يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الفصل التاسع: الْعُثْمَانِيُّونَ وَالصَّفَوِيُّونَ
حِينَ صَارَ الْمَذْهَبُ هُوِيَّةً وَصَارَ الِاخْتِلَافُ حَرْباً
“وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” ـ آل عمران: ١٠٥
أَوَّلاً: إِسْطَنْبُولُ — السَّنَةُ تِسْعُمِئَةٍ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
كَانَتْ إِسْطَنْبُولُ تَعْرِفُ أَنَّهَا مَرْكَزُ الْعَالَمِ.
لَيْسَ بِالِادِّعَاءِ — بَلْ بِالْجُغْرَافِيَا وَالتَّارِيخِ وَالْقُوَّةِ.
الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَتِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ثُمَّ صَارَتْ إِسْطَنْبُولَ — كَأَنَّ التَّارِيخَ نَفْسَهُ قَرَّرَ أَنْ يَجْلِسَ هُنَا، حَيْثُ الْبَرُّ يَلْتَقِي الْبَحْرَ وَالشَّرْقُ يَلْتَقِي الْغَرْبَ وَالْقَدِيمُ يَلْتَقِي الْجَدِيدَ.
وَفِي هَذَا التَّقَاطُعِ كَانَ جَمَالٌ وَخَطَرٌ فِي آنٍ — لأَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي تَظُنُّ نَفْسَهَا مَرْكَزَ الْعَالَمِ قَدْ تَنْسَى أَنَّ الْعَالَمَ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ مَرْكَزٍ.
فِي قَصْرِ طوب قابي كَانَ سُلَيْمَانُ الْقَانُونِيُّ يَجْلِسُ مَعَ مُسْتَشَارِيهِ.
لَمْ يَكُنِ اجْتِمَاعاً عَنِ الْحَرْبِ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
كَانَ اجْتِمَاعاً عَنْ شَيْءٍ أَصْعَبَ مِنَ الْحَرْبِ فِي نَظَرِ سُلَيْمَانَ — عَنِ الشَّرِيعَةِ.
وَحِينَ يَكُونُ الْحَاكِمُ رَجُلاً يَسْأَلُ عَنِ الشَّرِيعَةِ بَدَلَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِاسْتِخْدَامِهَا — فَهَذَا وَحْدَهُ يُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ عَنْهُ.
كَانَ أَحَدُ مَشَايِخِ الإِسْلَامِ جَالِساً عَنْ يَمِينِهِ.
رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ،
يَفِيضُ وَجْهُهُ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الثِّقَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا فَقَطْ حِينَ تَكُونُ قَدْ عَمِلْتَ طَوِيلاً فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَعْتَقِدُ أَنَّكَ فِيهِ.
لَكِنَّ الثِّقَةَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ حِينَ تَلْتَقِي بِسُؤَالٍ صَادِقٍ — تَتَوَقَّفُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
قَالَ سُلَيْمَانُ — بِذَلِكَ الْمَزِيجِ الَّذِي مَيَّزَهُ،
خَلِيفَةٌ يَتَصَرَّفُ كَمَلِكٍ وَيُفَكِّرُ كَعَالِمٍ:
— يا شيخ!.
الصَّفَوِيُّونَ يُكَفِّرُونَ السُّنَّةَ.
وَنَحْنُ نَرُدُّ بِنَفْسِ الأُسْلُوبِ.
وَالْحَرْبُ بَيْنَنَا تَحْمِلُ الآنَ طَابَعاً مَذْهَبِيَّاً.
قَالَ الشَّيخُ :
— الْحَرْبُ مَعَ الصَّفَوِيِّينَ تَمْزُجُ السِّيَاسِيَّ بِالْمَذْهَبِيِّ مَزْجاً لَا يَسْهُلُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا — وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ أَمَسَّ بِالْجُمْهُورِ وَأَقْوَى فِي التَّعْبِئَةِ.
وَالتَّعْبِئَةُ بِالْمُقَدَّسِ — أَنْجَعُ أَدَوَاتِ الْحَرْبِ وَأَخْطَرُهَا.
— وَهَلْ هَذَا صَوَابٌ؟
تَوَقَّفَ الشَّيخُ.
كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَسْئِلَةِ — أَسْئِلَةٌ لَيْسَتْ عَنِ الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ بَلْ عَنِ الصَّوَابِ الأَعْمَقِ — هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ سُلَيْمَانَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْحُكَّامِ الَّذِينَ خَدَمَهُمْ.
فَالْحَاكِمُ الَّذِي يَسْأَلُ “هَلْ هَذَا صَوَابٌ؟”
بَدَلَ “هَلْ هَذَا مُفِيدٌ؟”
— لَا يَحْتَاجُ كُلَّ الأَجْوِبَةِ لِتَعْرِفَ أَنَّكَ أَمَامَ شَخْصٍ مُخْتَلِفٍ.
قَالَ الشَّيخُ أَخِيراً :
— الصَّوَابُ فِي الْمَبْدَأِ: لَا.
وَالضَّرُورَةُ فِي الْوَاقِعِ: رُبَّمَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ — هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُخْطِئُ فِيهِ الْحُكَّامُ عَادَةً.
لأَنَّهُمْ يَبْدَؤُونَ بِرُبَّمَا وَيَنْتَهُونَ بِنَعَمْ وَيَنْسَوْنَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مَسَافَةً.
فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ — حَيْثُ كَانَ الْكُتَّابُ يُدَوِّنُونَ مَا يُقَالُ وَيَحْذِفُونَ مَا لَا يَنْبَغِي تَدْوِينُهُ — كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْهِنْدِيُّ جَالِساً.
جَاءَ مِنَ الْهِنْدِ مَعَ بَعْثَةٍ تِجَارِيَّةٍ مُنْذُ سَنَتَيْنِ وَبَقِيَ.
لَمْ يَكُنْ دِبْلُومَاسِيَّاً وَلَا تَاجِراً وَلَا عَالِماً بِالْمَعْنَى الرَّسْمِيِّ — كَانَ شَيْئاً لَا اسْمَ لَهُ فِي تِلْكَ الْمَجَالِسِ:
رَجُلاً يَرَى الأَشْيَاءَ مِنْ خَارِجِهَا لأَنَّهُ لَا يَنْتَمِي إِلَى مَرْكَزِ أَيٍّ مِنْهَا.
وَهَذَا — الْخَارِجُ الَّذِي لَا يَنْتَمِي — أَحْيَاناً يَرَى مَا لَا يَرَاهُ مَنْ هُوَ دَاخِلٌ حَتَّى رُكْبَتَيْهِ فِي الْأَمْرِ.
كَتَبَ فِي رِسَالَةٍ إِلَى أَخِيهِ فِي دِلْهِي:
“فِي إِسْطَنْبُولَ يَتَكَلَّمُونَ عَنِ الإِسْلَامِ كَمَا يَتَكَلَّمُ مَنْ يَمْلِكُ شَيْئاً ثَمِيناً وَيَخَافُ عَلَى مِلْكِيَّتِهِ.
وَفِيمَا وَصَلَنِي مِنْ أَخْبَارِ تَبْرِيزَ يَتَكَلَّمُونَ عَنْهُ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ.
وَكِلَاهُمَا يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ نَفْسِ الإِلَهِ.
وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْهَمَ كَيْفَ يَكُونُ الإِلَهُ الْوَاحِدُ مَعَ كُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ — إِلَّا إِذَا كَانَ الإِلَهُ أَكْبَرَ مِنَ الِاثْنَيْنِ مَعاً وَكِلَاهُمَا يَرَى جُزْءً مِنْهُ وَيَظُنُّهُ الْكُلَّ.”
وَفِي هَذَا الَّذِي كَتَبَهُ إِبْرَاهِيمُ لأَخِيهِ — دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ أَحَداً سَيَقْرَأُهُ يَوْماً — شَيْءٌ لَمْ يَسْتَطِعِ الْفُقَهَاءُ فِي الْغُرْفَةِ الْكُبْرَى قَوْلَهُ:
أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْحَقَّ لَا يَخَافُ أَنْ يَفْقِدَهُ.
وَمَنْ يَخَافُ الْفَقْدَ — رُبَّمَا لَا يَمْلِكُ بَلْ يُمْسِكُ.
ثَانِياً: تَبْرِيزُ — فِي نَفْسِ الْوَقْتِ
فِي الْجِهَةِ الأُخْرَى مِنْ ذَلِكَ الصِّرَاعِ كَانَتْ تَبْرِيزُ — عَاصِمَةُ الصَّفَوِيِّينَ الَّتِي تَعِيشُ عَلَى إِيقَاعٍ مُخْتَلِفٍ لَكِنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْجَوْهَرِ.
الشَّاهُ طَهْمَاسِبُ كَانَ يَحْكُمُ — وَفِي حُكْمِهِ ذَلِكَ الْمَزِيجُ الَّذِي مَيَّزَ الصَّفَوِيِّينَ: جَعْلُ التَّشَيُّعِ هُوِيَّةً وَطَنِيَّةً بِأَدَوَاتِ السُّلْطَةِ.
لَمْ يَكُنْ هَذَا ابْتِكَاراً جَدِيداً — الْعُثْمَانِيُّونَ فَعَلُوا نَفْسَ الشَّيْءِ مَعَ السُّنَّةِ.
لَكِنَّ الطَّرَفَيْنِ حِينَ يَفْعَلَانِ نَفْسَ الشَّيْءِ يَعْتَقِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمُقَدَّسَةٍ.
وَهَذَا — أَنْ تَرَى نَفْسَكَ فَرِيداً حِينَ تَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْجَمِيعُ — رُبَّمَا هُوَ أَكْثَرُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ مِرْآةً لَا حُجَّةً.
فِي إِحْدَى مَدَارِسِ تَبْرِيزَ كَانَ حَسَنٌ الأَصْفَهَانِيُّ — فَقِيهٌ شَابٌّ فِي الثَّلَاثِينَ،
دَرَسَ فِي النَّجَفِ وَعَادَ بِعِلْمٍ وَبِشَيْءٍ آخَرَ نَادِرٍ:
الْقُدْرَةِ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا تَعَلَّمَهُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ — وَكَانَ يُعَلِّمُ طُلَّابَهُ هَذِهِ الْقُدْرَةَ.
وَكَانَ بَيْنَهُمْ بَهْرَامُ الْفَارِسِيُّ — فِي الْعِشْرِينَ،
يُصَلِّي بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا يَفْهَمُهَا كَامِلاً،
يَحْمِلُ إِيمَانَهُ كَمَا يَحْمِلُ مِيرَاثاً ثَمِيناً لَمْ يَفْتَحْهُ بَعْدُ لِيَرَى مَا فِيهِ.
وَفِي هَذَا الْوَصْفِ — الإِيمَانُ الَّذِي لَمْ يُفْتَحْ — لَيْسَ قَسْوَةٌ بَلْ حَنَانٌ:
فَكُلُّنَا كُنَّا هُنَاكَ يَوْماً،
نَحْمِلُ مَا وَرِثْنَاهُ قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الْمِيرَاثَ الَّذِي لَا يُفْتَحُ لَا يُعَاشُ.
قَالَ حَسَنٌ لِلطُّلَّابِ :
— الْعُثْمَانِيُّونَ يَدَّعُونَ خِلَافَةَ الْمُسْلِمِينَ.
لَكِنَّ الْخِلَافَةَ الشَّرْعِيَّةَ — بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ — لِمَنْ؟
أَجَابَ أَحَدُ الطُّلَّابِ بِالْجَوَابِ الْجَاهِزِ:
— لِعَلِيٍّ وَآلِ الْبَيْتِ.
— وَلِمَاذَا؟
— لأَنَّ النَّبِيَّ أَوْصَى.
— وَهُمْ — الْعُثْمَانِيُّونَ — يَقُولُونَ مَاذَا؟
— يَقُولُونَ الِاخْتِيَارَ.
— وَكِلَاهُمَا لَدَيْهِ أَدِلَّةٌ.
فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ أَحَدَنَا أَكْثَرَ يَقِيناً مِنَ الآخَرِ؟
صَمَتَ الطُّلَّابُ.
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ — بِهَذِهِ الصِّيَاغَةِ — غَيْرَ مُعْتَادٍ فِي مَدَارِسِ تَبْرِيزَ.
عَادَةً الْجَوَابُ يَأْتِي قَبْلَ السُّؤَالِ.
وَحِينَ يَأْتِي الْجَوَابُ قَبْلَ السُّؤَالِ — لَمْ يَعُدِ الطَّالِبُ يُفَكِّرُ بَلْ يَحْفَظُ.
وَالَّذِي يَحْفَظُ بِلَا تَفْكِيرٍ يَمْلِكُ كَلَاماً لَا عِلْماً.
قَالَ بَهْرَامُ بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهُ يُجَرِّبُ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ يَثِقَ بِهَا:
— هَلْ تَقُولُ يَا شَيْخُ إِنَّ الِاثْنَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ؟
— لَا. أَقُولُ إِنَّ الِاثْنَيْنِ يَحْمِلَانِ حُجَّةً.
وَأَنَّ الْيَقِينَ الَّذِي نَمْلِكُهُ — نَحْنُ الْبَشَرَ — مَحْدُودٌ.
وَأَنَّ هَذَا الْمَحْدُودَ لَا يُجِيزُ لَنَا أَنْ نُكَفِّرَ مَنْ يَخْتَلِفُ وَلَا أَنْ نَقْتُلَهُ بِاسْمِ الْيَقِينِ.
قَالَ بَهْرَامُ بَعْدَ لَحْظَةٍ :
— لَكِنَّ الشَّيْخَ فُلَاناً قَالَ لَنَا الأُسْبُوعَ الْمَاضِيَ…
قَاطَعَهُ حَسَنٌ بِلُطْفٍ وَوُضُوحٍ مَعاً :
— الشَّيْخُ فُلَانٌ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ.
وَأَنَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَقُولَ.
وَأَنْتَ
— يَحِقُّ لَكَ أَنْ تُفَكِّرَ.
وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي أُرِيدُكَ أَنْ تَمْلِكَهُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذَا الدَّرْسِ.
قَالَ حَسَنٌ بَعْدَ صَمْتٍ،
وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحَزْنَ الْهَادِئَ :
— الْفِقْهُ يُقَيِّدُهُ زَمَنُ أَصْحَابِهِ وَأَحْوَالُهُمْ — وَمَا جَاءَ لِظَرْفٍ لَا يُؤْخَذُ عَلَى الإِطْلَاقِ.
وَمَا بُنِيَ فِي ظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ يُقْرَأُ فِي ظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ.
أَمَّا أَنْ تَأْخُذَهُ مُطْلَقاً وَتَضَعَهُ فَوْقَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالإِنْسَانِ — فَهَذَا لَيْسَ تَعْظِيماً لِلْفِقْهِ.
بَلْ هُوَ تَحْوِيلُهُ مِنْ أَدَاةٍ لِلْفَهْمِ إِلَى قَفَصٍ لِلتَّفْكِيرِ.
بَعْدَ الدَّرْسِ وَجَدَ حَسَنٌ رِسَالَةً مِنْ رَجُلٍ فِي السُّلْطَةِ.
الرِّسَالَةُ كَانَتْ مُخْتَصَرَةً — كَمَا تَكُونُ الرَّسَائِلُ حِينَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حُجَّةٍ لأَنَّهَا تَمْلِكُ الْقُوَّةَ:
“بَلَغَنَا أَنَّ فِي دَرْسِكَ مَا يُشَكِّكُ.
وَالتَّشْكِيكُ فِي زَمَنِ الْحَرْبِ خِيَانَةٌ.”
لَمْ تُوَقَّعْ.
وَلَمْ يَكُنْ لَازِماً.
جَلَسَ حَسَنٌ أَمَامَ الرِّسَالَةِ طَوِيلاً.
كَانَ يَعْرِفُ مَاذَا تَعْنِي.
كَانَ يَعْرِفُ أَيْضاً أَنَّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّفْكِيرِ خَوْفاً لَا يَكُفُّ عَنِ التَّفْكِيرِ
— بَلْ يُفَكِّرُ فِي السِّرِّ،
وَالتَّفْكِيرُ فِي السِّرِّ لَا يُصَحِّحُهُ أَحَدٌ وَلَا يُنَقِّحُهُ أَحَدٌ.
وَهَكَذَا يَكُونُ الْقَمْعُ أَحْيَاناً أَشَدَّ إِنْتَاجاً لِلضَّلَالِ مِمَّا يَخَافُهُ.
ثَالِثاً: الْحُدُودُ — بَيْنَ الدَّوْلَتَيْنِ
عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ الدَّوْلَتَيْنِ — فِي تِلْكَ الْمَسَافَةِ الَّتِي لَا تَنْتَمِي بِشَكْلٍ كَامِلٍ لأَحَدٍ،
وَلِهَذَا فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي لَا تَمْنَحُكَ إِيَّاهَا الانْتِمَاءَاتُ الْكَامِلَةُ — كَانَتْ قَافِلَةٌ تِجَارِيَّةٌ تَمُرُّ.
بَيْنَ التُّجَّارِ كَانَ جَمَالٌ الشَّامِيُّ — أَكْبَرُ الآنَ،
شَعْرُهُ ابْيَضَّ بَعْضُهُ،
لَكِنَّ عَيْنَيْهِ مَا زَالَتَا تِلْكَ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ تَحْسُبَانِ قَبْلَ أَنْ تُصَدِّقَا — لَيْسَ بُخْلاً،
بَلِ الْحَذَرُ الَّذِي تَكْتَسِبُهُ مِنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَمِنَ الزَّمَنِ الَّذِي عَلَّمَكَ أَنَّ الأَشْيَاءَ نَادِراً مَا تَكُونُ بَسِيطَةً كَمَا تَبْدُو.
وَكَانَ مَعَهُ فِي الْقَافِلَةِ يُوسُفُ
— تَاجِرٌ يَهُودِيٌّ مِنْ سَالُونِيكَ كَانَ يَعْمَلُ فِي ظِلِّ الْعُثْمَانِيِّينَ،
يَعْرِفُ لُغَتَيْنِ وَيَفْهَمُ مَذَاهِبَ ثَلَاثَةً — الإِسْلَامَ بِمَذْهَبَيْهِ، وَشَرِيعَتَهُ هُوَ — لأَنَّ التِّجَارَةَ لَا تَعْمَلُ دُونَ هَذَا
— وَمَنْ يَعْرِفُ لُغَتَيْنِ يَعِيشُ حَيَاتَيْنِ،
وَمَنْ يَعْرِفُ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ يَعْرِفُ شَيْئاً لَا يَعْرِفُهُ مَنْ يَعْرِفُ وَاحِداً فَقَطْ:
“أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَوْسَعُ مِمَّا تَرَى مِنْ زَاوِيَتِكَ”.
تَوَقَّفَا عِنْدَ نُقْطَةِ تَفْتِيشٍ.
كَانَ الْجُنُودُ يَسْأَلُونَ الْقَادِمِينَ:
مَنْ أَنْتُمْ وَمِنْ أَيْنَ؟
لَيْسَ لأَنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ بِالتِّجَارَةِ — بَلْ لأَنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ بِالانْتِمَاءِ.
وَحِينَ يَهْتَمُّ الْحَارِسُ بِانْتِمَائِكَ أَكْثَرَ مِنِ اهْتِمَامِهِ بِأَمَانَتِكَ — فَالسُّؤَالُ هُوَ:
“مَاذَا يَحْرُسُ بِالضَّبْطِ؟”
قَالَ جَمَالٌ لِلضَّابِطِ :
— تُجَّارٌ. مِنْ دِمَشْقَ إِلَى تَبْرِيزَ.
نَظَرَ الضَّابِطُ بِعَيْنٍ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ وَرَاءَ الْكَلَامِ :
— سُنِّيٌّ أَمْ شِيعِيٌّ؟
صَمَتَ جَمَالٌ لَحْظَةً.
لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ تَرَدُّداً — كَانَ تَأَمُّلاً. ثُمَّ قَالَ:
— مُسْلِمٌ.
ضَاقَ وَجْهُ الضَّابِطِ :
— هَذَا لَيْسَ جَوَاباً.
قَالَ جَمَالٌ بِهُدُوءٍ لَا يَتَحَدَّى وَلَا يَسْتَسْلِمُ:
— بِالنِّسْبَةِ لِي هُوَ الْجَوَابُ الْوَحِيدُ الَّذِي أَمْلِكُهُ.
وَمَضَى الضَّابِطُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَهُزِمَ أَمْ لَمْ يَجِدْ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ.
وَجَمَالٌ يَعْرِفُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَحْيَاناً لَيْسَ كَبِيراً.
فِي اللَّيْلِ حِينَ نَصَبُوا خَيْمَتَهُمْ وَكَانَتِ النَّارُ الصَّغِيرَةُ تُعْطِيهِمْ مِنَ الدِّفْءِ مَا يَكْفِي لِلْكَلَامِ الصَّادِقِ، قَالَ يُوسُفُ لِجَمَالٍ :
— كُنْتُ سَأَقُولُ: سُنِّيٌّ. كَانَ سَيَكُونُ أَسْهَلَ.
— أَعْرِفُ.
— فَلِمَاذَا لَمْ تَقُلْ؟
فَكَّرَ جَمَالٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى النَّارِ.
— لأَنَّنِي لَوْ قُلْتُ: سُنِّيٌّ — كُنْتُ أَقُولُ شَيْئاً صَحِيحاً لَكِنَّهُ نَاقِصٌ.
وَمَا هُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ نَاقِصٌ أَحْيَاناً أَخْطَرُ مِنَ الْكَذِبِ.
لأَنَّ الْكَذِبَ يُمْكِنُكَ مِنِ اكْتِشَافِهِ وَتَصْحِيحِهِ.
أَمَّا الْحَقِيقَةُ النَّاقِصَةُ — تَقُودُكَ إِلَى مَكَانٍ خَاطِئٍ بِثِقَةِ مَنْ يَمْشِي عَلَى صَوَابٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ يُوسُفُ:
— وَأَنَا — مَاذَا أَقُولُ إِذَا سَأَلُونِي؟
— تَقُولُ: تَاجِرٌ.
وَهَذَا أَيْضاً جَوَابٌ نَاقِصٌ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ.
ضَحِكَ يُوسُفُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً :
— أَنْتَ تَقُولُ لِي إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يَعِيشُ بِجَوَابٍ نَاقِصٍ.
— نَعَمْ.
— وَهَذَا يَكْفِي؟
قَالَ جَمَالٌ بِبُطْءٍ — كَرَجُلٍ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ طَرَحَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَثِيراً وَوَجَدَ إِجَابَتَهُ لَيْسَ فِي كِتَابٍ بَلْ فِي الطَّرِيقِ :
— لَا يَكْفِي.
لَكِنَّهُ مَا لَدَيْنَا.
وَالْجَوَابُ الْكَامِلُ — لَوْ وُجِدَ — لَيْسَ عِنْدِي وَلَا عِنْدَكَ.
هُوَ عِنْدَ مَنْ خَلَقَنَا.
وَنَحْنُ نُعْطَى أَجْزَاءً وَنُكَلَّفُ بِأَنْ نَحْيَا بِهَا دُونَ أَنْ نَتَظَاهَرَ أَنَّهَا الْكُلُّ — وَدُونَ أَنْ نَقْتُلَ بَعْضَنَا لأَنَّ جُزْءَنَا يَخْتَلِفُ عَنْ جُزْءِ الآخَرِ.
صَمَتَ يُوسُفُ.
وَالنَّارُ الصَّغِيرَةُ تَشْتَعِلُ بَيْنَهُمَا كَأَنَّهَا تَسْمَعُ.
رَابِعاً: إِسْطَنْبُولُ مَرَّةً أُخْرَى — مَجْلِسُ الْعُلَمَاءِ
فِي مَجْلِسٍ كَبِيرٍ جَمَعَ عُلَمَاءَ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ كَانَ النِّقَاشُ يَدُورُ حَوْلَ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ تَصْغُرُ فِي صِيَاغَتِهَا وَتَكْبُرُ فِي تَبِعَاتِهَا:
هَلْ يَجُوزُ تَكْفِيرُ الصَّفَوِيِّينَ عُمُوماً؟
الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَى فَتَاوَى قَدِيمَةٍ وَبَعْضِ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ — مُسْتَخْرِجاً مِنْهُ مَا يُرِيدُ كَمَا يَسْتَخْرِجُ مَنْ يَبْحَثُ فِي خِزَانَةٍ وَاسِعَةٍ عَمَّا قَرَّرَ مُسْبَقاً أَنْ يَجِدَهُ.
وَالْقَائِلُ بِالْمَنْعِ كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَى قَوَاعِدِ الرِّدَّةِ وَالتَّكْفِيرِ وَشُرُوطِهَا الصَّعْبَةِ — تِلْكَ الشُّرُوطُ الَّتِي وَضَعَهَا الْفُقَهَاءُ الْكِبَارُ لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَنْتَهِي الأَمْرُ حِينَ تَسْقُطُ.
كَانَ فِي الْمَجْلِسِ شيخاً يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْجَلْسَةِ.
وَكَانَ هُنَاكَ أَيْضاً فَقِيهٌ مِنَ الأَنَاضُولِ اسْمُهُ مُصْطَفَى الْقَيْصَرِيُّ — رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينَ،
وَجْهُهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ التَّعَبَ الْجَمِيلَ لِمَنْ أَمْضَى عُمُرَهُ فِي التَّدْرِيسِ لَا فِي الْمَنَاصِبِ،
وَيَعْرِفُ الْفِقْهَ مِنَ الدَّاخِلِ لَا مِنَ الْوَاجِهَةِ — وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ الشَّيْءَ مِنَ الدَّاخِلِ وَمَنْ يَعْرِفُهُ مِنَ الْوَاجِهَةِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ حَكِيمٍ وَمُتَعَلِّمٍ.
وَكَانَ هُنَاكَ قَاسِمٌ — بِطَبِيعَةِ الْحَالِ.
الرَّجُلُ الَّذِي يَجِدُ طَرِيقَهُ إِلَى كُلِّ مَجْلِسٍ مُهِمٍّ — لَيْسَ بِالنُّفُوذِ وَلَا بِالشُّهْرَةِ،
بَلْ بِتِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَكُونَ حَيْثُ تُصْنَعُ الأَشْيَاءُ.
قَالَ الْمُؤَيِّدُ لِلتَّكْفِيرِ — وَكَانَ شَابًّا يَحْمِلُ حَمَاساً يَسْبِقُ حِكْمَتَهُ،
وَهَذَا لَيْسَ عَيْباً فِي الشَّبَابِ بَلْ هُوَ طَبِيعَتُهُ،
لَكِنَّ الْعَيْبَ أَنْ تَبْقَى كَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَكْبُرَ:
— الْقُرْآنُ صَرِيحٌ فِي التَّبَرُّؤِ مِمَّنْ يُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ.
وَالصَّفَوِيُّونَ يُعَادُونَ السُّنَّةَ.
قَالَ مُصْطَفَى الْقَيْصَرِيُّ بِهُدُوءٍ مَنْ لَا يَحْتَاجُ رَفْعَ الصَّوْتِ لِيُسْمَعَ :
— التَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَهُ شُرُوطٌ.
وَمِنْ شُرُوطِهِ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْفَرْدِ لَا عَلَى الْجَمَاعَةِ.
وَتَكْفِيرُ الْجَمَاعَةِ جُمْلَةً — بِمَنْ فِيهَا مَنْ لَا يَعْرِفُ وَمَنْ لَا حَوْلَ لَهُ — هَذَا مَا لَمْ يُجِزْهُ الأُصُولِيُّونَ.
وَلَمْ يَمْنَعُوهُ تَسَاهُلاً — مَنَعُوهُ لأَنَّهُمْ رَأَوْا مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ يُبَاحُ.
قَالَ الشَّابُّ :
— لَكِنَّ الدَّوْلَةَ تَحْتَاجُ مَوْقِفاً وَاضِحاً.
قَالَ الشيخُ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الثِّقَلُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ مَوْقِعِ الْقَرَارِ لَا مِنْ مَوْقِعِ الرَّأْيِ:
— الدَّوْلَةُ تَحْتَاجُ مَوْقِفاً وَاضِحاً.
وَالدِّينُ يَحْتَاجُ دَقِيقاً.
وَحِينَ يُطْلَبُ مِنَ الدِّينِ أَنْ يَكُونَ وَاضِحاً بِمَعْنَى مُبَسَّطاً — يُظْلَمُ الدِّينُ قَبْلَ أَنْ يُظْلَمَ أَحَدٌ آخَرُ.
وَالدِّينُ الَّذِي يُظْلَمُ لَا يَنْتَقِمُ — لَكِنَّهُ يَضْمُرُ.
وَحِينَ يَضْمُرُ لَا تَجِدُ فِيهِ حِينَ تَحْتَاجُهُ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ.
فِي الْخَلْفِ قَالَ قَاسِمٌ — لِمَنْ جَلَسَ بِجَانِبِهِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَصِلُهُ وَحْدَهُ:
— كُلَّ مَرَّةٍ أَسْمَعُ هَذَا الْجَدَلَ أَتَذَكَّرُ جَارَتِي فِي دِمَشْقَ.
امْرَأَةٌ شِيعِيَّةٌ.
كَانَتْ تُعْطِينِي خُبْزاً حِينَ كُنْتُ صَغِيراً وَجَائِعاً.
لَمْ تَسْأَلْنِي عَنْ مَذْهَبِي.
— وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْجَدَلِ؟
— عَلَاقَتُهُ أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ يَتَكَلَّمُونَ عَنْ فِئَاتٍ وَجَمَاعَاتٍ.
وَأَنَا أَتَذَكَّرُ وَجْهاً وَاحِداً وَخُبْزاً وَاحِداً.
وَالْوَجْهُ أَصْدَقُ مِنَ الْفِئَةِ.
صَمَتَ مَنْ يُجَالِسُهُ ثُمَّ قَالَ :
— لَكِنَّ الدَّوْلَةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْكُمَ بِالْوُجُوهِ.
— أَعْرِفُ.
قَالَ قَاسِمٌ: — أَعْرِفُ.
لَكِنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَذَكَّرَهَا.
وَمَنْ يَتَذَكَّرُ الْوُجُوهَ حِينَ يَحْكُمُ — يَحْكُمُ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ عَمَّنْ يَنْسَاهَا.
خَامِساً: الأَثَرُ — مَا بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْحِقْبَةِ
بَعْدَ عُقُودٍ — حِينَ هَدَأَتْ إِحْدَى مَوْجَاتِ الصِّرَاعِ وَجَاءَ وَقْتُ التَّفْكِيرِ لَا الْقِتَالِ — جَلَسَ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ إِسْطَنْبُولَ رَجُلٌ كَاتِبُ مَوْسُوعِيٌّ عُثْمَانِيٌّ يُوَثِّقُ وَيُحَلِّلُ وَيَرَى — وَمَنْ يَمْلِكُ الثَّلَاثَةَ مَعاً نَادِرٌ.
كَتَبَ فِي كِتَابِهِ “مَا الَّذِي أَنْتَجَهُ هَذَا الصِّرَاعُ الطَّوِيلُ؟
أَنْتَجَ أَنَّ كُلَّ طَرَفٍ أَحْكَمَ قَفَصَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
الْعُثْمَانِيُّ صَارَ لَا يَسْتَطِيعُ الشَّكَّ فِي شَيْءٍ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّهَمَ بِالتَّشَيُّعِ.
وَالصَّفَوِيُّ صَارَ لَا يَسْتَطِيعُ الِاقْتِرَابَ مِنَ الْمَوْرُوثِ السُّنِّيِّ خَشْيَةَ أَنْ يُتَّهَمَ بِالْخِيَانَةِ.
وَكِلَاهُمَا خَسِرَ — لَيْسَ الآخَرَ — بَلْ خَسِرَ حُرِّيَّتَهُ فِي التَّفْكِيرِ.
وَحُرِّيَّةُ التَّفْكِيرِ أَثْمَنُ مَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إِيمَانِهِ.”
وَفِي هَذَا الَّذِي كَتَبَهُ الكَاتِبُ كُلُّ الدَّرْسِ:
أَنَّ (الأَيْدِيُولُوجِيَا _ وَهٰذا مُصْطَلَحٌ لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ؛ لِأَنَّهُ جَدِيدٌ نِسْبِيًّا) حِينَ تُحَارِبُ لَا تَقْتُلُ الْخَصْمَ فَقَطْ — تَقْتُلُ فِي صَاحِبِهَا أَيْضاً الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسَاؤُلِ.
وَالإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَتَسَاءَلُ لَا يُفَكِّرُ — يُرَدِّدُ.
وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ تَقْرِيباً كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْهِنْدِيُّ قَدْ عَادَ إِلَى دِلْهِي.
كَتَبَ رِسَالَتَهُ الأَخِيرَةَ مِنْ هُنَاكَ — بِقَلَمِ مَنْ رَأَى وَلَمْ يَحْكُمْ وَلَمْ يَنْسَ:
“رَأَيْتُ الإِسْلَامَ فِي مَكَانَيْنِ.
فِي إِسْطَنْبُولَ رَأَيْتُهُ دَوْلَةً.
وَفِي تَبْرِيزَ رَأَيْتُهُ دَوْلَةً أُخْرَى.
وَحِينَ عُدْتُ إِلَى دِلْهِي رَأَيْتُ إِسْلَاماً ثَالِثاً — أَكْثَرَ تَنَوُّعاً وَأَقَلَّ يَقِيناً رَسْمِيَّاً وَأَقْرَبَ — فِي ظَنِّي — إِلَى الرُّوحِ الأُولَى.
لأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الدَّوْلَةَ لَا يَمْلِكُ إِغْرَاءَ تَوْظِيفِ الدِّينِ لِخِدْمَتِهَا.”
وَفِي مَكَانٍ مَا عَلَى تِلْكَ الْحُدُودِ الَّتِي لَا تَنْتَمِي لأَحَدٍ كَانَتِ الْقَافِلَةُ مَا زَالَتْ تَمْشِي.
جَمَالٌ يَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ.
وَيُوسُفُ يَحْمِلُ بِضَاعَتَهُ.
وَكِلَاهُمَا يَحْمِلُ جَوَابَهُ النَّاقِصَ.
وَفَوْقَهُمَا السَّمَاءُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الْحُدُودَ،
وَالنُّجُومُ الَّتِي لَا تَسْأَلُ الْمُسَافِرَ عَنْ مَذْهَبِهِ، تُرَافِقُهُمَا كَمَا رَافَقَتْ دَائِماً كُلَّ مَنْ مَشَى فِي اللَّيْلِ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيقٍ فِي أَرْضٍ قَسَّمَهَا النَّاسُ وَنَسُوا أَنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُقَسَّمْ.
وَفِي إِسْطَنْبُولَ وَتَبْرِيزَ وَكُلِّ عَاصِمَةٍ قَرَّرَتْ يَوْماً أَنْ تَمْلِكَ اللَّهَ بَدَلَ أَنْ تَخْدِمَهُ — كَانَتِ الْبُذُورُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي زَرَعَهَا نَجْمُ الدِّينِ وَالْكُتُبُ الَّتِي أَخْفَاهَا حَارِثٌ وَالأَسْئِلَةُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي السُّجُونِ — مَا زَالَتْ تَنْبُتُ.
بِبُطْءٍ.
فِي أَمَاكِنَ لَا تَرَاهَا الدَّوْلَةُ وَلَا تَسْتَطِيعُ مَنْعَهَا.
لأَنَّ الْبَذْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَنْبُتُ حَيْثُ يُرِيدُ مَنْ زَرَعَهَا.
تَنْبُتُ حَيْثُ يُرِيدُ الضَّوْءُ.
