أَنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ وَلَا يَمْلِكُ إِجَابَةً تَرْتَاحُ إِلَيْهَا:
— أَنْتَ تَطْرَحُ السُّؤَالَ الَّذِي سَيَشْغَلُ الأُمَّةَ قُرُوناً.
— أَعْرِفُ. لِهَذَا طَرَحْتُهُ.
قَالَ يُونُسُ الأَعْمَى — وَكَانَ صَوْتُهُ دَائِماً يَأْتِي مِنْ مَكَانٍ يَبْدُو أَعْمَقَ مِمَّا يُوحِي بِهِ جَسَدُهُ،
كَأَنَّ الصَّوْتَ يُسَافِرُ مَسَافَةً أَطْوَلَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ:
— أَنَا لَا أَرَى. وَهَذَا يَجْعَلُنِي أَسْمَعُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْجَمِيعُ — أَوْ بِالأَحْرَى، اتَّجَهُوا نَحْوَهُ.
— حِينَ يَتَكَلَّمُ رَجُلَانِ بِنَفْسِ الْقِصَّةِ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ — أَنَا أَسْمَعُ مَا يَتَشَابَهُ لَا مَا يَخْتَلِفُ.
وَالَّذِي يَتَشَابَهُ هُوَ دَائِماً الْجَوْهَرُ.
وَالَّذِي يَخْتَلِفُ هُوَ دَائِماً الشَّكْلُ.
تَوَقَّفَ — تَوَقُّفَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا سَيَأْتِي بَعْدَهُ سَيَحْتَاجُ مَكَاناً فِي الْهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ يَجِدَ مَكَاناً فِي الأَذْهَانِ:
— فَلِمَاذَا نَخْتَلِفُ عَلَى الشَّكْلِ وَنَتْرُكُ الْجَوْهَرَ؟
صَمَتَ الْحَاضِرُونَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ — الصَّمْتُ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ الْكَلَامَ وَصَلَ إِلَى مَكَانٍ يَحْتَاجُ وَقْتاً لَا كَلَاماً.
قَالَ طَاهِرٌ الْقَائِدُ — وَكَانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَتَكَلَّمُ فِيهَا طَاهِرٌ فِي الْمَجْلِسِ— بِصَوْتِ رَجُلٍ اعْتَادَ أَنْ يَأْمُرَ لَا أَنْ يَتَسَاءَلَ،
وَهَذَا وَحْدَهُ جَعَلَ كَلَامَهُ مُفَاجِئاً:
— أَنَا لَا أَفْهَمُ كُلَّ هَذَا الْجَدَلِ. لَكِنَّنِي أَفْهَمُ شَيْئاً وَاحِداً مِنَ الْحَرْبِ.
— مَا هُوَ؟ — قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
— أَنَّ الْجَيْشَ الَّذِي يَخْتَلِفُ قَادَتُهُ عَلَى الْخُطَّةِ قَبْلَ الْمَعْرَكَةِ يَخْسَرُ.
لَا لأَنَّ الْخُطَطَ سَيِّئَةٌ،
بَلْ لأَنَّ الْخِلَافَ نَفْسَهُ هُوَ الْخَسَارَةُ.
صَمَتَ.
— فَهَلْ مَا يَحْدُثُ فِي الْفِقْهِ لَا يُشْبِهُ هَذَا؟
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِهُدُوءٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ دِقَّةٍ:
— الْفِقْهُ لَيْسَ حَرْباً.
— لَكِنَّهُ يُسْتَخْدَمُ فِي الْحَرْبِ.
وَيُسْتَخْدَمُ لِتَبْرِيرِهَا أَحْيَاناً.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً — تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حِينَ يَقُولُ أَحَدٌ شَيْئاً يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ لَكِنَّهُ كَانَ يَتَجَنَّبُ صِيَاغَتَهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
ثُمَّ قَالَ:
— هَذِهِ مُشْكِلَةٌ لَمْ أَجِدْ لَهَا جَوَاباً.
وَرُبَّمَا لَنْ أَجِدَهُ.
وَرُبَّمَا لَنْ يَجِدَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدِي أَيْضاً — لأَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالسُّلْطَةِ لَيْسَتْ مُشْكِلَةَ فِقْهٍ.
هِيَ مُشْكِلَةُ الإِنْسَانِ حِينَ يَمْلِكُ حَقًّا وَيَمْلِكُ أَيْضاً رَغْبَةً فِي إِخْضَاعِ الآخَرِينَ لِذَلِكَ الْحَقِّ.
وَكَانَ هَذَا الاعْتِرَافُ بِعَدَمِ الْجَوَابِ — مِنْ رَجُلٍ بِقَامَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ — أَهَمَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَجْوِبَةِ الَّتِي أَعْطَاهَا.
رَابِعاً: فَجْرُ الْكُوفَةِ
خَرَجَ النُّعْمَانُ وَحْدَهُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ.
الْمَدِينَةُ كَانَتْ نَائِمَةً بِذَلِكَ النَّوْعِ الْخَاصِّ بِالْمُدُنِ الْجَدِيدَةِ — نَوْمٌ فِيهِ قَلَقُ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُقَرِّرْ بَعْدُ مَاذَا سَيَكُونُ،
كَأَنَّ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا كَانَتْ تَتَسَاءَلُ فِي نَوْمِهَا.
مَشَى نَحْوَ طَرَفِ الْكُوفَةِ حَيْثُ الْبُيُوتُ تَصِيرُ قَلِيلَةً وَالأَرْضُ تَصِيرُ وَاسِعَةً — ذَلِكَ الطَّرَفُ الَّذِي لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ بَعْدُ يَدُ الْبِنَاءِ وَلَا يَدُ التَّخْطِيطِ، فَبَقِيَ عَلَى طَبِيعَتِهِ.
وَقَفَ.
السَّمَاءُ كَانَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالْفَجْرِ — ذَلِكَ اللَّوْنُ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ،
لَيْسَ أَسْوَدَ وَلَيْسَ أَزْرَقَ وَلَيْسَ رَمَادِيًّا،
بَلْ خَلِيطٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ يَصْعُبُ تَسْمِيَتُهُ وَيَسْهُلُ رُؤْيَتُهُ — وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا بِالذَّاتِ هُوَ دَرْسُ ذَلِكَ الصَّبَاحِ:
أَنَّ أَكْثَرَ اللَّحْظَاتِ حَقِيقِيَّةً هِيَ الَّتِي تَعْصِي التَّسْمِيَةَ.
فَكَّرَ فِي كُلِّ مَا سَمِعَهُ.
فِي الْمَدِينَةِ:
السُّنَّةُ أَسَاسٌ،
وَالاتِّبَاعُ وَاجِبٌ.
فِي الْكُوفَةِ:
الرَّأْيُ ضَرُورَةٌ،
لِأَنَّ البَعْضَ رَأَى أَنَّ الحَياةَ أَوْسَعُ مِنَ النَّصِّ.
وَكِلَاهُمَا يَتَكَلَّمُ بِإِخْلَاصٍ.
وَكِلَاهُمَا يَبْدُو صَحِيحاً.
وَكِلَاهُمَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَخْدَمَ لِشَيْءٍ لَمْ يَقْصِدْهُ أَصْحَابُهُ — وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ يَكْفِي لإِبْقَاءِ الْقَلَقِ حَيًّا.
قَالَ لِنَفْسِهِ — أَوْ لِذَلِكَ اللَّوْنِ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ فِي السَّمَاءِ:
— فِي الْمَدِينَةِ كَانَ الْجَوَابُ يَنْزِلُ.
وَهُنَا يَصْعُدُ.
وَكِلَا الاتِّجَاهَيْنِ يَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ.
لَكِنَّ الصَّاعِدَ قَدْ يَضِلُّ فِي الطَّرِيقِ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ لَحْظَةٍ،
بِصَوْتٍ يَحْمِلُ خَوْفاً وَقَبُولاً فِي آنٍ وَاحِدٍ — ذَلِكَ الْخَلِيطُ الْعَجِيبُ الَّذِي يُمَيِّزُ مَنْ أَخَذَ الأَمْرَ بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ:
— وَرُبَّمَا الضَّلَالُ جُزْءٌ مِنَ الطَّرِيقِ.
لَيْسَ لأَنَّ الضَّلَالَ مَطْلُوبٌ — بَلْ لأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَجَنُّبُهُ تَمَاماً لِمَنْ يَمْشِي فِي أَرْضٍ لَمْ يَمْشِ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ قَبْلِهِ.
رَفَعَ الْمُؤَذِّنُ صَوْتَهُ.
وَمَشَى النُّعْمَانُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ.
وَخَلْفَهُ — فِي الْبُيُوتِ الَّتِي تَسْتَيْقِظُ وَفِي الأَسْوَاقِ الَّتِي تَفْتَحُ وَفِي الْحَلَقَاتِ الَّتِي سَتَجْلِسُ بَعْدَ الصَّلَاةِ — كَانَتِ الْكُوفَةُ تَبْدَأُ يَوْماً آخَرَ مِنْ أَيَّامِ السُّؤَالِ الطَّوِيلِ.
السُّؤَالُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِي جَوْهَرِهِ عَنِ الْفِقْهِ.
كَانَ عَنْ شَيْءٍ أَقْدَمَ وَأَعْمَقَ:
كَيْفَ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَعْدَ أَنْ يُوَدِّعَ النُّورَ الَّذِي كَانَ يُضِيءُ لَهُ الطَّرِيقَ مُبَاشَرَةً، بِلَا وَسِيطٍ وَبِلَا تَأْوِيلٍ؟
وَكَيْفَ يَحْمِلُ الأَمَانَةَ دُونَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إِلَى قَفَصٍ؟
وَكَيْفَ يَسْأَلُ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ الإِيمَانَ؟
وَكَيْفَ يُؤْمِنُ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ الْعَقْلَ؟
هَذِهِ الأَسْئِلَةُ الأَرْبَعَةُ — الَّتِي طَرَحَهَا دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ يَطْرَحُهَا رَجُلٌ شَابٌّ فِي فَجْرِ الْكُوفَةِ في ذلك الأفق البعيد— لَمْ تَجِدْ جَوَابَهَا بَعْدُ.
لَمْ تَجِدْهُ فِي الْكُوفَةِ.
وَلَا فِي الْمَدِينَةِ.
وَلَا فِي بَغْدَادَ “الَّتِي لَمْ تُولَدْ بَعْدُ”
بَغْدَادَ الَّتِي سَتَأْتِي.
وَلَا فِي قُرْطُبَةَ.
وَلَا فِي الْقَاهِرَةِ.
وَحِينَ تَجْلِسُ نُورٌ الْبَاحِثَةُ فِي مَكْتَبِهَا فِي أُورُوبَّا بَعْدَ قُرَابَةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْناً وَتَفْتَحُ كِتَاباً عَنْ تَارِيخِ الْفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ — سَتَشْعُرُ بِأَنَّ السُّؤَالَ مَا زَالَ حَيًّا يَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنْ بَيْنَ السُّطُورِ.
لأَنَّهُ كَانَ دَائِماً سُؤَالَ الإِنْسَانِ.
لَا سُؤَالَ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ.
وَفِي الْكُوفَةِ،
فِي ذَلِكَ الْفَجْرِ،
بَدَأَ شَيْءٌ لَمْ يَنْتَهِ حَتَّى الآنَ — وَرُبَّمَا لَنْ يَنْتَهِيَ.
وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْبَدْءَ.
