Numan Albarbari نعمان البربري

الجلسة الأولى

افْتِتَاحُ الجَلْسَةِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،
بِأَسْمَى آيَاتِ التَّرْحِيبِ وَالمَحَبَّةِ، نَفْتَتِحُ هٰذِهِ النَّدْوَةَ الحِوَارِيَّةَ المُوَسَّعَةَ الَّتِي تَجْمَعُنَا اليَوْمَ حَوْلَ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ أَسْئِلَةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الرِّوَايَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ: رِوَايَةُ “مُتْحَفِ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ” لِلْكَاتِبِ وَالمُفَكِّرِ السُّورِيِّ الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ البَرْبَرِيِّ.
نُرَحِّبُ بِالسَّيِّدَاتِ وَالسَّادَةِ المُشَارِكِينَ مِنْ مُخْتَلِفِ مَيَادِينِ المَعْرِفَةِ: التَّارِيخِ، وَالفَلْسَفَةِ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَالطِّبِّ، وَالفَلَكِ، وَالهَنْدَسَةِ، وَالآدَابِ، وَاللُّغَةِ؛ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا اليَوْمَ لَا لِقِرَاءَةِ الرِّوَايَةِ مِنْ زَاوِيَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لِمُحَاوَلَةِ الإِصْغَاءِ إِلَى مَا تَفْتَحُهُ مِنْ أَسْئِلَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ.
فَالنَّصُّ الأَدَبِيُّ العَمِيقُ لَا يَعِيشُ دَاخِلَ حُدُودِ تَخَصُّصٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسَاحَةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَلْتَقِي فِيهَا العُلُومُ وَالتَّجَارِبُ وَالأَسْئِلَةُ الكُبْرَى الَّتِي رَافَقَتِ الإِنْسَانَ مُنْذُ بِدَايَاتِ وُجُودِهِ.
هَدَفُنَا فِي هٰذِهِ النَّدْوَةِ أَنْ نَضَعَ رِوَايَةَ “مُتْحَفِ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ” عَلَى طَاوِلَةِ حِوَارٍ مَعْرِفِيٍّ مُتَعَدِّدِ الأَصْوَاتِ؛ رِوَايَةً تَبْحَثُ فِي الذَّاكِرَةِ وَالزَّمَنِ وَالهُوِيَّةِ وَالمَنْفَى، وَتَسْأَلُ: مَا الَّذِي يَبْقَى مِنَ الإِنْسَانِ حِينَ تَضِيعُ مِنْهُ بَعْضُ أَيَّامِهِ؟ وَهَلِ الإِنْسَانُ هُوَ مَجْمُوعُ مَا يَتَذَكَّرُهُ، أَمْ مَجْمُوعُ الآثَارِ الَّتِي يَتْرُكُهَا فِي العَالَمِ؟
وَيُشَارِكُنَا اليَوْمَ:
كَاتِبُ وَمُؤَلِّفُ الرِّوَايَةِ:
– الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ.
المُخْتَصُّونَ المُشَارِكُونَ:
– الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى — أُسْتَاذَةُ التَّارِيخِ
وَهِيَ أُسْتَاذَةُ تَارِيخِ العَالَمِ القَدِيمِ وَالوَسِيطِ، مُتَخَصِّصَةٌ فِي تَارِيخِ الذَّاكِرَةِ وَالسَّرْدِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ.
لَيْسَتْ مُهِمَّتُهَا فَقَطْ أَنْ تَقُولَ:
“هَلْ حَدَثَ هٰذَا أَمْ لَا؟”،
بَلْ أَنْ تَطْرَحَ أَسْئِلَةً مِنْ قَبِيلِ:
• هَلْ تَنْتَمِي الشَّخْصِيَّةُ إِلَى سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ فِعْلًا؟
• هَلِ اللُّغَةُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ بِهَا الشَّخْصِيَّةُ مُمْكِنَةٌ فِي زَمَنِهَا؟
• هَلْ وَقَعَ الكَاتِبُ فِي إِسْقَاطِ أَفْكَارٍ حَدِيثَةٍ عَلَى المَاضِي؟
• كَيْفَ تَعَامَلَتِ الحَضَارَةُ مَعَ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ؟
• هَلْ يُمَثِّلُ الشَّخْصُ النَّمُوذَجَ التَّارِيخِيَّ، أَمْ هُوَ رَمْزٌ أَدَبِيٌّ مُسْتَوْحًى مِنْهُ؟
– الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ — أُسْتَاذُ الفَلْسَفَةِ
وَهُوَ أُسْتَاذُ فَلْسَفَةِ التَّارِيخِ وَفَلْسَفَةِ الإِنْسَانِ (الأَنْثْرُوبُولُوجِيَا الفَلْسَفِيَّةُ)، وَلَيْسَتِ الفَلْسَفَةُ العَامَّةُ فَقَطْ.
دَوْرُهُ:
• تَحْلِيلُ الأَسْئِلَةِ الكُبْرَى الَّتِي تَطْرَحُهَا الشَّخْصِيَّاتُ.
• مُقَارَنَةُ أَفْكَارِ الشَّخْصِيَّاتِ بِأَفْكَارِ الفَلَاسِفَةِ الحَقِيقِيِّينَ.
• كَشْفُ التَّنَاقُضَاتِ الفِكْرِيَّةِ.
• اخْتِبَارُ قُوَّةِ الأَطْرُوحَاتِ.
– الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ — أَسْتَاذُ الرِّيَاضِيَّاتِ و”نَظَرِيَّةُ الأَنْظِمَةِ” (Systems Theory) .
– الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى — أَسْتَاذَةُ عِلْمِ النَّفْسِ المَعْرِفِيِّ وَعِلْمِ أَعْصَابِ الذَّاكِرَةِ
– الدُّكْتُورُ مَازِنٌ — أَسْتَاذُ عِلْمِ الكَوْنِيَّاتِ وَتَارِيخِ تَصَوُّرِ الإِنْسَانِ لِلْكَوْنِ.
– الدُّكْتُورَةُ رِيمٌ — أَسْتَاذَةُ الهَنْدَسَةِ المِعْمَارِيَّةِ وَتَصْمِيمِ الفَضَاءَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ.
– الدُّكْتُورُ فَادِي — أَسْتَاذُ الأَدَبِ المُقَارَنِ وَفَنِّ الرِّوَايَةِ.
– الدُّكْتُورَةُ هَالَة — أُسْتَاذَةُ عِلْمِ الدَّلَالَةِ وَتَحْلِيلِ الخِطَابِ.

“مَا قَبْلَ الإِنْسَانِ”
الأَبْوَابُ الأَرْبَعَةُ الأُولَى:
الجُسَيْمُ الأَوَّلُ – النَّجْمَةُ المُحْتَضرَةُ – جُزَيْءُ الحَيَاةِ – الخَلِيَّةُ الأُولَى
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
نَبْدَأُ اليَوْمَ مِنْ مَكَانٍ قَدْ يَبْدُو بَعِيدًا جِدًّا عَنِ الإِنْسَانِ: مِنَ اللَّحْظَةِ الَّتِي سَبَقَتْ ظُهُورَ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
الأَبْوَابُ الأَرْبَعَةُ الأُولَى مِنَ الرِّوَايَةِ تَرْسُمُ قَوْسًا وَاحِدًا يَبْدَأُ مِنَ الفِيزِيَاءِ الكَوْنِيَّةِ، وَيَنْتَهِي بِالبِدَايَةِ البِيُولُوجِيَّةِ لِلْحَيَاةِ:
جُسَيْمٌ يَظْهَرُ فِي قَلْبِ المَجْهُولِ،
وَنَجْمَةٌ تَنْتَهِي حَيَاتُهَا لِتَمْنَحَ الكَوْنَ عَنَاصِرَ جَدِيدَةً،
وَجُزَيْءٌ يُخْطِئُ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ التَّنَوُّعُ،
وَخَلِيَّةٌ تَنْقَسِمُ؛ لِتَسْتَمِرَّ الحَيَاةُ دُونَ أَنْ تَبْقَى هِيَ نَفْسُهَا حَرْفِيًّا.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَجْمَعُ هٰذِهِ المَرَاحِلَ كُلَّهَا:
هَلْ يَحْتَاجُ الِاسْتِمْرَارُ إِلَى ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ؟ أَمْ يَكْفِي أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ مَا؟
أَبْدَأُ بِسُؤَالِي إِلَى الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ:
اخْتَرْتَ أَنْ يَبْدَأَ سَامِرٌ رِحْلَتَهُ مِنَ الفِيزِيَاءِ الكَوْنِيَّةِ، مِنَ الجُسَيْمِ الأَوَّلِ، وَلَيْسَ مِنْ حَدَثٍ إِنْسَانِيٍّ مُبَاشِرٍ.
لِمَاذَا كَانَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَمُرَّ القَارِئُ أَوَّلًا عَبْرَ بِدَايَةِ الكَوْنِ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَالَمَ الشَّخْصِيَّاتِ البَشَرِيَّةِ؟
الأُسْتَاذُ نُعْمَانُ :
لِأَنَّنِي لَمْ أُرِدْ أَنْ تَكُونَ رِحْلَةُ سَامِرٍ مُجَرَّدَ بَحْثٍ عَنْ يَوْمٍ ضَائِعٍ مِنْ حَيَاتِهِ، بَلْ أَرَدْتُهَا بَحْثًا فِي مَعْنَى الوُجُودِ نَفْسِهِ.
كُنْتُ أَرَى أَنَّ كُلَّ بِدَايَةٍ عَمِيقَةٍ تَتَشَابَهُ فِي جَوْهَرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ بِدَايَةَ كَوْنٍ، أَوْ حَيَاةٍ، أَوْ فِكْرَةٍ، أَوْ رِحْلَةَ إِنْسَانٍ نَحْوَ ذَاتِهِ.
فِي كُلِّ بِدَايَةٍ هُنَاكَ خُرُوجٌ مِنَ المَجْهُولِ، وَحَذَرٌ يَسْبِقُ الجُرْأَةَ، وَخَوْفٌ طَبِيعِيٌّ أَمَامَ مَا لَا نَعْرِفُهُ، ثُمَّ لَحْظَةٌ صَامِتَةٌ يَحْدُثُ فِيهَا التَّحَوُّلُ.
وَلِهٰذَا بَدَا لِي أَنَّ بِدَايَةَ سَامِرٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ مِنَ الإِنْسَانِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ نَفْسَهُ نَتِيجَةُ قِصَّةٍ أَقْدَمَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ.
إِنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ تَارِيخَ الكَوْنِ كُلَّهُ: ذَرَّاتٌ جَاءَتْ مِنْ نُجُومٍ مَاتَتْ، وَعَنَاصِرُ تَشَكَّلَتْ فِي أَعْمَاقِ المَجَرَّاتِ، وَحَيَاةٌ بَدَأَتْ مِنْ مُحَاوَلَاتٍ أُولَى غَيْرِ مُكْتَمِلَةٍ.
قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ سَامِرٌ: “مَنْ أَنَا؟”، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُرَّ بِالسُّؤَالِ الأَقْدَمِ:
“كَيْفَ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ؟”
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَنْتَقِلُ إِلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ.
هَلْ يُمْكِنُ قِرَاءَةُ هٰذِهِ البِدَايَةِ بِوَصْفِهَا عَوْدَةً إِلَى مَا يُسَمِّيهِ غَاسْتُونُ بَاشْلَارُ “العَمَاءِ البَدْئِيَّ”؟
وَهَلْ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ بِدَايَةِ البَحْثِ عَنِ الذَّاتِ نَوْعًا مِنْ إِعَادَةِ خَلْقٍ رَمْزِيَّةٍ لِلْعَالَمِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
نَعَمْ، إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ.
فَكُلُّ بِدَايَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ انْتِقَالٍ مِنْ نُقْطَةٍ إِلَى نُقْطَةٍ، بَلْ مُوَاجَهَةٌ مَعَ مَسَاحَةٍ لَمْ تُكْتَشَفْ بَعْدُ.
وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَحْضِرَ أَيْضًا مِيرْتْشَا إِلْيَادِه، الَّذِي رَأَى أَنَّ الإِنْسَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْ طُقُوسِهِ القَدِيمَةِ كَانَ يُحَاوِلُ إِعَادَةَ تَمْثِيلِ لَحْظَةِ الخَلْقِ الأُولَى؛ وَكَأَنَّ كُلَّ بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى العَوْدَةِ الرَّمْزِيَّةِ إِلَى الأَصْلِ.
فِي رِوَايَةِ الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ، لَا يَبْدَأُ سَامِرٌ بَحْثَهُ عَنْ يَوْمِهِ المَفْقُودِ مِنْ ذَاكِرَةٍ شَخْصِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ سُؤَالِ الوُجُودِ نَفْسِهِ.
وَكَأَنَّ فُقْدَانَ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيَاةِ الإِنْسَانِ يَقُودُهُ إِلَى السُّؤَالِ الأَكْبَرِ:
إِذَا فَقَدَ الإِنْسَانُ جُزْءًا مِنْ مَاضِيهِ، فَمَا الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ؟
وَهٰذَا السُّؤَالُ لَا يَخُصُّ سَامِرًا وَحْدَهُ، بَلْ يَخُصُّ كُلَّ إِنْسَانٍ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَى الدُّكْتُورِ مَازِنٍ مِنْ مَجَالِ الفَلَكِ:
هَلْ هٰذَا الرَّبْطُ بَيْنَ البِدَايَةِ الكَوْنِيَّةِ وَالبِدَايَةِ الإِنْسَانِيَّةِ هُوَ امْتِدَادٌ عِلْمِيٌّ مُمْكِنٌ، أَمْ أَنَّهُ تَأْوِيلٌ أَدَبِيٌّ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ العِلْمِ؟
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ:
أَرَاهُ رَبْطًا أَدَبِيًّا مَشْرُوعًا، مَعَ ضَرُورَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ لُغَةِ العِلْمِ وَلُغَةِ الرَّمْزِ.
العِلْمُ، عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ عَنْ بِدَايَاتِ الكَوْنِ، لَا يَدَّعِي امْتِلَاكَ جَوَابٍ نِهَائِيٍّ عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَ المَعْرِفَةَ البَشَرِيَّةَ، بَلْ يَعْتَرِفُ بِحُدُودِ أَدَوَاتِهِ.
وَهٰذِهِ النُّقْطَةُ تَحْدِيدًا هِيَ الَّتِي وَجَدْتُهَا مُهِمَّةً فِي الرِّوَايَةِ.
فَالجُسَيْمُ الأَوَّلُ لَا يُقَدِّمُ إِجَابَةً مُغْلَقَةً، بَلْ يَقِفُ أَمَامَ المَجْهُولِ.
وَهٰذَا قَرِيبٌ جِدًّا مِنْ تَجْرِبَةِ العَالِمِ الحَقِيقِيِّ: قِيمَةُ المَعْرِفَةِ لَيْسَتْ فَقَطْ فِيمَا نَعْرِفُهُ، بَلْ أَيْضًا فِي قُدْرَتِنَا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِمَا لَا نَعْرِفُهُ.
وَمِنْ هٰذِهِ الزَّاوِيَةِ، يُصْبِحُ الجُسَيْمُ الأَوَّلُ فِي الرِّوَايَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عُنْصُرٍ فِيزِيَائِيٍّ، بَلْ رَمْزًا لِمَوْقِفٍ إِنْسَانِيٍّ:
أَنْ يَسْتَطِيعَ الإِنْسَانُ مُوَاجَهَةَ المَجْهُولِ، دُونَ أَنْ يَمْلَأَهُ بِإِجَابَاتٍ وَهْمِيَّةٍ.
“مَا قَبْلَ الإِنْسَانِ”
مِنَ الجُسَيْمِ الأَوَّلِ إِلَى الإِنْسَانِ: الِاسْتِمْرَارُ بِوَصْفِهِ أَثَرًا
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَوَدُّ العَوْدَةَ إِلَى الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ بِسُؤَالِ مُتَابَعَةٍ.
فِي حَدِيثِ الدُّكْتُورِ مَازِنٍ ظَهَرَ مَفْهُومٌ مُهِمٌّ: أَنَّ قِيمَةَ المَعْرِفَةِ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي الإِجَابَاتِ الَّتِي تُقَدِّمُهَا، بَلْ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى الوُقُوفِ أَمَامَ المَجْهُولِ.
هَلْ كَانَ هٰذَا الوَعْيُ حَاضِرًا لَدَيْكَ أَثْنَاءَ بِنَاءِ شَخْصِيَّةِ سَامِرٍ؟
هَلْ كَانَ بَحْثُهُ عَنْ يَوْمِهِ المَفْقُودِ بَحْثًا عَنْ إِجَابَةٍ، أَمْ بَحْثًا عَنِ القُدْرَةِ عَلَى تَقَبُّلِ السُّؤَالِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
رُبَّمَا كَانَ بَحْثُ سَامِرٍ عَنْ يَوْمِهِ المَفْقُودِ يَبْدُو فِي البِدَايَةِ بَحْثًا عَنِ اسْتِعَادَةِ شَيْءٍ ضَائِعٍ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَرَاهُ فِي العُمْقِ بَحْثًا عَنْ عِلَاقَةِ الإِنْسَانِ بِمَا يَفْقِدُهُ.
نَحْنُ نَمِيلُ إِلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ الفَقْدَ يَعْنِي النَّقْصَ، وَأَنَّ اكْتِمَالَ الإِنْسَانِ مُرْتَبِطٌ بِمَا يَحْتَفِظُ بِهِ.
لَكِنَّ الحَيَاةَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَتَكَوَّنُ فَقَطْ مِمَّا يَبْقَى مَعَهُ، بَلْ أَيْضًا مِمَّا يَمُرُّ بِهِ وَيُغَادِرُهُ.
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ مَخْزَنًا مُغْلَقًا نَحْفَظُ فِيهِ ذَوَاتِنَا، بَلْ نَهْرٌ مُتَحَرِّكٌ يُعِيدُ تَشْكِيلَنَا بِاسْتِمْرَارٍ.
وَلِهٰذَا بَدَأَتِ الرِّوَايَةُ مِنَ الجُسَيْمِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: إِنَّ الِاسْتِمْرَارَ لَيْسَ هُوَ بَقَاءُ الشَّيْءِ كَمَا هُوَ، بَلِ انْتِقَالُهُ إِلَى صُورَةٍ جَدِيدَةٍ.
فَالنَّجْمَةُ لَا تَبْقَى، لَكِنَّهَا تَمْنَحُ الكَوْنَ عَنَاصِرَ جَدِيدَةً.
وَالخَلِيَّةُ الأُولَى لَا تَبْقَى كَمَا هِيَ، لَكِنَّهَا تَفْتَحُ الطَّرِيقَ لِحَيَاةٍ كَامِلَةٍ.
وَالإِنْسَانُ نَفْسُهُ يَتَغَيَّرُ عَبْرَ الزَّمَنِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ يَرْبِطُهُ بِذَاتِهِ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
نَنْتَقِلُ الآنَ إِلَى البَابِ الثَّانِي: النَّجْمَةُ المُحْتَضرَةُ.
فِي هٰذَا البَابِ نَجِدُ فِكْرَةً لَافِتَةً: أَنَّ النِّهَايَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا انْقِطَاعًا، بَلْ قَدْ تَكُونُ شَرْطًا لِبِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ.
أَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَى الدُّكْتُورِ مَازِنٍ:
كَيْفَ تَنْظُرُ الفِيزِيَاءُ الفَلَكِيَّةُ إِلَى هٰذِهِ الصُّورَةِ؟
هَلْ يُمْكِنُ القَوْلُ: إِنَّ مَوْتَ النُّجُومِ هُوَ أَحَدُ شُرُوطِ وُجُودِنَا نَحْنُ؟
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ:
بِالتَّأْكِيدِ.
وَهٰذِهِ لَيْسَتِ اسْتِعَارَةً أَدَبِيَّةً فَقَطْ، بَلْ حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ عَمِيقَةٌ.
العَنَاصِرُ الثَّقِيلَةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا جَسَدُ الإِنْسَانِ، مِثْلُ الكَرْبُونِ وَالأُكْسُجِينِ وَالحَدِيدِ، لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي بِدَايَاتِ الكَوْنِ الأُولَى بِالشَّكْلِ الَّذِي نَعْرِفُهُ اليَوْمَ.
لَقَدْ تَشَكَّلَتْ دَاخِلَ النُّجُومِ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ فِي الفَضَاءِ بَعْدَ نِهَايَاتِهَا الكُبْرَى.
بِمَعْنَى آخَرَ: نَحْنُ نَحْمِلُ فِي أَجْسَادِنَا تَارِيخَ نُجُومٍ مَاتَتْ مُنْذُ مِلْيَارَاتِ السِّنِينَ.
وَهُنَا تُصْبِحُ العِبَارَةُ الأَدَبِيَّةُ فِي الرِّوَايَةِ — أَنَّ الفَنَاءَ قَدْ يَكُونُ طَرِيقَةً أُخْرَى لِاسْتِمْرَارِ الوُجُودِ — قَرِيبَةً جِدًّا مِنْ حَقِيقَةٍ كَوْنِيَّةٍ.
النَّجْمُ لَا يَخْتَفِي تَمَامًا، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى إِمْكَانِيَّةٍ جَدِيدَةٍ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
دُكْتُورُ بَاسِلٍ، هَلْ تَرَى فِي هٰذِهِ الفِكْرَةِ امْتِدَادًا فَلْسَفِيًّا لِمَفْهُومِ التَّحَوُّلِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
نَعَمْ، وَلٰكِنْ مَعَ مُلَاحَظَةٍ مُهِمَّةٍ.
الفَلْسَفَةُ مُنْذُ القِدَمِ وَاجَهَتْ مُشْكِلَةَ العَلَاقَةِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ وَالبَقَاءِ.
إِذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَغَيَّرُ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ الشَّيْءَ هُوَ نَفْسَهُ؟
هِيرَاقْلِيطُسُ رَأَى أَنَّ الوُجُودَ حَرَكَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ الوَهْمِيَّ يُخْفِي وَرَاءَهُ تَغَيُّرًا دَائِمًا.
لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُقَدِّمُ التَّحَوُّلَ بِوَصْفِهِ إِلْغَاءً لِلْهُوِيَّةِ، بَلْ بِوَصْفِهِ طَرِيقَةً أُخْرَى لِاسْتِمْرَارِهَا.
فَالنَّجْمَةُ الَّتِي مَاتَتْ لَيْسَتْ هِيَ الحَدِيدَ المَوْجُودَ فِي دَمِ الإِنْسَانِ، لَكِنَّهَا أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ إِمْكَانِيَّةِ وُجُودِهِ.
وَهٰذَا يَقُودُنَا إِلَى سُؤَالِ الرِّوَايَةِ المَرْكَزِيِّ:
هَلْ نَحْنُ مَجْمُوعُ مَا نَحْتَفِظُ بِهِ؟ أَمْ مَجْمُوعُ مَا أَصْبَحْنَا عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَا مَرَّ بِنَا؟
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
نَصِلُ إِلَى البَابِ الثَّالِثِ: جُزَيْءُ الحَيَاةِ.
هُنَا تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ مِنَ الكَوْنِ إِلَى مُسْتَوًى أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ، مِنَ النُّجُومِ إِلَى المَادَّةِ الأُولَى لِلْحَيَاةِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى، مِنْ مَنْظُورِ عِلْمِ الأَحْيَاءِ وَالطِّبِّ، مَا أَهَمِّيَّةُ فِكْرَةِ “الخَطَإِ” أَوِ “الِانْحِرَافِ” فِي نُشُوءِ التَّنَوُّعِ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
فِي عِلْمِ الأَحْيَاءِ، مَا نُسَمِّيهِ أَحْيَانًا خَطَأً قَدْ يَكُونُ بِدَايَةَ تَحَوُّلٍ.
الطَّفَرَاتُ الجِينِيَّةُ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، لَيْسَتْ كُلُّهَا مُفِيدَةً، لَكِنَّ بَعْضَهَا يَفْتَحُ طَرِيقًا جَدِيدًا لِلتَّكَيُّفِ وَالتَّنَوُّعِ.
الحَيَاةُ لَا تَتَقَدَّمُ دَائِمًا عَبْرَ خُطَّةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، بَلْ عَبْرَ تَجَارِبَ وَمُحَاوَلَاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَهٰذِهِ الفِكْرَةُ قَرِيبَةٌ جِدًّا مِنْ تَجْرِبَةِ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
فَالإِنْسَانُ لَا يُصْبِحُ ذَاتَهُ فَقَطْ مِنْ خِلَالِ نَجَاحَاتِهِ، بَلْ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ أَخْطَائِهِ وَانْكِسَارَاتِهِ وَالطُّرُقِ الَّتِي لَمْ تُوصِلْهُ إِلَى مَا كَانَ يُرِيدُهُ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
وَهُنَا أَوَدُّ أَنْ أَسْأَلَ الدُّكْتُورَ فَادِي مِنْ زَاوِيَةِ الأَدَبِ:
هَلْ يُمْكِنُ لِلْأَدَبِ أَنْ يَرَى الخَطَأَ بِوَصْفِهِ عُنْصُرًا خَلَّاقًا؟
الدُّكْتُورُ فَادِي:
بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ الخَطَأُ أَحَدَ أَهَمِّ مَصَادِرِ الأَدَبِ.
كَثِيرٌ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ العَظِيمَةِ فِي الرِّوَايَةِ العَالَمِيَّةِ لَمْ تُبْنَ مِنْ خِلَالِ الكَمَالِ، بَلْ مِنْ خِلَالِ الشَّرْخِ الدَّاخِلِيِّ.
فَالإِنْسَانُ الَّذِي لَا يُخْطِئُ، وَلَا يَفْقِدُ، وَلَا يَتَرَدَّدُ، يُصْبِحُ شَخْصِيَّةً مُغْلَقَةً لَا تَتَحَرَّكُ.
أَمَّا الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُ نَقْصَهُ وَأَسْئِلَتَهُ، فَهُوَ القَادِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ.
وَلِهٰذَا وَجَدْتُ أَنَّ جُزَيْءَ الحَيَاةِ فِي الرِّوَايَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَرْحَلَةٍ بِيُولُوجِيَّةٍ، بَلْ صُورَةً مُبَكِّرَةً لِلْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
فَالإِنْسَانُ أَيْضًا جُزَيْءٌ يَبْحَثُ عَنْ تَرْكِيبَتِهِ، وَعَنْ مَوْقِعِهِ دَاخِلَ الكُلِّ الأَكْبَرِ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
نَصِلُ إِلَى الخَلِيَّةِ الأُولَى، وَرُبَّمَا هُنَا نَقْتَرِبُ أَكْثَرَ مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي سَيُصْبِحُ لَاحِقًا سُؤَالَ سَامِرٍ:
كَيْفَ يَسْتَمِرُّ الشَّيْءُ إِذَا لَمْ يَبْقَ هُوَ نَفْسَهُ؟
أَطْلُبُ مِنَ الدُّكْتُورَةِ سَلْمَى أَنْ تَبْدَأَ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
مِنَ النَّاحِيَةِ البِيُولُوجِيَّةِ، الخَلِيَّةُ الحَيَّةُ لَا تَعْنِي الثَّبَاتَ.
هِيَ تَسْتَمِرُّ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ وَتَتَغَيَّرُ.
وَالكَائِنَاتُ الحَيَّةُ، عُمُومًا، لَيْسَتْ أَجْسَامًا ثَابِتَةً، بَلْ عَمَلِيَّاتٌ مُسْتَمِرَّةٌ.
الجَسَدُ الَّذِي نَحْمِلُهُ اليَوْمَ لَيْسَ الجَسَدَ نَفْسَهُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ سِنِينَ، مِنْ حَيْثُ مُكَوِّنَاتُهِ المَادِّيَّةُ.
وَمَعَ ذٰلِكَ نَشْعُرُ بِأَنَّ هُنَاكَ اسْتِمْرَارِيَّةً فِي الهُوِيَّةِ.
وَهٰذَا يَقُودُنَا إِلَى سُؤَالٍ يَتَجَاوَزُ الطِّبَّ:
مَا الَّذِي يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ، رَغْمَ كُلِّ هٰذِهِ التَّغَيُّرَاتِ؟
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
دُكْتُورُ بَاسِلٍ، هَلْ يَكْفِي التَّغَيُّرُ البِيُولُوجِيُّ لِتَفْسِيرِ الهُوِيَّةِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
لَا….. التَّغَيُّرُ البِيُولُوجِيُّ يَشْرَحُ جَانِبًا مُهِمًّا، لَكِنَّهُ لَا يَحْسِمُ السُّؤَالَ.
الهُوِيَّةُ الإِنْسَانِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى المَادَّةِ وَحْدَهَا.
هُنَاكَ الذَّاكِرَةُ، وَالعَلَاقَاتُ، وَالتَّجَارِبُ، وَالقِصَّةُ الَّتِي يَرْوِيهَا الإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَلِهٰذَا أَرَى أَنَّ الرِّوَايَةَ تُقَدِّمُ فِكْرَةً دَقِيقَةً:
لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ يَبْقَى الإِنْسَانُ نُسْخَةً مُطَابِقَةً مِنْ ذَاتِهِ القَدِيمَةِ، بَلْ أَنْ يَبْقَى هُنَاكَ خَيْطٌ مِنَ المَعْنَى يَصِلُ مَرَاحِلَهُ المُخْتَلِفَةَ.
الهُوِيَّةُ لَيْسَتْ حَجَرًا لَا يَتَغَيَّرُ، بَلْ نَسِيجٌ يُعَادُ تَشْكِيلُهُ بِاسْتِمْرَارٍ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَدْعُو الدُّكْتُورَ فَادِي لِلتَّعْقِيبِ مِنَ النَّاحِيَةِ الأَدَبِيَّةِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي:
هٰذَا المَعْنَى حَاضِرٌ بِقُوَّةٍ فِي الأَدَبِ.
فَالكَاتِبُ نَفْسُهُ يَتَغَيَّرُ بَيْنَ كِتَابٍ وَآخَرَ، بَلْ رُبَّمَا بَيْنَ صَفْحَةٍ وَأُخْرَى.
وَمَعَ ذٰلِكَ يَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ صَوْتًا دَاخِلِيًّا يَرْبِطُ أَعْمَالَهُ.
وَالشَّخْصِيَّةُ الرِّوَائِيَّةُ أَيْضًا لَا تَبْقَى كَمَا بَدَأَتْ.
هِيَ تَمُوتُ رَمْزِيًّا مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، ثُمَّ تُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ.
وَهٰذَا مَا يَحْدُثُ مَعَ سَامِرٍ.
هُوَ لَا يَسْتَعِيدُ يَوْمَهُ المَفْقُودَ؛ لِيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، بَلْ لِيَكْتَشِفَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَعُودُ إِلَى المَاضِي، بَلْ يُعِيدُ فَهْمَهُ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
السُّؤَال إِلَى الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ:
بَدَأَتِ الرِّوَايَةُ بِفِكْرَةِ أَنَّ الفَنَاءَ قَدْ يَكُونُ طَرِيقَةً لِاسْتِمْرَارِ الوُجُودِ.
هَلْ هِيَ الفِكْرَةُ نَفْسُهَا الَّتِي يَصِلُ إِلَيْهَا سَامِرٌ فِي الغُرْفَةِ صِفْرٍ، أَمْ أَنَّ الرِّحْلَةَ غَيَّرَتْهَا؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
أَعْتَقِدُ أَنَّهَا الفِكْرَةُ نَفْسُهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدِ المَعْنَى نَفْسَهُ.
فِي البِدَايَةِ كَانَتْ فِكْرَةً عَقْلِيَّةً، أَشْبَهَ بِتَأَمُّلٍ فَلْسَفِيٍّ فِي الكَوْنِ وَالحَيَاةِ.
لَكِنَّ سَامِرًا لَمْ يَصِلْ إِلَى الغُرْفَةِ صِفْرٍ كَمَا خَرَجَ مِنَ البِدَايَةِ.
لَقَدْ حَمَلَ مَعَهُ تِسْعِينَ صَوْتًا، وَتَجْرِبَةً، وَذَاكِرَةً.
مَا كَانَ فِي البِدَايَةِ مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً أَصْبَحَ فِي النِّهَايَةِ تَجْرِبَةً إِنْسَانِيَّةً.
فِي البِدَايَةِ كَانَ يَسْمَعُ أَنَّ الأَشْيَاءَ تَسْتَمِرُّ عَبْرَ تَحَوُّلِهَا.
وَفِي النِّهَايَةِ عَاشَ هٰذَا المَعْنَى.
اكْتَشَفَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُعَرَّفُ فَقَطْ بِمَا بَقِيَ لَهُ، بَلْ بِمَا تَرَكَهُ فِي الآخَرِينَ، وَبِمَا تَرَكَهُ الآخَرُونَ فِيهِ.
رُبَّمَا لِهٰذَا لَا يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ إِلَى اسْتِعَادَةِ كُلِّ أَيَّامِهِ حَتَّى يَسْتَعِيدَ نَفْسَهُ.
فَبَعْضُ الأَيَّامِ لَا تَضِيعُ حَقًّا.
إِنَّهَا تَتَحَوَّلُ فَقَطْ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يَسْكُنُنَا دُونَ أَنْ نَرَاهُ.

2
الأَبْوَابُ: الخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ
الجَنِينُ – الدِّينَاصُورُ الأَخِيرُ – الإِنْسَانُ العَاقِلُ
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
بَعْدَ أَنْ بَدَأْنَا بالجُسَيْمِ الأَوَّلِ، مُرُورًا بِالنَّجْمَةِ وَالجُزَيْءِ وَالخَلِيَّةِ الأُولَى، نَصِلُ اليَوْمَ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ رِحْلَةِ الرِّوَايَةِ:
اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا يَعُودُ السُّؤَالُ فِيهَا عَنْ نُشُوءِ الحَيَاةِ، بَلْ عَنْ نُشُوءِ الوَعْيِ.
الأَبْوَابُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي سَنُنَاقِشُهَا اليَوْمَ تَبْدُو مُتَبَاعِدَةً جِدًّا:
جَنِينٌ لَمْ يَرَ العَالَمَ بَعْدُ، لَكِنَّهُ يَعْرِفُ الأَمَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الكَلِمَاتِ.
وَكَائِنٌ عَظِيمٌ يُوَاجِهُ نِهَايَتَهُ الجَمَاعِيَّةَ، فَيَتَعَلَّمُ سَامِرٌ مِنْهُ مَعْنَى الفَقْدِ دُونَ مُقَارَنَةٍ.
وَإِنْسَانٌ أَوَّلُ يَكْتَشِفُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي تَارِيخِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ، أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ فَقَطْ، بَلْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَعْرِفُ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَجْمَعُ هٰذِهِ المَرَاحِلَ:
مَتَى تُولَدُ “الأَنَا”؟
وَهَلْ تَبْدَأُ حِينَ نَعْرِفُ أَنْفُسَنَا، أَمْ قَبْلَ ذٰلِكَ بِكَثِيرٍ؟
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَبْدَأُ بِسُؤَالِي إِلَى الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ:
اخْتَرْتَ أَنْ تَضَعَ أَكْثَرَ لَحَظَاتِ الرِّوَايَةِ دِفْئًا، لَحْظَةَ الجَنِينِ فِي الرَّحِمِ، قَبْلَ أَكْثَرِ لَحَظَاتِهَا قَسْوَةً، لَحْظَةَ مُوَاجَهَةِ الفَنَاءِ الجَمَاعِيِّ.
هَلْ كَانَ هٰذَا الِانْتِقَالُ المَقْصُودُ مِنْهُ خَلْقَ صَدْمَةٍ شُعُورِيَّةٍ لَدَى القَارِئِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
لَمْ أُرِدِ الصَّدْمَةَ بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ أَرَدْتُ بِنَاءَ إِيقَاعٍ يُشْبِهُ إِيقَاعَ الحَيَاةِ.
الحَيَاةُ لَا تَسِيرُ فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ مِنَ الفَرَحِ إِلَى الحُزْنِ، أَوْ مِنَ الأَلَمِ إِلَى الرَّاحَةِ.
إِنَّ أَكْثَرَ لَحَظَاتِ الأَمَانِ قَدْ تَسْبِقُ أَحْيَانًا أَكْثَرَ لَحَظَاتِ الفَقْدِ، لَيْسَ لِأَنَّهَا تَحْمِي الإِنْسَانَ مِنَ الأَلَمِ، بَلْ لِأَنَّهَا تَمْنَحُهُ القُدْرَةَ عَلَى مُوَاجَهَتِهِ.
الجَنِينُ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ، وَلَا يَعْرِفُ العَالَمَ، وَلَا يَمْلِكُ ذَاكِرَةً وَاعِيَةً، لَكِنَّهُ يَعِيشُ أَوَّلَ تَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: الشُّعُورَ بِالأَمَانِ وَالِانْتِمَاءِ.
وَرُبَّمَا كَانَ هٰذَا هُوَ السَّبَبَ فِي أَنَّ سَامِرًا يَسْتَطِيعُ لَاحِقًا الإِصْغَاءَ إِلَى الآخَرِينَ؛ لِأَنَّ دَاخِلَهُ يَحْمِلُ أَثَرًا قَدِيمًا لَمْ يَخْتَفِ تَمَامًا.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أُوَجِّهُ السُّؤَالَ إِلَى الدُّكْتُورَةِ سَلْمَى:
هَلْ فِكْرَةُ “الحُبِّ قَبْلَ اللُّغَةِ” الَّتِي تَظْهَرُ فِي فَصْلِ الجَنِينِ لَهَا أَسَاسٌ عِلْمِيٌّ، أَمْ أَنَّهَا بِنَاءٌ رَمْزِيٌّ فَقَطْ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
لَهَا أَسَاسٌ عِلْمِيٌّ وَاضِحٌ.
فَالجَنِينُ يَبْدَأُ فِي اسْتِقْبَالِ الأَصْوَاتِ فِي مَرَاحِلَ مُتَقَدِّمَةٍ مِنَ الحَمْلِ، وَيَسْتَطِيعُ بَعْدَ الوِلَادَةِ التَّعَرُّفَ عَلَى صَوْتِ الأُمِّ الَّذِي أَلِفَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ إِلَى العَالَمِ.
لَكِنَّ الأَهَمَّ مِنْ ذٰلِكَ هُوَ نَوْعُ الذَّاكِرَةِ المُرْتَبِطَةِ بِهٰذِهِ التَّجْرِبَةِ.
هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الذَّاكِرَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ وَلُغَةٍ، وَبَيْنَ الذَّاكِرَةِ الضِّمْنِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ آثَارَ التَّجْرِبَةِ دُونَ أَنْ نَسْتَطِيعَ اسْتِعَادَتَهَا كَقِصَّةٍ وَاضِحَةٍ.
وَهٰذَا يَفْتَحُ بَابًا مُهِمًّا فِي حَالَةِ سَامِرٍ.
فَلَيْسَ كُلُّ مَا نَخْتَزِنُهُ فِي دَاخِلِنَا يَظْهَرُ عَلَى شَكْلِ ذِكْرَى قَابِلَةٍ لِلسَّرْدِ.
أَحْيَانًا يَبْقَى الأَثَرُ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى الِاسْمُ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
دُكْتُورُ بَاسِلٍ، كَيْفَ تَنْظُرُ الفَلْسَفَةُ إِلَى هٰذِهِ المِنْطَقَةِ الَّتِي تَسْبِقُ اللُّغَةَ وَالوَعْيَ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
هِيَ مِنْطَقَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ شَدِيدَةُ الأَهَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَضَعُنَا أَمَامَ سُؤَالٍ:
هَلِ الإِنْسَانُ يَبْدَأُ حِينَ يَقُولُ: “أَنَا”؟
أَمْ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا مِنْهُ مَوْجُودًا قَبْلَ هٰذِهِ اللَّحْظَةِ؟
عِنْدَ هَايْدِغَرَ، يَرْتَبِطُ القَلَقُ الإِنْسَانِيُّ بِوَعْيِ الإِنْسَانِ بِزَمَنِهِ وَبِفَنَائِهِ.
لَكِنَّ الجَنِينَ يَعِيشُ حَالَةً مُخْتَلِفَةً؛ فَهُوَ لَا يَحْمِلُ بَعْدُ هٰذَا الوَعْيَ بِالمُسْتَقْبَلِ أَوِ النِّهَايَةِ.
وَهُنَا تَظْهَرُ مُفَارَقَةٌ جَمِيلَةٌ:
فَالإِنْسَانُ البَالِغُ يَبْحَثُ أَحْيَانًا، عَبْرَ التَّأَمُّلِ وَالتَّدْرِيبِ، عَنْ حَالَةِ الحُضُورِ الكَامِلِ فِي اللَّحْظَةِ.
بَيْنَمَا يَبْدَأُ وُجُودُهُ الأَوَّلُ فِي حَالَةٍ مِنَ الحُضُورِ الخَالِصِ، قَبْلَ أَنْ تَتَرَاكَمَ فَوْقَهُ طَبَقَاتُ الخَوْفِ وَالتَّوَقُّعِ وَالذَّاكِرَةِ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانَ، هَلْ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ رِحْلَةَ سَامِرٍ كُلَّهَا مُحَاوَلَةٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى ذٰلِكَ الحُضُورِ الأَوَّلِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
رُبَّمَا نَعَمْ، وَلٰكِنْ لَيْسَ بِمَعْنَى العَوْدَةِ إِلَى الطُّفُولَةِ أَوْ مَحْوِ التَّجْرِبَةِ.
فَالإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ العَالَمَ.
لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَعِيدَ نَوْعًا مِنَ الصَّفَاءِ تجَاهَ وُجُودِهِ.
وَهٰذَا قَرِيبٌ مِمَّا عَبَّرَ عَنْهُ ت. س. إِلْيُوتُ حِينَ تَحَدَّثَ عَنْ أَنَّ نِهَايَةَ البَحْثِ قَدْ تَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَلٰكِنْ بِمَعْرِفَةٍ جَدِيدَةٍ.
سَامِرٌ لَا يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ يَوْمٍ ضَائِعٍ.
إِنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ عِلَاقَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ نَفْسِهِ.
وَلِهٰذَا كَانَتِ الغُرْفَةُ صِفْرٌ فِي نِهَايَةِ الرِّحْلَةِ أَقْرَبَ إِلَى لَحْظَةِ صَمْتٍ وَفَهْمٍ، لَا إِلَى لَحْظَةِ انْتِصَارٍ وَاكْتِشَافٍ خَارِجِيٍّ.
فَالإِنْسَانُ لَا يَجِدُ نَفْسَهُ دَائِمًا عِنْدَمَا يَحْصُلُ عَلَى إِجَابَةٍ، بَلْ أَحْيَانًا عِنْدَمَا يَتَصَالَحُ مَعَ السُّؤَالِ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
نَنْتَقِلُ الآنَ إِلَى البَابِ السَّادِسِ: الدِّينَاصُورُ الأَخِيرُ.
هُنَا تَتَغَيَّرُ زَاوِيَةُ النَّظَرِ جَذْرِيًّا.
فَبَعْدَ أَنْ كُنَّا أَمَامَ بِدَايَةِ الحَيَاةِ دَاخِلَ الرَّحِمِ، نَقِفُ أَمَامَ نِهَايَةِ نَوْعٍ كَامِلٍ عَاشَ مَلَايِينَ السِّنِينَ ثُمَّ اخْتَفَى.
أَطْرَحُ سُؤَالًا مُشْتَرَكًا عَلَى الدُّكْتُورِ مَازِنٍ مِنَ الفَلَكِ، وَالدُّكْتُورَةِ لُبْنَى مِنَ التَّارِيخِ:
الرِّوَايَةُ تَرْبِطُ بَيْنَ انْقِرَاضِ الدِّينَاصُورَاتِ وَظُهُورِ الإِنْسَانِ لَاحِقًا.
هَلْ هٰذَا الرَّبْطُ مُجَرَّدُ اخْتِيَارٍ رَمْزِيٍّ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ أَسَاسًا عِلْمِيًّا وَتَارِيخِيًّا لِهٰذَا الِانْتِقَالِ؟
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ:
الرَّبْطُ لَهُ أَسَاسٌ عِلْمِيٌّ قَوِيٌّ.
انْقِرَاضُ الدِّينَاصُورَاتِ قَبْلَ نَحْوِ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ مِلْيُونَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ نِهَايَةٍ لِكَائِنَاتٍ ضَخْمَةٍ، بَلْ كَانَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي تَارِيخِ الحَيَاةِ عَلَى الأَرْضِ.
بَعْدَ هٰذَا الحَدَثِ، وَجَدَتِ الثَّدْيِيَّاتُ فُرَصًا أَكْبَرَ لِلتَّنَوُّعِ وَالِانْتِشَارِ، وَهُوَ مَا شَكَّلَ أَحَدَ الشُّرُوطِ الَّتِي سَمَحَتْ لَاحِقًا بِظُهُورِ السُّلالَاتِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا الإِنْسَانُ.
لٰكِنْ مَا يُهِمُّنِي فِي مُعَالَجَةِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ الحَدَثَ وَحْدَهُ، بَلْ الطَّرِيقَةَ الَّتِي يُقْرَأُ بِهَا.
فِي تَارِيخِ الكَوْنِ وَالحَيَاةِ، لَيْسَتْ كُلُّ نِهَايَةٍ مُجَرَّدَ خَسَارَةٍ.
أَحْيَانًا تَفْتَحُ النِّهَايَةُ مَجَالًا لِوُجُودٍ جَدِيدٍ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
وَأُضِيفُ مِنَ الزَّاوِيَةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ أَنَّ هٰذَا البَابَ يَحْمِلُ سُؤَالًا أَخْلَاقِيًّا عَمِيقًا.
الإِنْسَانُ المُعَاصِرُ يَعِيشُ فَوْقَ سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الأَحْدَاثِ الَّتِي لَمْ يَخْتَرْهَا.
نَحْنُ نَرِثُ عَالَمًا تَشَكَّلَ بِفِعْلِ انْتِصَارَاتٍ وَخَسَائِرَ وَانْقِرَاضَاتٍ وَصِرَاعَاتٍ لَمْ نَكُنْ مَوْجُودِينَ حِينَ حَدَثَتْ.
وَحِينَ تَقُولُ الدِّينَاصُورَةُ لِسَامِرٍ إِنَّ وُجُودَهُ مُرْتَبِطٌ بِنِهَايَتِهَا، فَهِيَ تَضَعُهُ أَمَامَ مُفَارَقَةٍ:
أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ وَرِيثَ مَأْسَاةٍ لَمْ يَرْتَكِبْهَا، وَمُسْتَفِيدًا مِنْ حَدَثٍ لَمْ يَخْتَرْهُ.
وَهٰذَا السُّؤَالُ يَتَكَرَّرُ فِي التَّارِيخِ البَشَرِيِّ أَيْضًا:
كَيْفَ يَتَعَامَلُ الإِنْسَانُ مَعَ إِرْثٍ لَمْ يَكُنْ مَسْؤُولًا عَنْ صُنْعِهِ، لَكِنَّهُ يَعِيشُ نَتَائِجَهُ؟
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَوَدُّ أَنْ أُوَجِّهَ السُّؤَالَ إِلَى الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ:
فِي هٰذَا البَابِ، لَمْ تَجْعَلِ الدِّينَاصُورَةَ مُجَرَّدَ ضَحِيَّةٍ مِنَ المَاضِي، بَلْ جَعَلْتَهَا تَحْمِلُ حِكْمَةً تُقَدِّمُهَا لِسَامِرٍ.
لِمَاذَا اخْتَرْتَ أَنْ يَأْتِيَ دَرْسٌ إِنْسَانِيٌّ مِنْ كَائِنٍ لَمْ يَعْرِفِ الإِنْسَانَ أَصْلًا؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أُوَسِّعَ دَائِرَةَ التَّعَاطُفِ.
الإِنْسَانُ يَمِيلُ إِلَى وَضْعِ نَفْسِهِ فِي مَرْكَزِ الحِكَايَةِ، وَكَأَنَّ التَّارِيخَ بَدَأَ مَعَهُ.
لٰكِنَّ الوُجُودَ أَقْدَمُ مِنَ الإِنْسَانِ، وَالحَيَاةَ لَيْسَتْ قِصَّةً بَشَرِيَّةً فَقَطْ.
الدِّينَاصُورَةُ فِي الرِّوَايَةِ لَا تَأْتِي لِتَرْوِيَ مَأْسَاةَ نَوْعِهَا فَقَطْ، بَلْ لِتُعَلِّمَ سَامِرًا شَيْئًا عَنْ مَعْنَى الفَقْدِ.
فَكُلُّ كَائِنٍ يَفْقِدُ شَيْئًا.
قَدْ يَفْقِدُ نَوْعٌ كَامِلٌ وُجُودَهُ.
وَقَدْ يَفْقِدُ الإِنْسَانُ يَوْمًا مِنْ حَيَاتِهِ.
وَقَدْ يَفْقِدُ مُجْتَمَعٌ ذَاكِرَتَهُ.
لٰكِنَّ الِاخْتِلَافَ لَيْسَ فِي حَجْمِ الخَسَارَةِ فَقَطْ، بَلْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَتَعَامَلُ بِهَا مَعَهَا.
وَهٰذَا هُوَ الدَّرْسُ الَّذِي يَحْتَاجُهُ سَامِرٌ: لَا تُوجَدُ خَسَارَةٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَاشَهَا.

رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
نَصِلُ الآنَ إِلَى البَابِ السَّابِعِ، وَرُبَّمَا إِلَى التَّحَوُّلِ الأَكْبَرِ فِي هٰذِهِ الرِّحْلَةِ:
الإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ يَكْتَفِ بِأَنْ يَعِيشَ، بَلِ اكْتَشَفَ أَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَعِيشُ.
هُنَا تَظْهَرُ وِلَادَةُ الوَعْيِ بِالذَّاتِ.
أَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ:
هَلْ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ ظُهُورِ “الأَنَا” اللَّحْظَةَ الَّتِي انْفَصَلَ فِيهَا الإِنْسَانُ عَنْ بَقِيَّةِ الكَائِنَاتِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
هِيَ لَحْظَةٌ فَاصِلَةٌ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لَحْظَةَ انْفِصَالٍ كَامِلٍ.
فَالإِنْسَانُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الطَّبِيعَةِ، بَلْ حَمَلَ الطَّبِيعَةَ دَاخِلَهُ.
لٰكِنَّ مَا تَغَيَّرَ هُوَ أَنَّهُ أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى اتِّخَاذِ مَوْقِعِ المُرَاقِبِ تُجَاهَ نَفْسِهِ.
لَمْ يَعُدْ فَقَطْ يَشْعُرُ بِالأَلَمِ، بَلْ يَسْأَلُ: لِمَاذَا أَتَأَلَّمُ؟
لَمْ يَعُدْ فَقَطْ يَخَافُ المَوْتَ، بَلْ يَسْأَلُ : مَا مَعْنَى أَنْ أَمُوتَ؟
وَهُنَا تَبْدَأُ الأَسْئِلَةُ الَّتِي صَنَعَتِ الفَلْسَفَةَ وَالدِّينَ وَالفَنَّ.
الأَنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ، بَلْ القُدْرَةَ عَلَى تَحْوِيلِ الذَّاتِ إِلَى سُؤَالٍ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
دُكْتُورُ فَادِي، كَيْفَ انْعَكَسَ هٰذَا التَّحَوُّلُ فِي الأَدَبِ؟
الدُّكْتُورُ فَادِي:
الأَدَبُ كُلُّهُ تَقْرِيبًا هُوَ تَارِيخُ هٰذَا السُّؤَالِ.
مُنْذُ أَنْ بَدَأَ الإِنْسَانُ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ العَلَاقَةَ بَيْنَ الكَائِنِ الَّذِي يَعِيشُ، وَالكَائِنِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ يَعِيشُ.
الشَّخْصِيَّةُ الأَدَبِيَّةُ العَمِيقَةُ لَيْسَتِ الَّتِي تَحْدُثُ لَهَا الأَحْدَاثُ فَقَطْ، بَلِ الَّتِي تُدْرِكُ مَعْنَى حُدُوثِهَا.
وَلِهٰذَا فَإِنَّ سَامِرًا لَيْسَ مُجَرَّدَ رَجُلٍ فَقَدَ يَوْمًا مِنْ حَيَاتِهِ.
إِنَّهُ إِنْسَانٌ يُحَاوِلُ فَهْمَ مَا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَاضٍ، وَذَاكِرَةٌ، وَهُوِيَّةٌ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
أَعُودُ إِلَى الأُسْتَاذِ نُعْمَانَ بِالسُّؤَالِ:
الشَّابُّ الأَوَّلُ الَّذِي اكْتَشَفَ “الأَنَا” يَسْأَلُ سَامِرًا:
“هَلْ يَسْتَحِقُّ الأَمْرُ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّنِي سَأَمُوتُ، مُقَابِلَ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّنِي أَنَا؟”
هَلْ هٰذَا هُوَ السُّؤَالُ المَرْكَزِيُّ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ الرِّوَايَةُ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
رُبَّمَا هُوَ أَحَدُ الأَسْئِلَةِ الَّتِي تَتَجَمَّعُ حَوْلَهَا بَقِيَّةُ الأَسْئِلَةِ.
كُلُّ شَخْصِيَّةٍ يَلْتَقِي بِهَا سَامِرٌ تَحْمِلُ إِجَابَةً خَاصَّةً بِهَا عَنْ هٰذِهِ المَسْأَلَةِ.
الجَنِينُ يُعَلِّمُهُ أَنَّ الوُجُودَ يَبْدَأُ قَبْلَ الكَلِمَاتِ.
وَالدِّينَاصُورَةُ تُعَلِّمُهُ أَنَّ الفَقْدَ جُزْءٌ مِنِ اسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ.
وَالإِنْسَانُ الأَوَّلُ يُعَلِّمُهُ أَنَّ الوَعْيَ، رَغْمَ أَلَمِهِ، هُوَ مَا يَمْنَحُ التَّجْرِبَةَ الإِنْسَانِيَّةَ مَعْنَاهَا.
فَالإِنْسَانُ لَا يَخْتَارُ أَنْ يَعْرِفَ نِهَايَتَهُ، لَكِنَّهُ مِنْ خِلَالِ هٰذَا الوَعْيِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَحَ رِحْلَتَهُ قِيمَةً.
رُبَّمَا كَانَ الخَوْفُ مِنَ الفَنَاءِ هُوَ الَّذِي دَفَعَ الإِنْسَانَ الأَوَّلَ إِلَى رَسْمِ الرُّمُوزِ الأُولَى، وَإِلَى البَحْثِ عَنْ مَعْنًى يَتَجَاوَزُ اللَّحْظَةَ العَابِرَةَ.
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ فَهْمُ الرِّوَايَةِ كُلِّهَا:
لَيْسَتْ رِحْلَةَ رَجُلٍ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ ضَائِعٍ فَقَطْ، بَلْ رِحْلَةَ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنِ المَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ — حَتَّى اليَوْمَ الَّذِي يَضِيعُ — جُزْءًا مِنْ حِكَايَتِهِ.
رَئِيسُ الجَلْسَةِ:
الخلاصة:
انْتَقَلْنَا مِنَ الكَائِنِ الَّذِي لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، إِلَى كَائِنٍ انْقَرَضَ، ثُمَّ إِلَى الإِنْسَانِ الَّذِي اكْتَشَفَ ذَاتَهُ.
ثَلَاثُ صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٌ، لَكِنَّهَا تَلْتَقِي عِنْدَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ:
أَنْ تَكُونَ مَوْجُودًا لَا يَعْنِي فَقَطْ أَنْ تَبْقَى حَيًّا، بَلْ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ كُنْتَ هُنَا.

3
“الْجَسَدُ يَتَذَكَّرُ مَا يَرْفُضُ الْعَقْلُ تَذَكُّرَهُ”
الْبَابَانِ الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ
الْحُلْمُ – إِمْحُوتَبُ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
رَافَقْنَا رِحْلَةَ الْوُجُودِ مِنَ الْجُسَيْمِ الْأَوَّلِ إِلَى وِلَادَةِ الْوَعْيِ الْإِنْسَانِيِّ. أَمَّا الآن، فَإِنَّنَا نَقْتَرِبُ خُطْوَةً أُخْرَى مِنَ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، لَا بِوَصْفِهِ كَائِنًا يُفَكِّرُ فَحَسْبُ، بَلْ بِوَصْفِهِ كَائِنًا يَحْمِلُ دَاخِلَهُ خِبْرَاتٍ لَا يَسْتَطِيعُ دَائِمًا أَنْ يُتَرْجِمَهَا إِلَى كَلِمَاتٍ.
الْبَابَانِ اللَّذَانِ سَنُنَاقِشُهُمَا الْيَوْمَ يَبْدُوَانِ، لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى، مُتَبَاعِدَيْنِ. فَفِي أَحَدِهِمَا يَقُودُ الْحُلْمُ سَامِرًا إِلَى الِاقْتِرَابِ مِنْ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ دُونَ أَنْ يَكْشِفَهُ كَامِلًا. وَفِي الْآخَرِ يَقِفُ إِمْحُوتَبُ لِيُذَكِّرَنَا بِأَنَّ الْجَسَدَ قَدْ يَحْتَفِظُ بِمَا تَعْجِزُ اللُّغَةُ عَنِ الْإِفْصَاحِ عَنْهُ.
وَرُبَّمَا كَانَ السُّؤَالُ الَّذِي يَجْمَعُ الْبَابَيْنِ هُوَ: أَيَنْسَى الْعَقْلُ فِعْلًا، أَمْ إِنَّ الْجَسَدَ يَحْتَفِظُ بِمَا يَسْقُطُ مِنَ الذَّاكِرَةِ؟
أَقْتَرِحُ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَنْ نَتْرُكَ الْحِوَارَ يَبْدَأُ مِنَ الْفَرِيقِ نَفْسِهِ، ثُمَّ نَتَدَخَّلَ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
الْحِوَارُ
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى (الطِّبُّ):
إِذَا سَمَحْتُمْ، أَوَدُّ أَنْ أَبْدَأَ مِنْ نُقْطَةٍ أَرَاهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
قَدْ يَبْدُو الْحُلْمُ مَوْضُوعًا مُخْتَلِفًا عَنِ الْأَلَمِ الْجَسَدِيِّ، لَكِنَّ الطِّبَّ الْحَدِيثَ يَرْبِطُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا نَتَخَيَّلُ. فَالْأَحْلَامُ الَّتِي تَتَلَاشَى بَعْدَ دَقَائِقَ مِنَ الِاسْتِيقَاظِ، وَالْآلَامُ الْجَسَدِيَّةُ الَّتِي لَا نَجِدُ لَهَا تَفْسِيرًا عُضْوِيًّا وَاضِحًا، قَدْ تَنْتَمِيَانِ إِلَى الْمَجَالِ نَفْسِهِ: ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الْخِبْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّذِي يُخَزَّنُ خَارِجَ الذَّاكِرَةِ الْوَاعِيَةِ.
فَالدِّمَاغُ لَا يَحْتَفِظُ فَقَطْ بِمَا نَسْتَطِيعُ اسْتِعَادَتَهُ بِالْكَلِمَاتِ، بَلْ يَحْتَفِظُ أَيْضًا بِمَا يَظْهَرُ فِي صُورَةِ انْفِعَالٍ، أَوْ تَوَتُّرٍ، أَوْ حُلْمٍ مُتَكَرِّرٍ، أَوْ أَلَمٍ يَعُودُ فِي أَوْقَاتٍ بِعَيْنِهَا دُونَ أَنْ يُدْرِكَ صَاحِبُهُ سَبَبَ عَوْدَتِهِ. وَلِهَذَا وَجَدْتُ أَنَّ الْفَصْلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ، كُلٌّ بِلُغَتِهِ، عَنِ السُّؤَالِ نَفْسِهِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَتَّفِقُ مَعَ كَثِيرٍ مِمَّا تَفَضَّلْتِ بِهِ، لَكِنِّي أَمِيلُ إِلَى النَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا.
فِي حَدِيثِكِ يَبْدُو هَذَا الْجُزْءُ غَيْرُ الْوَاعِي مِنَ الْخِبْرَةِ وَكَأَنَّهُ نَقْصٌ يَنْبَغِي تَجَاوُزُهُ. أَمَّا الرِّوَايَةُ، كَمَا قَرَأْتُهَا، فَتَدْعُونَا إِلَى احْتِمَالٍ آخَرَ: رُبَّمَا لَا يَكُونُ الْغُمُوضُ دَائِمًا عَلَامَةً عَلَى قُصُورِ الْمَعْرِفَةِ، بَلْ جُزْءًا مِنْ طَبِيعَتِهَا.
فَكِيَانُ الْحُلْمِ فِي الرِّوَايَةِ لَا يُفَسِّرُ، وَلَا يُحَاوِلُ أَنْ يَمْلَأَ الْفَرَاغَاتِ؛ إِنَّهُ يَكْتَفِي بِأَنْ يَقُودَ سَامِرًا إِلَى تُخُومِهَا. وَهَذَا يُذَكِّرُنِي بِمَا أَرَادَهُ فِتْغِنْشْتَايْنُ حِينَ خَتَمَ رِسَالَتَهُ الْمَنْطِقِيَّةَ بِقَوْلِهِ إِنَّ مَا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ اللُّغَةِ لَا يُلْغَى، بَلْ يُحْتَرَمُ بِالصَّمْتِ. فَالصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ هَزِيمَةً لِلْفِكْرِ، بَلِ اعْتِرَافًا بِأَنَّ بَعْضَ الْخِبْرَاتِ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ تَحْتَوِيَهَا الْعِبَارَةُ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أَتَفَهَّمُ هَذَا الْمَعْنَى، وَرُبَّمَا أَتَّفِقُ مَعَهُ إِنْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ التَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ.
لَكِنَّ الطَّبِيبَ يَلْتَقِي بِأُنَاسٍ يَعِيشُونَ هَذَا الصَّمْتَ عَلَى هَيْئَةِ مُعَانَاةٍ. فَفِي عِيَادَاتِ الْأَلَمِ الْمُزْمِنِ، مَثَلًا، نَجِدُ مَرْضَى لَا تَكْشِفُ الْفُحُوصُ سَبَبًا عُضْوِيًّا وَاضِحًا لِآلَامِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ الْأَلَمُ حَقِيقِيًّا تَمَامًا. وَلِهَذَا حِينَ يَتَحَدَّثُ إِمْحُوتَبُ عَنِ الْأَبِ الَّذِي يَعُودُ إِلَيْهِ أَلَمُ كَتِفِهِ كُلَّ عَامٍ مَعَ ذِكْرَى فَقْدِ ابْنِهِ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَاهُ مُجَرَّدَ اسْتِعَارَةٍ. إِنَّهُ إِنْسَانٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُصْغِي إِلَيْهِ، كَمَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُدَاوِي جَسَدَهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
يَبْدُو أَنَّنَا أَمَامَ اخْتِلَافٍ فِي زَاوِيَةِ النَّظَرِ، لَا فِي أَصْلِ الظَّاهِرَةِ. أَدْعُو الدُّكْتُورَةَ هَالَةَ لِتُشَارِكَنَا رُؤْيَتَهَا مِنْ مَنْظُورِ اللُّغَةِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
وَرُبَّمَا تَكُونُ اللُّغَةُ نَفْسُهَا شَاهِدَةً عَلَى هَذَا التَّدَاخُلِ.
فَنَحْنُ نَقُولُ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ: “انْقَبَضَ صَدْرِي.” “يَعْتَصِرُ قَلْبِي أَلَمًا.” “أَحْمِلُ هَمًّا عَلَى كَتِفِي.” هَذِهِ التَّعَابِيرُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُوَرٍ بَلَاغِيَّةٍ، بَلْ تَكْشِفُ أَنَّ الْإِنْسَانَ، عَبْرَ لُغَاتِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، اعْتَادَ أَنْ يَمْنَحَ الْجَسَدَ وَظِيفَةَ التَّعْبِيرِ عَنِ الْخِبْرَةِ النَّفْسِيَّةِ.
وَاللَّافِتُ أَنَّ إِمْحُوتَبَ، رَغْمَ الْبُعْدِ الزَّمَنِيِّ الْهَائِلِ، يَنْظُرُ إِلَى الْجَسَدِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا تَقْرِيبًا؛ فَهُوَ لَا يُعَامِلُهُ بِوَصْفِهِ آلَةً تَعَطَّلَتْ، بَلْ بِوَصْفِهِ لُغَةً أُخْرَى، قَدْ تَسْبِقُ الْكَلِمَاتِ أَوْ تَحُلُّ مَحَلَّهَا حِينَ تَعْجِزُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… لَنْ أَسْأَلَكَ هَذِهِ الْمَرَّةَ عَنْ مَعْنَى الْبَابَيْنِ، بَلْ عَنْ تَجْرِبَتِكَ مَعَهُمَا. أَمَرَرْتَ، أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ، بِلَحْظَةٍ شَعَرْتَ فِيهَا أَنَّ النَّصَّ سَبَقَ وَعْيَكَ، وَأَنَّ الشَّخْصِيَّةَ قَالَتْ مَا لَمْ تَكُنْ قَدْ خَطَّطَتَ لَهُ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
حَدَثَ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، وَبِصُورَةٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا.
حِينَ بَدَأْتُ كِتَابَةَ بَابِ إِمْحُوتَبَ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَكْتُبُ عَنِ الطِّبِّ فِي الْحَضَارَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَعَنْ عَلَاقَةِ الطَّبِيبِ بِالْمَرِيضِ. لَكِنِّي، عِنْدَ مَشْهَدِ الْأَبِ الَّذِي يَعُودُ إِلَيْهِ الْأَلَمُ كُلَّ عَامٍ، كَتَبْتُ جُمْلَةً لَمْ تَكُنْ فِي أَيِّ مُخَطَّطٍ سَابِقٍ. تَوَقَّفْتُ بَعْدَهَا طَوِيلًا، كَانَتِ الْجُمْلَةُ تَقُولُ: “قَدْ تَكُونُ الْكِتَابَةُ أَحْيَانًا مُحَاوَلَةً مِنَ الْجَسَدِ لِيَقُولَ مَا عَجَزَ الْعَقْلُ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِهِ.” وَلَا أُخْفِي أَنِّي، بَعْدَ أَنِ انْتَهَيْتُ مِنْ ذَلِكَ الْفَصْلِ، عُدْتُ إِلَيْهِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، لِأُرَاجِعَهُ.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
خَرَجْنَا الْيَوْمَ بِسُؤَالٍ لَا يَقِلُّ صُعُوبَةً عَنْ أَسْئِلَةِ الْجَلَسَاتِ السَّابِقَةِ: أَيَنْسَى الْإِنْسَانُ حَقًّا، أَمْ إِنَّ الذَّاكِرَةَ تَنْتَقِلُ فَقَطْ مِنْ لُغَةِ الْكَلِمَاتِ إِلَى لُغَةِ الْجَسَدِ؟
وَرُبَّمَا كَانَ أَجْمَلُ مَا فِي هَذَا الْحِوَارِ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حُكْمٍ فَاصِلٍ بَيْنَ الطِّبِّ وَالْفَلْسَفَةِ؛ فَكِلَاهُمَا يُشِيرُ إِلَى الْحَقِيقَةِ نَفْسِهَا مِنْ بَابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ أَوْسَعُ مِمَّا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَنَنْتَقِلُ إِلَى بَابَيْنِ جَدِيدَيْنِ: الْمَرْأَةِ السُّومَرِيَّةِ وَأَشُوكَا، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ السُّؤَالُ مِنْ ذَاكِرَةِ الْجَسَدِ إِلَى ذَاكِرَةِ الْكَلِمَةِ الْمَكْتُوبَةِ: مَاذَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ حِينَ يُقَرِّرُ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا مَكْتُوبًا خَلْفَهُ؟
4
“حِينَ يُقَرِّرُ الْمَرْءُ أَنْ يَكْتُبَ”
الْبَابَانِ الْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ
الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ – أَشُوكَا
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
رَافَقْنَا الْإِنْسَانَ وَهُوَ يَكْتَشِفُ الْعَالَمَ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ ذَاتَهُ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ أَنَّ فِي دَاخِلِهِ ذَاكِرَةً لَا تَخْضَعُ دَائِمًا لِإِرَادَةِ الْعَقْلِ.
أَمَّا الآن، فَإِنَّنَا نَبْلُغُ لَحْظَةً مُغَايِرَةً تَمَامًا: اللَّحْظَةَ الَّتِي يُقَرِّرُ فِيهَا الْإِنْسَانُ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا مَكْتُوبًا خَلْفَهُ.
نَجْتَمِعُ الْيَوْمَ حَوْلَ شَخْصِيَّتَيْنِ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا قُرُونٌ طَوِيلَةٌ، وَإِنْ كَانَتَا تَلْتَقِيَانِ عِنْدَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ. امْرَأَةٌ سُومَرِيَّةٌ تَخْشَى أَنْ تَبْتَلِعَ الذَّاكِرَةُ مَنْ تُحِبُّ، فَتَنْقُشُ وَصِيَّتَهَا عَلَى لَوْحٍ مِنْ طِينٍ. وَإِمْبَرَاطُورٌ يُثْقِلُهُ وَزْرُ مَا اقْتَرَفَتْهُ يَدَاهُ، فَيَحْفُرُ نَدَمَهُ فِي الْحَجَرِ لِيَبْقَى شَاهِدًا عَلَيْهِ إِلَى الْأَبَدِ.
قَدْ تَبْدُو الْقِصَّتَانِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى، لَكِنَّهُمَا تَتَقَاطَعَانِ عِنْدَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ: مَاذَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ حِينَ يَكْتَشِفُ أَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى إِنْقَاذِهِ؟
أَقْتَرِحُ أَنْ نَتْرُكَ الْحِوَارَ يَبْدَأُ مِنَ الْفَرِيقِ نَفْسِهِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أَوَدُّ أَنْ أَبْدَأَ بِمُلَاحَظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ قَدْ تَضَعُ الْبَابَيْنِ مَعًا فِي مَوْقِفٍ مُحْرِجٍ بَعْضَ الشَّيْءِ.
فَكِلْتَا الشَّخْصِيَّتَيْنِ اسْتِثْنَائِيَّةٌ فِي عَصْرِهَا. الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ تُتْقِنُ الْكِتَابَةَ فِي زَمَنٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ مُتَاحَةً لِمُعْظَمِ النِّسَاءِ، وَأَشُوكَا إِمْبَرَاطُورٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ اعْتِرَافَهُ مَنْقُوشًا عَلَى أَعْمِدَةٍ تَمْتَدُّ فِي أَرْجَاءِ مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا.
فَمَاذَا عَنِ الْإِنْسَانِ الْعَادِيِّ؟ مَاذَا عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَاشُوا وَمَاتُوا دُونَ أَنْ يَمْلِكُوا لَوْحًا يَكْتُبُونَ عَلَيْهِ، أَوْ سُلْطَةً تَجْعَلُ كَلِمَاتِهِمْ تُسْمَعُ؟ إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ تَرَى فِي الْكِتَابَةِ فِعْلًا يَحْفَظُ الْإِنْسَانَ مِنَ الضَّيَاعِ، أَفَكَانَ هَذَا الطَّرِيقُ مُتَاحًا لِلْجَمِيعِ أَصْلًا؟
الدُّكْتُورُ فَادِي:
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِعَيْنِهِ هُوَ مَا يَمْنَحُ شَخْصِيَّةَ الْمَرْأَةِ السُّومَرِيَّةِ قِيمَتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ.
فَهِيَ لَا تُمَثِّلُ الِامْتِيَازَ، بَلْ تُمَثِّلُ نُدْرَتَهُ. وُجُودُهَا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مُوَزَّعَةً بِالتَّسَاوِي بَيْنَ النَّاسِ. وَلِهَذَا تَبْدُو وَصِيَّتُهَا مُؤَثِّرَةً إِلَى هَذَا الْحَدِّ: إِنَّهَا لَا تَكْتُبُ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ سُلْطَةً، بَلْ لِأَنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ لَا تُمْنَحُ لَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
وَحِينَ تَقُولُ لِسَامِرٍ: “ابْنِ فَوْقَ الْغِيَابِ”، فَهِيَ لَا تُقَدِّمُ نَصِيحَةً أَدَبِيَّةً، بَلْ تُقَدِّمُ خُلَاصَةَ تَجْرِبَةِ إِنْسَانٍ عَرَفَ أَنَّ الصَّمْتَ قَدْ يَكُونُ مَفْرُوضًا عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ حِينَ تُتَاحُ تُصْبِحُ مَسْؤُولِيَّةً لَا مِنَّةً.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
لَفَتَنِي فِي حَدِيثِكُمَا أَنَّكُمَا رَكَّزْتُمَا عَلَى حَقِّ الْكِتَابَةِ. لَكِنِّي أَرَى أَنَّ أَشُوكَا يَطْرَحُ سُؤَالًا آخَرَ، وَرُبَّمَا أَكْثَرَ إِرْبَاكًا.
أَنَكْتُبُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُصْلِحُ مَا حَدَثَ؟ أَمْ لِأَنَّنَا نَعْجِزُ عَنْ إِصْلَاحِهِ؟ فَأَشُوكَا لَا يَتَصَرَّفُ وَكَأَنَّ اعْتِرَافَهُ يَمْحُو الْمَاضِيَ، بَلْ يَبْدُو مُدْرِكًا تَمَامًا أَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُمْحَى أَبَدًا. غَايَةُ مَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَى سِيرَتِهِ فَصْلًا جَدِيدًا.
وَمِنْ هُنَا أَسْأَلُ: أَتُقَدِّمُ الرِّوَايَةُ الْكِتَابَةَ عِلَاجًا؟ أَمْ تُقَدِّمُهَا شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُعِيدُ صِيَاغَةَ اعْتِرَاضِي الْأَوَّلِ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى.
رُبَّمَا كُنْتُ أَفْتَرِضُ أَنَّ الرِّوَايَةَ تَعِدُ الْإِنْسَانَ بِالْخَلَاصِ عَبْرَ الْكِتَابَةِ. لَكِنَّ مَا تَقُولُهُ الشَّخْصِيَّتَانِ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا. فَالْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ لَا تَكْتُبُ لِتَسْتَعِيدَ مَا فَقَدَتْهُ، بَلْ لِتَمْنَحَ الْغِيَابَ مَعْنًى. وَأَشُوكَا لَا يَكْتُبُ لِيُنْكِرَ مَا فَعَلَهُ، بَلْ لِيُعْلِنَ أَنَّهُ لَنْ يَسْمَحَ لِذَلِكَ الْمَاضِي أَنْ يَكُونَ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ حَيَاتِهِ.
فَلَيْسَتِ الْقَضِيَّةُ إِذَنْ مَحْوًا، بَلْ إِضَافَةً؛ لَيْسَتْ إِلْغَاءً لِمَا حَدَثَ، بَلْ بِنَاءَ شَيْءٍ جَدِيدٍ إِلَى جِوَارِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… لَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَعْنَى الْبَابَيْنِ، بَلْ عَنْ تَجْرِبَةِ تَأْلِيفِهِمَا. أَيُّ الشَّخْصِيَّتَيْنِ حَضَرَتْ أَوَّلًا فِي الْكِتَابَةِ؟ وَهَلْ أَثَّرَ حُضُورُ إِحْدَاهُمَا فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي كُتِبَتْ بِهَا الْأُخْرَى؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
فِي الْحَقِيقَةِ، كَتَبْتُ أَشُوكَا أَوَّلًا. كَانَ حُضُورُهُ قَوِيًّا، وَرُبَّمَا قَاسِيًا أَيْضًا.
وَحِينَ شَرَعْتُ فِي كِتَابَةِ الْمَرْأَةِ السُّومَرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسَابِيعَ، اكْتَشَفْتُ أَنِّي أَكْتُبُ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءً. لَمْ أَتَّخِذْ هَذَا الْقَرَارَ مُسْبَقًا، بَلْ حَدَثَ ذَلِكَ تِلْقَائِيًّا؛ إِذْ شَعَرْتُ أَنَّ الرِّوَايَةَ، لَوِ اسْتَمَرَّتْ عَلَى النَّبْرَةِ الثَّقِيلَةِ نَفْسِهَا، لَفَقَدَتْ شَيْئًا مِنْ تَوَازُنِهَا الْإِنْسَانِيِّ.
وَرُبَّمَا لِهَذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ أَقَلَّ مَيْلًا إِلَى إِدَانَةِ الْمَاضِي، وَأَكْثَرَ مَيْلًا إِلَى الْبِنَاءِ فَوْقَهُ. وَلَمْ أُدْرِكْ هَذَا التَّوَازُنَ إِلَّا بَعْدَ أَنِ انْتَهَيْتُ مِنْ كِتَابَةِ الْبَابَيْنِ كِلَيْهِمَا.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لم نَعْثُرَ عَلَى جَوَابٍ نِهَائِيٍّ. أَتَسْتَطِيعُ الْكِتَابَةُ أَنْ تَشْفِيَ؟ أَمْ إِنَّهَا لَا تَفْعَلُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَمْنَحَ الْإِنْسَانَ طَرِيقَةً أَكْرَمَ لِحَمْلِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ التَّخَلُّصَ مِنْهُ؟
رُبَّمَا لَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ السُّومَرِيَّةِ وَأَشُوكَا فِيمَا كَتَبَاهُ، بَلْ فِي السَّبَبِ الَّذِي دَفَعَ كُلًّا مِنْهُمَا إِلَى الْكِتَابَةِ.
وسَنَنْتَقِلُ إِلَى بَابَيْنِ جَدِيدَيْنِ: الْمَرْأَةِ الْإِغْرِيقِيَّةِ الْمَنْسِيَّةِ وَابْنِ سِينَا، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ السُّؤَالُ مِنْ أَثَرِ الْكِتَابَةِ إِلَى أَثَرِ الِاسْمِ، وَمِنَ السِّيرَةِ الَّتِي يَرْوِيهَا النَّاسُ إِلَى النَّفْسِ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
وَيَبْقَى سُؤَالٌ مَفْتُوحٌ يُرَافِقُنَا إِلَى اللِّقَاءِ الْقَادِمِ: إِنْ عَجَزَتِ الْكِتَابَةُ عَنْ مَحْوِ الْمَاضِي، أَفَيَكْفِي أَنْ تَمْنَحَهُ مَعْنًى جَدِيدًا؟

5
“مَنْ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ… وَمَنْ لَهُ نَفْسٌ لَا تُمْحَى”
الْبَابَانِ الثَّانِي عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ
الْمَرْأَةُ الْإِغْرِيقِيَّةُ الْمَنْسِيَّةُ – ابْنُ سِينَا
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
دَارَ السُّؤَالُ حَوْلَ أَثَرِ الْكِتَابَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الْفَقْدِ وَالذَّنْبِ. أَمَّا الآن، فَنَقْتَرِبُ مِنْ سُؤَالٍ آخَرَ لَا يَقِلُّ إِيلَامًا: أَيَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى اسْمٍ حَتَّى يَبْقَى؟
نَجْتَمِعُ حَوْلَ شَخْصِيَّتَيْنِ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا حَضَارَتَانِ وَتَجْرِبَتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ: امْرَأَةٌ مِنْ أَثِينَا غَابَ اسْمُهَا عَنِ السِّجِلِّ التَّارِيخِيِّ، حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَعِشْ قَطُّ؛ وَابْنُ سِينَا، الَّذِي عَبَرَ اسْمُهُ الْقُرُونَ حَتَّى غَدَا رَمْزًا لِلطِّبِّ وَالْفَلْسَفَةِ مَعًا.
لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِتُقَارِنَ بَيْنَ الشُّهْرَةِ وَالنِّسْيَانِ، بَلْ لِتَسْأَلَ: مَا الَّذِي يَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ إِذَا ضَاعَ اسْمُهُ؟ وَهَلْ تَكْفِي الذَّاكِرَةُ وَحْدَهَا لِحِفْظِ الْهُوِيَّةِ؟
أَقْتَرِحُ أَنْ يَبْدَأَ الْحِوَارُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنَ الْفَرِيقِ نَفْسِهِ، كَمَا اعْتَدْنَا فِي الْجَلَسَاتِ الْأَخِيرَةِ.
الْحِوَارُ
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَوَدُّ أَنْ أَبْدَأَ بِسُؤَالٍ قَدْ يَبْدُو حَادًّا بَعْضَ الشَّيْءِ.
أَلَسْنَا، وَنَحْنُ نَجْمَعُ هَاتَيْنِ الشَّخْصِيَّتَيْنِ فِي جَلْسَةٍ وَاحِدَةٍ، نُعِيدُ إِنْتَاجَ الْمُفَارَقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي صَنَعَتْهَا الْحَيَاةُ؟ نَتَحَدَّثُ عَنِ امْرَأَةٍ مَحَاهَا التَّارِيخُ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ مَوْقِعًا يَسْمَحُ لَهَا بِأَنْ تُسْمَعَ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى ابْنِ سِينَا، الَّذِي حَفِظَ التَّارِيخُ اسْمَهُ وَكُتُبَهُ وَتَأْثِيرَهُ. أَيَكْفِي أَنْ نُشِيرَ إِلَى هَذَا الظُّلْمِ، أَمْ إِنَّنَا، مِنْ حَيْثُ لَا نَشْعُرُ، نَمْنَحُ أَحَدَهُمَا حُضُورًا كَامِلًا، بَيْنَمَا نَكْتَفِي بِالتَّأَمُّلِ فِي غِيَابِ الْأُخْرَى؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أَفْهَمُ هَذَا الِاعْتِرَاضَ، بَلْ أَرَاهُ ضَرُورِيًّا. غَيْرَ أَنِّي أَقْرَأُ الْأَمْرَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
فَالرِّوَايَةُ لَا تَدَّعِي أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ إِعَادَةَ الِاسْمِ الَّذِي ضَاعَ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ أَصْلًا. إِنَّهَا تَفْعَلُ شَيْئًا آخَرَ: تَجْعَلُ مِنْ هَذَا الْغِيَابِ نَفْسِهِ مَوْضُوعًا لِلتَّذَكُّرِ. فَحِينَ تَقُولُ الْمَرْأَةُ لِسَامِرٍ إِنَّهَا لَا تَطْلُبُ اسْمًا جَدِيدًا، بَلْ تَطْلُبُ أَلَّا يُنْسَى أَنَّ ثَمَّةَ مَنْ عَاشُوا دُونَ أَنْ يَحْفَظَ التَّارِيخُ أَسْمَاءَهُمْ، فَهِيَ لَا تَطْلُبُ تَصْحِيحَ الْمَاضِي، بَلْ تَطْلُبُ الِاعْتِرَافَ بِهِ. وَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْبِدَايَةَ الْوَحِيدَةَ الْمُمْكِنَةَ لِلْعَدَالَةِ التَّارِيخِيَّةِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
لَفَتَنِي أَنَّكُمَا تَنَاوَلْتُمَا الْمَسْأَلَةَ مِنْ زَاوِيَةِ التَّارِيخِ وَالْعَدَالَةِ، بَيْنَمَا شَدَّنِي فِيهَا جَانِبٌ لُغَوِيٌّ.
فَالشَّخْصِيَّتَانِ، عَلَى اخْتِلَافِهِمَا، تَتَحَدَّثَانِ عَنِ الْهُوِيَّةِ، لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَبْدَأُ مِنْ نُقْطَةٍ مُعَاكِسَةٍ لِلْأُخْرَى. فَالْمَرْأَةُ تَقُولُ، ضِمْنِيًّا، إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبْقَى حَاضِرًا حَتَّى لَوِ اخْتَفَى اسْمُهُ، أَمَّا ابْنُ سِينَا فَيَذْهَبُ إِلَى أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ لَا تُخْتَزَلُ فِي السِّيرَةِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْآخَرُونَ عَنْهَا.
فَفِي الْحَالَتَيْنِ ثَمَّةَ تَمْيِيزٌ بَيْنَ الْجَوْهَرِ وَمَا يَلْتَصِقُ بِهِ. فَالِاسْمُ، كَالذَّاكِرَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَسِيلَةٌ لِلتَّعْرِيفِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ لِلْإِنْسَانِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَعْتَرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةَ دَفَعَتْنِي إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي سُؤَالِي الْأَوَّلِ.
رُبَّمَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى الشَّخْصِيَّتَيْنِ مِنْ زَاوِيَةِ مَوْقِعِهِمَا فِي التَّارِيخِ، أَمَّا الْآنَ فَأَرَاهُمَا تَتَحَدَّثَانِ عَنِ الْفِكْرَةِ نَفْسِهَا، وَلَكِنْ مِنْ تَجْرِبَتَيْنِ مُتَعَاكِسَتَيْنِ تَمَامًا: ابْنُ سِينَا يَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ مَوْقِعِ مَنِ امْتَلَكَ الْمَعْرِفَةَ وَاللُّغَةَ وَالِاعْتِرَافَ، وَالْمَرْأَةُ تَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ مَوْقِعِ مَنْ حُرِمَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. فَالْفِكْرَةُ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا مُخْتَلِفٌ كُلَّ الِاخْتِلَافِ. وَهَذَا يَجْعَلُ الرِّوَايَةَ أَكْثَرَ إِنْصَافًا مِمَّا ظَنَنْتُ فِي الْبِدَايَةِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… أَسْأَلُكَ هَذِهِ الْمَرَّةَ عَنْ تَرْتِيبِ الْكِتَابَةِ، لَا عَنْ تَفْسِيرِ الشَّخْصِيَّتَيْنِ. مَا الَّذِي دَفَعَكَ إِلَى وَضْعِ الْمَرْأَةِ الْإِغْرِيقِيَّةِ وَابْنِ سِينَا مُتَجَاوِرَيْنِ فِي بِنْيَةِ الرِّوَايَةِ؟ أَكَانَ هَذَا الرَّبْطُ مَقْصُودًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
إِذَا أَجَبْتُ بِصِدْقٍ، فَسَأَقُولُ إِنِّي لَمْ أَرَ هَذَا الرَّابِطَ بِوُضُوحٍ وَأَنَا أَكْتُبُ.
كُنْتُ أُرَتِّبُ الْأَبْوَابَ وَفْقَ إِحْسَاسٍ دَاخِلِيٍّ بِإِيقَاعِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أُرَتِّبُهَا وَفْقَ نَظَرِيَّةٍ مُسْبَقَةٍ. كَتَبْتُ الْمَرْأَةَ الْإِغْرِيقِيَّةَ فِي لَيْلَةٍ شَعَرْتُ فِيهَا بِثِقَلِ سُؤَالِ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ التَّارِيخُ إِصْلَاحَهُ. وَبَعْدَهَا بِأَسَابِيعَ، كَتَبْتُ ابْنَ سِينَا وَأَنَا أَعِيشُ حَالَةً مُغَايِرَةً تَمَامًا؛ حَالَةَ هُدُوءٍ وَتَأَمُّلٍ.
وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي آنَذَاكَ أَنَّ الْقَارِئَ قَدْ يَرَى بَيْنَ الشَّخْصِيَّتَيْنِ هَذَا الْخَيْطَ الَّذِي كَشَفَهُ حِوَارُكُمُ الْيَوْمَ. وَلَعَلَّ هَذِهِ مِنَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَتَجَاوَزُ فِيهَا النَّصُّ وَعْيَ صَاحِبِهِ؛ فَالْكَاتِبُ يَخْتَارُ الشَّخْصِيَّاتِ، لَكِنَّ الْعَلَاقَاتِ الْعَمِيقَةَ بَيْنَهَا لَا تَظْهَرُ لَهُ دَائِمًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَهَا الْآخَرُونَ.
الخلاصة:
خَرَجْنَا بِسُؤَالٍ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فِي بِدَايَةِ الْحِوَارِ. أَيَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى اسْمٍ حَتَّى يَبْقَى؟ أَمْ إِنَّ بَعْضَ الْحُضُورِ الْإِنْسَانِيِّ أَعْمَقُ مِنْ كُلِّ الْأَسْمَاءِ؟
وَرُبَّمَا كَانَتِ الْمُلَاحَظَةُ الَّتِي طَرَحَتْهَا الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ أَكْثَرَ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَافِقَنَا إِلَى: أَنَفْهَمُ الْفِكْرَةَ الْوَاحِدَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا إِلَّا إِذَا سَمِعْنَاهَا مِنْ أَصْوَاتٍ دَفَعَتْ أَثْمَانًا مُخْتَلِفَةً لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا؟

6
“مَا يَكْتَمِلُ بِالْخَيَالِ… وَمَا يُرْوَى مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ”
الْبَابَانِ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ
سَافُو – الْجُنْدِيُّ الْفَارِسِيُّ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَقِيَ سُؤَالٌ يُرَافِقُنَا: أَيَكْفِي أَنْ نُعِيدَ إِلَى الْإِنْسَانِ صَوْتَهُ، إِذَا كَانَ التَّارِيخُ قَدْ سَلَبَهُ اسْمَهُ؟
الآن نَقْتَرِبُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى. نَجْتَمِعُ حَوْلَ شَخْصِيَّتَيْنِ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا الزَّمَنُ وَلَا الْمَكَانُ: شَاعِرَةٌ لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا مِنْ شِعْرِهَا إِلَّا شَذَرَاتٌ مُتَنَاثِرَةٌ، وَجُنْدِيٌّ مِنْ جَيْشٍ مَهْزُومٍ لَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ مَكَانًا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي كَتَبَهَا الْمُنْتَصِرُونَ.
لَكِنَّ كِلَيْهِمَا يَقِفُ أَمَامَ النَّوْعِ نَفْسِهِ مِنَ الْغِيَابِ: غِيَابِ النَّصِّ، وَغِيَابِ الصَّوْتِ. وَيَبْقَى السُّؤَالُ: كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ الْفَرَاغِ؟ أَنَمْلَؤُهُ بِالْخَيَالِ، أَمْ نَبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَدَالَةٍ غَابَتْ؟
الدُّكْتُورُ فَادِي:
أَقْتَرِحُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الشَّخْصِيَّتَيْنِ مَعًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
فَسَافُو وَالْجُنْدِيُّ الْفَارِسِيُّ يَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كِلَيْهِمَا وَصَلَ إِلَيْنَا نَاقِصًا، غَيْرَ أَنَّ نُقْصَانَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُخْتَلِفٌ. فَقَصَائِدُ سَافُو ضَاعَتْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا شَذَرَاتٌ تَسْمَحُ لِلْخَيَالِ أَنْ يُشَارِكَ فِي إِكْمَالِهَا. أَمَّا الْجُنْدِيُّ، فَلَمْ يَضِعْ صَوْتُهُ بِفِعْلِ الزَّمَنِ وَحْدَهُ، بَلْ لِأَنَّ السَّرْدَ التَّارِيخِيَّ لَمْ يَمْنَحْهُ الْمَسَاحَةَ أَصْلًا.
وَمِنْ هُنَا يَخْطُرُ لِي سُؤَالٌ: أَيَسْتَطِيعُ كُلُّ فَرَاغٍ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى جَمَالٍ؟ أَمْ إِنَّ ثَمَّةَ فَرَاغَاتٍ لَا يَجُوزُ أَنْ نَتَأَمَّلَهَا شِعْرِيًّا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَ: لِمَاذَا وُجِدَتْ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
فَمَا فَقَدَتْهُ سَافُو كَانَ نَتِيجَةَ قُرُونٍ مِنَ الْإِهْمَالِ، وَضَيَاعِ الْمَخْطُوطَاتِ، وَتَقَلُّبَاتِ الزَّمَنِ. أَمَّا غِيَابُ الْجُنْدِيِّ الْفَارِسِيِّ فَلَيْسَ مُجَرَّدَ مُصَادَفَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، بَلْ نَتِيجَةَ طَرِيقَةٍ فِي كِتَابَةِ التَّارِيخِ مَنَحَتِ الْمُنْتَصِرَ حَقَّ الْكَلَامِ، وَجَعَلَتِ الْمَهْزُومَ يَظْهَرُ غَالِبًا بِوَصْفِهِ خَلْفِيَّةً لِلْمَشْهَدِ لَا طَرَفًا فِيهِ.
وَلِهَذَا لَا أَرَى أَنَّ الْفَرَاغَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ. فَالْأَوَّلُ يَدْعُونَا إِلَى التَّخَيُّلِ، أَمَّا الثَّانِي فَيَدْعُونَا إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَرْوِي بِهَا التَّارِيخَ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
رُبَّمَا يَكُونُ الْفَرْقُ أَقَلَّ مِمَّا يَبْدُو.
فَالذَّاكِرَةُ الْبَشَرِيَّةُ، أَدَبِيَّةً كَانَتْ أَمْ تَارِيخِيَّةً، لَا تَحْتَفِظُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ إِنَّهَا تَخْتَارُ. وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ سِجِلٌّ مُحَايِدٌ تَمَامًا. فَمَا ضَاعَ مِنْ سَافُو، وَمَا غَابَ عَنِ الْجُنْدِيِّ، يَكْشِفَانِ مَعًا أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ مِرْآةً، بَلْ بِنَاءٌ مُسْتَمِرٌّ.
لَكِنَّ مَا يَخْتَلِفُ هُوَ مَسْؤُولِيَّتُنَا نَحْنُ. فَأَمَامَ سَافُو قَدْ يَكُونُ الْخَيَالُ فِعْلَ وَفَاءٍ، أَمَّا أَمَامَ الْجُنْدِيِّ فَرُبَّمَا يَكُونُ السُّؤَالُ التَّارِيخِيُّ هُوَ فِعْلَ الْوَفَاءِ الْحَقِيقِيَّ. فَفِي الْحَالَتَيْنِ نُحَاوِلُ أَنْ نَمْلَأَ فَرَاغًا، لَكِنَّ الْغَايَةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ تَخْتَلِفُ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
لَفَتَنِي أَمْرٌ صَغِيرٌ فِي بِنَاءِ الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا.
فَالْجُنْدِيُّ الَّذِي يَتَحَدَّثُ مَعَ سَامِرٍ لَا يَحْمِلُ اسْمًا، لَكِنَّ رَفِيقَهُ يَحْمِلُ اسْمًا: آرَاتَا. فِي الْبِدَايَةِ ظَنَنْتُهُ تَفْصِيلًا عَابِرًا، ثُمَّ بَدَأْتُ أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ هَذَا الِاخْتِيَارُ مَقْصُودًا. فَحَتَّى الرِّوَايَةُ الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تَمْنَحَ الصَّوْتَ لِمَنْ صَمَتَ التَّارِيخُ عَنْهُ، لَا تَمْنَحُهُ اسْمًا. وَكَأَنَّ الْكَاتِبَ يُرِيدُ أَنْ يُبْقِيَهُ مُمَثِّلًا لِكُلِّ جُنْدِيٍّ مَجْهُولٍ، لَا شَخْصِيَّةً تَسْتَعِيدُ مَجْدًا فَرْدِيًّا. لَكِنِّي أَتْرُكُ هَذَا السُّؤَالَ لِلْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… سُؤَالُ الدُّكْتُورَةِ هَالَةَ يَتَّصِلُ مُبَاشَرَةً بِبِنَاءِ الرِّوَايَةِ. لِمَ بَقِيَ الْجُنْدِيُّ بِلَا اسْمٍ، بَيْنَمَا حَمَلَ رَفِيقُهُ اسْمًا وَاضِحًا؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
أَعْتَرِفُ أَنِّي لَمْ أَطْرَحْ هَذَا السُّؤَالَ عَلَى نَفْسِي أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ، وَلِذَلِكَ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُجِيبَ عَنْهُ كَمَا لَوْ أَنِّي كُنْتُ أُخَطِّطُ لَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
لَكِنِّي، وَأَنَا أَسْتَمِعُ إِلَى الْحِوَارِ الْآنَ، أَجِدُ تَفْسِيرًا يَبْدُو قَرِيبًا مِمَّا شَعَرْتُ بِهِ آنَذَاكَ. فَلَوْ مَنَحْتُ الْجُنْدِيَّ اسْمًا، لَرُبَّمَا تَحَوَّلَ فِي وَعْيِ الْقَارِئِ إِلَى بَطَلٍ فَرْدِيٍّ، بَيْنَمَا كُنْتُ أُرِيدُهُ أَنْ يَبْقَى صَوْتًا يُمَثِّلُ آلَافَ الْجُنُودِ الَّذِينَ عَبَرُوا التَّارِيخَ دُونَ أَنْ يَحْتَفِظَ أَحَدٌ بِأَسْمَائِهِمْ.
وَلَا أَدَّعِي أَنَّ هَذَا كَانَ قَرَارًا وَاعِيًا بِالْكَامِلِ. وَرُبَّمَا كَانَتْ هَذِهِ إِحْدَى اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَكْشِفُ فِيهَا الْحِوَارُ لِلْقَارِئِ، وَلِلْكَاتِبِ أَيْضًا، مَا كَانَ مُخْتَبِئًا فِي النَّصِّ.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نحن أَمَامَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْغِيَابِ: غِيَابٍ تَرَكَهُ الزَّمَنُ، وَغِيَابٍ صَنَعَهُ السَّرْدُ. وَفِي الْحَالَتَيْنِ وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا أَمَامَ السُّؤَالِ نَفْسِهِ: أَيَكُونُ مَلْءُ الْفَرَاغِ دَائِمًا وَفَاءً، أَمْ إِنَّ بَعْضَ الْفَرَاغَاتِ يَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى مَا فُقِدَ؟
وَيَبْقَى مَعَنَا سُؤَالُ الدُّكْتُورَةِ هَالَةَ: حِينَ نَمْنَحُ الْمَجْهُولَ صَوْتًا، أَيَجِبُ أَنْ نَمْنَحَهُ اسْمًا أَيْضًا، أَمْ إِنَّ مَجْهُولِيَّتَهُ جُزْءٌ مِنْ رِسَالَتِهِ؟

7
“حِينَ تُحَذِّرُ الْكَلِمَاتُ مِنْ نَفْسِهَا” الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ الْكَاهِنَةُ الْكِلْتِيَّةُ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
وَاجَهْنَا أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْغِيَابِ: غِيَابَ الِاسْمِ، وَغِيَابَ الصَّوْتِ، وَغِيَابَ الرِّوَايَةِ الَّتِي يَكْتُبُهَا الْمُنْتَصِرُ. لنَبْلُغُ سُؤَالًا أَكْثَرَ قَلَقًا: مَاذَا لَوْ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي نَسْتَخْدِمُهُ لِحِفْظِ الذَّاكِرَةِ قَادِرًا، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، عَلَى تَهْدِيدِهَا؟
هَذَا الْبَابُ يَخْتَلِفُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ؛ فَهُوَ لَا يُقَدِّمُ شَخْصِيَّةً تَحْمِلُ مَأْسَاةً فَحَسْبُ، بَلْ شَخْصِيَّةً تَحْمِلُ تَحْذِيرًا. كَاهِنَةٌ كِلْتِيَّةٌ تَقِفُ أَمَامَ سَامِرٍ لِتَقُولَ لَهُ إِنَّ الْكِتَابَةَ، رَغْمَ عَظَمَتِهَا، قَدْ تَتَحَوَّلُ أَحْيَانًا مِنْ وِعَاءٍ لِلذَّاكِرَةِ إِلَى بَدِيلٍ عَنْهَا.
وَلِهَذَا سَنَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ الْيَوْمَ لِلْفَرِيقِ كَامِلًا.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَشْعُرُ بِأَنَّ هَذَا الْبَابَ يَضَعُنَا أَمَامَ مُفَارَقَةٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا.
فَنَحْنُ الْآنَ نَجْلِسُ فِي نَدْوَةٍ تُسَجَّلُ كَلِمَاتُهَا، وَنَسْعَى إِلَى حِفْظِ نِقَاشِنَا حَوْلَ تَحْذِيرٍ مِنْ أَنَّ التَّسْجِيلَ وَالْكِتَابَةَ قَدْ يُهَدِّدَانِ الذَّاكِرَةَ الْحَيَّةَ. أَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ شَبِيهَةً بِمَا حَذَّرَ مِنْهُ أَفْلَاطُونُ فِي مُحَاوَرَتِهِ “فَايْدْرُوس”؟ فَقَدْ رَأَى أَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ وَهْمَ امْتِلَاكِ الْمَعْرِفَةِ، بَيْنَمَا تُضْعِفُ قُدْرَتَهُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ الدَّاخِلِيِّ.
وَلِهَذَا أَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَى الْجَمِيعِ: أَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النَّدْوَةُ نَفْسُهَا مِثَالًا عَلَى الْخَطَرِ الَّذِي تُحَذِّرُ مِنْهُ الْكَاهِنَةُ؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
سُؤَالُكَ يَمَسُّ جَوْهَرَ اخْتِصَاصِي يَا دُكْتُورَ بَاسِلٌ، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي الْكِتَابَةِ نَفْسِهَا، بَلْ فِي طَبِيعَةِ الْعَلَاقَةِ الَّتِي نُقِيمُهَا مَعَهَا.
فَثَمَّةَ كِتَابَةٌ تُغْلِقُ الْمَعْنَى، تُحَوِّلُ الْفِكْرَةَ إِلَى شَيْءٍ ثَابِتٍ لَا يَتَحَرَّكُ، مِثْلَ السِّجِلِّ الَّذِي يَحْفَظُ الْمَعْلُومَةَ لَكِنَّهُ لَا يَسْمَحُ لَهَا بِأَنْ تَتَنَفَّسَ. وَثَمَّةَ كِتَابَةٌ أُخْرَى لَا تَدَّعِي أَنَّهَا بَدِيلٌ عَنِ الْحَيَاةِ، بَلْ تَبْقَى مَفْتُوحَةً عَلَى الْحِوَارِ وَالتَّأْوِيلِ. وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الْفَرْقَ.
فَالنَّدْوَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَا تُحَاوِلُ تَجْمِيدَ الرِّوَايَةِ دَاخِلَ تَفْسِيرٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَقُومُ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالْأَسْئِلَةِ وَالِاعْتِرَاضَاتِ. إِنَّهَا لَا تَسْتَبْدِلُ الْحِوَارَ الشَّفَهِيَّ، بَلْ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْفَظَ شَيْئًا مِنْ رُوحِهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أَوَدُّ أَنْ أُضِيفَ زَاوِيَةً عِلْمِيَّةً إِلَى هَذَا النِّقَاشِ.
فَثَمَّةَ مَا يُعْرَفُ فِي عِلْمِ الذَّاكِرَةِ بِـ”تَأْثِيرِ غُوغِلَ”، حَيْثُ تُشِيرُ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ، حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْلُومَةَ مَحْفُوظَةٌ خَارِجِيًّا، قَدْ يَقِلُّ اعْتِمَادُهُ عَلَى تَخْزِينِهَا دَاخِلِيًّا. وَهَذَا يَطْرَحُ سُؤَالًا حَسَّاسًا: حِينَ نُوَثِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَحْفَظُ الْمَعْرِفَةَ فِعْلًا؟ أَمْ إِنَّنَا أَحْيَانًا نُدَرِّبُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَلَّا نَحْمِلَهَا دَاخِلَنَا؟
وَهَذَا السُّؤَالُ يَخُصُّ هَذِهِ النَّدْوَةَ تَحْدِيدًا. أَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ قَارِئٌ مُسْتَقْبَلِيٌّ يَعْتَمِدُ عَلَى هَذَا الْحِوَارِ وَالتَّحْلِيلِ، بَدَلَ أَنْ يَدْخُلَ بِنَفْسِهِ إِلَى تَجْرِبَةِ الرِّوَايَةِ الْأَصْلِيَّةِ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أَرَى أَنَّ الْخَطَرَ مَوْجُودٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ جَدِيدًا. فَالْإِنْسَانُ وَاجَهَ هَذِهِ الْمُفَارَقَةَ مُنْذُ بِدَايَةِ التَّدْوِينِ.
لَكِنْ عَلَيْنَا أَلَّا نَقَعَ فِي خَطَأِ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالشَّفَاهِيَّةِ وَكَأَنَّ إِحْدَاهُمَا كَامِلَةٌ وَالْأُخْرَى نَاقِصَةٌ. فَحَتَّى الذَّاكِرَةُ الشَّفَهِيَّةُ تَمُوتُ، وَقَدْ تَضِيعُ حَضَارَاتٌ كَامِلَةٌ حِينَ يَرْحَلُ آخِرُ مَنْ يَحْمِلُونَهَا. وَهَذَا مَا حَدَثَ جُزْئِيًّا مَعَ الْكَهَنَةِ الْكِلْتِيِّينَ الَّذِينَ اعْتَمَدُوا النَّقْلَ الشَّفَهِيَّ، فَاخْتَفَتْ أَجْزَاءٌ وَاسِعَةٌ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ.
لِذَلِكَ لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ سُؤَالَ الْكَاهِنَةِ هُوَ: “أَنَكْتُبُ أَمْ لَا نَكْتُبُ؟”، بَلِ السُّؤَالَ الْأَعْمَقَ: “لِمَاذَا نَكْتُبُ؟” أَنَكْتُبُ لِأَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَهْرُبَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّذَكُّرِ؟ أَمْ نَكْتُبُ لِأَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَمْنَحَ مَا نُحِبُّ فُرْصَةً أُخْرَى لِلْبَقَاءِ؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… سَأُغَيِّرُ صِيغَةَ السُّؤَالِ هَذِهِ الْمَرَّةَ. لَنْ أَسْأَلَكَ عَنِ الْكَاهِنَةِ أَوْ عَنِ الرِّوَايَةِ، بَلْ عَنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا. نَحْنُ الْآنَ نُوَثِّقُ هَذِهِ النَّدْوَةَ كَلِمَةً كَلِمَةً. أَتَشْعُرُ بِأَنَّنَا نَقْتَرِبُ مِنَ الْخَطَرِ الَّذِي حَذَّرَتْ مِنْهُ الشَّخْصِيَّةُ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
أَشْعُرُ بِهَذَا السُّؤَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ أَكْتُبُ فِيهَا، وَلَيْسَ فَقَطْ فِي هَذِهِ النَّدْوَةِ. فَالْكَاتِبُ يَعِيشُ دَائِمًا بَيْنَ خَوْفَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ: الْخَوْفِ مِنْ أَنْ تَضِيعَ التَّجْرِبَةُ إِنْ لَمْ يَكْتُبْهَا، وَالْخَوْفِ مِنْ أَنْ تَفْقِدَ شَيْئًا مِنْ حَيَاتِهَا حِينَ يُحَوِّلُهَا إِلَى كَلِمَاتٍ.
فَكُلُّ جُمْلَةٍ أَكْتُبُهَا هِيَ سُؤَالٌ: أَأَحْفَظُ شَيْئًا حَيًّا؟ أَمْ أُحَوِّلُهُ إِلَى أَثَرٍ جَمِيلٍ لَكِنَّهُ بِلَا نَبْضٍ؟ وَلَا أَمْلِكُ جَوَابًا نِهَائِيًّا.
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ أَصْرَرْتُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النَّدْوَةُ حِوَارًا لَا مُحَاضَرَةً؛ لِأَنَّ الْحِوَارَ، بِمَا يَحْمِلُهُ مِنِ اخْتِلَافٍ وَتَرَدُّدٍ وَمُرَاجَعَةٍ، يَحْتَفِظُ بِشَيْءٍ مِنْ حَرَكَةِ الْحَيَاةِ. فَالْكِتَابَةُ الَّتِي تَخْشَى مَوْتَ الذَّاكِرَةِ يَجِبُ أَلَّا تَقْتُلَ الْحَرَكَةَ دَاخِلَهَا.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
رُبَّمَا كَانَ أَجْمَلُ مَا خَرَجْنَا بِهِ أَنَّنَا لَمْ نَصِلْ إِلَى حُكْمٍ نِهَائِيٍّ. فَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ خَلَاصًا مُطْلَقًا، وَلَيْسَتْ خَطَرًا مُطْلَقًا؛ إِنَّهَا أَدَاةٌ تَحْمِلُ الْوَجْهَيْنِ مَعًا. قَدْ تَحْفَظُ الذَّاكِرَةَ، وَقَدْ تَسْتَبْدِلُهَا؛ وَقَدْ تَمْنَحُ الصَّوْتَ فُرْصَةً لِلْبَقَاءِ، وَقَدْ تُحَوِّلُهُ إِلَى شَيْءٍ جَامِدٍ إِذَا فَقَدَ عَلَاقَتَهُ بِالْحَيَاةِ.
وَلِهَذَا نَتْرُكُ الْحَالَ مَفْتُوحَةً عَلَى سُؤَالِ الْكَاهِنَةِ: حِينَ نَحْفَظُ الذِّكْرَى بِالْكَلِمَاتِ… أَنَحْفَظُهَا حَقًّا، أَمْ نَحْفَظُ فَقَطْ صُورَتَهَا؟

8
“مَا يَبْقَى حِينَ تَضِيعُ الْكَلِمَةُ”

الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ: الطِّفْلُ الرُّومَانِيُّ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
كُنا قد وَاجَهْنَا سُؤَالَ الْكِتَابَةِ وَالذَّاكِرَةِ، وَسَأَلْنَا: أَتَسْتَطِيعُ الْكَلِمَاتُ أَنْ تَحْفَظَ مَا نَخْشَى فُقْدَانَهُ؟ أَمَّا الآن فَنَنْتَقِلُ إِلَى سُؤَالٍ أَكْثَرَ حَمِيمِيَّةً: مَاذَا يَبْقَى حِينَ تَضِيعُ الْكَلِمَاتُ نَفْسُهَا؟
هَذَا الْبَابُ لَا يَحْمِلُ إِمْبَرَاطُورًا، وَلَا فَيْلَسُوفًا، وَلَا شَخْصِيَّةً صَنَعَتِ التَّارِيخَ؛ إِنَّهُ يَحْمِلُ طِفْلًا فَقَطْ. مَارْكُوس، طِفْلٌ فِي الثَّامِنَةِ، عَبْدٌ صَغِيرٌ فَقَدَ أُمَّهُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا لَحْنُ أُغْنِيَةٍ لَا يَفْهَمُ مُعْظَمَ كَلِمَاتِهَا. لَكِنْ رُبَّمَا كَانَ هَذَا اللَّحْنُ وَحْدَهُ يَحْمِلُ مَا عَجَزَتِ اللُّغَةُ عَنْ حَمْلِهِ.
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أَوَدُّ أَنْ أَبْدَأَ مِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي يَقُولُهَا مَارْكُوس: “الْعُبُودِيَّةُ تُجْبِرُكَ أَنْ تَكْبَرَ سَرِيعًا.”
هَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ أَدَبِيَّةٍ. فَفِي عِلْمِ النَّفْسِ الْحَدِيثِ نَعْرِفُ مَفْهُومًا قَرِيبًا مِنْهَا هُوَ “النُّضْجُ الْقَسْرِيُّ”، حَيْثُ يُضْطَرُّ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي ظُرُوفٍ صَادِمَةٍ إِلَى تَحَمُّلِ أَدْوَارٍ وَمَسْؤُولِيَّاتٍ تَفُوقُ أَعْمَارَهُمْ.
لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا عَلَى الدُّكْتُورَةِ لُبْنَى: أَيُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ هَذَا النَّمَطَ النَّفْسِيَّ كَانَ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ لَدَى أَطْفَالِ الْعَبِيدِ الرُّومَانِ، أَمْ إِنَّنَا نَسْتَخْدِمُ فَهْمًا نَفْسِيًّا مُعَاصِرًا لِقِرَاءَةِ تَجْرِبَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُغَايِرَةٍ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
سُؤَالٌ مُهِمٌّ جِدًّا، وَرُبَّمَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ حَذِرِينَ فِي الْإِجَابَةِ عَنْهُ.
فَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ شَهَادَاتٍ مُبَاشِرَةً مِنْ أَطْفَالِ الْعَبِيدِ الرُّومَانِ عَنْ مَشَاعِرِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ. فَالْمَصَادِرُ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا كَتَبَهَا غَالِبًا الْأَحْرَارُ، أَوْ أَصْحَابُ السُّلْطَةِ، أَوْ مُؤَرِّخُونَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ. لَكِنَّنَا نَمْلِكُ حَقَائِقَ تَارِيخِيَّةً وَاضِحَةً: كَانَ فَصْلُ الْأَطْفَالِ عَنْ أُمَّهَاتِهِمْ مُمْكِنًا، وَكَانَ الْعَمَلُ الْقَسْرِيُّ الْمُبَكِّرُ وَاقِعًا، وَكَانَ فُقْدَانُ الْأَمَانِ الْعَائِلِيِّ جُزْءًا مِنْ نِظَامِ الْعُبُودِيَّةِ.
لِذَلِكَ يُمْكِنُ لِلْأَدَبِ أَنْ يَتَخَيَّلَ التَّجْرِبَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ خَلْفَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ، لَكِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ يَمْتَلِكُ وَثِيقَةً نَفْسِيَّةً مُبَاشِرَةً عَنْهَا. وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الرِّوَايَةِ: إِنَّهَا لَا تُقَدِّمُ تَقْرِيرًا تَارِيخِيًّا، بَلْ تُحَاوِلُ أَنْ تَمْنَحَ الْغَائِبَ وَجْهًا إِنْسَانِيًّا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
أَشْعُرُ بِأَنَّ النِّقَاشَ يَأْخُذُنَا إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ.
فَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ طِفْلٍ فَقَدَ الْكَلِمَاتِ، لَكِنَّهُ احْتَفَظَ بِاللَّحْنِ. وَهَذَا لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ ظَوَاهِرَ نَرَاهَا حَتَّى الْيَوْمَ. فَكَثِيرٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، أَوْ أَحْفَادِ الشُّعُوبِ الَّتِي فَقَدَتْ لُغَاتِهَا، يَحْمِلُونَ أَحْيَانًا أَثَرَ اللُّغَةِ الْأُولَى: إِيقَاعَهَا، وَنَبْرَتَهَا، وَبَعْضَ أَصْوَاتِهَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعُودُوا قَادِرِينَ عَلَى فَهْمِهَا كَامِلَةً. وَكَأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَخْتَفِي تَمَامًا، بَلْ تَتَحَوَّلُ مِنْ مَعْنًى إِلَى مُوسِيقَى.
وَلِهَذَا أَطْرَحُ سُؤَالًا عَلَى الْجَمِيعِ: أَلَيْسَ هَذَا شَبِيهًا بِمَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ الْآنَ مَعَ رِوَايَةِ الْأُسْتَاذِ نُعْمَانَ؟ نُحَاوِلُ فَهْمَ الْكَلِمَاتِ، لَكِنَّنَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ نُحَاوِلُ الْإِمْسَاكَ بِاللَّحْنِ الْأَعْمَقِ لِلنَّصِّ.
الدُّكْتُورُ فَادِي:
هَذِهِ مُلَاحَظَةٌ تَفْتَحُ بَابًا وَاسِعًا، وَرُبَّمَا تَجْعَلُ هَذَا الْفَصْلَ مِرْآةً لِعَلَاقَةِ الْقَارِئِ بِأَيِّ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ مُتَرْجَمٍ.
وَالْأُسْتَاذُ نُعْمَانُ يَعْرِفُ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ. فَحِينَ تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى، لَا تَنْتَقِلُ الْكَلِمَاتُ وَحْدَهَا؛ ثَمَّةَ شَيْءٌ آخَرُ: الْإِيقَاعُ، وَالْمِزَاجُ، وَالصُّورَةُ الدَّاخِلِيَّةُ، وَالْمُوسِيقَى الْخَفِيَّةُ لِلْجُمْلَةِ. لَكِنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَبْقَى دَائِمًا خَارِجَ قُدْرَةِ التَّرْجَمَةِ الْكَامِلَةِ.
فَالْقَارِئُ فِي لُغَةٍ أُخْرَى يَحْصُلُ عَلَى لَحْنِ الرِّوَايَةِ، حَتَّى لَوْ فَقَدَ بَعْضَ كَلِمَاتِهَا الْأَصْلِيَّةِ. وَهَذَا لَيْسَ نَقْصًا فِي التَّرْجَمَةِ بِقَدْرِ مَا هُوَ طَبِيعَةُ كُلِّ عُبُورٍ بَيْنَ اللُّغَاتِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… رُبَّمَا يَقْتَرِبُ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ تَجْرِبَتِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ سُؤَالٍ سَابِقٍ. حِينَ تُتَرْجَمُ أَعْمَالُكَ إِلَى لُغَاتٍ أُخْرَى، أَتَشْعُرُ بِأَنَّكَ تَمُرُّ بِالتَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا الَّتِي عَاشَهَا مَارْكُوس؟ أَتُسَلِّمُ اللَّحْنَ، وَتَقْبَلُ أَنْ تَضِيعَ بَعْضُ الْكَلِمَاتِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
نَعَمْ. وَهَذَا سُؤَالٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّوَايَةِ فَقَطْ، بَلْ بِتَجْرِبَتِي الطَّوِيلَةِ مَعَ التَّرْجَمَةِ.
كُلَّمَا رَاجَعْتُ نَصًّا مُتَرْجَمًا، أَشْعُرُ بِأَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا مِنَ الرُّوحِ الْأَصْلِيَّةِ يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ اللُّغَةِ: التَّشْكِيلُ الْعَرَبِيُّ، وَإِيقَاعُ الْجُمْلَةِ، وَبَعْضُ الظِّلَالِ الصَّوْتِيَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا بِالْكَامِلِ. فِي الْبِدَايَةِ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ يُؤْلِمُنِي؛ كُنْتُ أَشْعُرُ وَكَأَنِّي أَفْقِدُ جُزْءًا مِنَ النَّصِّ حِينَ يَعْبُرُ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى.
لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ مَعَ الْوَقْتِ، وَمَعَ الْعَمَلِ مَعَ فِرَقِ الْمُرَاجَعَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالِاسْتِشَارِيَّةِ، أَنْ أَثِقَ بِشَيْءٍ آخَرَ: أَنَّ النَّصَّ الصَّادِقَ يَحْمِلُ دَاخِلَهُ لَحْنًا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ، حَتَّى حِينَ تَتَغَيَّرُ الْكَلِمَاتُ. فَالطِّفْلُ مَارْكُوس لَمْ يَحْتَفِظْ بِأُغْنِيَةِ أُمِّهِ لِأَنَّهُ فَهِمَ كُلَّ مُفْرَدَاتِهَا، بَلْ لِأَنَّهُ احْتَفَظَ بِمَا هُوَ أَعْمَقُ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ.
وَهَكَذَا هِيَ التَّرْجَمَةُ أَحْيَانًا: لَا تَنْقُلُ النَّهْرَ كَمَا هُوَ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ مَائِهِ إِلَى ضَفَّةٍ أُخْرَى.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
الْيَوْمَ وَجَدْنَا رَابِطًا لَمْ يَكُنْ مُخَطَّطًا لَهُ بَيْنَ طِفْلٍ عَاشَ قَبْلَ أَلْفَيْ عَامٍ، وَكَاتِبٍ مُعَاصِرٍ يُحَاوِلُ عُبُورَ اللُّغَاتِ. كِلَاهُمَا يَحْمِلُ أَثَرًا مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُ: مَارْكُوس يَحْمِلُ لَحْنَ أُمِّهِ، وَالْكَاتِبُ يَحْمِلُ رُوحَ نَصِّهِ عَبْرَ مُتَرْجِمِينَ وَقُرَّاءَ جُدُدٍ.
وَرُبَّمَا يَكُونُ السُّؤَالُ الَّذِي يَبْقَى مَعَنَا: أَتَكْمُنُ الْقِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلْكَلِمَةِ فِي مَعْنَاهَا فَقَطْ، أَمْ فِي الْأَثَرِ الَّذِي تَتْرُكُهُ بَعْدَ أَنْ تَضِيعَ الْكَلِمَاتُ؟
سنَنْتَقِلُ إِلَى الْبَابَيْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالتَّاسِعَ عَشَرَ: الْفَيْلَسُوفِ الصِّينِيِّ – الْمَرْأَةِ الْمَايَا، حَيْثُ سَنُوَاجِهُ سُؤَالًا جَدِيدًا: أَتُنْقَلُ الْحِكْمَةُ كَمَا هِيَ؟ أَمْ إِنَّ كُلَّ جِيلٍ يُعِيدُ بِنَاءَ الْمَعْنَى مِنْ جَدِيدٍ؟

9
“مَعْنًى يُبْنَى… لَا يُكْتَشَفُ”
الْبَابَانِ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالتَّاسِعَ عَشَرَ: الْفَيْلَسُوفُ الصِّينِيُّ – الْمَرْأَةُ الْمَايَا
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
اقْتَرَبْنَا مِنْ سُؤَالِ الذَّاكِرَةِ مِنْ زَوَايَا مُتَعَدِّدَةٍ؛ رَأَيْنَا كَيْفَ يَبْقَى الْأَثَرُ بَعْدَ غِيَابِ صَاحِبِهِ، وَكَيْفَ تَعِيشُ الرُّوحُ أَحْيَانًا فِي لَحْنٍ لَا فِي كَلِمَاتٍ. وَالْيَوْمَ نَبْلُغُ سُؤَالًا مُغَايِرًا: أَيَكُونُ الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي الْأَشْيَاءِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟ أَمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الَّذِي يَبْنِيهِ حِينَ يُوَاجِهُ الْعَالَمَ؟
نَلْتَقِي الْيَوْمَ مَعَ شَخْصِيَّتَيْنِ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا آلَافُ السِّنِينَ وَآلَافُ الْكِيلُومِتْرَاتِ. فَيْلَسُوفٌ صِينِيٌّ يَتَحَدَّثُ عَنْ تَقْلِيدٍ لَا يَبْقَى حَيًّا إِلَّا إِذَا تَجَدَّدَ فِي كُلِّ جِيلٍ، وَامْرَأَةٌ مِنْ حَضَارَةِ الْمَايَا تَرَى أَنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُرُورٍ لِلْأَيَّامِ، بَلْ بِنَاءً مُسْتَمِرًّا لِلْمَعْنَى. ثَقَافَتَانِ لَمْ تَلْتَقِيَا تَارِيخِيًّا، لَكِنَّهُمَا تَلْتَقِيَانِ فِي حَدْسٍ وَاحِدٍ: الْمَعْنَى لَيْسَ دَائِمًا شَيْئًا نَكْتَشِفُهُ… بَلْ شَيْئًا نُشَارِكُ فِي صُنْعِهِ.
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ:
سَأَبْدَأُ مِنْ زَاوِيَةٍ رُبَّمَا تَبْدُو بَعِيدَةً عَنِ الْفَلْسَفَةِ. حِينَ قَرَأْتُ بَابَ الْمَرْأَةِ الْمَايَا، لَفَتَنِي نِظَامُ التَّقْوِيمِ الْمُزْدَوَجِ لَدَيْهَا: لَدَيْنَا “تْسُولْكِين” الْمُقَدَّسُ ذُو الْمِئَتَيْنِ وَالسِّتِّينَ يَوْمًا، وَ”هَابْ” الشَّمْسِيُّ ذُو الثَّلَاثِمِئَةِ وَالْخَمْسَةِ وَالسِّتِّينَ يَوْمًا، وَلَا يَلْتَقِي الدَّوْرَانِ إِلَّا بَعْدَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ عَامًا. إِنَّهُ نِظَامٌ رِيَاضِيٌّ شَدِيدُ الدِّقَّةِ.
لَكِنِّي أَطْرَحُ سُؤَالًا عَلَى الدُّكْتُورَةِ لُبْنَى: أَلَيْسَ مِنَ الْمُفَارَقَةِ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ زَمَنٍ دَائِرِيٍّ مِنْ خِلَالِ نِظَامٍ حِسَابِيٍّ يَقُومُ عَلَى قَوَانِينَ دَقِيقَةٍ وَخُطُوَاتٍ مُحَدَّدَةٍ؟ أَتَكُونُ الدَّائِرِيَّةُ هُنَا حَقِيقَةً رِيَاضِيَّةً، أَمْ تَأْوِيلًا شِعْرِيًّا أَضَافَهُ الْإِنْسَانُ إِلَى الْأَرْقَامِ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
سُؤَالٌ جَمِيلٌ يَا دُكْتُورَ كَرِيمٌ، لَكِنِّي أَرَى الْأَمْرَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُغَايِرَةٍ.
فَالدِّقَّةُ الرِّيَاضِيَّةُ لَا تُلْغِي الْمَعْنَى الرَّمْزِيَّ، بَلْ تَمْنَحُهُ أَسَاسًا. فَالْمَايَا لَمْ يَقُولُوا فَقَطْ إِنَّ الزَّمَنَ يُشْبِهُ دَائِرَةً كَصُورَةٍ شِعْرِيَّةٍ، بَلْ بَنَوْا نِظَامًا حِسَابِيًّا يَجْعَلُ فِكْرَةَ الْعَوْدَةِ جُزْءًا مِنْ تَجْرِبَتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ. فَالزَّمَنُ عِنْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ عَقَارِبَ تَتَحَرَّكُ إِلَى الْأَمَامِ، بَلْ كَانَ يَحْمِلُ فِكْرَةَ التَّجَدُّدِ؛ أَنَّ الدَّوْرَةَ الْجَدِيدَةَ لَيْسَتْ تَكْرَارًا آلِيًّا لِمَا سَبَقَ، بَلْ فُرْصَةً جَدِيدَةً لِلْحُضُورِ.
وَهُنَا تُصْبِحُ الرِّيَاضِيَّاتُ لُغَةً تَمْنَحُ الْفِكْرَةَ جَسَدًا، لَا عَائِقًا أَمَامَهَا.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا يَقُودُنَا مُبَاشَرَةً إِلَى الْبَابِ الْآخَرِ: الْفَيْلَسُوفِ الصِّينِيِّ.
فَالْمَسْأَلَةُ نَفْسُهَا تَظْهَرُ فِي مَفْهُومِ “التَّقْلِيدِ الْحَيِّ”. فَالتَّقْلِيدُ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ مَيِّتٍ إِذَا أَصْبَحَ مُجَرَّدَ تَكْرَارٍ، وَقَدْ يَبْقَى حَيًّا إِذَا أَعَادَ الْإِنْسَانُ اكْتِشَافَ مَعْنَاهُ فِي كُلِّ زَمَنٍ. وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى نِظَامِ الْمَايَا أَيْضًا؛ فَالتَّقْوِيمُ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ مُجَرَّدَ حِسَابٍ لِلْأَيَّامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَرِيقَةً لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ.
فَالْأَرْقَامُ وَحْدَهَا لَا تَصْنَعُ الْمَعْنَى، وَالطُّقُوسُ وَحْدَهَا لَا تَصْنَعُ الْمَعْنَى؛ الْإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي يَمْنَحُهَا الْحَيَاةَ أَوْ يُحَوِّلُهَا إِلَى قِشْرَةٍ فَارِغَةٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا أَكْثَرَ صُعُوبَةً.
فَفِي هَذَا الْبَابِ، تُحَذِّرُ الْمَرْأَةُ الْمَايَا مِنَ الْبَحْثِ الْمُفْرِطِ عَنِ الْمَعْنَى، حِينَ يَتَحَوَّلُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلْهُرُوبِ مِنَ الْأَلَمِ. لَكِنَّنَا نَقُولُ الْآنَ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَبْنِي الْمَعْنَى. أَلَيْسَ ثَمَّةَ تَنَاقُضٌ؟ فَإِنْ كَانَ بِنَاءُ الْمَعْنَى فِعْلًا إِيجَابِيًّا، فَكَيْفَ نُفَرِّقُهُ عَنِ الْهُرُوبِ الَّذِي تُحَذِّرُ مِنْهُ الشَّخْصِيَّةُ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
سُؤَالٌ صَعْبٌ، وَلَا أَمْلِكُ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً عَنْهُ. لَكِنْ رُبَّمَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ فِي الْعَلَاقَةِ مَعَ الْأَلَمِ.
فَثَمَّةَ مَنْ يَصْنَعُ مَعْنًى بِسُرْعَةٍ حَتَّى لَا يَضْطَرَّ إِلَى مُوَاجَهَةِ الْجُرْحِ، وَثَمَّةَ مَنْ يَعِيشُ الْأَلَمَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ. فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى يُصْبِحُ الْمَعْنَى سِتَارًا، وَفِي الثَّانِيَةِ يُصْبِحُ ثَمَرَةً. لَكِنِّي أَعْتَرِفُ أَنَّ الْحَدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ دَقِيقٌ جِدًّا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… لَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ حَلَّ الْخِلَافِ الْفَلْسَفِيِّ، بَلْ سَأَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَيْكَ شَخْصِيًّا: حِينَ كَتَبْتَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، أَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءً لِلْمَعْنَى هَرَبًا مِنَ الْأَلَمِ؟ أَمْ بِنَاءً لِمَعْنًى جَاءَ بَعْدَ مُوَاجَهَةِ الْأَلَمِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
أَعْتَقِدُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَادِرًا عَلَى كِتَابَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي اللَّحْظَةِ الْأُولَى مِنَ الْأَلَمِ.
فَفِي السَّنَوَاتِ الْأُولَى يَكُونُ الْأَلَمُ قَرِيبًا جِدًّا، حَيًّا أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ، بِحَيْثُ لَا يَسْمَحُ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنَ الْخَارِجِ. انْتَظَرْتُ سَنَوَاتٍ، لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ بِقَرَارٍ وَاعٍ، لَكِنِّي شَعَرْتُ لَاحِقًا أَنِّي لَمْ أَعُدْ أَكْتُبُ لِأَهْرُبَ مِنَ الْفَرَاغِ، بَلْ لِأَنَّ الْفَرَاغَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ تَجْرِبَتِي، وَيُمْكِنُنِي أَنْ أُحَاوِرَهُ.
وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ الْفَرْقُ الَّذِي حَاوَلَ الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ وَصْفَهُ: أَنْ تَبْنِيَ مَعْنًى لِأَنَّكَ تَخْشَى الْفَرَاغَ شَيْءٌ، وَأَنْ تَبْنِيَ مَعْنًى لِأَنَّكَ تَعَلَّمْتَ أَنْ تَعِيشَ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
خَرَجْنَا مِنْ سُؤَالٍ بَسِيطٍ فِي ظَاهِرِهِ: كَيْفَ نَجِدُ الْمَعْنَى؟ إِلَى سُؤَالٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا: مَتَى يَكُونُ بَحْثُنَا عَنِ الْمَعْنَى شَجَاعَةً، وَمَتَى يَكُونُ هُرُوبًا؟
رُبَّمَا لَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ فِي الْمَعْنَى نَفْسِهِ، بَلْ فِي الْعَلَاقَةِ الَّتِي تَرْبِطُنَا بِهِ. فَالْمَعْنَى الَّذِي يُسْتَخْدَمُ لِلْهُرُوبِ يُغْلِقُ الْجُرْحَ، أَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي يَتَوَلَّدُ بَعْدَ مُوَاجَهَةِ الْجُرْحِ، فَقَدْ يُحَوِّلُهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ.
وَيَبْقَى مَعَنَا سُؤَالُ: أَيَكْتَشِفُ الْإِنْسَانُ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا، أَمْ يَبْنِي الْمَعْنَى الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَيْ يَسْتَمِرَّ؟

10
“شَبَكَةٌ لَا تَحْكُمُ عَلَى مَا تَنْقُلُهُ… وَتَحَرُّرٌ لَا يُلْغِي الذَّاكِرَةَ”
الْبَابَانِ الْعِشْرُونَ وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الرَّجُلُ الْفِينِيقِيُّ – الرَّاهِبُ الْبُوذِيُّ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
كنا قد وَاجَهْنَا سُؤَالَ بِنَاءِ الْمَعْنَى. وَسَنَنْتَقِلُ إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ: مَاذَا نَفْعَلُ بِالْمَعْنَى حِينَ يُصْبِحُ أَدَاةً تَنْتَقِلُ بَيْنَ الْبَشَرِ؟
نَلْتَقِي الْيَوْمَ مَعَ شَخْصِيَّتَيْنِ تَبْدُوَانِ بَعِيدَتَيْنِ لِلْغَايَةِ. رَجُلٌ فِينِيقِيٌّ يَرَى الْأَبْجَدِيَّةَ شَبَكَةً تَنْتَشِرُ بَيْنَ الشُّعُوبِ، تَحْمِلُ الْمَعْرِفَةَ وَالتِّجَارَةَ وَالْأَفْكَارَ؛ وَرَاهِبٌ بُوذِيٌّ يُعَلِّمُ سَامِرًا أَنَّ التَّحَرُّرَ لَا يَعْنِي مَحْوَ الْمَاضِي، بَلِ التَّحَرُّرَ مِنَ الْأَسْرِ الَّذِي قَدْ يَفْرِضُهُ الْمَاضِي عَلَيْنَا.
وَبَيْنَهُمَا سُؤَالٌ مُشْتَرَكٌ: أَتَكُونُ الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَنْتَقِلُ بَيْنَ الْبَشَرِ مَسْؤُولَةً عَنْ أَثَرِهَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْتَفِظَ بِالذَّاكِرَةِ دُونَ أَنْ يُصْبِحَ سَجِينًا لَهَا؟
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ:
سَأَبْدَأُ مِنْ زَاوِيَةٍ قَدْ تَبْدُو بَعِيدَةً عَنِ التَّارِيخِ وَالْفَلْسَفَةِ.
حِينَ قَرَأْتُ حَدِيثَ حَنُّونَ عَنِ الْأَبْجَدِيَّةِ بِوَصْفِهَا شَبَكَةً تَنْقُلُ الْأَفْكَارَ، تَذَكَّرْتُ مَفْهُومًا فِي عِلْمِ الشَّبَكَاتِ يُسَمَّى “الْقَنَاةَ الْمُحَايِدَةَ”، أَيِ الْبِنْيَةَ الَّتِي تَسْمَحُ بِمُرُورِ الْمَعْلُومَاتِ دُونَ أَنْ تُغَيِّرَ مَضْمُونَهَا. فَالشَّبَكَةُ لَا تَمْلِكُ أَخْلَاقًا خَاصَّةً بِهَا؛ إِنَّهَا تَنْقُلُ مَا يَمُرُّ عَبْرَهَا فَحَسْبُ.
لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا عَلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ: أَيُمْكِنُ لِبِنْيَةٍ مَا أَنْ تَكُونَ مُحَايِدَةً فِعْلًا؟ أَمْ إِنَّ مُجَرَّدَ تَصْمِيمِ الشَّبَكَةِ — مَنْ يَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ إِلَيْهَا، وَمَنْ يُسْتَبْعَدُ مِنْهَا — يَجْعَلُهَا تَحْمِلُ مَوْقِفًا أَخْلَاقِيًّا مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَضَعُ يَدَنَا عَلَى نُقْطَةِ ضَعْفٍ مُهِمَّةٍ فِي فِكْرَةِ حَنُّونَ.
فَالْأَبْجَدِيَّةُ الْفِينِيقِيَّةُ لَمْ تَنْتَشِرْ فِي فَرَاغٍ؛ انْتَشَرَتْ عَبْرَ طُرُقٍ تِجَارِيَّةٍ وَقُوًى بَحْرِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ كَانَتْ تَمْلِكُ وَسَائِلَ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِشَارِ. لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ إِنَّ الشَّبَكَةَ مُحَايِدَةٌ يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةٍ. قَدْ تَكُونُ مُحَايِدَةً فِي طَرِيقَةِ نَقْلِهَا لِلْمُحْتَوَى، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ مُحَايِدَةً فِي شُرُوطِ وُجُودِهَا. مَنْ يَمْلِكُ السُّفُنَ؟ مَنْ يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْوُصُولِ؟ مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ تَعْرِيفِ الْمَعْرِفَةِ وَنَشْرِهَا؟
رُبَّمَا يَكُونُ الْحِيَادُ الْكَامِلُ مُسْتَحِيلًا. لَكِنَّ السُّؤَالَ يُصْبِحُ: كَيْفَ نَسْتَخْدِمُ شَبَكَةً غَيْرَ كَامِلَةٍ بِطَرِيقَةٍ أَكْثَرَ وَعْيًا؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أَجِدُ أَنَّ الْبَابَ الْآخَرَ يُقَدِّمُ إِجَابَةً جُزْئِيَّةً لِهَذَا الْإِشْكَالِ.
فَالرَّاهِبُ الْبُوذِيُّ لَا يَقُولُ لِسَامِرٍ: تَخَلَّ عَنْ ذَاكِرَتِكَ. وَلَا يَقُولُ لَهُ: اقْطَعْ عَلَاقَتَكَ بِالْمَاضِي. بَلْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَاقَتَهُ بِهَا. وَرُبَّمَا هُنَا يَكْمُنُ الرَّابِطُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
فَنَحْنُ لَا نَحْتَاجُ إِلَى انْتِظَارِ وُجُودِ شَبَكَةٍ مِثَالِيَّةٍ وَمُحَايِدَةٍ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ لَا يَحْدُثُ أَبَدًا؛ بَلْ نَحْتَاجُ إِلَى وَعْيِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ يَسْتَخْدِمُ الشَّبَكَاتِ الْمَوْجُودَةَ. فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي الْأَدَاةِ، بَلْ فِي التَّعَلُّقِ الْأَعْمَى بِهَا أَوِ اسْتِخْدَامِهَا دُونَ مَسْؤُولِيَّةٍ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
أَوَدُّ أَنْ أُشِيرَ إِلَى رَابِطٍ لُغَوِيٍّ بَيْنَ الْبَابَيْنِ لَفَتَ انْتِبَاهِي.
فَكِلَاهُمَا يَسْتَخْدِمُ فِكْرَةَ التَّحَوُّلِ. حَنُّونٌ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَفْكَارِ وَهِيَ تَنْتَقِلُ عَبْرَ شَبَكَةٍ مِنَ الْعَلَاقَاتِ، وَالرَّاهِبُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الثَّلْجِ الَّذِي يَذُوبُ وَيَتَغَيَّرُ شَكْلُهُ دُونَ أَنْ يَخْتَفِيَ جَوْهَرُهُ. فَفِي الْحَالَتَيْنِ ثَمَّةَ فِكْرَةٌ وَاحِدَةٌ: التَّحَوُّلُ لَا يَعْنِي الْفَنَاءَ.
وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالٌ لِلْكَاتِبِ: أَكَانَتِ اسْتِعَارَةُ التَّحَوُّلِ حَاضِرَةً فِي وَعْيِكَ أَثْنَاءَ بِنَاءِ الرِّوَايَةِ؟ أَمْ إِنَّكَ اكْتَشَفْتَهَا لَاحِقًا، كَمَا اكْتَشَفَهَا الْفَرِيقُ الْآنَ؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… السُّؤَالُ مُوَجَّهٌ إِلَيْكَ مُبَاشَرَةً. أَكُنْتَ تُتَابِعُ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ عَبْرَ الْأَبْوَابِ الْمُخْتَلِفَةِ، أَمْ إِنَّهَا ظَهَرَتْ لَكَ بَعْدَ اكْتِمَالِ الْعَمَلِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
أَعْتَرِفُ أَنِّي اكْتَشَفْتُهَا مُتَأَخِّرًا.
لَمْ أَكُنْ أَكْتُبُ الرِّوَايَةَ وَأَنَا أَحْمِلُ خَرِيطَةً لِلِاسْتِعَارَاتِ أَوْ قَائِمَةً بِالْكَلِمَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ. لَكِنْ أَثْنَاءَ مُرَاجَعَةِ الْعَمَلِ كَامِلًا فِي مَرْحَلَةِ التَّنْقِيحِ مَعَ الدُّكْتُورَةِ خُلُودَ، لَاحَظْنَا أَنَّ كَلِمَاتٍ مُعَيَّنَةً تَعُودُ بِاسْتِمْرَارٍ: التَّحَوُّلَ، وَالْأَثَرَ، وَالذَّوَبَانَ، وَالْعُبُورَ. وَكَانَ بَعْضُهَا قَدْ ظَهَرَ فِي أَبْوَابٍ كَتَبْتُهَا بِفَوَاصِلَ زَمَنِيَّةٍ طَوِيلَةٍ.
لَا أَمْلِكُ تَفْسِيرًا كَامِلًا لِذَلِكَ، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الْكَاتِبَ، حِينَ يَعِيشُ سُؤَالًا عَمِيقًا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، يَبْدَأُ عَقْلُهُ فِي بِنَاءِ لُغَةٍ خَاصَّةٍ بِهِ. وَكَأَنَّ ثَمَّةَ قَامُوسًا دَاخِلِيًّا لَا يَكْتُبُهُ الْكَاتِبُ بِوَعْيٍ، لَكِنَّهُ يَظْهَرُ فِي النَّصِّ. وَرُبَّمَا لِأَنَّ الْفِكْرَةَ الْكُبْرَى تَبْحَثُ عَنْ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لِتَقُولَ نَفْسَهَا.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
خَرَجْنَا أَمَامَ مُفَارَقَتَيْنِ. الْأُولَى: أَيُمْكِنُ لِشَبَكَةٍ أَنْ تَنْقُلَ الْأَشْيَاءَ دُونَ أَنْ تَحْمِلَ شَيْئًا مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ مَا تَنْقُلُهُ؟ وَالثَّانِيَةُ: أَيُمْكِنُ لِلِاسْتِعَارَةِ أَنْ تَتَكَرَّرَ فِي عَمَلٍ طَوِيلٍ دُونَ تَخْطِيطٍ وَاعٍ مِنْ صَاحِبِهِ؟
وَرُبَّمَا يَقُودُنَا السُّؤَالَانِ إِلَى فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ فَقَطْ، بَلْ يَعِيشُ عَلَاقَتَهَا بِهِ. فَالْأَبْجَدِيَّةُ لَيْسَتْ خَيْرًا وَلَا شَرًّا وَحْدَهَا، وَالذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ قَيْدًا وَلَا خَلَاصًا وَحْدَهَا؛ الْمَعْنَى يَأْتِي مِنْ طَرِيقَةِ تَعَامُلِنَا مَعَهَا.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: أَنَحْتَاجُ إِلَى تَغْيِيرِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا، أَمْ نَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى تَغْيِيرِ عَلَاقَتِنَا بِمَا يَحْمِلُهُ هَذَا الْعَالَمُ؟
وَسَنَنْتَقِلُ إِلَى الْبَابِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ: الْمَرْأَةِ الصُّوفِيَّةِ، حَيْثُ سَنُوَاجِهُ سُؤَالًا مُغَايِرًا: أَيُمْكِنُ لِلْحُبِّ أَنْ يَبْقَى حِينَ تَخْتَفِي التَّفَاصِيلُ الَّتِي نَرْبِطُهُ بِهَا؟

11
“حُبٌّ لَا يُقَاسُ بِالْمُشْتَرَكِ الْمُتَذَكَّرِ”

الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الْمَرْأَةُ الصُّوفِيَّةُ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
فِي السَّابِقِ وَاجَهْنَا سُؤَالَ الذَّاكِرَةِ مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ؛ رَأَيْنَا كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ أَسْرِ الْمَاضِي، وَرَأَيْنَا كَيْفَ يَبْقَى الْأَثَرُ حَتَّى بَعْدَ فُقْدَانِ الْكَلِمَاتِ. أَمَّا الْيَوْمَ فَنَبْلُغُ سُؤَالًا أَكْثَرَ قُرْبًا مِنَ الْقَلْبِ: أَيَحْتَاجُ الْحُبُّ إِلَى ذَاكِرَةٍ مُشْتَرَكَةٍ كَيْ يَبْقَى؟
هَذَا الْبَابُ لَا يَحْمِلُ حَدَثًا تَارِيخِيًّا ضَخْمًا، وَلَا شَخْصِيَّةً صَنَعَتْ إِمْبَرَاطُورِيَّةً أَوِ اكْتِشَافًا؛ إِنَّهُ يَحْمِلُ امْرَأَةً تَحْمِلُ فِي رُوحِهَا صَدَى التَّجْرِبَةِ الصُّوفِيَّةِ، وَتُقَدِّمُ لِسَامِرٍ فِكْرَةً مُقْلِقَةً وَجَمِيلَةً فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ: أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ قَدْ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي نَحْمِلُهَا مَعَ الْآخَرِ، بَلْ بِدَرَجَةِ حُضُورِنَا مَعَهُ.
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
قَبْلَ أَنْ نَنْجَرِفَ أَمَامَ جَمَالِ هَذَا الْبَابِ، أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ تَحَفُّظًا مَنْهَجِيًّا.
فَالْمَرْأَةُ الصُّوفِيَّةُ تَسْتَحْضِرُ فِينَا صُورَةَ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ وَتَجْرِبَتَهَا الرُّوحِيَّةَ الْعَمِيقَةَ، خُصُوصًا دَعْوَتَهَا إِلَى حُبِّ اللهِ حُبًّا يَتَجَاوَزُ الْخَوْفَ وَالطَّمَعَ. لَكِنْ لَدَيَّ سُؤَالٌ: حِينَ نَنْقُلُ هَذَا الْمَفْهُومَ مِنْ عَلَاقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِاللهِ إِلَى الْحُبِّ الْإِنْسَانِيِّ بَيْنَ الْبَشَرِ، أَلَا نُخَاطِرُ بِتَبْسِيطِ تَجْرِبَةٍ صُوفِيَّةٍ دَقِيقَةٍ؟ فَحُبُّ الْإِنْسَانِ لِلَّهِ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ نَمُوذَجًا مُطَابِقًا لِحُبِّ الْإِنْسَانِ لِلْإِنْسَانِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
اعْتِرَاضُكِ مُهِمٌّ يَا دُكْتُورَةَ لُبْنَى، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ النَّصَّ نَفْسَهُ كَانَ وَاعِيًا لِهَذَا الْخَطَرِ.
فَالْمَرْأَةُ الصُّوفِيَّةُ لَا تُقَدِّمُ نَفْسَهَا كَائِنًا تَجَاوَزَ الطَّبِيعَةَ الْبَشَرِيَّةَ؛ هِيَ تَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا تَشْتَاقُ، وَتَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا تَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى يَدٍ تُمْسِكُ بِهَا. وَهَذَا الِاعْتِرَافُ بِالِاحْتِيَاجِ هُوَ مَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي صُورَةِ الْقَدَاسَةِ الْبَارِدَةِ. فَهِيَ لَا تَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ أَنْ يُلْغِيَ حَاجَتَهُ لِلْحُبِّ الْبَشَرِيِّ، بَلْ تَقُولُ إِنَّ الْحُبَّ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ أَوْسَعَ مِنْ مُجَرَّدِ امْتِلَاكِ الذِّكْرَيَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا أَكْثَرَ قَسْوَةً.
حِينَ نَسْمَعُ عَنْ حُبٍّ يَتَجَاوَزُ التَّعَلُّقَ، قَدْ يَبْدُو الْأَمْرُ سَامِيًا. لَكِنْ مِنْ زَاوِيَةِ عِلْمِ النَّفْسِ، أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا أَحْيَانًا مِنْ نَمَطِ التَّعَلُّقِ التَّجَنُّبِيِّ؟ أَيْ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْمِي نَفْسَهُ مِنْ أَلَمِ الْفَقْدِ بِأَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ فَكَيْفَ نُمَيِّزُ بَيْنَ التَّحَرُّرِ الْحَقِيقِيِّ مِنَ التَّعَلُّقِ، وَبَيْنَ الْهُرُوبِ مِنَ الْعَلَاقَةِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
هَذَا رُبَّمَا أَصْعَبُ سُؤَالٍ، وَلَا أَمْلِكُ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً عَنْهُ.
لَكِنْ رُبَّمَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ فِي الْعَلَاقَةِ مَعَ الْأَلَمِ. فَالشَّخْصُ الَّذِي يَتَجَنَّبُ التَّعَلُّقَ يَهْرُبُ مِنِ احْتِمَالِ الْجُرْحِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فِي الرِّوَايَةِ فَتَبْدُو وَكَأَنَّهَا مَرَّتْ عَبْرَ الشَّوْقِ كَامِلًا قَبْلَ أَنْ تَتَحَدَّثَ عَنْ تَجَاوُزِهِ. لَمْ تَهْرُبْ مِنَ الْحَاجَةِ، بَلْ وَاجَهَتْهَا ثُمَّ أَعَادَتْ تَعْرِيفَهَا.
وَهَذَا يُعِيدُنَا إِلَى سُؤَالٍ ظَهَرَ مَعَنَا سَابِقًا: الْفَرْقُ بَيْنَ بِنَاءِ مَعْنًى هَرَبًا مِنَ الْأَلَمِ، وَبِنَاءِ مَعْنًى بَعْدَ الْمُرُورِ بِالْأَلَمِ. يَبْدُو أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُرَافِقُ الرِّوَايَةَ كُلَّهَا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
أُرِيدُ أَنْ أَتَوَقَّفَ عِنْدَ جُمْلَةِ الْمَرْأَةِ الْأَخِيرَةِ: “الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ لَا يَسْأَلُ: هَلْ أَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيْءٍ؟ بَلْ يَسْأَلُ: هَلْ أَنَا حَاضِرٌ الْآنَ؟”
أَجِدُ فِيهَا صَدًى لِفِكْرَةٍ ظَهَرَتْ سَابِقًا مَعَ ابْنِ سِينَا، وَلَكِنْ بِلُغَةٍ مُغَايِرَةٍ. هُنَاكَ كَانَ السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ إِذَا فُقِدَتِ السِّيرَةُ؛ النَّفْسُ أَمِ الذِّكْرَيَاتُ؟ وَهُنَا يُصْبِحُ السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَبْقَى مِنَ الْحُبِّ إِذَا فَقَدْنَا التَّفَاصِيلَ؟
وَالْجَوَابُ فِي الْحَالَتَيْنِ مُتَشَابِهٌ: ثَمَّةَ جَوْهَرٌ أَعْمَقُ مِنَ السِّجِلِّ الْخَارِجِيِّ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَعُودُ إِلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّهَا تَمْنَحُهُ أَصْوَاتًا مُخْتَلِفَةً.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… سُؤَالُ الدُّكْتُورَةِ سَلْمَى يَتَجَاوَزُ تَحْلِيلَ النَّصِّ؛ إِنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا. أَشَعَرْتَ يَوْمًا فِي حَيَاتِكَ، بَعِيدًا عَنِ الْكِتَابَةِ، بِصُعُوبَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّسَامِي عَنِ التَّعَلُّقِ وَبَيْنَ الْهُرُوبِ مِنْهُ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
أَظُنُّ أَنَّ أَفْضَلَ جَوَابٍ هُوَ أَنْ أَتْرُكَ السُّؤَالَ مَفْتُوحًا. لَيْسَ تَهَرُّبًا، بَلْ لِأَنِّي لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ دَائِمًا أَنْ يَعْرِفَ دَوَافِعَهُ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ.
فَفِي بَعْضِ لَحَظَاتِ حَيَاتِنَا قَدْ نَظُنُّ أَنَّنَا تَحَرَّرْنَا، بَيْنَمَا نَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ نَحْمِي أَنْفُسَنَا مِنْ أَلَمٍ لَمْ نُوَاجِهْهُ بَعْدُ. وَفِي لَحَظَاتٍ أُخْرَى قَدْ نَظُنُّ أَنَّنَا مُتَعَلِّقُونَ، بَيْنَمَا نَكُونُ فَقَطْ أَوْفِيَاءَ لِشَيْءٍ عَمِيقٍ فِي دَاخِلِنَا.
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ كَتَبْتُ الْمَرْأَةَ الصُّوفِيَّةَ وَهِيَ تَعْتَرِفُ بِشَوْقِهَا. لَمْ أُرِدْ لَهَا أَنْ تَكُونَ شَخْصِيَّةً كَامِلَةً بِلَا نَقْصٍ، لِأَنِّي لَا أُؤْمِنُ بِالْكَمَالِ الْمَعْزُولِ عَنِ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. فَالْحَقِيقَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ لَيْسَتْ فِي أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنِ احْتِيَاجَاتِنَا، بَلْ فِي أَنْ نَفْهَمَهَا.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نحن أَمَامَ سُؤَالٍ لَا يَبْدُو أَنَّهُ يَمْلِكُ إِجَابَةً نِهَائِيَّةً: أَيْنَ يَنْتَهِي التَّسَامِي؟ وَأَيْنَ يَبْدَأُ التَّجَنُّبُ؟
رُبَّمَا لَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ فِي غِيَابِ الْأَلَمِ؛ فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يُحِبُّ حَقًّا لَا يُصْبِحُ مُحَصَّنًا ضِدَّ الْفَقْدِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ قَدْ يَكُونُ فِي طَرِيقَةِ مُوَاجَهَتِهِ. أَنُغَادِرُ الْعَلَاقَةَ كَيْ لَا نَتَأَلَّمَ؟ أَمْ نَتَحَرَّرُ مِنَ التَّمَلُّكِ كَيْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نُحِبَّ بِصِدْقٍ أَكْبَرَ؟
وَيَبْقَى مَعَنَا سُؤَالُ: أَهُوَ الْحُبُّ مَا نَتَذَكَّرُهُ مَعَ الْآخَرِ، أَمْ مَا نَكُونُهُ حِينَ نَكُونُ مَعَهُ؟

12
“الرَّقْمُ يَصِفُ الْكَارِثَةَ، وَالِاسْمُ يَجْعَلُهَا جَرِيمَةً”

الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الْحَاخَامُ الْأَكْبَرُ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
ثَمَّةَ أَبْوَابٌ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مُقَدِّمَةٍ طَوِيلَةٍ؛ تَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى لَحْظَةِ صَمْتٍ قَبْلَ الْكَلَامِ. وَهَذَا الْبَابُ وَاحِدٌ مِنْهَا.
وَارْسُو، عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ. مَدِينَةٌ خَرَجَتْ لِتَوِّهَا مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ كَوَارِثِ التَّارِيخِ الْحَدِيثِ. هُنَا لَا يُوَاجِهُ سَامِرٌ ذِكْرَى فَرْدِيَّةً، وَلَا سُؤَالًا فَلْسَفِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ يُوَاجِهُ ثِقَلَ مَلَايِينِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى رَقْمٍ.
هَذَا الْبَابُ لَا يَسْأَلُ فَقَطْ: كَيْفَ نَتَذَكَّرُ؟ بَلْ يَسْأَلُ: أَيَكْفِي أَنْ نَتَذَكَّرَ؟ وَكَيْفَ نَحْمِلُ ذَاكِرَةَ الْأَلَمِ دُونَ أَنْ نُحَوِّلَهَا إِلَى مُجَرَّدِ فِكْرَةٍ؟
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ التَّحْلِيلَ، أَرَى ضَرُورَةً لِوَضْعِ إِطَارٍ وَاضِحٍ.
فَمَا يُوَاجِهُهُ هَذَا الْبَابُ لَيْسَ رَمْزًا أَدَبِيًّا فَقَطْ؛ إِنَّهُ يَسْتَنِدُ إِلَى وَاقِعٍ تَارِيخِيٍّ مُوَثَّقٍ وَمُؤْلِمٍ: سِتَّةُ مَلَايِينِ ضَحِيَّةٍ، وَمُدُنٌ أُورُوبِّيَّةٌ مُدَمَّرَةٌ، وَوَارْسُو الَّتِي كَانَتْ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ تَحْمِلُ آثَارَ انْهِيَارٍ هَائِلٍ.
لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا صَعْبًا عَلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٍ: أَيَحِقُّ لَنَا، وَنَحْنُ نَجْلِسُ هُنَا فِي نَدْوَةٍ أَدَبِيَّةٍ، أَنْ نُخْضِعَ مَأْسَاةً بِهَذَا الْحَجْمِ لِأَدَوَاتِ التَّحْلِيلِ الْفَلْسَفِيِّ؟ أَمْ إِنَّ ثَمَّةَ آلَامًا يَجِبُ أَنْ تُرْوَى فَقَطْ، دُونَ مُحَاوَلَةِ تَفْسِيرِهَا؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
سُؤَالٌ لَا أَمْلِكُ أَمَامَهُ جَوَابًا مُرِيحًا، وَرُبَّمَا هَذِهِ هِيَ النُّقْطَةُ الْأَسَاسِيَّةُ.
لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الْحَاخَامَ الْأَكْبَرَ فِي الرِّوَايَةِ يَمْنَحُنَا طَرِيقًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمُعْضِلَةِ. فَهُوَ لَا يَطْلُبُ مِنْ سَامِرٍ أَنْ يُفَسِّرَ الْكَارِثَةَ، وَلَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَجِدَ لَهَا مَعْنًى يُبَرِّرُهَا، بَلْ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا أَكْثَرَ تَوَاضُعًا وَأَثْقَلَ: أَنْ يَحْمِلَهَا.
فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ نَقِفَ فَوْقَ الْأَلَمِ وَنُحَلِّلَهُ، وَبَيْنَ أَنْ نَقِفَ إِلَى جَانِبِهِ وَنَشْهَدَ عَلَيْهِ. الْمُحَلِّلُ يَبْحَثُ عَنْ تَفْسِيرٍ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَحْفَظُ حُضُورَ مَنْ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أُشَارِكُ هَذَا الْحَذَرَ.
وَمِنْ زَاوِيَةٍ طِبِّيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ مَا يَصِفُهُ الْبَابُ حَوْلَ مَعْنَى الْبَقَاءِ بَعْدَ الصَّدْمَةِ الْجَمَاعِيَّةِ يَتَقَاطَعُ مَعَ مَا نَعْرِفُهُ عَنْ تَجَارِبِ النَّاجِينَ مِنَ الْكَوَارِثِ. لَكِنِّي أَتَحَفَّظُ عَلَى تَحْوِيلِ التَّجْرِبَةِ إِلَى مُصْطَلَحٍ عِلْمِيٍّ فَقَطْ؛ فَبَعْضُ الْآلَامِ، حِينَ نَضَعُهَا دَاخِلَ تَعْرِيفَاتٍ جَاهِزَةٍ، نَفْقِدُ شَيْئًا مِنْ إِنْسَانِيَّتِهَا.
وَالْأَهَمُّ بِالنِّسْبَةِ لِي: أَنَّ النَّصَّ يَرْفُضُ فِكْرَةَ تَرْتِيبِ الْأَحْزَانِ؛ فَلَا يُوجَدُ أَلَمٌ “أَكْبَرُ” يَجْعَلُ أَلَمَ الْآخَرِينَ أَقَلَّ، وَلَا تُوجَدُ مُعَانَاةٌ تَمْنَحُ صَاحِبَهَا احْتِكَارَ الْحُزْنِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ فَقْدَهُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ.
الدُّكْتُورُ فَادِي:
أُرِيدُ فَقَطِ التَّوَقُّفَ عِنْدَ اخْتِيَارٍ أَدَبِيٍّ صَغِيرٍ لَكِنَّهُ عَمِيقٌ.
فَالْكَاتِبُ لَمْ يَتْرُكِ الضَّحَايَا أَرْقَامًا، بَلْ أَعَادَ إِلَيْهِمْ أَسْمَاءَهُمْ: مِيرْيَامُ، وَدَاڤِيدُ. وَهَذَا الِاخْتِيَارُ لَيْسَ تَفْصِيلًا سَرْدِيًّا عَابِرًا. فَالرَّقْمُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِفَ حَجْمَ الْكَارِثَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْبِرَنَا مَنْ كَانَ الْإِنْسَانُ الَّذِي اخْتَفَى خَلْفَ الرَّقْمِ. الِاسْمُ يُعِيدُ الْفَرْدَ إِلَى مَكَانِهِ؛ يُعِيدُ لَهُ وَجْهَهُ، وَصَوْتَهُ، وَحَيَاتَهُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ جُزْءٍ مِنْ إِحْصَاءٍ.
وَلِهَذَا رُبَّمَا يَكُونُ فِعْلُ التَّسْمِيَةِ نَفْسُهُ فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ لِلنِّسْيَانِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… لَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ تَفْسِيرَ هَذَا الْبَابِ، وَلَا الدِّفَاعَ عَنْهُ، بَلْ سُؤَالًا وَاحِدًا فَقَطْ: أَكَانَ هَذَا الْفَصْلُ مِنْ أَصْعَبِ مَا كَتَبْتَ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
نَعَمْ، وَرُبَّمَا مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ الَّتِي بَقِيَتْ مَعِي بَعْدَ انْتِهَائِهَا.
لَمْ أَسْتَطِعْ كِتَابَتَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ كُنْتُ أَقْتَرِبُ مِنْهُ ثُمَّ أَتَوَقَّفُ، وَأَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ أَوْ أَسَابِيعَ. لَيْسَ لِأَنِّي لَمْ أَعْرِفْ مَاذَا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ، بَلْ لِأَنِّي كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَقُولَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي. فَثَمَّةَ مَوْضُوعَاتٌ لَا تَحْتَمِلُ الزَّخْرَفَةَ الْأَدَبِيَّةَ، وَالْكَاتِبُ أَمَامَهَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الصَّمْتَ أَحْيَانًا جُزْءٌ مِنَ الْكِتَابَةِ.
كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ اللُّغَةُ خَادِمَةً لِلذَّاكِرَةِ، لَا أَنْ تَتَحَوَّلَ الذَّاكِرَةُ إِلَى مَادَّةٍ لِلُّغَةِ. وَأَشْكُرُ الْفَرِيقَ لِأَنَّهُمْ تَعَامَلُوا مَعَ هَذَا الْبَابِ بِالِاحْتِرَامِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لَدَينَا سُؤَالٌ وَاحِدٌ: أَتَكُونُ الذَّاكِرَةُ وَفَاءً حِينَ نَحْفَظُ الْمَاضِيَ؟ أَمْ تُصْبِحُ وَفَاءً أَكْبَرَ حِينَ نَرْفُضُ أَنْ نُحَوِّلَ الْإِنْسَانَ إِلَى رَقْمٍ؟

13
“الْفَرَاغُ الْمَتْرُوكُ عَمْدًا كَوَفَاءٍ لَا كَهَزِيمَةٍ”

الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْحَارِسَةُ الْعَمْيَاءُ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ ثِقَلِ وَارْسُو، بَعْدَ مُوَاجَهَةِ الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَرْقَامٍ، نَنْتَقِلُ الْيَوْمَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ فِي الْقَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ. لَكِنَّ السُّؤَالَ لَا يَبْتَعِدُ كَثِيرًا.
فَفِي هَذَا الْبَابِ نَلْتَقِي امْرَأَةً فَقَدَتْ بَصَرَهَا، لَكِنَّهَا امْتَلَكَتْ قُدْرَةً اسْتِثْنَائِيَّةً عَلَى الْحِفْظِ؛ تَحْفَظُ التَّوْرَاةَ وَالتَّلْمُودَ كَامِلَيْنِ، وَتَحْمِلُ فِي ذَاكِرَتِهَا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ. لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ الْكُبْرَى: أَنَّهَا تَرْفُضُ أَنْ تَحْفَظَ أُغْنِيَةً وَاحِدَةً، أُغْنِيَةً تَرَكَتْهَا أُمُّهَا نَاقِصَةً عَمْدًا.
فَهَلِ النِّسْيَانُ دَائِمًا خَسَارَةٌ؟ أَمْ إِنَّ بَعْضَ الْفَرَاغَاتِ تَكُونُ نَوْعًا مِنَ الْوَفَاءِ؟
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أَبْدَأُ مِنَ الْجَانِبِ الْعِلْمِيِّ.
فَتِقْنِيَّةُ “قَصْرِ الذَّاكِرَةِ” أَوْ طَرِيقَةِ الْمَوَاضِعِ (Method of Loci) الَّتِي تَسْتَخْدِمُهَا الْحَارِسَةُ لَيْسَتْ خَيَالًا أَدَبِيًّا فَقَطْ؛ إِنَّهَا تِقْنِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي تَارِيخِ عِلْمِ الذَّاكِرَةِ، وَمَا زَالَتْ تُسْتَخْدَمُ حَتَّى الْيَوْمِ فِي مُسَابَقَاتِ الْحِفْظِ الْعَالَمِيَّةِ.
لَكِنَّ مَا يَلْفِتُنِي لَيْسَ قُدْرَتَهَا عَلَى الْحِفْظِ، بَلِ اخْتِيَارُهَا لِمَا لَا تُرِيدُ حِفْظَهُ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِشَخْصٍ كَرَّسَ حَيَاتَهُ لِبِنَاءِ ذَاكِرَةٍ شِبْهِ كَامِلَةٍ أَنْ يَخْتَارَ عَمْدًا تَرْكَ فَرَاغٍ؟ أَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضٌ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
لَا أَرَاهُ تَنَاقُضًا، بَلْ أَرَاهُ رُبَّمَا أَعْمَقَ دَرْسٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَالْحَارِسَةُ تُمَيِّزُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْعَلَاقَةِ بِالذَّاكِرَةِ. ثَمَّةَ نُصُوصٌ مُقَدَّسَةٌ لَا تَحْفَظُهَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهَا فَقَطْ؛ إِنَّهَا تَحْفَظُهَا لِأَنَّ جَمَاعَةً كَامِلَةً تَحْتَاجُ أَنْ تَبْقَى هَذِهِ الْكَلِمَاتُ ثَابِتَةً، قَابِلَةً لِلِانْتِقَالِ وَالتَّفْسِيرِ عَبْرَ الْأَجْيَالِ.
أَمَّا أُغْنِيَةُ الْأُمِّ، فَهِيَ لَيْسَتْ نَصًّا عَامًّا؛ إِنَّهَا عَلَاقَةٌ شَخْصِيَّةٌ حَيَّةٌ. وَلَوْ حَفِظَتْهَا حَرْفِيًّا، لَرُبَّمَا تَحَوَّلَتْ مِنْ حُضُورٍ دَاخِلِيٍّ إِلَى قِطْعَةٍ مَحْفُوظَةٍ؛ مِنْ ذِكْرَى تَتَنَفَّسُ إِلَى أَثَرٍ مَوْضُوعٍ فِي مُتْحَفٍ. هِيَ لَا تَرْفُضُ الْحِفْظَ لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْهُ، بَلْ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ مَتَى يُصْبِحُ الْحِفْظُ نَوْعًا مِنَ الْفَقْدِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أُرِيدُ أَنْ أُضِيفَ تَعْقِيدًا تَارِيخِيًّا.
فَالْفَصْلُ يَسْتَحْضِرُ قِصَّةَ يُوسُفَ، لَكِنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ تَفْتَحُ سُؤَالًا تَأْوِيلِيًّا مُهِمًّا. فَفِكْرَةُ النِّسْيَانِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ لَيْسَتْ بَسِيطَةً فِي جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ الدِّينِيَّةِ؛ ثَمَّةَ تَفْسِيرَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ حَوْلَ مَعْنَى نِسْيَانِهِ لِأَهْلِهِ، وَهَلْ كَانَ النِّسْيَانُ فِعْلًا مَحْمُودًا أَمْ مَوْضِعَ عِتَابٍ.
وَهَذَا يَجْعَلُ الْمُقَارَنَةَ الَّتِي يُقَدِّمُهَا النَّصُّ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا. أَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنِ اسْتِدْعَاءِ يُوسُفَ الدِّفَاعَ عَنِ النِّسْيَانِ كَقِيمَةٍ؟ أَمِ الْحَدِيثَ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْعَلَاقَةِ مَعَ الْمَاضِي؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
أَظُنُّ أَنَّ جَمَالَ النَّصِّ هُنَا أَنَّهُ لَا يُغْلِقُ الْبَابَ بِإِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَهُوَ لَا يَقُولُ: “النِّسْيَانُ خَيْرٌ دَائِمًا.” وَلَا يَقُولُ: “الْحِفْظُ وَاجِبٌ دَائِمًا.” بَلْ يَسْتَخْدِمُ مَسَاحَةَ الِاحْتِمَالِ. وَهَذَا يَتَوَافَقُ مَعَ طَرِيقَةِ الرِّوَايَةِ كُلِّهَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَسْئِلَةِ الْكُبْرَى؛ فَالنُّصُوصُ الْمُقَدَّسَةُ وَالتَّارِيخِيَّةُ لَا تُسْتَخْدَمُ كَأَجْوِبَةٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ كَأَبْوَابٍ تَدْخُلُ مِنْهَا الْأَسْئِلَةُ.
وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ كَلِمَةَ “رُبَّمَا” تَتَكَرَّرُ مَعْنَوِيًّا فِي عَالَمِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةِ “هَكَذَا هُوَ الْأَمْرُ”.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… سُؤَالُ الدُّكْتُورَةِ لُبْنَى مُهِمٌّ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّرْدِ فَقَطْ، بَلْ بِطَرِيقَةِ اسْتِخْدَامِ النُّصُوصِ الدِّينِيَّةِ دَاخِلَ الْعَمَلِ الْأَدَبِيِّ. أَكُنْتَ وَاعِيًا بِالْجَدَلِ التَّأْوِيلِيِّ حَوْلَ قِصَّةِ يُوسُفَ حِينَ وَظَّفْتَهَا؟ أَمْ إِنَّكَ اسْتَخْدَمْتَهَا مِنْ خِلَالِ قِرَاءَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ الْخَاصَّةِ؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
بِصِدْقٍ، اسْتَخْدَمْتُهَا أَسَاسًا مِنْ خِلَالِ قِرَاءَتِي الشَّخْصِيَّةِ.
كُنْتُ مُتَأَثِّرًا بِتَأْوِيلٍ يَرَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ جَانِبًا يُخَفِّفُ مِنْ وَطْأَةِ اللَّوْمِ، وَيُرَكِّزُ أَكْثَرَ عَلَى الرِّحْلَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ. لَكِنِّي لَا أَدَّعِي أَنِّي كُنْتُ مُحِيطًا بِكُلِّ الْجَدَلِ الْفِقْهِيِّ وَالتَّفْسِيرِيِّ الْمُرْتَبِطِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ. وَرُبَّمَا هَذِهِ الْمُلَاحَظَةُ مِنَ الْفَرِيقِ تُضِيفُ لِلنَّصِّ أَكْثَرَ مِمَّا تَنْتَقِصُ مِنْهُ.
فَالْكَاتِبُ حِينَ يَسْتَعِيرُ رَمْزًا مِنْ نَصٍّ مُقَدَّسٍ أَوْ تَارِيخِيٍّ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَالَمًا أَقْدَمَ وَأَوْسَعَ مِنْ قِرَاءَتِهِ الْخَاصَّةِ، وَكُلُّ اسْتِعَارَةٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ تَحْمِلُ وَرَاءَهَا قُرُونًا مِنَ التَّأْوِيلَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ. وَهَذَا يُذَكِّرُنِي بِأَنَّ النُّصُوصَ الْكُبْرَى لَا نَمْتَلِكُهَا بِالْكَامِلِ؛ نَحْنُ فَقَطْ نَدْخُلُ فِي حِوَارٍ مَعَهَا.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
مَرَّةً أُخْرَى نَجِدُ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُقَدِّمُ لَنَا إِجَابَةً سَهْلَةً. فَبَعْدَ أَنْ سَأَلَنَا الْبَابُ السَّابِقُ: كَيْفَ نَحْفَظُ أَسْمَاءَ مَنْ حَاوَلَ التَّارِيخُ مَحْوَهُمْ؟ يَسْأَلُنَا هَذَا الْبَابُ: أَيَجِبُ أَنْ نَحْفَظَ كُلَّ مَا نُحِبُّهُ كَامِلًا؟
رُبَّمَا ثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ ذَاكِرَةٍ تَحْفَظُ الشَّيْءَ لِأَنَّهَا تَخْشَاهُ مِنَ الضَّيَاعِ، وَذَاكِرَةٍ تَتْرُكُ فِيهِ فَرَاغًا لِأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تَقْتُلَهُ بِالْحِفْظِ. وَيَبْقَى السُّؤَالُ: أَيَكُونُ بَعْضُ النَّقْصِ أَحْيَانًا أَكْثَرَ وَفَاءً مِنَ الِاكْتِمَالِ؟
وَ تَنْتَظِرُ: الْأَبْوَابُ الْقَادِمَةُ، حَيْثُ تَسْتَمِرُّ رِحْلَةُ سَامِرٍ بَيْنَ أَصْوَاتٍ لَمْ تَأْتِ لِتُقَدِّمَ أَجْوِبَةً نِهَائِيَّةً، بَلْ لِتَكْشِفَ لَهُ أَنَّ الذَّاكِرَةَ نَفْسَهَا كَائِنٌ حَيٌّ: تَنْمُو، وَتَتَغَيَّرُ، وَتَخْتَارُ أَحْيَانًا مَا تَحْتَفِظُ بِهِ وَمَا تَتْرُكُهُ.

14
“حَقِيقَةٌ تَعْبُرُ الْأَدْيَانَ، وَذَاكِرَةٌ تُقْرَأُ لَا تُكْتَبُ”
الْبَابَانِ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالسَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: الرَّاهِبَةُ الْمَسِيحِيَّةُ – حَارِسُ الْغَابَةِ (الشَّامَانُ الْأَمَازُونِيُّ)
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
الْيَوْمَ نَنْتَقِلُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ مِنَ الْعَالَمِ: إِنْجِلْتِرَا فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَغَابَاتُ الْأَمَازُونِ فِي زَمَنِنَا الْمُعَاصِرِ. امْرَأَةٌ رَاهِبَةٌ تَحْمِلُ تَجْرِبَةً رُوحِيَّةً بَيْنَ الْيَقِينِ وَالشَّكِّ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ ذَاكِرَةَ غَابَةٍ كَامِلَةٍ دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى حَرْفٍ مَكْتُوبٍ.
قَدْ يَبْدُو أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا هَائِلَةٌ، لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَجْمَعُهُمَا وَاحِدٌ: كَيْفَ تَصِلُ الْحَقِيقَةُ إِلَى الْإِنْسَانِ؟ أَعَبْرَ الْكِتَابَةِ؟ أَمْ عَبْرَ التَّجْرِبَةِ؟ أَمْ عَبْرَ الْإِصْغَاءِ لِمَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكْتَبَ؟
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
أَبْدَأُ بِإِشَارَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُهِمَّةٍ.
فَالْكَلِمَاتُ الَّتِي تَقُولُهَا الرَّاهِبَةُ: “كُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ”، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ أَدَبِيَّةٍ اخْتَرَعَهَا الْكَاتِبُ؛ إِنَّهَا تَسْتَحْضِرُ صَوْتَ جُولْيَانَ النُّورْوِيتْشِيَّةِ، الْمُتَصَوِّفَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ الَّتِي عَاشَتْ فِعْلًا فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَصَاحِبَةِ كِتَابِ “تَجَلِّيَاتِ الْحُبِّ الْإِلَهِيِّ”. كَانَتْ تَجْرِبَتُهَا الرُّوحِيَّةُ تَحْمِلُ تَصَوُّرًا مُخْتَلِفًا عَنْ صُورَةِ الْإِلَهِ الْعِقَابِيِّ السَّائِدَةِ فِي بَعْضِ تَيَّارَاتِ عَصْرِهَا. وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ كِتَابَتُهَا مُجَرَّدَ تَأَمُّلٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ كَانَتْ فِعْلًا مَحْفُوفًا بِالْمَخَاطِرِ فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ أَنْ يُتَّهَمَ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِالْهَرْطَقَةِ بِسَبَبِ أَفْكَارِهِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أُرِيدُ أَنْ أَتَوَقَّفَ عِنْدَ نُقْطَةٍ أَرَاهَا مَرْكَزِيَّةً.
فَالرَّاهِبَةُ تَقُولُ إِنَّ الْإِيمَانَ قَدْ يَكُونُ الْقُدْرَةَ عَلَى حَمْلِ الْيَقِينِ وَالشَّكِّ مَعًا. وَهُنَا تَظْهَرُ مُفَارَقَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ؛ فَنَحْنُ غَالِبًا نَتَعَامَلُ مَعَ الْيَقِينِ وَالشَّكِّ بِاعْتِبَارِهِمَا مُتَنَاقِضَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَعْرِفَ، أَوْ تَشُكَّ. لَكِنَّ هَذَا الْبَابَ يَقْتَرِحُ نَمُوذَجًا آخَرَ: أَنَّ ثَمَّةَ مَعْرِفَةً لَا تَنْمُو بِإِلْغَاءِ الشَّكِّ، بَلْ بِقَبُولِهِ دَاخِلَهَا.
رُبَّمَا لَا تَقُولُ الرَّاهِبَةُ: “أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ رَغْمَ شَكِّي”، بَلْ تَقُولُ: “أَنَا أُؤْمِنُ بِطَرِيقَةٍ تَسْمَحُ لِشَكِّي أَنْ يَبْقَى حَيًّا.” وَهَذَا نَمُوذَجٌ مَعْرِفِيٌّ مُخْتَلِفٌ عَنِ النَّمُوذَجِ الْمَنْطِقِيِّ الصَّارِمِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أُرِيدُ أَنْ أُضِيفَ زَاوِيَةً أُخْرَى.
فَالتَّجْرِبَةُ الَّتِي تَصِفُهَا الرَّاهِبَةُ، بِمَا فِيهَا الرُّؤَى أَثْنَاءَ الْمَرَضِ الشَّدِيدِ وَالِاقْتِرَابِ مِنَ الْمَوْتِ، لَهَا نَظَائِرُ مَعْرُوفَةٌ فِي الطِّبِّ الْحَدِيثِ تَحْتَ مُسَمَّى تَجَارِبِ الِاقْتِرَابِ مِنَ الْمَوْتِ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ مَرُّوا بِهَا يَصِفُونَ شُعُورًا عَمِيقًا بِالسَّلَامِ أَوْ رَسَائِلَ مُشَابِهَةً: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ.
لَكِنَّ مَا يَلْفِتُنِي فِي الرِّوَايَةِ أَنَّ الرَّاهِبَةَ نَفْسَهَا لَا تُغْلِقُ الْبَابَ أَمَامَ الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ. فَهِيَ لَا تَقُولُ: “هَذِهِ كَانَتْ بِالتَّأْكِيدِ رُؤْيَا إِلَهِيَّةً.” وَلَا تَقُولُ: “كَانَتْ مُجَرَّدَ نَشَاطٍ عَصَبِيٍّ.” بَلْ تَبْقَى فِي الْمَسَاحَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَهَذَا رُبَّمَا أَكْثَرُ مَا يَجْعَلُهَا مُقْنِعَةً.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أَنْتَقِلُ إِلَى الدُّكْتُورَةِ هَالَةَ. أَتَجِدِينَ رَابِطًا بَيْنَ حَدِيثِ الرَّاهِبَةِ عَنِ الْكِتَابَةِ الْحَذِرَةِ، وَحَدِيثِ الشَّامَانِ عَنْ ذَاكِرَةِ الْغَابَةِ الَّتِي تُقْرَأُ وَلَا تُكْتَبُ؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
الرَّابِطُ عَمِيقٌ، لَكِنَّهُ يَأْتِي مِنِ اتِّجَاهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
فَالرَّاهِبَةُ لَا تَرْفُضُ الْكِتَابَةَ؛ هِيَ تَحْتَاجُ إِلَيْهَا. لَكِنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ قَدْ تَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَةِ الْكَلِمَاتِ، فَتَكْتُبُ بِحَذَرٍ، وَتَتْرُكُ مَسَاحَاتٍ لِلصَّمْتِ. أَمَّا الشَّامَانُ فَلَا يَرْفُضُ الْكِتَابَةَ خَوْفًا مِنْ سُلْطَةٍ تُعَاقِبُهُ، بَلْ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْغَابَةَ نَفْسَهَا كَائِنٌ حَيٌّ مُتَغَيِّرٌ، وَأَنَّ تَحْوِيلَهَا إِلَى نَصٍّ ثَابِتٍ قَدْ يَسْلُبُهَا جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهَا.
كِلَاهُمَا يَصِلُ إِلَى نَتِيجَةٍ مُتَشَابِهَةٍ: أَنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتِ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا. لَكِنَّ الطَّرِيقَ مُخْتَلِفٌ؛ الْأُولَى تَخْشَى أَنْ تَقُولَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ، وَالثَّانِي يَخْشَى أَنْ يَخْتَصِرَ مَا لَا يَنْبَغِي اخْتِصَارُهُ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
وَهَذَا يَقُودُنِي إِلَى سُؤَالٍ يَخُصُّنَا نَحْنُ.
فَنَحْنُ الْآنَ فِي نَدْوَةٍ نُحَاوِلُ أَنْ نُحَوِّلَ رِوَايَةً وَحِوَارًا حَيًّا إِلَى كَلِمَاتٍ مَكْتُوبَةٍ. فَهَلْ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَى الرَّاهِبَةِ، نَكْتُبُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ، رَغْمَ مَحْدُودِيَّتِهَا، ضَرُورِيَّةٌ؟ أَمْ إِنَّنَا أَقْرَبُ إِلَى مَخَاوِفِ الشَّامَانِ، نَخْشَى أَنْ يُؤَدِّيَ التَّدْوِينُ إِلَى تَجْمِيدِ شَيْءٍ كَانَ حَيًّا؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ يَبْقَى مَفْتُوحًا. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَجِّهَ سُؤَالًا أَخِيرًا إِلَى أُسْتَاذِ نُعْمَانَ. فِي مَشْهَدِ الشَّامَانِ، يَجْلِسُ الرَّجُلُ قُرْبَ النَّهْرِ نَفْسِهِ الَّذِي فَقَدَ فِيهِ ابْنَهُ. أَكَانَتْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ الْمَكَانِيَّةُ مَقْصُودَةً مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ نَفْسُهُ حَامِلًا لِلْحَيَاةِ وَالْفَقْدِ مَعًا؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
لَمْ تَكُنْ مُخَطَّطَةً بِكُلِّ هَذَا التَّفْصِيلِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُصَادَفَةً أَيْضًا.
حِينَ كَتَبْتُ الْمَشْهَدَ، كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي اخْتِلَافِ الطَّبِيعَةِ عَنِ الْإِنْسَانِ. فَالْإِنْسَانُ غَالِبًا يُحَاوِلُ الِابْتِعَادَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي جَرَحَهُ، أَمَّا الطَّبِيعَةُ فَلَا تَفْعَلُ ذَلِكَ. النَّهْرُ يَسْتَمِرُّ فِي الْجَرَيَانِ، لَا يَتَوَقَّفُ لِأَنَّهُ حَمَلَ أَلَمًا، وَلَا يُغَيِّرُ طَرِيقَهُ لِأَنَّهُ أَخَذَ شَخْصًا عَزِيزًا.
وَرُبَّمَا كَانَ مَا يَتَعَلَّمُهُ سَامِرٌ مِنَ الشَّامَانِ أَنَّ السَّلَامَ لَا يَأْتِي دَائِمًا مِنَ الْهُرُوبِ مِنْ مَصْدَرِ الْأَلَمِ؛ أَحْيَانًا يَأْتِي مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجُلُوسِ بِجَانِبِهِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَحتَفِظُ بِسُؤَالٍ لَا يَخُصُّ الرَّاهِبَةَ وَلَا الشَّامَانَ فَقَطْ، بَلْ يَخُصُّنَا جَمِيعًا: أَيَجِبُ أَنْ تُكْتَبَ كُلُّ حَقِيقَةٍ؟ أَمْ إِنَّ بَعْضَ الْحَقَائِقِ تَحْتَاجُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ إِلَى أَنْ تُعَاشَ؟
نَتْرُكُ الْقَاعَةَ مَعَ صُورَةِ رَجُلٍ يَجْلِسُ قُرْبَ نَهْرٍ أَخَذَ مِنْهُ أَعَزَّ مَا يَمْلِكُ، لَكِنَّهُ مَا زَالَ يُصْغِي إِلَى صَوْتِهِ.
وَ ننْتَظِرُ: الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ، فَتَاةٌ هِنْدُوسِيَّةٌ تَحْمِلُ سُؤَالًا مُخْتَلِفًا: أَتَحْمِلُ الرُّوحُ ذَاكِرَةً لَا تَنْتَمِي إِلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ وَحْدَهَا؟

15
“أَتَكُونُ الْفَجْوَةُ الْفَرْدِيَّةُ جُزْءًا مِنْ نَسِيجٍ أَوْسَعَ؟”

الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْفَتَاةُ الْهِنْدُوسِيَّةُ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَنَارِسُ. النَّهْرُ الْمُقَدَّسُ. فَتَاةٌ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ تَجْلِسُ أَمَامَ سَامِرٍ وَكَأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ سِرًّا اسْتِثْنَائِيًّا، بَلْ تَتَحَدَّثُ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهَا: ذَاكِرَةُ حَيَاةٍ سَابِقَةٍ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُفَسِّرُهَا، لَكِنَّهَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَعِيشُ مَعَهَا.

بَابٌ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَحْسِمَ سُؤَالَ التَّقَمُّصِ، بَلْ أَنْ نُوَاجِهَ سُؤَالًا أَعْمَقَ: أَالْإِنْسَانُ كَائِنٌ مُنْفَصِلٌ يَحْمِلُ قِصَّتَهُ وَحْدَهُ، أَمْ جُزْءٌ مِنْ نَسِيجٍ أَكْبَرَ لَا يَرَى مِنْهُ إِلَّا خَيْطَهُ الْخَاصَّ؟

أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
مَا يَلْفِتُنِي فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ ادِّعَاءَ الْفَتَاةِ أَنَّهَا تَتَذَكَّرُ حَيَاةً سَابِقَةً، بَلِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُقَدِّمُ بِهَا تَجْرِبَتَهَا. فَهِيَ لَا تَقُولُ لِسَامِرٍ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ يَجِبُ أَنْ تُؤْمِنَ بِهَا، بَلْ تَقُولُ لَهُ، بِصُورَةٍ تَكَادُ تَكُونُ مَنْهَجًا مَعْرِفِيًّا كَامِلًا: هَذِهِ تَجْرِبَتِي، وَهَذَا مَا أَعْطَتْنِي إِيَّاهُ مِنْ مَعْنًى.
وَهُنَا أَرَى رَابِطًا وَاضِحًا مَعَ بِدَايَةِ الرِّوَايَةِ، مَعَ الْجُسَيْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَى سَامِرٍ تَفْسِيرًا وَاحِدًا لِوُجُودِهِ. يَبْدُو أَنَّ الرِّوَايَةَ مُنْذُ بِدَايَتِهَا وَحَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ تُدَافِعُ عَنْ نَوْعٍ مِنَ التَّوَاضُعِ أَمَامَ أَسْرَارِ الْوُجُودِ: أَنْ نَمْلِكَ سُؤَالًا صَادِقًا خَيْرٌ مِنْ يَقِينٍ مُغْلَقٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
أَتَّفِقُ مَعَكَ فِي قِيمَةِ هَذَا التَّوَاضُعِ، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَضَعَ حُدُودًا وَاضِحَةً بَيْنَ التَّجْرِبَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
فَظَاهِرَةُ تَذَكُّرِ بَعْضِ الْأَطْفَالِ لِمَا يَبْدُو كَأَنَّهُ حَيَوَاتٌ سَابِقَةٌ دُرِسَتْ فِعْلًا فِي عِلْمِ النَّفْسِ، وَمِنْ أَشْهَرِ الْبَاحِثِينَ فِيهَا إِيَانُ سْتِيفِنْسُونُ، لَكِنَّهَا مَا تَزَالُ مَوْضِعَ نِقَاشٍ عِلْمِيٍّ، وَلَمْ تَصِلْ إِلَى إِجْمَاعٍ يُثْبِتُ تَفْسِيرًا وَاحِدًا لَهَا. لِذَلِكَ أَطْرَحُ سُؤَالًا: أَمِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَقْرَأَ هَذَا الْبَابَ بِوَصْفِهِ تَقْدِيمًا لِحَقِيقَةٍ عَنِ الْعَالَمِ، أَمْ بِوَصْفِهِ دِرَاسَةً أَدَبِيَّةً لِسُؤَالِ الْإِنْسَانِ عَنْ مَعْنَى وُجُودِهِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
أَظُنُّ أَنَّ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا تَمْنَحُنَا الْجَوَابَ. فَالْفَتَاةُ لَا تَسْتَخْدِمُ تَجْرِبَتَهَا لِإِغْلَاقِ السُّؤَالِ، بَلْ لِفَتْحِهِ.
هِيَ لَا تَقُولُ لِسَامِرٍ: يَوْمُكَ الْمَفْقُودُ حَدَثَ بِسَبَبِ حَيَاةٍ سَابِقَةٍ، وَانْتَهَى الْأَمْرُ. بَلْ تَقُولُ لَهُ شَيْئًا أَكْثَرَ تَوَاضُعًا: رُبَّمَا يَكُونُ هَذَا الْيَوْمُ جُزْءًا مِنْ قِصَّةٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ رُؤْيَتَهُ الْآنَ.
وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الْبَابِ أَدَبِيًّا: إِنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ أَنْ يُصَدِّقَ التَّفْسِيرَ، بَلْ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْحَاجَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ الَّتِي أَنْتَجَتْهُ. لِمَ يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى أَنْ يَرَى حَيَاتَهُ دَاخِلَ إِطَارٍ أَوْسَعَ؟ وَلِمَ يُصْبِحُ الْأَلَمُ أَخَفَّ أَحْيَانًا حِينَ نَشْعُرُ أَنَّنَا لَسْنَا حَادِثَةً مُنْفَرِدَةً فِي كَوْنٍ هَائِلٍ؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ:
أُرِيدُ أَنْ أَتَوَقَّفَ عِنْدَ اسْتِعَارَةِ النَّهْرِ الَّتِي تَظْهَرُ هُنَا بِقُوَّةٍ.
تَقُولُ الْفَتَاةُ إِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ تُشْبِهُ قَطْرَةً فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ: الْقَطْرَةُ لَا تَفْقِدُ وُجُودَهَا لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْمَاءِ كُلِّهِ، لَكِنَّهَا أَيْضًا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ مَنَابِعِ النَّهْرِ وَلَا كُلَّ الْأَمَاكِنِ الَّتِي سَيَمُرُّ بِهَا.
وَهَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ تُعِيدُنَا إِلَى صُوَرٍ كَثِيرَةٍ ظَهَرَتْ فِي الرِّوَايَةِ: النَّجْمِ، وَالْجُزَيْءِ، وَالرَّاهِبِ الْبُوذِيِّ، وَالْآنَ النَّهْرِ. يَبْدُو أَنَّ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ صُورَةٍ جَمَالِيَّةٍ، بَلْ لُغَةً كَامِلَةً عَنِ الِاسْتِمْرَارِ: شَيْءٌ يَتَغَيَّرُ بِاسْتِمْرَارٍ، لَكِنَّهُ لَا يَخْتَفِي.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
وَأُرِيدُ أَنْ أُرَكِّزَ عَلَى جَانِبٍ آخَرَ فِي شَخْصِيَّةِ الْفَتَاةِ.
غَالِبًا مَا نَتَوَقَّعُ أَنَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِحَيَاةٍ أُخْرَى لَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ. لَكِنَّ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ تَكْسِرُ هَذَا التَّوَقُّعَ حِينَ تَقُولُ، بِصُورَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ جِدًّا، إِنَّهَا لَا تَخَافُ نِهَايَةَ الْوُجُودِ بِقَدْرِ مَا تَخَافُ فُقْدَانَ مَنْ تُحِبُّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ. وَهَذَا تَفْصِيلٌ مُهِمٌّ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْفِكْرَةَ الرُّوحِيَّةَ مِنَ التَّحَوُّلِ إِلَى هُرُوبٍ مِنَ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْيَوْمِيَّةِ. فَالْإِيمَانُ، كَمَا تُقَدِّمُهُ الْفَتَاةُ، لَا يُلْغِي الْحُزْنَ، بَلْ يُغَيِّرُ مَوْقِعَهُ دَاخِلَ الصُّورَةِ الْأَكْبَرِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، سُؤَالٌ أَخِيرٌ يَتَعَلَّقُ بِتَجْرِبَةِ الْكِتَابَةِ نَفْسِهَا: أَنْتَ تَنْتَمِي إِلَى ثَقَافَةٍ لَا تُشَكِّلُ فِكْرَةُ التَّقَمُّصِ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ رُؤْيَتِهَا لِلْعَالَمِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَنَحْتَ شَخْصِيَّةً تُؤْمِنُ بِهَا صَوْتًا كَامِلًا دُونَ سُخْرِيَةٍ أَوْ تَبَنٍّ. كَيْفَ تَعَامَلْتَ مَعَ هَذَا التَّحَدِّي؟
الأُسْتَاذُ نُعمَـانُ:
رُبَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَصْعَبِ أَنْوَاعِ الْكِتَابَةِ بِالنِّسْبَةِ لِي: أَنْ أَكْتُبَ إِنْسَانًا يَحْمِلُ فِكْرَةً لَا أَحْمِلُهَا أَنَا بِالضَّرُورَةِ، وَأَنْ أَمْنَحَهُ الْحَقَّ الْكَامِلَ فِي أَنْ يَكُونَ صَادِقًا دَاخِلَ عَالَمِهِ.
لَمْ أُرِدْ أَنْ أَجْعَلَ الْفَتَاةَ مُمَثِّلَةً لِعَقِيدَةٍ، بَلْ إِنْسَانَةً لَهَا تَجْرِبَةٌ. فَالْفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ أَنْ تَكْتُبَ فِكْرَةً، وَأَنْ تَكْتُبَ شَخْصًا يَعِيشُ فِكْرَةً. كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أَفْعَلَ مَا فَعَلَتْهُ هِيَ نَفْسُهَا فِي الْحِوَارِ مَعَ سَامِرٍ: أَلَّا أَطْلُبَ مِنَ الْآخَرِ أَنْ يُصَدِّقَنِي، بَلْ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَيَّ وَيَفْهَمَ لِمَاذَا أَرَى الْعَالَمَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
فَالرِّوَائِيُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا لِشَخْصِيَّاتِهِ، بَلْ شَاهِدًا عَلَى إِنْسَانِيَّتِهَا.
الخلاصة:
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتْرُكُ هَذِهِ الْجَلسَةَ أَمَامَ صُورَةِ النَّهْرِ الَّتِي حَمَلَتْ هَذَا الْبَابَ كُلَّهُ: مَاءٌ لَا يَعْرِفُ كُلَّ قَطَرَاتِهِ، وَقَطَرَاتٌ لَا تَعْرِفُ كُلَّ طَرِيقِهَا، لَكِنَّهُمَا مَعًا يَصْنَعَانِ مَجْرًى وَاحِدًا.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: أَيَخِفُّ حَمْلُ الْإِنْسَانِ حِينَ يَعْرِفُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ نَسِيجٍ أَكْبَرَ؟ أَمْ إِنَّ قِيمَةَ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا تَأْتِي مِنْ كَوْنِهَا خَيْطًا صَغِيرًا لَا يَتَكَرَّرُ أَبَدًا؟
وَالْجَلْسَةُ الثَّانِيَةُ تَنْتَظِرُ: الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ، “حِينَ يُصْبِحُ الْإِيمَانُ عُذْرًا، وَتُصْبِحُ النِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ سُؤَالًا أَخْلَاقِيًّا”؛ رَجُلٌ فَعَلَ شَيْئًا مُرَوِّعًا بِاسْمِ إِيمَانٍ صَادِقٍ مُضَلَّلٍ.


الجلسة الثانية


الندوة الحوارية حول رواية “متحف الأيام المفقودة”