يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 13

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان
الْفَصْلُ الْثاني عشر: الْعَوْدَةُ — النِّهَايَةُ الَّتِي كَانَتِ الْبِدَايَةَ
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” — آل عمران: ١٨٥
أَوَّلاً: قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الْفَصْلُ
لا أَعْرِفُ كَيْفَ أَبْدَأُ هَذَا الْفَصْلَ.
وَهَذَا — فِي حَدِّ ذَاتِهِ — شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ.
لِأَنَّ الصِّدْقَ أَحْيَاناً لا يَبْدَأُ بِيَقِينٍ،
بَلْ بِالِاعْتِرَافِ بِأَنَّ الْيَقِينَ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ.
كُلُّ مَا سَبَقَ كَانَ سَرْداً:
أَحْدَاثٌ وَشَخْصِيَّاتٌ وَأَزْمِنَةٌ وَأَمَاكِنُ وَجَدَلٌ لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يُعَدُّ.
الْكَلَامُ فِيهِ له مَكَانُهُ وَالصَّمْتُ فِيهِ له مَكَانُهُ،
وَالْقَارِئُ يُدْرِكُ — وَلَوْ بِشَيْءٍ مِنَ الضَّبَابِ — أَيْنَ الْخَيْطُ الَّذِي يَمْشِي عَلَيْهِ.
لَكِنَّ هَذَا الْفَصْلَ مُخْتَلِفٌ.
لِأَنَّهُ لَا يَرْوِي مَا حَدَثَ.
يَرْوِي مَا يَحْدُثُ — فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَقَعُ خَارِجَ الزَّمَنِ،
وَهِيَ اللَّحْظَةُ ذَاتُهَا الَّتِي لَمَحْنَاهَا فِي الْبِدَايَةِ كَوَمِيضٍ عَابِرٍ ثُمَّ غِبْنَا فِي أَعْمَاقِ التَّارِيخِ نُفَتِّشُ عَنْ مَعْنَاهَا.
حِينَ اجْتَمَعُوا جَمِيعاً.
حِينَ تَوَقَّفَ الْجِدَالُ.
حِينَ لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ،
بَلْ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَجِدِ اسْمَهُ بَعْدُ — أَوْ رُبَّمَا كَانَ اسْمُهُ مَوْجُوداً مُنْذُ الْأَزَلِ،
لَكِنَّهُمْ أَمْضَوْا كُلَّ تِلْكَ الْقُرُونِ يَتَجَاوَزُونَهُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتُوا.
ثَانِياً: الْمَكَانُ — هُوَ ذَاكَ
عَادَ الْمَكَانُ.
ذَلِكَ الْفَضَاءُ الَّذِي لَا تُحَدِّدُهُ جُدْرَانٌ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا.
النُّورُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ غَيْرِ مَصْدَرٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُشِيرَ إِلَيْهِ بِإِصْبَعِكَ.
الصَّمْتُ الَّذِي يَحْمِلُ أَصْوَاتاً لَا تَتَعَارَضُ، كَأَنَّهَا أَنْهَارٌ تَلْتَقِي فَتَزِيدُ وَلَا تَتَنَاحَرُ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ — بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْنَاهُ وَعِشْنَاهُ مَعَهُمْ — كَانَ الْمَكَانُ أَكْثَرَ امْتِلَاءً.
لَيْسَ بِالْأَشْخَاصِ فَحَسْبُ.
بَلْ بِثِقَلِ مَا عَاشُوهُ:
بِكُلِّ جَلْسَةِ فِقْهٍ امْتَدَّتْ حَتَّى الْفَجْرِ وَتَرَكَتْ وَرَاءَهَا قَلَائِلَ مِنَ الْيَقِينِ وَكَثِيراً مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمُعَلَّقَةِ.
بِكُلِّ سِجْنٍ أُغْلِقَ عَلَى جَسَدٍ حُرٍّ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَالَ مَا لَمْ يُرَدْ لَهُ أَنْ يَقُولَهُ.
بِكُلِّ كِتَابٍ أُحْرِقَ فِي سَاحَةٍ عَامَّةٍ وَالْغَوْغَاءُ تَهْتِفُ وَالْمَعْرِفَةُ تَبْكِي فِي صَمْتِهَا.
بِكُلِّ سُؤَالٍ طُرِحَ فِي الظَّلَامِ حِينَ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَنْ يَسْمَعُ إِلَّا اللَّهُ.
بِكُلِّ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي شَقَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي بَرْلِينَ فِي فَجْرٍ مَطِيرٍ مِنَ الشِّتَاءِ،
صَلَاةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ وَلَا يُسَجِّلُهَا تَارِيخٌ،
لَكِنَّهَا تَرَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا أَثَراً أَعْمَقَ مِنْ أُطْرُوحَاتٍ بِأَكْمَلِهَا.
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ هُنَا.
مَضْغُوطاً فِي هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَتَّسِعُ وَلَا يَضِيقُ،
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الَّذِي يُقَاسُ بِالْأَبْعَادِ.
وَإِنْ سَأَلَكَ أَحَدٌ:
مَا هَذَا الْمَكَانُ؟ — فَالْجَوَابُ الْوَحِيدُ الصَّادِقُ هُوَ:
لَا أَعْلَمُ.
وَهَذَا الْجَوَابُ — مُنْذُ مَتَى صَارَ الِاعْتِرَافُ بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ أَعْمَقَ أَنْوَاعِ الْمَعْرِفَةِ؟
كَانَتْ سَلْمَى بِنْتُ الْمَخْزُومِيِّ مَا زَالَتْ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
لَمْ تَتَغَيَّرْ مَلَامِحُهَا.
لَكِنَّهَا بَدَتْ — إِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِناً فِي مَكَانٍ خَارِجِ الزَّمَنِ — أَكْثَرَ رَاحَةً مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى،
كَمَا يَبْدُو الْوَجْهُ حِينَ يَنْتَهِي سَفَرٌ طَوِيلٌ وَتُوضَعُ الْأَمْتِعَةُ أَخِيراً عَلَى الْأَرْضِ.
كَأَنَّ انْتِظَاراً أَرْهَقَهَا طَوِيلاً قَدْ وَصَلَ إِلَى نُقْطَةٍ يُمْكِنُ عِنْدَهَا — أَخِيراً — أَنْ يَجْلِسَ.
دَخَلُوا وَاحِداً وَاحِداً.
لَمْ يَكُنْ دُخُولاً حَرْفِيًّا — لِأَنَّ الْمَكَانَ لَا أَبْوَابَ لَهُ وَلَا عَتَبَاتٍ وَلَا مَمَرَّاتٍ.
كَانَ شَيْئاً أَقْرَبَ إِلَى التَّذَكُّرِ الْمُفَاجِئِ:
كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَدَأَ فَجْأَةً يَعْرِفُ أَنَّهُ هُنَا،
وَأَنَّهُ كَانَ هُنَا دَائِماً،
وَأَنَّ مَا بَيْنَ أَنْ يَعْرِفَ وَأَنْ لَا يَعْرِفَ — كَانَتِ الْحَيَاةُ كُلُّهَا.
تِلْكَ الْحَيَاةُ الَّتِي أَمْضَاهَا كُلٌّ مِنْهُمْ يَبْحَثُ أَوْ يَجِدَلُ أَوْ يَبْنِي أَوْ يَهْدِمُ مَا بَنَى أَوْ يُعِيدُ الْبِنَاءَ مِنْ جَدِيدٍ — وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ — عَلَى مَا يَبْدُو الْآنَ — جُزْءاً مِنَ الطَّرِيقِ لَا عَقَبَةً فِيهِ.
جَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ وَفِي يَدِهِ لَا شَيْءَ — لَا أَوْرَاقَ وَلَا مَسَائِلَ وَلَا قَضَايَا مُعَلَّقَةٌ تَنْتَظِرُ الفَصْلَ فِيهَا.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
وَفِي فَرَاغِ يَدَيْهِ شَيْءٌ لَا يُقَالُ — كَأَنَّ مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَحْمِلَ الدُّنْيَا رَأَى أَخِيراً أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ نَفْسَهَا.
وَجَاءَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَجَلَسَ دُونَ أَنْ يَسْتَقِيمَ ظَهْرُهُ بِتِلْكَ الِاسْتِقَامَةِ الرَّسْمِيَّةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي كَانَ يَرْتَدِيهَا فِي الدُّنْيَا كَمَا يَرْتَدِي الْعُلَمَاءُ مَهَابَتَهُمْ.
هُنَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يَدْعُو إِلَى الْمَهَابَةِ — أَوْ رُبَّمَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَدْعُو إِلَيْهَا، حِينَ يَكُونُ الْمَكَانُ كُلُّهُ مَهَابَةً، لَمْ يَعُدِ الْإِنْسَانُ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَصْطَنِعَهَا، وَلَمْ يَعُدِ التَّكَلُّفُ يَلِيقُ.
وَجَاءَ الشَّافِعِيُّ وَفِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الضَّوْءُ الَّذِي عَرَفْنَاهُ،
لَكِنَّهُ أَخَفُّ حِدَّةً — كَضَوْءِ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ الَّذِي يُبَشِّرُ دُونَ أَنْ يُعْمِيَ،
لَا كَضَوْءِ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ الَّذِي يَطْغَى حَتَّى يَمْحَقَ الظِّلَالَ.
وَجَاءَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَلَسَ بِجَانِبِ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ — وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ شَيْئاً يَخْتَصِرُ أَلْفَ جِدَالٍ.
الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يُمَيِّزُ كُلَّ شَيْءٍ بِالْحَدِيثِ،
وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَجَاوَزُ كُلَّ شَيْءٍ بِالْحُبِّ — جَالِسَانِ مَعاً دُونَ تَوَتُّرٍ،
كَأَنَّهُمَا اكْتَشَفَا أَنَّهُمَا كَانَا يَتَكَلَّمَانِ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ طَوَالَ الْوَقْتِ.
وَجَاءَ الْحَلَّاجُ وَجَلَسَ فِي الْوَسَطِ هَذِهِ الْمَرَّةَ — لَمْ يَخْتَرِ الزَّاوِيَةَ كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُ.
وَكَأَنَّهُ فِي دُنْيَا الزَّمَانِ كَانَ يَخْتَارُ الزَّوَايَا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ فِي الْوَسَطِ لَسَأَلَهُ كُلُّ أَحَدٍ عَمَّا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِلُغَةٍ يَفْهَمُهَا الْجَمِيعُ. أَمَّا هُنَا — فَاللُّغَةُ لَيْسَتْ شَرْطاً.
وَجَاءَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْغَزَالِيُّ وَجَلَسَا مَعاً كَمَا رَأَيْنَاهُمَا — دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَا.
لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ قِيلَتْ كُلُّهَا،
وَمَا تَبَقَّى هُوَ الصَّمْتُ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْكَلَامِ — ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَيْهِ يَعِيشَانِ فِي مَسَاحَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَرْجَمَةٍ.
وَجَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَجَلَسَ بَعِيداً قَلِيلاً — لَكِنَّ بُعْدَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ بُعْدَ الرَّفْضِ.
كَانَ بُعْدَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرَى الْكُلَّ — أَنْ يَرَى الصُّورَةَ بِأَكْمَلِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بَعْدَ أَنْ عَاشَ عُمُرَهُ يَنْظُرُ مِنْ قَرِيبٍ جِدًّا حَتَّى فَاتَتْهُ أَجْزَاءٌ مِنَ الصُّورَةِ.
وَجَاءَ ابْنُ خَلْدُونٍ وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الْمَزِيجُ الَّذِي عَرَفْنَاهُ — بَصِيرَةُ الْمُؤَرِّخِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ مَا يَرَاهُ الْآنَ هُوَ مَا كَانَ يُحَاوِلُ طَوَالَ حَيَاتِهِ أَنْ يَصِفَهُ بِالْكَلَامِ وَيَحُدَّ أَطْرَافَهُ بِالْمَفَاهِيمِ.
وَهَا هُوَ يَرَاهُ أَمَامَهُ دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى مَفَاهِيمَ — وَشَيْءٌ مَا بَدَا عَلَيْهِ يُشْبِهُ الِارْتِيَاحَ الْمُمَزَّجَ بِاتِّسَاعِ الدَّهْشَةِ.
وَجَاءَتْ نُورٌ وَطَارِقٌ وَسَارَةُ وَجَمَالٌ — أَصْغَرُ الْجَالِسِينَ سِنًّا — وَجَلَسُوا فِي الْخَلْفِ أَوَّلاً،
كَمَنْ يُشَكِّكُونَ فِي حَقِّهِمْ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ تَحَرَّكُوا — بِبُطْءٍ، كَمَنْ لَا يُصَدِّقُ الْإِذْنَ الَّذِي وَصَلَهُ — إِلَى الْأَمَامِ.
وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ أَحَدٌ تَعَالَوْا،
وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ أَحَدٌ لَكُمُ الْحَقُّ فِي أَنْ تَكُونُوا هُنَا — لِأَنَّ الْمَكَانَ نَفْسَهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَجَاءَ الْآخَرُونَ.
حَارِثٌ الْوَرَّاقُ بِأَصَابِعِهِ الْمُلَطَّخَةِ بِالْحِبْرِ — ذَلِكَ الْحِبْرُ الَّذِي نَسَخَ بِهِ مَا تَعَارَضَ وَلَمْ يَتَعَجَّبْ،
لِأَنَّهُ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ يَتَعَجَّبَ.
أَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ الَّتِي جَلَسَتْ وَكَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ خُبْزاً يَخْرُجُ مِنَ الْفُرْنِ — ذَلِكَ الصَّبْرُ الدَّافِئُ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ عَاشَ حَيَاتَهُ يُطْعِمُ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُكْرٍ.
رَشِيدٌ الْحَدَّادُ بِيَدَيِ الْحَدَّادِ اللَّتَيْنِ لَمْ تَخْجَلَا يَوْماً مِمَّا صَنَعَتَا — لِأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ السَّيْفَ يَعْرِفُ وَزْنَ الْحَدِيدِ وَيَعْرِفُ وَزْنَ مَا يُصْنَعُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَحْمِلُهُ.
ضِرَارُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْحَارِسُ الْبَسِيطُ الَّذِي كَانَ يَعِيشُ الْإِسْلَامَ فِي خُطُوَاتِهِ وَفِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ.
نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى الَّذِي لَمْ يُغَادِرْ مَدِينَتَهُ حِينَ جَاءَ مَنْ لَا يُبَقِّي — وَالْبَقَاءُ حَيْثُ تَشْتَعِلُ النَّارُ لَيْسَ جُنُوناً،
هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحُبِّ لَا يَفْهَمُهُ مَنْ لَمْ يَعِشْهُ.
يُوسُفُ الْيَهُودِيُّ الَّذِي أَخْفَى الْكُتُبَ لِمَنْ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ — فِعْلُ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْمُسْتَقْبَلِ لَا لِأَنَّهُ يَعْرِفُهُ بَلْ لِأَنَّهُ يَثِقُ بِهِ.
فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ الشَّاعِرَةُ الَّتِي رَأَتِ الْجَمَالَ عِبَادَةً وَالشِّعْرَ طَرِيقاً لَا زِينَةً.
سُبَيْعَةُ الزَّاهِدَةُ الَّتِي قَالَتْ إِنَّهَا تَعْبُدُ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَلَّا تَعْبُدَ — وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْبَسِيطَةِ عُمْقٌ لَا تَبْلُغُهُ أُطْرُوحَاتٌ.
لَيْلَى الْفَقِيهَةُ بِذَلِكَ الْخَطِّ الصَّغِيرِ الَّذِي كَتَبَتْ فِيهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ — وَالْكِتَابَةُ فِي الْهَوَامِشِ أَحْيَاناً أَهَمُّ مِنَ الْكِتَابَةِ فِي الْمَتْنِ.
زَيْنَبُ الْكُوفِيَّةُ الَّتِي دَخَلَتْ حِينَ قِيلَ لَهَا لَيْسَ صَرِيحاً أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ — وَدُخُولُهَا وَحْدَهُ كَانَ مَوْقِفاً.
أُمُّ كُلْثُومٍ الْأَنْصَارِيَّةُ الَّتِي سَأَلَتِ السُّؤَالَ الْأَوَّلَ قَبْلَ أَنْ يُعَبِّرَ أَحَدٌ عَنْهُ.
النُّعْمَانُ بْنُ زِيَادٍ الَّذِي حَمَلَ السُّؤَالَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ وَلَمْ يَجِدِ الْجَوَابَ — لَكِنَّهُ لَمْ يَرْمِ السُّؤَالَ،
وَهَذَا وَحْدَهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ.
قَاسِمٌ الطَّرْشَاءُ الَّذِي رَأَى دَائِماً مَا يَكُونُ أَوْضَحَ مِنْ كُلِّ الْجِدَالِ — وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنَّ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ شَخْصاً يَرَى مَا لَا يَرَاهُ الْفُقَهَاءُ.
عُمَرُ الشَّاهِدُ الَّذِي كَانَ دَائِماً هُنَاكَ — فِي كُلِّ عَصْرٍ وَكُلِّ مَكَانٍ،
الصَّامِتُ الَّذِي يَشْهَدُ وَلَا يَتَكَلَّمُ،
وَشَهَادَتُهُ هِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تُزَيَّفُ لِأَنَّهَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا.
وَأَخِيراً — أَنَسٌ الطِّفْلُ — الَّذِي لَمْ يَكْبَرْ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
بَقِيَ فِي الْعَاشِرَةِ.
لِأَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ لَا تُطْرَحُ إِلَّا فِي الْعَاشِرَةِ — قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ كَيْفَ يَخَافُ الْأَسْئِلَةَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَجْوِبَةٌ جَاهِزَةٌ.
ثَالِثاً: الصَّمْتُ الْأَوَّلُ
لَمْ يَبْدَأْ أَحَدٌ بِالْكَلَامِ.
وَكَانَ هَذَا — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي قُرُونٍ مِنَ الْجِدَالِ الَّذِي مَلَأَ الصُّفُوفَ وَأَشْعَلَ الْمَجَالِسَ وَأَرَّقَ اللَّيَالِيَ — صَحِيحاً تَمَاماً.
لِأَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ لَا تَبْدَأُ بِالْكَلَامِ.
تَبْدَأُ بِأَنْ يُدْرِكَ كُلُّ مَنْ فِي الْمَكَانِ أَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ فِي الْآخَرِينَ — بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْهَا حِينَ كَانُوا فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَمَاكِنَ مُتَبَاعِدَةٍ وَجَدَلٍ يُصَوِّرُ كُلَّ مَنْ يَخْتَلِفُ عَدُوًّا لَا بُدَّ مِنَ انْتِزَاعِ الِاعْتِرَافِ مِنْهُ.
نَظَرَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّظْرَةِ مَا كَانَ يُمْكِنُ تَوَقُّعُهُ.
لَمْ يَكُنْ حُكْماً.
لَمْ يَكُنْ تَسَامُحاً مُتَكَلَّفاً يَحْمِلُ تَحْتَهُ بَقَايَا ادِّعَاءٍ.
كَانَ شَيْئاً أَبْسَطَ وَأَعْمَقَ — تَعَرُّفاً.
كَأَنَّهُ رَأَى فِيهِ رَجُلاً أَحَبَّ الدِّينَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ طَرِيقَتِهِ — لَكِنَّهُ أَحَبَّهُ.
وَمَنْ أَحَبَّ نَفْسَ الشَّيْءِ مِنْ طَرِيقٍ مُخْتَلِفٍ لَيْسَ عَدُوًّا — هُوَ صُورَةٌ أُخْرَى مِنَ الشَّيْءِ ذَاتِهِ.
وَهَذَا التَّعَرُّفُ — لَوْ أَمْكَنَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى مَكَانٍ خَارِجَ الزَّمَانِ لِيُوجَدَ — كَمْ كَانَ سَيُوَفِّرُ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْكُتُبِ الْمُحْرَقَةِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَسْجُونِينَ.
وَنَظَرَتْ رَابِعَةُ إِلَى الْغَزَالِيِّ.
وَفِي نَظْرَتِهَا ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي طَالَمَا أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ وَخَافَ أَنْ يَصِفَهُ — كَأَنَّهَا تَقُولُ بِلَا لُغَةٍ:
رَأَيْتُ فِي كِتَابَاتِكَ أَنَّكَ فَهِمْتَ.
لَيْسَ بِالْعَقْلِ وَحْدَهُ.
فَهِمْتَ بِالتَّعَبِ.
وَالتَّعَبُ أَحْيَاناً أَقْصَرُ الطُّرُقِ إِلَى الْحَقِيقَةِ.
وَنَظَرَ الْحَلَّاجُ إِلَى الْجُنَيْدِ — شَيْخِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي أَحَبَّهُ وَخَافَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ مَا جَرَى،
وَكَانَ صَمْتُهُ ذَاكَ — بِكُلِّ مَا حَمَلَهُ مِنْ أَلَمٍ — أَصْعَبَ مِمَّا لَوْ تَكَلَّمَ وَأَشَدَّ تَعْبِيراً عَنِ الْحُبِّ مِنَ الْقَبُولِ الرَّخِيصِ.
وَفِي تِلْكَ النَّظْرَةِ كَانَ كُلُّ مَا لَمْ يُقَلْ بَيْنَهُمَا فِي حَيَاتَيْهِمَا — كُلُّ الْأَلَمِ وَالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالِاخْتِيَارِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَخْتَارَ بَدَلَ صَاحِبِهِ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَكَانِ حَاجَةٌ لِأَنْ يُقَالَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ — لِأَنَّ اللَّحْظَةَ كَانَتْ تَقُولُهُ كُلَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً دُونَ أَنْ تُزِيدَ أَوْ تُنْقِصَ.
رَابِعاً: حِينَ تَكَلَّمَتْ سَلْمَى
قَالَتْ سَلْمَى — بِذَلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي يَأْتِي مِنْ تِسْعَةِ عُقُودٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ،
الصَّوْتُ الَّذِي لَا يَرْفَعُ نَفْسَهُ لِيُقْنِعَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ:
— أَنَا رَأَيْتُهُ ﷺ.
لَمْ تَقُلْهَا فَخْراً.
وَلَمْ تَقُلْهَا لِتُسْكِتَ الْجِدَالَ بِالسُّلْطَةِ.
قَالَتْهَا كَمَنْ يَضَعُ شَيْئاً ثَقِيلاً عَلَى الطَّاوِلَةِ لِيُشَارِكَهُ مَعَ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ — شَيْئاً حَمَلَتْهُ وَحْدَهَا طَوِيلاً وَلَمْ يَكُنْ الثِّقَلُ يَخِفُّ إِلَّا حِينَ يُشَارَكُ.
— رَأَيْتُهُ حِينَ كَانَتِ ابْنَةُ الْجَارَةِ تَمْرَضُ وَلَا دَوَاءَ،
وَحِينَ كَانَ الْعَبْدُ يُضْرَبُ وَهُوَ يَنْهَى وَيَجِيءُ وَجْهُهُ الشَّرِيفُ يَتَغَيَّرُ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُضْرَبُ.
وَحِينَ كَانَ الْغَرِيبُ يَصِلُ وَلَا أَحَدَ يَعْرِفُهُ فَيُكْرِمُهُ كَأَنَّهُ أَهَمُّ مَنْ فِي الْكَوْنِ — وَرُبَّمَا كَانَ كَذَلِكَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِعَيْنِهَا.
وَحِينَ كَانَ يَمْشِي فِي السُّوقِ مِثْلَ أَيِّ إِنْسَانٍ ثُمَّ يَجْلِسُ مَعَ أَفْقَرِ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ كَأَنَّهُ أَهَمُّ مَنْ فِي الْكَوْنِ — وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْثِيلاً.
تَوَقَّفَتْ.
وَالتَّوَقُّفُ كَانَ جُزْءًا مِنَ الْكَلَامِ.
— مَا رَأَيْتُهُ لَمْ يَكُنْ دِيناً بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي صَارَ يُفْهَمُ بِهَا الدِّينُ لَاحِقاً — قَوَاعِدَ وَمَنَاهِجَ وَحُدُوداً وَاسْتِثْنَاءَاتٍ.
كَانَ حَيَاةً.
كَانَ طَرِيقَةً فِي أَنْ تَكُونَ مَوْجُوداً مَعَ النَّاسِ.
وَحِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ — لَمْ يَتَوَقَّفْ مَا رَأَيْتُهُ.
اسْتَمَرَّ فِي كُلِّ مَنْ عَاشَهُ حَقًّا.
وَانْقَطَعَ فِي كُلِّ مَنْ حَفِظَهُ دُونَ أَنْ يَعِيشَهُ — وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أَحْيَاناً أَدَقُّ مِمَّا نَتَخَيَّلُ وَأَخْطَرُ مِمَّا نَعْتَرِفُ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ — وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ يَتَكَلَّمُ بِالْكَامِلِ،
بِكُلِّ مَا فِيهِ لَا بِجُزْءٍ مِنْهُ:
— أَنَا جُلِدْتُ.
قَالَهَا بِبَسَاطَةٍ — لَا اسْتِعْطَافاً وَلَا بُطُولَةً وَلَا طَلَباً لِاعْتِرَافٍ.
قَالَهَا كَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ: أَنَا كُنْتُ هُنَاكَ. هَذَا مَا حَدَثَ.
— جُلِدْتُ لِأَنَّنِي لَمْ أَقُلْ مَا لَمْ أَجِدْ دَلِيلاً عَلَيْهِ.
وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا كَافٍ — أَنَّ الصَّمْتَ أَمَامَ مَا لَا تَعْلَمُ هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ.
وَمَا زِلْتُ أَظُنُّ ذَلِكَ.
لَكِنَّنِي لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنَّ ثُبُوتِي سَيُسْتَخْدَمُ لَاحِقاً لِإِسْكَاتِ مَنْ يَسْأَلُ — أَنَّ مَنْ جَاءَ بَعْدِي سَيُسَمِّي صَمْتَهُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ تَقَرُّباً مِنِّي. وَهَذَا يُؤْلِمُنِي أَكْثَرَ مِنَ الْجَلْدِ — لِأَنَّ الْجَلْدَ بَقِيَ فِي جَسَدٍ انْتَهَى،
أَمَّا هَذَا فَامْتَدَّ فِي أَرْوَاحٍ لَا أَعْرِفُ عَدَدَهَا.
نَظَرَ إِلَى الْجَالِسِينَ بِتِلْكَ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ حَمَلَتَا فِي حَيَاتِهِ ثِقَلاً بِلَا شِكْوَى.
— أَنَا لَا أَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ نَسَبَ نَفْسَهُ إِلَيَّ ثُمَّ أَسَاءَ.
كُلُّ إِنْسَانٍ مَسْؤُولٌ عَنْ نِيَّتِهِ أَمَامَ اللَّهِ،
وَاللَّهُ أَعْدَلُ وَأَرْحَمُ مِنِّي وَمِنْ كُلِّ مَنْ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
لَكِنَّنِي أَقُولُ لِمَنْ يَسْمَعُ — وَأَرْجُو أَنْ يَسْمَعَ مَنْ هُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ:
الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ لَيْسَ الثَّبَاتَ عَلَى الرَّأْيِ.
وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَحْتَاجُ عُمُراً لِفَهْمِهِ — وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنْ عُمُرٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِهُدُوءٍ — ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي لَيْسَ لَامُبَالَاةً بَلْ هُوَ مَا يَبْقَى بَعْدَ أَنْ يَمُرَّ الْإِنْسَانُ بِكُلِّ الْعَوَاصِفِ وَيَخْرُجَ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ:
— حَرَقُوا كُتُبِي.
ثُمَّ ابْتَسَمَ — ابْتِسَامَةُ مَنْ يَرَى الْآنَ مِنْ عُلْوٍ مَا كَانَ يُؤْلِمُهُ حِينَ كَانَ فِيهِ.
— حَرَقُوهَا وَظَنُّوا أَنَّ الْفِكْرَ يَحْتَرِقُ مَعَ الْوَرَقِ.
وَهَذَا الظَّنُّ هُوَ الْخَطَأُ الَّذِي يَرْتَكِبُهُ كُلُّ مَنْ يَخَافُ الْفِكْرَ فِي كُلِّ عَصْرٍ:
أَنَّهُ يُقَيِّدُ الشَّكْلَ وَيَنْسَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا تُقَيِّدُهُ قُيُودٌ.
ثُمَّ حَمَلَهَا الْغَرْبُ وَزَرَعَهَا فِي تُرْبَتِهِ فَأَنْبَتَتْ بِطَرِيقَتِهِ.
وَالْحَدَاثَةُ جَاءَتْ وَأَرْبَكَتْنَا — أَرْبَكَتْنَا لِأَنَّنَا لَمْ نَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا.
لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ — فِي جُزْءٍ مِنْهَا — بُذُوراً مِنْ تُرَاثِنَا لَمْ نُدْرِكْهَا حِينَ خَرَجَتْ.
وَهَذَا مُؤْلِمٌ بِطَرِيقَةٍ خَاصَّةٍ — أَنْ تَعُودَ إِلَيْكَ أَفْكَارُكَ بِلُغَةٍ لَا تَعْرِفُهَا فَتَظُنَّهَا غَرِيبَةً.
نَظَرَ إِلَى نُورٍ وَسَارَةَ وَجَمَالٍ وَطَارِقٍ بِعَيْنَيِ الشَّيْخِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ مَا قَاسَاهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَتَكَرَّرَ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضْمَنَ.
— أَنْتُمُ الْجِيلُ الَّذِي يَعْرِفُ هَذَا التَّارِيخَ وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَهُ مِنْ دَاخِلِهِ وَمِنْ خَارِجِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ — إِنْ حُمِلَتْ بِصِدْقٍ وَلَمْ تُحَوَّلْ إِلَى سِلَاحٍ — لَيْسَتْ مَصْدَرَ هَزِيمَةٍ.
هِيَ مَصْدَرُ حِكْمَةٍ لَوْ أَرَدْتُمُوهَا. وَالسُّؤَالُ لَيْسَ إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ — بَلِ السُّؤَالُ هُوَ:
هَلْ سَتَتَحَمَّلُونَ مَا تَتَطَلَّبُهُ الْحِكْمَةُ مِنْ صَبْرٍ؟
قَالَتْ رَابِعَةُ — وَكَانَتْ كَمَا دَائِماً قَلِيلَةَ الْكَلَامِ كَثِيرَةَ الْحُضُورِ،
كَالضَّوْءِ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ لَكِنَّهُ يُرِي كُلَّ شَيْءٍ:
— أَنَا لَا أُحَاضِرُ. لَكِنَّنِي أَقُولُ شَيْئاً وَاحِداً.
— قُولِي.
— حِينَ تَسْقُطُ كُلُّ الطَّبَقَاتِ — الْفِقْهُ وَالْكَلَامُ وَالْفَلْسَفَةُ وَالتَّصَوُّفُ وَالسِّيَاسَةُ وَالتَّارِيخُ وَكُلُّ مَا أَضَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَسْمَاءَ لِنَفْهَمَهُ وَلَمْ نَفْهَمْهُ دَائِماً — يَبْقَى شَيْءٌ وَاحِدٌ.
أَنْتَ وَحْدَكَ أَمَامَ مَنْ خَلَقَكَ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجِيبَ عَنْكَ.
وَلَا أَحَدَ يُسْأَلُ بَدَلاً مِنْكَ.
وَلَا مَذْهَبَ يَحْمِلُكَ وَلَا إِمَامَ يَقِفُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
تَوَقَّفَتْ.
وَكَانَ التَّوَقُّفُ جُزْءًا مِنَ الرِّسَالَةِ.
— وَهَذَا لَيْسَ مُخِيفاً.
هُوَ أَجْمَلُ شَيْءٍ فِي الْوُجُودِ.
أَنْ تَكُونَ مَقْصُوداً بِعَيْنِكَ.
مَدْعُوًّا بِاسْمِكَ.
لَا بِاسْمِ الْمَذْهَبِ الَّذِي تَنْتَمِي إِلَيْهِ وَلَا بِاسْمِ الْإِمَامِ الَّذِي تَتَّبِعُهُ.

يوم توقف الوحي وبدأ الإنسان 14