تَرْبِيَةُ الوَعْيِ

“كَيْفَ نَرَى… قَبْلَ أَنْ نَحْكُمَ”

مُقَدِّمَةٌ:
“هَلْ رَأَيْنَا حَقًّا قَبْلَ أَنْ نُصْدِرَ أَحْكَامَنَا؟”
فِي لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ قَدْ تَتَلَقَّى كَلِمَةً، فَتَفْهَمُ مِنْهَا تَقْلِيلًا.
قَدْ تَرَى نَظْرَةً، فَتُفَسِّرُهَا جُفَاءً.
قَدْ يَتَأَخَّرُ أَحَدُهُمْ فِي الرَّدِّ، فَتُكْمِلُ أَنْتَ القِصَّةَ فِي دَاخِلِكَ.
ثُمَّ تَكْتَشِفُ بَعْدَ سَاعَاتٍ أَوْ أَيَّامٍ أَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ كَمَا ظَنَنْتَ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَصْدٌ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ هُجُومٌ.
كَانَ هُنَاكَ تَفْسِيرٌ.
فَمَاذَا حَدَثَ؟
لَمْ تَكْذِبْ عَلَى نَفْسِكَ.
وَلَمْ يَخْدَعْكَ أَحَدٌ.
لَكِنَّكَ رَأَيْتَ… ثُمَّ أَضَفْتَ.
هُنَا تَبْدَأُ قِصَّةُ هَذَا الكِتَابِ.

أَوَّلًا:
لَيْسَ الإِدْرَاكُ مِرْآةً… بَلْ بِنَاءٌ مُسْتَمِرٌّ
نَحْنُ نَتَصَوَّرُ أَنَّنَا نَرَى العَالَمَ كَمَا هُوَ.
وَلَكِنْ، هَلْ نَرَاهُ حَقًّا كَمَا هُوَ؟ أَمْ كَمَا نَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ؟
العَقْلُ لَا يَنْتَظِرُ المَعْلُومَةَ حَتَّى يُصَدِّقَهَا، بَلْ يَسْبِقُهَا بِفَرْضِيَّةٍ.
يُكَوِّنُ صُورَةً، ثُمَّ يُقَارِنُهَا بِمَا يَرِدُ إِلَيْهِ مِنْ حَوَاسِّهِ.
فَإِذَا طَابَقَتِ الفَرْضِيَّةُ الإِشَارَةَ، شَعَرْنَا بِاليَقِينِ.
وَإِذَا لَمْ تُطَابِقْهَا، عَدَّلْنَا التَّفْسِيرَ… أَوْ تَجَاهَلْنَا التَّفْصِيلَ.
هَلْ نَحْكُمُ عَلَى النَّاسِ بِمَا فَعَلُوا؟
أَمْ بِمَا تَوَقَّعْنَا أَنْ يَفْعَلُوهُ؟
هَلْ نَغْضَبُ مِنَ الحَدَثِ؟
أَمْ مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي رَسَمْنَاهَا لَهُ فِي دَاخِلِنَا؟
“الإِدْرَاكُ لَيْسَ اسْتِقْبَالًا سَلْبِيًّا، بَلْ تَفْسِيرٌ نَشِطٌ.”
وَهُنَا تَبْدَأُ أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي تَرْبِيَةِ الوَعْيِ:
أَنْ نُدْرِكَ أَنَّنَا نُفَسِّرُ قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّنَا نُفَسِّرُ.

ثَانِيًا:
المَشَاعِرُ كَعَدَسَاتٍ خَفِيَّةٍ
تَسْتَقْبِلُ خَبَرًا، فَتَشْعُرُ.
تَسْمَعُ تَعْلِيقًا، فَتَنْفَعِلُ.
تَرَى مَوْقِفًا، فَتَحْكُمُ.
وَلَكِنْ… أَيُّهُمَا سَبَقَ الآخَرَ؟
الفَهْمُ أَمِ الشُّعُورُ؟
عِنْدَمَا تَكُونُ غَاضِبًا، تَبْدُو التَّفَاصِيلُ أَكْثَرَ اسْتِفْزَازًا.
وَعِنْدَمَا تَكُونُ خَائِفًا، تَبْدُو الظِّلَالُ أَكْبَرَ.
وَعِنْدَمَا تَكُونُ مُطْمَئِنًّا، تَبْدُو الأَشْيَاءُ أَلْطَفَ.
فَهَلِ الوَاقِعُ تَغَيَّرَ؟
أَمِ العَدَسَةُ الَّتِي نَنْظُرُ مِنْ خِلَالِهَا؟
“المَشَاعِرُ لَا تُزَيِّفُ الوَاقِعَ، لَكِنَّهَا تُلَوِّنُهُ.”
وَتَرْبِيَةُ الوَعْيِ لَا تَعْنِي إِقْصَاءَ الشُّعُورِ، بَلْ مَلَاحَظَتَهُ.
لَا تَعْنِي قَمْعَ الانْفِعَالِ، بَلْ فَهْمَ دَوْرِهِ فِي التَّفْسِيرِ.
فَإِذَا سَأَلْتَ نَفْسَكَ:
“مَاذَا أَرَى؟”
فَاسْأَلْ أَيْضًا:
“بِأَيِّ شُعُورٍ أَرَاهُ؟”

ثَالِثًا:
السَّرْدِيَّةُ الَّتِي نَعِيشُ دَاخِلَهَا
نَحْنُ لَا نَعِيشُ فِي أَحْدَاثٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ فِي قِصَصٍ.
قِصَصٌ عَنْ أَنْفُسِنَا.
قِصَصٌ عَنِ الآخَرِينَ.
قِصَصٌ عَنِ العَالَمِ.
نَقُولُ: “أَنَا دَائِمًا أُهْمَلُ.”
نَقُولُ: “هُمْ لَا يُقَدِّرُونَ.”
نَقُولُ: “العَالَمُ غَيْرُ عَادِلٍ.”
وَتَتَحَوَّلُ الجُمْلَةُ إِلَى عَدَسَةٍ،
وَتَتَحَوَّلُ العَدَسَةُ إِلَى حَقِيقَةٍ دَاخِلِيَّةٍ.
فَإِذَا سَأَلْنَا:
هَلْ هَذِهِ حَقِيقَةٌ مُطْلَقَةٌ؟
أَمْ سَرْدِيَّةٌ تَكَرَّرَتْ حَتَّى صَارَتْ مُسَلَّمَةً؟
“كُلُّ سَرْدِيَّةٍ تُخْفِي اخْتِيَارًا.”
وَالْوَعْيُ يَبْدَأُ عِنْدَمَا نُدْرِكُ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ إِعَادَةَ صِيَاغَةِ القِصَّةِ.

رَابِعًا:
الكَلِمَاتُ الَّتِي تُحَدِّدُ مَا يُمْكِنُ التَّفْكِيرُ فِيهِ
قُلْ: “خَطَرٌ قَادِمٌ.”
وَقُلْ: “تَحَدٍّ قَادِمٌ.”
الوَاقِعُ نَفْسُهُ، لَكِنَّ الشُّعُورَ اخْتَلَفَ.
قُلْ: “يَجِبُ أَنْ نَفْعَلَ.”
وَقُلْ: “رُبَّمَا يَحْسُنُ أَنْ نَفْعَلَ.”
الحَدَثُ نَفْسُهُ، لَكِنَّ المَسَاحَةَ تَغَيَّرَتْ.
“اللُّغَةُ لَا تَنْقُلُ الفِكْرَ فَقَطْ، بَلْ تَصْنَعُهُ.”
فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ تَبَنَّيْنَا مَوْقِفًا لِأَنَّ كَلِمَاتِهِ كَانَتْ قَوِيَّةً؟
وَكَمْ مِنْ حَقِيقَةٍ ضَاعَتْ لِأَنَّ عِبَارَتَهَا كَانَتْ هَادِئَةً؟
تَرْبِيَةُ الوَعْيِ تَعْنِي أَنْ نُصْغِيَ إِلَى اللَّفْظِ قَبْلَ أَنْ نَسْتَسْلِمَ لِمَعْنَاهُ.

خَامِسًا:
فَضِيلَةُ البُطْءِ
فِي عَصْرِ السُّرْعَةِ، يُصْبِحُ التَّرَيُّثُ فِعْلًا مُقَاوِمًا.
نَرُدُّ سَرِيعًا.
نُعَلِّقُ سَرِيعًا.
نَغْضَبُ سَرِيعًا.
وَنَنْدَمُ أَحْيَانًا بَعْدَ ذَلِكَ.
مَاذَا لَوْ أَضَفْنَا ثَانِيَتَيْنِ قَبْلَ الرَّدِّ؟
مَاذَا لَوْ سَأَلْنَا:
“هَلْ أَرُدُّ عَلَى الحَدَثِ؟ أَمْ عَلَى انْطِبَاعِي عَنْهُ؟”
“المَسَافَةُ بَيْنَ المُثِيرِ وَالِاسْتِجَابَةِ هِيَ مَسَاحَةُ الحُرِّيَّةِ.”
وَفِي هَذِهِ المَسَافَةِ يَتَشَكَّلُ الوَعْيُ.

سَادِسًا:
الشَّكُّ الصِّحِّيُّ… لَا الهَدْمُ
لَيْسَ المَقْصُودُ أَنْ نَشُكَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ،
وَلَا أَنْ نَفْقِدَ الثِّقَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ.
بَلْ أَنْ نَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ نَحْسِمَ.
أَنْ نَتَوَقَّفَ قَبْلَ أَنْ نُغْلِقَ الدَّائِرَةَ.
إِذَا شَعَرْتَ بِيَقِينٍ فَوْرِيٍّ، فَاسْأَلْ:
“مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا اليَقِينُ؟”
“مَا دَلِيلُهُ؟”
“وَمَا الَّذِي قَدْ يَكُونُ خَارِجَ صُورَتِي؟”
“الشَّكُّ الصِّحِّيُّ لَا يُضْعِفُ الإِيمَانَ بِالحَقِّ، بَلْ يُنَقِّيهِ.”

سَابِعًا:
الإِدْرَاكُ المُتَكَامِلُ
العَقْلُ يُحَلِّلُ.
الحَسُّ يُلَاحِظُ.
العَاطِفَةُ تُلَوِّنُ.
إِذَا تَغَلَّبَ أَحَدُهَا، اخْتَلَّ التَّوَازُنُ.
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ بِوَعْيٍ، تَقَارَبْنَا مِنَ الوُضُوحِ.
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ:
“مَاذَا يَقُولُ عَقْلِي؟”
“مَاذَا يُخْبِرُنِي جَسَدِي؟”
“مَاذَا تَفْعَلُ عَاطِفَتِي؟”
ثُمَّ دَعِ القَرَارَ يَتَشَكَّلُ بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ الثَّلَاثَةَ.

ثَامِنًا:
حِينَ يُصْبِحُ الوَعْيُ هُوِيَّةً
فِي البِدَايَةِ، يَكُونُ الوَعْيُ تَمْرِينًا.
ثُمَّ يُصْبِحُ عَادَةً.
ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى طَبِيعَةٍ.
تَجِدُ نَفْسَكَ تُفَرِّقُ تِلْقَائِيًّا بَيْنَ الحَدَثِ وَتَفْسِيرِهِ.
تَتَوَقَّفُ قَبْلَ الغَضَبِ.
تَسْأَلُ قَبْلَ أَنْ تُدِينَ.
هُنَا لَا يَكُونُ الوَعْيُ فِكْرَةً تَقْرَؤُهَا،
بَلْ طَرِيقَةً تَعِيشُ بِهَا.

خَاتِمَةٌ:
“رِحْلَةٌ لَا تَنْتَهِي”
هَذَا الكِتَابُ لَا يُقَدِّمُ يَقِينًا جَاهِزًا.
وَلَا يُقَدِّمُ نُسْخَةً مُثَالِيَّةً مِنَ الإِدْرَاكِ.
إِنَّهُ يُقَدِّمُ أَدَاةً.
مِرْآةً.
مَسَافَةً.
كُلُّ مَوْقِفٍ فِي يَوْمِكَ فُرْصَةٌ.
كُلُّ انْفِعَالٍ دَرْسٌ.
كُلُّ حُكْمٍ سَرِيعٍ نِدَاءٌ لِلتَّوَقُّفِ.
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ دَائِمًا:
“هَلْ رَأَيْتُ حَقًّا؟”
“أَمْ أَكْمَلَ عَقْلِي الصُّورَةَ؟”
“هَلْ أَحْكُمُ عَلَى الوَاقِعِ؟ أَمْ عَلَى تَفْسِيرِي لَهُ؟”
تَرْبِيَةُ الوَعْيِ لَيْسَتْ مَحَطَّةً نَصِلُ إِلَيْهَا،
بَلْ طَرِيقٌ نَسِيرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ.
وَفِي كُلِّ خُطْوَةٍ…
نَتَعَلَّمُ أَنْ نَرَى قَبْلَ أَنْ نَحْكُمَ.

– نعمان البربري

مشاعرك ليست حقائق

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *