يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 11

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الفَصْلُ العَاشِرُ: الحَدَاثَةُ — حِينَ جَاءَ الغَرْبُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُسْتَعِدَّاً
“سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” — فُصِّلَت: ٥٣
أَوَّلاً: القَاهِرَةُ — في مَطْلَعِ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ
جَاءَ الفَرَنْسِيُّونَ بِالسُّفُنِ وَالمَدَافِعِ وَالمَطْبَعَةِ.
ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ — لَكِنَّ المَطْبَعَةَ كَانَتِ الأَكْثَرَ خُطُورَةً مِنْ بَيْنِهَا جَمِيعاً.
المَدَافِعُ تُدَمِّرُ الأَجْسَادَ،
وَتَنْتَهِي.
وَالمَطْبَعَةُ تُزَلْزِلُ اليَقِينَ الرَّاكِدَ — فَتُخِيفُ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِهِ وَتُحَرِّرُ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيقَةِ،
وَهَذَا وَحْدَهُ لَا يَنْتَهِي، وَخَاصَّةً حِينَ يَكُونُ ذَلِكَ اليَقِينُ قَدْ تَرَاكَمَ… قُرُوناً فَوْقَ بَعْضِهَا حَتَّى صَارَ يُشْبِهُ الجَبَلَ في صَلَابَتِهِ وَشُمُوخِهِ — هَذَا النَّوْعُ مِنَ الهَدْمِ لَا يُرَى وَلَا يُسْمَعُ وَلَا يُحَسُّ فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى،
لَكِنَّ أَثَرَهُ يَتَغَلْغَلُ في الأَعْمَاقِ وَيَبْقَى بَعْدَ أَنْ تغَادِرَ السُّفُنُ وَتَصْمُتَ المَدَافِعُ وَيُنْسَى اسْمُ القَائِدِ.
في القَاهِرَةِ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الجَبَرْتِيُّ يَرَى.
وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَرَى.
وَهَذِهِ هِيَ المِيزَةُ الكُبْرَى — وَالعِبْءُ الأَثْقَلُ.
رَجُلٌ في الخَمْسِينَ.
مُؤَرِّخٌ — لَكِنْ مِنَ النَّوْعِ النَّادِرِ الَّذِي يُوَثِّقُ بِعَيْنِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَثِّقُ نِهَايَةَ عَصْرٍ لَا اسْتِمْرَارَهُ.
وَهَذَا الفَرْقُ — بَيْنَ مُؤَرِّخٍ يُسَجِّلُ وَمُؤَرِّخٍ يَفْهَمُ — هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَحْفَظُ الذَّاكِرَةَ وَمَنْ يَحْمِلُ الوَجَعَ.
كَتَبَ في يَوْمِيَّاتِهِ تِلْكَ الأَيَّامَ كَلِمَاتِ مَنْ يَرَى مَا لَا يُرِيدُ رُؤْيَتَهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَلَّا يَرَاهُ:
” -رَأَيْتُ في المَطْبَعَةِ الَّتِي جَاؤُوا بِهَا أَشْيَاءَ.
يَطْبَعُونَ في اليَوْمِ مَا كَانَ يُنْسَخُ في سَنَةٍ.
وَالوَرَقُ يَخْرُجُ مِنْهَا وَفِيهِ كُلُّ شَيْءٍ — العِلْمُ وَالبَاطِلُ مَعاً — وَلَا أَحَدَ يُمَيِّزُ.
وَخِفْتُ.”
لَكِنَّهُ كَتَبَ أَيْضاً — وَهَذَا هُوَ الأَثْقَلُ:
” -وَرَأَيْتُ في عُلُومِهِمْ أَشْيَاءَ.
في الطِّبِّ وَالحِسَابِ وَالهَنْدَسَةِ.
وَتَسَاءَلْتُ:
“هَذِهِ العُلُومُ — أَلَمْ تَكُنْ عِنْدَنَا؟ فَأَيْنَ ذَهَبَتْ؟”
“وَحِينَ تَسَاءَلْتُ وَجَدْتُ أَنَّ الجَوَابَ أَصْعَبُ مِنَ السُّؤَالِ.”
وَهَكَذَا هِيَ الأَسْئِلَةُ الحَقِيقِيَّةُ دَائِماً — لَا تَقُودُكَ إِلَى رَاحَةِ اليَقِينِ،
بَلْ إِلَى مَهَاوِي التَّفْكِيرِ الَّتِي لَا قَرَارَ لَهَا.
في البَيْتِ المُجَاوِرِ كَانَ يُقِيمُ الشَّيْخُ يُوسُفُ — عَالِمٌ أَزْهَرِيٌّ في السِّتِّينَ،
تَلَامِيذُهُ كَثِيرُونَ،
وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ الوَقَارَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ عُقُودٍ في التَّدْرِيسِ وَلَيْسَ مِنْ عُقُودٍ في التَّفْكِيرِ — وَهَذَا فَرْقٌ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ خَبَرَ الاثْنَيْنِ وَعَرَفَ أَيُّهُمَا أَصْعَبُ.
جَاءَهُ الجَبَرْتِيُّ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وَكَانَتِ القَاهِرَةُ مِنْ حَوْلِهِمَا تَنَامُ نَوْمَ مَنْ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ حَجْمَ مَا نَزَلَ بِهِ.
قَالَ الجَبَرْتِيُّ :
— يَا شَيْخَ يُوسُفَ.
ذَهَبْتُ اليَوْمَ إِلَى مَعْهَدِ العُلُومِ الَّذِي أَنْشَأَهُ الفَرَنْسِيُّونَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بِعَيْنٍ فِيهَا شَيْءٌ بَيْنَ الاسْتِنْكَارِ وَالفُضُولِ — ذَلِكَ الفُضُولُ الَّذِي يَتَظَاهَرُ صَاحِبُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فُضُولاً :
— وَمَاذَا رَأَيْتَ؟
— رَأَيْتُ كُتُباً في الفَلَكِ أَدَقَّ مِمَّا عِنْدَنَا.
وَرَأَيْتُ خَرَائِطَ للأَرْضِ أَكْثَرَ تَفْصِيلاً.
وَرَأَيْتُ آلَاتٍ تَقِيسُ مَا ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا يُقَاسُ.
وَرَأَيْتُ طُلَّابَاً يَسْأَلُونَ أُسَاتِذَتَهُمْ وَلَا يُعَاقَبُونَ عَلَى السُّؤَالِ.
قَاطَعَهُ الشَّيْخُ بِتِلْكَ الثِّقَةِ الَّتِي تَحْجُبُ أَحْيَاناً القَلَقَ الَّذِي تَحْتَهَا:
— هَذَا عِلْمٌ دُنْيَوِيٌّ.
عِلْمُهُمْ لِلدُّنْيَا.
وَعِلْمُنَا لِلآخِرَةِ.
تَوَقَّفَ الجَبَرْتِيُّ.
وَكَانَ تَوَقُّفُهُ نَوْعاً مِنَ الاحْتِرَامِ الَّذِي لَا يَعْنِي الإِذْعَانَ.
قَالَ بِبُطْءٍ — كَمَنْ يَزِنُ الكَلَامَ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ :
—لَكِنَّ الدُّنْيَا هِيَ المَكَانُ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ الآنَ.
وَإِذَا لَمْ نَفْهَمْهَا لَنْ نَسْتَطِيعَ الاخْتِيَارَ فِيهَا.
وَمَنْ لَا يَخْتَارُ يُخْتَارُ لَهُ.
— الدِّينُ يُعَلِّمُنَا كُلَّ مَا نَحْتَاجُ.
— الدِّينُ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَعِيشُ.
لَكِنَّ الطِّبَّ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نُعَالِجُ المَرَضَ.
وَالهَنْدَسَةُ تُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَبْنِي.
وَالفَلَكُ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَعْرِفُ الأَوْقَاتَ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الدِّينِ إِذَا صَحَّتِ النِّيَّةُ— بَلْ هِيَ مِنَ الخِلَافَةِ في الأَرْضِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا.
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الإِشْفَاقَ — وَهُوَ أَحْيَاناً وَجْهُ الخَوْفِ حِينَ يَتَأَنَّقُ :
— أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مَفْتُوناً بِمَا رَأَيْتَ.
قَالَ الجَبَرْتِيُّ بذلِكَ الهُدُوءِ الَّذِي يَحْمِلُهُ مَنْ فَكَّرَ طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ:
— لَا. أَنَا لَسْتُ مَفْتُوناً.
الفَتْنَةُ تُعْمِي عَنِ العُيُوبِ.
وَأَنَا رَأَيْتُ عُيُوبَهُمْ كَمَا رَأَيْتُ فَضَائِلَهُمْ. لَكِنَّنِي خَائِفٌ.
وَخَوْفِي لَيْسَ مِنْهُمْ.
خَوْفِي مِنْ أَنَّنَا لَمْ نَسْأَلْ لِمَاذَا وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ وَنَحْنُ لَمْ نَصِلْ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي لَا يُطْرَحُ — لَا تُولَدُ لَهُ إِجَابَةٌ.
وَالأُمَّةُ الَّتِي لَا تَسْأَلُ لِمَاذَا تَأَخَّرَتْ تَكْتَفِي بِلَوْمِ غَيْرِهَا وَتَبْقَى حَيْثُ هِيَ.
وَغَابَ في الشَّيْخِ ذَلِكَ الوَقَارُ لَحْظَةً — لَحْظَةً فَقَطْ — ثُمَّ عَادَ.
لَكِنَّ الجَبَرْتِيَّ رَآهَا.
وَدَوَّنَهَا في ذَاكِرَتِهِ كَمَا يُدَوِّنُ كُلَّ شَيْءٍ.
ثَانِياً: السُّؤَالُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مَجْلِساً
في مَكَانٍ آخَرَ مِنَ القَاهِرَةِ — في حَوْشٍ شَعْبِيٍّ بَعِيدٍ عَنْ مَجَالِسِ العُلَمَاءِ وَالفَرَنْسِيِّينَ،
حَيْثُ تَصِلُ أَصْدَاءُ الحَوَادِثِ الكُبْرَى مُتَأَخِّرَةً وَتُتَرْجَمُ فَوْراً إِلَى لُغَةِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ — كَانَتْ أَمِينَةُ تَخْبِزُ.
لَيْسَتْ أَمِينَةُ الأُولَى وَلَا الثَّانِيَةَ.
لَكِنَّ الاسْمَ مَا زَالَ يُولَدُ مَعَ نَفْسِ الطَّبِيعَةِ في كُلِّ جِيلٍ — عُيُونٌ تَرَى الأَشْيَاءَ البَسِيطَةَ بِوُضُوحٍ يُخْجِلُ الفَلَاسِفَةَ،
لِأَنَّ الحَيَاةَ عَلَّمَتْهَا مَا لَمْ تُعَلِّمْهُ الكُتُبُ.
جَاءَتْهَا جَارَتُهَا سُكَيْنَةُ وَهِيَ تَحْمِلُ طِفْلَهَا الصَّغِيرَ — وَفِي عَيْنَيْهَا أَثَرُ لَيَالِي السَّهَرِ وَالدُّعَاءِ وَالخَوْفِ الَّذِي تَعْرِفُهُ كُلُّ أُمٍّ جَلَسَتْ بِجَانِبِ سَرِيرِ طِفْلٍ مَحْمُومٍ.
قَالَتْ سُكَيْنَةُ :
—يَا أَمِينَةُ.
قَالُوا إِنَّ الحَكِيمَ الإِفْرَنْجِيَّ في الحَيِّ يُعَالِجُ بِأَدْوِيَةٍ مَا رَأَيْنَاهَا.
— وَذَهَبْتِ إِلَيْهِ؟
— ذَهَبْتُ.
وَابْنِي كَانَ يَحْتَرِقُ بِالحُمَّى مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَبَعْدَ دَوَائِهِ نَامَ في اللَّيْلَةِ ذَاتِهَا — نَوْمَ الصَّحِيحِ لَا نَوْمَ المَغْلُوبِ عَلَى أَمْرِهِ.
صَمَتَتْ أَمِينَةُ وَهِيَ تُقَلِّبُ العَجِينَ.
صَمْتٌ لَيْسَ تَرَدُّداً بَلْ تَفْكِيراً.
ثُمَّ قَالَتْ:
— وَذَهَبْتِ قَبْلَهُ إِلَى الشَّيْخِ؟
— ذَهَبْتُ.
كَتَبَ لِيَ حِجَاباً وَقَرَأَ عَلَيْهِ.
—وَلَمْ يَنْفَعْ؟
—لَمْ يَنْفَعْ في ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
صَمَتَتْ أَمِينَةُ مَرَّةً أُخْرَى.
ثُمَّ نَفَخَتْ في النَّارِ نَفْخَةً هَادِئَةً — كَأَنَّهَا تَنْفُخُ في السُّؤَالِ نَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالَتْ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَقُولُ بِهَا الأَشْيَاءَ الصَّعْبَةَ كَأَنَّهَا بَسِيطَةٌ:
— رُبَّمَا اللهُ أَعْطَى الإِفْرَنْجِيَّ عِلْماً في الطِّبِّ.
وَأَعْطَى الشَّيْخَ عِلْماً في الرُّوحِ.
وَالمَرَضُ أَحْيَاناً في الجَسَدِ وَأَحْيَاناً في الرُّوحِ.
وَالحَكِيمُ أَعْرَفُ بِالجَسَدِ وَالشَّيْخُ أَعْرَفُ بِالرُّوحِ.
وَلَيْسَ في الوُجُودِ كُلِّهِ قَانُونٌ يَقُولُ إِنَّ مَنْ أَعْطَاكَ عِلْمَ الجَسَدِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِماً. فَلِمَاذَا يَكُونُ الاثْنَانِ ضِدَّيْنِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهَا سُكَيْنَةُ :
—لَكِنَّ الشَّيْخَ قَالَ إِنَّ الذَّهَابَ إِلَى الإِفْرَنْجِيِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
—وَقَالَ لِمَاذَا؟
—قَالَ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ.
قَالَتْ أَمِينَةُ وَهِيَ تَضْرِبُ العَجِينَ بِطَرِيقَةٍ لَا تَتْرُكُ مَجَالاً لِلْجَدَلِ — تِلْكَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَضْرِبُ بِهَا مَنْ يَعْرِفُونَ الحَقِيقَةَ مِنَ الحَيَاةِ لَا مِنَ الكُتُبِ :
— ابْنُكِ الآنَ نَائِمٌ مُعَافىً.
وَاللهُ أَعْطَاهُمُ العِلْمَ وَاسْتَخْدَمْتِهِ.
وَهَذَا كَافٍ عِنْدَ اللهِ إِنْ صَحَّتْ نِيَّتُكِ.
أَمَّا الشَّيْخُ — فَهُوَ يَخَافُ مِمَّا لَا يَعْرِفُ.
وَالخَوْفُ مِنَ المَجْهُولِ لَيْسَ فَتْوَى.
وَالفَتْوَى الَّتِي يَمُوتُ بِسَبَبِهَا طِفْلٌ لَا يَقْبَلُهَا اللهُ الَّذِي عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَوَقَعَتِ الكَلِمَاتُ في الهَوَاءِ.
وَلَمْ تَقُلْ سُكَيْنَةُ شَيْئاً.
لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يُقَالُ.
ثَالِثاً: رِفَاعَةُ الطَّهْطَاوِيُّ — الرَّجُلُ الَّذِي ذَهَبَ وَرَجَعَ بِسُؤَالٍ
في فِي سَنَةِ أَلْفٍ وَمِئَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ— بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ رَحِيلِ الحَمْلَةِ الفَرَنْسِيَّةِ،
حِينَ بَدَأَتِ الصَّدْمَةُ الأُولَى تَتَحَوَّلُ إِلَى سُؤَالٍ — ذَهَبَ رِفَاعَةُ رَافِع الطَّهْطَاوِيُّ إِلَى بَارِيسَ مَعَ البَعْثَةِ.
لَمْ يَكُنْ سِيَاسِيَّاً وَلَا عَسْكَرِيَّاً.
كَانَ إِمَاماً — جَاءَ لِيُرْشِدَ الطُّلَّابَ دِينِيَّاً.
وَرَجَعَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ في خُطَّةِ مَنْ أَرْسَلَهُ وَلَا في تَوَقُّعَاتِهِ هُوَ.
رَجَعَ بِسُؤَالٍ.
وَالسُّؤَالُ أَحْيَاناً أَخْطَرُ مِنَ الإِجَابَةِ.
لِأَنَّ الإِجَابَةَ تَنْتَهِي وَالسُّؤَالَ لَا يَنْتَهِي.
في مَكْتَبِهِ في القَاهِرَةِ — بَعْدَ عَوْدَتِهِ،
وَكَانَتِ القَاهِرَةُ تَبْدُو لَهُ أَكْبَرَ مِمَّا كَانَتْ وَأَضْيَقَ في آنٍ وَاحِدٍ — كَانَ يَكْتُبُ “تَخْلِيصَ الإِبْرِيزِ في تَلْخِيصِ بَارِيزَ”.
وَكَانَتْ بِجَانِبِهِ نُورٌ — لَيْسَتْ نُورَ البَاحِثَةَ المُعَاصِرَةَ الَّتِي سَنَرَاهَا في الفَصْلِ الأَخِيرِ،
بَلْ جَدَّتَهَا الكُبْرَى،
امْرَأَةٌ في الثَّلَاثِينَ كَانَتْ تَعْمَلُ في المَطْبَعَةِ الَّتِي أُنْشِئَتْ حَدِيثاً — أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَعْمَلُ في مَطْبَعَةِ القَاهِرَةِ.
وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ يَكْفِي لِأَنْ تَكُونَ حَيَاتُهَا سُؤَالاً مُجَسَّداً حِينَ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ مَسْمُوحاً بِهِ.
قَالَتْ نُورٌ وَهِيَ تُرَتِّبُ الأَوْرَاقَ بِتِلْكَ الدِّقَّةِ الَّتِي تَخُصُّ مَنِ اعْتَادُوا عَلَى أَنَّ الوَرَقَ أَمَانَةٌ :
— مَا الَّذِي أَدْهَشَكَ أَكْثَرَ في فَرَنْسَا؟
نَظَرَ إِلَيْهَا الطَّهْطَاوِيُّ.
وَفِي نَظْرَتِهِ شَيْءٌ مِنَ الامْتِنَانِ — لِأَنَّ مَنْ يَسْأَلُ السُّؤَالَ الجَيِّدَ يَمْنَحُكَ فُرْصَةَ الإِجَابَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
قَالَ بِبُطْءٍ — كَمَنْ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ فَكَّرَ فِيهِ كَثِيراً دُونَ أَنْ يَجِدَ صِيَاغَةً كَافِيَةً :
— أَدْهَشَنِي شَيْءٌ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ.
لَيْسَ المَصَانِعَ.
لَيْسَ الشَّوَارِعَ.
لَيْسَ حَتَّى الكُتُبَ.
— مَا هُوَ؟
— أَدْهَشَنِي أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ.
عَلَناً.
بِصَوْتٍ عَالٍ.
في الصُّحُفِ وَالمَجَالِسِ وَالشَّوَارِعِ أَحْيَاناً.
وَيَبْقَى المُجْتَمَعُ.
— أَلَا نَخْتَلِفُ نَحْنُ؟
— نَخْتَلِفُ.
لَكِنَّ الاخْتِلَافَ عِنْدَنَا يُوَلِّدُ الخَوْفَ.
وَالخَوْفُ يُوَلِّدُ الإِسْكَاتَ.
ثُمَّ الإِسْكَاتُ يُوَلِّدُ التَّظَاهُرَ بِالاتِّفَاقِ.
حَتَّى لَا يَعْرِفَ أَحَدٌ أَيْنَ يَقِفُ أَحَدٌ حَقَّاً.
وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَتَظَاهَرُ بِالاتِّفَاقِ يَضْعُفُ مِنَ الدَّاخِلِ وَلَا يَعْرِفُ لِمَاذَا.
صَمَتَتْ نُورٌ.
صَمْتٌ فِيهِ ثِقَلُ مَنْ يَفْهَمُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصَرِّحُ.
ثُمَّ قَالَتْ :
— وَهُمْ — لِمَاذَا يَسْتَطِيعُونَ الاخْتِلَافَ دُونَ خَوْفٍ؟
— لِأَنَّهُمْ بَنَوْا — بِبُطْءٍ وَبِدِمَاءٍ كَثِيرَةٍ وَبِأَخْطَاءٍ لَا تُحْصَى — فِكْرَةً أَنَّ الخَطَأَ في الرَّأْيِ لَا يَسْتَوْجِبُ العُقُوبَةَ.
فَقَطِ الخَطَأُ في الفِعْلِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا سُؤَالٌ حَقِيقِيٌّ لَا سُؤَالٌ بِلَاغِيٌّ :
— وَهَلْ هَذَا في الإِسْلَامِ؟
قَالَ الطَّهْطَاوِيُّ — وَكَانَ في صَوْتِهِ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ الَّذِي يَخُصُّ مَنْ يَقُولُ الحَقِيقَةَ وَيَعْرِفُ ثَمَنَهَا :
— في رُوحِ الإِسْلَامِ — نَعَمْ.
في الآيَاتِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَقَبُولِ الاخْتِلَافِ — نَعَمْ.
لَكِنْ في تَطْبِيقِهِ التَّارِيخِيِّ — أَحْيَاناً.
وَأَحْيَاناً لَا.
وَالفَرْقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالتَّطْبِيقِ هُوَ المَسَافَةُ الَّتِي عَلَيْنَا أَنْ نَقْطَعَهَا.
وَهِيَ لَيْسَتْ مَسَافَةً جُغْرَافِيَّةً وَلَا زَمَنِيَّةً — هِيَ مَسَافَةٌ في الشَّجَاعَةِ.
كَتَبَ الطَّهْطَاوِيُّ في كِتَابِهِ مَا صَارَ يُسْتَشْهَدُ بِهِ وَيُخْتَلَفُ عَلَيْهِ قَرْناً وَنِصْفاً:
” وَلَقَدْ كادَتْ هٰذِهِ القَضِيَّةُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جَوامِعِ الكَلِمِ عِنْدَ الفَرَنْساوِيَّةِ، وَهِيَ مِنَ الأَدِلَّةِ الواضِحَةِ عَلَى وُصُولِ العَدْلِ عِنْدَهُمْ إِلَى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، وَتَقَدُّمِهِمْ فِي الآدابِ الحَضَرِيَّةِ.
وَما يُسَمُّونَهُ الحُرِّيَّةَ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ هُوَ عَيْنُ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَنا العَدْلُ وَالإِنْصافُ، وَذٰلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الحُكْمِ بِالحُرِّيَّةِ هُوَ التَّساوِي فِي الأَحْكامِ وَالقَوانِينِ، بِحَيْثُ لا يَجُورُ الحكمُ عَلَى إِنْسانٍ، بَلِ القَوانِينُ هِيَ المُحَكَّمَةُ المُعْتَبَرَةُ.
فَهٰذِهِ البِلادُ حُرِّيَّةٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَقَدْ مَلَأَ العَدْلُ أَقْطارَها …. وَفِيها تَوَالَى الصَّفا وَالوَفا.”
“وَإِنْ كَانَتْ مُبَايِنَةً لِحُرِّيَّةِ الإِسْلَامِ الحَقِيقِيَّةِ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاؤُنَا العَدْلَ وَالإِنْصَافَ.”
جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَحَتْ بَاباً وَلَمْ تُغْلِقْ نِقَاشاً حَتَّى اليَوْمِ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الجُمَلِ لَا يَكْتُبُهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ بِجَسَدِهِ في عَالَمَيْنِ وَعَاشَ بِرُوحِهِ في سُؤَالٍ واحِدٍ.
رَابِعاً: جَمَالُ الدِّينِ الأَفْغَانِيُّ — الصَّوْتُ الغَاضِبُ المُتَحَرِّكُ
في نَفْسِ القَرْنِ — بَعْدَ الطَّهْطَاوِيِّ بِجِيلٍ،
حِينَ كَانَتِ الأَسْئِلَةُ قَدْ كَبُرَتْ وَلَمْ تَجِدْ بَعْدُ إِجَابَاتٍ تُرِيحُهَا — كَانَ جَمَالُ الدِّينِ الأَفْغَانِيُّ يَمْشِي.
لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ في مَكَانٍ.
إِسْطَنْبُولُ.
القَاهِرَةُ.
بَارِيسُ.
لَنْدَنُ.
طَهْرَانُ.
الهِنْدُ.
كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا يُرِيدُ دُونَ أَنْ يُطْرَدَ مِنْهُ.
وَلَمْ يَجِدْهُ.
وَهَذَا وَحْدَهُ يَقُولُ شَيْئاً عَمَّا كَانَ يَقُولُهُ.
طُرِدَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
وَفِي كُلِّ طَرْدٍ كَانَ يَحْمِلُ نَارَهُ وَيَمْشِي.
في القَاهِرَةِ الْتَقَى بِمُحَمَّد عَبْدُه — الشَّابِّ الَّذِي سَيَصِيرُ أَحَدَ أَبْرَزِ مُصْلِحِي عَصْرِهِ وَيُلَقَّبُ بِالإِمَامِ،
وَالَّذِي كَانَ حِينَهَا يَحْمِلُ في رُوحِهِ تِلْكَ الرَّغْبَةَ في التَّوْفِيقِ الَّتِي تُمَيِّزُ مَنْ يَرَى طَرَفَيْنِ وَيَرْفُضُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَخَلِّياً عَنِ الآخَرِ — وَهَذَا الرَّفْضُ في ذَاتِهِ مَوْقِفٌ يَتَطَلَّبُ شَجَاعَةً لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ جَرَّبَهُ.
قَالَ الأَفْغَانِيُّ لِعَبْدُه في أَوَّلِ لِقَاءٍ — وَكَانَ اللِّقَاءُ في مَجْلِسٍ بَسِيطٍ في بَيْتِ أَحَدِ الطُّلَّابِ،
وَكَانَتِ الشُّمُوعُ تَشْتَعِلُ وَالأَسْئِلَةُ أَكْثَرَ مِنَ الشُّمُوعِ:
—لِمَاذَا المُسْلِمُونَ مُتَأَخِّرُونَ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ عَبْدُهُ.
وَفِي نَظْرَتِهِ شَيْءٌ بَيْنَ القَبُولِ وَالتَّحَفُّظِ — قَبُولُ السُّؤَالِ وَتَحَفُّظٌ مِنْ صِيَاغَتِهِ:
—هَذَا سُؤَالٌ كَبِيرٌ.
—لِأَجْلِ ذَلِكَ أَسْأَلُهُ.
الأَسْئِلَةُ الكَبِيرَةُ لَا تُطْرَحُ في المَجَالِسِ الصَّغِيرَةِ.
وَمَجَالِسُنَا الصَّغِيرَةُ تَظُنُّ نَفْسَهَا كَبِيرَةً.
فَكَّرَ عَبْدُهُ — وَكَانَ التَّفْكِيرُ عِنْدَهُ مَرْئِيَّاً في الصَّمْتِ قَبْلَ الكَلَامِ. ثُمَّ قَالَ:
—الاسْتِعْمَارُ—
— هَذَا تَشْخِيصٌ. ولَيْسَ تَفْسِيراً.
— الاسْتِعْمَارُ جَاءَ لِأَنَّ هُنَاكَ ضَعْفاً.
— وَالضَّعْفُ — مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟
قَالَ عَبْدُهُ بِبُطْءٍ — كَمَنْ يَتَكَلَّمُ وَيُفَكِّرُ في آنٍ وَاحِدٍ:
— مِنَ الانْقِطَاعِ عَنِ العَقْلِ.
مِنْ تَقْدِيسِ التَّقْلِيدِ عَلَى حِسَابِ الاجْتِهَادِ.
مِنَ الخَلْطِ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالمُتَغَيِّرِ في الدِّينِ.
— جُزْءٌ مِنَ الإِجَابَةِ. مَا الجُزْءُ الآخَرُ؟
— مِنَ الاسْتِبْدَادِ.
الاسْتِبْدَادِ السِّيَاسِيِّ الَّذِي يُضْعِفُ الأُمَّةَ.
وَالاسْتِبْدَادِ الدِّينِيِّ الَّذِي يُضْعِفُ العَقْلَ.
وَحِينَ يَجْتَمِعَانِ يَصْنَعَانِ جِيلاً يُطِيعُ وَلَا يَفْكِّرُ.
أَوْمَأَ الأَفْغَانِيُّ بِرَأْسِهِ — وَكَانَتْ هَذِهِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الإِطْرَاءِ عِنْدَهُ:
— الآنَ أَسْمَعُ شَيْئاً حَقِيقِيَّاً.
في تِلْكَ الجَلْسَةِ كَانَ بَيْنَ الحَاضِرِينَ طَارِقٌ الصَّغِيرُ — طَالِبٌ في العِشْرِينَ،
أَبُوهُ تَاجِرٌ وَأُمُّهُ تَحْفَظُ القُرْآنَ وَهُوَ في المُنْتَصَفِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ لَا يَتَكَلَّمَانِ
— وَهَذَا المُنْتَصَفُ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ هُوَ تَحْدِيداً مَا يُؤَهِّلُهُ لِلسُّؤَالِ الصَّحِيحِ.
قَالَ طَارِقٌ — بِتِلْكَ الجُرْأَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الصِّغَارُ أَحْيَاناً قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا الخَوْفَ:
— لَكِنْ يَا شَيْخُ.
حِينَ تَقُولُ الاجْتِهَادَ — مَنْ يَجْتَهِدُ؟
وَفِي مَاذَا؟
وَمَا الحُدُودُ؟
وَمَنْ يَرْسُمُ الحُدُودَ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الأَفْغَانِيُّ بِعَيْنٍ تُقَيِّمُ — تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي تَقُولُ:
-وَجَدْتُ مَنْ يَسْأَلُ لَا مَنْ يُصَفِّقُ:
— سُؤَالٌ جَيِّدٌ.
بَلْ سُؤَالَانِ جَيِّدَانِ.
— وَمَا الجَوَابُ؟
— الجَوَابُ هُوَ الحَيَاةُ.
حِينَ تَعِيشُ وَتُوَاجِهُ الوَاقِعَ — تَعْرِفُ أَيْنَ تَجْتَهِدُ.
الاجْتِهَادُ لَيْسَ رُخْصَةً تُمْنَحُ — هُوَ مَسْؤُولِيَّةٌ تُحْمَلُ.
قَالَ طَارِقٌ — وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ بَيْنَ الإِصْرَارِ وَالاحْتِرَامِ:
— لَكِنَّ هَذَا جَوَابٌ فَضْفَاضٌ.
يَسْتَطِيعُ أَيُّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ.
ضَحِكَ الأَفْغَانِيُّ — وَكَانَتْ ضَحِكَتُهُ نَادِرَةً،
وَلِهَذَا ثَقِيلَةً حِينَ تَأْتِي:
— نَعَمْ.
لِأَنَّ الحَيَاةَ فَضْفَاضَةٌ.
وَالفِقْهُ الضَّيِّقُ لَنْ يَسَعَهَا.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ الحَيَاةَ كُلَّهَا في كِتَابٍ — سَيَحْتَاجُ كِتَاباً بِحَجْمِ الحَيَاةِ.
وَصَمَتَ طَارِقٌ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ اقْتَنَعَ — بَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ بَعْضَ الأَجْوِبَةِ تَحْتَاجُ سَنَوَاتٍ لِتُفْهَمَ،
لَا ثَوَانِيَ.
خَامِساً: مُحَمَّدُ عَبْدُهُ — الرَّجُلُ الَّذِي حَاوَلَ التَّوْفِيقَ وَتَكَسَّرَ فِيهِ
في آخِرِ أَيَّامِهِ — وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا الأَخِيرَةُ بِذَلِكَ اليَقِينِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يَكُونُ المَرَضُ وَالتَّعَبُ أَصْدَقَ مِنَ الأَطِبَّاءِ — قَالَ مُحَمَّدُ عَبْدُهُ لِأَحَدِ أَقْرَبِ تَلَامِيذِهِ في مَجْلِسٍ خَاصٍّ لَا تَصِلُهُ إِلَّا الكَلِمَاتُ الصَّادِقَةُ:
— أَنَا جِئْتُ بَيْنَ نَارَيْنِ.
العَقْلَانِيُّونَ يُرِيدُونَ إِسْلَاماً بِلَا غَيْبٍ — إِسْلَاماً يُرِيحُ العَقْلَ وَيُخِيفُ الرُّوحَ.
وَالمُحَافِظُونَ يُرِيدُونَ إِسْلَاماً بِلَا عَقْلٍ — إِسْلَاماً يُرِيحُ الرُّوحَ وَيُخِيفُ العَقْلَ.
وَأَنَا أَرَى إِسْلَاماً يَحْتَاجُ الاثْنَيْنِ — لِأَنَّ الإِنْسَانَ نَفْسَهُ اثْنَانِ.
— وَلِمَاذَا لَمْ تُقْنِعِ الفَرِيقَيْنِ؟
— لِأَنَّ مَنْ يَقِفُ في المُنْتَصَفِ يُصَابُ مِنَ الجِهَتَيْنِ.
وَالوَسَطُ — رَغْمَ أَنَّهُ الأَصَحُّ أَحْيَاناً — هُوَ الأَكْثَرُ عُرْضَةً.
لِأَنَّ كُلَّ طَرَفٍ يَرَى فِيكَ خَائِناً وَلَا يَرَى فِيكَ مُوَفِّقاً.
قَالَ الطَّالِبُ — وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ مِنَ الحُزْنِ الَّذِي يَتَعَلَّمُهُ الصِّغَارُ حِينَ يَرَوْنَ مَنْ أَحَبُّوا يَرْحَلُونَ مَهْزُومِينَ في ظَاهِرِ الأَمْرِ وَلَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الهَزِيمَةَ لَيْسَتِ الهَزِيمَةَ:
— وَهَلْ تَنْدَمُ؟
فَكَّرَ عَبْدُهُ طَوِيلاً. ذَلكَ الطُّولُ في التَّفْكِيرِ الَّذِي لَا يَعْنِي الشَّكَّ بَلْ يَعْنِي الأَمَانَةَ.
ثُمَّ قَالَ:
— لَا.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ مَا بَنَيْتُهُ سَيُكْمِلُهُ غَيْرِي.
وَغَيْرِي قَدْ يَأْخُذُ نِصْفَهُ وَيَتْرُكُ النِّصْفَ الآخَرَ.
وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي — لَيْسَ الهَزِيمَةُ،
بَلِ التَّشْوِيهُ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ صَمْتٍ آخَرَ:
— كُلُّ فِكْرَةٍ كَبِيرَةٍ تَمُرُّ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ بَعْدَ صَاحِبِهَا:
أَوَّلاً يُهَاجَمُ فِيهَا.
ثُمَّ يُسَاءُ فَهْمُهَا.
ثُمَّ تُنْسَبُ إِلَيْهِ أَشْيَاءُ لَمْ يَقُلْهَا.
وَالمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ أَخْطَرُهَا.
قَالَ الطَّالِبُ:
— وَمَا الَّذِي تَتَمَنَّى أَنْ يَبْقَى؟
قَالَ عَبْدُهُ بِصَوْتٍ فِيهِ ذَلِكَ التَّعَبُ الجَمِيلُ لِمَنْ أَحَبَّ شَيْئاً وَنَاضَلَ مِنْ أَجْلِهِ وَعَرَفَ أَنَّ النِّضَالَ لَمْ يَنْتَهِ — وَلَنْ يَنْتَهِيَ:
— أَتَمَنَّى أَنْ يَبْقَى السُّؤَالُ.
لَيْسَ إِجَابَاتِي.
السُّؤَالُ:
” كَيْفَ يَعِيشُ المُسْلِمُ في هَذَا العَالَمِ المُتَغَيِّرِ بِإِيمَانٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِخَوْفٍ؟”
هَذَا السُّؤَالُ — إِذَا بَقِيَ حَيَّاً — سَيَجِدُ أَجْوِبَةً في كُلِّ جِيلٍ. وَإِذَا مَاتَ السُّؤَالُ — مَاتَتِ الأَجْوِبَةُ مَعَهُ.
وَمَاتَتْ مَعَهَا الأُمَّةُ الَّتِي تَعِيشُ لِأَنَّهَا تَتَسَاءَلُ.
وَنَظَرَ الطَّالِبُ إِلَى شَيْخِهِ وَأَدْرَكَ أَنَّهُ يَرَى إِنْسَاناً فَعَلَ مَا اسْتَطَاعَ في الوَقْتِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ — وَهَذَا،
في نِهَايَةِ المَطَافِ، هُوَ كُلُّ مَا يُطْلَبُ مِنَ الإِنْسَانِ.
سَادِساً: القَاهِرَةُ — في مَطْلَعِ القَرْنِ العِشْرِينَ
في مَطْبَعَةٍ في القَاهِرَةِ كَانَتْ نُورٌ — ذَلِكَ الاسْمُ المُتَوَارَثُ كَأَنَّ كُلَّ جِيلٍ يَحْتَاجُ نُورَهُ الخَاصَّ — تَطْبَعُ مَجَلَّةً إِسْلَامِيَّةً إِصْلَاحِيَّةً.
وَكَانَتْ أَحْيَاناً تُضِيفُ في الهَامِشِ مُلَاحَظَاتِهَا الخَاصَّةَ — الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ لِأَنَّهَا في هَامِشِ نُسْخَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ.
وَهَذَا وَحْدَهُ — أَنَّ الأَعْمَقَ يَبْقَى في الهَوَامِشِ — يَقُولُ شَيْئاً عَنْ عَصْرِهَا وَعَصْرِنَا.
كَتَبَتْ ذَاتَ يَوْمٍ:
“الرِّجَالُ يَتَجَادَلُونَ:
هَلْ نَأْخُذُ مِنَ الغَرْبِ؟
وَكَيْفَ؟
وَمَا الحُدُودُ؟
وَلَا أَحَدَ يَسْأَلُ:
“مَنْ يُقَرِّرُ هَذِهِ الحُدُودَ؟
وَمَنْ يُشَارِكُ في القَرَارِ؟ ”
وَأَنَا أَرَى كُلَّ يَوْمٍ أَنَّ النِّسَاءَ يَعِشْنَ هَذِهِ الأَسْئِلَةَ في حَيَاتِهِنَّ — في البَيْتِ وَالسُّوقِ وَالتَّعْلِيمِ — دُونَ أَنْ يُدْعَيْنَ إِلَى النِّقَاشِ.
كَأَنَّ الأَسْئِلَةَ مَسْمُوحٌ بِهَا لِلْجَمِيعِ وَالأَجْوِبَةُ مَحْجُوزَةٌ لِنِصْفِ الجَمِيعِ.
وَأَنَا أَتَسَاءَلُ:
“هَلِ الدِّينُ الَّذِي يُقَرِّرُ نِصْفَ أُمَّتِهِ مَنْ يَتَكَلَّمُ وَنِصْفَهَا مَنْ يَسْمَعُ — هَلْ هُوَ دِينُ “اقْرَأْ” نَفْسُهُ؟”
وَطَوَتِ الوَرَقَةَ.
وَلَمْ يَقْرَأْهَا أَحَدٌ حِينَ كَتَبَتْهَا. لَكِنَّ الكَلَامَ الصَّادِقَ لَا يَمُوتُ — يَنْتَظِرُ.
سَابِعاً: الصَّدْمَةُ الأَعْمَقُ
لَمْ تَكُنْ صَدْمَةُ الحَدَاثَةِ في المَدَافِعِ وَالسُّفُنِ وَالمَصَانِعِ.
كَانَتْ في سُؤَالٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ أَحَدٌ — سُؤَالٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِخِطَابٍ وَلَا إِسْكَاتُهُ بِفَتْوَى:
إِذَا كَانَ الغَرْبُ — الَّذِي لَا يُطَبِّقُ الشَّرِيعَةَ — يَعْدِلُ أَكْثَرَ في بَعْضِ أُمُورٍ مِنْ حُكُومَاتٍ تَدَّعِي الإِسْلَامَ — فَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟
السُّؤَالُ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَكَانٍ.
في القَاهِرَةِ كَانَ سُؤَالَ الحُكْمِ وَالعَدْلِ:
“هَلِ العَدَالَةُ حِكْرٌ عَلَى الدِّينِ؟”
وَفِي إِسْطَنْبُولَ كَانَ سُؤَالَ البَقَاءِ وَالحَدَاثَةِ:
“كَيْفَ تَبْقَى وَأَنْتَ تَتَغَيَّرُ؟”
وَفِي دَلْهِي كَانَ سُؤَالَ الهُوِيَّةِ وَالاسْتِعْمَارِ:
“مَنْ أَنَا حِينَ يُسَمِّيَنِي غَيْرِي؟”
لَكِنَّهَا كُلَّهَا كَانَتْ أَشْكَالاً لِسُؤَالٍ وَاحِدٍ لَا يُجَابُ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ:
مَا الَّذِي تَعْنِيهِ كَلِمَةُ “إِسْلَامِيٌّ” في وَاقِعٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُسْتَعَدَّاً لَهُ؟
في مَجْلِسٍ مُتَأَخِّرٍ مِنْ تِلْكَ الحَقْبَةِ — في بَيْتِ أَحَدِ المُصْلِحِينَ المِصْرِيِّينَ حَيْثُ كَانَتِ الشُّمُوعُ تَشْتَعِلُ وَالتَّسَاؤُلَاتُ تَشْتَعِلُ أَكْثَرَ — جَلَسَ رِجَالٌ مِنْ أَجْيَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
بَيْنَهُمْ عَجُوزٌ في الثَّمَانِينَ دَرَسَ عَلَى يَدِ تَلَامِيذِ الطَّهْطَاوِيِّ — وَكَانَ وَجْهُهُ أَرْشِيفاً حَيَّاً لِعَصْرَيْنِ.
وَشَابٌّ في العِشْرِينَ يَقْرَأُ أَفكَاراً أورُوبِيَّةً وَابْنَ تَيْمِيَّةَ في آنٍ وَاحِدٍ دُونَ أَنْ يَرَى في ذَلِكَ تَنَاقُضاً — وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ يَقُولُ شَيْئاً عَنْ جِيلٍ يَبْحَثُ عَنْ يَقِينٍ وَلَا يَعْرِفُ بَعْدُ أَيْنَ يَجِدُهُ.
وَفَقِيهٌ أَزْهَرِيٌّ حَضَرَ لِيَفْهَمَ لَا لِيُفْتِيَ — وَهَذَا التَّمْيِيزُ في نِيَّةِ الحُضُورِ يَكْشِفُ شَخْصِيَّةً نَادِرَةً.
وَامْرَأَةٌ — وَكَانَ حُضُورُهَا في هَذَا المَجْلِسِ نَفْسِهِ إِجَابَةً عَلَى سُؤَالٍ لَمْ يُطْرَحْ بَعْدُ وَلَا يَزَالُ غَيْرَ مَطْرُوحٍ في كَثِيرٍ مِنَ المَجَالِسِ.
قَالَ العَجُوزُ — وَكَانَ صَوْتُهُ كَصَوْتِ مَنِ اكْتَسَبَ الحِكْمَةَ بِثَمَنٍ لَا يُحِبُّ ذِكْرَهُ:
— في شَبَابِي كُنَّا نَسْأَلُ:
“كَيْفَ نُقَاوِمُ الاسْتِعْمَارَ؟”
وَهَذَا سُؤَالٌ لَهُ عَدُوٌّ وَاضِحٌ.
وَالآنَ تَسْأَلُونَ:
“كَيْفَ نُقَاوِمُ مَا بِدَاخِلِنَا؟”
وَالسُّؤَالُ الثَّانِي أَصْعَبُ — لِأَنَّ العَدُوَّ فِيهِ لَا يَرْتَدِي زِيَّاً يُعْرَفُ بِهِ.
قَالَ الشَّابُّ:
— مَا بِدَاخِلِنَا — تَقْصِدُ مَاذَا تَحْدِيداً؟
— أَقْصِدُ التَّنَاقُضَ.
نُرِيدُ الحُرِّيَّةَ وَنُرِيدُ اليَقِينَ.
وَنُرِيدُ الأَصَالَةَ وَنُرِيدُ التَّقَدُّمَ.
وَنُرِيدُ أَنْ نَكُونَ أَنْفُسَنَا وَأَنْ نَتَغَيَّرَ في آنٍ وَاحِدٍ.
وَلَا أَحَدَ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ أَحْيَاناً تَتَعَارَضُ — وَأَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُحَلُّ بِشِعَارٍ وَلَا بِمُظَاهَرَةٍ وَلَا بِفَتْوَى.
قَالَ الفَقِيهُ الأَزْهَرِيُّ — وَكَانَ في صَوْتِهِ شَيْءٌ مِنَ المَعْذِرَةِ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُكَرِّرُ جَوَاباً لَمْ يَعُدْ يَكْفِي:
— التَّعَارُضُ يُحَلُّ بِالفِقْهِ.
قَالَ العَجُوزُ بِابْتِسَامَةٍ فِيهَا حَنَانٌ وَصَرَاحَةٌ في آنٍ وَاحِدٍ:
— أَخِي الشَّيْخُ.
الفِقْهُ يُجِيبُ عَلَى أَسْئِلَةٍ.
وَالحَدَاثَةُ جَاءَتْ بِأَسْئِلَةٍ لَمْ تَكُنْ في كُتُبِ الفِقْهِ.
لَا لِأَنَّ الفِقْهَ قَاصِرٌ — بَلْ لِأَنَّ الفِقْهَ أَجَابَ عَنْ أَسْئِلَةِ زَمَانِهِ.
وَأَسْئِلَةُ زَمَانِنَا لَمْ تُولَدْ بَعْدُ حِينَ كُتِبَتِ الكُتُبُ الكُبْرَى.
— لِأَنَّهَا أَسْئِلَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ.
— وَالدُّنْيَا هِيَ المَكَانُ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ أَبْنَاؤُنَا وَبَنَاتُنَا وَأَحْفَادُنَا.
وَإِذَا لَمْ يَجِدُوا في دِينِهِمْ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى فَهْمِهَا — سَيَبْحَثُونَ في غَيْرِ الدِّينِ.
وَسَيَجِدُونَ هُنَاكَ أَجْوِبَةً نَاقِصَةً أَيْضاً.
لَكِنَّ النَّاقِصَ الحَاضِرَ يَغْلِبُ الكَامِلَ الغَائِبَ.
وَصَمَتَ الفَقِيهُ.
وَكَانَ هَذَا الصَّمْتُ — كَمَا صَمَتَ آخَرُونَ قَبْلَهُ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ،
مِنَ المَدِينَةِ إِلَى الكُوفَةِ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى القَاهِرَةِ — أَهَمَّ مِنْ أَيِّ جَوَابٍ.
لِأَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي يَعْنِي:
– أَفْهَمُ أَنَّكَ مُحِقٌّ وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَرُدُّ — هَذَا الصَّمْتُ بِدَايَةٌ.
وَالبِدَايَاتُ دَائِماً صَامِتَةٌ.
قَالَتِ المَرْأَةُ — الَّتِي كَانَتْ جَالِسَةً في الطَّرَفِ تَسْمَعُ،
وَكَانَتْ طَرِيقَةُ سَمَاعِهَا تَقُولُ إِنَّهَا تَفْهَمُ كُلَّ شَيْءٍ وَتَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِلسُّؤَالِ الحَقِيقِيِّ:
— أَنَا أَسْمَعُكُمْ مُنْذُ سَاعَةٍ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَتَكَلَّمُ عَنِ “الأُمَّةِ” وَ”الإِسْلَامِ” وَ”الغَرْبِ”.
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ شَيْئاً بَسِيطاً — بَسِيطاً بِالنِّسْبَةِ لَكُمْ رُبَّمَا،
لَكِنَّهُ كَبِيرٌ عِنْدِي.
نَظَرُوا إِلَيْهَا بِانْتِبَاهٍ حَقِيقِيٍّ — ذَلِكَ الانْتِبَاهُ الَّذِي تَفْرِضُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي لَا تُشْبِهُ مَا قِيلَ قَبْلَهَا.
— ابْنَتِي في السَّابِعَةِ عَشَرَ.
تَسْأَلُنِي كُلَّ يَوْمٍ:
“لِمَاذَا أُصَلِّي؟”
لَيْسَ تَحَدِّياً — سُؤَالٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ قَلْبٍ حَقِيقِيٍّ.
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُجِيبَهَا.
لَكِنَّ الأَجْوِبَةَ الَّتِي أَسْمَعُهَا هُنَا — كُلَّهَا عَنِ الحَضَارَةِ وَالتَّارِيخِ وَالصِّرَاعِ.
وَهِيَ لَا تَسْأَلُ عَنْ هَذَا.
تَسْأَلُ عَمَّا في قَلْبِهَا.
تَسْأَلُ:
“هَلْ اللهُ يَسْمَعُنِي حِينَ أُصَلِّي؟”
“هَلِ الصَّلَاةُ تَعْنِي شَيْئاً لَهُ سُبْحَانَهُ قَبْلَ أَنْ تَعْنِيَ شَيْئاً لِلتَّارِيخِ؟”
صَمَتَ المَجْلِسُ صَمْتَاً مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ.
ثُمَّ قَالَ العَجُوزُ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ جِدَّاً — خَفِيٍّ كَأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ:
— وَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — في ذَلِكَ المَجْلِسِ المُتَأَخِّرِ في قَاهِرَةَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً مِنَ الاضْطِرَابِ وَالبَحْثِ وَالخَيْبَةِ وَالأَمَلِ المُتَجَدِّدِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ — كَانَ سُؤَالُ سَلْمَى بِنْتِ المَخْزُومِيِّ في فَجْرِ المَدِينَةِ يَعُودُ.
نَفْسُ الوَجْهِ.
نَفْسُ الرُّوحِ.
نَفْسُ الحَاجَةِ.
“مَنْ سَيُجِيبُنَا الآنَ؟”
لَمْ يَتَغَيَّرِ السُّؤَالُ.
تَغَيَّرَتِ المَدِينَةُ.
وَتَغَيَّرَ الزَّمَنُ.
وَتَغَيَّرَتِ اللُّغَةُ — وَتَعَقَّدَتْ وَكَبُرَتْ.
لَكِنَّ الإِنْسَانَ — ذَلِكَ الَّذِي بَدَأَ يَوْمَ تَوَقَّفَ الوَحْيُ وَظَنَّ أَنَّهُ وُحِيدٌ،
ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّ الوُحْدَةَ نَفْسَهَا نَوْعٌ مِنَ الرِّسَالَةِ — كَانَ مَا زَالَ يَسْأَلُ.
وَهَذَا — فَقَطْ هَذَا — هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ كَوْنِهِ إِنْسَاناً.
وَأَنَّ الإِجَابَاتِ الَّتِي لَمْ تَأْتِ لَيْسَتْ دَلِيلَ غِيَابِ اللهِ — بَلْ رُبَّمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرِيدُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ مَاشِياً لَا مَحْمُولاً.

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 12