يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 07

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الفصل السادس: القاهرة — حين جاء الغزالي إلى نفسه
“وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ” ـ البقرة: ١٨٦
أَوَّلاً: دِمَشْقُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ
السَّنَةُ أَرْبَعُمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
قَبْلَ الْقَاهِرَةِ كَانَتْ دِمَشْقُ.
وَقَبْلَ دِمَشْقَ كَانَتْ بَغْدَادُ.
وَقَبْلَ بَغْدَادَ كَانَ الْغَزَّالِيُّ.
كَانَ الْغَزَالِيُّ فِي قِمَّةِ مَا يَبْلُغُهُ عَالِمٌ فِي زَمَانِهِ — الْكُرْسِيُّ الأَرْفَعُ فِي مَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ،
الطُّلَّابُ يَأْتُونَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا،
وَالْكَلَامُ يَخْرُجُ مِنْهُ لِيُنْسَخَ وَيُتْلَى فِي أَصْقَاعِ الْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ كُلِّهَا،
حَتَّى صَارَتِ الطُّرُقُ تَحْفَظُ اسْمَهُ قَبْلَ أَنْ تَطَأَهَا قَدَمُهُ.
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
لَمْ يَكُنْ تَوَقُّفاً مُخَطَّطاً، وَلَمْ يَقُمْ ذَاتَ صَبَاحٍ وَيَقُلْ فِي سِرِّهِ:
“سَأَتْرُكُ هَذَا كُلَّهُ.” بَلْ كَانَ تَوَقُّفاً يُشْبِهُ مَا يَحْدُثُ لِلنَّهْرِ حِينَ يَبْلُغُ حَافَّةَ الشَّلَّالِ — الْمَاءُ لَا يَقُصِدُ السُّقُوطَ،
وَلَكِنَّهُ يَسْقُطُ لأَنَّ الأَرْضَ انْتَهَتْ تَحْتَهُ.
وَلِهَذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ مَنْ يَتَّخِذُ قَرَاراً وَمَنْ تَجْرِفُهُ الْحَقِيقَةُ جَرْفاً — فَالأَوَّلُ يَجِدُ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ،
وَالثَّانِي يَجِدُ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ.
كَتَبَ عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَاحِقاً فِي “الْمُنْقِذِ مِنَ الضَّلَالِ”،
بِكَلِمَاتٍ تَحْمِلُ وَقْعَ مَنْ يَعْتَرِفُ لِلنَّاسِ بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ زَمَنٍ:
“فَلَمَّا تَأَمَّلْتُ ذَلِكَ وَنَظَرْتُ فِي عِلْمِي،
وَجَدْتُهُ مَشُوباً بِالرِّيَاءِ…
وَكَانَ لِسَانِي يَعْقِدُ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِي الْمَدْرَسَةِ وَلَوْ يَوْماً وَاحِداً.”
لَكِنَّ مَا لَمْ يَكْتُبْهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ — مَا كَانَ يَتَقَلَّبُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الْخَانِقَةِ — كَانَ أَعْمَقَ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَثْقَلَ مِنَ الشُّهْرَةِ.
كَانَ سُؤَالاً.
سُؤَالٌ وَاحِدٌ،
بَسِيطٌ فِي صِيَاغَتِهِ،
مُدَمِّرٌ فِي مَضْمُونِهِ:
“أَنَا أُعَلِّمُ النَّاسَ طَرِيقَ اللَّهِ.
لَكِنَّنِي أَنَا — هَلْ أَعْرِفُ هَذَا الطَّرِيقَ مِنَ الدَّاخِلِ؟
أَمْ أَنَّنِي أَعْرِفُ كَيْفَ أَصِفُهُ فَحَسْبُ؟”
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْرِفَتَيْنِ — كَمَا يَعْرِفُ كُلُّ مَنْ أَمْضَى وَقْتاً مَعَ نَفْسِهِ فِي صِدْقٍ — فَرْقٌ بَيْنَ الْخَرِيطَةِ وَالطَّرِيقِ.
بَيْنَ مَنْ يَصِفُ الْجَبَلَ وَمَنْ صَعِدَهُ وَجَاءَ نَازِلاً مَعَ شَيْءٍ مِنَ الثَّلْجِ عَلَى كَتِفَيْهِ.
خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ.
تَرَكَهَا كَمَنْ يَتْرُكُ حَرِيقاً لَا يَمْلِكُ إِطْفَاءَهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَحْتَرِقَ مَعَهُ — غَيْرَ آسِفٍ عَلَى الْكُرْسِيِّ وَلَا عَلَى السُّمْعَةِ،
لأَنَّ مَنْ يَتْرُكُ شَيْئاً بَعْدَ أَنْ يَرَى حَقِيقَتَهُ لَا يَتْرُكُهُ — بَلْ يَتَحَرَّرُ مِنْهُ.
جَاءَ دِمَشْقَ.
دَخَلَ الْجَامِعَ الأُمَوِيَّ وَجَلَسَ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الأَعْيُنِ.
لَمْ يُعْلِنْ حُضُورَهُ.
لَمْ يُطْلَبْ لَهُ مَجْلِسٌ.
وَلَمْ يُبادِرهُ مَنْ عَرَفَهُ مِنَ الطُّلَّابِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ وَعَرَفُوا وَجْهَهُ بالسؤال— كَانَ فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يَجْعَلُ الأَسْئِلَةَ تَمُوتُ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ.
جَلَسَ كَرَجُلٍ عَادِيٍّ بَيْنَ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ — يُصَلِّي وَيَصْمُتُ وَيُرَاقِبُ.
وَمَنْ رَأَى الْغَزَّالِيَّ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ يَرَى عَالِماً يَسْتَرِيحُ — بَلْ يَرَى إِنْسَاناً يَتَعَلَّمُ مِنَ الصِّفْرِ كَيْفَ يَكُونُ إِنْسَاناً.
فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ عَجُوزٌ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ.
وَجْهُهُ يَحْمِلُ تِلْكَ الْبَسَاطَةَ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا حِينَ يَكُونُ الإِنْسَانُ قَدْ أَسْقَطَ كُلَّ مَا لَيْسَ ضَرُورِيَّاً مِنْ مَلَامِحِهِ،
حَتَّى يَبْقَى مِنْهُ مَا كَانَ دَائِماً.
قَالَ الْعَجُوزُ دُونَ مُقَدِّمَةٍ،
بِصَوْتٍ لَا يَرْتَفِعُ وَلَا يَنْخَفِضُ:
— أَنْتَ غَرِيبٌ.
— نَعَمْ.
— وَأَنْتَ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ.
لَمْ يُجِبِ الْغَزَالِيُّ فَوْراً.
كَانَ فِي السُّؤَالِ شَيْءٌ يُشْعِرُكَ أَنَّ الإِجَابَةَ الْعَاجِلَةَ خِيَانَةٌ لَهُ.
فَفَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا أَبْحَثُ عَنْهُ بِالضَّبْطِ.
أَوْمَأَ الْعَجُوزُ كَمَنْ يَسْمَعُ جَوَاباً كَانَ يَنْتَظِرُهُ:
— هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الأَوَّلُ.
— أَيُّ شَرْطٍ؟
— أَنْ لَا تَعْرِفَ.
مَنْ يَعْرِفُ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ — يَجِدُ مَا يَعْرِفُ.
وَمَنْ لَا يَعْرِفُ — قَدْ يَجِدُ مَا لَمْ يَخْطُرْ لَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ بِشَيْءٍ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الإِعْجَابِ وَالشَّكِّ:
— مَنْ أَنْتَ؟ — رَجُلٌ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ.
هَذَا يَكْفِي.
وَمَضَى الرَّجُلُ.
وَبَقِيَتِ الْكَلِمَاتُ.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ كَانَ الْغَزَالِيُّ يَمْشِي فِي دِمَشْقَ.
لَمْ يَكُنْ يَزُورُ الْعُلَمَاءَ.
لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْحَلَقَاتِ وَالْمَجَالِسِ.
كَانَ يَمْشِي فِي الأَزِقَّةِ وَيَجْلِسُ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي لَا تَلْتَفِتُ إِلَى مَنْ يَجْلِسُ فِيهَا — وَيُرَاقِبُ.
كَانَ يُرَاقِبُ النَّاسَ الْعَادِيِّينَ فِي تَدَيُّنِهِمُ الْيَوْمِيِّ،
وَفِي هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ كَانَ يَتَعَلَّمُ مَا لَمْ تُعَلِّمْهُ إِيَّاهُ الْمَدَارِسُ.
الرَّجُلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ وَفِي حَرَكَاتِهِ شَيْءٌ لَيْسَ الْحِفْظَ وَلَا الطَّقْسَ — بَلِ الاسْتِعْدَادُ،
كَمَنْ يَفْتَحُ بَاباً لِيَدْخُلَ مِنْهُ لَا كَمَنْ يُؤَدِّي حَرَكَةً حَفِظَهَا.
الْمَرْأَةُ الَّتِي تَتَكَلَّمُ مَعَ رَبِّهَا فِي سُوقِ الْخُضَارِ كَأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَسَامِعٌ — دُونَ خُطْبَةٍ وَدُونَ فَلْسَفَةٍ وَدُونَ كِتَابٍ — وَفِي ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ الْحَيِّ مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي مُجَلَّدَاتٍ.
الطِّفْلُ الَّذِي يُسْأَلُ لِمَاذَا يُصَلِّي فَيَقُولُ بِلَا تَرَدُّدٍ وَلَا تَزَيُّنٍ:
“لأَنَّنِي أُحِبُّ اللَّهَ.”
— بِتِلْكَ الْبَسَاطَةِ الَّتِي لَوْ قَالَهَا فَيْلَسُوفٌ لَاحْتَاجَتْ مِئَةَ صَفْحَةٍ وَلَمَا بَلَغَتْ مَا بَلَغَتْهُ فِي ثَانِيَةٍ.
وَكَانَ الْغَزَالِيُّ يُرَاقِبُ وَيَتَسَاءَلُ:
هَلِ الإِيمَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ نَفْسَهُ — أَكْثَرُ حَيَاةً مِنَ الإِيمَانِ الَّذِي حَلَّلَ نَفْسَهُ حَتَّى صَارَ مَفَاهِيمَ؟
وَهَلِ الْعِلْمُ حِينَ يَصِلُ إِلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ — يَبْدَأُ فِي أَنْ يَحْجُبَ مَا جَاءَ لِيَكْشِفَهُ؟
فِي بَاحَةِ المَسجِدِ جَلَسَت ذَاتَ يَوْمٍ بِجَانِبِه سُبَيْعَةَ الزَّاهِدَةِ.
كَانَتِ امْرَأَةً فِي السِّتِّينِ مِنْ خُرَاسَانَ،
وَصَلَتْ دِمَشْقَ فِي رِحْلَةٍ وَلَمْ تُغَادِرْهَا مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً — كَأَنَّ الْمَدِينَةَ قَالَتْ لَهَا شَيْئاً فَقَرَّرَتْ أَنْ تَبْقَى حَتَّى تَفْهَمَهُ كُلَّهُ.
لَمْ يَعْرِفِ اسْمَهَا فِي الْبِدَايَةِ.
جَلَسَت لأَنَّ الْمَكَانَ كَانَ هَادِئاً وَكَانَت تَحْتَاجُ الْهُدُوءَ.
وَلأَنَّ فِي وُجُودِهَا شَيْئاً لَا يُطَالِبُكَ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَا أَنْتَ.
قَالَتْ دُونَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ،
بِصَوْتٍ كَأَنَّهُ يَصْدُرُ مِنْ مَكَانٍ هَادِئٍ جِدَّاً فِي دَاخِلِهَا:
— أَنْتَ تَبْكِي.
لَمَسَ خَدَّهُ.
لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ.
— نَعَمْ.
— عَلَى مَاذَا؟
— لَا أَعْرِفُ.
— الْبُكَاءُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ سَبَبَهُ — هَذَا أَنْقَى أَنْوَاعِ الْبُكَاءِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
قَالَتْ:
— الْبُكَاءُ الَّذِي يَعْرِفُ سَبَبَهُ يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْبُكَاءُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ سَبَبَهُ — يَبْكِي عَلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُ.
صَمَتَ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ لَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ:
— وَهَلْ يُوصَلُ إِلَيْهِ — ذَلِكَ الشَّيْءُ الأَكْبَرُ؟
ابْتَسَمَتْ بِطَرَفٍ مِنَ الاطْمِئْنَانِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَثْبَتَ لِأَحَدٍ:
— إِذَا تَوَقَّفْتَ عَنِ الْبَحْثِ عَنْهُ بِنَفْسِكَ — رُبَّمَا يَجِدُكَ هُوَ.
ثَانِياً: الْقَاهِرَةُ — بَعْدَ سَنَةٍ “هذا استحضار روائي لا توثيق تاريخي”.
وَصَلَ الْقَاهِرَةَ فِي الْخَرِيفِ،
حِينَ يَكُونُ الْهَوَاءُ قَدْ بَدَأَ يَحْمِلُ شَيْئاً لَا تُسَمِّيهِ إِلَّا بِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ.
الْفَاطِمِيُّونَ كَانُوا يَحْكُمُونَ.
وَالْقَاهِرَةُ كَانَتْ تَحْمِلُ ذَلِكَ الْخَلِيطَ الَّذِي يُمَيِّزُهَا دَائِماً — طَبَقَاتٌ مِنَ الْحَضَارَاتِ فَوْقَ بَعْضِهَا،
كُلُّ طَبَقَةٍ تَظُنُّ أَنَّهَا الأَخِيرَةُ وَلَا تَعْرِفُ أَنَّهَا مُجَرَّدُ أَسَاسٍ لِمَا سَيَأْتِي.
وَفِي هَذَا — بِعَيْنِ مَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يُرَاقِبَ — شَيْءٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي لَا تُكْتَبُ فِي كِتَابٍ:
أَنَّ كُلَّ يَقِينٍ هُوَ مَرْحَلَةٌ،
وَكُلَّ نِهَايَةٍ هِيَ بِدَايَةٌ لَا تَعْرِفُ اسْمَهَا بَعْدُ.
لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْقَصْرِ.
لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْعُلَمَاءِ.
ذَهَبَ إِلَى الْمَقَابِرِ.
فِي مَقَابِرِ الْقَاهِرَةِ — الَّتِي كَانَتْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَدِينَةً دَاخِلَ الْمَدِينَةِ،
فِيهَا مَنْ يَعِيشُ بَيْنَ الأَمْوَاتِ لأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَكَاناً بَيْنَ الأَحْيَاءِ — وَجَدَ الْغَزَالِيُّ شَيْئاً لَمْ يَجِدْهُ فِي الْمَدَارِسِ.
وَجَدَ الصَّمْتَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ.
كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَ قَبْرٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَ صَاحِبِهِ وَيَتَفَكَّرُ:
مَنْ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ؟
هَلْ سَأَلَ مَا أَسْأَلُهُ؟
هَلْ وَصَلَ إِلَى مَا أَبْحَثُ عَنْهُ؟
هَلْ كَانَ عَالِماً أَمْ جَاهِلاً؟
وَهَلْ فَرَّقَ ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ؟
وَكَانَ فِي هَذِهِ الأَسْئِلَةِ — الَّتِي لَنْ تَجِدَ جَوَاباً — شَيْءٌ يُحَرِّرُكَ.
لأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي لَا يُجَابُ لَيْسَ سُؤَالاً فَاشِلاً — هُوَ سُؤَالٌ يُذَكِّرُكَ أَنَّكَ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّكَ وَحْدَكَ تَعْرِفُ الإِجَابَةَ.
فِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ يَعْمَلُ فِي الْمَقَابِرِ — يَحْفِرُ وَيُرَتِّبُ وَيُنَظِّفُ بِهُدُوءِ مَنِ اعْتَادَ الْمَكَانَ حَتَّى صَارَ جُزْءًا مِنْهُ لَا زَائِراً فِيهِ.
كَانَ اسْمُهُ — كَمَا عُرِفَ لَاحِقاً — عُمَرُ الشَّاهِدُ.
وَاسْمُهُ هَذَا لَيْسَ مُصَادَفَةً — فَهُوَ كَانَ بِالْفِعْلِ شَاهِداً:
عَلَى الرَّحِيلِ وَعَلَى مَا يَتْرُكُهُ الرَّاحِلُونَ،
عَلَى الأَحْيَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ يَبْكُونَ وَيَمْضُونَ وَيَنْسَوْنَ،
وَعَلَى الصَّمْتِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَهُمْ كُلِّهِمْ.
قَالَ بِصَوْتِ رَجُلٍ لَا يُفَرِّقُ فِي تَعَامُلِهِ بَيْنَ الْعَالِمِ الْكَبِيرِ وَالرَّجُلِ الْعَادِيِّ:
— تَجْلِسُ هُنَا كَثِيراً.
— نَعَمْ.
— وَتَتَكَلَّمُ مَعَ الْقُبُورِ.
— أَتَكَلَّمُ مَعَ نَفْسِي.
— الفَرقُ فِي أَحيَانٍ كَثِيرَةٍ أَضْيَقُ مِمَّا تَظُنُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاِبْتِسَامَةَ الأُولَى مُنْذُ أَشْهُرٍ:
— مِنْ أَيْنَ جَاءَكَ هَذَا الْكَلَامُ؟
— مِنْ هُنَا.
— أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَقَابِرِ مِنْ حَوْلِهِ.
— كُلَّ يَوْمٍ أَحْفِرُ لِشَخْصٍ جَدِيدٍ.
وَكُلُّ شَخْصٍ كَانَتْ لَهُ حَيَاةٌ كَامِلَةٌ.
وَمَشَاكِلُ كَبِيرَةٌ.
وَأَسْئِلَةٌ لَمْ تُجَبْ.
وَالآنَ هُوَ هُنَا وَأَنَا هُنَا.
وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ سَيَحْفِرُ أَحَدُهُمْ لِي.
صَمَتَ.
ثُمَّ أَضَافَ بِبُطْءٍ كَمَنْ يَقُولُ شَيْئاً لَا يَحْتَاجُ رَفْعَ الصَّوْتِ لِيُسْمَعَ:
— هَذَا يَجْعَلُ الأَسْئِلَةَ تَبْدُو أَصْغَرَ قَلِيلاً.
وَأَهَمَّ كَثِيراً فِي نَفْسِ الْوَقْتِ.
جَلَسَ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِصَمْتٍ.
كَانَ يَتَسَاءَلُ مِنَ الدَّاخِلِ:
كَمْ مِنَ الْحِكْمَةِ مَاتَتْ دُونَ أَنْ تُكْتَبَ؟
كَمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَقِيقِيِّينَ لَمْ يَدْخُلُوا مَدْرَسَةً وَلَمْ يَجْلِسُوا عَلَى كُرْسِيٍّ؟
وَكَمْ مَرَّةً تَعَلَّمَ الإِنْسَانُ مِنَ الصَّوَابِ مِنَ الوَاقِعِ المُعَاشِ مَا لَمْ يَتَعَلَّمْهُ مِنَ الْكِتَابِ الْمُجَلَّدِ؟
بَدَأَ الْغَزَالِيُّ فِي الْقَاهِرَةِ كِتَاباً.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي الْبِدَايَةِ أَنَّهُ سَيُصْبِحُ “إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ” — الْكِتَابُ الَّذِي سَيَقْرَأُهُ النَّاسُ قُرُوناً وَيَجِدُونَ فِيهِ — كُلٌّ فِي زَمَانِهِ — مرْآةً لِنَفْسِهِ.
كَانَ يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ أَوَّلاً — كَمَنْ يُخْرِجُ مِنْ جَسَدِهِ مَا تَرَاكَمَ فِيهِ حَتَّى يَرَى شَكْلَهُ مِنَ الْخَارِجِ.
لَكِنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ تَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ مَا كَتَبَهُ قَبْلاً.
لَمْ تَكُنْ كِتَابَةَ الْفَقِيهِ الَّذِي يُقَرِّرُ مِنْ عُلُوٍّ.
وَلَا كِتَابَةَ الْفَيْلَسُوفِ الَّذِي يُثْبِتُ مِنْ بُعْدٍ.
كَانَتْ كِتَابَةَ رَجُلٍ يَتَكَلَّمُ مَعَ نَفْسِهِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَسْمَعُهُ الآخَرُونَ — وَفِي هَذَا الصَّوْتِ الَّذِي لَا يَتَظَاهَرُ تَكْمُنُ قُوَّةٌ لَا تَمْلِكُهَا الأَجْوِبَةُ الْجَاهِزَةُ.
فِي القاهرة التقتْهُ سُبَيْعَةُ الزَّاهِدَةُ — الَّتِي كَانَتْ قَدْ وَصَلَتِ الْقَاهِرَةَ بَعْدَهُ بِأُسْبُوعَيْنِ،
كَأَنَّ الطَّرِيقَ قَرَّرَ أَنْ يَجْمَعَهُمَا مَرَّةً أُخْرَى دُونَ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَحَداً مِنْهُمَا.
جَلَسَتْ فِي الْجَانِبِ الْبَعِيدِ مِنَ الْبَاحَةِ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ فِي الْبِدَايَةِ.
كَانَ يَكْتُبُ وَكَانَتْ تُرَاقِبُ بِذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي لَا يُضَايِقُكَ بَلْ يَمْنَحُكَ الإِذْنَ بِأَنْ تَكُونَ مَا أَنْتَ.
بَعْدَ وَقْتٍ قَالَتْ:
— تَكْتُبُ عَنِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ.
— نَعَمْ.
— الْخَوْفُ أَسْهَلُ.
لَمْ يَفْهَمْ فَوْراً.
ثُمَّ قَالَ:
— أَسْهَلُ مِنْ مَاذَا؟
—مِنَ الْحُبِّ.
—الْحُبُّ أَصْعَبُ مِنَ الْخَوْفِ؟
قَالَتْ بِهُدُوءِ مَنْ لَمْ تَعُدْ تَحْتَاجُ إِلَى إِقْنَاعِ أَحَدٍ:
— الْخَوْفُ يَجْعَلُكَ تَفْعَلُ مَا تُطْلَبُ.
وَالْحُبُّ يَجْعَلُكَ تُرِيدُ.
وَإِرَادَةُ الإِنْسَانِ — أَصْعَبُ شَيْءٍ فِيهِ عَلَى التَّغْيِيرِ.
لِأَنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُقَيِّدَ رَجُلاً،
لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحِبَّ بَدَلاً عَنْهُ.
كَتَبَ مَا قَالَتْهُ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهَا:
— وَأَنْتِ — تَعْبُدِينَ خَوْفاً أَمْ حُبَّاً؟
قَالَتْ بِبَسَاطَةٍ تُذَكِّرُكَ بِرَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ:
— لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ.
— إِذاً مَاذَا؟
— أَعْبُدُ لأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ ألَّا أَعْبُدَ.
كَمَا لَا تَسْتَطِيعُ الشَّجَرَةُ ألَّا تَنْمُوَ نَحْوَ الشَّمْسِ.
لَيْسَ طَاعَةً وَلَيْسَ وِجْدَاناً — بَلْ طَبِيعَةٌ.
وَأَرْقَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ فِي عِبَادَتِهِ أَنْ تَصِيرَ طَبِيعَتَهُ لَا فِعْلَهُ.
صَمَتَ الْغَزَالِيُّ طَوِيلاً.
ثُمَّ كَتَبَ.
وَمَا كَتَبَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَارَ لَاحِقاً مِنْ أَعْمَقِ مَا فِي “الإِحْيَاءِ”.
ثَالِثاً: الأَزْمَةُ فِي مُنْتَصَفِ الْكِتَابِ
فِي مُنْتَصَفِ كِتَابَةِ “الإِحْيَاءِ” — حِينَ كَانَ الْكِتَابُ قَدْ صَارَ كَبِيراً وَثَقِيلاً وَحَقِيقِيَّاً بِالْقَدْرِ الَّذِي يَجْعَلُهُ يُخِيفُكَ — تَوَقَّفَ الْغَزالِيُّ.
لَمْ يَتَوَقَّفْ لأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يَكْتُبُ.
تَوَقَّفَ لأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى سُؤَالٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَهُ:
هَلْ مَا أَكْتُبُهُ صَادِقٌ؟
لَيْسَ صَحِيحاً — الصِّحَّةَ كَانَ يَسْتَطِيعُ التَّحَقُّقَ مِنْهَا.
بَلْ صَادِقٌ.
هَلْ مَا يَصِفُهُ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَأَسْرَارِهِ هُوَ مَا يَعِيشُهُ فِعْلاً؟
أَمْ أَنَّهُ مَا زَالَ يَصِفُ مَا يَعْلَمُ لَا مَا يَعِيشُ؟
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ لَيْسَ أَدَبِيَّاً — هُوَ فَرْقٌ بَيْنَ كِتَابٍ يَبْقَى وَكِتَابٍ يُنْسَى. بَيْنَ كَلَامٍ يَصِلُ وَكَلَامٍ يَمُرُّ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الصَّعْبَةِ جَاءَهُ عُمَرُ الشَّاهِدُ — لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ،
بَلْ لأَنَّ الطُّرُقَ فِي الْقَاهِرَةِ كَانَتْ تَجْمَعُهُمَا أَحْيَاناً بِطَرِيقَةٍ يَصْعُبُ تَفْسِيرُهَا وَلَا تَحْتَاجُ تَفْسِيراً.
كَانَ الْغَزَالِيُّ جَالِساً أَمَامَ الأَوْرَاقِ دُونَ أَنْ يَكْتُبَ.
قَالَ عُمَرُ بِغَيْرِ مُقَدِّمَةٍ:
— لَا تَكْتُبُ اللَّيْلَةَ؟
— لَا أَسْتَطِيعُ.
— لِمَاذَا؟
— لأَنَّنِي وَصَلْتُ إِلَى مَكَانٍ لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَكْتُبُ عَنْهُ أَوْ مِنْهُ.
جَلَسَ عُمَرُ.
لَمْ يَعْجَلْ بِالْكَلَامِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ لَحْظَةٍ كَافِيَةٍ:
— أَنَا حِينَ أَحْفِرُ قَبْراً — أَحْيَاناً أَصِلُ إِلَى عُمْقٍ مُعَيَّنٍ وَأَشْعُرُ أَنَّ الأَرْضَ تُقَاوِمُ.
لَيْسَتْ صَخْرَةً — فَقَطْ مُقَاوَمَةٌ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْغَزالِيُّ.
— وَمَاذَا تَفْعَلُ؟
— أَتَوَقَّفُ.
وَأَشْرَبُ الْمَاءَ.
وَأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ لَحْظَةً.
ثُمَّ أَعُودُ.
— وَتَتَغَيَّرُ الْمُقَاوَمَةُ؟
— لَا.
لَكِنَّنِي أَتَغَيَّرُ أَنَا.
وَهَذَا يَكْفِي.
صَمَتَ الْغَزالِيُّ.
وَفِي صَمْتِهِ كَانَ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ — ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْفَهْمِ الَّذِي لَا يَأْتِيكَ مِنَ الْعَقْلِ بَلْ مِنْ مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنْهُ.
كَانَ يُفَكِّرُ:
رُبَّمَا الصِّدْقُ لَيْسَ حَالَةً تَصِلُ إِلَيْهَا — بَلْ هُوَ اتِّجَاهٌ تَخْتَارُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
رُبَّمَا الْكِتَابُ الَّذِي لَا يَخْشَى الصِّدْقَ أَجْدَرُ بِأَنْ يَصِلَ — حَتَّى لَوْ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ الْخُلُودُ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي عَادَ الْغَزَالِيُّ إِلَى الْكِتَابَةِ.
لَكِنَّهُ كَتَبَ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ فِي خُطَّتِهِ — كَتَبَ فَصْلاً عَنْ “آفَاتِ النَّفْسِ فِي الْعِلْمِ”:
عَنِ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَرَاهُ إِلَّا مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ.
عَنِ الْعَالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ مَا لَا يَعِيشُ.
عَنِ الْفَجْوَةِ بَيْنَ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ — تِلْكَ الْفَجْوَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهِيَ لَا تُجَاوِزُ عَرْضَ الصَّدْرِ.
كَتَبَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
دُونَ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَمَنْ قَرَأَهُ وَعَرَفَهُ — وَمِنْهُمْ سُبَيْعَةُ وَعُمَرُ — عَرَفَ.
وَمَنْ قَرَأَهُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَهُ — شَعَرَ أَنَّهُ كُتِبَ عَنْهُ هُوَ.
وَهَذَا بِالضَّبْطِ هُوَ مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَكُونَ صَادِقاً.
رَابِعاً: الْحَلَّاجُ — فِي الْحُلْمِ أَوِ الْخَيَالِ أَوْ مَا بَيْنَهُمَا
لَا يُوجَدُ فِي التَّارِيخِ مَا يُثْبِتُ أَنَّ الْغَزالِيَّ الْتَقَى بِالْحَلَّاجِ.
الْحَلَّاجُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الْغَزَالِيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ سَنَةٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ الْحَلَّاجُ حَاضِراً فِي كِتَابَاتِ الْغَزَّالِيِّ الْمُتَأَخِّرَةِ — لَيْسَ كَاسْمٍ يُذْكَرُ، بَلْ كَسُؤَالٍ يَطُوفُ مِنْ تَحْتِ الْكَلَامِ وَلَا يَسْتَقِرُّ:
هَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَكَانٍ يَتَجَاوَزُ فِيهِ اللُّغَةَ؟
وَإِذَا وَصَلَ — مَاذَا يَقُولُ؟
وَإِذَا قَالَ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ — مَنْ يَفْهَمُهُ؟
وَهَلِ الَّذِي لَا يُفْهَمُ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ؟
أَمْ أَنَّ الصَّمْتَ أَحْيَاناً أَصدَقُ مِمَّا تَقُولُهُ الْكَلِمَاتُ؟
فِي الْقَاهِرَةِ — فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الطَّوِيلَةِ مِنَ التَّأَمُّلِ وَالْكِتَابَةِ وَالصَّمْتِ — كَتَبَ الْغَزَالِيُّ فِي دَفْتَرٍ خَاصٍّ “وَمَا بَيْنَ دَفَّتَي دَفْتَرِهِ الْخَاصِّ وَمَا كَتَبَهُ لِلنَّاسِ، كَانَتْ مَسَافَةٌ يَحْتَاجُ مَنْ يَفْهَمُهُ أَنْ يَعْبُرَهَا” لَمْ يُنْشَرْ فِي حَيَاتِهِ:
“فَكَّرْتُ فِي الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ.
الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ مَا قَالَهُ وَقُتِلَ.
وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْكَامِلِ — لَا بِالإِدَانَةِ وَلَا بِالتَّبْرِئَةِ.
لأَنَّ مَا أَصِلُ إِلَيْهِ أَنَا فِي لَحْظَاتِي الأَعْمَقِ يُشْبِهُ مَا كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَقُولَهُ.
لَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ شَجَاعَتَهُ.
أَوْ رُبَّمَا أَمْلِكُ احْتِيَاطًا لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ حِكْمَةً أَمْ جُبْنًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّجَاعَةِ وَالْحَمَاقَةِ أَحْيَاناً هُوَ السِّيَاقُ لَا الْجَوْهَرُ.”
وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي كَتَبَهَا لِنَفْسِهِ — دُونَ جُمْهُورٍ وَدُونَ مَجْلِسٍ — يَكْمُنُ شَيْءٌ نَادِرٌ:
رَجُلٌ يَحْكُمُ عَلَى نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّ مَا يَفْصِلُهُ عَنِ الآخَرِينَ لَيْسَ دَائِماً الْفَضِيلَةُ — وَقَدْ يَكُونُ أَحْيَاناً الْبَخْتُ،
أَوِ الزَّمَانُ،
أَوِ الاِحْتِيَاطُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ هُوَ نَفْسُهُ إِنْ كَانَ فَضِيلَةً أَوْ ضَعْفاً.
خَامِساً: الْعَوْدَةُ — خُرَاسَانُ، آخِرُ الأَيَّامِ
لَمْ يَبْقَ فِي الْقَاهِرَةِ إِلَى الأَبَدِ.
تَحَرَّكَ كَمَا تَحَرَّكَ دَائِماً مُنْذُ تَرَكَ بَغْدَادَ — بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْجَاذِبِيَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ الَّتِي لَا تُسَمَّى وَلَا تُفَسَّرُ وَلَكِنَّهَا تَقُودُ.
مَكَّةُ.
الْمَدِينَةُ.
بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
دِمَشْقُ مَرَّةً أُخْرَى.
وَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ كَانَ يَتْرُكُ فِيهَا شَيْئاً وَيَأْخُذُ شَيْئاً — لَيْسَ مِنَ السُّوقِ،
بَلْ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ وَهُمْ يَعِيشُونَ.
ثُمَّ فِي النِّهَايَةِ — خُرَاسَانُ.
الْوَطَنُ الأَوَّلُ الَّذِي يَعُودُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ حِينَ يَكُونُ قَدْ أَصْبَحَ مَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَهُ،
أَوْ قَرَّرَ أَنَّ الطَّرِيقَ نَفْسَهُ كَانَ الْوَطَنَ.
فِي نَيْسَابُورَ فَتَحَ مَدْرَسَةً صَغِيرَةً.
لَمْ تَكُنْ كَالنِّظَامِيَّةِ.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا الْكُرْسِيُّ الْكَبِيرُ وَالطُّلَّابُ الْكَثِيرُونَ وَالسُّمْعَةُ الَّتِي تَسْبِقُكَ.
كَانَتْ حَلْقَةً صَغِيرَةً — عِشْرُونَ طَالِباً،
أَحْيَاناً أَقَلُّ.
وَلَكِنَّ فِي عَيْنَيْهِ حِينَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِ النِّظَامِيَّةِ — كَانَ يرَاهُمْ.
لَيْسَ يَرَى الطُّلَّابَ.
بَلْ يَرَى الأَشْخَاصَ.
قَالَ لَهُمْ فِي أَحَدِ الْمَجَالِسِ:
— أَنَا كَتَبْتُ “تَهَافُتَ الْفَلَاسِفَةِ”.
وَفِيهِ رَدَدْتُ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ فِي عِشْرِينَ مَسْأَلَةً.
— نَعَمْ يَا شَيْخَنَا.
— وَأَنَا مَا زِلْتُ أَرَى أَنَّ مَا كَتَبْتُهُ صَحِيحٌ فِي جَوْهَرِهِ.
لَكِنَّنِي أُضِيفُ الآنَ شَيْئاً لَمْ أَكْتُبْهُ بِوُضُوحٍ كَافٍ.
— مَا هُوَ؟
— أَنَّ رَدِّي عَلَى الْفَلَاسِفَةِ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ يُقْرَأَ كَبَابٍ مُغْلَقٍ أَمَامَ الْعَقْلِ.
كَانَ يَجِبُ أَنْ يُقْرَأَ كَتَنْبِيهٍ:
الْعَقْلُ يَصِلُ إِلَى حُدُودٍ.
وَمَا وَرَاءَ الْحُدُودِ لَا يُلْغَى — بَلْ يُكَمَّلُ بِمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْعَقْلُ وَحْدَهُ.
قَالَ طَالِبٌ:
— لَكِنَّ الْبَعْضَ قَرَأَهُ كَتَحْرِيمٍ لِلْفَلْسَفَةِ.
— أَعْرِفُ.
وَهَذَا مَا يُحْزِنُنِي.
الْكَلِمَةُ حِينَ تُقَالُ تَخْرُجُ مِنْ يَدِ قَائِلِهَا.
وَتُصْبِحُ مِلْكاً لِمَنْ يَقْرَأُهَا.
وَلَيْسَ لِقَائِلِهَا سُلْطَةٌ عَلَى كَيْفَ تُقْرَأُ.
صَمَتَ لَحْظَةً.
ثُمَّ أَضَافَ:
— وَلِهَذَا — عَلَى الَّذِي يَكْتُبُ أَنْ يَكُونَ دَقِيقاً جِدَّاً.
لَيْسَ لأَنَّ الدِّقَّةَ تَمْنَعُ سُوءَ الْفَهْمِ — بَلْ لأَنَّهَا تُقَلِّلُ مِنْ مِسَاحَةِ تَبَنِّيهِ.
فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ كَانَ يَكْتُبُ “الْمُنْقِذَ مِنَ الضَّلَالِ” — ذَلِكَ الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ فِي جَوْهَرِهِ اعْتِرَافٌ.
اعْتِرَافُ رَجُلٍ لَا يَخَافُ مِنَ الاعْتِرَافِ لأَنَّهُ مَرَّ بِمَا هُوَ أَصْعَبُ مِنَ الاعْتِرَافِ.
وَكَانَ بِجَانِبِهِ أَحْيَاناً عُمَرُ الشَّاهِدُ — الَّذِي كَانَ دَائِماً يَظْهَرُ فِي اللَّحْظَةِ الْمُنَاسِبَةِ فِي أَيِّ مَدِينَةٍ كَانَ الْغَزالِيُّ فِيهَا،
كَأَنَّ الطَّرِيقَ يُرْسِلُهُ وَالطَّرِيقُ يَعْلَمُ أَكْثَرَ مِمَّا نَعْلَمُ.
قَالَ عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ يَرَاهُ يَكْتُبُ:
— مَاذَا تَكْتُبُ الآنَ؟
— أَكْتُبُ عَنْ رِحْلَتِي.
— وَهَلْ وَصَلْتَ؟
تَوَقَّفَ الْغَزَالِيُّ عَنِ الْكِتَابَةِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْأَوْرَاقِ مِنْ أَمَامِهِ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى مَكَانٍ لَا يَرَاهُ إِلَّا هُوَ.
قَالَ:
— لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ وَصَلْتُ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنِي كُنْتُ فِي مَكَانٍ خَاطِئٍ حِينَ ظَنَنْتُ أَنَّنِي وَصَلْتُ.
— وَهَذَا خَيْرٌ أَمْ شَرٌّ؟
فَكَّرَ الْغَزَالِيُّ. وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالإِجَابَةِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ فِي أَيَّامِ بَغْدَادَ.
قَالَ:
— هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسَمِّيَهُ خَيْراً مُطْلَقاً فِي رِحْلَتِي كُلِّهَا.
— لِمَاذَا؟
— لأَنَّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ وَصَلَ يَتَوَقَّفُ.
وَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ — يَمْشِي.
وَالْمَشْيُ — حَتَّى بِلَا وِجْهَةٍ وَاضِحَةٍ — أَكْرَمُ مِنَ الْجُلُوسِ بِيَقِينٍ زَائِفٍ.
مَاتَ الْغَزَالِيُّ فِي خُرَاسَانَ.
فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ.
قَالَتِ الرِّوَايَةُ إِنَّهُمْ وَجَدُوهُ وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ.
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ حَقِيقِيَّةً.
لَكِنَّهَا تَبْدُو مُمْكِنَةً.
لأَنَّ رَجُلاً قَضَى عُمُرَهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ — وَوَصَلَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى أَنَّ الْبَحْثَ نَفْسَهُ هُوَ الشَّيْءُ — يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْتَسِمَ فِي النِّهَايَةِ.
لَيْسَ لأَنَّهُ وَصَلَ.
بَلْ لأَنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ.
وَبَعْدَهُ بِقُرُونٍ — حِينَ يَجْلِسُ طَالِبٌ فِي مَكَانٍ مَا وَيَفْتَحُ “إِحْيَاءَ عُلُومِ الدِّينِ” وَيَقْرَأُ عَنْ آفَاتِ النَّفْسِ وَالرِّيَاءِ الْخَفِيِّ وَعَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِلْمِ الْحَيِّ وَالْعِلْمِ الْمَيِّتِ — سَيَشْعُرُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ:
أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ هُوَ.
لَا عَنْ زَمَانِهِ.
وَهَذَا — فَقَطْ هَذَا — هُوَ مَا يَعْنِيهِ أَنْ يَبْقَى كِتَابٌ.

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 08