يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرُ: اليَوْمُ — حِينَ يَلْتَقِي كُلُّ ذَلِكَ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
“إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ” — آل عمران: ١٩٠
أَوَّلاً: بَرْلِينُ — خَرِيفٌ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ
المَطَرُ في بَرْلِينَ لَا يُشْبِهُ مَطَرَ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ أَغْزَرُ أَوْ أَخَفُّ.
بَلْ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ المَدِينَةَ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا قَرَّرَتْ أَنْ تُعِيدَ التَّفْكِيرَ في نَفْسِهَا.
الشَّوَارِعُ الرَّمَادِيَّةُ تَصِيرُ أَعْمَقَ. الأَضْوَاءُ تَتَحَوَّلُ إِلَى بُقَعٍ ذَهَبِيَّةٍ في الرَّصِيفِ المُبَلَّلِ.
وَالنَّاسُ يَمْشُونَ بِذَلِكَ الانْحِنَاءِ الخَفِيفِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ يُقَاوِمُ المَطَرَ وَمَنْ يَقْبَلُهُ وَيَمْشِي.
في شَقَّةٍ في حَيِّ نُوْيْكُولِّنَ — ذَلِكَ الحَيُّ الَّذِي يَجْمَعُ تُرْكاً وَعَرَباً وَأَلْمَاناً وَكُلَّ مَنْ قَرَّرَ أَنْ يَكُونَ في مَكَانٍ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ عَنْ أَصْلِهِ، وَلَا يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نُسْخَةً مِنْ أَحَدٍ — كَانَتْ نُورٌ جَالِسَةً أَمَامَ شَاشَتِهَا.
السَّاعَةُ تَجَاوَزَتْ مُنْتَصَفَ اللَّيْلِ.
أَمَامَهَا كِتَابٌ مَفْتُوحٌ وَفِنْجَانُ قَهْوَةٍ بَارِدٌ لَمْ تَنْتَبِهْ إِلَى بُرُودَتِهِ — وَهَذَا وَحْدَهُ يَقُولُ شَيْئاً عَنْ مَدَى غَوْصِهَا.
وَعَلَى الشَّاشَةِ — مُسَوَّدَةُ الفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ أُطْرُوحَتِهَا عَنْ “أَزْمَةِ المَرْجِعِيَّةِ في الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ المُعَاصِرِ”.
لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ.
كَانَتْ تُحَدِّقُ في الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ الَّتِي كَتَبَتْهَا مُنْذُ سَاعَةٍ — تِلْكَ الجُمْلَةُ الَّتِي تَبْدُو صَغِيرَةً وَتَنْطَوِي عَلَى مَا يَعْسُرُ وَزْنُهُ:
“المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنَّ التُّرَاثَ قَدِيمٌ.
المُشْكِلَةُ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَتَعَامَلُ بِهَا مَعَ التُّرَاثِ قَدِيمَةٌ.”
كَتَبَتْهَا.
ثُمَّ حَذَفَتْهَا.
ثُمَّ أَعَادَتْهَا.
ثُمَّ حَذَفَتْهَا مَرَّةً أُخْرَى.
لِأَنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً وَنَاقِصَةً في آنٍ وَاحِدٍ.
وَمَا هُوَ صَحِيحٌ وَنَاقِصٌ في آنٍ وَاحِدٍ — كَمَا عَلَّمَتْهَا قُرُونٌ مِنَ القِرَاءَةِ — أَخْطَرُ مِنَ الخَطَأِ الصَّرِيحِ.
لِأَنَّ الخَطَأَ الصَّرِيحَ يُكَذَّبُ،
أَمَّا النَّاقِصُ الصَّحِيحُ فَيُصَدَّقُ وَيُبْنَى عَلَيْهِ.
رَنَّ هَاتِفُهَا.
طَارِقٌ.
رَفَعَتِ الخَطَّ.
قَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ تَعَبُ الرَّجُلِ الَّذِي عَمِلَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَاعَةً في مَوْقِعِ بِنَاءٍ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَسْتَطِعِ النَّوْمَ — ذَلِكَ التَّعَبُ الَّذِي لَيْسَ في الجَسَدِ وَحْدَهُ :
— مَا زِلْتِ مُسْتَيْقِظَةً.
— وَأَنْتَ.
—أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ النَّوْمَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
— لِمَاذَا؟
صَمْتٌ قَصِيرٌ — مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ الكَلَامَ القَادِمَ لَمْ يُقَلْ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ.
— أُمِّي مَرِيضَةٌ. جِدِّيَّاً هَذِهِ المَرَّةَ.
— أَعْرِفُ. كَيْفَ هِيَ؟
— بِخَيْرٍ نِسْبِيَّاً. لَكِنْ حِينَ زُرْتُهَا اليَوْمَ طَلَبَتْ مِنِّي أَنْ أُصَلِّيَ مَعَهَا.
— وَصَلَّيْتَ؟
صَمْتٌ أَطْوَلُ.
— صَلَّيْتُ. وَأَنَا لَا أَعْرِفُ مُنْذُ مَتَى لَمْ أُصَلِّ. رُبَّمَا سَنَةٌ. رُبَّمَا أَكْثَرُ. لَمْ أَحْسُبْ لِأَنَّنِي لَمْ أُرِدْ أَنْ أَعْرِفَ.
—وَكَيْفَ كَانَ؟
— غَرِيبٌ. وَطَبِيعِيٌّ في نَفْسِ الوَقْتِ.
كَأَنَّ جَسَدِي يَتَذَكَّرُ شَيْئاً نَسِيَهُ عَقْلِي.
كَأَنَّ الحَرَكَاتِ كَانَتْ فِيَّ قَبْلَ أَنْ أَتَذَكَّرَ أَنَّهَا فِيَّ.
في تِلْكَ اللَّحْظَةِ — في تِلْكَ المُحَادَثَةِ البَسِيطَةِ بَيْنَ رَجُلٍ يَبْنِي المَبَانِيَ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْنِي عَلَاقَتَهُ مَعَ إِيمَانِهِ،
وَامْرَأَةٍ تَدْرُسُ التُّرَاثَ وَلَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَسْكُنُهُ — كَانَ كُلُّ مَا حَدَثَ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَاضِراً بِطَرِيقَةٍ لَا تُرَى وَلَا تَحْتَاجُ أَنْ تُرَى.
سَلْمَى الَّتِي سَأَلَتْ: “مَنْ سَيُجِيبُنَا الآنَ؟ أَبُو حَنِيفَةَ الَّذِي كَانَ يَرَى أَنَّ الفِقْهَ بُنِيَ لِيُسْكَنَ لَا لِيُسْجَنَ فِيهِ”
الغَزَّالِيُّ الَّذِي رَأَى أَنَّ العِلْمَ الَّذِي لَا يُحْيِي القَلْبَ عِلْمٌ مَيِّتٌ مَهْمَا بَلَغَتْ صِيَاغَتُهُ.
وَرَابِعَةُ الَّتِي قَالَتْ إِنَّ الحُبَّ أَصْدَقُ مِنَ الخَوْفِ وَأَنْقَى.
كُلُّهُمْ كَانُوا في غُرْفَةِ نُورٍ الصَّغِيرَةِ في بَرْلِينَ.
يَجْلِسُونَ في الصَّمْتِ بَيْنَ السُّطُورِ.
قَالَتْ نُورٌ:
— طَارِقُ. أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئاً.
— اسْأَلِي.
— حِينَ صَلَّيْتَ مَعَ أُمِّكَ — مَاذَا فَكَّرْتَ؟
— لَمْ أُفَكِّرْ في شَيْءٍ. هَذَا مَا كَانَ غَرِيباً.
— وَهَلْ هَذَا جَيِّدٌ أَمْ سَيِّئٌ؟
صَمَتَ طَارِقٌ بِطَرِيقَةِ مَنْ يَزِنُ شَيْئاً لَمْ يَضَعْهُ في كَفَّتَيِ المِيزَانِ مِنْ قَبْلُ.
— لَا أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ صَادِقاً.
وَأَنَا لَا أَمْلِكُ كَثِيراً مِنَ اللَّحْظَاتِ الصَّادِقَةِ في هَذِهِ الأَيَّامِ. الكَثِيرُ مِنَ الأَشْيَاءِ أَفْعَلُهَا لِأَفْعَلَهَا. لَكِنَّ تِلْكَ اللَّحْظَةَ — كَانَتْ لِأَكُونَهَا.
ثَانِياً: القَاهِرَةُ — في نَفْسِ اللَّيْلَةِ
في شَقَّةٍ في مِصْرِ الجَدِيدَةِ كَانَتْ سَارَةُ مُسْتَيْقِظَةً.
لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ أُطْرُوحَةً.
كَانَتْ تُرَاجِعُ فَتْوَى.
فَتْوَى طَلَبَتْ مِنْهَا إِحْدَى المُنَظَّمَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ المُعَاصِرَةِ إِعْدَادَهَا — حَوْلَ مَسْأَلَةٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً في كُتُبِ الفِقْهِ القَدِيمَةِ:
حَوْلَ مَسْأَلَةٍ جَدِيدَةٍ في صُورَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَطْرُوحَةً في الأَوْسَاطِ الفِقْهِيَّةِ:
– أَيُّ الفَتَاوَى الصَّادِرَةِ في حُكْمِ التَّبَرُّعِ بِالأَعْضَاءِ أَوْلَى التَّطْبِيقِ في سِيَاقِهَا المُعَاصِرِ؟.
أَمَامَهَا عِشْرُونَ مَرْجِعاً.
كُلُّهَا تَتَكَلَّمُ.
وَكُلُّهَا حِينَ تَتَكَلَّمُ فهي تَتَكَلَّمُ مِنْ دَاخِلِ مَنْطِقِهَا الخَاصِّ — مَنْطِقٍ بُنِيَ لِأَسْئِلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ في زَمَانٍ مُخْتَلِفٍ.
وَحِينَ تَجْمَعُهَا تَجِدُ — كَمَا وَجَدَتْ دَائِماً في عَمَلِهَا — أَنَّ الجَوَابَ لَيْسَ في مَرْجِعٍ وَاحِدٍ،
بَلْ في المَسَافَةِ بَيْنَ المَرَاجِعِ — في ذَلِكَ الفَرَاغِ الَّذِي يَتَطَلَّبُ عَقْلاً حَيَّاً لَا مُجَرَّدَ ذَاكِرَةٍ.
قَالَتْ لِنَفْسِهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ — تِلْكَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يُفَكِّرُ بِهَا مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَكُونَ مُحَاوِرُهُ الأَوَّلُ هُوَ نَفْسَهُ:
— أَبُو حَنِيفَةَ كَانَ سَيَقُولُ كَذَا بِمَنْطِقِ المَصْلَحَةِ وَالعُرْفِ.
وَمَالِكٌ كَانَ سَيَقُولُ كَذَا بِمَنْطِقِ الاحْتِيَاطِ وَالأَصْلِ.
وَالشَّافِعِيُّ…
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
وَأَمْسَكَتِ القَلَمَ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
— وَأَنَا؟ مَاذَا أَقُولُ أَنَا؟
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ — “مَاذَا أَقُولُ أَنَا؟” — هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ فَقِيهٍ يُقَلِّدُ وَفَقِيهٍ يَجْتَهِدُ.
وَسَارَةُ كَانَتْ تَعْرِفُ الفَرْقَ مَعْرِفَةَ مَنْ دَرَسَهُ سَنَوَاتٍ.
وَكَانَتْ تَخَافُ مِنْهُ في نَفْسِ الوَقْتِ.
لِأَنَّ الاجْتِهَادَ مَسْؤُولِيَّةٌ.
وَالمَسْؤُولِيَّةُ أَثْقَلُ مِنَ التَّقْلِيدِ.
وَالتَّقْلِيدُ أَرِيحُ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ،
لَكِنَّ رَاحَتَهُ رَاحَةُ مَنْ يَنَامُ وَيُفَوِّضُ القَرَارَ لِلتَّارِيخِ.
رَنَّ هَاتِفُهَا.
رِسَالَةٌ مِنْ جَمَالٍ:
“أَنَا في المَسْجِدِ.
أَوَّلَ مَرَّةٍ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا.
لَكِنَّنِي هُنَا.”
قَرَأَتْهَا سَارَةُ — ثُمَّ أَرْسَلَتْهَا لِنُورٍ.
وَكِلْتَاهُمَا فَهِمَتَا مَا لَا يَحْتَاجُ شَرْحاً.
لِأَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءَ تُفْهَمُ بَيْنَ مَنْ يَحْمِلُونَ نَفْسَ السُّؤَالِ،
حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُهُمْ وَلُغَاتُهُمْ وَأَزِيَاؤُهُمْ.
ثَالِثاً: المَسْجِدُ — في نَفْسِ اللَّيْلَةِ
كَانَ جَمَالٌ جَالِساً في المَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ.
النَّاسُ تَفَرَّقُوا.
وَبَقِيَ هُوَ.
لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي نَافِلَةً. لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.
كَانَ فَقَطْ جَالِساً — في ذَلِكَ الفَرَاغِ الَّذِي يُخَلِّفُهُ المَسْجِدُ بَعْدَ أَنْ يَخْلُوَ،
ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي لَيْسَ فَارِغاً بَلْ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ — كَأَنَّ الجُدُرَانَ مَا زَالَتْ تَحْمِلُ شَيْئاً مِمَّا قِيلَ فِيهَا.
فَكَّرَ في السَّنَوَاتِ الثَّلَاثِ المَاضِيَةِ.
كَانَ قَبْلَهَا مُخْتَلِفاً.
كَانَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَمْلِكُ يَقِيناً يُرِيحُ وَيُقْلِقُ في آنٍ وَاحِدٍ — يُرِيحُ لِأَنَّهُ يُجِيبُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُقْلِقُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَتَطَابَقَ مَعَهُ. وَاليَقِينُ الَّذِي يَشْتَرِطُ تَطَابُقَ الوَاقِعِ مَعَهُ — يُرْهِقُ صَاحِبَهُ لِأَنَّ الوَاقِعَ لَا يُطَابِقُ.
ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ اليَوْمُ.
يَوْمٌ طَرَحَ فِيهِ طِفْلُهُ — في السَّادِسَةِ،
بِعَيْنَيْنِ لَمْ تَتَعَلَّمَا بَعْدُ كَيْفَ تُخَبِّئَانِ الأَسْئِلَةَ — سُؤَالاً بَسِيطاً:
“بَابَا. إِذَا كَانَ اللهُ يُحِبُّ النَّاسَ — لِمَاذَا يَحْدُثُ شَيْءٌ بَائِسٌ؟”
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ جَدِيداً.
كُلُّ فَيْلَسُوفٍ وَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ وَكُلُّ إِنْسَانٍ عَاشَ مُصِيبَةً طَرَحَ هَذَا السُّؤَالَ مُنْذُ أَنْ بَدَأَ الإِنْسَانُ يُفَكِّرُ.
وَجَمَالٌ كَانَ يَعْرِفُ الأَجْوِبَةَ التَّقْلِيدِيَّةَ.
الابْتِلَاءُ. الحِكْمَةُ الخَفِيَّةُ.
الدَّارُ الآخِرَةُ.
أَجْوِبَةٌ صَحِيحَةٌ في مَوْضِعِهَا — لَكِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ لِعَقْلٍ يَبْحَثُ،
وَلَيْسَ لِقَلْبِ طِفْلٍ يَنْظُرُ.
لَكِنَّ الطِّفْلَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
وَفِي نَظْرَةِ الطِّفْلِ كَانَ شَيْءٌ يَطْلُبُ شَيْئاً غَيْرَ الجَوَابِ الجَاهِزِ.
كَانَ يَطْلُبُ الصِّدْقَ — ذَلِكَ الصِّدْقُ الَّذِي يَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ الأَطْفَالُ قَبْلَ الكِبَارِ.
فَقَالَ جَمَالٌ — وَلَمْ يَتَوَقَّعْ أَنَّهُ سَيَقُولُ هَذَا:
— لَا أَعْرِفُ يَا بُنَيَّ.
لَكِنَّنِي أُومِنُ أَنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ.
وَأَنَّ مَا لَا نَفْهَمُهُ الآنَ — لَا يَعْنِي أَنَّهُ ظُلْمٌ. وَلَعَلَّ عَدَمَ الفَهْمِ هُوَ المَكَانُ الَّذِي يَبْدَأُ فِيهِ الإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ.
وَقَبِلَ الطِّفْلُ الجَوَابَ — بِتِلْكَ الثِّقَةِ الَّتِي يَضَعُهَا الأَطْفَالُ في مَنْ يُحِبُّونَ.
لَكِنَّ جَمَالاً لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْبَلَهُ بِنَفْسِ السُّهُولَةِ.
لِأَنَّ الأَبَ لَا يَمْلِكُ فَضِيلَةَ البَرَاءَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الطِّفْلَ يَقْبَلُ.
في المَسْجِدِ الفَارِغِ اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ كَانَ يُطْفِئُ الأَضْوَاءَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً — كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ كُلَّ زَاوِيَةٍ.
قَالَ :
— أَخِي. المَسْجِدُ سَيُغْلَقُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ جَمَالٌ.
الرَّجُلُ كَانَ في السَّبْعِينَ.
وَجْهُهُ يَحْمِلُ تِلْكَ البَسَاطَةَ الَّتِي تُشْبِهُ وَجْهاً كَوَجْهِ أَحَدِ حُرَّاسِ المَسَاجِدِ الأُولَى؛ الحَارِسِ القَدِيمِ الَّذِي كَانَ يَعِيشُ الإِسْلَامَ في خُطُوَاتِهِ وَنَوْمِهِ وَأَكْلِهِ لَا في مَجَالِسِهِ — كَأَنَّ التَّارِيخَ يُعِيدُ الوُجُوهَ الضَّرُورِيَّةَ في كُلِّ زَمَانٍ.
قَالَ جَمَالٌ :
— مُنْذُ مَتَى تَعْمَلُ هُنَا ؟
— مُنْذُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
— وَهَلْ تُحِبُّ هَذَا العَمَلَ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ الخَفِيفَةَ لِمَنْ لَمْ يُسْأَلْ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ قَبْلُ — أَوْ سُئِلَهُ مِنْ قَبْلُ وَكَانَ مَنْ سَأَلَهُ لَا يَنْتَظِرُ الجَوَابَ.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ جِدَّاً :
— أُحِبُّهُ.
لِأَنَّنِي أُطْفِئُ النُّورَ وَأَعْرِفُ أَنَّ النَّاسَ أَتَوْا هُنَا وَوَجَدُوا شَيْئاً.
وَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ مَا وَجَدُوهُ — يَكْفِينِي أَنَّهُمْ أَتَوْا.
وَأَنَّ بَيْتَ اللهِ لَا يَخْلُو مِنِ اللهِ حِينَ يَخْلُو مِنَ النَّاسِ.
صَمَتَ جَمَالٌ.
وَكَانَ صَمْتُهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُعِيدُ تَرْتِيبَ شَيْءٍ دَاخِلِيٍّ.
ثُمَّ قَالَ :
— وَأَنْتَ — هَلْ وَجَدْتَ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ؟
قَالَ الرَّجُلُ بِبَسَاطَةٍ مُطْلَقَةٍ — بِتِلْكَ البَسَاطَةِ الَّتِي لَيْسَتْ سَذَاجَةً بَلْ نِهَايَةُ رَحْلَةٍ طَوِيلَةٍ :
— أَنَا لَا أَبْحَثُ.
أَنَا مَوْجُودٌ.
وَهَذَا يَكْفِي.
وَالوُجُودُ الصَّادِقُ — ابْحَثْ عَنْهُ وَلَنْ تَجِدَهُ.
كُنْهُ وَسَتَجِدُهُ.
وَمَضَى. وَبَقِيَ جَمَالٌ وَحْدَهُ في المَسْجِدِ المُعْتِمِ — وَفِي الظَّلَامِ شَيْءٌ أَكْثَرُ وُضُوحاً مِمَّا كَانَ في الضَّوْءِ.
رَابِعاً: مُحَاضَرَةٌ — جَامِعَةٌ في أُورُوبَّا
في صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي كَانَتْ نُورٌ تُحَاضِرُ.
طُلَّابُهَا — عِشْرُونَ شَابَّاً وَشَابَّةً،
خَلِيطٌ مِنَ الجِنْسِيَّاتِ وَالخَلَفِيَّاتِ،
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ تَارِيخاً لَا يَظْهَرُ في سِيرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ — كَانُوا يَجْلِسُونَ أَمَامَهَا.
بَعْضُهُمْ مُسْلِمٌ.
بَعْضُهُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَكُلُّهُمْ كَانُوا في مَادَّتِهَا “الفِكْرُ الإِسْلَامِيُّ: مِنَ الكِلَاسِيكِيِّ إِلَى المُعَاصِرِ” لِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ — بَعْضُهَا أَكَادِيمِيٌّ وَبَعْضُهَا شَخْصِيٌّ وَبَعْضُهَا لَمْ يَعْرِفُوهُ بَعْدُ.
كَانَتْ تَشْرَحُ أَزْمَةَ المَرْجِعِيَّةِ.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ في مُنْتَصَفِ الجُمْلَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى طُلَّابِهَا.
وَفِي نَظْرَتِهَا ذَلِكَ القَرَارُ اللَّحْظِيُّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ أُسْتَاذٍ يُدَرِّسُ وَأُسْتَاذٍ يُعَلِّمُ.
قَالَتْ — وَكَانَ هَذَا خَارِجَ الخُطَّةِ لَكِنَّهُ في صَمِيمِ الغَرَضِ:
— دَعُونَا نَتَوَقَّفَ عَنِ النَّظَرِيَّةِ لَحْظَةً.
أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكُمْ سُؤَالاً شَخْصِيَّاً.
نَظَرُوا إِلَيْهَا بِانْتِبَاهٍ حَقِيقِيٍّ — ذَلِكَ الانْتِبَاهُ الَّذِي يَخْتَلِفُ عَنِ انْتِبَاهِ مَنْ يَنْتَظِرُ مَا سَيَخْرُجُ في الامْتِحَانِ.
— مَنْ مِنْكُمْ مُسْلِمٌ — بِأَيِّ مَعْنَى مِنَ المَعَانِي — وَيَجِدُ أَنَّ مَا يَتَعَلَّمُهُ هُنَا عَنِ التُّرَاثِ الإِسْلَامِيِّ يُسَاعِدُهُ في حَيَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ؟
صَمْتٌ.
ثُمَّ رَفَعَتْ طَالِبَةٌ يَدَهَا.
اسْمُهَا آمِنَةُ — جَزَائِرِيَّةُ الأَصْلِ،
وُلِدَتْ في مَرْسِيلْيَا،
تَعِيشُ في المُنْتَصَفِ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ لَا تَتَصَالَحَانِ تَمَاماً وَلَا تَتَقَاطَعَانِ تَمَاماً.
قَالَتْ :
— أَحْيَاناً. لَكِنْ لَيْسَ دَائِماً.
— مَتَى يُسَاعِدُ وَمَتَى لَا؟
فَكَّرَتْ آمِنَةُ — وَكَانَ تَفْكِيرُهَا مَرْئِيَّاً في وَجْهِهَا:
— يُسَاعِدُ حِينَ أَقْرَأُ الغَزَّالِيَّ مَثَلاً — لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ أَشْيَاءَ أَشْعُرُ بِهَا.
عَنِ الرِّيَاءِ.
عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الإِيمَانِ الحَيِّ وَالإِيمَانِ المَيِّتِ.
هَذَا يُلَامِسُنِي في مَكَانٍ لَا تَصِلُهُ المَصْطَلَحَاتُ الأَكَادِيمِيَّةُ.
— وَمَتَى لَا يُسَاعِدُ؟
— حِينَ يَتَكَلَّمُ التُّرَاثُ عَنِ المَرْأَةِ.
هُنَاكَ — أَحْيَاناً — أَشْعُرُ أَنَّ الكَلَامَ عَنْ إِنْسَانٍ آخَرَ لَا عَنِّي.
كَأَنَّنِي أَقْرَأُ وَثِيقَةً تَصِفُنِي دُونَ أَنْ تَسْأَلَنِي.
قَالَ طَالِبٌ آخَرُ — اسْمُهُ كَرِيمٌ، مَغْرِبِيٌّ، دَرَسَ الهَنْدَسَةَ ثُمَّ الْتَحَقَ بِالدِّرَاسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ بِقَرَارٍ فَاجَأَ عَائِلَتَهُ وَلَمْ يُفَاجِئْهُ هُوَ:
— أَنَا أَجِدُ صُعُوبَةً مُخْتَلِفَةً.
لَا أَجِدُ صُعُوبَةً في التُّرَاثِ نَفْسِهِ.
أَجِدُ صُعُوبَةً في مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِهِ اليَوْمَ.
— مَاذَا تَعْنِي؟
— أَعْنِي أَنَّنِي أَقْرَأُ ابْنَ رُشْدٍ وَأَجِدُ فِيهِ حُرِّيَّةً.
ثُمَّ أَسْمَعُ خَطِيباً يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ الإِسْلَامِ فَأَجِدُ انْغِلَاقاً.
وَالفَجْوَةُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ مُزْعِجَةٌ بِطَرِيقَةٍ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصِفُهَا.
قَالَتْ نُورٌ :
— وَهَلْ هَذِهِ الفَجْوَةُ تَدْفَعُكَ لِلِابْتِعَادِ أَمْ لِلتَّعَمُّقِ؟
فَكَّرَ كَرِيمٌ بِجِدِّيَّةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ إِجَابَتَهُ لَيْسَتْ لِلْأُسْتَاذَةِ وَحْدَهَا :
— تَدْفَعُنِي لِلتَّعَمُّقِ.
لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ مِنْ أَيْنَ جَاءَتِ الفَجْوَةُ.
وَأَظُنُّ أَنَّ مَنْ يَفْهَمُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ العَطَبُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصْلِحَهُ.
في الخَلْفِ كَانَ جَالِساً طَالِبٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ طَوَالَ المُحَاضَرَةِ — يَسْمَعُ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَسْمَعُ بِهَا مَنِ اعْتَادُوا أَنْ يَجِدُوا في الصَّمْتِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِدُهُ غَيْرُهُمْ في الكَلَامِ.
اسْمُهُ أَنَسٌ — لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الطِّفْلَ ذَا العَشْرِ سَنَوَاتِ.
كَانَ الآنَ في الثَّالِثَةِ وَالعِشْرِينَ،
وَكَانَ مَا زَالَ يَحْمِلُ تِلْكَ الطَّبِيعَةَ الَّتِي لَا يَمْنَحُهَا العُمُرُ وَلَا يَمْنَعُهَا:
يَسْأَلُ أَسْئِلَةً لَا يَجْرُؤُ الكِبَارُ عَلَى طَرْحِهَا — لَا لِأَنَّهُمْ لَا يُفَكِّرُونَ فِيهَا، بَلْ لِأَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ فِيهَا كَثِيراً حَتَّى يَخَافُونَ مِنْهَا.
قَالَ أَخِيراً — بِصَوْتٍ لَيْسَ خَجُولاً لَكِنَّهُ يَحْتَرِمُ الثِّقَلَ:
— أُسْتَاذَةُ نُورٌ. سَأَسْأَلُ شَيْئاً قَدْ يَبْدُو سَاذِجاً.
— اسْأَلْ. الأَسْئِلَةُ السَّاذِجَةُ أَحْيَاناً هِيَ الأَعْمَقُ.
— كُلُّ مَا نَدْرُسُهُ — الفِقْهُ وَالكَلَامُ وَالتَّصَوُّفُ وَالفَلْسَفَةُ — هَلْ يُقَرِّبُ الإِنْسَانَ مِنَ اللهِ أَمْ يُبْعِدُهُ؟
صَمَتَ الفَصْلُ.
وَكَانَ الصَّمْتُ دَلِيلاً عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ وَصَلَ.
قَالَتْ نُورٌ بِبُطْءٍ — كَمَنْ يَفْتَحُ باباً بِعِنَايَةٍ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا وَرَاءَهُ:
— سُؤَالٌ جَيِّدٌ جِدَّاً. وَجَوَابِيَ الصَّادِقُ: يَعْتَمِدُ.
— عَلَى مَاذَا؟
— عَلَى الطَّرِيقَةِ.
العِلْمُ حِينَ يُدْرَسُ كَمَعْلُومَةٍ — يُبْعِدُ.
وَحِينَ يُدْرَسُ كَرِحْلَةٍ — يُقَرِّبُ.
الفَرْقُ لَيْسَ في المَحْتَوَى.
في الرُّوحِ الَّتِي تُدْرُسُهُ بِهَا.
وَالرُّوحُ لَا تُدَرَّسُ — تُعَاشُ.
قَالَ أَنَسٌ :
— وَكَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى الرُّوحِ؟
قَالَتْ نُورٌ — وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّهَا تُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ طَرَحَتْهُ سَلْمَى بِنْتُ المَخْزُومِيِّ قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْناً، بِكَلِمَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِقَلْبٍ وَاحِدٍ :
— بِأَنْ تَبْقَى الأَسْئِلَةُ حَيَّةً. وَلَا تَمُوتَ حِينَ تَجِدُ جَوَاباً مُؤَقَّتاً.
الجَوَابُ المُؤَقَّتُ نِعْمَةٌ — يَحْمِلُكَ حَتَّى تَجِدَ الجَوَابَ الأَعْمَقَ.
وَالجَوَابُ الأَعْمَقُ سَيَحْمِلُكَ حَتَّى سُؤَالٍ أَكْبَرَ. وَهَكَذَا. وَهَكَذَا دَائِماً.
خَامِساً: اللِّقَاءُ — في شَقَّةِ نُورٍ
في المَسَاءِ — بِتَرْتِيبٍ لَمْ يَكُنْ مُخَطَّطاً بِالكَامِلِ،
كَأَنَّ الأَشْيَاءَ الضَّرُورِيَّةَ تَجِدُ طَرِيقَهَا دَائِماً — اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ.
نُورٌ في شَقَّتِهَا في بَرْلِينَ.
طَارِقٌ قَادِمٌ مِنْ مَوْقِعِ العَمَلِ،
مَا زَالَ عَلَى مَلَابِسِهِ أَثَرُ الإِسْمَنْتِ — وَكَانَ هَذَا الأَثَرُ يَقُولُ شَيْئاً عَنِ الاسْتِعْجَالِ،
وَعَنِ الأَوْلَوِيَّاتِ.
سَارَةُ وَصَلَتْ مِنَ القَاهِرَةِ في زِيَارَةٍ جَامِعِيَّةٍ.
جَمَالٌ جَاءَ مَعَ سَارَةَ — كَانَ مَعَهَا في نَفْسِ المُؤْتَمَرِ،
وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ هَادِئٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
جَلَسُوا.
قَهْوَةٌ.
شَايٌ.
صَمْتٌ أَوَّلُ — مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَقُولُ إِنَّ الحُضُورَ بِحَدِّ ذَاتِهِ يَكْفِي أَحْيَاناً.
ثُمَّ قَالَ طَارِقٌ — بِتِلْكَ المُبَاشَرَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا يَدٌ تَعْرِفُ الأَشْيَاءَ الحَقِيقِيَّةَ لِأَنَّهَا لَمَسَتْهَا :
— أَنَا لَا أَفْهَمُ نِصْفَ مَا تَتَكَلَّمُونَ عَنْهُ في الأَوْسَاطِ الأَكَادِيمِيَّةِ. لَكِنَّنِي أَفْهَمُ شَيْئاً.
— مَا هُوَ؟ — قَالَتْ نُورٌ.
— أَفْهَمُ أَنَّنِي حِينَ صَلَّيْتُ مَعَ أُمِّي لَيْلَةَ أَوَّلِ أَمْسِ— شَعَرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
لَيْسَ سَعَادَةً.
لَيْسَ رَاحَةً بِالمَعْنَى العَادِيِّ.
شَيْءٌ يُشْبِهُ…
كَأَنَّنِي عُدْتُ إِلَى مَكَانٍ كُنْتُ فِيهِ وَتَرَكْتُهُ دُونَ أَنْ أَتَذَكَّرَ مَتَى.
وَدُونَ أَنْ أُقَرِّرَ الرَّحِيلَ.
صَمْتٌ. ثُمَّ قَالَ:
— وَأَنْتُمْ بِكُلِّ هَذَا العِلْمِ — هَلْ تَعْرِفُونَ مَا هُوَ هَذَا الشَّيْءُ؟
قَالَتْ سَارَةُ بِصِدْقِ الفَقِيهَةِ الَّتِي تَعْرِفُ حُدُودَ عِلْمِهَا — وَمَعْرِفَةُ الحُدُودِ هِيَ بَدَايَةُ العِلْمِ الحَقِيقِيِّ :
— أَنَا أَعْرِفُ مَا قَالَهُ الغَزَّالِيُّ عَنْ هَذَا.
وَمَا قَالَهُ ابْنُ القَيِّمِ.
وَمَا قَالَهُ المُحَاسِبِيُّ.
كُلُّهُمْ وَصَفُوهُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَا هُوَ في تَجْرِبَتِكَ أَنْتَ.
— لِمَاذَا؟
— لِأَنَّ التَّجْرِبَةَ لَا تُنْقَلُ.
يُمْكِنُ وَصْفُهَا.
لَكِنَّ الوَصْفَ لَيْسَ التَّجْرِبَةَ.
كَمَا أَنَّ وَصْفَ الضَّوْءِ لَيْسَ الضَّوْءَ.
نَظَرَ إِلَيْهَا طَارِقٌ :
— إِذاً كُلُّ هَذَا العِلْمِ…
— كُلُّ هَذَا العِلْمِ خَرِيطَةٌ.
وَالخَرِيطَةُ لَيْسَتِ الأَرْضَ.
لَكِنَّهَا تُسَاعِدُكَ عَلَى المَشْيِ.
وَمَنْ يَمْشِي بِلَا خَرِيطَةٍ قَدْ يَصِلُ — وَقَدْ يَضِيعُ.
وَمَنْ يَحْمِلُ خَرِيطَةً وَلَا يَمْشِي لَنْ يَصِلَ أَبَداً.
قَالَ جَمَالٌ — وَكَانَ في صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الاعْتِرَافَ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ وَقْتاً طَوِيلاً لِيَصِلَ إِلَى اللِّسَانِ :
— أَنَا قَضَيْتُ سَنَوَاتٍ أُومِنُ بِيَقِينٍ مُطْلَقٍ.
وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا اليَقِينَ قُوَّةٌ.
ثُمَّ اكْتَشَفْتُ أَنَّ بَعْضَهُ كَانَ خَوْفاً مُتَنَكِّراً في ثِيَابِ اليَقِينِ.
— خَوْفاً مِنْ مَاذَا؟ — قَالَ طَارِقٌ.
— مِنَ السُّؤَالِ. كُنْتُ أُومِنُ بِيَقِينٍ مُطْلَقٍ لِأَنَّنِي خِفْتُ مِنَ السُّؤَالِ.
لِأَنَّ السُّؤَالَ يَعْنِي احْتِمَالَ الشَّكِّ. وَالشَّكَّ كُنْتُ أَظُنُّهُ ضَعْفاً — وَالضَّعْفُ يُخِيفُنِي.
تَوَقَّفَ.
وَكَانَ التَّوَقُّفُ نَوْعاً مِنَ الشَّجَاعَةِ:
— ثُمَّ سَأَلَنِي ابْنِي سُؤَالاً لَمْ أَسْتَطِعِ الإِجَابَةَ عَلَيْهِ بِالجَوَابِ الجَاهِزِ.
فَسَقَطَ اليَقِينُ المَبْنِيُّ عَلَى الخَوْفِ.
وَمَا بَقِيَ كَانَ أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ.
لَكِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ صِدْقاً.
وَاليَقِينُ الصَّغِيرُ الصَّادِقُ أَثْقَلُ مِيزَاناً مِنَ اليَقِينِ الكَبِيرِ المَبْنِيِّ عَلَى الخَوْفِ.
— وَهَلْ مَا بَقِيَ يَكْفِي؟ — سَأَلَتْ نُورٌ بِتِلْكَ المُبَاشَرَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ ثِقَةً.
فَكَّرَ جَمَالٌ طَوِيلاً.
وَكَانَ التَّفْكِيرُ الطَّوِيلُ عِنْدَهُ يَعْنِي الاحْتِرَامَ.
— لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ يَكْفِي.
لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
وَأَنَا أَخْتَارُ الحَقِيقِيَّ القَلِيلَ عَلَى الكَثِيرِ المَبْنِيِّ عَلَى الخَوْفِ.
لِأَنَّ مَا يُبْنَى عَلَى الخَوْفِ يَتَهَاوَى حِينَ يُوَاجِهُ سُؤَالاً مِنْ طِفْلٍ — وَمَا يُبْنَى عَلَى الصِّدْقِ يَبْقَى.
سَادِساً: مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ — الغُرْفَةُ نَفْسُهَا
مَضَتْ سَاعَاتٌ.
القَهْوَةُ صَارَتْ كَثِيرَةً وَالحَدِيثُ تَعَمَّقَ وَالمَطَرُ لَمْ يَتَوَقَّفْ — كَأَنَّ بَرْلِينَ تُصِرُّ عَلَى إِعَادَةِ التَّفْكِيرِ في نَفْسِهَا.
في لَحْظَةٍ مَا قَالَتْ نُورٌ :
— أَنَا أَدْرُسُ هَذَا التُّرَاثَ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ.
وَأَحْيَاناً أَشْعُرُ أَنَّنِي أَدْرُسُ بَيْتاً لَا أَسْكُنُهُ.
أَعْرِفُ تَفَاصِيلَهُ المِعْمَارِيَّةَ.
وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ يَشْعُرُ فِيهِ الضَّوْءُ صَبَاحاً.
— لِمَاذَا لَا تَسْكُنِينَهُ؟ — قَالَ طَارِقٌ.
— لِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ.
التُّرَاثُ يَقُولُ أَشْيَاءَ جَمِيلَةً.
لَكِنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ.
مَسَافَةُ اللُّغَةِ أَحْيَاناً — لِأَنَّ اللُّغَةَ كَانَتْ لِزَمَانٍ آخَرَ.
وَمَسَافَةُ الزَّمَنِ.
وَمَسَافَةُ أَنَّنِي امْرَأَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُ كَتَبَهُ رِجَالٌ عَنْ نِسَاءٍ — لَا مَعَ نِسَاءٍ.
— وَهَلْ يُمْكِنُ اخْتِصَارُ هَذِهِ المَسَافَةِ؟
قَالَتْ نُورٌ بِبُطْءٍ — كَمَنْ تَقُولُ شَيْئاً لَمْ تَجِدْ لَهُ الكَلِمَاتِ مِنْ قَبْلُ:
— رُبَّمَا.
لَكِنْ لَيْسَ بِالقِرَاءَةِ فَقَطْ.
بِشَيْءٍ آخَرَ لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ.
قَالَتْ سَارَةُ — وَكَانَ في صَوْتِهَا ذَلِكَ اليَقِينُ الهَادِئُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ رَفْعَ الصَّوْتِ:
— أَنَا أَظُنُّ أَنَّ اسْمَهُ الحَيَاةُ.
لَا يُمْكِنُ فَهْمُ التُّرَاثِ كَامِلاً مِنَ الخَارِجِ.
يُفْهَمُ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَمِنَ الدَّاخِلِ لَا يَعْنِي المُوَافَقَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ — يَعْنِي العَيْشَ بِالسُّؤَالِ لَا خَارِجَهُ.
السُّكْنَى في التَّوَتُّرِ لَا الهَرَبَ مِنْهُ.
في مَكَانٍ مَا مِنَ الغُرْفَةِ — في تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الكَلَامُ قَدْ وَصَلَ إِلَى حَافَّةِ مَا يَسْتَطِيعُ الكَلَامُ أَنْ يَصِلَهُ — صَمَتَ الأَرْبَعَةُ.
لَمْ يَكُنْ صَمْتَ إِحْرَاجٍ.
وَلَمْ يَكُنْ صَمْتَ إِعْيَاءٍ.
كَانَ صَمْتَ مَنْ وَصَلُوا مَعاً إِلَى مَكَانٍ لَا خَرِيطَةَ فِيهِ — وَلَا يَحْتَاجُ.
ثُمَّ قَالَ طَارِقٌ — بِتِلْكَ البَسَاطَةِ الَّتِي تَقْطَعُ التَّعْقِيدَ بِسِكِّينِ الوَاقِعِ :
— أَنَا لَا أَعْرِفُ الفِقْهَ وَلَا الكَلَامَ وَلَا التَّصَوُّفَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئاً وَاحِداً أَتْقَنْتُهُ بِيَدَيَّ.
— مَاذَا؟
— أَعْرِفُ أَنَّنِي حِينَ أَبْنِي بَيْتاً — لَا يَكْفِي أَنْ أَعْرِفَ الخَرَائِطَ.
يَجِبُ أَنْ أَضَعَ يَدِي في الطِّينِ.
وَأَنْ أَقِفَ في العَاصِفَةِ وَأَرَى أَيْنَ يَضْعُفُ البِنَاءُ.
وَأَنْ أَعِيشَ في البَيْتِ بَعْدَ مَا أَبْنِيهِ حَتَّى أَعْرِفَ مَا الَّذِي يَحْتَاجُ تَعْدِيلاً.
البَيْتُ لَا يَكْتَمِلُ بِرَسْمِهِ — يَكْتَمِلُ بِسُكْنَاهُ.
تَوَقَّفَ.
— وَأَظُنُّ الإِيمَانَ كَذَلِكَ.
لَا يُبْنَى مِنْ بَعِيدٍ.
وَلَا يُفْهَمُ مِنَ الخَارِجِ.
وَلَا يَكْتَمِلُ بِالوَصْفِ.
نَظَرَتْ نُورٌ إِلَيْهِ.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى سَارَةَ وَجَمَالٍ.
ثُمَّ إِلَى اللَّيْلِ مِنْ خَلْفِ النَّافِذَةِ — المَطَرُ لَا يَزَالُ، وَالأَضْوَاءُ تَنْعَكِسُ عَلَى الرَّصِيفِ كَأَنَّ العَالَمَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ.
قَالَتْ :
— أَتَعْرِفُونَ مَا الَّذِي لَاحَظْتُهُ في كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الدِّرَاسَةِ؟
— مَاذَا؟ — قَالُوا.
— أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ في هَذَا التُّرَاثِ — مِنْ سَلْمَى بِنْتِ المَخْزُومِيِّ في المَدِينَةِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ في الكُوفَةِ إِلَى الغَزَّالِيِّ في القَاهِرَةِ إِلَى ابْنِ رُشْدٍ في قُرْطُبَةَ — كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَعِيشُ نَفْسَ التَّوَتُّرِ.
بَيْنَ مَا وَصَلَهُ وَمَا يَعِيشُهُ.
بَيْنَ النَّصِّ وَالوَاقِعِ.
بَيْنَ اليَقِينِ وَالسُّؤَالِ.
بَيْنَ مَا قِيلَ لَهُ وَمَا رَآهُ.
تَوَقَّفَتْ — وَكَانَ التَّوَقُّفُ نَفْسُهُ جُزْءاً مِنَ الجَوَابِ:
— وَالفَرْقُ بَيْنَ مَنْ صَنَعُوا شَيْئاً حَقِيقِيَّاً وَمَنْ لَمْ يَصْنَعُوا لَيْسَ في حَجْمِ عِلْمِهِمْ. بَلْ في اسْتِعْدَادِهِمْ لِلْجُلُوسِ في التَّوَتُّرِ دُونَ مُحَاوَلَةِ حَلِّهِ بِسُرْعَةٍ.
دُونَ اخْتِيَارِ طَرَفٍ وَرَفْضِ الآخَرِ. دُونَ إِسْكَاتِ مَا يَجِبُ أَنْ يُسْمَعَ.
قَالَ جَمَالٌ:
— وَهَذَا التَّوَتُّرُ — هَلْ يَهْدَأُ يَوْماً؟
قَالَتْ نُورٌ — وَفِي كَلَامِهَا شَيْءٌ مِنْ تَعَبٍ جَمِيلٍ وَأَمَلٍ حَقِيقِيٍّ:
— رُبَّمَا لَا يَهْدَأُ. لَكِنَّهُ يَتَحَوَّلُ.
مِنْ تَوَتُّرٍ يُتْعِبُ إِلَى تَوَتُّرٍ يُحْيِي.
وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ القَبُولُ.
أَنْ تَقْبَلَ أَنَّكَ في طَرِيقٍ وَلَيْسَ في وِجْهَةٍ.
سَابِعاً: الفَجْرُ
حِينَ اقْتَرَبَ الفَجْرُ — وَكَانَ الضَّوْءُ يَبْدَأُ في لَمْسِ الأُفُقِ بِذَلِكَ الخَجَلِ الجَمِيلِ لِلنَّهَارِ حِينَ يَأْتِي — قَالَ طَارِقٌ:
— سَأُصَلِّي الفَجْرَ.
نَظَرُوا إِلَيْهِ.
قَالَ بِبَسَاطَةٍ تَكَوَّنَتْ عَلَى مَدَى أَيَّامٍ لَا لَحْظَاتٍ :
— قَرَّرْتُ مُنْذُ لَيْلَةِ أُمِّي.
لَيْسَ لِأَنَّنِي وَجَدْتُ الجَوَابَ.
لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَبْقَى في السُّؤَالِ.
وَالسُّؤَالُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعَاشَ لَا أَنْ يُفَكَّرَ فِيهِ فَقَطْ.
قَامَتْ سَارَةُ.
ثُمَّ جَمَالٌ.
ثُمَّ — بَعْدَ لَحْظَةٍ كَانَتِ الأَعْمَقَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ — نُورٌ.
أَرْبَعَتُهُمْ.
بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعَلَى مَسَافَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ اليَقِينِ.
بِأَعْبَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَسْئِلَةٍ لَمْ تُجَبْ.
لَكِنَّهُمْ وَقَفُوا.
وَالوُقُوفُ نَفْسُهُ كَانَ نَوْعاً مِنَ الإِجَابَةِ.
في ذَلِكَ الفَجْرِ البَرْلِينِيِّ — المَطَرُ مَا زَالَ يَقْطُرُ عَلَى النَّوَافِذِ وَالشَّوَارِعُ فَارِغَةٌ وَضَوْءُ النَّهَارِ يَبْدَأُ بِبُطْءٍ في لَمْسِ الأُفُقِ — صَلُّوا.
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا يَحْمِلُ.
طَارِقٌ بِجَسَدِهِ الَّذِي يَتَذَكَّرُ قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ عَقْلُهُ — ذَلِكَ الجَسَدُ الَّذِي وَضَعَ يَدَهُ في الطِّينِ وَعَرَفَ مِنَ الطِّينِ مَا لَا تَعْرِفُهُ الكُتُبُ. سَارَةُ بِعَقْلِهَا الَّذِي يَعْرِفُ مَا وَرَاءَ كُلِّ كَلِمَةٍ وَمَا قَبْلَهَا — وَيَعْرِفُ الآنَ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئاً وَرَاءَ العَقْلِ أَيْضاً.
جَمَالٌ بِقَلْبِهِ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ اليَقِينُ الزَّائِفُ وَمَا زَالَ يَبْنِي اليَقِينَ الحَقِيقِيَّ لَبِنَةً لَبِنَةً.
وَنُورٌ بِذَلِكَ المَزِيجِ الَّذِي يَخُصُّهَا — مِنَ الحُبِّ لِلتُّرَاثِ وَالبُعْدِ عَنْهُ وَالرَّغْبَةِ في العَوْدَةِ،
وَالمَعْرِفَةِ بِأَنَّ العَوْدَةَ لَيْسَتِ الاسْتِسْلَامَ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — في تِلْكَ الصَّلَاةِ الصَّغِيرَةِ في شَقَّةٍ في بَرْلِينَ،
بَيْنَ أَرْبَعَةٍ جَاؤُوا مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ وَوَقَفُوا في اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ — كَانَ كُلُّ مَنْ مَرَّ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَاضِراً بِطَرِيقَةٍ لَا تُرَى وَلَا تَحْتَاجُ أَنْ تُرَى لِكَيْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً.
سَلْمَى الَّتِي سَأَلَتْ وَمَا زَالَ سُؤَالُهَا يُصْلِحُ شَيْئاً.
أَبُو حَنِيفَةَ الَّذِي بَنَى وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا بُنِيَ سَيُسْكَنُ وَيُعَادُ.
رَابِعَةُ الَّتِي أَحَبَّتْ دُونَ حِسَابٍ وَلَا خَوْفٍ وَلَا طَمَعٍ.
الحَلَّاجُ الَّذِي قَالَ مَا تَجَاوَزَ اللُّغَةَ وَدَفَعَ ثَمَنَهُ حَيَاتَهُ وَبَقِيَتْ كَلِمَاتُهُ.
ابْنُ رُشْدٍ الَّذِي رَأَى كُتُبَهُ تُحْرَقُ وَعَرَفَ أَنَّ الوَرَقَ يَحْتَرِقُ وَالعَقْلَ الَّذِي أَنْتَجَهَا لَا يَحْتَرِقُ.
الغَزَّالِيُّ الَّذِي تَرَكَ الكُرْسِيَّ الأَرْفَعَ لِيَجِدَ مَا هُوَ أَصْدَقُ.
أَحْمَدُ الَّذِي جُلِدَ وَلَمْ يَتَرَاجَعْ وَبَقِيَ وَفِيَّاً لِمَا رَأَى.
نَجْمُ الدِّينِ الَّذِي أَرْسَلَ البَذُورَ وَبَقِيَ في مَدِينَتِهِ حِينَ جَاءَ المَغُولُ.
أَمِينَةُ الَّتِي خَبَزَتْ دَائِماً لِأَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ خُبْزاً.
وَذَلِكَ الطِّفْلُ الَّذِي يَسْأَلُ في كُلِّ جِيلٍ مَا لَا يَجْرُؤُ الكِبَارُ عَلَى سُؤَالِهِ.
كُلُّهُمْ كَانُوا هُنَاكَ.
لِأَنَّ الصَّلَاةَ — في جَوْهَرِهَا — هِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ فِيهَا الإِنْسَانُ عَنْ كُلِّ هَذَا الجَدَلِ وَيَقِفُ أَمَامَ مَا لَا يُجَادَلُ. لَيْسَ لِأَنَّهُ وَجَدَ الإِجَابَةَ — بَلْ لِأَنَّهُ اكْتَشَفَ أَنَّ ثَمَّةَ مَنْ يَسْمَعُ السُّؤَالَ.
وَفِي المَدِينَةِ مِنْ حَوْلِهِمْ كَانَتْ بَرْلِينُ تَسْتَيْقِظُ.
المَطَرُ لَا يَزَالُ.
وَالشَّوَارِعُ تَمْتَلِئُ.
وَفِي كُلِّ مَكَانٍ آخَرَ — القَاهِرَةُ تَسْتَيْقِظُ وَالمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ.
وَإِسْطَنْبُولُ تَسْتَيْقِظُ وَالمَيْنَاءُ يَبْدَأُ حَرَكَتَهُ.
وَدَلْهِي تَسْتَيْقِظُ وَالعَالَمُ يَبْدَأُ.
وَالإِنْسَانُ — ذَلِكَ الكَائِنُ الَّذِي بَدَأَ يَوْمَ تَوَقَّفَ الوَحْيُ وَظَنَّ أَنَّهُ وُحِيدٌ،
ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّ الوُحْدَةَ نَفْسَهَا نَوْعٌ مِنَ الرِّسَالَةِ — مَا زَالَ يَسْأَلُ.
مَا زَالَ يُخْطِئُ.
مَا زَالَ يَعُودُ.
مَا زَالَ يَبْنِي.
مَا زَالَ يُحِبُّ.
وَهَذَا — بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ نَقْصٍ وَجَمَالٍ،
وَبِكُلِّ مَا بَيْنَ النَّقْصِ وَالجَمَالِ مِنْ مَسَافَةٍ هِيَ حَيَاتُهُ — هُوَ مَا أَرَادَ اللهُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَهُ:
حُرَّاً. مَسْؤُولاً. سَاعِياً.
في دُنْيَا هِيَ دَارُ عَمَلٍ. نَحْوَ آخِرَةٍ هِيَ دَارُ لِقَاءٍ.
وَالحِسَابُ — كَمَا قَالَتْ سَلْمَى مُنْذُ البِدَايَةِ،
في ذَلِكَ الفَجْرِ البَعِيدِ الَّذِي لَمْ يَبْعُدْ — لَيْسَ هُنَا.
