Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِينَةُ الْيَاسَمِينِ 04

مَدِينَةُ الْيَاسَمِينِ

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: مَلَفُّ الْأَسْمَاءِ الْمَفْقُودَةِ

فِي الْيَوْمِ التَّالِي، اقْتَرَحَتْ يَاسَمِينُ أَنْ يَعْمَلَا مَعًا فِي مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ الْوَاقِعِ فَوْقَ مَقَرِّ جَرِيدَةِ “صَوْتِ الْمَدِينَةِ”، مَكَانًا وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ “الْأَكْثَرُ أَمَانًا فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا بِالنِّسْبَةِ لِي”، مُحَاطًا بِأَقْفَالٍ إِضَافِيَّةٍ رَكَّبَتْهَا بِنَفْسِهَا بَعْدَ تَعَرُّضِهَا لِمُحَاوَلَةِ اقْتِحَامٍ غَامِضَةٍ قَبْلَ عَامَيْنِ لَمْ تُحَلَّ قَطُّ.
كَانَ الْمَكْتَبُ صَغِيرًا لَكِنَّهُ مُنَظَّمٌ بِدِقَّةٍ تَكْشِفُ عَنْ شَخْصِيَّةِ صَاحِبَتِهِ: رُفُوفُ كُتُبٍ مُصَنَّفَةٌ حَسَبَ الْمَوْضُوعِ، لَوْحَةُ فِلِّينٍ كَبِيرَةٌ عَلَى الْجِدَارِ مُغَطَّاةٌ بِقُصَاصَاتٍ وَخُيُوطٍ مُلَوَّنَةٍ تَرْبِطُ بَيْنَهَا، وَنَافِذَةٌ وَحِيدَةٌ تُطِلُّ عَلَى سُطُوحِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ أَطْرَافِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ مِنْ بَعِيدٍ، بَيْنَ لَافِتَاتِ الْمَشْرُوعِ الْعَقَارِيِّ الضَّخْمَةِ وَأَسْطُحِ الْبُيُوتِ الْحَجَرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الْمُتَبَقِّيَةِ.
وَصَلَ سَلِيمٌ حَامِلًا حَقِيبَتَهُ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْهُ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، وَبِدَاخِلِهَا الْأَوْرَاقُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي أَنْقَذَهَا مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ صُنْدُوقُ الشَّهَادَاتِ. نَشَرَا كُلَّ شَيْءٍ عَلَى طَاوِلَةِ يَاسَمِينَ الْخَشَبِيَّةِ الْكَبِيرَةِ: عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ الْمُزَوَّرَ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ وَالْقَاضِي حَبِيبٍ النَّجَّارِ، الْقَائِمَةَ الْيَدَوِيَّةَ الَّتِي كَتَبَهَا الْأَبُ وَتَحْمِلُ اسْمَ “تَوْفِيقٍ”، وَأَخِيرًا، الْمُغَلَّفَ الْأَحْمَرَ الَّذِي لَا يَزَالُ مَخْتُومًا بِشَمْعِهِ دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ سَلِيمٌ عَلَى فَتْحِهِ بَعْدُ.
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى الْمُغَلَّفِ الْأَحْمَرِ طَوِيلًا. “هَلْ فَكَّرْتَ فِي فَتْحِهِ؟”
“كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا.” اعْتَرَفَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. “لَكِنَّ أَبِي كَتَبَ عَلَيْهِ بِوُضُوحٍ: حِينَ أَكُونُ جَاهِزًا. وَأَنَا لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مَتَى سَأَكُونُ جَاهِزًا فِعْلًا، أَوْ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ هَذَا التَّعْبِيرُ بِالضَّبْطِ.”
“رُبَّمَا يَعْنِي أَنْ تَفْهَمَ كُلَّ مَا حَوْلَهُ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ تَفْهَمَ مَا بِدَاخِلِهِ.” اقْتَرَحَتْ يَاسَمِينُ بِحِكْمَةٍ هَادِئَةٍ. “لِنَبْدَأْ بِالْمَنْهَجِيَّةِ إِذَنْ.” أَضَافَتْ وَهِيَ تَرْتَدِي نَظَّارَةَ قِرَاءَةٍ رَقِيقَةً، وَتُخْرِجُ مِنْ دُرْجِ مَكْتَبِهَا مَلَفًّا كَبِيرًا يَحْمِلُ عُنْوَانَ “أَرْشِيفُ حَيِّ الْيَاسَمِينِ ـ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ”، ثَمَرَةَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّحْقِيقِ الْمُتَقَطِّعِ. “لَدَيَّ نُسَخٌ مُصَوَّرَةٌ مِنْ سِجِلَّاتِ الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، جَمَعْتُهَا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ مِنْ مَصَادِرَ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ. دَعْنَا نُقَارِنُهَا بِمَا وَجَدْتَهُ أَنْتَ، عَسَى أَنْ نَمْلَأَ الْفَرَاغَاتِ الَّتِي بَقِيَتْ عَالِقَةً عِنْدِي طَوِيلًا.”
قَضَيَا السَّاعَاتِ الْأُولَى فِي مُقَارَنَةٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الْوَثَائِقِ: تَوَارِيخُ، أَسْمَاءُ، تَوْقِيعَاتٌ، أَخْتَامٌ رَسْمِيَّةٌ. كَانَتْ يَاسَمِينُ بَارِعَةً فِي هَذَا الْعَمَلِ، تَرْبِطُ بَيْنَ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ بِسُرْعَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا سَلِيمٌ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَجْلِبُ النَّظْرَةَ الْمِعْمَارِيَّةَ الدَّقِيقَةَ الَّتِي اعْتَادَ عَلَيْهَا فِي عَمَلِهِ، يُقَارِنُ بَيْنَ خُطُوطِ الْيَدِ وَأَنْمَاطِ الْأَخْتَامِ كَمَا يُقَارِنُ بَيْنَ مُخَطَّطَاتٍ هَنْدَسِيَّةٍ مُتَشَابِهَةٍ.
“فِي عَمَلِي، حِينَ أُرَاجِعُ مُخَطَّطًا مِعْمَارِيًّا قَدِيمًا لِمَبْنًى تَارِيخِيٍّ، أَبْحَثُ دَائِمًا عَنِ التَّعْدِيلَاتِ اللَّاحِقَةِ: طَبَقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الطِّلَاءِ تُخْفِي شَقًّا قَدِيمًا، جِدَارٍ أُضِيفَ لَاحِقًا لِيُخْفِيَ غُرْفَةً كَانَتْ مَفْتُوحَةً سَابِقًا.” قَالَ سَلِيمٌ وَهُوَ يُقَارِنُ بَيْنَ نُسْخَتَيْنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ نَفْسِهَا تَحْتَ الضَّوْءِ. “هَذِهِ الْوَثَائِقُ أَشْبَهُ بِذَلِكَ تَمَامًا: طَبَقَاتٌ مِنَ التَّعْدِيلِ، كُلُّ طَبَقَةٍ تُحَاوِلُ إِخْفَاءَ مَا تَحْتَهَا، لَكِنَّهَا تَتْرُكُ دَائِمًا أَثَرًا صَغِيرًا إِنْ بَحَثْتَ بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ.”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُعْجِبُنِي فِي طَرِيقَةِ تَفْكِيرِكَ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ صَادِقَةٍ. “مُعْظَمُ مَنْ عَمِلْتُ مَعَهُمْ فِي هَذَا الْمَجَالِ يَنْظُرُونَ إِلَى الْوَثَائِقِ كَنُصُوصٍ فَقَطْ، كَلِمَاتٍ وَأَرْقَامٍ. أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهَا كَبِنْيَةٍ، كَشَيْءٍ لَهُ طَبَقَاتٌ وَأَسَاسَاتٌ، وَهَذَا مَنْظُورٌ مُفِيدٌ جِدًّا لِمَا نُحَاوِلُ فِعْلَهُ الْآنَ.”
اسْتَمَرَّا فِي الْعَمَلِ بِتَنَاغُمٍ مُتَزَايِدٍ، يَتَبَادَلَانِ الْمُلَاحَظَاتِ، يُصَحِّحَانِ فَرَضِيَّاتِ بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ، حَتَّى بَدَأَ سَلِيمٌ يَشْعُرُ، رَغْمَ ثِقَلِ الْمَوْضُوعِ الَّذِي يَعْمَلَانِ عَلَيْهِ، بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالرَّاحَةِ فِي وُجُودِ شَرِيكٍ حَقِيقِيٍّ فِي هَذَا التَّحْقِيقِ، بَعْدَ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ شَعَرَ خِلَالَهُمَا بِأَنَّهُ وَحِيدٌ تَمَامًا وَسْطَ شَبَكَةٍ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالتَّهْدِيدَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ.
“هُنَا.” قَالَتْ يَاسَمِينُ فَجْأَةً، مُشِيرَةً إِلَى وَثِيقَةٍ أَخْرَجَتْهَا مِنْ مَلَفِّهَا الْخَاصِّ، نُسْخَةٍ مُصَوَّرَةٍ رَدِيئَةِ الْجَوْدَةِ مِنْ سِجِلِّ مِلْكِيَّةِ أَرَاضٍ يَعُودُ لِعَامِ ١٩٧٤. “هَذَا سِجِلُّ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيُّ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، قَبْلَ أَيِّ تَعْدِيلٍ. أَخَذْتُهُ مِنْ نُسْخَةٍ أَرْشِيفِيَّةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي مَكْتَبَةِ الْجَامِعَةِ، لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهَا هُنَاكَ.”
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ السِّجِلَّ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، مُتَمَعِّنًا فِي كُلِّ سَطْرٍ وَكُلِّ رَقْمٍ: قِطْعَةُ الْأَرْضِ الْكَبِيرَةُ، الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْآنَ حَيُّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، كَانَتْ مُسَجَّلَةً بِاسْمِ “آلِ سَمَاحَةَ”، عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ تَمْتَلِكُ الْأَرْضَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ عَلَى الْأَقَلِّ، حَسَبَ الْوَثِيقَةِ. تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ اسْمِ رَبِّ الْعَائِلَةِ الْمُسَجَّلِ: “فَادِي سَمَاحَةَ”، وَالِدِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ اخْتَفَوْا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَمَا ذَكَرَتْ يَاسَمِينُ سَابِقًا.
“وَهَذَا،” أَخْرَجَتْ يَاسَمِينُ وَثِيقَةً أُخْرَى، مُقَارِنَةً بِجَانِبِ الْأُولَى، “هُوَ سِجِلُّ الْمِلْكِيَّةِ بَعْدَ “التَّعْدِيلِ”، الْمُؤَرَّخُ بَعْدَ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ مِنَ السِّجِلِّ الْأَوَّلِ، يَنْقُلُ الْمِلْكِيَّةَ بِالْكَامِلِ إِلَى عَائِلَةِ دَرْوِيشٍ، مُوَقَّعًا مِنْ أَمِينِ السِّجِلِّ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، وَمُصَدَّقًا مِنَ الْقَاضِي حَبِيبٍ النَّجَّارِ.”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا وَجَدْتُهُ فِي الْعَقْدِ الْمُزَوَّرِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ.” قَالَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يُقَارِنُ بَيْنَ الْوَثِيقَتَيْنِ. “لَكِنَّ أَبِي كَتَبَ فِي هَامِشِ عَقْدِي أَنَّ آلَ سَمَاحَةَ لَمْ يُوَقِّعُوا عَلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنَّ التَّوْقِيعَ مُزَوَّرٌ.”
“صَحِيحٌ. لَكِنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ الَّتِي مَعِي أَوْضَحُ مِنْ نُسْخَتِكَ، وَالتَّفَاصِيلَ فِيهَا أَدَقُّ.” أَشَارَتْ يَاسَمِينُ بِإِصْبَعِهَا إِلَى أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ، إِلَى خَانَةٍ لَمْ يُلَاحِظْهَا سَلِيمٌ مِنْ قَبْلُ فِي نُسْخَتِهِ الْخَاصَّةِ، أَكْثَرَ اهْتِرَاءً مِنْ هَذِهِ. “انْظُرْ هُنَا، لَيْسَ فِي خَانَةِ الشُّهُودِ، بَلْ فِي خَانَةِ الْأَطْرَافِ الْمُوَقِّعَةِ عَلَى عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ نَفْسِهَا، إِلَى جَانِبِ تَوْقِيعِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ الْمُسْتَلِمِ لِلْأَرْضِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ عَنْ كَثَبٍ، فَوَجَدَ اسْمَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فِي تِلْكَ الْخَانَةِ بِالتَّحْدِيدِ، لَا خَانَةِ الشُّهُودِ كَمَا ظَنَّ أَوَّلَ الْأَمْرِ: “فَارِسُ دَرْوِيشٍ” مِنْ جِهَةٍ، وَ”إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ”، مُمَثِّلًا، حَسَبَ صِيَاغَةِ الْعَقْدِ الرَّسْمِيَّةِ الْغَامِضَةِ، عَنْ “الْجِهَةِ الْوَسِيطَةِ الْمُخَوَّلَةِ بِنَقْلِ الْحِيَازَةِ الْقَانُونِيَّةِ”، تَوْقِيعًا يَجْعَلُهُ لَيْسَ شَاهِدًا عَابِرًا عَلَى الصَّفْقَةِ، بَلْ طَرَفًا فِعْلِيًّا مُوَقِّعًا عَلَيْهَا، وَكَأَنَّ جَدَّهُ هُوَ مَنْ نَقَلَ الْأَرْضَ قَانُونِيًّا مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ إِلَى عَائِلَةِ دَرْوِيشٍ بِنَفْسِهِ.
تَوَقَّفَ قَلْبُ سَلِيمٍ لَحْظَةً حِينَ أَعَادَ قِرَاءَةَ الِاسْمِ مَرَّةً أُخْرَى، مُتَأَكِّدًا هَذِهِ الْمَرَّةَ أَنَّهُ لَمْ يُخْطِئِ الْفَهْمَ: “إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ.”
جَدُّهُ.
“هَذَا اسْمُ جَدِّي.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ فَجْأَةً. “إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ، وَالِدُ أَبِي. لَكِنَّ هَذَا… هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ، بَلْ أَنَّهُ مَنْ نَفَّذَ عَمَلِيَّةَ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ بِنَفْسِهِ؟”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَيْهِ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ. “أَعْرِفُ. لَاحَظْتُ هَذَا مُنْذُ أَشْهُرٍ، حِينَ وَجَدْتُ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً كَيْفَ أُخْبِرُكَ بِهَذَا، أَوْ حَتَّى إِنْ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكَ بِهِ أَصْلًا قَبْلَ أَنْ نَتَأَكَّدَ مِنْ كُلِّ التَّفَاصِيلِ، خَاصَّةً أَنَّنِي أُدْرِكُ جَيِّدًا كَمْ قَدْ يَكُونُ هَذَا مُؤْلِمًا لَكَ وَلِعَائِلَتِكَ.”
“لِمَ لَمْ تُخْبِرِينِي فِي الْمَقْهَى أَمْسِ؟”
“لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ أَوَّلًا.” قَالَتْ يَاسَمِينُ بِحَذَرٍ، وَأَخْرَجَتْ مِنْ مَلَفِّهَا وَرَقَةً أُخْرَى، شَهَادَةَ وَفَاةٍ رَسْمِيَّةً مُصَوَّرَةً، مُؤَرَّخَةً وَمَخْتُومَةً بِخَتْمِ الْبَلَدِيَّةِ. “سَلِيمُ، مَتَى تُوُفِّيَ جَدُّكَ بِالضَّبْطِ، حَسَبَ مَا تَعْرِفُهُ عَائِلَتُكَ؟”
فَكَّرَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ. “كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ وِلَادَتِي بِسَنَوَاتٍ، لَا أَعْرِفُ التَّارِيخَ الدَّقِيقَ، لَكِنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ دَائِمًا إِنَّهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ لَا يَزَالُ شَابًّا نِسْبِيًّا، فِي حَادِثٍ مَا، لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ كَثِيرًا.”
مَدَّتْ يَاسَمِينُ لَهُ شَهَادَةَ الْوَفَاةِ. “حَسَبَ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ الرَّسْمِيَّةِ، الَّتِي حَصَلْتُ عَلَيْهَا مِنْ سِجِلَّاتِ الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَشْهُرٍ، تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ، جَدُّكَ، فِي الثَّالِثِ مِنْ مَارِسَ عَامَ ١٩٧١.”
تَنَاوَلَ سَلِيمٌ الْوَثِيقَةَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَارَنَ بَيْنَ تَارِيخِ الْوَفَاةِ وَتَارِيخِ سِجِلِّ الْمِلْكِيَّةِ “الْمُعَدَّلِ” الَّذِي وَقَّعَهُ جَدُّهُ، حَسَبَ الْوَثِيقَةِ، كَشَاهِدٍ رَسْمِيٍّ.
كَانَ تَارِيخُ عَقْدِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ، الَّذِي يَحْمِلُ تَوْقِيعَ جَدِّهِ كَشَاهِدٍ، مُؤَرَّخًا فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ يُونْيُو عَامَ ١٩٧٤.
ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً بَعْدَ وَفَاةِ جَدِّهِ.
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْقَرِيبِ، وَالْوَثِيقَتَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ ثِقْلِ مَا يَعْنِيهِ هَذَا الِاكْتِشَافُ. جَدُّهُ، الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ شَخْصِيًّا قَطُّ، الَّذِي كَانَتْ صُوَرُهُ الْقَلِيلَةُ الْمُتَبَقِّيَةُ فِي أَلْبُومَاتِ الْعَائِلَةِ تُظْهِرُهُ دَائِمًا بِوَجْهٍ هَادِئٍ وَابْتِسَامَةٍ أَبَوِيَّةٍ، كَانَ اسْمُهُ مُوَقَّعًا عَلَى وَثِيقَةٍ نَقَلَتْ أَرْضًا كَامِلَةً مِنْ عَائِلَةٍ إِلَى أُخْرَى، فِي عَمَلِيَّةٍ بَدَتِ الْآنَ، فِي ضَوْءِ كُلِّ مَا اكْتَشَفَهُ سَلِيمٌ خِلَالَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، أَقْرَبَ إِلَى عَمَلِيَّةِ اسْتِيلَاءٍ مُمَنْهَجَةٍ مِنْهَا إِلَى صَفْقَةٍ عَقَارِيَّةٍ عَادِيَّةٍ.
حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ ذِكْرَى بَقِيَتْ لَهُ عَنْ جَدِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ: قِصَصٌ مُتَنَاثِرَةٌ سَمِعَهَا مِنْ عَمَّتِهِ الْكُبْرَى فِي مُنَاسَبَاتٍ نَادِرَةٍ، صُورَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي بَيْتِ جَدَّتِهِ الْقَدِيمِ قَبْلَ أَنْ تُبَاعَ تِلْكَ الْأَثَاثَاتُ بَعْدَ وَفَاتِهَا، حِكَايَةٌ وَاحِدَةٌ رَوَاهَا لَهُ أَبُوهُ ذَاتَ مَرَّةٍ عَنْ رَجُلٍ “كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَزْرَعَ الْوَرْدَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَسْكُنُهُ”. لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ كَافِيًا لِرَسْمِ صُورَةٍ مُتَكَامِلَةٍ عَنِ الرَّجُلِ الْحَقِيقِيِّ، وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا جَعَلَ هَذَا الِاكْتِشَافَ الْجَدِيدَ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُسْتَوْعَبَ بِسُهُولَةٍ: كَانَ سَلِيمٌ يُعِيدُ بِنَاءَ هُوِيَّةِ جَدِّهِ بِأَكْمَلِهَا مِنَ الصِّفْرِ، انْطِلَاقًا مِنْ وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ بَارِدَةٍ بَدَلَ ذِكْرَيَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ دَافِئَةٍ.
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ فَجْأَةً شَيْئًا، وَعَادَ بِنَظَرِهِ إِلَى الْوَثِيقَةِ الْأَصْلِيَّةِ، إِلَى خَانَةِ الشُّهُودِ الَّتِي لَاحَظَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ أَنْ تُصَحِّحَ يَاسَمِينُ فَهْمَهُ. “انْتَظِرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ جَدِّي شَاهِدًا بَلْ مُوَقِّعًا، فَمَنْ هُمُ الشُّهُودُ الْحَقِيقِيُّونَ إِذَنْ؟”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى الْوَثِيقَةِ مَعَهُ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، وَأَشَارَتْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ صَغِيرَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِخَطٍّ أَقَلَّ رَسْمِيَّةٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ، تَحْتَ التَّوْقِيعَاتِ الرَّئِيسِيَّةِ. “هُنَا. ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: “سَعِيدٌ حَمْدَانُ”، “مُنِيرٌ قَاسِمٌ”، وَ…” تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً، وَقَرَأَتِ الِاسْمَ الثَّالِثَ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، وَكَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ مِنْ كُلِّ حَرْفٍ فِيهِ: “تَوْفِيقٌ الْعَبْدُ اللهِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِقَشَعْرِيرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “تَوْفِيقٌ كَانَ شَاهِدًا عَلَى تَوْقِيعِ جَدِّي؟ عَلَى عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ نَفْسِهَا؟”
“يَبْدُو كَذَلِكَ.” أَوْمَأَتْ يَاسَمِينُ، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِإِثَارَةِ الِاكْتِشَافِ رَغْمَ خُطُورَتِهِ. “هَذَا يُفَسِّرُ جُمْلَةَ أَبِيكَ فِي قَائِمَتِهِ: “تَوْفِيقٌ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.” لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ لَيْلَةَ اخْتِفَاءِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ فَقَطْ، بَلْ رُبَّمَا لَيْلَةَ تَوْقِيعِ هَذَا الْعَقْدِ بِالذَّاتِ، أَوْ لَيْلَةً أُخْرَى مُرْتَبِطَةً بِهَا ارْتِبَاطًا وَثِيقًا لَمْ نَكْتَشِفْهُ بَعْدُ.”
“وَمَاذَا عَنِ الِاسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ؟ سَعِيدٍ حَمْدَانَ وَمُنِيرٍ قَاسِمٍ؟”
بَحَثَتْ يَاسَمِينُ فِي مَلَفَّاتِهَا بِسُرْعَةٍ. “لَا أَجِدُ أَيَّ أَثَرٍ لِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ فِي أَيِّ سِجِلٍّ حَدِيثٍ. إِمَّا أَنَّهُمَا تُوُفِّيَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أَنْ يَتْرُكَا أَثَرًا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ، أَوْ أَنَّهُمَا غَادَرَا الْمَدِينَةَ نِهَائِيًّا بَعْدَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ مُبَاشَرَةً، وَهُوَ احْتِمَالٌ يَبْدُو لِي أَكْثَرَ تَرْجِيحًا، خَاصَّةً إِنْ كَانَا يَعْرِفَانِ مَا نَعْرِفُهُ الْآنَ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ.”
اتَّصَلَتْ يَاسَمِينُ بِزَمِيلٍ قَدِيمٍ لَهَا يَعْمَلُ فِي أَرْشِيفِ صَحِيفَةٍ أُخْرَى مُنَافِسَةٍ، صَدِيقٍ مَوْثُوقٍ رَغْمَ التَّنَافُسِ الْمِهْنِيِّ بَيْنَهُمَا، وَسَأَلَتْهُ بِسُرْعَةٍ عَنْ أَيِّ ذِكْرٍ لِاسْمِ “سَعِيدٍ حَمْدَانَ” فِي أَرْشِيفِ الصَّحِيفَةِ الْقَدِيمِ. انْتَظَرَا بِصَمْتٍ مُتَوَتِّرٍ لِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، حَتَّى عَادَ صَوْتُ الزَّمِيلِ عَبْرَ السَّمَّاعَةِ بِمَعْلُومَةٍ مُقْتَضَبَةٍ: يُوجَدُ خَبَرُ وَفَاةٍ قَصِيرٌ جِدًّا، مَنْشُورٌ قَبْلَ نَحْوِ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، عَنْ رَجُلٍ يَحْمِلُ الِاسْمَ نَفْسَهُ، تُوُفِّيَ “فِي حَادِثِ سَيْرٍ غَامِضٍ” عَلَى طَرِيقٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ.
أَنْهَتْ يَاسَمِينُ الْمُكَالَمَةَ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِوَجْهٍ شَاحِبٍ. “سَعِيدٌ حَمْدَانُ، أَحَدُ الشُّهُودِ الثَّلَاثَةِ، مَاتَ أَيْضًا فِي ظَرْفٍ غَامِضٍ، بَعْدَ عَامَيْنِ فَقَطْ مِنْ تَوْقِيعِ الْعَقْدِ. هَذَا يَعْنِي أَنَّ اثْنَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْمُرْتَبِطِينَ مُبَاشَرَةً بِتِلْكَ الْوَثِيقَةِ، جَدَّكَ وَسَعِيدٌ حَمْدَانُ، مَاتَا فِي ظُرُوفٍ مُرِيبَةٍ خِلَالَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ تَوْقِيعِهَا.”
“وَمُنِيرٌ قَاسِمٌ؟”
“لَا شَيْءَ بَعْدُ. سَأُوَاصِلُ الْبَحْثَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ النَّمَطُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ هُوَ الْآخَرُ قَدْ مَاتَ، أَوِ اخْتَفَى بِطَرِيقَةٍ مَا، تَارِكًا تَوْفِيقًا وَحِيدًا كَآخِرِ شَاهِدٍ حَيٍّ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأَكْمَلِهَا.” قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تُدَوِّنُ مُلَاحَظَةً سَرِيعَةً فِي دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ لِمُتَابَعَةِ هَذَا الْخَيْطِ لَاحِقًا.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِثِقْلِ هَذَا الِاسْتِنْتَاجِ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِهِ كَحَجَرٍ بَارِدٍ: إِنْ كَانَ النَّمَطُ صَحِيحًا، فَإِنَّ تَوْفِيقًا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَصْدَرِ مَعْلُومَاتٍ مُحْتَمَلٍ، بَلْ كَانَ، حَرْفِيًّا، آخِرَ إِنْسَانٍ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ، وَهُوَ، بِحُكْمِ هَذَا الْوَضْعِ بِالذَّاتِ، الْهَدَفُ الْأَكْثَرُ عُرْضَةً لِلْخَطَرِ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ تَقَابَلُوا مَعَهُ حَتَّى الْآنَ. تَسَاءَلَ سَلِيمٌ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ: هَلْ كَانَ تَوْفِيقٌ يُدْرِكُ هُوَ نَفْسُهُ خُطُورَةَ مَوْقِعِهِ هَذَا طَوَالَ الْخَمْسِينَ عَامًا الْمَاضِيَةِ؟ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُهَا، فَكَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْقَى حَيًّا كُلَّ هَذِهِ الْمُدَّةِ، بَيْنَمَا مَاتَ مَنْ حَوْلَهُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ؟
“يَجِبُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ اللَّيْلَةَ.” قَالَ سَلِيمٌ بِحَزْمٍ مُتَزَايِدٍ. “قَبْلَ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْوَقْتُ، تَمَامًا كَمَا تَأَخَّرَ مَعَ الْبَقِيَّةِ.”
“لَكِنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ تَفْسِيرًا مَنْطِقِيًّا. “إِنْ كَانَ جَدِّي قَدْ تُوُفِّيَ عَامَ ١٩٧١، وَهَذَا الْعَقْدُ مُؤَرَّخٌ عَامَ ١٩٧٤، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَحَدًا اسْتَخْدَمَ اسْمَهُ وَتَوْقِيعَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ. هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى تَوَرُّطِ جَدِّي، بَلْ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى التَّزْوِيرِ نَفْسِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
فَكَّرَتْ يَاسَمِينُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَكَأَنَّهَا تَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِعِنَايَةٍ. “هَذَا احْتِمَالٌ مَنْطِقِيٌّ جِدًّا يَا سَلِيمُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ الِاحْتِمَالَ الْأَصَحَّ فِعْلًا. لَكِنْ هُنَاكَ احْتِمَالٌ آخَرُ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْتَبْعِدَهُ كَصَحَفِيَّةٍ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا لَكَ: رُبَّمَا كَانَ جَدُّكَ مُتَوَرِّطًا بِالْفِعْلِ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَوَقَّعَ عَلَى وَثَائِقَ تَمْهِيدِيَّةٍ أَوْ مَنَحَ تَفْوِيضًا اسْتُخْدِمَ لَاحِقًا، بَعْدَ مَوْتِهِ، لِإِتْمَامِ الصَّفْقَةِ نَفْسِهَا. الْوَفَاةُ لَا تُلْغِي دَائِمًا الْوَثَائِقَ الَّتِي وُقِّعَتْ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ، خَاصَّةً إِنْ كَانَتْ تَفْوِيضَاتٍ عَامَّةً أَوْ وَكَالَاتٍ قَانُونِيَّةً.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغَثَيَانٍ حَقِيقِيٍّ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا الْغَثَيَانُ الْمَجَازِيُّ الَّذِي شَعَرَ بِهِ مَعَ عَرْضِ كَمَالٍ السَّابِقِ. فِكْرَةُ أَنَّ جَدَّهُ، أَيًّا كَانَ دَوْرُهُ الْحَقِيقِيُّ، رُبَّمَا كَانَ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْمَأْسَاةِ الْقَدِيمَةِ، أَثْقَلَتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا: لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِمُوَاجَهَةِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ وَحْدَهُ كَخَصْمٍ خَارِجِيٍّ وَاضِحٍ، بَلْ رُبَّمَا بِمُوَاجَهَةِ تَارِيخِ عَائِلَتِهِ هُوَ نَفْسِهَا، تَارِيخٍ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ نَقِيًّا كَمَا تَخَيَّلَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ.
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَاقْتَرَبَ مِنْ نَافِذَةِ الْمَكْتَبِ، يَنْظُرُ إِلَى أَسْطُحِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ دُونَ أَنْ يَرَى شَيْئًا حَقِيقِيًّا، غَارِقًا فِي تَأَمُّلٍ مَرِيرٍ: كُلُّ مَا تَرَبَّى عَلَيْهِ عَنْ عَائِلَتِهِ، صُورَةُ الْجَدِّ الطَّيِّبِ فِي الْأَلْبُومَاتِ الْقَدِيمَةِ، حِكَايَاتُ الْأَبِ الْمُتَنَاثِرَةُ عَنْ “رَجُلٍ نَظِيفِ الْيَدِ” كَمَا وَصَفَهُ أَحَدُ الْمُعَزِّينَ فِي الْجِنَازَةِ، كُلُّ هَذَا بَدَأَ يَتَصَدَّعُ أَمَامَ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ بَارِدَةٍ تَحْمِلُ تَوْقِيعًا بِتَارِيخٍ يَقَعُ بَعْدَ الْوَفَاةِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ. تَسَاءَلَ سَلِيمٌ بِمَرَارَةٍ: كَمْ مِنَ “الْحَقِيقَةِ” الَّتِي نَشَأَ عَلَيْهَا عَنْ هُوِيَّتِهِ وَعَائِلَتِهِ كَانَتْ فِي الْوَاقِعِ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ مُرِيحَةٍ، تَمَّ تَلْمِيعُهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ لِتُصْبِحَ أُسْطُورَةً عَائِلِيَّةً بَدَلَ حَقِيقَةٍ مُعَقَّدَةٍ وَمُؤْلِمَةٍ؟
عَادَ وَجَلَسَ، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ. “هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ أَبِي كَانَ يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا حِينَ كَانَ طِفْلًا؟ أَنْ يَكْبُرَ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ أَبَاهُ رُبَّمَا كَانَ مُتَوَرِّطًا فِي شَيْءٍ كَهَذَا؟”
“لَا أَظُنُّ ذَلِكَ.” أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ. “مِنْ كُلِّ مَا جَمَعْتُهُ عَنْ وَالِدِكَ مِنْ خِلَالِ تَحْقِيقَاتِي، يَبْدُو أَنَّهُ اكْتَشَفَ هَذَا تَدْرِيجِيًّا، رُبَّمَا فِي نَفْسِ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي بَدَأَ فِيهَا ابْتِعَادُهُ عَنْ مَجَالِ الْعَقَارَاتِ وَتَفَرُّغُهُ لِلصَّيْدَلَةِ، وَكَأَنَّ الِاكْتِشَافَ نَفْسَهُ هُوَ مَا دَفَعَهُ لِلْهُرُوبِ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ كُلِّهِ.”
“ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لَاحِقًا، حِينَ قَرَّرَ أَنْ يَجْمَعَ الْأَدِلَّةَ بَدَلَ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهَا لِلْأَبَدِ.” أَكْمَلَ سَلِيمٌ الْفِكْرَةَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، شَاعِرًا فَجْأَةً بِفَخْرٍ غَرِيبٍ مَمْزُوجٍ بِالْحُزْنِ تُجَاهَ أَبِيهِ: رَجُلٌ اكْتَشَفَ إِرْثًا عَائِلِيًّا مُلَوَّثًا، وَبَدَلَ أَنْ يَدْفِنَهُ إِلَى الْأَبَدِ كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ الْجَدُّ نَفْسُهُ ضِمْنِيًّا، قَرَّرَ أَنْ يُوَاجِهَهُ، وَلَوْ كَلَّفَهُ هَذَا حَيَاتَهُ فِي النِّهَايَةِ؛ وأَعْتَقِدُ كَلَّفَهُ هَذَا حَيَاتَهُ.
“أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ الْمَزِيدَ عَنْ جَدِّي.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ. “كَيْفَ مَاتَ بِالضَّبْطِ؟ وَمَاذَا كَانَ يَعْمَلُ قَبْلَ مَوْتِهِ؟”
قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ يَاسَمِينُ، أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ وَاتَّصَلَ بِلَيَانَ مُبَاشَرَةً، مُفَضِّلًا أَنْ يَسْمَعَ مَا تَعْرِفُهُ عَائِلَتُهُ بِصَوْتِهَا هِيَ، لَا مِنْ وَثَائِقَ بَارِدَةٍ وَحْدَهَا.
“لَيَانُ، سُؤَالٌ غَرِيبٌ: مَاذَا تَعْرِفِينَ عَنْ جَدِّنَا إِبْرَاهِيمَ؟ كَيْفَ مَاتَ بِالضَّبْطِ؟”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ. “لِمَ تَسْأَلُ فَجْأَةً يَا سَلِيمُ؟ هَذَا… هَذَا مَوْضُوعٌ لَمْ نَتَحَدَّثْ عَنْهُ كَثِيرًا فِي الْعَائِلَةِ. أُمِّي تَكْرَهُ الْحَدِيثَ عَنْهُ لِسَبَبٍ مَا، أَذْكُرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَيِّرُ الْمَوْضُوعَ دَائِمًا حِينَ كُنَّا نَسْأَلُ عَنْهُ صِغَارًا.”
“هَلْ تَعْرِفِينَ أَيْنَ كَانَ يَعْمَلُ؟”
“فِي الْبَلَدِيَّةِ، عَلَى مَا أَذْكُرُ، شَيْءٌ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالسِّجِلَّاتِ الْقَانُونِيَّةِ. لِمَ كُلُّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ يَا سَلِيمُ؟ هَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا؟”
تَرَدَّدَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ الصِّدْقَ الْجُزْئِيَّ. “وَجَدْتُ اسْمَهُ فِي وَثِيقَةٍ قَدِيمَةٍ، مُرْتَبِطَةٍ بِمِلْكِيَّةِ أَرْضِ الْحَيِّ. أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ دَوْرَهُ الْحَقِيقِيَّ فِي كُلِّ هَذَا.”
“سَلِيمُ…” قَالَتْ لَيَانُ بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ. “هَلْ تَظُنُّ أَنَّ جَدَّنَا كَانَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِمَا حَدَثَ لِأَبِي؟”
“لَا أَعْرِفُ بَعْدُ يَا لَيَانُ. لَكِنَّنِي سَأُخْبِرُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَفْهَمَهُ بِنَفْسِي، أَعِدُكِ.”
أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ. “أُمِّي تَرْفُضُ الْحَدِيثَ عَنْ جَدِّي مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَسَبَ لَيَانَ. رُبَّمَا كَانَتْ تَعْرِفُ شَيْئًا، أَوْ تَشُكُّ فِي شَيْءٍ، دُونَ أَنْ تُخْبِرَنَا بِهِ قَطُّ.”
لَمْ تَمْضِ دَقَائِقُ قَلِيلَةٌ حَتَّى رَنَّ هَاتِفُ سَلِيمٍ مَرَّةً أُخْرَى، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرَقْمِ أُمِّهِ مُبَاشَرَةً، لَا لَيَانَ. أَجَابَ بِحَذَرٍ، مُتَوَقِّعًا غَضَبًا أَوْ قَلَقًا إِضَافِيًّا.
“سَلِيمُ.” كَانَ صَوْتُ أُمِّهِ أَكْثَرَ هُدُوءً مِمَّا تَوَقَّعَ، لَكِنَّهُ هُدُوءٌ مُثْقَلٌ بِشَيْءٍ قَدِيمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ فِي صَوْتِهَا مِنْ قَبْلُ. “لَيَانُ أَخْبَرَتْنِي بِأَسْئِلَتِكَ عَنْ أَبِيكَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.”
“أُمِّي، أَنَا آسِفٌ إِنْ كَانَ هَذَا يُزْعِجُكِ، لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ…”
“لَا بَأْسَ.” قَاطَعَتْهُ بِلُطْفٍ حَازِمٍ. “لَطَالَمَا عَرَفْتُ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ سَيَأْتِي، مُنْذُ أَنْ تَزَوَّجْتُ أَبَاكَ وَعَرَفْتُ شَيْئًا مِنَ الْمَاضِي الَّذِي لَمْ يَشَأْ أَنْ يُحَدِّثَنِي عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ قَطُّ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ، يَا ابْنِي، هُوَ أَنَّ حَمَايَ إِبْرَاهِيمَ، رَحِمَهُ اللهُ، تَغَيَّرَ كَثِيرًا فِي آخِرِ سَنَوَاتِ حَيَاتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِذَلِكَ الْحَادِثِ الْغَامِضِ. كَانَ رَجُلًا يَبْتَسِمُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنِ الِابْتِسَامِ تَمَامًا فِي أَشْهُرِهِ الْأَخِيرَةِ، وَكَانَ يَهْمِسُ أَحْيَانًا لِزَوْجَتِهِ، جَدَّتِكَ، عِبَارَاتٍ عَنْ “خَطَأٍ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ”، دُونَ أَنْ يُوَضِّحَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا. جَدَّتُكَ حَمَلَتْ هَذَا السِّرَّ مَعَهَا إِلَى قَبْرِهَا، وَلَمْ تُخْبِرْ أَبَاكَ بِشَيْءٍ وَاضِحٍ قَطُّ، فَقَطْ شُعُورٌ عَامٌّ بِأَنَّ شَيْئًا مُظْلِمًا حَدَثَ، ظَلَّ يُطَارِدُ الْعَائِلَةَ كَظِلٍّ صَامِتٍ لَا يُرَى لَكِنَّهُ مَحْسُوسٌ دَائِمًا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى أُمِّهِ. “لِمَ لَمْ تُخْبِرِينَا بِهَذَا مِنْ قَبْلُ؟”
“لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ وَاضِحٌ لِأُخْبِرَكُمْ بِهِ يَا ابْنِي، فَقَطْ أَشْبَاحٌ وَهَمَسَاتٌ قَدِيمَةٌ. لَكِنِ الْآنَ، وَبَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ، أَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ أَخِيرًا لِتُكْشَفَ تِلْكَ الْأَشْبَاحُ، مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ. كُنْ حَذِرًا فَقَطْ، أَرْجُوكَ.”
أَنْهَى سَلِيمٌ الْمُكَالَمَةَ، وَبَقِيَ صَامِتًا لِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، يُحَدِّقُ فِي هَاتِفِهِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ فِعْلًا، بَيْنَمَا جَلَسَتْ يَاسَمِينُ أَمَامَهُ بِصَمْتٍ مُحْتَرَمٍ، تَارِكَةً لَهُ مَسَاحَةً لِيَسْتَوْعِبَ مَا سَمِعَهُ لِلتَّوِّ. أَدْرَكَ سَلِيمٌ أَنَّ كَلِمَاتِ أُمِّهِ، رَغْمَ غُمُوضِهَا، أَضَافَتْ بُعْدًا إِنْسَانِيًّا جَدِيدًا لِكُلِّ هَذَا التَّحْقِيقِ الْبَارِدِ: لَمْ يَكُنْ جَدُّهُ مُجَرَّدَ اسْمٍ عَلَى وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ، بَلْ رَجُلًا حَقِيقِيًّا عَاشَ سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةَ تَحْتَ وَطْأَةِ ذَنْبٍ أَوْ خَوْفٍ لَمْ يَسْتَطِعِ الْبَوْحَ بِهِ حَتَّى لِزَوْجَتِهِ، هَامِسًا فَقَطْ بِعِبَارَاتٍ مُقْتَضَبَةٍ عَنْ “خَطَأٍ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ”، تَارِكًا وَرَاءَهُ إِرْثًا مِنَ الصَّمْتِ تَوَارَثَتْهُ الْعَائِلَةُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ دُونَ أَنْ تَفْهَمَهُ بِوُضُوحٍ قَطُّ.
“أَظُنُّ أَنَّنِي بَدَأْتُ أَفْهَمُ الْآنَ.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا، نَاظِرًا إِلَى يَاسَمِينَ. “هَذَا الصَّمْتُ الْعَائِلِيُّ، هَذَا الشُّعُورُ الْغَامِضُ بِأَنَّ شَيْئًا مَا خَاطِئًا يَحُومُ حَوْلَ عَائِلَتِنَا دُونَ أَنْ يُقَالَ بِوُضُوحٍ، لَمْ يَبْدَأْ مَعَ أَبِي، بَلْ مَعَ جَدِّي، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا. أَبِي لَمْ يَكُنْ يُخْفِي عَنِّي سِرًّا وَاحِدًا فَقَطْ، بَلْ كَانَ يُحَاوِلُ، فِي صَمْتِهِ الطَّوِيلِ، أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَ إِرْثٍ كَامِلٍ مِنَ الذَّنْبِ لَمْ يَخْلُقْهُ هُوَ بِنَفْسِهِ.”
“وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ قَرَارَهُ الْأَخِيرَ بِجَمْعِ كُلِّ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ أَكْثَرَ شَجَاعَةً مِمَّا تَتَخَيَّلُ.” أَضَافَتْ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ. “لَمْ يَكُنْ يُحَاوِلُ فَقَطْ كَشْفَ جَرِيمَةٍ قَدِيمَةٍ، بَلْ كَانَ يُحَاوِلُ، عَلَى طَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ، أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ صَمْتِ عَائِلَتِهِ الطَّوِيلِ، وَلَوْ بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.”
“سُؤَالٌ مُمْتَازٌ، وَلَدَيَّ بِدَايَةُ إِجَابَةٍ عَنْهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَأَخْرَجَتْ مَلَفًّا أَصْغَرَ مِنْ كَوْمَةِ أَوْرَاقِهَا. “حَسَبَ سِجِلَّاتِ الْوَفَاةِ نَفْسِهَا، تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ “فِي حَادِثِ عَمَلٍ” دَاخِلَ مَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ يَعْمَلُ، حَسَبَ السِّجِلَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ، “مُسْتَشَارًا قَانُونِيًّا” لِمَكْتَبِ أَمِينِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي، أَيْ لِمَكْتَبِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ الْحَرَكَةِ تَمَامًا. “جَدِّي كَانَ يَعْمَلُ مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ؟”
“يَبْدُو ذَلِكَ، حَسَبَ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ عَلَى الْأَقَلِّ.” أَوْمَأَتْ يَاسَمِينُ. “وَسَبَبُ الْوَفَاةِ الْمُسَجَّلُ رَسْمِيًّا هُوَ “سُقُوطٌ عَرَضِيٌّ مِنَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ لِمَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ أَثْنَاءَ أَعْمَالِ صِيَانَةٍ”، وَصْفٌ غَامِضٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِمُوَظَّفٍ مَكْتَبِيٍّ لَا عَلَاقَةَ لَهُ عَادَةً بِأَعْمَالِ الصِّيَانَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ طَبِيعَةَ عَمَلِ جَدِّهِ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ. “مَاذَا يَعْنِي بِالضَّبْطِ أَنْ يَكُونَ “مُسْتَشَارًا قَانُونِيًّا” لِمَكْتَبِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي؟ أَلَيْسَ هَذَا مَنْصِبًا مُخْتَلِفًا عَنْ مَنْصِبِ أَمِينِ السِّجِلِّ نَفْسِهِ؟”
“بِالضَّبْطِ، وَهُنَا تَكْمُنُ الْأَهَمِّيَّةُ.” أَوْضَحَتْ يَاسَمِينُ وَهِيَ تُقَلِّبُ أَوْرَاقَهَا بَحْثًا عَنْ تَفْصِيلٍ إِضَافِيٍّ. “أَمِينُ السِّجِلِّ، مِثْلَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، هُوَ الْمُوَظَّفُ الرَّسْمِيُّ الْمُخَوَّلُ بِتَسْجِيلِ عَمَلِيَّاتِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ وَخَتْمِهَا. لَكِنَّ “الْمُسْتَشَارَ الْقَانُونِيَّ” غَالِبًا مَا يَكُونُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، يُسْتَدْعَى لِتَقْدِيمِ رَأْيٍ قَانُونِيٍّ فِي حَالَاتٍ مُعَقَّدَةٍ أَوْ مُتَنَازَعٍ عَلَيْهَا، لِيُضْفِيَ شَرْعِيَّةً إِضَافِيَّةً عَلَى قَرَارٍ مُعَيَّنٍ. بِمَعْنًى آخَرَ، لَوْ كَانَتْ عَمَلِيَّةُ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ سَمَاحَةَ مُثِيرَةً لِلْجَدَلِ بِمَا يَكْفِي لِتَحْتَاجَ غِطَاءً قَانُونِيًّا إِضَافِيًّا، فَرُبَّمَا اسْتُدْعِيَ جَدُّكَ تَحْدِيدًا لِهَذَا الْغَرَضِ: لِيَمْنَحَ الصَّفْقَةَ مَظْهَرًا قَانُونِيًّا سَلِيمًا لَا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهِ بِسُهُولَةٍ.”
“إِذَنْ جَدِّي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ طَرَفٍ عَرَضِيٍّ فِي هَذَا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْأَدَاةَ الْقَانُونِيَّةَ الَّتِي جَعَلَتِ الْجَرِيمَةَ تَبْدُو نَظِيفَةً عَلَى الْوَرَقِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِمَرَارَةٍ مُتَزَايِدَةٍ.
“هَذَا احْتِمَالٌ، نَعَمْ. لَكِنْ يَبْقَى احْتِمَالٌ آخَرُ لَا يَقِلُّ تَرْجِيحًا: رُبَّمَا اسْتُخْدِمَ جَدُّكَ دُونَ عِلْمِهِ الْكَامِلِ بِحَقِيقَةِ مَا يُوَقِّعُ عَلَيْهِ، أَوْ رُبَّمَا اكْتَشَفَ الْحَقِيقَةَ مُتَأَخِّرًا، بَعْدَ أَنْ وَقَّعَ بِالْفِعْلِ، وَحَاوَلَ التَّرَاجُعَ أَوِ الْإِبْلَاغَ عَمَّا حَدَثَ، وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا قَدْ يُفَسِّرُ وَفَاتَهُ “الْعَرَضِيَّةَ” بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، حِينَ لَمْ يَعُدْ صَامِتًا كَمَا تَوَقَّعَ مِنْهُ مَنِ اسْتَخْدَمُوهُ فِي الْبِدَايَةِ.”
بَقِيَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مُعَلَّقًا بَيْنَهُمَا فِي الْهَوَاءِ، ثَقِيلًا بِقَدْرِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ تَمَامًا، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَيٌّ مِنْهُمَا تَرْجِيحَ كَفَّةٍ عَلَى الْأُخْرَى دُونَ مَزِيدٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى يَاسَمِينَ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ. “تَقْصِدِينَ أَنَّهُ قُتِلَ هُوَ الْآخَرُ؟ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قُتِلَ بِهَا أَبِي بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا؟”
“لَا أَسْتَطِيعُ الْجَزْمَ بِهَذَا يَا سَلِيمُ، لَيْسَ بَعْدُ. لَكِنَّ النَّمَطَ يُقْلِقُنِي، أَعْتَرِفُ بِذَلِكَ. رَجُلَانِ مِنَ الْعَائِلَةِ نَفْسِهَا، يَعْمَلَانِ فِي مَجَالٍ قَرِيبٍ مِنْ مَلَفَّاتِ الْأَرَاضِي وَالْمِلْكِيَّةِ فِي هَذَا الْحَيِّ بِالذَّاتِ، يَمُوتَانِ فِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ تَحْمِلُ تَوْصِيفَاتٍ رَسْمِيَّةً مُرِيبَةً تَتَجَنَّبُ أَيَّ تَحْقِيقٍ جِنَائِيٍّ حَقِيقِيٍّ.”
عَادَتْ يَاسَمِينُ فَجْأَةً إِلَى الصُّورَةِ الْأُولَى الَّتِي وَجَدَهَا سَلِيمٌ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، تِلْكَ الَّتِي تَجْمَعُ جَدَّهُ مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ أَمَامَ مَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهَا بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَحْثًا عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ فَاتَهُمَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. أَخْرَجَتْ مِنْ دُرْجِهَا عَدَسَةً مُكَبِّرَةً صَغِيرَةً، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي تَسْتَخْدِمُهُ لِفَحْصِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ فِي الْوَثَائِقِ وَالصُّوَرِ الْقَدِيمَةِ، وَقَرَّبَتْهَا مِنَ الصُّورَةِ بِعِنَايَةٍ.
“سَلِيمُ، انْظُرْ إِلَى هَذَا.” أَشَارَتْ إِلَى الطَّرَفِ الْأَيْمَنِ مِنَ الصُّورَةِ، حَيْثُ وَقَفَ رَجُلٌ رَابِعٌ لَمْ يَنْتَبِهَا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، شِبْهُ مَقْطُوعٍ مِنْ إِطَارِ الصُّورَةِ، ظِلُّهُ يَتَدَاخَلُ مَعَ ظِلِّ الْمَبْنَى خَلْفَهُ. “هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَوْفِيقًا نَفْسَهُ؟ الزَّاوِيَةُ وَالْعُمْرُ يَبْدُوَانِ مُتَطَابِقَيْنِ تَقْرِيبًا مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي وَصَفْتَهُ لِي.”
قَرَّبَ سَلِيمٌ الصُّورَةَ مِنْ عَيْنَيْهِ، مُحَاوِلًا تَمْيِيزَ الْمَلَامِحِ الْبَاهِتَةِ. لَمْ يَسْتَطِعِ الْجَزْمَ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي وَقْفَةِ الرَّجُلِ، فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَمِيلُ بِهَا رَأْسُهُ قَلِيلًا إِلَى الْجَانِبِ، ذَكَّرَهُ فِعْلًا بِالرَّجُلِ الْمُسِنِّ الَّذِي هَمَسَ لَهُ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ فِي الْعَزَاءِ.
“إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ تَوْفِيقًا كَانَ حَاضِرًا فِي كُلِّ مَرَاحِلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ تَقْرِيبًا: شَاهِدًا عَلَى تَوْقِيعِ جَدِّي، وَحَاضِرًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأُولَى مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، وَحَيًّا حَتَّى الْيَوْمِ لِيَحْضُرَ جِنَازَةَ أَبِي بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. “رَجُلٌ وَاحِدٌ شَهِدَ كُلَّ شَيْءٍ، مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ.”
“وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُهُ أَخْطَرَ شَاهِدٍ مُمْكِنٍ، وَأَكْثَرَهُمْ عُرْضَةً لِلْخَطَرِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.” أَضَافَتْ يَاسَمِينُ بِجِدِّيَّةٍ، وَهِيَ تُعِيدُ الْعَدَسَةَ الْمُكَبِّرَةَ إِلَى دُرْجِهَا بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى لَحْظَةٍ إِضَافِيَّةٍ لِاسْتِيعَابِ حَجْمِ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْجَدِيدِ بِنَفْسِهَا.
قَضَيَا بَقِيَّةَ بَعْدِ الظُّهْرِ يَبْحَثَانِ فِي كُلِّ وَثِيقَةٍ مُتَبَقِّيَةٍ بَحْثًا عَنْ أَيِّ ذِكْرٍ إِضَافِيٍّ لِإِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ، مُحَاوِلَيْنِ أَنْ يَفْهَمَا دَوْرَهُ الْحَقِيقِيَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: هَلْ كَانَ ضَحِيَّةً اسْتُخْدِمَ اسْمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِتَبْرِيرِ جَرِيمَةٍ لَمْ يُشَارِكْ فِيهَا؟ أَمْ كَانَ شَرِيكًا مُبَكِّرًا فِي مُخَطَّطٍ اسْتَوْلَى لَاحِقًا عَلَى حَيَاتِهِ هُوَ نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَعُدْ “مُفِيدًا” لِمَنْ يُدِيرُونَ الْعَمَلِيَّةَ؟ كَانَتْ كُلُّ وَثِيقَةٍ جَدِيدَةٍ يَفْحَصَانِهَا تُضِيفُ سُؤَالًا بَدَلَ أَنْ تُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ قَدِيمٍ، حَتَّى بَدَأَ سَلِيمٌ يَشْعُرُ أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ أَشْبَهُ بِتَقْشِيرِ طَبَقَاتِ بَصَلَةٍ لَا نِهَائِيَّةٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ تَكْشِفُ عَنْ طَبَقَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ إِيلَامًا مِنْ سَابِقَتِهَا.
فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ تَقْرِيبًا، وَحِينَ بَدَأَ ضَوْءُ النَّهَارِ يَخْفُتُ خَارِجَ نَافِذَةِ الْمَكْتَبِ، وَجَدَتْ يَاسَمِينُ وَرَقَةً صَغِيرَةً أُخْرَى، بَيْنَ أَوْرَاقِ سَلِيمٍ الْأَصْلِيَّةِ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَا أَوْرَاقِهَا، سَقَطَتْ مِنَ الْمَلَفِّ الَّذِي أَحْضَرَهُ مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، وَلَمْ يُلَاحِظْهَا سَلِيمٌ مِنْ قَبْلُ، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ دَاخِلَ الصَّفَحَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ كِتَابِ “تَارِيخِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ” نَفْسِهِ الَّذِي وَجَدَ الْمِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ بِدَاخِلِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
فَتَحَتْهَا يَاسَمِينُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَتْ رِسَالَةً قَصِيرَةً أُخْرَى بِخَطِّ وَالِدِ سَلِيمٍ، مُؤَرَّخَةً، عَلَى عَكْسِ رِسَالَتِهِ الْأُولَى غَيْرِ الْمُؤَرَّخَةِ، بِتَارِيخٍ مُحَدَّدٍ: قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأُسْبُوعَيْنِ بِالضَّبْطِ.
قَرَأَتْهَا بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ قَلِيلًا، وَصَوْتُهَا يَرْتَجِفُ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ:
“إِنْ وَصَلْتَ إِلَى هَذِهِ النُّقْطَةِ يَا سَلِيمُ، فَأَنْتَ الْآنَ تَعْرِفُ عَنْ أَبِي مَا لَمْ أُخْبِرْكَ بِهِ قَطُّ، لِأَنَّنِي لَمْ أَفْهَمْهُ بِنَفْسِي إِلَّا مُتَأَخِّرًا جِدًّا. اسْمَعْ جَيِّدًا: أَبِي لَمْ يَكُنْ خَائِنًا، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا بَرِيئًا تَمَامًا كَمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَخَيَّلَهُ طَوَالَ حَيَاتِي. الْحَقِيقَةُ أَعْقَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَأَنَا نَفْسِي لَمْ أَكْتَشِفْهَا كَامِلَةً إِلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، حِينَ وَجَدْتُ شَخْصًا وَاحِدًا لَا يَزَالُ حَيًّا، يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَعَنْ دَوْرِ أَبِي فِيهَا، وَعَنِ السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ يَمُوتُ بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ فَقَطْ مِنْ تَوْقِيعِهِ عَلَى تِلْكَ الْوَثِيقَةِ اللَّعِينَةِ. اسْمُهُ تَوْفِيقٌ. إِنْ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِنَفْسِي قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فَيَجِبُ أَنْ تَجِدَهُ أَنْتَ. هُوَ الْوَحِيدُ الْبَاقِي الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْبِرَكَ بِمَا حَدَثَ فِعْلًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبِمَا حَدَثَ لِأَبِي بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ بِالتَّحْدِيدِ.”
طَوَتْ يَاسَمِينُ الرِّسَالَةَ بِحَذَرٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ الَّذِي بَقِيَ صَامِتًا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، يُحَدِّقُ فِي الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ دُونَ أَنْ يَرَى شَيْئًا حَقِيقِيًّا.
كَانَتِ الرِّسَالَةُ، بِتَارِيخِهَا الْمُحَدَّدِ قَبْلَ الْوَفَاةِ بِأُسْبُوعَيْنِ بِالضَّبْطِ، أَثْقَلَ مِنْ أَيَّةِ وَثِيقَةٍ أُخْرَى وَجَدَهَا سَلِيمٌ حَتَّى الْآنَ، لَيْسَ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ مَعْلُومَاتٍ جَدِيدَةً فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهَا كَانَتْ آخِرَ مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ بِخَطِّ يَدِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ مُبَاشَرَةً، أَقْرَبَ إِلَى وَصِيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ مِنْهَا إِلَى مُذَكِّرَةِ تَحْقِيقٍ بَارِدَةٍ. تَخَيَّلَ سَلِيمٌ أَبَاهُ جَالِسًا وَحِيدًا فِي ذَلِكَ الْمَكْتَبِ الَّذِي زَارَهُ قَبْلَ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ، يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهُوَ يَعْرِفُ، أَوْ يَتَوَقَّعُ عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَّ الْوَقْتَ بَدَأَ يَنْفَدُ، وَأَنَّ ابْنَهُ هُوَ مَنْ سَيَقْرَؤُهَا يَوْمًا بَدَلًا مِنْهُ.
“سَلِيمُ؟” هَمَسَتْ أَخِيرًا. “هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟”
“لَا أَعْرِفُ.” أَجَابَ بِصِدْقٍ مُوجِعٍ. “مُنْذُ وُصُولِي إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ أَبِي قُتِلَ، وَأَنَّ جَدِّي رُبَّمَا كَانَ مُتَوَرِّطًا فِي جَرِيمَةِ اسْتِيلَاءٍ عَلَى أَرْضِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ، وَأَنَّ هَذَا الْجَدَّ نَفْسَهُ رُبَّمَا قُتِلَ هُوَ الْآخَرُ حِينَ لَمْ يَعُدْ مُفِيدًا لِمَنِ اسْتَخْدَمُوهُ. كُلُّ مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ عَنْ عَائِلَتِي بَدَأَ يَتَفَكَّكُ أَمَامِي، قِطْعَةً بَعْدَ أُخْرَى.”
مَدَّتْ يَاسَمِينُ يَدَهَا وَوَضَعَتْهَا عَلَى يَدِهِ بِلُطْفٍ، بَادِرَةً إِنْسَانِيَّةً بَسِيطَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ لَمْسَةٍ مُبَاشِرَةٍ بَيْنَهُمَا مُنْذُ لِقَائِهِمَا الْأَوَّلِ فِي الْمَطَارِ. “أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا صَعْبٌ يَا سَلِيمُ. لَكِنْ تَذَكَّرْ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنْتَ لَسْتَ جَدَّكَ، وَلَسْتَ حَتَّى أَبَاكَ تَمَامًا. أَنْتَ مَنْ قَرَّرَ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، بَدَلَ أَنْ يَتْرُكَهَا مَدْفُونَةً كَمَا فَعَلَ مَنْ قَبْلَكَ. هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُ عَنْكَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا عَمَّنْ سَبَقُوكَ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا طَوِيلًا، مُتَأَثِّرًا بِكَلِمَاتِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، وَيَدُهُ لَا تَزَالُ تَحْتَ يَدِهَا الدَّافِئَةِ، شَاعِرًا لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ بِرَاحَةٍ غَرِيبَةٍ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الثِّقَلِ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ بِذِهْنِهِ فَجْأَةً إِلَى الِاسْمِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُوهُ فِي رِسَالَتِهِ الْأَخِيرَةِ. “تَوْفِيقٌ. عَلَيْنَا أَنْ نَجِدَهُ الْآنَ، بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ مَا حَدَثَ لِأَبِي وَلِجَدِّي.”
“أَظُنُّ أَنَّنِي أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ نَبْدَأُ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تَفْتَحُ حَاسُوبَهَا الْمَحْمُولَ بِسُرْعَةٍ. “الرَّجُلُ الْمُسِنُّ الَّذِي وَصَفْتَهُ لِي، الَّذِي الْتَقَيْتَهُ فِي الْعَزَاءِ وَحَذَّرَكَ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ، وَوُصِفَ فِي تِلْكَ الْمُقَابَلَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي وَجَدْتُهَا بِأَنَّهُ “الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ”… إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ، فَرُبَّمَا لَا يَزَالُ يَسْكُنُ فِي الْحَيِّ الْقَدِيمِ، فِي أَحَدِ الْبُيُوتِ الَّتِي لَمْ تُهْدَمْ بَعْدُ.”
بَدَأَتْ يَاسَمِينُ تَبْحَثُ فِي سِجِلَّاتٍ قَدِيمَةٍ جَمَعَتْهَا عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ مِنْ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ، أَسْمَاءَ سُكَّانِ الْحَيِّ، عَنَاوِينَ قَدِيمَةً، حَتَّى تَوَقَّفَتْ أَخِيرًا عِنْدَ اسْمٍ وَاحِدٍ بَدَا مُطَابِقًا بِشَكْلٍ يُثِيرُ الِاهْتِمَامَ: “تَوْفِيقٌ الْعَبْدُ اللهِ”، مُسَجَّلٌ كَسَاكِنٍ قَدِيمٍ فِي الزُّقَاقِ الْخَلْفِيِّ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ، فِي بَيْتٍ لَا يَزَالُ، حَسَبَ آخِرِ سِجِلٍّ بَلَدِيٍّ مُحَدَّثٍ قَبْلَ عَامَيْنِ فَقَطْ، غَيْرَ مَشْمُولٍ بَعْدُ بِمُخَطَّطِ الْهَدْمِ، رُبَّمَا بِسَبَبِ مَوْقِعِهِ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ نِسْبِيًّا عَنِ الْمَشْرُوعِ الرَّئِيسِيِّ.
“وَجَدْتُهُ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ بِحَمَاسٍ مَكْتُومٍ. “عُنْوَانُهُ مُسَجَّلٌ هُنَا. يُمْكِنُنَا الذَّهَابُ إِلَيْهِ الْآنَ، قَبْلَ أَنْ يَغْرُبَ النَّهَارُ تَمَامًا.” أَغْلَقَتْ حَاسُوبَهَا الْمَحْمُولَ بِسُرْعَةٍ، وَجَمَعَتْ أَوْرَاقَهَا الْمُهِمَّةَ فِي حَقِيبَتِهَا الْجِلْدِيَّةِ، بِحَرَكَاتٍ سَرِيعَةٍ مُعْتَادَةٍ تَكْشِفُ سَنَوَاتٍ مِنَ الْخِبْرَةِ فِي التَّنَقُّلِ السَّرِيعِ بَيْنَ مَصَادِرِ الْمَعْلُومَاتِ وَمَوَاقِعِ الْأَحْدَاثِ. نَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ. “هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِهَذَا؟ قَدْ لَا تَكُونُ الْإِجَابَاتُ الَّتِي سَنَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنْهُ سَهْلَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، خَاصَّةً بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفْنَاهُ الْيَوْمَ عَنْ جَدِّكَ.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ بِحَزْمٍ، رَغْمَ أَنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنْ ثِقَلِ الْيَوْمِ بِأَكْمَلِهِ. “لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ تَرَفَ التَّرَدُّدِ يَا يَاسَمِينُ. مَهْمَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ، أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَهَا الْآنَ.”
خَرَجَا مَعًا مِنَ الْمَكْتَبِ، وَالشَّمْسُ بَدَأَتْ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ فَوْقَ أَسْطُحِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، مُتَّجِهَيْنِ نَحْوَ زُقَاقٍ ضَيِّقٍ فِي أَقْصَى حَيِّ الْيَاسَمِينِ، حَيْثُ يُفْتَرَضُ أَنْ يَجِدَا الرَّجُلَ الْوَحِيدَ الْمُتَبَقِّيَ الَّذِي يَحْمِلُ، رُبَّمَا، مِفْتَاحَ الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا، وَعَمَّا حَدَثَ لِجَدِّ سَلِيمٍ بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ فَقَطْ.
سَارَا عَبْرَ أَزِقَّةِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَغَيَّرُ مَلَامِحُهَا كُلَّمَا اقْتَرَبَا مِنْ مَرْكَزِ مَشْرُوعِ الْهَدْمِ: بُيُوتٌ حَجَرِيَّةٌ عَرِيقَةٌ عَلَى يَمِينِهِمَا وَيَسَارِهِمَا، بَعْضُهَا لَا يَزَالُ مَأْهُولًا، تَنْبَعِثُ مِنْهَا رَوَائِحُ الطَّبْخِ الْمَسَائِيِّ وَأَصْوَاتُ أَطْفَالٍ يَلْعَبُونَ فِي الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ مَهْجُورٌ بِالْفِعْلِ، نَوَافِذُهُ مُغْلَقَةٌ بِأَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ، وَأَبْوَابُهُ مَخْتُومَةٌ بِلَافِتَاتٍ حَمْرَاءَ تَحْمِلُ عِبَارَةَ “قَيْدُ الْإِخْلَاءِ ـ الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ”. شَعَرَ سَلِيمٌ بِحُزْنٍ غَرِيبٍ وَهُوَ يَمُرُّ بِهَذِهِ الْبُيُوتِ، مُتَخَيِّلًا كُلَّ قِصَّةٍ إِنْسَانِيَّةٍ طَوِيلَةٍ انْتَهَتْ فَجْأَةً بِلَافِتَةٍ حَمْرَاءَ وَقَرَارٍ إِدَارِيٍّ بَارِدٍ.
“كُلُّ بَيْتٍ هُنَا لَهُ قِصَّةٌ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ وَكَأَنَّهَا تَقْرَأُ أَفْكَارَهُ. “بَعْضُهَا عَائِلَاتٌ عَاشَتْ هُنَا مُنْذُ أَجْيَالٍ، لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ يَوْمًا أَوْرَاقًا قَانُونِيَّةً كَافِيَةً لِإِثْبَاتِ مِلْكِيَّتِهَا الرَّسْمِيَّةِ، فَقَطْ تَقْلِيدٌ شَفَهِيٌّ مُتَوَارَثٌ، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا جَعَلَهَا فَرِيسَةً سَهْلَةً لِعَمَلِيَّاتٍ كَهَذِهِ عَلَى مَرِّ الْعُقُودِ، سَوَاءٌ الْآنَ مَعَ مَشْرُوعِ كَمَالٍ، أَوْ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا مَعَ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ.”
مَشَيَا بِصَمْتٍ لِبِضْعِ دَقَائِقَ، حَتَّى سَأَلَهَا سَلِيمٌ فَجْأَةً: “يَاسَمِينُ، لِمَ لَمْ تَتَزَوَّجِي؟ أَعْنِي، لِمَ اخْتَرْتِ أَنْ تُكَرِّسِي حَيَاتَكِ بِأَكْمَلِهَا لِقَضِيَّةٍ كَهَذِهِ؟”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً قَلِيلًا، مُتَفَاجِئَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ. “سُؤَالٌ شَخْصِيٌّ جِدًّا لِرَجُلٍ الْتَقَيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ فَقَطْ.”
“آسِفٌ، لَا يَجِبُ أَنْ أَسْأَلَ…”
“لَا، لَا بَأْسَ.” قَاطَعَتْهُ بِلُطْفٍ. “الْحَقِيقَةُ أَنَّنِي لَمْ أَخْتَرْ ذَلِكَ بِوَعْيٍ كَامِلٍ. الْأَمْرُ تَرَاكَمَ مَعَ الْوَقْتِ، قَضِيَّةٌ بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى وَجَدْتُ نَفْسِي، فِي الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِي، بِلَا وَقْتٍ لِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي أَصْبَحَ جُزْءًا مِنِّي أَكْثَرَ مِنْ أَيَّةِ عَلَاقَةٍ أُخْرَى حَاوَلْتُهَا. أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ هَذَا صِحِّيًّا، لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَكُونُ شَخْصًا آخَرَ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنْ حَيَاتِي.”
نَظَرَ إِلَيْهَا سَلِيمٌ بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ. “رُبَّمَا لَا تَحْتَاجِينَ أَنْ تَكُونِي شَخْصًا آخَرَ. رُبَّمَا هَذَا مَا يَجْعَلُكِ جَيِّدَةً فِيمَا تَفْعَلِينَهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُكْلِفًا عَلَى الْمُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ.”
وَصَلَا أَخِيرًا إِلَى بَيْتٍ صَغِيرٍ مُتَهَالِكٍ فِي آخِرِ الزُّقَاقِ، جُدْرَانُهُ الْحَجَرِيَّةُ مُتَشَقِّقَةٌ، وَنَافِذَةٌ وَحِيدَةٌ مُضَاءَةٌ بِضَوْءٍ خَافِتٍ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. وَقَفَ سَلِيمٌ أَمَامَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ، وَيَدُهُ مُتَرَدِّدَةٌ فَوْقَ حَلْقَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ صَدِئَةٍ تَعْمَلُ كَمِقْرَعٍ، بَيْنَمَا وَقَفَتْ يَاسَمِينُ خَلْفَهُ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، تُرَاقِبُ الزُّقَاقَ الْمُحِيطَ بِحَذَرٍ مُعْتَادٍ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ. “مَاذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِلْحَدِيثِ؟ مَاذَا لَوْ أَخَفْنَاهُ بِمَجِيئِنَا فَجْأَةً هَكَذَا، دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ؟”
“لَنْ نَعْرِفَ إِلَّا إِذَا حَاوَلْنَا.” أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِهُدُوءٍ، رَغْمَ أَنَّ يَدَهَا كَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِلَا وَعْيٍ نَحْوَ حَقِيبَتِهَا، حَيْثُ تَحْتَفِظُ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ سَابِقًا فِي الْمَقْهَى، بِجِهَازِ تَسْجِيلٍ صَغِيرٍ تَسْتَخْدِمُهُ فِي مُقَابَلَاتِهَا الْحَسَّاسَةِ.
قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ سَلِيمٌ الْبَابَ، لَاحَظَا كِلَاهُمَا شَيْئًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا: الْبَابُ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ كَمَا بَدَا لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى، بَلْ كَانَ مَفْتُوحًا بِضْعَةَ سَنْتِيمَتْرَاتٍ فَقَطْ، تَتَسَرَّبُ مِنْ خِلَالِهِ عَتْمَةٌ دَاخِلِيَّةٌ كَثِيفَةٌ رَغْمَ الضَّوْءِ الْمُضَاءِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، وَصَمْتٌ ثَقِيلٌ غَيْرُ طَبِيعِيٍّ يُخَيِّمُ عَلَى الْمَكَانِ بِأَكْمَلِهِ، كَأَنَّ الْبَيْتَ نَفْسَهُ يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ، وَكَأَنَّ الزُّقَاقَ كُلَّهُ، بِأَزِقَّتِهِ الْفَرْعِيَّةِ وَبُيُوتِهِ الْمُتَلَاصِقَةِ، كَانَ يُشَارِكُهُ هَذَا الِانْتِظَارَ الصَّامِتَ الْمَشْؤُومَ.
“يَاسَمِينُ.” هَمَسَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ فَجْأَةً. “هَذَا الْبَابُ الْمَفْتُوحُ جُزْئِيًّا… أَلَا يَبْدُو لَكِ غَرِيبًا؟”
اقْتَرَبَتْ يَاسَمِينُ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ، وَأَصْغَتْ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تَهْمِسَ بِدَوْرِهَا: “لَا أَسْمَعُ أَيَّ صَوْتٍ مِنَ الدَّاخِلِ. لَا تِلْفَازَ، لَا رَادْيُو، لَا حَتَّى صَوْتَ خُطُوَاتٍ، رَغْمَ أَنَّ الضَّوْءَ مُضَاءٌ فِي الْأَعْلَى.”
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ وَدَفَعَ الْبَابَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، فَأَصْدَرَ صَرِيرًا خَشَبِيًّا حَادًّا بَدَا فِي الصَّمْتِ الْمُطْبِقِ لِلزُّقَاقِ أَعْلَى بِكَثِيرٍ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِعْلًا. انْفَتَحَ الْبَابُ عَلَى مَمَرٍّ دَاخِلِيٍّ ضَيِّقٍ مُظْلِمٍ، تَتَرَاءَى فِي آخِرِهِ دَرَجَاتُ سُلَّمٍ خَشَبِيٍّ تَصْعَدُ نَحْوَ مَصْدَرِ الضَّوْءِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ.
“سَيِّدَ تَوْفِيقٍ؟” نَادَى سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ قَلِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ أَكْثَرَ ثِقَةً مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ فِعْلًا. “هَلْ مِنْ أَحَدٍ هُنَا؟ اسْمِي سَلِيمٌ مُرَادٌ، ابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، جِئْتُ لِأَتَحَدَّثَ مَعَكَ بِخُصُوصِ أَمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا يَخُصُّ عَائِلَتَيْنَا مَعًا…”
لَمْ يُكْمِلْ جُمْلَتَهُ. مِنَ الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، وَبَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ ثَقِيلٍ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى الْأَبَدِ، جَاءَ أَخِيرًا صَوْتٌ: لَيْسَ رَدًّا كَلَامِيًّا، بَلْ صَوْتُ شَيْءٍ ثَقِيلٍ يَسْقُطُ فَجْأَةً عَلَى الْأَرْضِ الْخَشَبِيَّةِ، يَتْبَعُهُ مُبَاشَرَةً صَوْتُ خُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ مُرْتَبِكَةٍ، ثُمَّ صَمْتٌ مُطْبِقٌ تَامٌّ أَثْقَلُ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ.
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ أَسْفَلِ الدَّرَجِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَذِهْنُهُ يَسْتَحْضِرُ بِسُرْعَةٍ كُلَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُرْعِبَةَ الْمُمْكِنَةَ: هَلْ سَقَطَ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ، مَرِيضًا أَوْ مُصَابًا؟ أَمْ أَنَّ شَخْصًا آخَرَ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَسَقَطَ جَسَدٌ لَيْسَ جَسَدَ تَوْفِيقٍ؟ أَمْ أَنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ سِوَى أَثَاثٍ قَدِيمٍ مُتَهَالِكٍ سَقَطَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بِلَا عَلَاقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ بِأَيِّ خَطَرٍ فِعْلِيٍّ؟ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَقْتٌ كَافٍ لِلتَّفْكِيرِ الْمُطَوَّلِ فِي أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ.
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَذْعُورَةً، قَبْلَ أَنْ يَنْدَفِعَ سَلِيمٌ نَحْوَ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ الضَّيِّقِ، صَاعِدًا دَرَجَتَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَيَاسَمِينُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً، وَهِيَ تُخْرِجُ مِنْ حَقِيبَتِهَا بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ عُلْبَةَ رَذَاذِ فُلْفُلٍ صَغِيرَةً، اعْتَادَتْ أَنْ تَحْمِلَهَا مَعَهَا دَوْمًا، كَمَا أَخْبَرَتْهُ لَاحِقًا، مُنْذُ حَادِثَةِ الِاقْتِحَامِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا قَبْلَ عَامَيْنِ.
كَانَ الدَّرَجُ يَئِنُّ تَحْتَ أَقْدَامِهِمَا بِصَوْتٍ خَشَبِيٍّ مُتَقَطِّعٍ، وَالضَّوْءُ الْخَافِتُ الْمُتَسَرِّبُ مِنْ أَعْلَى يَتَرَاقَصُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ، وَكَأَنَّ مَصْدَرَهُ نَفْسَهُ، مِصْبَاحًا مُعَلَّقًا بِسِلْكٍ قَدِيمٍ، يَتَأَرْجَحُ جَيْئَةً وَذَهَابًا فِي الْهَوَاءِ السَّاكِنِ لِلْمَمَرِّ الْعُلْوِيِّ. كَانَتْ رَائِحَةٌ غَرِيبَةٌ تَمْلَأُ الدَّرَجَ كُلَّمَا ارْتَفَعَا، مَزِيجًا مِنْ غُبَارٍ قَدِيمٍ وَرُطُوبَةٍ وَشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ سَلِيمٌ تَحْدِيدَهُ، شَيْءٍ يُشْبِهُ رَائِحَةَ الْأَدْوِيَةِ أَوِ الْمُطَهِّرَاتِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ الْمُتَهَالِكَ يَحْتَضِنُ مَرِيضًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى مُنْتَصَفِ الدَّرَجِ تَقْرِيبًا حِينَ سَمِعَ، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، صَوْتَ أَنِينٍ خَافِتٍ، صَوْتَ إِنْسَانٍ حَيٍّ، لَا مُجَرَّدَ جَمَادٍ سَاقِطٍ، يَنْبَعِثُ مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُضَاءَةِ فِي نِهَايَةِ الْمَمَرِّ.
“تَوْفِيقُ!” نَادَى سَلِيمٌ بِصَوْتٍ أَعْلَى هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُتَجَاهِلًا كُلَّ حَذَرٍ، وَمُسْرِعًا بَقِيَّةَ الدَّرَجِ بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ، وَيَاسَمِينُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً.
وَكِلَاهُمَا لَا يَعْرِفُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، مَا الَّذِي يَنْتَظِرُهُمَا فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الصَّامِتِ: تَوْفِيقًا نَفْسَهُ، أَمْ شَخْصًا آخَرَ وَصَلَ إِلَى هُنَاكَ قَبْلَهُمَا بِلَحَظَاتٍ مَعْدُودَةٍ فَقَطْ.
— نِهَايَةُ الْفَصْلِ الرَّابِعِ —


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 05


مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ 03