Numan Albarbari نعمان البربري

مَدِيْنَةُ الْيَاسَمِينِ (رِوَايَـة)

مَدينَةُ الْيَاسَمِينِ

مُقدِّمَةٌ

فِي كُلِّ حَيٍّ قَدِيمٍ، ثَمَّةَ صَمْتٌ لَا يُشْبِهُ الصَّمْتَ الْعَادِيَّ، صَمْتٌ لَهُ وَزْنٌ، وَلَهُ ذَاكِرَةٌ، وَلَهُ أَسْمَاءُ لَمْ تُنْطَقْ مُنْذُ عُقُودٍ لَكِنَّهَا لَا تَزَالُ مَحْفُورَةً فِي الْحِجَارَةِ وَالْأَبْوَابِ الْخَشَبِيَّةِ الْعَتِيقَةِ. حَيُّ الْيَاسَمِينِ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْيَاءِ الَّتِي تَبْدُو، لِمَنْ يَعْبُرُهَا عَابِرًا، مُجَرَّدَ أَزِقَّةٍ ضَيِّقَةٍ وَسُوقٍ قَدِيمٍ وَبُيُوتٍ تَآكَلَتْ وَاجِهَاتُهَا مَعَ الزَّمَنِ، لَكِنَّهَا فِي حَقِيقَتِهَا تَحْمِلُ تَحْتَ أَدِيمِهَا حِكَايَةً لَمْ تُرْوَ كَامِلَةً بَعْدُ، حِكَايَةَ أُنَاسٍ اخْتَفَوْا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأُنَاسٍ عَاشُوا حَيَاتَهُمْ كُلَّهَا بِأَسْمَاءَ لَيْسَتْ أَسْمَاءَهُمُ الْحَقِيقِيَّةَ، وَأُنَاسٍ وَرِثُوا ذَنْبًا لَمْ يَرْتَكِبُوهُ، وَحَمَلُوهُ صَامِتِينَ كَمَا يُحْمَلُ جُرْحٌ قَدِيمٌ لَا يُشِيرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ لَكِنَّهُ لَا يَبْرَأُ أَبَدًا.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُحَاوَلَةٌ لِفَتْحِ بَابٍ ظَلَّ مُوصَدًا طَوِيلًا، بَابٍ يَقُودُ إِلَى قَبْوٍ سِرِّيٍّ تَحْتَ بَيْتٍ عَادِيٍّ فِي حَيٍّ عَادِيٍّ، حَيْثُ تَتَشَابَكُ حِكَايَةُ عَائِلَةٍ فَقَدَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي لَحْظَةٍ، بِحِكَايَةِ عَائِلَةٍ أُخْرَى وَرِثَتْ، دُونَ أَنْ تَخْتَارَ، ثِمَارَ ذَلِكَ الْفَقْدِ. وَبَيْنَ الْعَائِلَتَيْنِ، يَقِفُ رَجُلٌ عَادَ مِنَ الْغُرْبَةِ بَاحِثًا عَنْ إِجَابَةٍ بَسِيطَةٍ عَنْ مَوْتِ أَبِيهِ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَاقِفًا أَمَامَ سُؤَالٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ: مَاذَا يَعْنِي أَنْ نَنْتَمِيَ إِلَى مَكَانٍ؟ وَمَاذَا نَفْعَلُ حِينَ نَكْتَشِفُ أَنَّ انْتِمَاءَنَا نَفْسَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي لَمْ نَخْتَرْهُ؟
لَا تُقَدِّمُ هَذِهِ الصَّفَحَاتُ أَجْوِبَةً جَاهِزَةً، بَلْ تَفْتَحُ مَسَاحَةً لِلتَّأَمُّلِ فِي طَبِيعَةِ الْحَقِيقَةِ نَفْسِهَا: هَلْ تَسْتَحِقُّ الْحَقِيقَةُ أَنْ تُكْشَفَ دَائِمًا، حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ ثَقِيلَةً كَجَبَلٍ عَلَى قُلُوبِ مَنْ يَحْمِلُونَهَا؟ وَهَلِ الصَّمْتُ، فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، شَكْلٌ آخَرُ مِنْ أَشْكَالِ الرَّحْمَةِ، أَمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ خِيَانَةٍ مُؤَجَّلَةٍ؟
بَيْنَ يَدَيْكَ الْآنَ حِكَايَةُ مَدِينَةٍ صَغِيرَةٍ، لَكِنَّهَا فِي جَوْهَرِهَا حِكَايَةُ كُلِّ مَدِينَةٍ حَمَلَتْ أَسْرَارًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَحْتَمِلَهَا أَزِقَّتُهَا الضَّيِّقَةُ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

تَوَقَّعَ سَلِيمُ مُرَادٍ، وَهُوَ يَهْبِطُ مِنَ السُّلَّمِ الْمَعْدِنِيِّ إِلَى أَرْضِ مَطَارِ مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا بِالتَّمَامِ، أَنْ يَشْعُرَ بِشَيْءٍ مَا: رَجْفَةٍ فِي الصَّدْرِ، أَوْ دَمْعَةٍ لَا يَسْتَأْذِنُهُ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ، أَوْ حَتَّى ذَلِكَ الْخَدَرِ الْغَرِيبِ الَّذِي يُقَالُ إِنَّهُ يُصِيبُ الْمَرْءَ حِينَ يَطَأُ أَرْضًا كَانَتْ يَوْمًا أَرْضَهُ. لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا. شَعَرَ فَقَطْ بِحَرِّ آبَ يَلْسَعُ رَقَبَتَهُ، وَبِرَائِحَةِ وَقُودٍ مُمْتَزِجَةٍ بِتُرَابٍ لَا يَعْرِفُهُ، وَبِصَفٍّ طَوِيلٍ مِنَ الْمُسَافِرِينَ يَتَدَافَعُونَ نَحْوَ بَاصِ النَّقْلِ الدَّاخِلِيِّ، كَأَنَّ الطَّائِرَةَ سَتُقْلِعُ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ إِنْ تَأَخَّرُوا ثَانِيَةً وَاحِدَةً.
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ. كَانَتَا تَحْمِلَانِ حَقِيبَةَ سَفَرٍ سَوْدَاءَ مُتَوَسِّطَةَ الْحَجْمِ، وَحَقِيبَةَ يَدٍ صَغِيرَةً فِيهَا جَوَازُ سَفَرِهِ الْأَلْمَانِيُّ، وَهَاتِفُهُ، وَعُلْبَةُ دَوَاءٍ قَدِيمَةٌ لِأَبِيهِ احْتَفَظَ بِهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا دُونَ أَنْ يَفْتَحَهَا وَلَوْ مَرَّةً. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ لِمَ أَحْضَرَهَا مَعَهُ؛ رُبَّمَا لِأَنَّهَا الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الْبَاقِي فِي بَيْتِهِ فِي هَامْبُورْغَ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّ صَيْدَلَانِيٍّ سُورِيٍّ قَدِيمٍ: “عَبْدُ الْكَرِيمِ مُرَادٍ”.
وَأَبُوهُ مَاتَ الْآنَ. حَقًّا وَفِعْلًا. لَا مَجَازًا.
قَبْلَ ثَمَانِ سَاعَاتٍ فَقَطْ، كَانَ سَلِيمٌ يَجْلِسُ فِي مَكْتَبِهِ فِي هَامْبُورْغَ يُرَاجِعُ مُخَطَّطَاتِ مَبْنًى سَكَنِيٍّ جَدِيدٍ سَيُشَيَّدُ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرِ الْإِلْبَه، حِينَ رَنَّ هَاتِفُهُ بِرَقْمٍ سُورِيٍّ لَمْ يَحْفَظْهُ مِنْ قَبْلُ. صَوْتُ لَيَانَ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ كَانَ مَبْحُوحًا مُتَقَطِّعًا، يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ هَادِئًا بَيْنَمَا هُوَ يَتَهَاوَى: “سَلِيمُ… أَبِي… أَبِي مَاتَ.” كَلِمَتَانِ فَقَطْ، اسْتَغْرَقَتَا عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ الْمُتَرَاكِمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِتَنْفَجِرَا فِيهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَيَقِفَ مِنْ مَكْتَبِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ لِمَ وَقَفَ، وَيَسِيرَ نَحْوَ النَّافِذَةِ دُونَ أَنْ يَرَى خَلْفَهَا شَيْئًا، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى طَاوِلَتِهِ لِيَحْجِزَ أَوَّلَ رِحْلَةٍ مُتَاحَةٍ، كَأَنَّ جَسَدَهُ تَصَرَّفَ نِيَابَةً عَنْ عَقْلٍ مَا زَالَ يَرْفُضُ تَصْدِيقَ الْخَبَرِ.
لَمْ يَكُنْ سَلِيمٌ وَأَبُوهُ عَلَى وِفَاقٍ حِينَ غَادَرَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا. لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ شِجَارٌ كَبِيرٌ، وَلَا قَطِيعَةٌ مُعْلَنَةٌ، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى بُرُودٍ تَدْرِيجِيٍّ بَدَأَ حِينَ أَعْلَنَ سَلِيمٌ رَغْبَتَهُ فِي دِرَاسَةِ الْهَنْدَسَةِ الْمِعْمَارِيَّةِ فِي أَلْمَانِيَا، بَدَلَ أَنْ يُكْمِلَ، كَمَا كَانَ أَبُوهُ يَأْمُلُ بِصَمْتٍ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ، “الْعَمَلَ الْعَائِلِيَّ” الَّذِي لَمْ يَفْهَمْ سَلِيمٌ يَوْمًا مَاهِيَّتَهُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ، لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَشْرَحْهُ لَهُ يَوْمًا بِوُضُوحٍ. وَتَذَكَّرَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَقِفُ الْآنَ فِي هَذَا الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ الْمُكَيَّفِ بِالْكَادِ وَسْطَ حَرِّ آبَ، آخِرَ جُمْلَةٍ قَالَهَا لَهُ أَبُوهُ عَلَى بَابِ الْمَطَارِ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا: “اذْهَبْ يَا ابْنِي، فَالْمَدِينَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِعْمَارِيِّينَ، بَلْ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنْهَا.” لَمْ يَفْهَمْ يَوْمَهَا مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَظَنَّهَا مُجَرَّدَ عِتَابٍ أَبَوِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ، لَكِنَّهُ الْآنَ، وَهُوَ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ نَحْوَ صَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ، شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُ مَعْنًى أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ.
“سَلِيمُ مُرَادٍ؟”
اسْتَدَارَ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ. لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُنَادِيَهُ أَحَدٌ هُنَا بِهَذَا الِاسْمِ الْكَامِلِ، فَأُخْتُهُ وَحْدَهَا تَعْرِفُ مَوْعِدَ وُصُولِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَا أَنْ تَنْتَظِرَهُ عِنْدَ مَخْرَجِ الِاسْتِقْبَالِ لَا عِنْدَ صَالَةِ الْوُصُولِ.
كَانَتِ امْرَأَةً فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينِيَّاتِ، شَعْرُهَا مَرْبُوطٌ بِإِحْكَامٍ إِلَى الْخَلْفِ، تَحْمِلُ دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرًا وَقَلَمًا، وَتَرْتَدِي سُتْرَةً قُمَاشِيَّةً خَفِيفَةً رَغْمَ الْحَرِّ، كَأَنَّهَا اعْتَادَتْ أَمَاكِنَ أَبْرَدَ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْمَطَارِ. عَيْنَاهَا كَانَتَا الشَّيْءَ الْوَحِيدَ فِي وَجْهِهَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُرْتَاحًا؛ كَانَتَا تُرَاقِبَانِهِ كَمَا يُرَاقِبُ الصَّيَّادُ فَرِيسَةً تَجْهَلُ بَعْدُ أَنَّهَا فَرِيسَةٌ.
“مَنْ أَنْتِ؟” سَأَلَ بِحَذَرٍ، وَهُوَ يَشُدُّ قَبْضَتَهُ عَلَى مِقْبَضِ حَقِيبَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَدْعِيهِ الْمَوْقِفُ.
“يَاسَمِينُ نُورٍ. صَحَفِيَّةٌ. أَعْمَلُ فِي جَرِيدَةِ ‘صَوْتِ الْمَدِينَةِ’ الْمَحَلِّيَّةِ، وَأُرْسِلُ أَحْيَانًا تَحْقِيقَاتٍ إِلَى مِنَصَّاتٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْسَعَ.” مَدَّتْ يَدَهَا لِيُصَافِحَهَا، فَتَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ. “أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا التَّوْقِيتَ سَيِّئٌ. أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا لِخَبَرِ وَفَاةِ وَالِدِكَ.”
“شُكْرًا.” كَانَتْ كَلِمَةً بَارِدَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَهَا أَمْ يَسْأَلَهَا كَيْفَ عَرَفَتْ مَوْعِدَ وُصُولِهِ أَصْلًا.
“لَدَيَّ سُؤَالٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، ثُمَّ أَتْرُكُكَ تَذْهَبُ. أَعِدُكَ.”
“لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ مُنَاسِبٌ لِأَيِّ أَسْئِلَةٍ صَحَفِيَّةٍ يَا آنِسَةَ نُورٍ.”
“لَيْسَ سُؤَالًا صَحَفِيًّا.” خَفَضَتْ صَوْتَهَا قَلِيلًا، وَتَقَدَّمَتْ خُطْوَةً، كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسَافِرِينَ الْمُتَدَافِعِينَ حَوْلَهُمَا أَنْ يَسْمَعَ. “أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ لِمَ اتَّصَلَ بِي وَالِدُكَ، عَبْدُ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَفَاتِهِ، وَطَلَبَ مِنِّي مَوْعِدًا عَاجِلًا، ثُمَّ أَلْغَاهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ سَاعَتَيْنِ مِنَ الْمَوْعِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِي حَرْفِيًّا: ‘لَيْسَ الْآنَ، انْتَظِرِي ابْنِي’؟”
تَوَقَّفَ الزَّمَنُ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ فِي رَأْسِ سَلِيمٍ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَبَاهُ يَعْرِفُ اسْمَهُ أَصْلًا بِهَذَا الْوُضُوحِ الْمِهْنِيِّ، “انْتَظِرِي ابْنِي”، كَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُخَطِّطُ لِشَيْءٍ، كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ سَلِيمًا سَيَعُودُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَتَكُونُ جُزْءًا مِنْ عَوْدَتِهِ.
“لَا أَعْرِفُ عَمَّا تَتَحَدَّثِينَ.” قَالَهَا بِصِدْقٍ تَامٍّ، ثُمَّ أَضَافَ بِحِدَّةٍ لَمْ يَقْصِدْهَا: “لَمْ أُكَلِّمْ أَبِي مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، الْهَاتِفُ، ثُمَّ تَوَقَّفَ حَتَّى ذَلِكَ.”
“فَهِمْتُ.” لَمْ يَبْدُ عَلَيْهَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ تَمَامًا، لَكِنَّهَا لَمْ تُصِرَّ. أَخْرَجَتْ مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِهَا بِطَاقَةَ عَمَلٍ صَغِيرَةً وَمَدَّتْهَا إِلَيْهِ. “خُذْ رَقْمِي. لَنْ أُزْعِجَكَ فِي يَوْمٍ كَهَذَا، لَكِنْ حِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِلْكَلَامِ، سَأَكُونُ هُنَا.”
أَخَذَ الْبِطَاقَةَ، وَقَبْلَ أَنْ يَبْتَعِدَ، تَوَقَّفَ فَجْأَةً وَسَأَلَهَا سُؤَالًا لَمْ يُخَطِّطْ لَهُ: “لِمَ كُنْتِ تَنْتَظِرِينَنِي هُنَا بِالتَّحْدِيدِ، لَا فِي بَيْتِ الْعَزَاءِ مَثَلًا؟ وَكَيْفَ عَرَفْتِ مَوْعِدَ رِحْلَتِي أَصْلًا؟”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً لَمْ تَكُنِ ابْتِسَامَةَ مُجَامَلَةٍ، بَلْ أَقْرَبَ إِلَى اعْتِرَافٍ صَامِتٍ بِأَنَّهَا تَوَقَّعَتْ هَذَا السُّؤَالَ.
“لِأَنَّ بُيُوتَ الْعَزَاءِ مَلِيئَةٌ بِالْعُيُونِ يَا سَيِّدَ مُرَادٍ، وَأَنَا لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي أَحَدٌ وَأَنَا أَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ بِنَفْسِكَ مَا الَّذِي تَدْخُلُ فِيهِ. أَمَّا كَيْفَ عَرَفْتُ مَوْعِدَ رِحْلَتِكَ، فَهَذَا أَبْسَطُ مِمَّا تَظُنُّ: اسْمُكَ كَانَ عَلَى قَائِمَةِ رُكَّابِ الرِّحْلَةِ الْقَادِمَةِ مِنْ هَامْبُورْغَ، وَلِي مَعَارِفُ كَثِيرُونَ فِي هَذَا الْمَطَارِ بِحُكْمِ عَمَلِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِجِدِّيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ: “أَنَا لَا أُحَاوِلُ أَنْ أُخِيفَكَ يَا سَلِيمُ. لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَفْهَمَ شَيْئًا وَاحِدًا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى: وَالِدُكَ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا فِي الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ. كَانَ يَجْمَعُ شَيْئًا، وَيُخْفِيهِ بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَانَ خَائِفًا، حَقًّا خَائِفًا، لَا قَلِقًا عَابِرًا. أَنَا لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مِمَّنْ أَوْ مِمَّ كَانَ خَائِفًا بِالضَّبْطِ، لَكِنِّي كُنْتُ عَلَى وَشَكِ أَنْ أَعْرِفَ، حِينَ تَوَقَّفَ عَنِ الرَّدِّ عَلَى اتِّصَالَاتِي فَجْأَةً قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَفَاتِهِ.”
“وَلِمَ تُخْبِرِينِنِي بِكُلِّ هَذَا الْآنَ، بَدَلَ أَنْ تَنْتَظِرِي كَمَا وَعَدْتِ؟”
“لِأَنِّي غَيَّرْتُ رَأْيِي وَأَنَا أُرَاقِبُ وَجْهَكَ وَأَنْتَ تَتَحَدَّثُ.” قَالَتْهَا بِصَرَاحَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا. “أَظُنُّ أَنَّكَ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا فِعْلًا، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُطَمْئِنُنِي.”
لَمْ يَجِدْ سَلِيمٌ رَدًّا مُنَاسِبًا، فَاكْتَفَى بِالْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، وَأَخَذَ الْبِطَاقَةَ، وَدَسَّهَا فِي جَيْبِهِ الْخَلْفِيِّ كَأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَابْتَعَدَ بِخُطًى سَرِيعَةٍ نَحْوَ صَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ، تَارِكًا وَرَاءَهُ سُؤَالًا بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى مَعِدَتِهِ كَحَصَاةٍ بَارِدَةٍ: لِمَ كَانَ أَبُوهُ يَنْتَظِرُهُ، وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ طَوَالَ عِشْرِينَ عَامًا أَنَّ أَبَاهُ تَوَقَّفَ عَنِ انْتِظَارِهِ مُنْذُ الْيَوْمِ الَّذِي غَادَرَ فِيهِ الْمَدِينَةَ دُونَ وَدَاعٍ حَقِيقِيٍّ؟

عَرَفَ لَيَانَ مِنْ بَعِيدٍ، قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ هِيَ، مِنْ طَرِيقَةِ وُقُوفِهَا. كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ حَاجِزِ الِاسْتِقْبَالِ، ذِرَاعَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ عَلَى صَدْرِهَا، وَعَيْنَاهَا تَتَحَرَّكَانِ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ الْوُجُوهِ الْخَارِجَةِ، لَا كَامْرَأَةٍ تَنْتَظِرُ أَخَاهَا الْغَائِبَ، بَلْ كَمَنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّ أَحَدًا لَا يُرَاقِبُهَا وَهِيَ تَنْتَظِرُ.
حِينَ رَأَتْهُ، ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً سَرِيعَةً لَمْ تَصِلْ إِلَى عَيْنَيْهَا، وَرَكَضَتْ نَحْوَهُ وَاحْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعَ.
“سَلِيمُ…”
“لَيَانُ.” ضَمَّهَا بِدَوْرِهِ، وَشَمَّ فِي شَعْرِهَا رَائِحَةَ الصَّابُونِ نَفْسَهَا الَّتِي كَانَتْ تَسْتَخْدِمُهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، وَشَعَرَ لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ هَذَا وَهْمٌ صَغِيرٌ سَرْعَانَ مَا سَيَتَبَدَّدُ.
حِينَ ابْتَعَدَتْ عَنْهُ قَلِيلًا لِتَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ، رَأَى فِي عَيْنَيْهَا احْمِرَارًا مِنْ بُكَاءٍ طَوِيلٍ، لَكِنَّهُ رَأَى أَيْضًا شَيْئًا آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ فَوْرًا: قَلَقًا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْحُزْنِ عَلَى الْأَبِ، قَلَقًا مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ، أَقْرَبَ إِلَى الْخَوْفِ.
“كَيْفَ حَالُكِ؟” سَأَلَهَا وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سُؤَالٌ غَبِيٌّ فِي يَوْمٍ كَهَذَا.
“بِخَيْرٍ. أَعْنِي… لَا، لَسْتُ بِخَيْرٍ، لَكِنْ… لِنَذْهَبْ، السَّيَّارَةُ فِي الْخَارِجِ.”
فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَاحَظَ سَلِيمٌ أَوَّلَ تَغْيِيرٍ حَقِيقِيٍّ: لَوْحَاتٌ إِعْلَانِيَّةٌ ضَخْمَةٌ، تَحملُ صُوراً بِأَحجَامٍ مُختَلِفَةٍ لِشَخصيَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَأنَّ ذَلِكَ بِحَدِ ذَاتِهِ، شيءٌ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ يَتَذَكَّرُهُ فِيْ طُفُولَتِهِ، وَلَوْحَاتٌ أُخرى أَصْغَرُ نِسبِيَّا؛ مُنْتَشِرَةٌ عَلَى جَانِبَيِ الطَّرِيقِ السَّرِيعِ، تَحْمِلُ جَمِيعُهَا الشِّعَارَ نَفْسَهُ وَتُضِيفُ إِلَيهِ نِصْفَ قَمَرٍ ذَهَبِيٍّ فَوْقَ بُرْجَيْنِ زُجَاجِيَّيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وَتَحْتَهُ عِبَارَةٌ بِخَطٍّ عَرِيضٍ: “أَبْرَاجُ الْيَاسَمِينِ الْجَدِيدَةِ ـ حَيْثُ يَلْتَقِي الْمَاضِي بِالْمُسْتَقْبَلِ.”
“مَا هَذَا؟” سَأَلَ، وَهُوَ يُشِيرُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ إِحْدَى اللَّوْحَاتِ.
تَلَعْثَمَتْ لَيَانُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَعَيْنَاهَا ثَابِتَتَانِ عَلَى الطَّرِيقِ أَمَامَهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَدْعِيهِ شَارِعٌ فَارِغٌ نِسْبِيًّا.
“مَشْرُوعٌ عَقَارِيٌّ كَبِيرٌ. يُرِيدُونَ… يُرِيدُونَ إِعَادَةَ تَطْوِيرِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ وَتَحدِيثَهُ، وِفْقِاً لِشِعَارَاتِ هَذِهِ الأَيَّامِ. حَيِّ الْيَاسَمِينِ، تَعْرِفُ، حَيْثُ بَيْتُ جَدِّي.”
“يَهْدِمُونَهُ؟”
“يَقُولُونَ ‘تَطْوِيرًا وَتَحدِيثَاً’.” ضَحِكَتْ ضَحْكَةً قَصِيرَةً لَا فَرَحَ فِيهَا. “لَكِنْ نَعَمْ، أَغْلَبُ الْبُيُوتِ الْقَدِيمَةِ سَتُهْدَمُ، وَسَيَبْنُونَ مَكَانَهَا أَبْرَاجًا وَفَنَادِقَ وَمَرْكَزًا تِجَارِيًّا. كَمَالٌ هُوَ مَنْ يَقُودُ الْمَشْرُوعَ.”
“كَمَالٌ دَرْوِيشٌ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. تَذَكَّرَ كَمَالًا، صَدِيقَ أَبِيهِ الْقَدِيمَ، الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يَزُورُهُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ تَقْرِيبًا حِينَ كَانَ سَلِيمٌ طِفْلًا، يُحْضِرُ مَعَهُ الْحَلْوَى، وَيَجْلِسُ مَعَ أَبِيهِ سَاعَاتٍ يَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ عَنْ أُمُورٍ لَمْ يَكُنْ سَلِيمٌ يَفْهَمُهَا فِي ذَلِكَ الْعُمْرِ.
“نَعَمْ. أَصْبَحَ رَجُلَ أَعْمَالٍ كَبِيرًا الْآنَ. يَمْلِكُ نِصْفَ مَشَارِيعِ الْمَدِينَةِ تَقْرِيبًا.”
“وَأَبِي، مَاذَا كَانَ يَظُنُّ فِي هَذَا الْمَشْرُوعِ؟”
تَوَقَّفَتْ لَيَانُ عَنِ الْكَلَامِ لَحْظَةً أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، حَتَّى إِنَّ سَلِيمًا الْتَفَتَ إِلَيْهَا يَنْتَظِرُ.
“أَبِي كَانَ ضِدَّ الْمَشْرُوعِ.” قَالَتْهَا أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. “بِشِدَّةٍ. وَهَذَا كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ، وَأَرْجُوكَ لَا تَسْأَلْنِي الْآنَ عَنِ التَّفَاصِيلِ، لِأَنِّي حَقًّا لَا أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَلِأَنَّنَا وَصَلْنَا تَقْرِيبًا، وَأُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ جَاهِزًا لِرُؤْيَةِ بَيْتِ الْعَزَاءِ يَا سَلِيمُ. سَتَأْتِي أُمِّي، وَأَعْمَامُكَ، وَنَاسٌ كَثِيرُونَ لَا تَعْرِفُهُمْ، وَنَاسٌ تَعْرِفُهُمْ لَكِنَّهُمْ تَغَيَّرُوا.”
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ مَا تُخْفِيهِ وَرَاءَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ قَدْ رَكَّزَتْ نَظَرَهَا عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ جَدِيدٍ، كَأَنَّهَا أَغْلَقَتْ بَابًا لِلتَّوِّ، وَقَرَّرَتْ أَلَّا تَفْتَحَهُ مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعِدَّةً.
مَرَّا بِجَانِبِ شَارِعٍ كَانَ سَلِيمٌ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، شَارِعِ الْبُسْتَانِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ يَذْهَبُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى مَدْرَسَتِهِ الِابْتِدَائِيَّةِ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ مَعَ أَبِيهِ، الَّذِي كَانَ يُمْسِكُ يَدَهُ الصَّغِيرَةَ يَوْمَهَا بِيَدٍ كَبِيرَةٍ دَافِئَةٍ. لَمْ يَعُدِ الشَّارِعُ كَمَا كَانَ: نِصْفُ بُيُوتِهِ الْحَجَرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ اخْتَفَى، وَحَلَّتْ مَكَانَهَا حُفَرُ بِنَاءٍ عَمِيقَةٌ مُحَاطَةٌ بِأَلْوَاحٍ مَعْدِنِيَّةٍ زَرْقَاءَ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ أَحْمَرَ عَرِيضٍ: “قَرِيبًا: الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَشْرُوعِ أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ.” وَقَفَ سَلِيمٌ صَامِتًا يُحَدِّقُ مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمًا دُكَّانُ الْحَلْوِيَّاتِ الَّذِي اعْتَادَ أَبُوهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ كُلِّ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ جَيِّدٍ، وَالَّذِي لَمْ يَعُدْ لَهُ أَيُّ أَثَرٍ الْآنَ سِوَى حُفْرَةٍ تُرَابِيَّةٍ وَحَارِسِ أَمْنٍ نَصَبَ كُرْسِيًّا بَلَاسْتِيكِيًّا عِنْدَ بَوَّابَتِهَا الْمُؤَقَّتَةِ.
“مَتَى بَدَأَ كُلُّ هَذَا؟” سَأَلَ بِصَوْتٍ يَشُوبُهُ أَسًى لَمْ يَتَوَقَّعْهُ مِنْ نَفْسِهِ.
“مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا. فِي الْبِدَايَةِ كَانَ الْمَشْرُوعُ صَغِيرًا، مُجَرَّدَ تَرْمِيمٍ لِبَعْضِ الْوَاجِهَاتِ الْقَدِيمَةِ، هَذَا مَا قَالُوهُ عَلَى الْأَقَلِّ. ثُمَّ تَوَسَّعَ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى أَصْبَحَ كَمَا تَرَاهُ الْآنَ.” سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ قَبْلَ أَنْ تُضِيفَ لَيَانُ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ انْخِفَاضًا: “أُمِّي تَكْرَهُ الْمُرُورَ مِنْ هَذَا الشَّارِعِ. تَطْلُبُ مِنِّي دَائِمًا أَنْ آخُذَ طَرِيقًا آخَرَ، أَطْوَلَ، لَكِنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تَرَى مَا حَدَثَ لِبَيْتِ طُفُولَتِهَا.”
عَبَرَا الشَّارِعَ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، وَسَلِيمٌ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْغَضَبَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ تُجَاهَ مَدِينَةٍ لَمْ يَعْرِفْ بَعْدُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَغْضَبَ مِنْ أَجْلِهَا، هُوَ الَّذِي غَادَرَهَا مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا إِلَّا نَادِرًا.

كَانَ بَيْتُ الْعَزَاءِ بَيْتَ الْعَائِلَةِ الْقَدِيمَ نَفْسَهُ، ذَلِكَ الْبَيْتُ الْحَجَرِيُّ ذُو الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي تَتَوَسَّطُهُ شَجَرَةُ يَاسَمِينٍ عُمْرُهَا مِنْ عُمْرِ الْحَيِّ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، زَرَعَهَا جَدُّ سَلِيمٍ الْأَكْبَرُ ـ كَمَا كَانَتِ الْقِصَّةُ الْعَائِلِيَّةُ تَقُولُ دَائِمًا ـ فِي الْيَوْمِ الَّذِي انْتَهَى فِيهِ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ.
كَانَ الْفِنَاءُ مُمْتَلِئًا بِالْكَرَاسِيِّ السَّوْدَاءِ الْمُصْطَفَّةِ، وَبِرَائِحَةِ الْقَهْوَةِ الْمُرَّةِ الْمُمْتَزِجَةِ بِرَائِحَةِ الْيَاسَمِينِ الْمُتَفَتِّحِ رَغْمَ مَوْسِمِ الْحَرِّ غَيْرِ الْمُنَاسِبِ، وَبِأَصْوَاتِ نِسَاءٍ يَتْلُونَ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةً بِصَوْتٍ خَفِيضٍ مِنْ غُرْفَةٍ دَاخِلِيَّةٍ.
جَلَسَ سَلِيمٌ بِجَانِبِ عَمِّهِ الْأَكْبَرِ، وَتَلَقَّى الْعَزَاءَ مِنْ عَشَرَاتِ الْوُجُوهِ الَّتِي لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَى نِصْفِهَا، وَصَافَحَ أَيْدِيًا كَثِيرَةً قَالَتْ لَهُ الْجُمْلَةَ نَفْسَهَا بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ: “اللهُ يَرْحَمُهُ، كَانَ رَجُلًا طَيِّبًا”، “اللهُ يَرْحَمُهُ، كَانَ رَجُلًا نَظِيفًا”، “اللهُ يَرْحَمُهُ، مَا بَقِيَ مِثْلُهُ.”
لَكِنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَالِقَةً فِي ذِهْنِهِ، قَالَهَا رَجُلٌ مُسِنٌّ يَرْتَدِي عَبَاءَةً بُنِّيَّةً، مَسَحَ عَلَى كَتِفِ سَلِيمٍ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا، وَاقْتَرَبَ مِنْ أُذُنِهِ وَهَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ:
“قُلْ لِأُخْتِكَ أَنْ تَحْذَرَ. أَبُوكَ كَانَ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الرَّجُلُ تَمُوتُ مَعَهُ، وَبَعْضُهَا لَا تَمُوتُ.”
قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا يَقْصِدُ، كَانَ الرَّجُلُ قَدِ ابْتَعَدَ، مُخْتَلِطًا بَيْنَ صُفُوفِ الْمُعَزِّينَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلِيمٌ أَنْ يَتَذَكَّرَ وَجْهَهُ بِوُضُوحٍ بَعْدَ ذَلِكَ، كَأَنَّ الرَّجُلَ تَعَمَّدَ أَلَّا يُرَى جَيِّدًا.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّهُ الْأَكْبَرَ عَنْ هُوِيَّةِ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ، فَهَزَّ عَمُّهُ كَتِفَيْهِ بِلَا اهْتِمَامٍ: “لَا أَعْرِفُهُ، رُبَّمَا أَحَدُ جِيرَانِ أَبِيكَ الْقُدَامَى، الْحَيُّ مَلِيءٌ بِوُجُوهٍ لَمْ أَعُدْ أَتَذَكَّرُهَا كُلَّهَا.” لَمْ يَقْتَنِعْ سَلِيمٌ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ وَسِيلَةً لِمُتَابَعَةِ الْأَمْرِ وَسْطَ زِحَامِ الْمُعَزِّينَ الْمُسْتَمِرِّ.
مَسَحَ سَلِيمٌ بِنَظَرِهِ الْفِنَاءَ الْمُكْتَظَّ، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ أَثَرًا لِلْعَبَاءَةِ الْبُنِّيَّةِ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُعَزِّينَ الْمُتَغَيِّرَةِ بِاسْتِمْرَارٍ، لَكِنَّ الرَّجُلَ بَدَا كَأَنَّهُ ابْتَلَعَتْهُ الْحُشُودُ تَمَامًا، أَوْ رُبَّمَا، كَمَا بَدَأَ سَلِيمٌ يَظُنُّ دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ تَبْرِيرَ هَذَا الشُّعُورِ مَنْطِقِيًّا، غَادَرَ عَمْدًا بِمُجَرَّدِ أَنْ أَوْصَلَ رِسَالَتَهُ، كَرَسُولٍ أَدَّى مُهِمَّتَهُ وَلَمْ يَعُدْ لَهُ دَاعٍ لِلْبَقَاءِ. شَعَرَ سَلِيمٌ بِضِيقٍ غَرِيبٍ فِي صَدْرِهِ، مَزِيجٍ مِنْ حُزْنِ الْعَزَاءِ الطَّبِيعِيِّ وَقَلَقٍ جَدِيدٍ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، كَأَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الْغِيَابِ لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُهُ بِأَحْضَانٍ مَفْتُوحَةٍ كَمَا تَخَيَّلَ فِي اللَّحَظَاتِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي سَمَحَ فِيهَا لِنَفْسِهِ بِالتَّفْكِيرِ فِي هَذِهِ الْعَوْدَةِ خِلَالَ رِحْلَةِ الطَّيَرَانِ الطَّوِيلَةِ، بَلْ كَانَتْ تُخْفِي عَنْهُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى لِوَطْءِ قَدَمِهِ أَرْضَهَا، شَبَكَةً مِنَ الْأَسْرَارِ بَدَأَتْ خُيُوطُهَا تَتَكَشَّفُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ أَسْرَعَ مِمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِاسْتِيعَابِهِ.
بَعْدَ قَلِيلٍ، دَخَلَتْ أُمُّهُ إِلَى الْفِنَاءِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ، مُسْنَدَةً عَلَى ذِرَاعِ جَارَةٍ عَجُوزٍ. حِينَ رَأَتْ سَلِيمًا، تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ مَشَتْ نَحْوَهُ بِبُطْءٍ وَضَمَّتْهُ بِقُوَّةٍ أَضْعَفَ بِكَثِيرٍ مِنْ قُوَّةِ لَيَانَ، كَامْرَأَةٍ اسْتَنْزَفَتْهَا أَيَّامٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْبُكَاءِ الصَّامِتِ.
“جِئْتَ أَخِيرًا.” قَالَتْهَا بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ، دُونَ لَوْمٍ وَاضِحٍ، لَكِنْ بِحُزْنٍ يُشْبِهُ اللَّوْمَ. “كَانَ يَسْأَلُ عَنْكَ كَثِيرًا فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ يَا سَلِيمُ، أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. كَانَ يَقُولُ: سَلِيمٌ سَيَفْهَمُ الْأَمْرَ حِينَ يَعُودُ، هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي سَيَفْهَمُ.”
“يَفْهَمُ مَاذَا يَا أُمِّي؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا تَزِنُ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَهَا، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا: “لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ يَا ابْنِي. كَانَ أَبُوكَ رَجُلًا لَا يُشَارِكُ هُمُومَهُ بِسُهُولَةٍ، حَتَّى مَعِي. لَكِنَّهُ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ كَانَ يَقُولُ جُمْلَةً غَرِيبَةً كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ: ‘لَنْ أَتْرُكَ لَهُمُ الْبَيْتَ، مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ.’ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْبَيْتَ هُنَا، بَيْتَنَا هَذَا فَقَطْ. الْآنَ لَا أَعْرِفُ مَاذَا كَانَ يَقْصِدُ بِالضَّبْطِ.”
اعْتَذَرَتِ الْجَارَةُ الْعَجُوزُ بِلُطْفٍ وَاصْطَحَبَتِ الْأُمَّ بَعِيدًا لِتَجْلِسَ، تَارِكَةً سَلِيمًا وَاقِفًا وَحِيدًا لِلَحْظَةٍ وَسْطَ الْفِنَاءِ، يَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ يَسْمَعُهَا الْيَوْمَ تُضِيفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً مِنَ الْغُمُوضِ فَوْقَ طَبَقَاتٍ سَابِقَةٍ، دُونَ أَنْ تَكْشِفَ شَيْئًا وَاضِحًا بَعْدُ.

فِي مُنْتَصَفِ بَعْدِ الظُّهْرِ، دَخَلَ الْفِنَاءَ رَجُلٌ طَوِيلُ الْقَامَةِ، أَنِيقٌ حَتَّى فِي الْحِدَادِ، يَرْتَدِي بَدْلَةً سَوْدَاءَ مُصَمَّمَةً بِعِنَايَةٍ وَاضِحَةٍ، وَسَاعَةً فِضِّيَّةً لَامِعَةً، وَابْتِسَامَةً حَزِينَةً مَدْرُوسَةً تَمَامًا كَمَلَابِسِهِ. اقْتَرَبَ مُبَاشَرَةً مِنْ سَلِيمٍ، وَاحْتَضَنَهُ بِحَرَارَةٍ بَدَتْ مُبَالَغًا فِيهَا قَلِيلًا.
“سَلِيمُ! يَا ابْنَ أَخِي!” ـ لَمْ يَكُنْ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ عَمَّهُ فِعْلِيًّا، لَكِنَّهُ كَانَ يُنَادِيهِ هَكَذَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ ـ “اللهُ يَرْحَمُ أَبَاكَ، رَجُلٌ مَا مِثْلُهُ. لَنْ تَعْرِفَ يَا وَلَدِي كَمْ خَسِرَتِ الْمَدِينَةُ بِرَحِيلِهِ.”
“شُكْرًا يَا عَمَّ كَمَالٍ.” قَالَهَا سَلِيمٌ بِأَدَبٍ حَذِرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ الْحِفَاظِ عَلَى مُجَامَلَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ وَبَيْنَ تَذَكُّرِ تَحْذِيرِ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ قَبْلَ قَلِيلٍ.
جَلَسَ كَمَالٌ بِجَانِبِهِ، وَطَلَبَ مِنْ أَحَدِ الشُّبَّانِ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى سَلِيمٍ بِنَظْرَةٍ دَافِئَةٍ ظَاهِرِيًّا.
“سَمِعْتُ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ مُهَنْدِسًا مِعْمَارِيًّا كَبِيرًا فِي أَلْمَانِيَا. أَبُوكَ كَانَ يَفْتَخِرُ بِكَ دَائِمًا، تَعْرِفُ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُولُهَا كَثِيرًا بِصَوْتٍ عَالٍ.”
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِّي.” قَالَهَا سَلِيمٌ بِصِدْقٍ يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَارَةِ الْقَدِيمَةِ.
“كَانَ يَتَحَدَّثُ.” ابْتَسَمَ كَمَالٌ. “عَلَى كُلِّ حَالٍ، يَا سَلِيمُ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ صَعْبٌ، لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَدْ يُفِيدُكَ عَمَلِيًّا، حِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدًّا: بَيْتُ الْعَائِلَةِ هَذَا، وَالْأَرْضُ الْمُحِيطَةُ بِهِ، تَدْخُلُ الْآنَ فِي نِطَاقِ مَشْرُوعِنَا التَّطْوِيرِيِّ لِلْحَيِّ. أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَضْغَطَ عَلَيْكَ فِي يَوْمٍ كَهَذَا، أَبَدًا، لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي مُسْتَعِدٌّ لِتَقْدِيمِ عَرْضٍ سَخِيٍّ جِدًّا لِعَائِلَتِكَ إِنْ قَرَّرْتُمُ الْبَيْعَ، عَرْضٍ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا سَيَحْصُلُ عَلَيْهِ أَيُّ بَيْتٍ آخَرَ فِي الْحَيِّ. أَنَا مَدِينٌ لِأَبِيكَ بِهَذَا الْقَدْرِ عَلَى الْأَقَلِّ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ الْحَرَارَةَ فِي ابْتِسَامَةِ كَمَالٍ بَدَأَتْ تَبْرُدُ قَلِيلًا فِي نِهَايَةِ الْجُمْلَةِ، كَأَنَّ الِابْتِسَامَةَ كَانَتْ قِنَاعًا يُتْعِبُ صَاحِبَهُ مِنْ حَمْلِهِ طَوِيلًا.
“أَبِي كَانَ ضِدَّ الْمَشْرُوعِ، كَمَا فَهِمْتُ.” قَالَهَا سَلِيمٌ بِهُدُوءٍ مُتَعَمَّدٍ، مُرَاقِبًا رَدَّةَ فِعْلِ كَمَالٍ بِعِنَايَةٍ.
تَوَقَّفَتْ مَلَامِحُ كَمَالٍ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّ أَيَّ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرَ سَلِيمٍ، الْمُدَرَّبِ مِهْنِيًّا عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ فِي الْمُخَطَّطَاتِ وَالْوُجُوهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ لِيُلَاحِظَهَا.
“أَبُوكَ كَانَ رَجُلًا حَذِرًا بِطَبْعِهِ.” قَالَ كَمَالٌ أَخِيرًا، وَقَدْ عَادَتِ الِابْتِسَامَةُ إِلَى وَجْهِهِ، لَكِنَّهَا بَدَتْ أَكْثَرَ بُرُودَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ. “كَانَ يَخَافُ عَلَى تَارِيخِ الْحَيِّ، وَهَذَا أَمْرٌ مَفْهُومٌ وَمُحْتَرَمٌ. لَكِنَّ التَّارِيخَ يَا سَلِيمُ لَا يُحْفَظُ بِتَرْكِ الْبُيُوتِ تَتَدَاعَى، بَلْ بِمَنْحِ النَّاسِ مُسْتَقْبَلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى فِيهِ هَذَا التَّارِيخُ. عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَا دَاعِيَ لِنَتَحَدَّثَ فِي هَذَا الْآنَ. فَكِّرْ بِالْأَمْرِ، وَحِينَ تَكُونُ مُسْتَعِدًّا، اتَّصِلْ بِي.”
مَدَّ لَهُ بِطَاقَةَ عَمَلٍ فِضِّيَّةَ اللَّوْنِ، فَأَخَذَهَا سَلِيمٌ بِيَدٍ بَارِدَةٍ، وَدَسَّهَا فِي الْجَيْبِ نَفْسِهِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ بِطَاقَةَ يَاسَمِينَ نُورٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ.
قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ كَمَالٌ لِيُتَابِعَ تَقْدِيمَ عَزَائِهِ لِبَقِيَّةِ الْحَاضِرِينَ، اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ شَابٌّ يَرْتَدِي بَدْلَةً رَسْمِيَّةً، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ شَيْئًا جَعَلَ مَلَامِحَ كَمَالٍ تَتَصَلَّبُ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَمَالَكَ نَفْسَهُ. اعْتَذَرَ كَمَالٌ بِسُرْعَةٍ وَابْتَعَدَ مَعَ الرَّجُلِ الشَّابِّ إِلَى رُكْنٍ هَادِئٍ مِنَ الْفِنَاءِ، وَرَاقَبَهُمَا سَلِيمٌ مِنْ بَعِيدٍ دُونَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّهُ لَاحَظَ أَنَّ كَمَالًا بَدَا فَجْأَةً رَجُلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الرَّجُلِ الدَّافِئِ الَّذِي جَلَسَ بِجَانِبِهِ قَبْلَ دَقَائِقَ: فَكَّاهُ مُتَوَتِّرَانِ، وَعَيْنَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ وُجُوهِ الْحَاضِرِينَ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجِدْهُ بَعْدُ.
حِينَ عَادَ كَمَالٌ بَعْدَ دَقَائِقَ، كَانَ الدِّفْءُ قَدْ عَادَ إِلَى وَجْهِهِ بِشَكْلٍ وَاضِحِ الْمَرَارَةِ، تَمَامًا كَمُمَثِّلٍ يُعِيدُ ارْتِدَاءَ دَوْرٍ بَعْدَ اسْتِرَاحَةٍ قَصِيرَةٍ خَلْفَ الْكَوَالِيسِ. اقْتَرَبَ مِنْ سَلِيمٍ مَرَّةً أَخِيرَةً قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ.
“سَلِيمُ، سُؤَالٌ أَخِيرٌ، وَلَا تَفْهَمْهُ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ: هَلْ تَرَكَ لَكَ أَبُوكَ أَيَّةَ أَوْرَاقٍ؟ عُقُودٌ، وَثَائِقُ قَدِيمَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِمِلْكِيَّةِ الْبَيْتِ أَوِ الْأَرْضِ الْمُحِيطَةِ بِهِ؟”
كَانَ السُّؤَالُ مُبَاشِرًا بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ مِنْ رَجُلٍ حَرَصَ طَوَالَ الْوَقْتِ عَلَى اللَّبَاقَةِ الزَّائِدَةِ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ جَرَسَ إِنْذَارٍ دَاخِلِيٍّ يَرِنُّ فَجْأَةً.
“لِمَ تَسْأَلُ بِالتَّحْدِيدِ؟” رَدَّ سَلِيمٌ بِهُدُوءٍ مُصْطَنَعٍ.
ضَحِكَ كَمَالٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا عَادِيَّةً. “لَا سَبَبَ خَاصَّ، مُجَرَّدُ أُمُورٍ رُوتِينِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَشْرُوعِ، نَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى التَّأَكُّدِ مِنْ سَلَامَةِ سَلَاسِلِ الْمِلْكِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَيِّ تَفَاوُضٍ. لَا تَقْلَقْ حِيَالَ الْأَمْرِ، خُذْ وَقْتَكَ.”
لَكِنَّ سَلِيمًا، وَهُوَ يُرَاقِبُ أَصَابِعَ كَمَالٍ تَشُدُّ عَلَى مِقْبَضِ عَصَاهُ الْخَشَبِيَّةِ الْأَنِيقَةِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَسْتَدْعِيهِ سُؤَالٌ “رُوتِينِيٌّ”، عَرَفَ بِيَقِينٍ هَادِئٍ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَابِرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ آخِرَ مَرَّةٍ يُسْأَلُ فِيهَا عَنْ أَوْرَاقِ أَبِيهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ.
دُونَ أَنْ يُدْرِكَ حِينَهَا، كَانَ سَلِيمٌ قَدْ بَدَأَ، بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ التَّبَادُلِ الْقَصِيرِ لِلْكَلِمَاتِ، يَجْمَعُ خُيُوطَ شَبَكَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ حَجْمَهَا الْحَقِيقِيَّ.

انْتَهَى الْعَزَاءُ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبَقِيَ فِي الْبَيْتِ أَخِيرًا سَلِيمٌ وَلَيَانُ وَأُمُّهُمَا، الَّتِي انْسَحَبَتْ مُبَاشَرَةً إِلَى غُرْفَتِهَا مُنْهَكَةً، تَارِكَةً الْأَخَوَيْنِ وَحْدَهُمَا فِي الْفِنَاءِ الْهَادِئِ.
جَلَسَا عَلَى الْحِجَارَةِ الْبَارِدَةِ قُرْبَ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ، صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، حَتَّى كَسَرَ سَلِيمٌ الصَّمْتَ أَخِيرًا.
“لَيَانُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا، وَأُرِيدُكِ أَنْ تُجِيبِينِي بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ.”
“تَفَضَّلْ.”
“مَنْ هِيَ يَاسَمِينُ نُورٍ؟”
ارْتَفَعَ حَاجِبَا لَيَانَ بِمُفَاجَأَةٍ وَاضِحَةٍ. “مِنْ أَيْنَ سَمِعْتَ هَذَا الِاسْمَ؟”
“كَانَتْ تَنْتَظِرُنِي فِي الْمَطَارِ. قَالَتْ إِنَّ أَبِي اتَّصَلَ بِهَا قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَفَاتِهِ، وَطَلَبَ مَوْعِدًا، ثُمَّ أَلْغَاهُ، وَقَالَ لَهَا حَرْفِيًّا: انْتَظِرِي ابْنِي.”
شَحَبَ وَجْهُ لَيَانَ قَلِيلًا فِي ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ الْخَافِتِ الْمُعَلَّقِ فَوْقَ الْفِنَاءِ. “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ هَذَا.”
“هَلْ تَعْرِفِينَهَا؟”
“صَحَفِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْمَدِينَةِ. كَتَبَتْ تَحْقِيقَاتٍ كَثِيرَةً عَنْ مَشَارِيعِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْعَقَارِيَّةِ سَابِقًا. عَنْ… عَنْ فَسَادٍ فِي بَعْضِ عُقُودِ الْأَرَاضِي الْقَدِيمَةِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ.”
“وَأَبِي كَانَ يَعْرِفُهَا؟”
“لَا أَعْرِفُ يَا سَلِيمُ.” قَالَتْهَا بِضِيقٍ وَاضِحٍ بَدَأَ يَتَسَرَّبُ إِلَى صَوْتِهَا. “أَنَا… اسْمَعْ، لَمْ يَكُنْ أَبِي يُشَارِكُنِي كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ. كَانَ… كَانَ مُخْتَلِفًا. يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي مَكْتَبِهِ، وَيُقْفِلُ الْبَابَ، وَأَحْيَانًا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ فِي الْهَاتِفِ، ثُمَّ يَصْمُتُ فَجْأَةً إِنِ اقْتَرَبْتُ مِنَ الْبَابِ.”
“وَهَلْ حَاوَلْتِ أَنْ تَسْأَلِيهِ؟”
“طَبْعًا حَاوَلْتُ!” ارْتَفَعَ صَوْتُهَا قَلِيلًا، ثُمَّ خَفَضَتْهُ بِسُرْعَةٍ مُتَذَكِّرَةً أَنَّ أُمَّهُمَا نَائِمَةٌ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. “سَأَلْتُهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، فَكَانَ يَقُولُ لِي دَائِمًا الْجُمْلَةَ نَفْسَهَا: بَعْضُ الْأَشْيَاءِ يَا ابْنَتِي، كُلَّمَا عَرَفْتِهَا أَقَلَّ، كُنْتِ أَكْثَرَ أَمَانًا. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يُبَالِغُ، أَوْ أَنَّهُ مُتْعَبٌ فَقَطْ، حَتَّى…”
تَوَقَّفَتْ عَنِ الْكَلَامِ، وَنَظَرَتْ بَعِيدًا نَحْوَ الْفِنَاءِ.
“حَتَّى مَاذَا؟” سَأَلَهَا سَلِيمٌ بِلُطْفٍ، مُحَاوِلًا أَلَّا يَضْغَطَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَمِلُ.
“حَتَّى وَجَدُوهُ مَيِّتًا فِي مَكْتَبِهِ، يَا سَلِيمُ. قَالُوا نَوْبَةً قَلْبِيَّةً. لَكِنَّ الطَّبِيبَ الَّذِي فَحَصَهُ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الطَّبِيبُ الشَّرْعِيُّ الرَّسْمِيُّ، قَالَ لِي شَيْئًا غَرِيبًا، ثُمَّ تَرَاجَعَ عَنْهُ بِسُرْعَةٍ حِينَ عَلِمَ مَنْ عَائِلَتُهُ، كَأَنَّهُ خَافَ مِنْ قَوْلِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ يَقُولَهُ.”
“مَاذَا قَالَ؟”
نَظَرَتْ لَيَانُ إِلَى أَخِيهَا مُبَاشَرَةً لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بِدَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي عَيْنَيْهَا كَانَ يَلْمَعُ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ الَّذِي لَمْ تَسْمَحْ لِنَفْسِهَا بِإِظْهَارِهِ طَوَالَ أَيَّامِ الْعَزَاءِ.
“قَالَ: هَذَا لَا يَبْدُو كَنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ تَمَامًا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي يَدَيْهِ رَغْمَ دِفْءِ اللَّيْلِ الصَّيْفِيِّ. “وَمَاذَا حَدَثَ لِهَذَا الطَّبِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ؟”
“لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ. سَمِعْتُ أَنَّهُ انْتَقَلَ لِلْعَمَلِ فِي مُسْتَشْفًى فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ فَقَطْ مِنْ وَفَاةِ أَبِي. لَمْ أَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى، هَاتِفُهُ لَمْ يَعُدْ يَعْمَلُ.”
“لَيَانُ، هَلْ رَأَيْتِ أَبَاكِ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَحَدٍ بِشَكْلٍ خَاصٍّ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ؟ أَيَّ شَخْصٍ غَرِيبٍ، أَوْ زِيَارَاتٍ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ؟”
فَكَّرَتْ لَيَانُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، كَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ تَفَاصِيلَ كَانَتْ قَدْ دَفَنَتْهَا عَمْدًا فِي ذَاكِرَتِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مُزْعِجَةً أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
“مَرَّةً وَاحِدَةً.” قَالَتْهَا أَخِيرًا. “قَبْلَ شَهْرٍ تَقْرِيبًا، جَاءَ رَجُلٌ مُسِنٌّ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ، وَجَلَسَ مَعَ أَبِي فِي الْمَكْتَبِ لِسَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، خَلْفَ بَابٍ مُغْلَقٍ. حِينَ خَرَجَ، بَدَا أَبِي شَاحِبًا جِدًّا، وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي الْعَشَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. سَأَلْتُهُ مَنْ كَانَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لِي فَقَطْ: صَدِيقٌ قَدِيمٌ، لَا تَقْلَقِي. لَكِنِّي لَمْ أُصَدِّقْهُ، لِأَنَّ أَبِي لَمْ يَكُنْ يُعَامِلُ أَصْدِقَاءَهُ الْقُدَامَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّوَتُّرِ بَعْدَ لِقَائِهِمْ.”
“هَلْ تَصِفِينَهُ لِي؟ الرَّجُلَ الْمُسِنَّ؟”
“عَبَاءَةٌ بُنِّيَّةٌ، طَوِيلٌ نِسْبِيًّا، صَوْتُهُ هَادِئٌ جِدًّا… لِمَ؟”
تَوَقَّفَ قَلْبُ سَلِيمٍ لَحْظَةً. “أَظُنُّ أَنِّي الْتَقَيْتُهُ الْيَوْمَ، هُنَا، فِي الْعَزَاءِ نَفْسِهِ. قَالَ لِي جُمْلَةً غَرِيبَةً: قُلْ لِأُخْتِكَ أَنْ تَحْذَرَ.”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا لَيَانَ بِذُعْرٍ حَقِيقِيٍّ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “أَحْذَرُ مِنْ مَاذَا؟”
“لَا أَعْرِفُ. لَمْ يُكْمِلِ الْجُمْلَةَ. لَكِنِّي بَدَأْتُ أَظُنُّ يَا لَيَانُ أَنَّ أَبِي لَمْ يَكُنْ يُخْفِي عَنَّا مُجَرَّدَ ‘أُمُورٍ رُوتِينِيَّةٍ’ كَمَا وَصَفَهَا كَمَالٌ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ حِينَ سَأَلَنِي إِنْ كَانَ أَبِي قَدْ تَرَكَ لِي أَوْرَاقًا تَخُصُّ مِلْكِيَّةَ الْبَيْتِ.”
“كَمَالٌ سَأَلَكَ عَنْ هَذَا؟” هَمَسَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ مَذْعُورٍ أَكْثَرَ. “الْيَوْمَ؟ فِي الْعَزَاءِ؟”
“نَعَمْ. وَلَمْ يَبْدُ سُؤَالًا بَرِيئًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.”
بَقِيَا صَامِتَيْنِ طَوِيلًا بَعْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَزْهَارُ الْيَاسَمِينِ فَوْقَهُمَا تَتَمَايَلُ بِبُطْءٍ مَعَ نَسِيمٍ خَفِيفٍ بَدَأَ يَهْبِطُ مَعَ اللَّيْلِ، غَيْرَ مُبَالِيَةٍ بِالثِّقَلِ الَّذِي بَدَأَ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِ سَلِيمٍ، كَحَجَرٍ يَغْرَقُ بِبُطْءٍ فِي نَهْرٍ هَادِئِ السَّطْحِ، مُضْطَرِبِ الْأَعْمَاقِ.

بَعْدَ أَنْ أَوَتْ لَيَانُ إِلَى فِرَاشِهَا مُنْهَكَةً، لَمْ يَسْتَطِعْ سَلِيمٌ النَّوْمَ. جَلَسَ وَحِيدًا فِي غُرْفَةِ الْجُلُوسِ، يُحَدِّقُ فِي سَقْفِ الْبَيْتِ الَّذِي حَفِظَ كُلَّ تَفَاصِيلِهِ فِي طُفُولَتِهِ وَنَسِيَهَا فِي غُرْبَتِهِ، حَتَّى قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُؤَجِّلُهُ مُنْذُ وُصُولِهِ: دُخُولَ مَكْتَبِ أَبِيهِ.
كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، لَكِنْ غَيْرَ مُقْفَلٍ. دَفَعَهُ بِبُطْءٍ، وَشَمَّ رَائِحَةَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَالتَّبْغِ الْخَفِيفِ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ يُدَخِّنُهُ أَحْيَانًا حِينَ يُفَكِّرُ بِعُمْقٍ، وَأَضَاءَ الْمِصْبَاحَ الْمَكْتَبِيَّ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ الْكَبِيرَةِ.
كَانَ الْمَكْتَبُ كَمَا تَرَكَهُ أَبُوهُ تَمَامًا، أَوْ هَكَذَا بَدَا فِي الْبِدَايَةِ: أَوْرَاقٌ مُرَتَّبَةٌ، أَقْلَامٌ فِي مَكَانِهَا، رُفُوفُ كُتُبٍ مُصْطَفَّةٌ بِعِنَايَةٍ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى السَّقْفِ. لَكِنْ حِينَ نَظَرَ سَلِيمٌ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، لَاحَظَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا أَزْعَجَهُ: طَبَقَةُ الْغُبَارِ عَلَى الطَّاوِلَةِ كَانَتْ غَيْرَ مُتَسَاوِيَةٍ، كَأَنَّ يَدًا مَا مَرَّتْ مُؤَخَّرًا فَوْقَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَنَقَلَتْهَا قَلِيلًا عَنْ مَكَانِهَا الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ حَاوَلَتْ إِعَادَتَهَا كَمَا كَانَتْ، لَكِنْ بِدُونِ دِقَّةٍ كَافِيَةٍ.
جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ أَبِيهِ، وَشَعَرَ لِثَانِيَةٍ بِغَرَابَةِ الْجُلُوسِ عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ بِالذَّاتِ، الَّذِي كَانَ طَوَالَ طُفُولَتِهِ مَكَانًا مَحْظُورًا، “كُرْسِيُّ بَابَا”، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ. أَدَارَ الْكُرْسِيَّ قَلِيلًا، فَأَصْدَرَ صَرِيرًا خَفِيفًا مَأْلُوفًا، وَبَدَأَ يَفْتَحُ الْأَدْرَاجَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ.
الدُّرْجُ الْأَوَّلُ: أَوْرَاقٌ ضَرِيبِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ بِعِنَايَةٍ حَسَبَ السَّنَوَاتِ، وَفَوَاتِيرُ كَهْرَبَاءَ وَمَاءٍ قَدِيمَةٌ، لَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ. الدُّرْجُ الثَّانِي: رَسَائِلُ مِنْ أَقَارِبَ فِي الْخَارِجِ، بَعْضُهَا مِنْ عَمِّ سَلِيمٍ الَّذِي هَاجَرَ إِلَى كَنَدَا مُنْذُ عَقْدٍ، وَصُوَرٌ عَائِلِيَّةٌ اصْفَرَّتْ أَطْرَافُهَا، تَوَقَّفَ عِنْدَ إِحْدَاهَا طَوِيلًا: صُورَةٌ لَهُ وَهُوَ طِفْلٌ بِعُمْرِ السَّابِعَةِ تَقْرِيبًا، يَجْلِسُ عَلَى كَتِفَيْ أَبِيهِ قُرْبَ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ فِي الْفِنَاءِ، وَكِلَاهُمَا يَضْحَكُ بِصِدْقٍ لَمْ يَعُدْ سَلِيمٌ يَتَذَكَّرُ آخِرَ مَرَّةٍ رَأَى فِيهَا وَالِدَهُ يَضْحَكُ هَكَذَا.
الدُّرْجُ الثَّالِثُ كَانَ فَارِغًا تَقْرِيبًا، سِوَى مِسْبَحَةٍ خَشَبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ وَنَظَّارَةِ قِرَاءَةٍ مَكْسُورَةِ الزُّجَاجِ. أَغْلَقَهُ سَلِيمٌ بِحُزْنٍ مُفَاجِئٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ، وَشَعَرَ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ يَتَلَصَّصُ عَلَى حَيَاةِ رَجُلٍ لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَشْرَحَ نَفْسَهُ لَهُ بِنَفْسِهِ.
حِينَ وَصَلَ إِلَى الدُّرْجِ الْأَخِيرِ، الْأَسْفَلِ، تَوَقَّفَتْ يَدُهُ فَوْقَ مِقْبَضِهِ الْمَعْدِنِيِّ الْبَارِدِ. كَانَ يَتَذَكَّرُ أَنَّ هَذَا الدُّرْجَ بِالذَّاتِ كَانَ دَائِمًا مُقْفَلًا بِمِفْتَاحٍ صَغِيرٍ يَحْتَفِظُ بِهِ أَبُوهُ فِي جَيْبِهِ الْخَاصِّ، لِدَرَجَةِ أَنَّ سَلِيمًا، فِي طُفُولَتِهِ، كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْوِي كَنْزًا حَقِيقِيًّا، ثُمَّ اكْتَشَفَ حِينَ كَبِرَ قَلِيلًا أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَحْتَفِظُ فِيهِ فَقَطْ بِأَوْرَاقِ الْعَائِلَةِ “الْمُهِمَّةِ”، كَمَا كَانَ يُسَمِّيهَا، دُونَ أَنْ يُوَضِّحَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا.
سَحَبَ الْمِقْبَضَ بِحَذَرٍ، مُتَوَقِّعًا أَنْ يَجِدَهُ مُقْفَلًا كَمَا كَانَ طَوَالَ حَيَاتِهِ، لَكِنَّهُ ـ بِشَكْلٍ مُثِيرٍ لِلرِّيبَةِ ـ وَجَدَهُ غَيْرَ مُقْفَلٍ، يَنْزَلِقُ بِسَلَاسَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، كَأَنَّ يَدًا أُخْرَى غَيْرَ يَدِ أَبِيهِ قَدْ فَتَحَتْهُ مُؤَخَّرًا، وَرُبَّمَا أَعَادَتْ إِقْفَالَهُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُحْكَمٍ بِمَا يَكْفِي.
بِدَاخِلِهِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ شَيْءٌ يَبْدُو ذَا أَهَمِّيَّةٍ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى: كِتَابٌ وَاحِدٌ قَدِيمٌ، بِغِلَافٍ جِلْدِيٍّ بُنِّيٍّ مُتَآكِلِ الْأَطْرَافِ، عُنْوَانُهُ بِالْكَادِ مَقْرُوءٌ: “تَارِيخُ حَيِّ الْيَاسَمِينِ وَعَائِلَاتِهِ الْمُؤَسِّسَةِ ـ طَبْعَةٌ خَاصَّةٌ، مَطْبَعَةُ الْمَدِينَةِ، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا.”
فَتَحَهُ سَلِيمٌ بِفُضُولٍ أَكْثَرَ مِنْهُ بِتَوَقُّعٍ، وَبَدَأَ يُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ الْأُولَى الْمَلِيئَةَ بِصُوَرٍ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ لِشَوَارِعِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ، وَلِوُجُوهِ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِمَلَابِسِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، حَتَّى سَقَطَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَحَاتِ، فَجْأَةً، شَيْءٌ مَعْدِنِيٌّ صَغِيرٌ أَصْدَرَ صَوْتًا خَفِيفًا عِنْدَ اصْطِدَامِهِ بِسَطْحِ الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ.
كَانَ مِفْتَاحًا قَدِيمًا، مِنَ النَّوْعِ الثَّقِيلِ الْمَصْنُوعِ مِنْ نُحَاسٍ دَاكِنٍ، بِشَكْلٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ تَمَامًا عَنْ مَفَاتِيحِ الْأَبْوَابِ الْعَادِيَّةِ، مَنْقُوشًا عَلَى رَأْسِهِ رَمْزٌ صَغِيرٌ دَقِيقٌ: زَهْرَةُ يَاسَمِينٍ ذَاتُ خَمْسِ بَتَلَاتٍ، مُحَاطَةٌ بِدَائِرَةٍ رَفِيعَةٍ.
الْتَقَطَهُ سَلِيمٌ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا دُونَ أَنْ يَفْهَمَ لِمَ يَرْتَجِفُ بِالضَّبْطِ، وَقَلَّبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لَاحَظَ وَرَقَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ كَانَتْ مُثَبَّتَةً بِشَرِيطٍ لَاصِقٍ شَفَّافٍ إِلَى الْغِلَافِ الدَّاخِلِيِّ لِلْكِتَابِ، فِي الْمَكَانِ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ الْمِفْتَاحُ.
فَتَحَهَا بِحَذَرٍ. لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ تَوْقِيعٌ وَلَا تَارِيخٌ، فَقَطْ سُطُورٌ قَلِيلَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ يَدِ أَبِيهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، لَكِنَّهُ خَطٌّ مُرْتَجِفٌ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ، كَأَنَّ الْيَدَ الَّتِي كَتَبَتْهُ كَانَتْ تَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ، أَوْ بِخَوْفٍ:
“سَلِيمُ، إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذَا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ حَدَثَ لِي قَبْلَ أَنْ أَسْتَطِيعَ إِخْبَارَكَ بِنَفْسِي. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، أَيًّا كَانَ، مَهْمَا بَدَا لَكَ قَرِيبًا أَوْ حَرِيصًا عَلَيْكَ، حَتَّى تَجِدَ الْغُرْفَةَ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَيْنَ. فَكِّرْ جَيِّدًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّ الِاخْتِبَاءَ فِيهِ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا، حِينَ كُنَّا نَلْعَبُ أَنَا وَأَنْتَ لُعْبَةَ الْكَنْزِ الْمَفْقُودِ فِي هَذَا الْبَيْتِ. الْغُرْفَةُ هُنَاكَ. وَالْمِفْتَاحُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ الْآنَ هُوَ مِفْتَاحُهَا. كُنْ حَذِرًا يَا ابْنِي. بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَعُودُ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.”
بَقِيَ سَلِيمٌ جَالِسًا بِلَا حَرَاكٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، وَالْوَرَقَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُرْتَجِفَتَيْنِ، وَالْمِفْتَاحُ النُّحَاسِيُّ الْبَارِدُ مُلْقًى عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ يَعْكِسُ ضَوْءَ الْمِصْبَاحِ الْمَكْتَبِيِّ بِشَكْلٍ خَافِتٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ كُلُّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ طَوَالَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ ـ سُؤَالُ يَاسَمِينَ نُورٍ الْغَامِضُ، حَذَرُ لَيَانَ الْغَرِيبُ، دِفْءُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْمُصْطَنَعُ، تَحْذِيرُ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ فِي الْعَزَاءِ، الْجُمْلَةُ الَّتِي قَالَهَا الطَّبِيبُ قَبْلَ أَنْ يَتَرَاجَعَ عَنْهَا ـ تَتَجَمَّعُ الْآنَ حَوْلَ نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ بَدَأَتْ تَتَّضِحُ بِبُطْءٍ أَمَامَهُ، كَصُورَةٍ تَخْرُجُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ ضَبَابٍ كَثِيفٍ:
أَبُوهُ لَمْ يَمُتْ مِيتَةً طَبِيعِيَّةً.
وَأَبُوهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ.
وَأَبُوهُ تَرَكَ لَهُ، عَمْدًا، طَرِيقًا يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَهُ الْآنَ، بِمُفْرَدِهِ، دُونَ أَنْ يَثِقَ بِأَحَدٍ مِمَّنْ يُحِيطُونَ بِهِ، وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى السَّاعَةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْحَائِطِ: كَانَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالنِّصْفَ لَيْلًا. نَظَرَ بَعْدَهَا إِلَى النَّافِذَةِ، حَيْثُ كَانَ الظَّلَامُ قَدْ أَسْدَلَ سَتَائِرَهُ الْكَامِلَةَ عَلَى فِنَاءِ الْبَيْتِ وَشَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ الْعَجُوزِ، ثُمَّ أَعَادَ النَّظَرَ إِلَى الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، أَيْنَ تَقَعُ تِلْكَ “الْغُرْفَةُ” الَّتِي قَصَدَهَا أَبُوهُ. كَانَا يُسَمِّيَانِهَا مَعًا، فِي طُفُولَتِهِ، “الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ”، لِأَسْبَابٍ غَرِيبَةٍ نَسِيَهَا الْآنَ، وَكَانَتْ تَقَعُ تَحْتَ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ، خَلْفَ قَبْوٍ مَهْجُورٍ لَمْ يَدْخُلْهُ أَحَدٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، تَحْتَ دَرَجٍ ضَيِّقٍ كَانَ طِفْلًا وَلَا يَزَالُ يَخَافُهُ قَلِيلًا حَتَّى الْيَوْمِ.
أَعَادَ سَلِيمٌ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ بَيْنَ سُطُورِهَا الْقَلِيلَةِ عَنْ مَعْنًى إِضَافِيٍّ فَاتَهُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، ثُمَّ طَوَى الْوَرَقَةَ بِعِنَايَةٍ وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ الدَّاخِلِيِّ، قَرِيبًا مِنْ صَدْرِهِ، كَأَنَّهُ يَحْمِي بِذَلِكَ آخِرَ كَلِمَاتٍ كَتَبَهَا أَبُوهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَقَفَ مِنْ كُرْسِيِّ أَبِيهِ، وَاقْتَرَبَ مِنَ النَّافِذَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، وَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ الَّتِي بَدَتْ فِي الظَّلَامِ كَظِلٍّ أَسْوَدَ كَثِيفٍ عَلَى خَلْفِيَّةِ سَمَاءٍ بِلَا قَمَرٍ. تَذَكَّرَ فَجْأَةً تِلْكَ اللُّعْبَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُوهُ فِي رِسَالَتِهِ: “الْكَنْزُ الْمَفْقُودُ”، لُعْبَةً كَانَا يَخْتَرِعَانِهَا مَعًا كُلَّ صَيْفٍ حِينَ كَانَ سَلِيمٌ طِفْلًا، حَيْثُ يُخَبِّئُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ شَيْئًا بَسِيطًا ـ قِطْعَةَ حَلْوَى، رَسْمَةً صَغِيرَةً، حَجَرًا مُلَوَّنًا ـ فِي أَحَدِ أَرْكَانِ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ الْكَثِيرَةِ، وَيَتْرُكُ لَهُ دَلِيلًا غَامِضًا لِيَجِدَهُ. كَانَ أَبُوهُ بَارِعًا فِي اخْتِيَارِ الْمَخَابِئِ، لَكِنَّ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعُودُ إِلَيْهِ دَائِمًا، الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ سَلِيمٌ يُحِبُّهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ كَانَ “سِرَّهُمَا الْخَاصَّ” الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمَا، كَانَ ذَلِكَ الْقَبْوَ الصَّغِيرَ الْمَهْجُورَ تَحْتَ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ فِي الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنَ الْبَيْتِ، وَالَّذِي كَانَا يُسَمِّيَانِهِ، لِسَبَبٍ لَمْ يَعُدْ سَلِيمٌ يَتَذَكَّرُهُ بِوُضُوحٍ، “الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ”، رُبَّمَا لِأَنَّ سَلِيمًا أَحْصَى فِيهِ، فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ، أَحَدَ عَشَرَ حَجَرًا بَارِزًا فِي جِدَارِهِ الْحَجَرِيِّ، أَوْ رُبَّمَا لِسَبَبٍ طُفُولِيٍّ آخَرَ ضَاعَ مَعَ الزَّمَنِ.
فَجْأَةً، سَمِعَ سَلِيمٌ صَوْتًا خَفِيفًا يَأْتِي مِنْ خَارِجِ النَّافِذَةِ، كَأَنَّ قَدَمًا وَطِئَتْ عَلَى حَصَى الْفِنَاءِ الْخَارِجِيِّ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ. تَجَمَّدَ مَكَانَهُ، وَأَبْقَى عَيْنَيْهِ عَلَى النَّافِذَةِ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُمَيِّزَ أَيَّةَ حَرَكَةٍ فِي الْعَتْمَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا سِوَى ظِلَالِ أَغْصَانِ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ تَتَمَايَلُ مَعَ نَسِيمٍ خَفِيفٍ. أَقْنَعَ نَفْسَهُ، دُونَ قَنَاعَةٍ كَامِلَةٍ، أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ قِطًّا ضَالًّا، أَوْ غُصْنًا سَقَطَ، أَوْ مُجَرَّدَ وَهْمٍ صَنَعَهُ تَوَتُّرُ يَوْمٍ طَوِيلٍ وَمُرْهِقٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، اقْتَرَبَ بِحَذَرٍ مِنَ الْبَابِ، وَتَأَكَّدَ أَنَّهُ مُقْفَلٌ بِإِحْكَامٍ مِنَ الدَّاخِلِ، ثُمَّ عَبَرَ الْمَمَرَّ بِهُدُوءٍ نَحْوَ غُرْفَةِ لَيَانَ، وَوَضَعَ أُذُنَهُ قُرْبَ الْبَابِ لِلَحْظَةٍ، فَسَمِعَ أَنْفَاسَهَا الْمُنْتَظِمَةَ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، فَاطْمَأَنَّ قَلِيلًا، وَتَابَعَ طَرِيقَهُ.
مَرَّ سَلِيمٌ بِغُرْفَةِ أُمِّهِ أَيْضًا، فَرَآهَا نَائِمَةً بِدَوْرِهَا، وَجْهُهَا هَادِئٌ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ، كَأَنَّ الْإِرْهَاقَ أَخِيرًا تَغَلَّبَ عَلَى الْحُزْنِ وَلَوْ لِسَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ. أَغْلَقَ الْبَابَ بِلُطْفٍ خَلْفَهُ دُونَ صَوْتٍ، وَعَادَ أَدْرَاجَهُ نَحْوَ الْمَمَرِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ الضَّيِّقِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْقَبْوِ، ذَلِكَ الدَّرَجِ الَّذِي كَانَ يُخِيفُهُ قَلِيلًا فِي طُفُولَتِهِ، لَيْسَ لِأَنَّ فِيهِ مَا يَسْتَدْعِي الْخَوْفَ فِعْلِيًّا، بَلْ لِأَنَّ الظَّلَامَ هُنَاكَ كَانَ كَثِيفًا بِشَكْلٍ خَاصٍّ، وَلِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تُحَذِّرُهُ دَائِمًا مِنَ النُّزُولِ وَحْدَهُ “حَتَّى لَا تَتَعَثَّرَ بِالْعَتْمَةِ”. لَمْ يَكُنْ يَتَذَكَّرُ آخِرَ مَرَّةٍ نَزَلَ فِيهَا إِلَى هَذَا الْقَبْوِ؛ رُبَّمَا كَانَتْ قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ الْمَدِينَةَ بِسَنَوَاتٍ، حِينَ كَانَ لَا يَزَالُ مُرَاهِقًا يَبْحَثُ عَنْ أَمَاكِنَ هَادِئَةٍ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْبَالِغِينَ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ فِي رَاحَةِ يَدِهِ، ثُمَّ إِلَى الظَّلَامِ الْكَثِيفِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الدَّرَجَاتِ السُّفْلِيَّةَ مِنَ الدَّرَجِ، ثُمَّ إِلَى سَاعَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى: مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ تَقْرِيبًا. شَعَرَ لِوَهْلَةٍ بِإِغْرَاءٍ حَقِيقِيٍّ أَنْ يُؤَجِّلَ كُلَّ هَذَا حَتَّى الصَّبَاحِ، أَنْ يَنَامَ قَلِيلًا، أَنْ يُوَاجِهَ مَا يَنْتَظِرُهُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ بَدَلَ هَذِهِ الْعَتْمَةِ الثَّقِيلَةِ. لَكِنَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي رِسَالَةِ أَبِيهِ كَانَتْ تُلِحُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ حَذَرٍ آخَرَ: “بَعْضُهُمْ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.” إِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يَنْتَظِرُ بِالْفِعْلِ، فَرُبَّمَا لَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ رَفَاهِيَةً يَمْلِكُهَا.
أَخَذَ سَلِيمٌ نَفَسًا عَمِيقًا، وَأَشْعَلَ ضَوْءَ هَاتِفِهِ الْمَحْمُولِ لِيُضِيءَ لَهُ الطَّرِيقَ بَدَلَ الْمِصْبَاحِ الرَّئِيسِيِّ الَّذِي قَدْ يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ مِنَ الْخَارِجِ، وَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنَ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ، فَأَصْدَرَتْ صَرِيرًا خَافِتًا فِي صَمْتِ الْبَيْتِ الثَّقِيلِ.
نَهَضَ سَلِيمٌ مُرَادٍ بِبُطْءٍ، وَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ الْمَكْتَبِيَّ، وَوَقَفَ فِي الْعَتْمَةِ الْكَامِلَةِ لِلْمَكْتَبِ، وَالْمِفْتَاحُ مَشْدُودٌ فِي قَبْضَتِهِ حَتَّى كَادَتْ حَوَافُّهُ الْمَعْدِنِيَّةُ تَجْرَحُ رَاحَةَ يَدِهِ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، وَهُوَ يَخْطُو نَحْوَ الْبَابِ مُتَّجِهًا صَوْبَ الدَّرَجِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْقَبْوِ، أَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَدَأَتْ بِسُؤَالٍ غَرِيبٍ فِي مَطَارٍ مُزْدَحِمٍ، سَتَنْتَهِي بِاكْتِشَافٍ سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ، وَعَنْ نَفْسِهِ.
كَانَ كُلُّ مَا يَعْرِفُهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ:
لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ الْعَوْدَةُ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ.
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا كَانَتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، تَنْتَظِرُهُ فِي الظَّلَامِ، خَلْفَ بَابٍ لَمْ يُفْتَحْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
وَمِنْ فَوْقِهِ، فِي غُرْفَتِهَا الْمُغْلَقَةِ، لَمْ تَكُنْ لَيَانُ نَائِمَةً كَمَا ظَنَّ أَخُوهَا. كَانَتْ مُسْتَلْقِيَةً فِي الْعَتْمَةِ، عَيْنَاهَا مَفْتُوحَتَانِ عَلَى السَّقْفِ، وَهَاتِفُهَا فِي يَدِهَا يَعْرِضُ رِسَالَةً نَصِّيَّةً وَصَلَتْهَا مُنْذُ دَقَائِقَ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ، لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَيْفَ تُجِيبُ عَلَيْهَا، وَلَا كَيْفَ تُخْبِرُ أَخَاهَا بِهَا:
“أَخْبِرِيهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْبَحْثِ، مِنْ أَجْلِ سَلَامَتِكُمْ جَمِيعًا.”
قَرَأَتْهَا لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ، ثُمَّ أَطْفَأَتْ شَاشَةَ الْهَاتِفِ، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا فِي الْعَتْمَةِ، وَهِيَ تَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهَا أَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَدَأَتْ بِجَنَازَةِ أَبِيهَا لَنْ تَكُونَ آخِرَ لَيْلَةٍ تَخَافُ فِيهَا عَلَى أَخِيهَا الْعَائِدِ، وَلَا آخِرَ رِسَالَةٍ مَجْهُولَةٍ سَتَصِلُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ هَذِهِ الْحِكَايَةُ الَّتِي بَدَأَتِ الْيَوْمَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَتْ جُذُورُهَا، كَمَا سَتَكْتَشِفُ لَاحِقًا، تَمْتَدُّ إِلَى الْوَرَاءِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ أَيٌّ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ عَوْدَةِ سَلِيمٍ إِلَى مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي

كَانَتِ الدَّرَجَةُ السَّابِعَةُ هِيَ الْأَصْعَبَ دَائِمًا. تَذَكَّرَ سَلِيمٌ ذَلِكَ فَجْأَةً وَهُوَ يَنْزِلُ بِحَذَرٍ فِي الْعَتْمَةِ، ضَوْءُ هَاتِفِهِ الْمَحْمُولِ يَرْتَجِفُ قَلِيلًا أَمَامَهُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ: الدَّرَجَةُ السَّابِعَةُ مِنْ دَرَجِ الْقَبْوِ كَانَتْ دَائِمًا أَعْمَقَ قَلِيلًا مِنْ أَخَوَاتِهَا، خَطَأٌ فِي الْبِنَاءِ لَمْ يُصْلِحْهُ أَحَدٌ قَطُّ، وَكَانَ أَطْفَالُ الْعَائِلَةِ يَتَوَارَثُونَ هَذِهِ الْمَعْلُومَةَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ كَأَنَّهَا سِرٌّ مُقَدَّسٌ: “احْذَرِ الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ.” وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا بِحَذَرٍ مُضَاعَفٍ، فَلَمْ تَخْذُلْهُ ذَاكِرَتُهُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً عِنْدَ مُنْتَصَفِ الدَّرَجِ، وَيَدُهُ عَلَى الْجِدَارِ الْبَارِدِ، وَسَمَحَ لِنَفْسِهِ بِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ مِنَ التَّذَكُّرِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. كَانَ صَوْتُ أَبِيهِ يَعُودُ إِلَيْهِ الْآنَ بِوُضُوحٍ غَرِيبٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ عِشْرُونَ عَامًا عَلَى الْإِطْلَاقِ: “تَعَالَ يَا سَلِيمُ، سَأُخَبِّئُ لَكَ الْيَوْمَ شَيْئًا فِي مَكَانٍ لَنْ تَتَوَقَّعَهُ أَبَدًا.” كَانَ أَبُوهُ، فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ الْبَعِيدَةِ، رَجُلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا صَارَ عَلَيْهِ لَاحِقًا، رَجُلًا يَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَيَخْتَرِعُ الْأَلْغَازَ، وَيَقْضِي سَاعَاتٍ فِي هَذَا الْقَبْوِ بِالذَّاتِ يَبْنِي مَعَ ابْنِهِ عَوَالِمَ خَيَالِيَّةً مِنَ الْكَرْتُونِ وَالْخَشَبِ الْمَكْسُورِ. مَتَى تَغَيَّرَ كُلُّ هَذَا؟ مَتَى بَدَأَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمَرِحُ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْأَبِ الصَّامِتِ الْمُنْطَوِي الَّذِي وَدَّعَهُ سَلِيمٌ عِنْدَ بَابِ الْمَطَارِ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا بِجُمْلَةٍ غَامِضَةٍ عَنْ “مَنْ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنَ الْمَدِينَةِ”؟ رُبَّمَا، فَكَّرَ سَلِيمٌ وَهُوَ يُكْمِلُ نُزُولَهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ أَبُوهُ فَجْأَةً، بَلْ بَدَأَ يَحْمِلُ شَيْئًا ثَقِيلًا فِي صَمْتٍ، شَيْئًا بَدَأَ يُثْقِلُ كَاهِلَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى غَيَّرَهُ تَمَامًا دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا بِالسَّبَبِ.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْتَحْضِرَ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ مَتَى بَدَأَ هَذَا التَّحَوُّلُ بِالضَّبْطِ. كَانَ عُمْرُهُ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا تَقْرِيبًا حِينَ لَاحَظَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ أَبَاهُ تَوَقَّفَ عَنِ اصْطِحَابِهِ إِلَى هَذَا الْقَبْوِ لِلَّعِبِ، وَبَدَأَ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ يَقْضِي فِيهِ سَاعَاتٍ وَحِيدًا، خَلْفَ بَابٍ مُغْلَقٍ، بِحُجَّةِ “تَرْتِيبِ أَغْرَاضٍ قَدِيمَةٍ”. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ يُفَكِّرْ سَلِيمٌ الطِّفْلُ بِالْأَمْرِ كَثِيرًا، فَالْأَطْفَالُ نَادِرًا مَا يَتَسَاءَلُونَ عَنْ تَحَوُّلَاتِ آبَائِهِمْ إِلَّا حِينَ تَمَسُّهُمْ مُبَاشَرَةً. لَكِنَّ الْآنَ، وَهُوَ رَجُلٌ فِي الْأَرْبَعِينَ يَقِفُ فِي الْعَتْمَةِ نَفْسِهَا بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا مِنْ رَحِيلِهِ، بَدَأَ يَفْهَمُ أَنَّ ذَلِكَ التَّحَوُّلَ لَمْ يَكُنْ مُصَادَفَةً عَابِرَةً، بَلْ بِدَايَةَ مَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمُتَعَمَّدِ، صَمْتٍ أَرَادَ أَبُوهُ مِنْ خِلَالِهِ أَنْ يَحْمِيَ عَائِلَتَهُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُثْقِلَهُمْ بِهِ، حَتَّى النِّهَايَةِ.
تَذَكَّرَ أَيْضًا، وَهُوَ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ مِنْ نِهَايَةِ الدَّرَجِ، حَادِثَةً صَغِيرَةً نَسِيَهَا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ: مَرَّةً وَاحِدَةً، حِينَ كَانَ فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ تَقْرِيبًا، نَزَلَ إِلَى هَذَا الْقَبْوِ بَحْثًا عَنْ دَرَّاجَتِهِ الْهَوَائِيَّةِ الْمُعَطَّلَةِ، فَوَجَدَ أَبَاهُ وَاقِفًا أَمَامَ الرَّفِّ الْخَشَبِيِّ الثَّقِيلِ نَفْسِهِ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُ سَلِيمٌ الْآنَ، يَدَاهُ مُرْتَجِفَتَانِ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ، وَوَجْهُهُ شَاحِبٌ كَأَنَّهُ رَأَى شَبَحًا. حِينَ سَأَلَهُ سَلِيمٌ الصَّغِيرُ عَمَّا يَفْعَلُ، ابْتَسَمَ أَبُوهُ ابْتِسَامَةً مُتَكَلَّفَةً وَقَالَ بِسُرْعَةٍ: “لَا شَيْءَ يَا بُنَيَّ، كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ أَدَاةٍ قَدِيمَةٍ فَقَطْ.” لَمْ يُفَكِّرْ سَلِيمٌ بِهَذَا الْمَشْهَدِ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى الْآنَ، وَهُوَ يَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ نَفْسِهِ الَّذِي رُبَّمَا كَانَ أَبُوهُ يُخْفِيهِ عَنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ بِالذَّاتِ.
وَصَلَ إِلَى أَرْضِيَّةِ الْقَبْوِ التُّرَابِيَّةِ الْبَارِدَةِ، وَأَضَاءَ هَاتِفَهُ حَوْلَهُ. لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَكَانُ كَثِيرًا مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ رَآهُ فِيهَا: رُفُوفٌ خَشَبِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تَحْمِلُ صَنَادِيقَ كَرْتُونِيَّةً مُتَعَفِّنَةَ الْأَطْرَافِ، دَرَّاجَةٌ هَوَائِيَّةٌ صَدِئَةٌ كَانَتْ يَوْمًا دَرَّاجَتَهُ هُوَ، أَثَاثٌ مَكْسُورٌ يَنْتَظِرُ إِصْلَاحًا لَنْ يَأْتِيَ أَبَدًا. رَائِحَةُ الرُّطُوبَةِ وَالتُّرَابِ الْقَدِيمِ امْتَزَجَتْ فِي أَنْفِهِ بِذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهِ هُنَا، حِينَ كَانَ هَذَا الْمَكَانُ مَسْرَحًا لِمُغَامَرَاتِهِ الصَّغِيرَةِ مَعَ أَبِيهِ.
اتَّجَهَ نَحْوَ الْجِدَارِ الشَّمَالِيِّ، حَيْثُ كَانَ يَتَذَكَّرُ، خَلْفَ رَفٍّ خَشَبِيٍّ ثَقِيلٍ مَلِيءٍ بِأَدَوَاتِ بَسْتَنَةٍ صَدِئَةٍ، وُجُودَ مَسَاحَةٍ فَارِغَةٍ صَغِيرَةٍ كَانَا يُسَمِّيَانِهَا “الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ” فِي لُعْبَتِهِمَا الْقَدِيمَةِ. دَفَعَ الرَّفَّ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، فَتَحَرَّكَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ عَلَى أَرْضِيَّةٍ غَيْرِ مُسْتَوِيَةٍ، مُصْدِرًا صَرِيرًا حَادًّا بَدَا فِي صَمْتِ اللَّيْلِ أَعْلَى بِكَثِيرٍ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِعْلًا.
خَلْفَ الرَّفِّ، حَيْثُ تَوَقَّعَتْ ذَاكِرَتُهُ وُجُودَ جِدَارٍ حَجَرِيٍّ صَلْبٍ لَا شَيْءَ خَلْفَهُ، وَجَدَ سَلِيمٌ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ بَابًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا، مُنْخَفِضًا بِمَا يَكْفِي لِيَضْطَرَّ إِلَى الِانْحِنَاءِ لِعُبُورِهِ، تَعْلُوهُ لَوْحَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مَنْقُوشٌ عَلَيْهَا الرَّمْزُ نَفْسُهُ الْمَنْقُوشُ عَلَى الْمِفْتَاحِ: زَهْرَةُ يَاسَمِينٍ ذَاتُ خَمْسِ بَتَلَاتٍ مُحَاطَةٌ بِدَائِرَةٍ رَفِيعَةٍ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مَوْجُودٌ أَصْلًا. فِي كُلِّ مَرَّاتِ لَعِبِهِمَا هُنَا فِي طُفُولَتِهِ، لَمْ يَذْكُرْ أَبُوهُ هَذَا الْبَابَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ وَلَوْ تَلْمِيحًا. شَعَرَ سَلِيمٌ بِيَدِهِ تَرْتَجِفُ وَهُوَ يُخْرِجُ الْمِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ مِنْ جَيْبِهِ، وَيُقَرِّبُهُ مِنَ الْقُفْلِ الْقَدِيمِ أَسْفَلَ مِقْبَضِ الْبَابِ.
وَقَفَ لَحْظَةً أَمَامَ الْبَابِ دُونَ أَنْ يُحَاوِلَ فَتْحَهُ فَوْرًا، وَشَعَرَ بِثِقْلِ اللَّحْظَةِ تَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ: كُلُّ مَا حَدَثَ مُنْذُ نُزُولِهِ مِنَ الطَّائِرَةِ قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً ـ سُؤَالُ يَاسَمِينَ نُورٍ الْغَرِيبُ، تَحْذِيرُ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ، سُؤَالُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ “الرُّوتِينِيُّ”، اعْتِرَافُ لَيَانَ عَنْ غُمُوضِ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، ثُمَّ رِسَالَةُ أَبِيهِ ـ كُلُّ هَذَا كَانَ يَقُودُهُ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، نَحْوَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَمَامَ هَذَا الْبَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ. تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، وَشَعَرَ أَنَّ مَا وَرَاءَ هَذَا الْبَابِ لَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ أَوْرَاقٍ قَدِيمَةٍ، بَلْ بِدَايَةً حَقِيقِيَّةً لِشَيْءٍ لَنْ يَسْتَطِيعَ التَّرَاجُعَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَعْرِفَهُ.
انْزَلَقَ الْمِفْتَاحُ بِسَلَاسَةٍ مُفَاجِئَةٍ، وَكَأَنَّ الْقُفْلَ، رَغْمَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْإِهْمَالِ الظَّاهِرِيِّ، كَانَ يُصَانُ بِعِنَايَةٍ سِرِّيَّةٍ طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ. دَارَ الْمِفْتَاحُ بِصَوْتِ طَقْطَقَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ خَافِتَةٍ، وَانْفَتَحَ الْبَابُ بِبُطْءٍ، كَاشِفًا عَنْ عَتْمَةٍ كَثِيفَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عَتْمَةِ الْقَبْوِ نَفْسِهِ.
دَفَعَ سَلِيمٌ الْبَابَ بِحَذَرٍ، وَخَطَا إِلَى الدَّاخِلِ، وَأَضَاءَ هَاتِفَهُ أَمَامَهُ. كَانَتْ رَائِحَةُ الْغُرْفَةِ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ رَائِحَةِ الْقَبْوِ الْخَارِجِيِّ: رَائِحَةُ وَرَقٍ قَدِيمٍ مُمْتَزِجَةٌ بِعِطْرٍ خَفِيفٍ مِنْ نَوْعِ التَّبْغِ الَّذِي كَانَ أَبُوهُ يُدَخِّنُهُ أَحْيَانًا، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ قَضَى هُنَا سَاعَاتٍ لَا تُحْصَى عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، وَحِيدًا، مُحَاطًا بِأَسْرَارِهِ فَقَطْ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَائِلَتُهُ تَظُنُّهُ نَائِمًا فِي مَكْتَبِهِ بِالطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. الْهَوَاءُ هُنَا كَانَ سَاكِنًا تَمَامًا، بِلَا أَيِّ تَيَّارِ تَهْوِيَةٍ حَقِيقِيٍّ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِثِقْلٍ غَرِيبٍ فِي صَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ مِنْ ضِيقِ الْمَكَانِ، بَلْ مِنْ إِدْرَاكِهِ الْمُفَاجِئِ لِحَجْمِ الْعُزْلَةِ الَّتِي عَاشَهَا أَبُوهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِالذَّاتِ، عُزْلَةٍ اخْتَارَهَا بِنَفْسِهِ لِحِمَايَةِ مَنْ يُحِبُّ، دُونَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ يَوْمًا بِثَمَنِهَا الْحَقِيقِيِّ.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ صَغِيرَةً، لَا تَتَجَاوَزُ مِسَاحَتُهَا ثَلَاثَةَ أَمْتَارٍ فِي ثَلَاثَةٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً بِعِنَايَةٍ مُذْهِلَةٍ مُقَارَنَةً بِفَوْضَى الْقَبْوِ الْخَارِجِيِّ. رُفُوفٌ مَعْدِنِيَّةٌ مُصَفَّفَةٌ عَلَى الْجُدْرَانِ، تَحْمِلُ صَنَادِيقَ أَرْشَفَةٍ كَرْتُونِيَّةً مُرَقَّمَةً بِعِنَايَةٍ، وَطَاوِلَةٌ خَشَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِي الْمُنْتَصَفِ عَلَيْهَا مِصْبَاحٌ يَعْمَلُ بِالْبَطَّارِيَّةِ، وَكُرْسِيٌّ وَحِيدٌ، وَكَأَنَّ أَحَدًا كَانَ يَجْلِسُ هُنَا لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، مِرَارًا وَتَكْرَارًا، عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ.
ضَغَطَ سَلِيمٌ عَلَى زِرِّ الْمِصْبَاحِ الْبَطَّارِيِّ فَأَضَاءَ الْغُرْفَةَ بِضَوْءٍ أَصْفَرَ خَافِتٍ لَكِنَّهُ كَافٍ، وَأَطْفَأَ ضَوْءَ هَاتِفِهِ لِتَوْفِيرِ بَطَّارِيَّتِهِ. وَقَفَ لَحْظَةً فِي وَسَطِ الْغُرْفَةِ، يَسْتَوْعِبُ مَا يَرَاهُ: هَذِهِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ “أَوْرَاقٍ مُهِمَّةٍ” كَمَا وَصَفَهَا أَبُوهُ يَوْمًا بِشَكْلٍ عَابِرٍ. هَذَا كَانَ أَرْشِيفًا كَامِلًا، بُنِيَ بِعِنَايَةٍ وَدِقَّةٍ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، مُخْفًى عَنْ أَعْيُنِ الْجَمِيعِ، حَتَّى عَنِ ابْنِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ.
عَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ لِلْبَابِ، وَجَدَ سَلِيمٌ مَا أَوْقَفَهُ فِي مَكَانِهِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ: لَوْحَةٌ خَشَبِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، مُغَطَّاةٌ بِصُوَرٍ وَأَوْرَاقٍ وَوَثَائِقَ صَغِيرَةٍ، بَعْضُهَا مُثَبَّتٌ بِدَبَابِيسَ مُلَوَّنَةٍ، وَخُطُوطٌ مِنْ خَيْطٍ أَحْمَرَ رَفِيعٍ تَرْبِطُ بَيْنَ نِقَاطٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى اللَّوْحَةِ، تَمَامًا كَمَا رَأَى فِي أَفْلَامِ التَّحْقِيقَاتِ الْبُولِيسِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُشَاهِدُهَا أَحْيَانًا فِي هَامْبُورْغَ دُونَ أَنْ يَتَخَيَّلَ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَقِفُ أَمَامَ لَوْحَةٍ مُشَابِهَةٍ صَنَعَهَا أَبُوهُ بِنَفْسِهِ فِي قَبْوِ بَيْتِ الْعَائِلَةِ.
فِي مَرْكَزِ اللَّوْحَةِ، صُورَةٌ قَدِيمَةٌ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْأَعْلَى، رُبَّمَا مِنْ أَحَدِ التِّلَالِ الْمُحِيطَةِ بِالْمَدِينَةِ، مُؤَرَّخَةٌ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا. حَوْلَهَا، صُوَرٌ أَصْغَرُ لِوُجُوهِ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لَمْ يَعْرِفْ سَلِيمٌ أَيًّا مِنْهُمْ، بَعْضُهَا مَكْتُوبٌ تَحْتَهُ أَسْمَاءٌ بِخَطِّ أَبِيهِ: “فَارِسُ دَرْوِيشٍ”، “الْقَاضِي حَبِيبٌ النَّجَّارُ”، وَفِي الْأَسْفَلِ، مُنْفَصِلًا قَلِيلًا عَنْ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، اسْمٌ وَاحِدٌ مُحَاطٌ بِدَائِرَةٍ حَمْرَاءَ: “تَوْفِيقُ مُرَادٍ؟” ـ عَلَامَةُ اسْتِفْهَامٍ أَضَافَهَا أَبُوهُ بِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا مِنْ شَيْءٍ يَخُصُّ هَذَا الِاسْمَ بِالذَّاتِ، رَغْمَ أَنَّهُ يَحْمِلُ اسْمَ الْعَائِلَةِ نَفْسَهُ: مُرَادٍ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ أَمَامَ هَذَا الِاسْمِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ: هَلْ كَانَ “تَوْفِيقُ مُرَادٍ” قَرِيبًا مَنْسِيًّا، أَمْ مُجَرَّدَ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ عَابِرٍ؟ وَلِمَ وَضَعَ أَبُوهُ عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ أَمَامَ اسْمٍ يَحْمِلُ لَقَبَ الْعَائِلَةِ نَفْسَهُ؟ حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ شَجَرَةَ الْعَائِلَةِ كَمَا يَعْرِفُهَا: جَدُّهُ، وَإِخْوَةُ جَدِّهِ الْقَلَائِلُ الَّذِينَ هَاجَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بِلَادٍ بَعِيدَةٍ مُنْذُ عُقُودٍ وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَذْكُرُ أَسْمَاءَهُمْ بِوُضُوحٍ فِي الْأَحَادِيثِ الْعَائِلِيَّةِ الْمُتَنَاقَلَةِ. هَلْ كَانَ تَوْفِيقٌ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ طَوَاهُمُ النِّسْيَانُ الْعَائِلِيُّ عَمْدًا، لِسَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ الْغَامِضَةِ الَّتِي اخْتَفَتْ فِيهَا عَائِلَةُ سَمَاحَةَ بِأَكْمَلِهَا؟
خُطُوطُ الْخَيْطِ الْأَحْمَرِ كَانَتْ تَرْبِطُ بَيْنَ “فَارِسٍ دَرْوِيشٍ” وَعَقْدِ الْمِلْكِيَّةِ، وَبَيْنَ “الْقَاضِي النَّجَّارِ” وَخَتْمٍ رَسْمِيٍّ مُصَوَّرٍ، وَبَيْنَ اسْمِ “تَوْفِيقَ مُرَادٍ؟” وَصُورَةٍ صَغِيرَةٍ بَاهِتَةٍ لِبَيْتٍ حَجَرِيٍّ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ سَلِيمٌ فِي الْبِدَايَةِ، حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الْآنَ بِالضَّبْطِ، بَيْتُ الْعَائِلَةِ نَفْسُهُ، لَكِنْ بِوَاجِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا عَمَّا يَتَذَكَّرُهُ، وَكَأَنَّ الصُّورَةَ أَقْدَمُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ.
أَسْفَلَ اللَّوْحَةِ مُبَاشَرَةً، وَجَدَ سَلِيمٌ دُرْجًا صَغِيرًا مُدْمَجًا فِي الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ، لَمْ يَلْحَظْهُ فِي الْبِدَايَةِ بِسَبَبِ انْشِغَالِهِ بِاللَّوْحَةِ. فَتَحَهُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ جِهَازَ تَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ قَدِيمًا مِنْ طِرَازٍ يَعُودُ إِلَى ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي تَقْرِيبًا، وَشَرِيطَ كَاسِيتٍ وَاحِدًا مَوْضُوعًا بِجَانِبِهِ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطِّ أَبِيهِ الْمُرْتَجِفِ: “تَوْفِيقٌ ـ تَسْجِيلٌ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ، سِرِّيٌّ جِدًّا.” حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يُشَغِّلَ الْجِهَازَ فَوْرًا، لَكِنَّ بَطَّارِيَّتَهُ كَانَتْ فَارِغَةً تَمَامًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَوَضَعَ الشَّرِيطَ بِحَذَرٍ فِي جَيْبِ حَقِيبَتِهِ، مُقَرِّرًا أَنْ يَجِدَ وَسِيلَةً لِتَشْغِيلِهِ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، رُبَّمَا فِي مَحَلٍّ قَدِيمٍ مُتَخَصِّصٍ بِالْأَجْهِزَةِ الْعَتِيقَةِ، إِنْ وُجِدَ مِثْلُ هَذَا الْمَكَانِ فِي الْمَدِينَةِ أَصْلًا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
اقْتَرَبَ مِنَ الرَّفِّ الْأَقْرَبِ، وَقَرَأَ الْعَنَاوِينَ الْمَكْتُوبَةَ بِخَطِّ يَدِ أَبِيهِ عَلَى وَاجِهَاتِ الصَّنَادِيقِ: “عُقُودُ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةُ ١٩٧٤ ـ ١٩٧٦”، “شَهَادَاتُ شُهُودٍ ـ سِرِّيٌّ”، “مُرَاسَلَاتُ الْبَلَدِيَّةِ”، “مَلَفُّ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ”. لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الْأَخِيرِ، تَوَقَّفَ عِنْدَ صُنْدُوقٍ آخَرَ أَصْغَرَ، مَوْضُوعٍ عَلَى الرَّفِّ السُّفْلِيِّ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطٍّ أَكْثَرَ تَعَبًا، وَكَأَنَّهُ كُتِبَ فِي مَرْحَلَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ حَيَاةِ الْأَبِ: “عَائِلَةُ سَمَاحَةَ ـ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ”. رَفَعَ الْغِطَاءَ بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ مَلَفًّا رَقِيقًا نِسْبِيًّا مُقَارَنَةً بِالصَّنَادِيقِ الْأُخْرَى، يَحْتَوِي عَلَى قُصَاصَاتِ جَرَائِدَ قَدِيمَةٍ، وَصَفْحَةً وَاحِدَةً مَكْتُوبَةً بِخَطِّ يَدِ أَبِيهِ تَبْدَأُ بِجُمْلَةٍ: “لَمْ أَسْتَطِعْ إِثْبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْدُ. مَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنِ الشَّاهِدِ الْأَخِيرِ.” تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ مَاذَا كَانَ أَبُوهُ يَقْصِدُ بِـ”الشَّاهِدِ الْأَخِيرِ”، وَمَنْ تَكُونُ هَذِهِ الْعَائِلَةُ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ “سَمَاحَةَ” وَالَّتِي لَمْ يَسْمَعْ بِهَا مِنْ قَبْلُ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا رَغْمَ أَنَّهُ نَشَأَ فِي هَذَا الْحَيِّ بِالذَّاتِ.
أَعَادَ الْمَلَفَّ الرَّقِيقَ إِلَى مَكَانِهِ بِحَذَرٍ، وَامْتَدَّتْ يَدُهُ أَخِيرًا نَحْوَ صُنْدُوقِ “مَلَفِّ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ” الَّذِي كَانَ قَدْ لَفَتَ انْتِبَاهَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، حِينَ رَنَّ هَاتِفُهُ الْمَحْمُولُ فَجْأَةً فِي جَيْبِهِ، مُصْدِرًا صَوْتًا حَادًّا كَسَرَ صَمْتَ الْغُرْفَةِ كَأَنَّهُ انْفِجَارٌ.
قَفَزَ سَلِيمٌ مِنْ مَكَانِهِ، وَأَخْرَجَ الْهَاتِفَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ. رَقْمٌ مَجْهُولٌ، بِلَا اسْمٍ، بِلَا مُعَرِّفِ بَلَدٍ وَاضِحٍ. تَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، هَمْسًا حَذِرًا: “أَلُو؟”
جَاءَهُ صَوْتُ رَجُلٍ، مُشَوَّهٍ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ صَاحِبَهُ يَتَحَدَّثُ عَبْرَ قِطْعَةِ قُمَاشٍ مَوْضُوعَةٍ عَلَى سَمَّاعَةِ الْهَاتِفِ، أَوْ عَبْرَ جِهَازِ تَشْوِيهِ صَوْتٍ بَسِيطٍ: “سَلِيمُ مُرَادٍ. أَنْصَحُكَ بِأَنْ تُغَادِرَ مَدِينَةَ الْيَاسَمِينِ فِي أَقْرَبِ رِحْلَةٍ مُمْكِنَةٍ، غَدًا صَبَاحًا عَلَى أَبْعَدِ تَقْدِيرٍ. مَا تَبْحَثُ عَنْهُ الْآنَ لَنْ يُعِيدَ لَكَ أَبَاكَ، وَلَنْ يَجْلِبَ لَكَ سِوَى الْأَذَى نَفْسِهِ الَّذِي وَجَدَهُ هُوَ.”
“مَنْ أَنْتَ؟” هَمَسَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَ صَوْتَهُ مُنْخَفِضًا قَدْرَ الْإِمْكَانِ، رَغْمَ أَنَّ الْغُرْفَةَ كَانَتْ مَعْزُولَةً تَمَامًا عَنْ بَقِيَّةِ الْبَيْتِ. “مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ أَبِي؟”
“لَا يُهِمُّ مَنْ أَنَا. الْمُهِمُّ أَنِّي أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُ أَنْتَ الْآنَ، وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّكَ لَسْتَ الشَّخْصَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَجْلِسُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ بِالذَّاتِ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِكَ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ فَجْأَةً. “مَاذَا تَقْصِدُ؟”
“أَقْصِدُ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتِ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي يُفْتَحُ فِيهَا ذَلِكَ الْبَابُ مُنْذُ الْجِنَازَةِ. فَكِّرْ جَيِّدًا فِيمَنْ كَانَ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ أَصْلًا غَيْرَكَ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي عَمُودِهِ الْفَقَرِيِّ. تَذَكَّرَ فَجْأَةً الدُّرْجَ الْأَسْفَلَ غَيْرَ الْمُقْفَلِ فِي مَكْتَبِ أَبِيهِ، وَطَبَقَةَ الْغُبَارِ غَيْرَ الْمُتَسَاوِيَةِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَكَأَنَّ يَدًا أُخْرَى سَبَقَتْهُ إِلَى هُنَا بِالْفِعْلِ، ثُمَّ أَعَادَتِ الْأُمُورَ إِلَى مَا يُشْبِهُ مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ، لَكِنْ دُونَ دِقَّةٍ كَافِيَةٍ لِتُخْفِيَ الْأَثَرَ تَمَامًا.
“أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ، وَأَعْرِفُ أَنَّكَ تَجْلِسُ الْآنَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مُغْلَقًا إِلَى الْأَبَدِ. أَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَمْلِكُهُ أَقْصَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَظُنُّ.” تَوَقَّفَ الصَّوْتُ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ بُرُودَةً: “هَذِهِ الْمُكَالَمَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةُ. لَنْ أَتَّصِلَ بِكَ مَرَّةً أُخْرَى. الْقَرَارُ الْآنَ بَيْنَ يَدَيْكَ.”
“انْتَظِرْ!” رَفَعَ سَلِيمٌ صَوْتَهُ قَلِيلًا رَغْمَ نَفْسِهِ، ثُمَّ خَفَضَهُ فَوْرًا مُتَذَكِّرًا مَكَانَهُ. “إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ، لِمَ لَا تُخْبِرْنِي بِهَا الْآنَ؟ لِمَ التَّهْدِيدُ بَدَلَ الْمُسَاعَدَةِ؟”
جَاءَ صَوْتٌ شِبْهُ ضَاحِكٍ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، ضَحْكَةٌ جَافَّةٌ لَا فَرَحَ فِيهَا. “لِأَنَّ الْمُسَاعَدَةَ يَا سَيِّدَ مُرَادٍ قَدْ تُكَلِّفُنِي مَا كَلَّفَ أَبَاكَ بِالضَّبْطِ. أَنَا لَسْتُ عَدُوَّكَ. لَكِنَّنِي لَسْتُ حَلِيفَكَ أَيْضًا. أَنَا فَقَطْ رَجُلٌ يَعْرِفُ حَجْمَ مَا تَقِفُ عَلَى أَعْتَابِهِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَمْنَحَكَ فُرْصَةً أَخِيرَةً لِلِانْسِحَابِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.”
انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْأَلَ شَيْئًا آخَرَ. حَدَّقَ فِي هَاتِفِهِ الْمُظْلِمِ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ فِي صَدْرِهِ، وَأَصَابِعُهُ بَارِدَةٌ رَغْمَ حَرَارَةِ اللَّيْلِ الصَّيْفِيِّ الْمَحْبُوسَةِ فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ الضَّيِّقَةِ بِلَا تَهْوِيَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
حَاوَلَ أَنْ يُرَتِّبَ أَفْكَارَهُ بِهُدُوءٍ رَغْمَ الرَّعْشَةِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُتَّصِلُ؟ لَيْسَ كَمَالَ دَرْوِيشٍ بِالتَّأْكِيدِ، فَصَوْتُ كَمَالٍ كَانَ مَأْلُوفًا لَهُ مِنَ الْعَزَاءِ الْيَوْمَ، دَافِئًا وَعَمِيقًا، بَيْنَمَا صَوْتُ الْمُتَّصِلِ كَانَ مُشَوَّهًا عَمْدًا بِجِهَازٍ تِقْنِيٍّ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهُ أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَ هُوِيَّتَهُ حَتَّى عَنْ أُذُنٍ مُدَرَّبَةٍ. رُبَّمَا كَانَ أَحَدَ شُرَكَاءِ كَمَالٍ فِي الْمَشْرُوعِ؟ أَوْ رُبَّمَا، فَكَّرَ سَلِيمٌ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، كَانَ شَخْصًا يَعْمَلُ ضِدَّ كَمَالٍ أَيْضًا، شَخْصًا لَهُ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ فِي إِبْقَاءِ هَذَا الْمَلَفِّ مُغْلَقًا إِلَى الْأَبَدِ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْجَمِيعِ، حَتَّى عَنْ أَعْيُنِ خُصُومِ كَمَالٍ الْمُحْتَمَلِينَ.
تَذَكَّرَ جُمْلَةَ الْمُتَّصِلِ: “لَسْتَ أَنْتَ أَوَّلَ مَنْ يَجْلِسُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِكَ.” مَنْ كَانَ قَدْ سَبَقَهُ إِذَنْ؟ فَكَّرَ فِي لَيَانَ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَ الْفِكْرَةَ بِسُرْعَةٍ، فَهُوَ يَعْرِفُ يَقِينًا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بِوُجُودِ هَذِهِ الْغُرْفَةِ أَصْلًا، بِدَلِيلِ دَهْشَتِهَا الصَّادِقَةِ حِينَ سَأَلَهَا عَنْ يَاسَمِينَ نُورٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ، وَحَدِيثِهَا الصَّرِيحِ عَنْ جَهْلِهَا بِتَفَاصِيلِ أَبِيهَا الْأَخِيرَةِ. بَقِيَ احْتِمَالَانِ فِي ذِهْنِهِ: إِمَّا كَمَالٌ دَرْوِيشٌ نَفْسُهُ، الَّذِي سَأَلَهُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ الْيَوْمَ عَنْ “أَوْرَاقٍ” تَرَكَهَا أَبُوهُ، أَوْ شَخْصٌ آخَرُ تَمَامًا، لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ، لَكِنَّهُ يُرَاقِبُ مِنَ الْخَفَاءِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِلَيَانَ، إِيقَاظِهَا، إِخْبَارِهَا بِمَا حَدَثَ. لَكِنَّهُ تَذَكَّرَ رِسَالَةَ أَبِيهِ: “لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، أَيًّا كَانَ.” حَتَّى لَيَانُ؟ حَاوَلَ أَنْ يُبْعِدَ هَذَا الشَّكَّ عَنْ نَفْسِهِ بِسُرْعَةٍ، فَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَيَّلَ أُخْتَهُ جُزْءًا مِنْ أَيَّةِ مُؤَامَرَةٍ ضِدَّهُ. وَمَعَ ذَلِكَ، شَيْءٌ فِي حَذَرِ أَبِيهِ الْمُطْلَقِ جَعَلَهُ يَتَرَدَّدُ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ أَنْ يُوَاصِلَ وَحِيدًا، عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى يَفْهَمَ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُ الْآنَ.
عَادَ إِلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي كَانَ يَهُمُّ بِفَتْحِهِ قَبْلَ الْمُكَالَمَةِ: “مَلَفُّ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ”. أَزَاحَ الْغِطَاءَ الْكَرْتُونِيَّ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ أَوْرَاقًا مُصْفَرَّةً، وَصُوَرًا بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَمَلَفًّا بِلَاسْتِيكِيًّا شَفَّافًا يَحْوِي مَا بَدَا أَنَّهُ نُسْخَةٌ عَنْ عَقْدٍ قَدِيمٍ.
أَخْرَجَ أَوَّلَ صُورَةٍ: مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ، سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، يَقِفُونَ أَمَامَ مَبْنًى حَجَرِيٍّ يُشْبِهُ مَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَ، بِمَلَابِسَ تَعُودُ بِوُضُوحٍ إِلَى خَمْسِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي تَقْرِيبًا. تَعَرَّفَ سَلِيمٌ عَلَى أَحَدِهِمْ فَوْرًا، رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ فِي الصُّورَةِ: كَانَ جَدُّهُ، وَالِدُ أَبِيهِ، يَقِفُ فِي الْوَسَطِ بِابْتِسَامَةٍ فَخُورَةٍ. وَبِجَانِبِهِ مُبَاشَرَةً، رَجُلٌ آخَرُ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ سَلِيمٌ فِي الْبِدَايَةِ، حَتَّى قَرَأَ الِاسْمَ الْمَكْتُوبَ بِخَطٍّ دَقِيقٍ أَسْفَلَ الصُّورَةِ: “فَارِسُ دَرْوِيشٍ ـ أَمِينُ سِجِلِّ الْأَرَاضِي، ١٩٧٤.”
فَارِسُ دَرْوِيشٍ. لَا بُدَّ أَنَّهُ وَالِدُ كَمَالٍ. أَخْرَجَ سَلِيمٌ عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ مِنَ الْمَلَفِّ الْبِلَاسْتِيكِيِّ، وَبَدَأَ يَقْرَؤُهُ بِعِنَايَةٍ تَحْتَ الضَّوْءِ الْأَصْفَرِ الْخَافِتِ لِلْمِصْبَاحِ الْبَطَّارِيِّ، وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِرَاءَةِ، كُلَّمَا شَعَرَ بِأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَهُ تَهْتَزُّ قَلِيلًا: كَانَ الْعَقْدُ يُوَثِّقُ نَقْلَ مِلْكِيَّةِ قِطْعَةِ أَرْضٍ وَاسِعَةٍ، هِيَ بِالتَّحْدِيدِ الْأَرْضُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْآنَ مَشْرُوعُ “أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ”، مِنْ عَائِلَةٍ تَحْمِلُ اسْمًا لَمْ يَسْمَعْهُ سَلِيمٌ مِنْ قَبْلُ ـ “عَائِلَةُ سَمَاحَةَ” ـ إِلَى عَائِلَةِ دَرْوِيشٍ، بِتَارِيخٍ يَعُودُ إِلَى خَمْسِينَ عَامًا بِالضَّبْطِ، بِتَوْقِيعِ أَمِينِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، الَّذِي وَثَّقَ نَقْلَ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ عَائِلَتِهِ هُوَ إِلَى نَفْسِهِ، فِي تَضَارُبِ مَصَالِحَ فَاضِحٍ لَمْ يَكُنْ لِيَمُرَّ دُونَ اعْتِرَاضٍ، لَوْلَا أَنَّ آخِرَ السُّطُورِ فِي الْعَقْدِ كَانَتْ تَحْمِلُ مُلَاحَظَةً يَدَوِيَّةً مُضَافَةً لَاحِقًا بِخَطٍّ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا، خَطِّ وَالِدِ سَلِيمٍ بِالتَّحْدِيدِ: “هَذَا الْعَقْدُ بَاطِلٌ. عَائِلَةُ سَمَاحَةَ لَمْ تُوَقِّعْ عَلَيْهِ أَبَدًا. التَّوْقِيعُ مُزَوَّرٌ. سَأُثْبِتُ هَذَا يَوْمًا.”
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْوَحِيدِ فِي الْغُرْفَةِ، وَالْعَقْدُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُرْتَجِفَتَيْنِ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ حَجْمِ مَا اكْتَشَفَهُ لِلتَّوِّ: أَرْضُ حَيِّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، الْأَرْضُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا الْآنَ مَشْرُوعُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الضَّخْمُ، رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ مِلْكًا شَرْعِيًّا لِعَائِلَةِ دَرْوِيشٍ مِنَ الْأَسَاسِ، بَلِ اسْتُولِيَ عَلَيْهَا مِنْ عَائِلَةٍ أُخْرَى بِتَزْوِيرٍ مُوَثَّقٍ، مِنْ رَجُلٍ كَانَ يَشْغَلُ بِالضَّبْطِ الْمَنْصِبَ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنْ تَنْفِيذِ هَذَا التَّزْوِيرِ وَتَغْطِيَتِهِ رَسْمِيًّا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَأَبُوهُ كَانَ يَعْرِفُ. مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، رُبَّمَا مُنْذُ أَنْ كَانَ سَلِيمٌ طِفْلًا يَلْعَبُ فِي هَذَا الْقَبْوِ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَا يُخْفِيهِ أَبُوهُ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ مِنْهُ.
قَلَّبَ سَلِيمٌ بَقِيَّةَ أَوْرَاقِ الْمَلَفِّ بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنْ أَثَرِ الْمُكَالَمَةِ. وَجَدَ صُورَةً أُخْرَى، أَحْدَثَ زَمَنِيًّا مِنَ الصُّورَةِ الْأُولَى، يَبْدُو فِيهَا فَارِسُ دَرْوِيشٍ نَفْسُهُ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرُفْقَةِ رَجُلٍ آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهُ فِي الْبِدَايَةِ بِسَبَبِ اهْتِرَاءِ الصُّورَةِ، حَتَّى قَرَأَ الِاسْمَ الْمَكْتُوبَ خَلْفَهَا: “مَعَ الْقَاضِي حَبِيبٍ النَّجَّارِ، إِشْرَافٌ عَلَى نَقْلِ السِّجِلَّاتِ، ١٩٧٥.” تَحْتَ الِاسْمِ، بِخَطِّ أَبِيهِ مَرَّةً أُخْرَى: “النَّجَّارُ هُوَ مَنْ خَتَمَ الْعَقْدَ الْمُزَوَّرَ رَسْمِيًّا. لَا بُدَّ أَنَّ أَحْفَادَهُ أَوْ وَرَثَتَهُ يَعْرِفُونَ شَيْئًا.”
اسْتَمَرَّ سَلِيمٌ فِي الْبَحْثِ بَيْنَ مُحْتَوَيَاتِ الصُّنْدُوقِ، فَوَجَدَ الْمَزِيدَ: رَسَائِلُ مُتَبَادَلَةٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ هُوِيَّتِهِمَا الْكَامِلَةِ بَعْدُ، تُشِيرُ إِلَى “الشَّاهِدَةِ الْأَخِيرَةِ” وَ”مَا تَبَقَّى مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ”، وَقُصَاصَةُ جَرِيدَةٍ قَدِيمَةٍ مُمَزَّقَةُ الْأَطْرَافِ تَتَحَدَّثُ بِإِيجَازٍ شَدِيدٍ عَنْ “حَادِثَةٍ أَلِيمَةٍ” أَلَمَّتْ بِإِحْدَى عَائِلَاتِ الْحَيِّ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا، دُونَ تَفَاصِيلَ كَافِيَةٍ، وَكَأَنَّ الْخَبَرَ كُتِبَ عَمْدًا بِشَكْلٍ غَامِضٍ يَتَجَنَّبُ أَيَّةَ تَفَاصِيلَ قَدْ تُثِيرُ أَسْئِلَةً.
فِي زَاوِيَةِ الْمَلَفِّ، وَجَدَ سَلِيمٌ أَيْضًا قَائِمَةً مَكْتُوبَةً بِخَطِّ أَبِيهِ، تَبْدُو كَأَنَّهَا قَائِمَةُ مَهَامَّ لَمْ تَكْتَمِلْ: “١. تَحْدِيدُ مَكَانِ أَحْفَادِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ إِنْ وُجِدُوا. ٢. الْحُصُولُ عَلَى نُسْخَةٍ رَسْمِيَّةٍ مُوَثَّقَةٍ مِنْ سِجِلِّ الْأَرَاضِي قَبْلَ ١٩٧٤. ٣. التَّحَدُّثُ إِلَى تَوْفِيقٍ، هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.” تَوَقَّفَ سَلِيمٌ طَوِيلًا عِنْدَ الِاسْمِ الْأَخِيرِ: “تَوْفِيقٌ”. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَنْ يَقْصِدُ أَبُوهُ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّ الِاسْمَ بَدَا مَأْلُوفًا بِطَرِيقَةٍ غَامِضَةٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ فِي مَكَانٍ مَا خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ لَهُ.
بَحَثَ سَلِيمٌ فِي الصُّنْدُوقِ عَنْ مَزِيدٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ حَوْلَ هَذَا الِاسْمِ، فَوَجَدَ فِي قَاعِهِ صَفْحَةً وَاحِدَةً يَبْدُو أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ شَهَادَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِخَطِّ يَدٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ خَطِّ أَبِيهِ، أَكْثَرَ ارْتِعَاشًا، وَكَأَنَّهَا كُتِبَتْ بِيَدِ رَجُلٍ مُسِنٍّ. لَمْ تَكُنِ الصَّفْحَةُ مُوَقَّعَةً، لَكِنَّ سَلِيمًا قَرَأَهَا بِتَمَعُّنٍ شَدِيدٍ تَحْتَ الضَّوْءِ الْأَصْفَرِ الْخَافِتِ:
“…فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَوْتٌ وَاحِدٌ فِي الْحَيِّ كُلِّهِ. لَا كِلَابٌ تَنْبَحُ، وَلَا نَوَافِذُ تُفْتَحُ. أَذْكُرُ أَنِّي كُنْتُ وَاقِفًا عِنْدَ بَوَّابَةِ بَيْتِي حِينَ مَرَّتِ الشَّاحِنَاتُ الثَّلَاثُ، بِلَا أَضْوَاءٍ، بِلَا أَصْوَاتِ مُحَرِّكَاتٍ عَالِيَةٍ، وَكَأَنَّ مَنْ قَادَهَا تَدَرَّبَ عَلَى الْمُرُورِ دُونَ أَنْ يُوقِظَ أَحَدًا. لَمْ أَرَ الْوُجُوهَ، لَكِنِّي رَأَيْتُ الْأَطْفَالَ يُحْمَلُونَ نِيَامًا، وَامْرَأَةً تَبْكِي بِصَمْتٍ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِلَ صُرَّةَ قُمَاشٍ صَغِيرَةً رَفَضَ رِجَالُ الشَّاحِنَةِ أَنْ يَسْمَحُوا لَهَا بِأَخْذِهَا مَعَهَا. فِي الصَّبَاحِ، حِينَ سَأَلْتُ الْجِيرَانَ عَنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، أَجَابَنِي كُلُّ مَنْ سَأَلْتُهُ بِالْجُمْلَةِ نَفْسِهَا بِالضَّبْطِ، وَكَأَنَّهُمْ تَدَرَّبُوا عَلَيْهَا: لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عَائِلَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ فِي حَيِّنَا قَطُّ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَيَدُهُ تَرْتَجِفُ بِوُضُوحٍ الْآنَ، لَيْسَ مِنْ بَرْدِ الْغُرْفَةِ، بَلْ مِنْ ثِقْلِ مَا يَقْرَؤُهُ. عَائِلَةٌ كَامِلَةٌ اخْتَفَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحُذِفَتْ مِنْ ذَاكِرَةِ حَيٍّ بِأَكْمَلِهِ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ قَطُّ. وَمَنْ كَتَبَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ؟ مَنْ كَانَ “تَوْفِيقٌ” الَّذِي يَقْصِدُهُ أَبُوهُ فِي قَائِمَتِهِ، وَالَّذِي وَصَفَهُ بِأَنَّهُ “الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ”؟ هَلْ هُوَ نَفْسُهُ صَاحِبُ هَذَا الْخَطِّ الْمُرْتَجِفِ؟
قَرَأَ سَلِيمٌ بَقِيَّةَ الصَّفْحَةِ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، فَوَجَدَ سُطُورًا أَخِيرَةً مُضَافَةً، بَدَتْ وَكَأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، بِخَطٍّ أَكْثَرَ ثَبَاتًا قَلِيلًا، وَكَأَنَّ كَاتِبَهَا عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ لِيُضِيفَ مُلَاحَظَةً أَخِيرَةً: “لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَنْسَى صَوْتَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ تَبْكِي. ظَلَلْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي كُلَّ لَيْلَةٍ لِخَمْسِينَ عَامًا: مَاذَا لَوْ تَكَلَّمْتُ يَوْمَهَا؟ هَلْ كَانَ سَيَتَغَيَّرُ شَيْءٌ؟ الْآنَ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ عَجُوزًا، أَعْرِفُ أَنَّ الصَّمْتَ كَانَ جُبْنًا، لَا حِكْمَةً كَمَا أَقْنَعْتُ نَفْسِي طَوِيلًا. أَرْجُو أَنْ يَقْرَأَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ يَوْمًا، وَيَفْعَلَ مَا لَمْ أَجْرُؤْ أَنَا عَلَى فِعْلِهِ.”
جَلَسَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ أَنَّ رَجُلًا مَا، رُبَّمَا لَا يَزَالُ حَيًّا حَتَّى الْآنَ، عَاشَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً يَحْمِلُ هَذَا الذَّنْبَ الصَّامِتَ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَمْضِي فِي حَيَاتِهَا وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ. فَكَّرَ فِي أُمِّهِ وَلَيَانَ النَّائِمَتَيْنِ فَوْقَهُ، غَافِلَتَيْنِ تَمَامًا عَنْ حَجْمِ مَا بَدَأَ يَتَكَشَّفُ لَهُ الْآنَ، وَشَعَرَ بِمَسْؤُولِيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ وَثَقِيلَةٍ تُجَاهَهُمَا: كَيْفَ يَحْمِيهِمَا مِنْ خَطَرٍ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ شَكْلَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَلَا حَجْمَهُ، وَلَا مَنْ يَقِفُ وَرَاءَهُ؟ هَلْ كَانَ أَبُوهُ يَشْعُرُ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ نَفْسِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، وَحِيدًا، دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا؟
وَفِي قَاعِ الصُّنْدُوقِ، وَجَدَ سَلِيمٌ مُغَلَّفًا أَصْغَرَ، مَخْتُومًا بِشَمْعٍ أَحْمَرَ لَمْ يُفْتَحْ بَعْدُ، مَكْتُوبًا عَلَيْهِ بِخَطِّ أَبِيهِ: “لِسَلِيمٍ، حِينَ يَكُونُ جَاهِزًا، وَلَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ.”
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الْمُغَلَّفِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، شَاعِرًا أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ تَحْدِيدًا كَانَتِ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ أَبُوهُ يَنْتَظِرُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَأْتِي يَوْمًا، وَلَوْ بَعْدَ رَحِيلِهِ هُوَ نَفْسُهُ. وَضَعَ إِصْبَعَهُ تَحْتَ طَرَفِ الشَّمْعِ الْأَحْمَرِ، مُتَرَدِّدًا لِلَحْظَةٍ أَخِيرَةٍ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّحْظَةُ نُقْطَةَ اللَّاعَوْدَةِ الْحَقِيقِيَّةَ، لَا مُجَرَّدَ اكْتِشَافٍ عَابِرٍ آخَرَ يُمْكِنُ نِسْيَانُهُ لَاحِقًا. فَكَّرَ فِي أُمِّهِ النَّائِمَةِ فَوْقَهُ، فِي لَيَانَ الَّتِي أَخْبَرَتْهُ لِلتَّوِّ أَنَّهَا بَدَأَتْ تَخَافُ، فِي حَيَاتِهِ الْهَادِئَةِ نِسْبِيًّا فِي هَامْبُورْغَ الَّتِي تَرَكَهَا فَجْأَةً قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ. كُلُّ هَذِهِ الْأَفْكَارِ مَرَّتْ فِي ذِهْنِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَانِيَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ التَّرَاجُعَ لَمْ يَعُدْ خِيَارًا مُتَاحًا أَصْلًا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي أَجَابَ فِيهَا عَلَى مُكَالَمَةِ يَاسَمِينَ نُورٍ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِي الْمَطَارِ. شَدَّ قَبْضَتَهُ قَلِيلًا عَلَى حَافَّةِ الْمُغَلَّفِ، وَبَدَأَ يَفُضُّ الشَّمْعَ الْأَحْمَرَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ مِنَ الْخَتْمِ الْقَدِيمِ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُمَزِّقَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ إِنْ تَسَرَّعَ فِي حَرَكَتِهِ.
قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ فَتْحَ الْمُغَلَّفِ، انْقَطَعَ الضَّوْءُ فَجْأَةً.
لَمْ يَكُنِ الْمِصْبَاحُ الْبَطَّارِيُّ وَحْدَهُ الَّذِي انْطَفَأَ؛ بَلْ شَعَرَ سَلِيمٌ أَيْضًا بِصَمْتٍ كَهْرَبَائِيٍّ مُفَاجِئٍ يَجْتَاحُ الْبَيْتَ بِأَكْمَلِهِ مِنْ فَوْقِهِ، كَأَنَّ التَّيَّارَ الرَّئِيسِيَّ قُطِعَ تَمَامًا، لَا مُجَرَّدَ نَفَادِ بَطَّارِيَّةِ الْمِصْبَاحِ. أَظْلَمَتِ الْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ بِالْكَامِلِ، عَتْمَةٌ كَثِيفَةٌ لَا يَخْتَرِقُهَا أَيُّ ضَوْءٍ مِنْ أَيِّ اتِّجَاهٍ.
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ مَكَانَهُ، وَالْمُغَلَّفُ الْأَحْمَرُ لَا يَزَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ فِي صَدْرِهِ. أَخْرَجَ هَاتِفَهُ بِسُرْعَةٍ وَأَضَاءَ شَاشَتَهُ، فَأَضَاءَ لَهُ الْغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ بِضَوْءٍ أَزْرَقَ شَاحِبٍ. تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، مُحَاوِلًا إِقْنَاعَ نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ انْقِطَاعِ كَهْرَبَاءَ عَادِيٍّ، شَائِعٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَتَذَكَّرُ مِنْ طُفُولَتِهِ، حِينَ كَانَتِ الْكَهْرَبَاءُ تَنْقَطِعُ لِسَاعَاتٍ كُلَّ صَيْفٍ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ.
دَسَّ الْمُغَلَّفَ الْأَحْمَرَ بِسُرْعَةٍ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ، بِجَانِبِ رِسَالَةِ أَبِيهِ الْأُولَى، وَبَدَأَ يَجْمَعُ أَهَمَّ الْأَوْرَاقِ الَّتِي وَجَدَهَا ـ عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، الْقَائِمَةَ الْيَدَوِيَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ “تَوْفِيقٍ” ـ وَحَشَرَهَا جَمِيعًا فِي حَقِيبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَ قَدْ أَحْضَرَهَا مَعَهُ دُونَ تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ يَسْتَعِدُّ غَرِيزِيًّا لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ سَرِيعَةٍ، وَهُوَ يَجْمَعُ الْأَوْرَاقَ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، فِي الِاتِّصَالِ بِيَاسَمِينَ نُورٍ. كَانَتِ الصَّحَفِيَّةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي أَظْهَرَتْ لَهُ اهْتِمَامًا حَقِيقِيًّا مُنْذُ وُصُولِهِ، وَلَمْ تُخْفِ عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَبَاهُ بِشَكْلٍ مَا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي شَيْئًا خَطِيرًا. لَكِنَّهُ تَذَكَّرَ فَوْرًا كَلِمَاتِ أَبِيهِ: “لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، أَيًّا كَانَ.” هَلْ تَشْمَلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ صَحَفِيَّةً غَرِيبَةً قَابَلَهَا لِلتَّوِّ فِي مَطَارٍ؟ رُبَّمَا، فَكَّرَ سَلِيمٌ بِمَرَارَةٍ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثِقَ بِأَحَدٍ فِعْلًا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، حَتَّى لَوْ بَدَا صَادِقًا تَمَامًا فِي نَظَرَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ. قَرَّرَ أَنْ يُؤَجِّلَ هَذَا الْقَرَارَ إِلَى الصَّبَاحِ، حِينَ يَكُونُ عَقْلُهُ أَكْثَرَ صَفَاءً مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ وَسْطَ هَذِهِ الْعَتْمَةِ الْخَانِقَةِ، وَحِينَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزِنَ الْأُمُورَ بِعَقْلٍ بَارِدٍ بَعِيدًا عَنْ رَعْشَةِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَسْتَنْزِفُ كُلَّ طَاقَتِهِ الذِّهْنِيَّةَ وَالْجَسَدِيَّةَ مَعًا.
وَهُوَ يَهُمُّ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ عَائِدًا نَحْوَ الْقَبْوِ، سَمِعَهُ بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ: صَوْتَ خُطُوَاتٍ، ثَقِيلَةٍ وَبَطِيئَةٍ، تَتَحَرَّكُ فَوْقَ رَأْسِهِ مُبَاشَرَةً، فِي الطَّابِقِ الْأَرْضِيِّ مِنَ الْبَيْتِ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الصَّغِيرِ، أَنْفَاسُهُ مَحْبُوسَةٌ فِي صَدْرِهِ، يُصْغِي بِكُلِّ جَوَارِحِهِ. كَانَتِ الْخُطُوَاتُ وَاضِحَةً تَمَامًا، تَتَحَرَّكُ مِنْ جِهَةِ الصَّالَةِ نَحْوَ الْمَطْبَخِ، بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَخْشَى أَنْ يُسْمَعَ، أَوْ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ أَنَّ أَحَدًا يَسْتَطِيعُ سَمَاعَهُ مِنْ هَذَا الْعُمْقِ تَحْتَ الْأَرْضِ. شَعَرَ سَلِيمٌ بِعَرَقٍ بَارِدٍ يَتَصَبَّبُ عَلَى جَبِينِهِ رَغْمَ بُرُودَةِ الْقَبْوِ، وَأَدْرَكَ فَجْأَةً أَنَّهُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي هَبَطَ فِيهَا إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ ابْنٍ يَبْحَثُ عَنْ ذِكْرَيَاتِ أَبِيهِ، بَلْ أَصْبَحَ، دُونَ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، طَرَفًا فِي لُعْبَةٍ خَطِيرَةٍ بَدَأَتْ قَوَاعِدُهَا قَبْلَ أَنْ يُولَدَ هُوَ أَصْلًا.
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ: لَيَانُ فِي غُرْفَتِهَا، تَأَكَّدَ مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا، حِينَ وَضَعَ أُذُنَهُ عَلَى بَابِهَا وَسَمِعَ أَنْفَاسَهَا الْمُنْتَظِمَةَ. أُمُّهُ نَائِمَةٌ فِي غُرْفَتِهَا هِيَ الْأُخْرَى، رَآهَا بِعَيْنَيْهِ قَبْلَ نُزُولِهِ. لَا أَحَدَ آخَرَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَالْبَابُ الرَّئِيسِيُّ كَانَ مُقْفَلًا بِإِحْكَامٍ تَأَكَّدَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ صُعُودِهِ إِلَى الْمَكْتَبِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَمَنْ، إِذَنْ، يَمْشِي الْآنَ فَوْقَ رَأْسِهِ؟
أَغْلَقَ بَابَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ خَلْفَهُ بِأَقْصَى هُدُوءٍ مُمْكِنٍ، وَأَعَادَ قَفْلَهُ بِالْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ، ثُمَّ دَفَعَ الرَّفَّ الْخَشَبِيَّ الثَّقِيلَ أَمَامَهُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، مُحَاوِلًا أَلَّا يُصْدِرَ أَيَّ صَوْتٍ إِضَافِيٍّ، رَغْمَ أَنَّ الصَّرِيرَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَحْدَثَهُ عِنْدَ فَتْحِهِ لَا بُدَّ أَنَّهُ وَصَلَ بِالْفِعْلِ إِلَى مَسَامِعِ أَيِّ شَخْصٍ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ يُصْغِي بِعِنَايَةٍ.
بَحَثَ سَلِيمٌ بِعَيْنَيْهِ فِي عَتْمَةِ الْقَبْوِ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهُ لِلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، فَوَجَدَ قَضِيبًا مَعْدِنِيًّا قَدِيمًا كَانَ جُزْءًا مِنْ إِطَارِ سَرِيرٍ مَكْسُورٍ، مُلْقًى بَيْنَ الْأَثَاثِ الْقَدِيمِ. الْتَقَطَهُ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَشَعَرَ بِثِقْلِهِ الْغَرِيبِ فِي رَاحَتِهِ، هُوَ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ يَوْمًا فِي حَيَاتِهِ الْهَادِئَةِ فِي أَلْمَانِيَا شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى سِلَاحٍ مِنْ مِفَكِّ بَرَاغٍ فِي وَرْشَةِ عَمَلِهِ. لِلَحْظَةٍ، خَطَرَتْ لَهُ فِكْرَةٌ عَابِرَةٌ سَخِرَ مِنْهَا فَوْرًا فِي سِرِّهِ: لَوْ رَآهُ أَحَدُ زُمَلَائِهِ الْمُهَنْدِسِينَ فِي هَامْبُورْغَ الْآنَ، وَاقِفًا فِي قَبْوٍ مُظْلِمٍ بِقَضِيبٍ مَعْدِنِيٍّ فِي يَدِهِ، لَظَنُّوهُ فَقَدَ عَقْلَهُ تَمَامًا. لَكِنَّ شَيْئًا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ جَعَلَهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، يَفْعَلُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ كُلَّ هَذَا الْخَطَرِ.
اقْتَرَبَ مِنْ أَسْفَلِ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مَحْسُوبَةٍ، مُتَجَنِّبًا الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ الَّتِي يَعْرِفُ صَرِيرَهَا جَيِّدًا، مُصْغِيًا بِاسْتِمْرَارٍ إِلَى الْخُطُوَاتِ فَوْقَهُ الَّتِي تَوَقَّفَتِ الْآنَ عَنِ التَّحَرُّكِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا يَقِفُ ثَابِتًا فِي مَكَانٍ مَا، يَنْتَظِرُ. شَعَرَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ بِغَرَابَةِ الْمَوْقِفِ الَّذِي وَجَدَ نَفْسَهُ فِيهِ فَجْأَةً: رَجُلٌ عَاشَ عِشْرِينَ عَامًا هَادِئَةً فِي مَدِينَةٍ أُورُبِّيَّةٍ آمِنَةٍ، يُصَمِّمُ مَبَانِيَ وَيَحْضُرُ اجْتِمَاعَاتِ عَمَلٍ رُوتِينِيَّةً، يَقِفُ الْآنَ فِي قَبْوِ مَنْزِلِ طُفُولَتِهِ، بِيَدِهِ قَضِيبٌ مَعْدِنِيٌّ صَدِئٌ، مُتَأَهِّبًا لِمُوَاجَهَةِ مَجْهُولٍ قَدْ يَحْمِلُ نِيَّةَ الْقَتْلِ. لَمْ يَكُنْ هَذَا نَوْعَ الْحَيَاةِ الَّذِي تَخَيَّلَهُ لِنَفْسِهِ يَوْمًا، وَمَعَ ذَلِكَ، وَبِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا تَمَامًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يَشْعُرْ بِالرَّغْبَةِ فِي الْهُرُوبِ، بَلْ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى تَصْمِيمٍ هَادِئٍ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ.
لَمْ يَكُنْ قَدِ اتَّخَذَ قَرَارَهُ بَعْدُ بِشَأْنِ الصُّعُودِ، حِينَ سَمِعَ الْخُطُوَاتِ تَتَحَرَّكُ مُجَدَّدًا، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِاتِّجَاهِ رَأْسِ الدَّرَجِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْقَبْوِ بِالتَّحْدِيدِ، ثُمَّ تَتَوَقَّفُ هُنَاكَ فَجْأَةً، مُبَاشَرَةً فَوْقَ رَأْسِهِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ يَقِفُ سَلِيمٌ الْآنَ، وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ، بِصَبْرٍ تَامٍّ، أَنْ يَصْعَدَ سَلِيمٌ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ.
بَقِيَ سَلِيمٌ وَاقِفًا فِي الْعَتْمَةِ الْكَامِلَةِ، الْقَضِيبُ الْمَعْدِنِيُّ مَشْدُودٌ فِي قَبْضَتِهِ حَتَّى ابْيَضَّتْ أَصَابِعُهُ، وَقَلْبُهُ يَقْرَعُ فِي صَدْرِهِ بِعُنْفٍ يَكَادُ يُسْمَعُ، بَيْنَمَا كَانَ الصَّمْتُ الْمُطْبِقُ فَوْقَهُ يَمْتَدُّ ثَانِيَةً بَعْدَ ثَانِيَةٍ، أَثْقَلَ مِنْ أَيِّ صَوْتٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَهُ، وَكَأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاقِفَ عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ، أَيًّا كَانَ، يَعْرِفُ تَمَامًا أَنَّ سَلِيمًا يَعْرِفُ الْآنَ بِوُجُودِهِ، وَقَرَّرَ، لِسَبَبٍ مَا، أَلَّا يَتَحَرَّكَ خُطْوَةً وَاحِدَةً أُخْرَى، تَارِكًا سَلِيمًا وَحِيدًا فِي الظَّلَامِ يُوَاجِهُ سُؤَالًا وَاحِدًا لَا يَمْلِكُ لَهُ جَوَابًا: هَلْ يَصْعَدُ لِيُوَاجِهَ مَا يَنْتَظِرُهُ، أَمْ يَبْقَى فِي هَذِهِ الْعَتْمَةِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ؟
مَرَّتْ دَقِيقَةٌ كَامِلَةٌ، رُبَّمَا دَقِيقَتَانِ، وَسَلِيمٌ لَا يَزَالُ ثَابِتًا فِي مَكَانِهِ، يَحْسِبُ أَنْفَاسَهُ مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَهَا هَادِئَةً قَدْرَ الْإِمْكَانِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَخَيَّلَ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاقِفًا هُنَاكَ فَوْقَهُ: هَلْ هُوَ الشَّخْصُ نَفْسُهُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ قَبْلَ قَلِيلٍ؟ هَلْ عَادَ أَدْرَاجَهُ لِيَتَأَكَّدَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّ سَلِيمًا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا بَعْدُ، أَمْ أَنَّهُ أَتَى تَحْدِيدًا لِيَأْخُذَ مَا تَبَقَّى فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ سَلِيمٌ إِلَيْهِ؟ فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِي احْتِمَالٍ أَشَدَّ رُعْبًا: مَاذَا لَوْ كَانَ الشَّخْصُ هُوَ مَنْ قَتَلَ أَبَاهُ فِعْلًا، عَائِدًا الْآنَ لِيُكْمِلَ مَا بَدَأَهُ، غَيْرَ مُدْرِكٍ أَنَّ سَلِيمًا مَوْجُودٌ فِي الْأَسْفَلِ يَسْتَمِعُ إِلَى كُلِّ خُطْوَةٍ مِنْ خُطُوَاتِهِ؟ دَفَعَ هَذَا الِاحْتِمَالَ بَعِيدًا عَنْ ذِهْنِهِ بِصُعُوبَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَ تَرْكِيزَهُ عَلَى اللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ فَقَطْ، لَا عَلَى الْمَخَاوِفِ الَّتِي قَدْ تُصِيبُهُ بِالشَّلَلِ التَّامِّ فِي أَسْوَأِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ.
ثُمَّ، فَجْأَةً، سَمِعَ صَوْتًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا: صَوْتَ بَابِ الْمَطْبَخِ الْخَلْفِيِّ وَهُوَ يُفْتَحُ بِبُطْءٍ، ثُمَّ يُغْلَقُ مَرَّةً أُخْرَى بِهُدُوءٍ شَدِيدٍ، وَخُطُوَاتٍ تَبْتَعِدُ نَحْوَ الْفِنَاءِ الْخَارِجِيِّ، تَخْفُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَلَاشَتْ تَمَامًا فِي صَمْتِ اللَّيْلِ.
انْتَظَرَ سَلِيمٌ دَقَائِقَ إِضَافِيَّةً قَبْلَ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى الصُّعُودِ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، مُتَجَنِّبًا الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ بِحَذَرٍ تِلْقَائِيٍّ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى رَأْسِ الدَّرَجِ، وَدَفَعَ الْبَابَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الصَّالَةِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَالْقَضِيبُ الْمَعْدِنِيُّ لَا يَزَالُ مَرْفُوعًا فِي يَدِهِ الْأُخْرَى جَاهِزًا لِأَيِّ طَارِئٍ.
كَانَتِ الصَّالَةُ فَارِغَةً تَمَامًا، هَادِئَةً، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا قَطُّ. تَحَقَّقَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفِنَاءِ، فَوَجَدَهُ ـ عَلَى عَكْسِ مَا تَذَكَّرَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ ـ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، مُوَارَبًا بِمَا يَكْفِي لِشَخْصٍ أَنْ يَتَسَلَّلَ مِنْهُ دُونَ إِحْدَاثِ ضَجَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَقُفْلُهُ الْخَارِجِيُّ مَكْسُورٌ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، بِأَدَاةٍ حَادَّةٍ تَرَكَ أَثَرَهَا الْخَشَبُ الْمُحِيطُ بِالْقُفْلِ.
انْحَنَى سَلِيمٌ بِحَذَرٍ لِيَفْحَصَ الْقُفْلَ الْمَكْسُورَ عَنْ قُرْبٍ، فَلَاحَظَ خُدُوشًا دَقِيقَةً حَوْلَ ثُقْبِ الْمِفْتَاحِ، أَثَرًا لِأَدَاةٍ مَعْدِنِيَّةٍ رَفِيعَةٍ اسْتُخْدِمَتْ بِمَهَارَةٍ وَاضِحَةٍ، وَكَأَنَّ مَنْ كَسَرَهُ كَانَ مُحْتَرِفًا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَعْمَالِ، لَا لِصًّا عَابِرًا يَبْحَثُ عَنْ غَنِيمَةٍ سَرِيعَةٍ. عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ، وَجَدَ أَيْضًا شَيْئًا صَغِيرًا لَامِعًا نِصْفَ مَطْمُورٍ بَيْنَ حِجَارَةِ الْفِنَاءِ: زِرٌّ مَعْدِنِيٌّ صَغِيرٌ، مِنَ النَّوْعِ الْمُسْتَخْدَمِ فِي الْمَعَاطِفِ الشِّتَوِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، غَرِيبُ الْوُجُودِ فِي لَيْلَةٍ صَيْفِيَّةٍ حَارَّةٍ كَهَذِهِ. الْتَقَطَهُ سَلِيمٌ وَوَضَعَهُ بِحَذَرٍ فِي جَيْبِهِ، مُتَسَائِلًا عَمَّنْ قَدْ يَرْتَدِي مِعْطَفًا شِتَوِيًّا فِي مِثْلِ هَذَا الطَّقْسِ، وَلِمَ قَدْ يَسْقُطَ مِنْهُ زِرٌّ كَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ عِنْدَ هَذَا الْبَابِ دُونَ غَيْرِهِ.
عَادَ التَّيَّارُ الْكَهْرَبَائِيُّ فَجْأَةً، بِلَا سَابِقِ إِنْذَارٍ، مُضِيئًا الصَّالَةَ بِأَكْمَلِهَا، وَكَأَنَّ انْقِطَاعَهُ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا عَرَضِيًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ تَوْقِيتًا مَقْصُودًا مِنْ شَخْصٍ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَتَى يَجِبُ أَنْ يُظْلِمَ الْبَيْتَ، وَمَتَى يَجِبُ أَنْ يُضِيءَ مِنْ جَدِيدٍ. وَقَفَ سَلِيمٌ فِي وَسَطِ الصَّالَةِ الْمُضَاءَةِ فَجْأَةً، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، يَدَاهُ لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ حَوْلَ الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ، وَحَقِيبَتُهُ الْمَلِيئَةُ بِأَسْرَارِ أَبِيهِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى كَتِفِهِ، مُدْرِكًا أَنَّ اللَّيْلَةَ الْأُولَى مِنْ عَوْدَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ لَمْ تَكُنْ سِوَى بِدَايَةٍ لِشَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِمُوَاجَهَتِهِ، وَأَنَّ أَيًّا كَانَ الزَّائِرُ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَى بَيْتِهِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، فَلَنْ يَكُونَ آخِرَ مَرَّةٍ يَزُورُهُ فِيهَا.

فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ الْمُطِلِّ عَلَى شَارِعٍ رَئِيسِيٍّ مَا زَالَ مُضَاءً رَغْمَ تَأَخُّرِ السَّاعَةِ، كَانَتْ يَاسَمِينُ نُورٍ جَالِسَةً أَمَامَ حَاسُوبِهَا، تُرَاجِعُ لِلْمَرَّةِ الْعِشْرِينَ تَسْجِيلًا صَوْتِيًّا قَدِيمًا كَانَتْ قَدْ أَجْرَتْهُ قَبْلَ أَشْهُرٍ مَعَ مَصْدَرٍ رَفَضَ الْكَشْفَ عَنْ هُوِيَّتِهِ، يَتَحَدَّثُ فِيهِ بِصَوْتٍ مُشَوَّشٍ عَمْدًا عَنْ “مَلَفٍّ قَدِيمٍ يَخُصُّ أَرْضَ حَيِّ الْيَاسَمِينِ لَمْ يُغْلَقْ بَعْدُ”. أَوْقَفَتِ التَّسْجِيلَ، وَنَظَرَتْ إِلَى السَّاعَةِ: الْوَاحِدَةُ وَالنِّصْفُ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.
عَلَى مَكْتَبِهَا، بِجَانِبِ حَاسُوبِهَا، كَانَتْ هُنَاكَ لَوْحَةٌ مِنَ الْفِلِّينِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْجِدَارِ، أَصْغَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ لَوْحَةِ أَبِي سَلِيمٍ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ الْفِكْرَةَ نَفْسَهَا: صُوَرٌ مَقْصُوصَةٌ مِنَ الْجَرَائِدِ، مَقَالَاتٌ قَدِيمَةٌ كَتَبَتْهَا هِيَ بِنَفْسِهَا عَنْ مَشَارِيعِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْعَقَارِيَّةِ، وَخَرِيطَةٌ صَغِيرَةٌ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ رُسِمَتْ عَلَيْهَا بِقَلَمٍ أَحْمَرَ دَوَائِرُ حَوْلَ بَعْضِ الْبُيُوتِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَفَتْ بِالْفِعْلِ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ ضِمْنَ مَرَاحِلِ الْمَشْرُوعِ الْأُولَى. كَانَتْ تَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْمَلَفِّ مُنْذُ مَا يُقَارِبُ عَامَيْنِ كَامِلَيْنِ، مُنْذُ أَنْ لَاحَظَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ نَمَطًا غَرِيبًا فِي سُرْعَةِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ بَعْضِ الْأَرَاضِي الْقَدِيمَةِ إِلَى شَرِكَةِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ، دُونَ أَنْ تَجِدَ دَلِيلًا قَاطِعًا يُثْبِتُ مَا كَانَتْ تَشُكُّ فِيهِ بِقُوَّةٍ: أَنَّ هَذِهِ الْمِلْكِيَّاتِ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا شَرْعِيَّةً مِنَ الْأَسَاسِ.
رَنَّ هَاتِفُهَا فَجْأَةً بِرِسَالَةٍ نَصِّيَّةٍ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ، الرَّقْمِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ قَدْ رَاسَلَهَا مَرَّاتٍ قَلِيلَةً مُتَفَرِّقَةً خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ دُونَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ هُوِيَّتِهِ أَبَدًا. فَتَحَتِ الرِّسَالَةَ بِيَدٍ سَرِيعَةٍ: “ابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ دَخَلَ الْغُرْفَةَ اللَّيْلَةَ. الْوَقْتُ بَدَأَ يَنْفَدُ لِلْجَمِيعِ، بِمَنْ فِيهِمْ أَنْتِ.”
حَدَّقَتْ يَاسَمِينُ فِي الرِّسَالَةِ طَوِيلًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَفْهَمَ كَيْفَ عَرَفَ صَاحِبُ هَذَا الرَّقْمِ الْمَجْهُولِ بِالتَّفْصِيلِ مَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِ آلِ مُرَادٍ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُخْبِرْ أَحَدًا بِمُحَادَثَتِهَا الْقَصِيرَةِ مَعَ سَلِيمٍ فِي الْمَطَارِ. مَنْ كَانَ يُرَاقِبُ بَيْتَ الْعَائِلَةِ عَنْ كَثَبٍ لِدَرَجَةِ مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةٍ كَهَذِهِ فِي الْوَقْتِ الْحَقِيقِيِّ؟ نَظَرَتْ مِنْ نَافِذَةِ مَكْتَبِهَا نَحْوَ الشَّارِعِ الْمُظْلِمِ فِي الْخَارِجِ، حَيْثُ كَانَتْ سَيَّارَةٌ سَوْدَاءُ مُتَوَقِّفَةً مُنْذُ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا عَلَى الرَّصِيفِ الْمُقَابِلِ، لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَحَدٌ، وَكَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ شَيْئًا، أَوْ أَحَدًا، لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ.
أَغْلَقَتْ يَاسَمِينُ السِّتَارَةَ بِبُطْءٍ، وَأَطْفَأَتْ مِصْبَاحَ مَكْتَبِهَا الرَّئِيسِيَّ، تَارِكَةً فَقَطْ ضَوْءَ شَاشَةِ حَاسُوبِهَا يُنِيرُ الْمَكَانَ بِخُفُوتٍ، وَجَلَسَتْ فِي الْعَتْمَةِ النِّسْبِيَّةِ تُرَاقِبُ السَّيَّارَةَ السَّوْدَاءَ مِنْ زَاوِيَةِ النَّافِذَةِ، تَسْأَلُ نَفْسَهَا سُؤَالًا وَاحِدًا لَمْ تَجِدْ لَهُ جَوَابًا مُطَمْئِنًّا: هَلْ كَانَتْ هِيَ، مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِعَوْدَةِ سَلِيمٍ مُرَادٍ، جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَظُنُّ، أَمْ أَنَّهَا كَانَتْ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ، مُرَاقَبَةً هِيَ الْأُخْرَى دُونَ أَنْ تَدْرِيَ؟
فَكَّرَتْ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِأَحَدِ مَعَارِفِهَا فِي الشُّرْطَةِ لِتَسْأَلَهُ عَنْ سَيَّارَةٍ سَوْدَاءَ مُتَوَقِّفَةٍ قُرْبَ مَكْتَبِهَا، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ عَنِ الْفِكْرَةِ بِسُرْعَةٍ، مُتَذَكِّرَةً أَنَّ بَعْضَ مَعَارِفِهَا فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ لَمْ يَعُودُوا جَدِيرِينَ بِالثِّقَةِ الْكَامِلَةِ، خُصُوصًا مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ تَحْقِيقَاتُهَا تَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مِنْ دَوَائِرِ نُفُوذِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْمُتَشَعِّبَةِ دَاخِلَ الْمُؤَسَّسَاتِ الرَّسْمِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ. أَغْلَقَتْ دَفْتَرَهَا الصَّغِيرَ، وَأَعَادَتْهُ إِلَى الدُّرْجِ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى الصَّبَاحِ لِتُقَرِّرَ خُطْوَتَهَا التَّالِيَةَ، وَهِيَ تَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهَا أَنَّ الْأَيَّامَ الْقَادِمَةَ لَنْ تُشْبِهَ أَيًّا مِنَ الْأَيَّامِ الْهَادِئَةِ نِسْبِيًّا الَّتِي عَاشَتْهَا فِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ طَوَالَ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ.

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

عَادَ سَلِيمٌ أَدرَاْجَهُ لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَاقِفًا فِي الْعَتْمَةِ الْكَامِلَةِ عِنْدَ أَسْفَلِ الدَّرَجِ، الْقَضِيبُ الْمَعْدِنِيُّ مَشْدُودٌ فِي قَبْضَتِهِ، لِدَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ شَعَرَ فِيهَا أَنَّهَا تَمْتَدُّ كَسَاعَةٍ كَامِلَةٍ. الصَّمْتُ فَوْقَهُ لَمْ يَتَزَحْزَحْ قَطُّ، لَا خُطْوَةٌ أُخْرَى، لَا صَوْتُ نَفَسٍ، لَا شَيْءَ سِوَى ذَلِكَ الْحُضُورِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ وَاقِفٌ هُنَاكَ، عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ، يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ غَرِيبٍ.
حَاوَلَ أَنْ يُفَكِّرَ بِمَنْطِقِيَّةٍ رَغْمَ الْخَوْفِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى كُلِّ عَضَلَةٍ فِي جَسَدِهِ: لَوْ كَانَ الْقَادِمُ يُرِيدُ أَذِيَّتَهُ فِعْلًا، لَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً بَدَلَ الْوُقُوفِ صَامِتًا عِنْدَ رَأْسِ الدَّرَجِ. هَذَا الِانْتِظَارُ الْغَرِيبُ، هَذَا الصَّبْرُ الْمُتَعَمَّدُ، بَدَا لَهُ أَقْرَبَ إِلَى شَخْصٍ يُرِيدُ أَنْ يُرَى، لَا أَنْ يُهَاجِمَ خُفْيَةً. أَقْنَعَ نَفْسَهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ، رَغْمَ أَنَّ يَدَيْهِ ظَلَّتَا مُرْتَجِفَتَيْنِ حَوْلَ الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ الْبَارِدِ الَّذِي تُمْسِكَانِ بِهِ جَيِّداً. تَذَكَّرَ فَجْأَةً نَصِيحَةَ أَبِيهِ الْقَدِيمَةَ، حِينَ كَانَ طِفْلًا يَخَافُ مِنَ الْعَتْمَةِ نَفْسِهَا فِي هَذَا الْقَبْوِ بِالذَّاتِ: “الْخَوْفُ مِنَ الْمَجْهُولِ أَكْبَرُ دَائِمًا مِنَ الْمَجْهُولِ نَفْسِهِ يَا سَلِيمُ. اذْهَبْ وَ وَاجِهْهُ، فَغَالِبًا مَا يَكُونُ أَهْوَنَ مِمَّا تَتَخَيَّلُهُ عُقُولُنَا فِي الظَّلَامِ.” تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الذِّكْرَى كَأَنَّهَا حَبْلُ نَجَاةٍ صَغِيرٌ، وَبَدَأَ يَصْعَدُ.
قَرَّرَ أَخِيرًا أَنَّ الِانْتِظَارَ فِي الظَّلَامِ لَنْ يَحُلَّ شَيْئًا. إِمَّا أَنْ يَصْعَدَ لِيُوَاجِهَ مَنْ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ يَبْقَى مُحَاصَرًا فِي خَوْفِهِ إِلَى الْأَبَدِ وَلَا يَعْرِفَ شَيْئًا. أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَشَدَّ قَبْضَتَهُ عَلَى الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ مَرَّةً أَخِيرَةً، وَبَدَأَ يَصْعَدُ الدَّرَجَ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مَحْسُوبَةٍ، مُتَجَاوِزًا الدَّرَجَةَ السَّابِعَةَ بِحَذَرٍ رَغْمَ أَنَّ كُلَّ جَسَدِهِ كَانَ يُرِيدُ الرَّكْضَ.
مَعَ كُلِّ دَرَجَةٍ يَصْعَدُهَا، كَانَ يَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ التَّحْذِيرَاتِ الَّتِي سَمِعَهَا خِلَالَ الْيَوْمِ الْمَاضِي: كَلِمَاتِ أَبِيهِ فِي الرِّسَالَةِ، هَمْسَةَ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ الْغَامِضَ، تَرَدُّدَ لَيَانَ، حَتَّى نَبْرَةَ يَاسَمِينَ نُورٍ الْحَذِرَةَ عِنْدَ الْمَطَارِ. كُلُّ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ بَدَتِ الْآنَ وَكَأَنَّهَا تَتَجَمَّعُ فِي صَوْتٍ وَاحِدٍ يَهْمِسُ لَهُ: كُنْ حَذِرًا، لَا تَثِقْ بِسُهُولَةٍ، لَا شَيْءَ هُنَا كَمَا يَبْدُو.
حِينَ وَصَلَ إِلَى رَأْسِ الدَّرَجِ، وَجَدَ الْبَابَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الصَّالَةِ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، يَنْبَعِثُ مِنْهُ ضَوْءٌ خَافِتٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ: ضَوْءُ شَمْعَةٍ، لَا ضَوْءٌ كَهْرَبَائِيٌّ، وَكَأَنَّ مَنْ بِالدَّاخِلِ جَهَّزَ نَفْسَهُ مُسْبَقًا لِانْقِطَاعِ التَّيَّارِ.
مِنْ خِلَالِ الْفَتْحَةِ الضَّيِّقَةِ لِلْبَابِ، تَمَكَّنَ سَلِيمٌ مِنْ رُؤْيَةِ ظِلِّ رَجُلٍ يَجْلِسُ بِلَا حَرَاكٍ عَلَى أَرِيكَةِ الصَّالَةِ، ظِلٍّ طَوِيلٍ مُمْتَدٍّ يَتَرَاقَصُ مَعَ لَهَبِ الشَّمْعَةِ الْمُتَذَبْذِبِ عَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ. لَمْ يَسْتَطِعْ تَمْيِيزَ مَلَامِحِ الْوَجْهِ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، فَقَطْ هَيْئَةً عَامَّةً لِرَجُلٍ يَجْلِسُ بِثِقَةٍ غَرِيبَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ تَامٍّ، لَا يَخْشَى شَيْئًا، وَلَا يَسْتَعْجِلُ شَيْئًا. شَعَرَ سَلِيمٌ بِقَلْبِهِ يَتَسَارَعُ أَكْثَرَ، وَقَبَضَ عَلَى الْقَضِيبِ الْمَعْدِنِيِّ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَدَفَعَ الْبَابَ بِبُطْءٍ أَكْبَرَ.
كَانَ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ يَجْلِسُ بِهُدُوءٍ تَامٍّ عَلَى أَرِيكَةِ الصَّالَةِ، شَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ مُضَاءَةٌ أَمَامَهُ عَلَى طَاوِلَةِ الْقَهْوَةِ، وَكَأَنَّهُ فِي بَيْتِهِ لَا فِي بَيْتِ غَيْرِهِ.
“سَلِيمُ.” قَالَهَا كَمَالٌ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ، دُونَ أَيِّ أَثَرٍ لِلْمُفَاجَأَةِ، وَكَأَنَّهُ تَوَقَّعَ تَمَامًا أَنْ يَجِدَهُ سَلِيمٌ هُنَاكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. “أَرْجُو أَنِّي لَمْ أُخِفْكَ. حَاوَلْتُ أَنْ أَطْرُقَ الْبَابَ، لَكِنْ لَا أَحَدَ أَجَابَ، وَرَأَيْتُ الْأَنْوَارَ مُطْفَأَةً فَجْأَةً، فَقَلِقْتُ عَلَيْكُمْ، خَاصَّةً أَنَّ الْحَيَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ لَمْ يَعُدْ آمِنًا كَمَا كَانَ.”
خَفَضَ سَلِيمٌ الْقَضِيبَ الْمَعْدِنِيَّ بِبُطْءٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخْفِيَ ارْتِبَاكَهُ وَدَهْشَتَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَدَسَّهُ بِسُرْعَةٍ خَلْفَ وِسَادَةِ الْأَرِيكَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ، مُتَجَنِّبًا أَنْ يُلَاحِظَ كَمَالٌ وُجُودَهُ أَصْلًا. “كَيْفَ دَخَلْتَ يَا عَمَّ كَمَالٍ؟ الْبَابُ كَانَ مُقْفَلًا.”
ابْتَسَمَ كَمَالٌ ابْتِسَامَةً أَوْسَعَ قَلِيلًا، ابْتِسَامَةَ رَجُلٍ وَاثِقٍ مِنْ نَفْسِهِ لِدَرَجَةٍ لَا تَسْمَحُ لَهُ بِالتَّرَدُّدِ فِي الْإِجَابَةِ. “لَدَيَّ مِفْتَاحٌ قَدِيمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ يَا سَلِيمُ، مُنْذُ أَيَّامِ صَدَاقَتِي مَعَ أَبِيكَ. كَانَ يُعْطِينِي نُسْخَةً مِنْهُ دَائِمًا، “احْتِيَاطًا”، كَمَا كَانَ يَقُولُ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ بَدَأَتْ صِحَّتُهُ تَتَدَهْوَرُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ. لَمْ أَسْتَخْدِمْهُ أَبَدًا مِنْ قَبْلُ دُونَ إِذْنٍ، لَكِنَّ اللَّيْلَةَ، حِينَ لَمْ يَرُدَّ أَحَدٌ عَلَى طَرْقِي، وَرَأَيْتُ الْبَيْتَ مُظْلِمًا تَمَامًا بَعْدَ يَوْمِ عَزَاءٍ طَوِيلٍ، فَضَّلْتُ أَنْ أَطْمَئِنَّ عَلَيْكُمْ بِنَفْسِي بَدَلَ أَنْ أَقْلَقَ طَوَالَ اللَّيْلِ.”
لَمْ يُصَدِّقْ سَلِيمٌ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ هَذَا التَّبْرِيرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ شَكَّهُ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، مُكْتَفِيًا بِالْإِيمَاءِ بِبُطْءٍ.
“وَكَيْفَ انْقَطَعَتِ الْكَهْرَبَاءُ بِالضَّبْطِ، فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كُنْتَ فِيهَا هُنَا؟”
تَوَقَّفَتِ ابْتِسَامَةُ كَمَالٍ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ جِدًّا، ثُمَّ عَادَتْ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَنْبَغِي. “صُدْفَةٌ، عَلَى الْأَرْجَحِ. تَعْرِفُ أَنَّ شَبَكَةَ الْكَهْرَبَاءِ فِي هَذَا الْحَيِّ قَدِيمَةٌ جِدًّا، تَنْقَطِعُ بِلَا سَبَبٍ وَاضِحٍ أَحْيَانًا. لَا تَقْلَقْ، أَحْضَرْتُ شَمْعَةً مِنْ مَطْبَخِكُمْ، رَأَيْتُهَا فِي الدُّرْجِ، أَنْتُمْ دَائِمًا تَحْتَفِظُونَ بِشَمَعَاتٍ احْتِيَاطِيَّةٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
قَرَّرَ سَلِيمٌ، مَدْفُوعًا بِغَرِيزَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَصْدَرَهَا بِالضَّبْطِ، أَنْ يَخْتَبِرَ كَمَالًا بِسُؤَالٍ مُبَاشِرٍ. “عَمَّ كَمَالٍ، هَلْ تَعْرِفُ رَجُلًا اسْمُهُ تَوْفِيقٌ؟ رُبَّمَا كَانَ يَعْمَلُ مَعَ أَبِي أَوْ أَبِيكَ قَدِيمًا؟”
لَاحَظَ سَلِيمٌ، بِعَيْنَيْنِ مُدَرَّبَتَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، أَنَّ يَدَ كَمَالٍ، الْمُمْسِكَةَ بِفِنْجَانِ قَهْوَةٍ وَهْمِيٍّ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ أَصْلًا، تَوَقَّفَتْ فِي الْهَوَاءِ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا كَادَتْ تُفْلِتُ مِنَ الِانْتِبَاهِ، قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهَا إِلَى حَجْرِهِ بِهُدُوءٍ مُصْطَنَعٍ.
“تَوْفِيقٌ؟” كَرَّرَ كَمَالٌ الِاسْمَ وَكَأَنَّهُ يُفَكِّرُ بِجِدِّيَّةٍ. “اسْمٌ شَائِعٌ جِدًّا فِي هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ يَا سَلِيمُ، لَدَيَّ عَلَى الْأَقَلِّ خَمْسَةُ عُمَّالٍ بِهَذَا الِاسْمِ فِي مَشْرُوعِي حَالِيًّا. لِمَ تَسْأَلُ بِالتَّحْدِيدِ؟”
“لَا سَبَبَ خَاصَّ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِالْجُمْلَةِ نَفْسِهَا الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا كَمَالٌ قَبْلَ قَلِيلٍ، بِنَبْرَةٍ حِيَادِيَّةٍ مُتَعَمَّدَةٍ، مُرَاقِبًا رَدَّ فِعْلِ كَمَالٍ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ. “وَجَدْتُ الِاسْمَ فِي وَرَقَةٍ قَدِيمَةٍ لِأَبِي، ظَنَنْتُ أَنَّكَ قَدْ تَعْرِفُهُ.”
“لَا أَظُنُّ ذَلِكَ.” قَالَ كَمَالٌ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ قَلِيلًا، ثُمَّ غَيَّرَ الْمَوْضُوعَ فَوْرًا بِلَا انْتِقَالٍ سَلِسٍ: “عَلَى أَيِّ حَالٍ، يَا سَلِيمُ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ صَعْبٌ…”
أَعَادَ كَمَالٌ عَرْضَهُ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ، بَعِيدًا عَنْ أَجْوَاءِ الْعَزَاءِ الرَّسْمِيَّةِ. “أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِأَدْفَعَ لِعَائِلَتِكَ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ السِّعْرِ الَّذِي سَيَحْصُلُ عَلَيْهِ أَيُّ بَيْتٍ آخَرَ فِي الْحَيِّ، إِنْ قَرَّرْتُمُ الْبَيْعَ خِلَالَ هَذَا الْأُسْبُوعِ تَحْدِيدًا. أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا التَّوْقِيتَ قَدْ يَبْدُو قَاسِيًا، لَكِنَّ الْعُرُوضَ الْعَقَارِيَّةَ لَا تَنْتَظِرُ الْحُزْنَ يَا وَلَدِي، وَالْفُرْصَةَ الَّتِي أُقَدِّمُهَا لَنْ تَتَكَرَّرَ بَعْدَ هَذَا الْأُسْبُوعِ.”
جَلَسَ سَلِيمٌ طَوَالَ هَذَا الْحَدِيثِ مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ هَادِئًا أَكْثَرَ مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ فِعْلًا، وَالْحَقِيبَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَحْمِلُ أَوْرَاقَ أَبِيهِ لَا تَزَالُ مُعَلَّقَةً عَلَى كَتِفِهِ، يَشْعُرُ بِثِقْلِهَا كَأَنَّهَا تَكْشِفُ سِرًّا وَاضِحًا لِأَيِّ عَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيْهَا بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ.
بَيْنَمَا كَانَ يَجْلِسُ، لَاحَظَ سَلِيمٌ بِطَرْفِ عَيْنِهِ شَيْئًا أَزْعَجَهُ: أَثَرَ حِذَاءٍ طِينِيٍّ خَفِيفٍ عَلَى أَرْضِيَّةِ الصَّالَةِ الرُّخَامِيَّةِ، يَمْتَدُّ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفِنَاءِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ كَمَالٌ قَدْ دَخَلَ مِنْهُ. حَاوَلَ أَلَّا يُظْهِرَ أَنَّهُ لَاحَظَ الْأَثَرَ، لَكِنَّهُ سَجَّلَهُ بِعِنَايَةٍ فِي ذِهْنِهِ، مُتَسَائِلًا بِصَمْتٍ: لِمَ يَحْمِلُ حِذَاءُ كَمَالٍ طِينًا مِنْ جِهَةِ الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ حَقًّا مِنَ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ كَمَا يَدَّعِي؟
“أَيْنَ لَيَانُ وَأُمُّكَ؟” سَأَلَ كَمَالٌ بِلَهْجَةٍ حَنُونَةٍ ظَاهِرِيًّا. “أَرْجُو أَنَّهُمَا بِخَيْرٍ.”
“نَائِمَتَانِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ مُتَزَايِدٍ، مُرَاقِبًا وَجْهَ كَمَالٍ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “لِمَ تَسْأَلُ؟”
“لَا سَبَبَ خَاصَّ، مُجَرَّدُ اطْمِئْنَانٍ طَبِيعِيٍّ.” أَجَابَ كَمَالٌ بِسُرْعَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَتَجَنَّبُ الِاسْتِرْسَالَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ بِالذَّاتِ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
“لِمَ هَذَا الْأُسْبُوعَ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ بِحِدَّةٍ لَمْ يَقْصِدْهَا.
تَوَقَّفَ كَمَالٌ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهُ يُوَازِنُ بَيْنَ إِجَابَةٍ صَادِقَةٍ وَأُخْرَى مُصَمَّمَةٍ بِعِنَايَةٍ. “لِأَنَّ مَجْلِسَ الْمَشْرُوعِ سَيُصَوِّتُ نِهَايَةَ هَذَا الْأُسْبُوعِ عَلَى التَّصْمِيمِ النِّهَائِيِّ لِلْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ. إِنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكِيَّةُ هَذَا الْبَيْتِ مَحْسُومَةً قَبْلَ ذَلِكَ، سَيُسْتَبْعَدُ مِنَ الْمُخَطَّطِ بِالْكَامِلِ، وَسَتُفَوِّتُونَ فُرْصَةَ تَعْوِيضٍ عَادِلٍ، وَسَتَبْقَوْنَ مُحَاصَرِينَ وَسْطَ وَرْشَةِ بِنَاءٍ ضَخْمَةٍ لِسَنَوَاتٍ قَادِمَةٍ دُونَ أَيِّ تَعْوِيضٍ إِضَافِيٍّ. أَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُسَاعِدَكُمْ، صَدِّقْنِي.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى كَمَالٍ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ تِلْكَ الِابْتِسَامَةِ الْهَادِئَةِ الْمُتْقَنَةِ. “أَحْتَاجُ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ يَا عَمَّ كَمَالٍ. هَذَا قَرَارٌ عَائِلِيٌّ، وَلَا يُمْكِنُنِي اتِّخَاذُهُ وَحْدِي، خَاصَّةً فِي يَوْمٍ كَهَذَا.”
نَهَضَ كَمَالٌ بِبُطْءٍ، وَأَطْفَأَ الشَّمْعَةَ بِأَصَابِعِهِ بِثِقَةِ رَجُلٍ اعْتَادَ إِنْهَاءَ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ. “بِالطَّبْعِ، خُذْ وَقْتَكَ. لَكِنْ لَا تَجْعَلْهُ طَوِيلًا جِدًّا يَا سَلِيمُ. بَعْضُ الْفُرَصِ، مِثْلَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، لَا تَعُودُ إِنْ فَاتَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً.”
تَوَقَّفَ كَمَالٌ فَجْأَةً، وَكَأَنَّهُ تَذَكَّرَ شَيْئًا، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ دِفْئًا مُصْطَنَعًا: “بِالْمُنَاسَبَةِ، رَأَيْتُ بَعْضَ تَصَامِيمِكَ الْمِعْمَارِيَّةِ عَلَى الْإِنْتَرْنِتِ، ذَلِكَ الْمَبْنَى السَّكَنِيَّ عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الْإِلْبَه فِي هَامْبُورْغَ. عَمَلٌ رَائِعٌ حَقًّا. مِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ مَدِينَتَكَ الْأُمَّ لَا تَسْتَفِيدُ مِنْ مَوْهِبَتِكَ هَذِهِ. رُبَّمَا، حِينَ تَنْتَهِي مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُزْعِجَةِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ مَنْصِبًا اسْتِشَارِيًّا فِي مَشْرُوعِنَا. تَخَيَّلْ، سَلِيمُ مُرَادٍ، الِاسْمُ الَّذِي غَادَرَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا، يَعُودُ لِيُصَمِّمَ مُسْتَقْبَلَهَا بِنَفْسِهِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْغَثَيَانَ الْخَفِيفَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا الْعَرْضِ، وَكَأَنَّ كَمَالًا كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِطَرِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: الْمَالُ مُقَابِلَ الْبَيْتِ، وَالْمَكَانَةُ الْمِهْنِيَّةُ مُقَابِلَ صَمْتِهِ. تَذَكَّرَ فَجْأَةً كَلِمَاتِ أَبِيهِ الْقَدِيمَةَ عِنْدَ بَابِ الْمَطَارِ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا، عَنْ أَنَّ الْمَدِينَةَ “لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِعْمَارِيِّينَ، بَلْ إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنْهَا”، وَشَعَرَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّهُ بَدَأَ يَفْهَمُ تِلْكَ الْجُمْلَةَ بِمَعْنَاهَا الْكَامِلِ: رُبَّمَا كَانَ أَبُوهُ يُحَذِّرُهُ، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ سَلِيمٌ حِينَهَا، مِنْ إِغْرَاءَاتٍ كَهَذِهِ بِالضَّبْطِ، إِغْرَاءَاتٍ تَبْدُو فِي ظَاهِرِهَا فُرَصًا سَخِيَّةً، بَيْنَمَا هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا مُحَاوَلَاتٌ لِشِرَاءِ صَمْتِ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ. “لَسْتُ مُهْتَمًّا بِأَيِّ مَنْصِبٍ اسْتِشَارِيٍّ يَا عَمَّ كَمَالٍ، شُكْرًا لَكَ.”
ابْتَسَمَ كَمَالٌ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، ثُمَّ اتَّجَهَ نَحْوَ الْبَابِ. “فَكِّرْ بِالْأَمْرِ عَلَى أَيِّ حَالٍ. الْعُرُوضُ السَّخِيَّةُ نَادِرًا مَا تُرْفَضُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ يَا وَلَدِي.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، تَوَقَّفَ كَمَالٌ عِنْدَ الْبَابِ، وَالْتَفَتَ نَحْوَ سَلِيمٍ بِنَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ بَدَتْ لَهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي هَذَا اللِّقَاءِ، خَالِيَةً تَمَامًا مِنْ أَيِّ دِفْءٍ مُصْطَنَعٍ. “احْرِصْ عَلَى سَلَامَتِكَ يَا وَلَدِي. الْمَدِينَةُ تَغَيَّرَتْ كَثِيرًا مُنْذُ غَادَرْتَهَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ التَّغْيِيرَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا لَطِيفَةً كَمَا تَبْدُو مِنَ الْخَارِجِ.”

لَمْ يَنَمْ سَلِيمٌ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. جَلَسَ فِي غُرْفَتِهِ يُقَلِّبُ الْأَوْرَاقَ الَّتِي أَحْضَرَهَا مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَرْبِطَ الْخُيُوطَ الْمُتَنَاثِرَةَ: عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ الْمُزَوَّرَ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ وَالْقَاضِي النَّجَّارِ، الْقَائِمَةَ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ “تَوْفِيقٍ”، شَهَادَةَ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ غَيْرَ الْمُوَقَّعَةِ عَنْ لَيْلَةِ اخْتِفَاءِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ. رَتَّبَهَا عَلَى سَرِيرِ الْغُرْفَةِ بِعِنَايَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَ يُعِيدُ تَجْمِيعَ لُغْزٍ كَبِيرٍ مُبَعْثَرٍ، تَارِكًا فِي وَسَطِهِ فَرَاغًا وَاضِحًا لَمْ يَسْتَطِعْ مَلْأَهُ بَعْدُ: مَنْ هُوَ “تَوْفِيقٌ” بِالضَّبْطِ؟ وَهَلْ كَانَ هُوَ الرَّجُلَ الْمُسِنَّ نَفْسَهُ الَّذِي قَابَلَهُ فِي الْعَزَاءِ، أَمْ شَخْصًا آخَرَ تَمَامًا؟
فَكَّرَ مِرَارًا فِي فَتْحِ الْمُغَلَّفِ الْأَحْمَرِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي صُنْدُوقِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ الْأَبِ، ذَلِكَ الْمَخْتُومِ بِشَمْعٍ أَحْمَرَ وَالْمُوَجَّهِ إِلَيْهِ شَخْصِيًّا: “لِسَلِيمٍ، حِينَ يَكُونُ جَاهِزًا، وَلَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ.” أَمْسَكَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَأَدَارَ إِصْبَعَهُ حَوْلَ حَافَّةِ الشَّمْعِ الْمُتَصَلِّبِ، لَكِنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَتَرَاجَعُ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهُ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُغَلَّفُ هُوَ الْحَدَّ الْفَاصِلَ الْأَخِيرَ الَّذِي لَا عَوْدَةَ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا بَعْدُ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ فِي السَّاعَاتِ الْمَاضِيَةِ، لِمَعْرِفَةِ مَا بِدَاخِلِهِ.
فِي الرَّابِعَةِ فَجْرًا تَقْرِيبًا، وَحِينَ بَدَأَتْ أُولَى خُيُوطِ الْفَجْرِ تَتَسَلَّلُ مِنْ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ، اتَّخَذَ سَلِيمٌ قَرَارَهُ: سَيَتَّصِلُ بِيَاسَمِينَ نُورٍ فِي الصَّبَاحِ، لَيْسَ لِأَنَّهُ يَثِقُ بِهَا ثِقَةً كَامِلَةً كَمَا حَذَّرَهُ أَبُوهُ، بَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يُوَاجِهَهَا بِمُفْرَدِهِ، وَأَنَّ الْمُخَاطَرَةَ بِمُشَارَكَةِ جُزْءٍ مِمَّا يَعْرِفُهُ مَعَ شَخْصٍ يَبْدُو، عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا الَّتِي يُرِيدُهَا هُوَ، رُبَّمَا كَانَتْ أَقَلَّ خُطُورَةً مِنْ مُوَاجَهَةِ كُلِّ هَذَا وَحِيدًا فِي الْعَتْمَةِ.
حَتَّى أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ أَخِيرًا، فَقَرَّرَ أَنْ يَتَّصِلَ بِيَاسَمِينَ نُورٍ.
الْتَقَيَا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ هَادِئٍ عَلَى أَطْرَافِ السُّوقِ الْقَدِيمِ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْحَيِّ الْمُزْدَحِمَةِ. كَانَتْ يَاسَمِينُ تَجْلِسُ بِالْفِعْلِ حِينَ وَصَلَ، تَحْمِلُ مَلَفًّا بُنِّيًّا مَأْلُوفًا وَضَعَتْهُ أَمَامَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ دُونَ أَنْ تَفْتَحَهُ بَعْدُ.
“إِذَنْ، قَرَّرْتَ أَنْ تَتَّصِلَ أَخِيرًا.” قَالَتْهَا بِابْتِسَامَةٍ نِصْفِ سَاخِرَةٍ، نِصْفِ مُرْتَاحَةٍ.
“حَدَثَ شَيْءٌ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ.” قَالَ سَلِيمٌ مُبَاشَرَةً، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ. “أَخْبِرِينِي كُلَّ مَا تَعْرِفِينَهُ عَنْ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ.”
جَلَسَتْ يَاسَمِينُ مُسْتَقِيمَةً فَجْأَةً، وَكَأَنَّ جِدِّيَّةَ سُؤَالِهِ فَاجَأَتْهَا. “كَمَالٌ دَرْوِيشٌ رَجُلٌ بَنَى إِمْبَرَاطُورِيَّتَهُ الْعَقَارِيَّةَ بِأَكْمَلِهَا خِلَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَطْ، بَدْءًا مِنْ مَشْرُوعٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، أَمِينِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي السَّابِقِ. كَتَبْتُ عَنْهُ ثَلَاثَةَ تَحْقِيقَاتٍ صَحَفِيَّةٍ، اثْنَانِ مِنْهَا لَمْ يُنْشَرَا بِالْكَامِلِ بِسَبَبِ ضُغُوطٍ تَعَرَّضْتُ لَهَا مِنْ جِهَاتٍ لَا أَستَطِيعُ أَنْ أُفْصِحَ عَنْ هُوِيَّتِهَا الْآنَ. التَّحْقِيقُ الثَّالِثُ نُشِرَ جُزْئِيًّا، وَتَحَدَّثَ عَنْ شُبُهَاتِ تَزْوِيرٍ فِي عُقُودِ مِلْكِيَّةٍ قَدِيمَةٍ فِي حَيِّ الْيَاسَمِينِ، لَكِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ إِثْبَاتَ شَيْءٍ قَاطِعٍ فِي حِينِهِ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْوَثَائِقِ الْأَصْلِيَّةَ اخْتَفَتْ مِنْ سِجِلَّاتِ الْبَلَدِيَّةِ بِشَكْلٍ غَامِضٍ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَيْهَا.”
“اخْتَفَتْ؟”
“نَعَمْ. كَأَنَّ أَحَدًا كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا أَبْحَثُ عَنْهُ، وَيَسْبِقُنِي بِخُطْوَةٍ كُلَّ مَرَّةٍ.” تَوَقَّفَتْ يَاسَمِينُ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً. “أَبَاكَ كَانَ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الَّذِي أَثِقُ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ نُسَخًا أَصْلِيَّةً مِنْ تِلْكَ الْوَثَائِقِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ فِي السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ قَبْلَ تَقَاعُدِهِ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، إِلَى جَانِبِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَا بِشَكْلٍ مَا لَمْ يَشْرَحْهُ لِي أَحَدٌ بِوُضُوحٍ قَطُّ.”
أَخْرَجَتْ يَاسَمِينُ مِنْ مَلَفِّهَا الْبُنِّيِّ صُورَةً قَدِيمَةً أُخْرَى مُشَابِهَةً لِتِلْكَ الَّتِي رَآهَا سَلِيمٌ فِي الْأَرْشِيفِ السِّرِّيِّ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً قَلِيلًا فِي زَاوِيَتِهَا. “هَذِهِ صُورَةُ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، فِي احْتِفَالِ افْتِتَاحِ أَوَّلِ مَشْرُوعٍ عَقَارِيٍّ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ. الرَّجُلُ الْوَاقِفُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً، بِالْكَادِ يَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ، يَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ مُسْتَشَارَهُ الْقَانُونِيَّ الْخَاصَّ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، لَكِنْ لَا أَحَدَ يَذْكُرُ اسْمَهُ الْكَامِلَ فِي أَيِّ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ وَجَدْتُهَا حَتَّى الْآنَ، وَكَأَنَّهُ تَعَمَّدَ أَلَّا يَتْرُكَ أَثَرًا وَاضِحًا لِوُجُودِهِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ بِالذَّاتِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبُرُودَةٍ مَأْلُوفَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. “أَبِي عَمِلَ مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ؟”
“لِسَنَوَاتٍ. ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً، وَابْتَعَدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَخُصُّ الْعَقَارَاتِ، وَتَفَرَّغَ لِعَمَلِهِ الْخَاصِّ كَصَيْدَلَانِيٍّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْتَعِدَ تَمَامًا عَنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَبَدًا أَنْ أَعْرِفَ السَّبَبَ الْحَقِيقِيَّ، رَغْمَ مُحَاوَلَاتِي الْمُتَكَرِّرَةِ مَعَهُ فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ.”
سَأَلَهَا سَلِيمٌ أَخِيرًا سُؤَالًا كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ مُنْذُ لِقَائِهِمَا الْأَوَّلِ فِي الْمَطَارِ: “لِمَ تَهْتَمِّينَ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ يَا يَاسَمِينُ؟ مَا الَّذِي يَجْعَلُكِ تُخَاطِرِينَ بِمِهْنَتِكِ مِنْ أَجْلِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، وَأَنْتِ لَا تَرْبُطُكِ بِهِمْ أَيَّةُ صِلَةٍ ظَاهِرَةٍ؟”
صَمَتَتْ يَاسَمِينُ لَحْظَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهَا تَزِنُ مَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لِمُشَارَكَةِ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ قِصَّتِهَا مَعَ رَجُلٍ الْتَقَتْهُ مُنْذُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ. ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا مِنَ الْمُعْتَادِ: “جَدَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ فِي هَذَا الْحَيِّ أَيْضًا، فِي بَيْتٍ مُجَاوِرٍ لِبَيْتِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ عَائِلَتُهَا إِلَى حَيٍّ آخَرَ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ. كَانَتْ تَرْوِي لِي، وَأَنَا طِفْلَةٌ، عَنْ جَارَتِهَا “أُمِّ فَادِي”، الَّتِي اخْتَفَتْ مَعَ كُلِّ أَطْفَالِهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَنِ الصَّمْتِ الْغَرِيبِ الَّذِي خَيَّمَ عَلَى الْحَيِّ بَعْدَهَا، وَعَنْ كَيْفَ تَوَقَّفَ الْجَمِيعُ فَجْأَةً عَنْ ذِكْرِ اسْمِ تِلْكَ الْعَائِلَةِ، وَكَأَنَّ أَحَدًا حَذَّرَهُمْ جَمِيعًا بِطَرِيقَةٍ مَا أَلَّا يَفْعَلُوا. حِينَ كَبِرْتُ، وَأَصْبَحْتُ صَحَفِيَّةً، كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَوَّلَ مَا أَرَدْتُ التَّحْقِيقَ فِيهِ، لَيْسَ لِأَنَّهَا قَضِيَّتِي الشَّخْصِيَّةُ بِالضَّبْطِ، بَلْ لِأَنِّي كَبِرْتُ وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ ظُلْمًا لَمْ يُعْتَرَفْ بِهِ قَطُّ، وَأَنَّ أَحَدًا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ الْحَقِيقَةَ يَوْمًا، حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَتْ خَمْسِينَ عَامًا.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا بِتَقْدِيرٍ جَدِيدٍ، شَاعِرًا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي بَدَتْ لَهُ بَارِدَةَ الْمِهْنِيَّةِ عِنْدَ الْمَطَارِ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا الْتِزَامًا إِنْسَانِيًّا عَمِيقًا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالسَّبْقِ الصَّحَفِيِّ وَحْدَهُ.
طَلَبَ سَلِيمٌ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ لَمْ يَشْرَبْهُ، وَحَدَّقَ فِي الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ أَمَامَهُ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ: “هَلْ يَعْنِي لَكِ اسْمُ “تَوْفِيقٍ” شَيْئًا؟”
تَوَقَّفَتْ يَاسَمِينُ عَنِ الْحَرَكَةِ تَمَامًا. “مِنْ أَيْنَ سَمِعْتَ هَذَا الِاسْمَ؟”
“وَجَدْتُهُ فِي وَرَقَةٍ كَتَبَهَا أَبِي، تَقُولُ إِنَّهُ “الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ”. أَيَّةُ لَيْلَةٍ تَقْصِدِينَ، أَوْ تَعْرِفِينَ؟”
فَتَحَتْ يَاسَمِينُ مَلَفَّهَا الْبُنِّيَّ بِبُطْءٍ، وَأَخْرَجَتْ قُصَاصَةَ جَرِيدَةٍ قَدِيمَةً مُشَابِهَةً تَمَامًا لِتِلْكَ الَّتِي وَجَدَهَا سَلِيمٌ فِي الْأَرْشِيفِ السِّرِّيِّ. “قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا، اخْتَفَتْ عَائِلَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ هَذَا الْحَيِّ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، عَائِلَةٌ تَحْمِلُ اسْمَ سَمَاحَةَ. حَاوَلْتُ التَّحْقِيقَ فِي الْأَمْرِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَكِنِّي لَمْ أَجِدْ سِوَى إِشَارَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ وَشَهَادَاتٍ مُتَضَارِبَةٍ. اسْمُ “تَوْفِيقٍ” ظَهَرَ أَمَامِي مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، فِي مُقَابَلَةٍ قَدِيمَةٍ أَجْرَاهَا صَحَفِيٌّ آخَرُ قَبْلِي بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ مَعَ رَجُلٍ رَفَضَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ الْكَامِلُ، وَوُصِفَ فَقَطْ بِأَنَّهُ “الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ”. اخْتَفَى ذَلِكَ الصَّحَفِيُّ عَنِ السَّاحَةِ الْمِهْنِيَّةِ بَعْدَهَا بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَبَدًا الْوُصُولَ إِلَيْهِ لِأَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ.”
“الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِلْحَيِّ؟” كَرَّرَ سَلِيمٌ الْجُمْلَةَ بِذُهُولٍ، مُتَذَكِّرًا فَجْأَةً الرَّجُلَ الْمُسِنَّ ذَا الْعَبَاءَةِ الْبُنِّيَّةِ فِي الْعَزَاءِ، الَّذِي هَمَسَ لَهُ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ عَنْ أَشْيَاءَ تَمُوتُ مَعَ الرَّجُلِ وَأُخْرَى لَا تَمُوتُ. “أَظُنُّ أَنِّي الْتَقَيْتُ بِهِ بِالْأَمْسِ.”
رَوَى سَلِيمٌ لِيَاسَمِينَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الْقَصِيرِ، فَأَصْغَتْ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا: “إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الرَّجُلَ نَفْسَهُ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، فَأَنْتَ الْآنَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنِّي بِخُطُوَاتٍ كَثِيرَةٍ يَا سَلِيمُ، رَغْمَ أَنَّكَ وَصَلْتَ مُنْذُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.”
قَصَّ سَلِيمٌ عَلَيْهَا، بِحَذَرٍ مُتَزَايِدٍ، مَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ: زِيَارَةَ كَمَالٍ الْمُفَاجِئَةَ، الْمِفْتَاحَ الْقَدِيمَ، انْقِطَاعَ الْكَهْرَبَاءِ الْغَامِضَ، عَرْضَ الشِّرَاءِ الْمُتَكَرِّرَ بِإِلْحَاحٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَأَثَرَ الْحِذَاءِ الطِّينِيِّ الَّذِي لَاحَظَهُ عَلَى أَرْضِيَّةِ الصَّالَةِ.
أَصْغَتْ يَاسَمِينُ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ جَادٍّ: “سَلِيمُ، أَيًّا كَانَ مَا وَجَدْتَهُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ كَمَالًا يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِ الْكَثِيرِ لِيَحْصُلَ عَلَيْهِ أَوْ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُصُولِهِ إِلَى أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ. أَنْصَحُكَ أَلَّا تَثِقَ بِعَرْضِهِ، مَهْمَا بَدَا سَخِيًّا. الْمَالُ الَّذِي يَعْرِضُهُ لَيْسَ ثَمَنَ الْبَيْتِ يَا سَلِيمُ، بَلْ ثَمَنَ صَمْتِكَ.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حَذَرًا: “وَأَثَرُ الْحِذَاءِ الطِّينِيِّ هَذَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ عَرْضِهِ بِكَثِيرٍ. إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ مِنَ الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ فِعْلًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مَدْخَلًا آخَرَ إِلَى بَيْتِكُمْ لَا تَعْرِفُهُ أَنْتَ بَعْدُ، وَرُبَّمَا لَا تَعْرِفُهُ لَيَانُ وَلَا وَالِدَتُكَ أَيْضًا.”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ حَوْلَهَا فَجْأَةً، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ تَكَادُ لَا تُلَاحَظُ، تَفَحَّصَتِ الطَّاوِلَاتِ الْمُجَاوِرَةَ وَالزَّبَائِنَ الدَّاخِلِينَ وَالْخَارِجِينَ مِنَ الْمَقْهَى، وَكَأَنَّهَا فَعَلَتْ هَذَا مِئَاتِ الْمَرَّاتِ مِنْ قَبْلُ دُونَ أَنْ تُفَكِّرَ فِيهِ وَاعِيَةً. لَاحَظَ سَلِيمٌ هَذِهِ الْحَرَكَةَ، فَسَأَلَهَا: “هَلْ تَخَافِينَ أَنْ يُرَاقِبَنَا أَحَدٌ؟”
“دَائِمًا.” أَجَابَتْ بِبَسَاطَةٍ، دُونَ أَنْ تُبْدِيَ أَيَّ تَوَتُّرٍ إِضَافِيٍّ فِي صَوْتِهَا، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَذَرَ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ حَيَاتِهَا الْيَوْمِيَّةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. “حِينَ تُحَقِّقُ فِي رَجُلٍ بِحَجْمِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ كَمَا فَعَلْتُ أَنَا، تَتَعَلَّمُ أَلَّا تَفْتَرِضَ أَبَدًا أَنَّكَ وَحْدَكَ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَجْلِسُ فِيهِ. لِهَذَا اخْتَرْتُ هَذَا الْمَقْهَى بِالذَّاتِ، صَاحِبُهُ صَدِيقٌ قَدِيمٌ لِعَائِلَتِي، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ كَامِيرَاتُ مُرَاقَبَةٍ دَاخِلِيَّةٌ كَمَا فِي مُعْظَمِ مَقَاهِي السُّوقِ الْحَدِيثَةِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا بِإِعْجَابٍ مَمْزُوجٍ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ. “كَيْفَ تَعِيشِينَ هَكَذَا كُلَّ يَوْمٍ؟”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً قَلِيلًا. “تَعْتَادُ عَلَيْهِ، مَعَ الْوَقْتِ. لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ يَا سَلِيمُ، أَنِّي لَمْ أَشْعُرْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بِأَنِّي قَرِيبَةٌ مِنْ كَشْفِ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ كَمَا أَشْعُرُ الْآنَ، مُنْذُ أَنْ عُدْتَ أَنْتَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ. وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: حِينَ تَقْتَرِبُ الْحَقِيقَةُ، يُصْبِحُ الْخَطَرُ أَكْبَرَ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهَا.”
فَكَّرَا مَعًا لِلَحْظَةٍ فِي خُطْوَتِهِمَا التَّالِيَةِ. اقْتَرَحَتْ يَاسَمِينُ أَنْ يُحَاوِلَ سَلِيمٌ الْوُصُولَ إِلَى الرَّجُلِ الْمُسِنِّ مَرَّةً أُخْرَى، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ “الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِلْحَيِّ”، عَلَّهُ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِلْحَدِيثِ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ بَعِيدًا عَنْ زَحَامِ الْعَزَاءِ. مِنْ جِهَتِهِ، وَعَدَ سَلِيمٌ أَنْ يُشَارِكَهَا نُسْخَةً مُصَوَّرَةً مِنَ الْوَثَائِقِ الَّتِي وَجَدَهَا، مُحْتَفِظًا بِالْأُصُولِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، حِرْصًا عَلَى تَعْلِيمَاتِ أَبِيهِ الْأَخِيرَةِ رَغْمَ الثِّقَةِ الْمُتَنَامِيَةِ الَّتِي بَدَأَ يَشْعُرُ بِهَا تُجَاهَ هَذِهِ الصَّحَفِيَّةِ الْحَذِرَةِ.
قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، أَمْسَكَتْ يَاسَمِينُ بِذِرَاعِهِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ فِي نَبْرَتِهَا الْمِهْنِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ. “احْذَرْ يَا سَلِيمُ. أَيًّا كَانَ “تَوْفِيقٌ” هَذَا، وَأَيًّا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الْكَامِلَةُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا، فَإِنَّ أَبَاكَ دَفَعَ حَيَاتَهُ ثَمَنًا لِمَعْرِفَتِهَا. لَا أُرِيدُ أَنْ تَدْفَعَ أَنْتَ الثَّمَنَ نَفْسَهُ.”

عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَالْقَلَقُ يَعْتَصِرُ صَدْرَهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ. وَجَدَ لَيَانَ فِي الْمَطْبَخِ، تُعِدُّ الشَّايَ بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ مُرْتَجِفَتَيْنِ قَلِيلًا مِنْ إِرْهَاقِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ.
“أَيْنَ كُنْتَ؟” سَأَلَتْهُ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ. “خَرَجْتَ بَاكِرًا جِدًّا دُونَ أَنْ تُوقِظَنِي.”
جَلَسَ سَلِيمٌ مَعَهَا، وَأَخْبَرَهَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ عَنْ زِيَارَةِ كَمَالٍ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، فَشَحُبَ وَجْهُهَا فَوْرًا. “دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَنَا نَائِمَةٌ؟ وَلَمْ أَسْمَعْ شَيْئًا؟”
“كَانَ هَادِئًا جِدًّا، وَيَبْدُو أَنَّهُ دَخَلَ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، لَا الْأَمَامِيِّ.” قَالَ سَلِيمٌ.
وَضَعَتْ لَيَانُ كُوبَ الشَّايِ أَمَامَهَا دُونَ أَنْ تَشْرَبَهُ، وَنَظَرَتْ إِلَى أَخِيهَا بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَزِيجٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْإِرْهَاقِ. “سَلِيمُ، أَنَا خَائِفَةٌ. مُنْذُ أَنْ وَصَلْتَ، وَالْأُمُورُ تَتَصَاعَدُ بِسُرْعَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ مُجَارَاتَهَا. أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنَا كُنَّا نَعِيشُ فِي هَذَا الْبَيْتِ، بِجَانِبِ هَذَا السِّرِّ الضَّخْمِ، دُونَ أَنْ نَعْرِفَ عَنْهُ شَيْئًا، وَكَأَنَّنَا كُنَّا نَمْشِي فَوْقَ أَرْضٍ مُجَوَّفَةٍ طَوَالَ حَيَاتِنَا دُونَ أَنْ نُدْرِكَ ذَلِكَ.”
أَمْسَكَ سَلِيمٌ يَدَهَا بِلُطْفٍ. “أَعْرِفُ يَا لَيَانُ. أَنَا خَائِفٌ أَيْضًا، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى نُقْطَةٍ لَمْ يَعُدْ فِيهَا التَّرَاجُعُ خِيَارًا حَقِيقِيًّا. أَبِي أَرَادَ مِنِّي أَنْ أَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُنِي أَنْ أَتَوَقَّفَ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُصْبِحَ الْأُمُورُ مُخِيفَةً.”
ابْتَسَمَتْ لَيَانُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً صَغِيرَةً. “تَتَحَدَّثُ مِثْلَهُ تَمَامًا الْآنَ، تَعْرِفُ؟ نَفْسُ النَّبْرَةِ الْهَادِئَةِ الْعَنِيدَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا حِينَ يُقَرِّرُ شَيْئًا لَا رَجْعَةَ فِيهِ.”
ثُمَّ سَأَلَهَا مُبَاشَرَةً: “لَيَانُ، هَلْ تَعْرِفِينَ أَيَّ مَدْخَلٍ آخَرَ إِلَى الْبَيْتِ غَيْرَ الْبَابَيْنِ الرَّئِيسِيِّ وَالْخَلْفِيِّ الْمَعْرُوفَيْنِ؟ أَيَّ مَمَرٍّ قَدِيمٍ، أَوْ بَابٍ صَغِيرٍ فِي الْفِنَاءِ؟”
فَكَّرَتْ لَيَانُ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ اسْتِحْضَارَ ذِكْرَى قَدِيمَةٍ جِدًّا. “كَانَ هُنَاكَ… أَتَذَكَّرُ الْآنَ، حِينَ كُنَّا أَطْفَالًا، كَانَتْ هُنَاكَ بَوَّابَةٌ حَدِيدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فِي الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنَ الْفِنَاءِ، تُؤَدِّي إِلَى زُقَاقٍ ضَيِّقٍ خَلْفَ الْبُيُوتِ الْمُجَاوِرَةِ. أَبِي أَغْلَقَهَا بِالْإِسْمَنْتِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ مِنْهَا لُصُوصٌ مَرَّةً، أَوْ هَذَا مَا قَالَهُ لَنَا فِي حِينِهِ عَلَى الْأَقَلِّ. لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ.”
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَدْ فُتِحَتْ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ عِلْمِكُمْ؟”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا لَيَانَ بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ. “لَا أَعْرِفُ يَا سَلِيمُ. لَمْ أَتَفَقَّدْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.”
اتَّفَقَا أَنْ يَتَفَقَّدَا تِلْكَ الْبَوَّابَةَ مَعًا لَاحِقًا، لَكِنَّ سَلِيمًا، وَهُوَ يَشْعُرُ بِإِلْحَاحٍ دَاخِلِيٍّ مُتَزَايِدٍ، قَرَّرَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْغُرْفَةَ السِّرِّيَّةَ أَوَّلًا، لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَقِيَ كَمَا تَرَكَهُ، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ خُطْوَتَهُ التَّالِيَةَ. قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْقَبْوِ، اصْطَحَبَ لَيَانَ مَعَهُ إِلَى الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنَ الْفِنَاءِ، حَيْثُ أَشَارَتْ إِلَى مَكَانٍ مُغَطًّى بِنَبَاتِ يَاسَمِينٍ بَرِّيٍّ كَثِيفٍ نَمَا بِشَكْلٍ عَشْوَائِيٍّ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ.
أَزَاحَ سَلِيمٌ النَّبَاتَ بِحَذَرٍ، فَظَهَرَتْ أَمَامَهُمَا بَقَايَا بَوَّابَةٍ حَدِيدِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، مَطْمُورَةٍ جُزْئِيًّا تَحْتَ طَبَقَةٍ إِسْمَنْتِيَّةٍ قَدِيمَةٍ مُتَشَقِّقَةٍ، تَمَامًا كَمَا وَصَفَتْ لَيَانُ. كَانَتِ الْبَوَّابَةُ نَفْسُهَا صَدِئَةً بِشِدَّةٍ، زَخَارِفُهَا الْحَدِيدِيَّةُ الْقَدِيمَةُ بِالْكَادِ تُمَيَّزُ تَحْتَ طَبَقَاتِ الصَّدَإِ الْمُتَرَاكِمَةِ عَبْرَ عُقُودٍ، لَكِنَّهَا بَدَتْ مَعَ ذَلِكَ مَتِينَةً بِمَا يَكْفِي لِتَحَمُّلِ مَنْ يُحَاوِلُ دَفْعَهَا بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ. لَكِنْ حِينَ اقْتَرَبَ سَلِيمٌ أَكْثَرَ، لَاحَظَ شَيْئًا أَثَارَ قَلَقَهُ فَوْرًا: جُزْءٌ مِنَ الْإِسْمَنْتِ حَوْلَ حَوَافِّ الْبَوَّابَةِ كَانَ أَحْدَثَ بِكَثِيرٍ مِنْ بَاقِي الطَّبَقَةِ، بِلَوْنٍ رَمَادِيٍّ أَفْتَحَ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ أَحَدًا كَسَرَ الْإِسْمَنْتَ الْقَدِيمَ مُؤَخَّرًا، ثُمَّ أَعَادَ سَدَّ الْفَتْحَةِ بِعَجَالَةٍ، مُحَاوِلًا إِخْفَاءَ أَثَرِ تَدَخُّلِهِ.
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ وَلَمَسَ الْإِسْمَنْتَ الْجَدِيدَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَشَعَرَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ طَرِيًّا بَعْضَ الشَّيْءِ فِي مَرْكَزِهِ، رَغْمَ صَلَابَتِهِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنَ الْخَارِجِ، دَلِيلًا إِضَافِيًّا عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ تَمَّ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَطْ، رُبَّمَا حَتَّى فِي السَّاعَاتِ الَّتِي سَبَقَتْ وُصُولَهُ هُوَ نَفْسِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
“هَلْ تَرَيْنَ هَذَا؟” سَأَلَ سَلِيمٌ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِقِ الطَّفِيفِ فِي لَوْنِ الْإِسْمَنْتِ. “هَذَا لَمْ يُكْسَرْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، بَلْ مُنْذُ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.”
شَحُبَ وَجْهُ لَيَانَ أَكْثَرَ. “مَنْ قَدْ يَعْرِفُ عَنْ هَذِهِ الْبَوَّابَةِ أَصْلًا غَيْرَنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ وَأَبِي؟”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. “شَخْصٌ مَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ هَذَا الْبَيْتِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِغَرِيبٍ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَأَقَلَّ مِمَّا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ أَنْ يُخْفِيَهُ عَنَّا.”
فَكَّرَتْ لَيَانُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ: “سَلِيمُ، هَلْ تَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ نَفْسِهَا؟ أَعْنِي، أَحَدُ أَقَارِبِنَا الْبَعِيدِينَ، شَخْصٌ نَعْرِفُهُ لَكِنَّنَا لَا نَشُكُّ فِيهِ؟”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ هَذَا السُّؤَالِ، مُتَذَكِّرًا فَجْأَةً ذَلِكَ الِاسْمَ الْغَامِضَ الْمَكْتُوبَ عَلَى لَوْحَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ: “تَوْفِيقُ مُرَادٍ؟”، بِعَلَامَةِ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي أَضَافَهَا أَبُوهُ بِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا تَمَامًا مِنْ صِلَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ بِالْعَائِلَةِ. لَمْ يَشَأْ أَنْ يُخْبِرَ لَيَانَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ بَعْدُ، خَشْيَةَ أَنْ يَزِيدَ قَلَقَهَا دُونَ دَاعٍ قَبْلَ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ شَيْءٍ مَلْمُوسٍ.
“لَا أَعْرِفُ يَا لَيَانُ.” قَالَهَا أَخِيرًا بِصِدْقٍ حَذِرٍ. “لَكِنِّي أَعِدُكِ أَنَّنَا سَنَكْتَشِفُ الْحَقِيقَةَ مَعًا، مَهْمَا كَانَتْ.”
عَادَا إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ صَامِتَيْنِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ ثِقْلًا جَدِيدًا مِنَ الشَّكِّ، لَمْ يَعُودَا يَعْرِفَانِ بَعْدَهُ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَثِقَا بِهِ فِعْلًا خَارِجَ دَائِرَتِهِمَا الصَّغِيرَةِ.
انْتَظَرَ حَتَّى خَلَا الْبَيْتُ مِنْ لَيَانَ، الَّتِي خَرَجَتْ لِبَعْضِ الْمَشَاوِيرِ الضَّرُورِيَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَتَسَلَّلَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْقَبْوِ، دَافِعًا الرَّفَّ الْخَشَبِيَّ بِحَذَرٍ، وَفَاتِحًا الْبَابَ الصَّغِيرَ بِالْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ.
دَخَلَ الْغُرْفَةَ، وَأَضَاءَ الْمِصْبَاحَ الْبَطَّارِيَّ، وَبَدَأَ يَتَفَقَّدُ الصَّنَادِيقَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ. مَرَّتْ دَقَائِقُ قَبْلَ أَنْ يُلَاحِظَ الْفَرَاغَ: الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُوجَدُ فِيهِ صُنْدُوقُ “شَهَادَاتُ شُهُودٍ ـ سِرِّيٌّ” عَلَى الرَّفِّ الثَّانِي كَانَ فَارِغًا تَمَامًا الْآنَ، وَكَأَنَّ الصُّنْدُوقَ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ قَطُّ، سِوَى أَثَرِ مُرَبَّعٍ خَفِيفٍ فِي الْغُبَارِ الْمُتَرَاكِمِ عَلَى الرَّفِّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ شَيْئًا كَانَ مَوْضُوعًا هُنَاكَ حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ جِدًّا.
وَقَفَ سَلِيمٌ أَمَامَ الرَّفِّ الْفَارِغِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ مَا يَعْنِيهِ هَذَا بِالضَّبْطِ. لَمْ يَكُنْ كَمَالٌ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْ هَذِهِ الْغُرْفَةِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ عَلَى حَدِّ عِلْمِهِ؛ كَانَ جَالِسًا فِي الصَّالَةِ الْعُلْيَا طَوَالَ الْوَقْتِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ سَلِيمٌ. فَمَنْ، إِذَنْ، دَخَلَ إِلَى هُنَا وَأَخَذَ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ بِالتَّحْدِيدِ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ الصَّنَادِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا دُونَ أَنْ تُمَسَّ؟
بَدَأَ سَلِيمٌ يَفْحَصُ الْجِدَارَ الشَّمَالِيَّ لِلْغُرْفَةِ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ، بَحْثًا عَنْ أَيَّةِ فَتْحَةٍ أُخْرَى قَدْ تَكُونُ مَصْدَرَ ذَلِكَ الْأَثَرِ الطِّينِيِّ الَّذِي رَآهُ فِي الصَّالَةِ. لَاحَظَ أَخِيرًا، خَلْفَ أَحَدِ الرُّفُوفِ الْمَعْدِنِيَّةِ، فَجْوَةً صَغِيرَةً فِي الْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ، مُمَوَّهَةً بِعِنَايَةٍ خَلْفَ طَبَقَةٍ مِنَ الطِّلَاءِ الْقَدِيمِ الْمُتَقَشِّرِ، بِالْكَادِ تَتَّسِعُ لِجِسْمِ إِنْسَانٍ نَحِيلٍ أَنْ يَزْحَفَ خِلَالَهَا. حِينَ اقْتَرَبَ أَكْثَرَ وَأَضَاءَ هَاتِفَهُ دَاخِلَهَا، وَجَدَ مَمَرًّا ضَيِّقًا مُظْلِمًا يَمْتَدُّ لِمَسَافَةٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ، هَوَاؤُهُ بَارِدٌ وَرَطِبٌ، وَعَلَى أَرْضِيَّتِهِ التُّرَابِيَّةِ آثَارُ أَقْدَامٍ حَدِيثَةٍ نِسْبِيًّا، لَا تَعُودُ لِعِشْرِينَ عَامًا مَضَتْ كَمَا تَوَقَّعَ، بَلْ رُبَّمَا لِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
تَرَدَّدَ سَلِيمٌ لَحْظَةً، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يَزْحَفَ بِضْعَةَ أَمْتَارٍ دَاخِلَ الْمَمَرِّ، رَغْمَ ضِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي جَعَلَ كَتِفَيْهِ يَحْتَكَّانِ بِجَانِبَيِ الْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ الْبَارِدِ. كَانَتْ رَائِحَةُ التُّرَابِ الرَّطْبِ هُنَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ نَفْسِهَا، مُمْتَزِجَةً بِرَائِحَةٍ خَفِيفَةٍ أُخْرَى لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْدِيدَهَا بِدِقَّةٍ فِي الْبِدَايَةِ، حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهَا رَائِحَةُ دُخَانِ سَجَائِرَ بَاهِتَةٍ، وَكَأَنَّ مَنْ مَرَّ مِنْ هُنَا مُؤَخَّرًا كَانَ يُدَخِّنُ أَثْنَاءَ انْتِظَارِهِ أَوْ تَحَرُّكِهِ، تَفْصِيلٌ صَغِيرٌ أَضَافَهُ سَلِيمٌ بِصَمْتٍ إِلَى قَائِمَةِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَرَاكِمَةِ فِي ذِهْنِهِ. تَقَدَّمَ بِبُطْءٍ، ضَوْءُ هَاتِفِهِ يَرْتَجِفُ أَمَامَهُ، حَتَّى تَوَقَّفَ حِينَ لَمَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى شَيْءٍ صَغِيرٍ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ: قُفَّازٌ جِلْدِيٌّ أَسْوَدُ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ عُمَّالُ الْبِنَاءِ عَادَةً، مُمَزَّقٌ قَلِيلًا مِنْ إِحْدَى أَصَابِعِهِ. الْتَقَطَهُ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ، وَشَمَّ مِنْهُ رَائِحَةً خَفِيفَةً مِنَ الْإِسْمَنْتِ الطَّازِجِ، مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ صَاحِبَهُ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ كَسَرَ الطَّبَقَةَ الْإِسْمَنْتِيَّةَ الْقَدِيمَةَ عِنْدَ الْبَوَّابَةِ الْخَارِجِيَّةِ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
وَاصَلَ زَحْفَهُ لِأَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ أُخْرَى، حَتَّى وَصَلَ إِلَى نُقْطَةٍ ضَاقَ فِيهَا الْمَمَرُّ أَكْثَرَ، وَبَدَا أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ فِي اتِّجَاهَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَتَّجِهُ، كَمَا قَدَّرَ سَلِيمٌ بِحِسَابِ الْمَسَافَةِ وَالِاتِّجَاهِ، نَحْوَ الْبَوَّابَةِ الْحَدِيدِيَّةِ الَّتِي فَحَصَهَا مَعَ لَيَانَ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَالْآخَرُ يَسْتَمِرُّ بَعِيدًا فِي اتِّجَاهٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَخْمِينَهُ بِدِقَّةٍ، رُبَّمَا نَحْوَ بَيْتٍ مُجَاوِرٍ، أَوْ زُقَاقٍ آخَرَ مِنْ أَزِقَّةِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ الْكَثِيرَةِ وَالْمُتَشَابِكَةِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ خَرِيطَةَ الْحَيِّ كَمَا يَعْرِفُهَا مِنْ طُفُولَتِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخَمِّنَ أَيَّ بَيْتٍ أَوْ زُقَاقٍ قَدْ يَكُونُ هَذَا الْفَرْعُ الثَّانِي مُتَّجِهًا إِلَيْهِ، لَكِنَّ الْعَتْمَةَ وَالِالْتِوَاءَاتِ الْكَثِيرَةَ جَعَلَتْ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِمَ بِشَيْءٍ دُونَ اسْتِكْشَافٍ أَعْمَقَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهُ بِمُفْرَدِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. قَرَّرَ أَلَّا يُخَاطِرَ بِالْمُضِيِّ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ بِمُفْرَدِهِ، فَتَرَاجَعَ بِحَذَرٍ، وَعَادَ إِلَى الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، وَالْقُفَّازُ الْأَسْوَدُ لَا يَزَالُ فِي قَبْضَتِهِ كَدَلِيلٍ جَدِيدٍ يُضَافُ إِلَى قَائِمَةِ أَسْئِلَتِهِ الْمُتَرَاكِمَةِ.
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْوَحِيدِ فِي الْغُرْفَةِ، مُنْهَكًا فَجْأَةً مِنْ ثِقْلِ مَا يَكْتَشِفُهُ دَقِيقَةً بَعْدَ أُخْرَى. أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَالْتَقَطَ صُوَرًا وَاضِحَةً لِكُلِّ الْوَثَائِقِ الْمُتَبَقِّيَةِ فِي الْغُرْفَةِ: عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ وَالْقَاضِي النَّجَّارِ، لَوْحَةَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْجِدَارِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا، حَتَّى الْقُفَّازَ الْأَسْوَدَ الْمُمَزَّقَ نَفْسَهُ. تَرَدَّدَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَضْغَطَ زِرَّ الْإِرْسَالِ، مُتَذَكِّرًا مَرَّةً أُخْرَى تَحْذِيرَ أَبِيهِ مِنَ الثِّقَةِ بِأَحَدٍ، لَكِنَّهُ فَكَّرَ أَيْضًا أَنَّ الِاحْتِفَاظَ بِكُلِّ شَيْءٍ وَحِيدًا، دُونَ نُسْخَةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ لَدَى أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ، قَدْ يَكُونُ خَطَرًا أَكْبَرَ إِنْ حَدَثَ لَهُ أَيُّ مَكْرُوهٍ، تَمَامًا كَمَا حَدَثَ لِأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. أَرْسَلَ الصُّوَرَ إِلَى يَاسَمِينَ نُورٍ مَعَ رِسَالَةٍ قَصِيرَةٍ: “كَمَا وَعَدْتُ. احْتَفِظِي بِهَا فِي مَكَانٍ آمِنٍ. لَا تَنْشُرِي شَيْئًا بَعْدُ، لَيْسَ قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ الصُّورَةَ كَامِلَةً.”
جَاءَهُ رَدُّهَا بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ: “وَصَلَتْنِي. سَأَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ اسْمٍ يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. كُنْ حَذِرًا اللَّيْلَةَ يَا سَلِيمُ، أَكْثَرَ مِنْ أَيَّةِ لَيْلَةٍ أُخْرَى.” تَوَقَّفَ عِنْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ قَلِيلًا، شَاعِرًا بِدِفْءٍ غَرِيبٍ يَنْبُعُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا آخَرَ، خَارِجَ دَائِرَةِ عَائِلَتِهِ الصَّغِيرَةِ، بَدَأَ يَقْلَقُ عَلَيْهِ بِصِدْقٍ حَقِيقِيٍّ، لَا بِمَصْلَحَةٍ مُسْتَتِرَةٍ كَمَا شَعَرَ مَعَ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ طَوَالَ الْيَوْمِ الْمَاضِي. كَتَبَ لَهَا رَدًّا قَصِيرًا: “سَأُحَاوِلُ.” ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ تَرَدُّدٍ: “شُكْرًا لِأَنَّكِ تُصَدِّقِينَنِي.” لَمْ يَصِلْهُ رَدٌّ فَوْرِيٌّ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَكِنَّهُ تَخَيَّلَهَا تَبْتَسِمُ قَلِيلًا وَهِيَ تَقْرَأُ الرِّسَالَةَ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ لِمَ كَانَ هَذَا التَّخَيُّلُ بِالذَّاتِ يُرِيحُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ حَدَثَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الْمُرْهِقِ.
وَضَعَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ جَانِبًا أَخِيرًا، وَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ الْبَطَّارِيَّ، وَجَلَسَ فِي الْعَتْمَةِ الْهَادِئَةِ لِلْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ لِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، يَسْتَجْمِعُ قُوَاهُ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْعَالَمِ فَوْقَهُ، عَالَمٍ لَمْ يَعُدْ يَبْدُو لَهُ بَرِيئًا كَمَا كَانَ يَتَذَكَّرُهُ مِنْ طُفُولَتِهِ الْبَعِيدَةِ، بَلْ عَالَمًا مَلِيئًا بِأَبْوَابٍ سِرِّيَّةٍ وَمَمَرَّاتٍ مُخْفِيَّةٍ وَوُعُودٍ مَسْمُومَةٍ، يَنْتَظِرُهُ لِيَكْتَشِفَ الْمَزِيدَ مِنْهُ، فَصْلًا بَعْدَ فَصْلٍ.
أَدْرَكَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَجْلِسُ فِي تِلْكَ الْعَتْمَةِ الْهَادِئَةِ، أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِنْ عَوْدَتِهِ إِلَى مَدِينَةِ الْيَاسَمِينِ قَدْ غَيَّرَ كُلَّ مُعَادَلَاتِهِ السَّابِقَةِ: لَمْ يَعُدِ الْخَصْمُ مَجْهُولًا تَمَامًا كَمَا كَانَ بِالْأَمْسِ، فَقَدْ بَدَأَ اسْمُ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ يَتَّضِحُ كَخَيْطٍ رَئِيسِيٍّ فِي هَذِهِ الشَّبَكَةِ الْمُعَقَّدَةِ، لَكِنَّ عَدَدَ الْحُلَفَاءِ الْحَقِيقِيِّينَ الَّذِينَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَثِقَ بِهِمْ ظَلَّ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَتَمَنَّى. يَاسَمِينُ نُورٍ، لَيَانُ، رُبَّمَا ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُسِنُّ الْغَامِضُ إِنِ اسْتَطَاعَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ هَذِهِ كَانَتْ، عَلَى مَا يَبْدُو، الدَّائِرَةَ الصَّغِيرَةَ الْوَحِيدَةَ الْمُتَبَقِّيَةَ لَهُ فِي مَدِينَةٍ بَدَأَتْ تَكْشِفُ لَهُ، سَاعَةً بَعْدَ أُخْرَى، أَنَّ الْغُرَبَاءَ فِيهَا أَكْثَرُ أَمَانًا أَحْيَانًا مِنْ بَعْضِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ طَوَالَ حَيَاتِهِ.
نَهَضَ أَخِيرًا، وَأَعَادَ قَفْلَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الصَّغِيرِ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ الرَّفَّ الْخَشَبِيَّ الثَّقِيلَ إِلَى مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الدَّرَجَ الضَّيِّقَ نَحْوَ بَيْتٍ بَدَأَ يَبْدُو لَهُ، لَيْلَةً بَعْدَ أُخْرَى، أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَسْرَارِ الْهَائِلَةِ الَّتِي كَانَ يُخَبِّئُهَا بَيْنَ جُدْرَانِهِ الْقَدِيمَةِ طَوَالَ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ.
سَأَلَ نَفْسَهُ سُؤَالًا وَاحِدًا ظَلَّ يَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهِ بِلَا جَوَابٍ طَوَالَ صُعُودِهِ الْبَطِيءِ نَحْوَ الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ: مَنْ كَانَ يَعْرِفُ بِوُجُودِ هَذَا الْمَمَرِّ السِّرِّيِّ أَصْلًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ هُوَ مَنْ بَنَاهُ أَوِ اكْتَشَفَهُ بِنَفْسِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ؟ وَمَنْ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ النَّاسِ الَّذِينَ الْتَقَاهُمْ سَلِيمٌ فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَتَى يَسْتَغِلُّ تِلْكَ الْفُرْصَةَ الْقَصِيرَةَ، بَيْنَمَا كَانَ كَمَالٌ يَشْغَلُ انْتِبَاهَهُ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، لِيَتَسَلَّلَ عَبْرَ هَذَا الْمَمَرِّ الضَّيِّقِ وَيَأْخُذَ مَا يُرِيدُهُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، ثُمَّ يَخْتَفِيَ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ خَلْفَهُ سِوَى أَثَرِ حِذَاءٍ طِينِيٍّ عَلَى رُخَامِ الصَّالَةِ، وَفَجْوَةٍ فَارِغَةٍ عَلَى رَفٍّ مُغَبَّرٍ فِي غُرْفَةٍ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَبْقَى سِرًّا إِلَى الْأَبَدِ؟

عَلَى بُعْدِ شَارِعَيْنِ فَقَطْ مِنْ بَيْتِ عَائِلَةِ مُرَادٍ، فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ الْمُطِلِّ عَلَى السَّاحَةِ الرَّئِيسَةِ لِلْمَدِينَةِ، كَانَ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ يَجْلِسُ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ الزُّجَاجِيَّةِ الْوَاسِعَةِ، يُقَلِّبُ بِأَصَابِعِهِ غِطَاءَ صُنْدُوقٍ كَرْتُونِيٍّ قَدِيمٍ مَوْضُوعٍ أَمَامَهُ: الصُّنْدُوقُ نَفْسُهُ الَّذِي اخْتَفَى مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، مَا يَزَالُ مُغْلَقًا، لَمْ يَفْتَحْهُ بَعْدُ. رَنَّ هَاتِفُهُ، فَأَجَابَ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الشَّاشَةِ.
“هَلْ أَخَذْتَهُ؟” سَأَلَ صَوْتٌ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، صَوْتُ الرَّجُلِ نَفْسِهِ الَّذِي هَدَّدَ سَلِيمًا هَاتِفِيًّا فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ قَبْلَ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
“أَخَذْتُهُ.” أَجَابَ كَمَالٌ بِهُدُوءٍ تَامٍّ. “لَكِنِّي لَمْ أَفْتَحْهُ بَعْدُ. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ أَوَّلًا كَمْ يَعْرِفُ الِابْنُ بِالضَّبْطِ قَبْلَ أَنْ أُقَرِّرَ مَاذَا أَفْعَلُ بِمَا بِدَاخِلِهِ.”
“إِنَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.” قَالَ الصَّوْتُ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ. “رَأَيْتُهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ صَبَاحَ الْيَوْمِ مُتَّجِهًا نَحْوَ مَقْهَى السُّوقِ الْقَدِيمِ، وَالْتَقَى بِتِلْكَ الصَّحَفِيَّةِ اللَّعِينَةِ مَرَّةً أُخْرَى.”
“وَهَلْ رَآكَ أَحَدٌ وَأَنْتَ تُرَاقِبُهُ؟” سَأَلَ كَمَالٌ بِحِدَّةٍ مُفَاجِئَةٍ.
“لَا أَحَدَ يَرَانِي حِينَ لَا أُرِيدُ أَنْ أُرَى. هَذِهِ مِهْنَتِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَلَمْ أَفْشَلْ فِيهَا بَعْدُ.”
“احْرِصْ عَلَى أَلَّا تَفْشَلَ فِيهَا الْآنَ، مِنْ كُلِّ الْأَوْقَاتِ.” قَالَ كَمَالٌ بِنَبْرَةِ تَحْذِيرٍ وَاضِحَةٍ.
“وَهَلْ تَأَكَّدْتَ مِنْ إِغْلَاقِ الْمَمَرِّ بِإِحْكَامٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ؟” سَأَلَ كَمَالٌ بِحِدَّةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ سَيْطَرَتَهُ عَلَى الْمُحَادَثَةِ. “لَا أُرِيدُ أَنْ يَكْتَشِفَ أَحَدٌ ذَلِكَ الطَّرِيقَ قَبْلَ أَنْ نَنْتَهِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.”
“حَاوَلْتُ، لَكِنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ. قَدْ يُلَاحِظُهُ أَحَدٌ إِنْ فَتَّشَ الْجُدْرَانَ بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ.”
تَوَقَّفَ كَمَالٌ لِلَحْظَةٍ، وَمَلَامِحُهُ تَتَصَلَّبُ فِي ضَوْءِ الْمَكْتَبِ الْخَافِتِ. “إِذَنْ، سَيَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَحَرَّكَ أَسْرَعَ مِمَّا كُنَّا نُخَطِّطُ. أَعْطِنِي حَتَّى نِهَايَةِ هَذَا الْأُسْبُوعِ، كَمَا اتَّفَقْنَا مِنَ الْبِدَايَةِ. بَعْدَهَا، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَقْتٌ مُتَبَقٍّ لِأَيِّ أَحَدٍ لِيَكْتَشِفَ شَيْئًا، لَا الِابْنُ، وَلَا الصَّحَفِيَّةُ، وَلَا حَتَّى أَنْتَ.”
“وَمَاذَا لَوْ رَفَضَ الْبَيْعَ بِحُلُولِ نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ؟” سَأَلَ الصَّوْتُ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “أَبُوهُ لَمْ يَرْفُضِ الْعَرْضَ فَحَسْبُ، بَلْ جَمَعَ كُلَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ ضِدَّنَا عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ. الِابْنُ قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ إِنْ أَعْطَيْنَاهُ وَقْتًا كَافِيًا.”
“لِهَذَا بِالضَّبْطِ لَنْ نُعْطِيَهُ وَقْتًا كَافِيًا.” قَالَ كَمَالٌ بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ قَاطِعَةٍ. “دَبِّرْ أَمْرَ التَّوْقِيعِ، بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ. أَنَا سَأَتَوَلَّى الْجَانِبَ الْآخَرَ بِنَفْسِي.”
أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، وَنَظَرَ مُطَوَّلًا إِلَى الصُّنْدُوقِ الْمُغْلَقِ أَمَامَهُ، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالْخَوْفِ، لَا الثِّقَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا طَوَالَ لِقَائِهِ مَعَ سَلِيمٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَكَأَنَّ مَا بِدَاخِلَ هَذَا الصُّنْدُوقِ بِالذَّاتِ كَانَ يُهَدِّدُ شَيْئًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ صَفْقَةٍ عَقَارِيَّةٍ، شَيْئًا بَدَأَ كَمَالٌ دَرْوِيشٌ نَفْسُهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَخَافُ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ وَحِيدًا.
مَدَّ كَمَالٌ يَدَهُ أَخِيرًا نَحْوَ غِطَاءِ الصُّنْدُوقِ، مُتَرَدِّدًا لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ سَحَبَ يَدَهُ بَعِيدًا دُونَ أَنْ يَفْتَحَهُ، وَكَأَنَّهُ قَرَّرَ، عَلَى الْأَقَلِّ لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَنْ يُؤَجِّلَ مُوَاجَهَةَ مَا بِدَاخِلِهِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، تَمَامًا كَمَا كَانَ سَلِيمٌ مُرَادٍ، عَلَى بُعْدِ شَارِعَيْنِ فَقَطْ مِنْهُ، يُؤَجِّلُ فَتْحَ مُغَلَّفِهِ الْأَحْمَرِ الْخَاصِّ، وَكِلَاهُمَا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، يَخْشَى الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا الَّتِي تَنْتَظِرُهُمَا، كُلٌّ مِنْ مَوْقِعِهِ الْخَاصِّ فِي هَذِهِ اللُّعْبَةِ الَّتِي بَدَأَتْ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، وَلَمْ تَكُنْ قَدِ انْتَهَتْ بَعْدُ. أَطْفَأَ كَمَالٌ أَضْوَاءَ مَكْتَبِهِ الْأَخِيرَةَ، وَغَادَرَ إِلَى الظَّلَامِ الْخَارِجِيِّ، تَارِكًا وَرَاءَهُ صُنْدُوقًا مُغْلَقًا، وَسِرًّا لَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ مَنْ يَحْمِلُ مِفْتَاحَهُ بَعْدَ الْآنَ.

الْفَصْلُ الرَّابِعُ

فِي الْيَوْمِ التَّالِي، اقْتَرَحَتْ يَاسَمِينُ أَنْ يَعْمَلَا مَعًا فِي مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ الْوَاقِعِ فَوْقَ مَقَرِّ جَرِيدَةِ “صَوْتِ الْمَدِينَةِ”، مَكَانًا وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ “الْأَكْثَرُ أَمَانًا فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا بِالنِّسْبَةِ لِي”، مُحَاطًا بِأَقْفَالٍ إِضَافِيَّةٍ رَكَّبَتْهَا بِنَفْسِهَا بَعْدَ تَعَرُّضِهَا لِمُحَاوَلَةِ اقْتِحَامٍ غَامِضَةٍ قَبْلَ عَامَيْنِ لَمْ تُحَلَّ قَطُّ.
كَانَ الْمَكْتَبُ صَغِيرًا لَكِنَّهُ مُنَظَّمٌ بِدِقَّةٍ تَكْشِفُ عَنْ شَخْصِيَّةِ صَاحِبَتِهِ: رُفُوفُ كُتُبٍ مُصَنَّفَةٌ حَسَبَ الْمَوْضُوعِ، لَوْحَةُ فِلِّينٍ كَبِيرَةٌ عَلَى الْجِدَارِ مُغَطَّاةٌ بِقُصَاصَاتٍ وَخُيُوطٍ مُلَوَّنَةٍ تَرْبِطُ بَيْنَهَا، وَنَافِذَةٌ وَحِيدَةٌ تُطِلُّ عَلَى سُطُوحِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ أَطْرَافِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ مِنْ بَعِيدٍ، بَيْنَ لَافِتَاتِ الْمَشْرُوعِ الْعَقَارِيِّ الضَّخْمَةِ وَأَسْطُحِ الْبُيُوتِ الْحَجَرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الْمُتَبَقِّيَةِ.
وَصَلَ سَلِيمٌ حَامِلًا حَقِيبَتَهُ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْهُ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ، وَبِدَاخِلِهَا الْأَوْرَاقُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي أَنْقَذَهَا مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ صُنْدُوقُ الشَّهَادَاتِ. نَشَرَا كُلَّ شَيْءٍ عَلَى طَاوِلَةِ يَاسَمِينَ الْخَشَبِيَّةِ الْكَبِيرَةِ: عَقْدَ الْمِلْكِيَّةِ الْمُزَوَّرَ، صُورَةَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ وَالْقَاضِي حَبِيبٍ النَّجَّارِ، الْقَائِمَةَ الْيَدَوِيَّةَ الَّتِي كَتَبَهَا الْأَبُ وَتَحْمِلُ اسْمَ “تَوْفِيقٍ”، وَأَخِيرًا، الْمُغَلَّفَ الْأَحْمَرَ الَّذِي لَا يَزَالُ مَخْتُومًا بِشَمْعِهِ دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ سَلِيمٌ عَلَى فَتْحِهِ بَعْدُ.
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى الْمُغَلَّفِ الْأَحْمَرِ طَوِيلًا. “هَلْ فَكَّرْتَ فِي فَتْحِهِ؟”
“كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا.” اعْتَرَفَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. “لَكِنَّ أَبِي كَتَبَ عَلَيْهِ بِوُضُوحٍ: حِينَ أَكُونُ جَاهِزًا. وَأَنَا لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مَتَى سَأَكُونُ جَاهِزًا فِعْلًا، أَوْ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ هَذَا التَّعْبِيرُ بِالضَّبْطِ.”
“رُبَّمَا يَعْنِي أَنْ تَفْهَمَ كُلَّ مَا حَوْلَهُ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ تَفْهَمَ مَا بِدَاخِلِهِ.” اقْتَرَحَتْ يَاسَمِينُ بِحِكْمَةٍ هَادِئَةٍ. “لِنَبْدَأْ بِالْمَنْهَجِيَّةِ إِذَنْ.” أَضَافَتْ وَهِيَ تَرْتَدِي نَظَّارَةَ قِرَاءَةٍ رَقِيقَةً، وَتُخْرِجُ مِنْ دُرْجِ مَكْتَبِهَا مَلَفًّا كَبِيرًا يَحْمِلُ عُنْوَانَ “أَرْشِيفُ حَيِّ الْيَاسَمِينِ ـ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ”، ثَمَرَةَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّحْقِيقِ الْمُتَقَطِّعِ. “لَدَيَّ نُسَخٌ مُصَوَّرَةٌ مِنْ سِجِلَّاتِ الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، جَمَعْتُهَا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ مِنْ مَصَادِرَ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ. دَعْنَا نُقَارِنُهَا بِمَا وَجَدْتَهُ أَنْتَ، عَسَى أَنْ نَمْلَأَ الْفَرَاغَاتِ الَّتِي بَقِيَتْ عَالِقَةً عِنْدِي طَوِيلًا.”
قَضَيَا السَّاعَاتِ الْأُولَى فِي مُقَارَنَةٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الْوَثَائِقِ: تَوَارِيخُ، أَسْمَاءُ، تَوْقِيعَاتٌ، أَخْتَامٌ رَسْمِيَّةٌ. كَانَتْ يَاسَمِينُ بَارِعَةً فِي هَذَا الْعَمَلِ، تَرْبِطُ بَيْنَ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ بِسُرْعَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا سَلِيمٌ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَجْلِبُ النَّظْرَةَ الْمِعْمَارِيَّةَ الدَّقِيقَةَ الَّتِي اعْتَادَ عَلَيْهَا فِي عَمَلِهِ، يُقَارِنُ بَيْنَ خُطُوطِ الْيَدِ وَأَنْمَاطِ الْأَخْتَامِ كَمَا يُقَارِنُ بَيْنَ مُخَطَّطَاتٍ هَنْدَسِيَّةٍ مُتَشَابِهَةٍ.
“فِي عَمَلِي، حِينَ أُرَاجِعُ مُخَطَّطًا مِعْمَارِيًّا قَدِيمًا لِمَبْنًى تَارِيخِيٍّ، أَبْحَثُ دَائِمًا عَنِ التَّعْدِيلَاتِ اللَّاحِقَةِ: طَبَقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الطِّلَاءِ تُخْفِي شَقًّا قَدِيمًا، جِدَارٍ أُضِيفَ لَاحِقًا لِيُخْفِيَ غُرْفَةً كَانَتْ مَفْتُوحَةً سَابِقًا.” قَالَ سَلِيمٌ وَهُوَ يُقَارِنُ بَيْنَ نُسْخَتَيْنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ نَفْسِهَا تَحْتَ الضَّوْءِ. “هَذِهِ الْوَثَائِقُ أَشْبَهُ بِذَلِكَ تَمَامًا: طَبَقَاتٌ مِنَ التَّعْدِيلِ، كُلُّ طَبَقَةٍ تُحَاوِلُ إِخْفَاءَ مَا تَحْتَهَا، لَكِنَّهَا تَتْرُكُ دَائِمًا أَثَرًا صَغِيرًا إِنْ بَحَثْتَ بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ.”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُعْجِبُنِي فِي طَرِيقَةِ تَفْكِيرِكَ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ صَادِقَةٍ. “مُعْظَمُ مَنْ عَمِلْتُ مَعَهُمْ فِي هَذَا الْمَجَالِ يَنْظُرُونَ إِلَى الْوَثَائِقِ كَنُصُوصٍ فَقَطْ، كَلِمَاتٍ وَأَرْقَامٍ. أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهَا كَبِنْيَةٍ، كَشَيْءٍ لَهُ طَبَقَاتٌ وَأَسَاسَاتٌ، وَهَذَا مَنْظُورٌ مُفِيدٌ جِدًّا لِمَا نُحَاوِلُ فِعْلَهُ الْآنَ.”
اسْتَمَرَّا فِي الْعَمَلِ بِتَنَاغُمٍ مُتَزَايِدٍ، يَتَبَادَلَانِ الْمُلَاحَظَاتِ، يُصَحِّحَانِ فَرَضِيَّاتِ بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ، حَتَّى بَدَأَ سَلِيمٌ يَشْعُرُ، رَغْمَ ثِقَلِ الْمَوْضُوعِ الَّذِي يَعْمَلَانِ عَلَيْهِ، بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالرَّاحَةِ فِي وُجُودِ شَرِيكٍ حَقِيقِيٍّ فِي هَذَا التَّحْقِيقِ، بَعْدَ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ شَعَرَ خِلَالَهُمَا بِأَنَّهُ وَحِيدٌ تَمَامًا وَسْطَ شَبَكَةٍ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالتَّهْدِيدَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ.
“هُنَا.” قَالَتْ يَاسَمِينُ فَجْأَةً، مُشِيرَةً إِلَى وَثِيقَةٍ أَخْرَجَتْهَا مِنْ مَلَفِّهَا الْخَاصِّ، نُسْخَةٍ مُصَوَّرَةٍ رَدِيئَةِ الْجَوْدَةِ مِنْ سِجِلِّ مِلْكِيَّةِ أَرَاضٍ يَعُودُ لِعَامِ ١٩٧٤. “هَذَا سِجِلُّ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيُّ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، قَبْلَ أَيِّ تَعْدِيلٍ. أَخَذْتُهُ مِنْ نُسْخَةٍ أَرْشِيفِيَّةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي مَكْتَبَةِ الْجَامِعَةِ، لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهَا هُنَاكَ.”
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ السِّجِلَّ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، مُتَمَعِّنًا فِي كُلِّ سَطْرٍ وَكُلِّ رَقْمٍ: قِطْعَةُ الْأَرْضِ الْكَبِيرَةُ، الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْآنَ حَيُّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، كَانَتْ مُسَجَّلَةً بِاسْمِ “آلِ سَمَاحَةَ”، عَائِلَةٍ كَبِيرَةٍ تَمْتَلِكُ الْأَرْضَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ عَلَى الْأَقَلِّ، حَسَبَ الْوَثِيقَةِ. تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عِنْدَ اسْمِ رَبِّ الْعَائِلَةِ الْمُسَجَّلِ: “فَادِي سَمَاحَةَ”، وَالِدِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ اخْتَفَوْا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَمَا ذَكَرَتْ يَاسَمِينُ سَابِقًا.
“وَهَذَا،” أَخْرَجَتْ يَاسَمِينُ وَثِيقَةً أُخْرَى، مُقَارِنَةً بِجَانِبِ الْأُولَى، “هُوَ سِجِلُّ الْمِلْكِيَّةِ بَعْدَ “التَّعْدِيلِ”، الْمُؤَرَّخُ بَعْدَ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ مِنَ السِّجِلِّ الْأَوَّلِ، يَنْقُلُ الْمِلْكِيَّةَ بِالْكَامِلِ إِلَى عَائِلَةِ دَرْوِيشٍ، مُوَقَّعًا مِنْ أَمِينِ السِّجِلِّ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ، وَمُصَدَّقًا مِنَ الْقَاضِي حَبِيبٍ النَّجَّارِ.”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا وَجَدْتُهُ فِي الْعَقْدِ الْمُزَوَّرِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ.” قَالَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يُقَارِنُ بَيْنَ الْوَثِيقَتَيْنِ. “لَكِنَّ أَبِي كَتَبَ فِي هَامِشِ عَقْدِي أَنَّ آلَ سَمَاحَةَ لَمْ يُوَقِّعُوا عَلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنَّ التَّوْقِيعَ مُزَوَّرٌ.”
“صَحِيحٌ. لَكِنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ الَّتِي مَعِي أَوْضَحُ مِنْ نُسْخَتِكَ، وَالتَّفَاصِيلَ فِيهَا أَدَقُّ.” أَشَارَتْ يَاسَمِينُ بِإِصْبَعِهَا إِلَى أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ، إِلَى خَانَةٍ لَمْ يُلَاحِظْهَا سَلِيمٌ مِنْ قَبْلُ فِي نُسْخَتِهِ الْخَاصَّةِ، أَكْثَرَ اهْتِرَاءً مِنْ هَذِهِ. “انْظُرْ هُنَا، لَيْسَ فِي خَانَةِ الشُّهُودِ، بَلْ فِي خَانَةِ الْأَطْرَافِ الْمُوَقِّعَةِ عَلَى عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ نَفْسِهَا، إِلَى جَانِبِ تَوْقِيعِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ الْمُسْتَلِمِ لِلْأَرْضِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ عَنْ كَثَبٍ، فَوَجَدَ اسْمَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فِي تِلْكَ الْخَانَةِ بِالتَّحْدِيدِ، لَا خَانَةِ الشُّهُودِ كَمَا ظَنَّ أَوَّلَ الْأَمْرِ: “فَارِسُ دَرْوِيشٍ” مِنْ جِهَةٍ، وَ”إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ”، مُمَثِّلًا، حَسَبَ صِيَاغَةِ الْعَقْدِ الرَّسْمِيَّةِ الْغَامِضَةِ، عَنْ “الْجِهَةِ الْوَسِيطَةِ الْمُخَوَّلَةِ بِنَقْلِ الْحِيَازَةِ الْقَانُونِيَّةِ”، تَوْقِيعًا يَجْعَلُهُ لَيْسَ شَاهِدًا عَابِرًا عَلَى الصَّفْقَةِ، بَلْ طَرَفًا فِعْلِيًّا مُوَقِّعًا عَلَيْهَا، وَكَأَنَّ جَدَّهُ هُوَ مَنْ نَقَلَ الْأَرْضَ قَانُونِيًّا مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ إِلَى عَائِلَةِ دَرْوِيشٍ بِنَفْسِهِ.
تَوَقَّفَ قَلْبُ سَلِيمٍ لَحْظَةً حِينَ أَعَادَ قِرَاءَةَ الِاسْمِ مَرَّةً أُخْرَى، مُتَأَكِّدًا هَذِهِ الْمَرَّةَ أَنَّهُ لَمْ يُخْطِئِ الْفَهْمَ: “إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ.”
جَدُّهُ.
“هَذَا اسْمُ جَدِّي.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ فَجْأَةً. “إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ، وَالِدُ أَبِي. لَكِنَّ هَذَا… هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ، بَلْ أَنَّهُ مَنْ نَفَّذَ عَمَلِيَّةَ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ بِنَفْسِهِ؟”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَيْهِ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ. “أَعْرِفُ. لَاحَظْتُ هَذَا مُنْذُ أَشْهُرٍ، حِينَ وَجَدْتُ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً كَيْفَ أُخْبِرُكَ بِهَذَا، أَوْ حَتَّى إِنْ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكَ بِهِ أَصْلًا قَبْلَ أَنْ نَتَأَكَّدَ مِنْ كُلِّ التَّفَاصِيلِ، خَاصَّةً أَنَّنِي أُدْرِكُ جَيِّدًا كَمْ قَدْ يَكُونُ هَذَا مُؤْلِمًا لَكَ وَلِعَائِلَتِكَ.”
“لِمَ لَمْ تُخْبِرِينِي فِي الْمَقْهَى أَمْسِ؟”
“لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ أَوَّلًا.” قَالَتْ يَاسَمِينُ بِحَذَرٍ، وَأَخْرَجَتْ مِنْ مَلَفِّهَا وَرَقَةً أُخْرَى، شَهَادَةَ وَفَاةٍ رَسْمِيَّةً مُصَوَّرَةً، مُؤَرَّخَةً وَمَخْتُومَةً بِخَتْمِ الْبَلَدِيَّةِ. “سَلِيمُ، مَتَى تُوُفِّيَ جَدُّكَ بِالضَّبْطِ، حَسَبَ مَا تَعْرِفُهُ عَائِلَتُكَ؟”
فَكَّرَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ. “كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ وِلَادَتِي بِسَنَوَاتٍ، لَا أَعْرِفُ التَّارِيخَ الدَّقِيقَ، لَكِنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ دَائِمًا إِنَّهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ لَا يَزَالُ شَابًّا نِسْبِيًّا، فِي حَادِثٍ مَا، لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ كَثِيرًا.”
مَدَّتْ يَاسَمِينُ لَهُ شَهَادَةَ الْوَفَاةِ. “حَسَبَ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ الرَّسْمِيَّةِ، الَّتِي حَصَلْتُ عَلَيْهَا مِنْ سِجِلَّاتِ الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَشْهُرٍ، تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ، جَدُّكَ، فِي الثَّالِثِ مِنْ مَارِسَ عَامَ ١٩٧١.”
تَنَاوَلَ سَلِيمٌ الْوَثِيقَةَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَارَنَ بَيْنَ تَارِيخِ الْوَفَاةِ وَتَارِيخِ سِجِلِّ الْمِلْكِيَّةِ “الْمُعَدَّلِ” الَّذِي وَقَّعَهُ جَدُّهُ، حَسَبَ الْوَثِيقَةِ، كَشَاهِدٍ رَسْمِيٍّ.
كَانَ تَارِيخُ عَقْدِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ، الَّذِي يَحْمِلُ تَوْقِيعَ جَدِّهِ كَشَاهِدٍ، مُؤَرَّخًا فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ يُونْيُو عَامَ ١٩٧٤.
ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً بَعْدَ وَفَاةِ جَدِّهِ.
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْقَرِيبِ، وَالْوَثِيقَتَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ ثِقْلِ مَا يَعْنِيهِ هَذَا الِاكْتِشَافُ. جَدُّهُ، الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ شَخْصِيًّا قَطُّ، الَّذِي كَانَتْ صُوَرُهُ الْقَلِيلَةُ الْمُتَبَقِّيَةُ فِي أَلْبُومَاتِ الْعَائِلَةِ تُظْهِرُهُ دَائِمًا بِوَجْهٍ هَادِئٍ وَابْتِسَامَةٍ أَبَوِيَّةٍ، كَانَ اسْمُهُ مُوَقَّعًا عَلَى وَثِيقَةٍ نَقَلَتْ أَرْضًا كَامِلَةً مِنْ عَائِلَةٍ إِلَى أُخْرَى، فِي عَمَلِيَّةٍ بَدَتِ الْآنَ، فِي ضَوْءِ كُلِّ مَا اكْتَشَفَهُ سَلِيمٌ خِلَالَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، أَقْرَبَ إِلَى عَمَلِيَّةِ اسْتِيلَاءٍ مُمَنْهَجَةٍ مِنْهَا إِلَى صَفْقَةٍ عَقَارِيَّةٍ عَادِيَّةٍ.
حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ ذِكْرَى بَقِيَتْ لَهُ عَنْ جَدِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ: قِصَصٌ مُتَنَاثِرَةٌ سَمِعَهَا مِنْ عَمَّتِهِ الْكُبْرَى فِي مُنَاسَبَاتٍ نَادِرَةٍ، صُورَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي بَيْتِ جَدَّتِهِ الْقَدِيمِ قَبْلَ أَنْ تُبَاعَ تِلْكَ الْأَثَاثَاتُ بَعْدَ وَفَاتِهَا، حِكَايَةٌ وَاحِدَةٌ رَوَاهَا لَهُ أَبُوهُ ذَاتَ مَرَّةٍ عَنْ رَجُلٍ “كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَزْرَعَ الْوَرْدَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَسْكُنُهُ”. لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ كَافِيًا لِرَسْمِ صُورَةٍ مُتَكَامِلَةٍ عَنِ الرَّجُلِ الْحَقِيقِيِّ، وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا جَعَلَ هَذَا الِاكْتِشَافَ الْجَدِيدَ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُسْتَوْعَبَ بِسُهُولَةٍ: كَانَ سَلِيمٌ يُعِيدُ بِنَاءَ هُوِيَّةِ جَدِّهِ بِأَكْمَلِهَا مِنَ الصِّفْرِ، انْطِلَاقًا مِنْ وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ بَارِدَةٍ بَدَلَ ذِكْرَيَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ دَافِئَةٍ.
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ فَجْأَةً شَيْئًا، وَعَادَ بِنَظَرِهِ إِلَى الْوَثِيقَةِ الْأَصْلِيَّةِ، إِلَى خَانَةِ الشُّهُودِ الَّتِي لَاحَظَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ أَنْ تُصَحِّحَ يَاسَمِينُ فَهْمَهُ. “انْتَظِرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ جَدِّي شَاهِدًا بَلْ مُوَقِّعًا، فَمَنْ هُمُ الشُّهُودُ الْحَقِيقِيُّونَ إِذَنْ؟”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى الْوَثِيقَةِ مَعَهُ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، وَأَشَارَتْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ صَغِيرَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِخَطٍّ أَقَلَّ رَسْمِيَّةٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ، تَحْتَ التَّوْقِيعَاتِ الرَّئِيسِيَّةِ. “هُنَا. ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: “سَعِيدٌ حَمْدَانُ”، “مُنِيرٌ قَاسِمٌ”، وَ…” تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً، وَقَرَأَتِ الِاسْمَ الثَّالِثَ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، وَكَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ مِنْ كُلِّ حَرْفٍ فِيهِ: “تَوْفِيقٌ الْعَبْدُ اللهِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِقَشَعْرِيرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ. “تَوْفِيقٌ كَانَ شَاهِدًا عَلَى تَوْقِيعِ جَدِّي؟ عَلَى عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ نَفْسِهَا؟”
“يَبْدُو كَذَلِكَ.” أَوْمَأَتْ يَاسَمِينُ، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِإِثَارَةِ الِاكْتِشَافِ رَغْمَ خُطُورَتِهِ. “هَذَا يُفَسِّرُ جُمْلَةَ أَبِيكَ فِي قَائِمَتِهِ: “تَوْفِيقٌ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.” لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ لَيْلَةَ اخْتِفَاءِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ فَقَطْ، بَلْ رُبَّمَا لَيْلَةَ تَوْقِيعِ هَذَا الْعَقْدِ بِالذَّاتِ، أَوْ لَيْلَةً أُخْرَى مُرْتَبِطَةً بِهَا ارْتِبَاطًا وَثِيقًا لَمْ نَكْتَشِفْهُ بَعْدُ.”
“وَمَاذَا عَنِ الِاسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ؟ سَعِيدٍ حَمْدَانَ وَمُنِيرٍ قَاسِمٍ؟”
بَحَثَتْ يَاسَمِينُ فِي مَلَفَّاتِهَا بِسُرْعَةٍ. “لَا أَجِدُ أَيَّ أَثَرٍ لِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ فِي أَيِّ سِجِلٍّ حَدِيثٍ. إِمَّا أَنَّهُمَا تُوُفِّيَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أَنْ يَتْرُكَا أَثَرًا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ، أَوْ أَنَّهُمَا غَادَرَا الْمَدِينَةَ نِهَائِيًّا بَعْدَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ مُبَاشَرَةً، وَهُوَ احْتِمَالٌ يَبْدُو لِي أَكْثَرَ تَرْجِيحًا، خَاصَّةً إِنْ كَانَا يَعْرِفَانِ مَا نَعْرِفُهُ الْآنَ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ.”
اتَّصَلَتْ يَاسَمِينُ بِزَمِيلٍ قَدِيمٍ لَهَا يَعْمَلُ فِي أَرْشِيفِ صَحِيفَةٍ أُخْرَى مُنَافِسَةٍ، صَدِيقٍ مَوْثُوقٍ رَغْمَ التَّنَافُسِ الْمِهْنِيِّ بَيْنَهُمَا، وَسَأَلَتْهُ بِسُرْعَةٍ عَنْ أَيِّ ذِكْرٍ لِاسْمِ “سَعِيدٍ حَمْدَانَ” فِي أَرْشِيفِ الصَّحِيفَةِ الْقَدِيمِ. انْتَظَرَا بِصَمْتٍ مُتَوَتِّرٍ لِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، حَتَّى عَادَ صَوْتُ الزَّمِيلِ عَبْرَ السَّمَّاعَةِ بِمَعْلُومَةٍ مُقْتَضَبَةٍ: يُوجَدُ خَبَرُ وَفَاةٍ قَصِيرٌ جِدًّا، مَنْشُورٌ قَبْلَ نَحْوِ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، عَنْ رَجُلٍ يَحْمِلُ الِاسْمَ نَفْسَهُ، تُوُفِّيَ “فِي حَادِثِ سَيْرٍ غَامِضٍ” عَلَى طَرِيقٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ.
أَنْهَتْ يَاسَمِينُ الْمُكَالَمَةَ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِوَجْهٍ شَاحِبٍ. “سَعِيدٌ حَمْدَانُ، أَحَدُ الشُّهُودِ الثَّلَاثَةِ، مَاتَ أَيْضًا فِي ظَرْفٍ غَامِضٍ، بَعْدَ عَامَيْنِ فَقَطْ مِنْ تَوْقِيعِ الْعَقْدِ. هَذَا يَعْنِي أَنَّ اثْنَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْمُرْتَبِطِينَ مُبَاشَرَةً بِتِلْكَ الْوَثِيقَةِ، جَدَّكَ وَسَعِيدٌ حَمْدَانُ، مَاتَا فِي ظُرُوفٍ مُرِيبَةٍ خِلَالَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ تَوْقِيعِهَا.”
“وَمُنِيرٌ قَاسِمٌ؟”
“لَا شَيْءَ بَعْدُ. سَأُوَاصِلُ الْبَحْثَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ النَّمَطُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ هُوَ الْآخَرُ قَدْ مَاتَ، أَوِ اخْتَفَى بِطَرِيقَةٍ مَا، تَارِكًا تَوْفِيقًا وَحِيدًا كَآخِرِ شَاهِدٍ حَيٍّ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأَكْمَلِهَا.” قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تُدَوِّنُ مُلَاحَظَةً سَرِيعَةً فِي دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ لِمُتَابَعَةِ هَذَا الْخَيْطِ لَاحِقًا.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِثِقْلِ هَذَا الِاسْتِنْتَاجِ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِهِ كَحَجَرٍ بَارِدٍ: إِنْ كَانَ النَّمَطُ صَحِيحًا، فَإِنَّ تَوْفِيقًا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَصْدَرِ مَعْلُومَاتٍ مُحْتَمَلٍ، بَلْ كَانَ، حَرْفِيًّا، آخِرَ إِنْسَانٍ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ، وَهُوَ، بِحُكْمِ هَذَا الْوَضْعِ بِالذَّاتِ، الْهَدَفُ الْأَكْثَرُ عُرْضَةً لِلْخَطَرِ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ تَقَابَلُوا مَعَهُ حَتَّى الْآنَ. تَسَاءَلَ سَلِيمٌ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ: هَلْ كَانَ تَوْفِيقٌ يُدْرِكُ هُوَ نَفْسُهُ خُطُورَةَ مَوْقِعِهِ هَذَا طَوَالَ الْخَمْسِينَ عَامًا الْمَاضِيَةِ؟ وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُهَا، فَكَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْقَى حَيًّا كُلَّ هَذِهِ الْمُدَّةِ، بَيْنَمَا مَاتَ مَنْ حَوْلَهُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ؟
“يَجِبُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ اللَّيْلَةَ.” قَالَ سَلِيمٌ بِحَزْمٍ مُتَزَايِدٍ. “قَبْلَ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْوَقْتُ، تَمَامًا كَمَا تَأَخَّرَ مَعَ الْبَقِيَّةِ.”
“لَكِنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ تَفْسِيرًا مَنْطِقِيًّا. “إِنْ كَانَ جَدِّي قَدْ تُوُفِّيَ عَامَ ١٩٧١، وَهَذَا الْعَقْدُ مُؤَرَّخٌ عَامَ ١٩٧٤، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَحَدًا اسْتَخْدَمَ اسْمَهُ وَتَوْقِيعَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ. هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى تَوَرُّطِ جَدِّي، بَلْ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى التَّزْوِيرِ نَفْسِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
فَكَّرَتْ يَاسَمِينُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَكَأَنَّهَا تَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِعِنَايَةٍ. “هَذَا احْتِمَالٌ مَنْطِقِيٌّ جِدًّا يَا سَلِيمُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ الِاحْتِمَالَ الْأَصَحَّ فِعْلًا. لَكِنْ هُنَاكَ احْتِمَالٌ آخَرُ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْتَبْعِدَهُ كَصَحَفِيَّةٍ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا لَكَ: رُبَّمَا كَانَ جَدُّكَ مُتَوَرِّطًا بِالْفِعْلِ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَوَقَّعَ عَلَى وَثَائِقَ تَمْهِيدِيَّةٍ أَوْ مَنَحَ تَفْوِيضًا اسْتُخْدِمَ لَاحِقًا، بَعْدَ مَوْتِهِ، لِإِتْمَامِ الصَّفْقَةِ نَفْسِهَا. الْوَفَاةُ لَا تُلْغِي دَائِمًا الْوَثَائِقَ الَّتِي وُقِّعَتْ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ، خَاصَّةً إِنْ كَانَتْ تَفْوِيضَاتٍ عَامَّةً أَوْ وَكَالَاتٍ قَانُونِيَّةً.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغَثَيَانٍ حَقِيقِيٍّ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا الْغَثَيَانُ الْمَجَازِيُّ الَّذِي شَعَرَ بِهِ مَعَ عَرْضِ كَمَالٍ السَّابِقِ. فِكْرَةُ أَنَّ جَدَّهُ، أَيًّا كَانَ دَوْرُهُ الْحَقِيقِيُّ، رُبَّمَا كَانَ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْمَأْسَاةِ الْقَدِيمَةِ، أَثْقَلَتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا: لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِمُوَاجَهَةِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ وَحْدَهُ كَخَصْمٍ خَارِجِيٍّ وَاضِحٍ، بَلْ رُبَّمَا بِمُوَاجَهَةِ تَارِيخِ عَائِلَتِهِ هُوَ نَفْسِهَا، تَارِيخٍ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ نَقِيًّا كَمَا تَخَيَّلَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ.
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَاقْتَرَبَ مِنْ نَافِذَةِ الْمَكْتَبِ، يَنْظُرُ إِلَى أَسْطُحِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ دُونَ أَنْ يَرَى شَيْئًا حَقِيقِيًّا، غَارِقًا فِي تَأَمُّلٍ مَرِيرٍ: كُلُّ مَا تَرَبَّى عَلَيْهِ عَنْ عَائِلَتِهِ، صُورَةُ الْجَدِّ الطَّيِّبِ فِي الْأَلْبُومَاتِ الْقَدِيمَةِ، حِكَايَاتُ الْأَبِ الْمُتَنَاثِرَةُ عَنْ “رَجُلٍ نَظِيفِ الْيَدِ” كَمَا وَصَفَهُ أَحَدُ الْمُعَزِّينَ فِي الْجِنَازَةِ، كُلُّ هَذَا بَدَأَ يَتَصَدَّعُ أَمَامَ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ بَارِدَةٍ تَحْمِلُ تَوْقِيعًا بِتَارِيخٍ يَقَعُ بَعْدَ الْوَفَاةِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ. تَسَاءَلَ سَلِيمٌ بِمَرَارَةٍ: كَمْ مِنَ “الْحَقِيقَةِ” الَّتِي نَشَأَ عَلَيْهَا عَنْ هُوِيَّتِهِ وَعَائِلَتِهِ كَانَتْ فِي الْوَاقِعِ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ مُرِيحَةٍ، تَمَّ تَلْمِيعُهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ لِتُصْبِحَ أُسْطُورَةً عَائِلِيَّةً بَدَلَ حَقِيقَةٍ مُعَقَّدَةٍ وَمُؤْلِمَةٍ؟
عَادَ وَجَلَسَ، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ. “هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ أَبِي كَانَ يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا حِينَ كَانَ طِفْلًا؟ أَنْ يَكْبُرَ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ أَبَاهُ رُبَّمَا كَانَ مُتَوَرِّطًا فِي شَيْءٍ كَهَذَا؟”
“لَا أَظُنُّ ذَلِكَ.” أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ. “مِنْ كُلِّ مَا جَمَعْتُهُ عَنْ وَالِدِكَ مِنْ خِلَالِ تَحْقِيقَاتِي، يَبْدُو أَنَّهُ اكْتَشَفَ هَذَا تَدْرِيجِيًّا، رُبَّمَا فِي نَفْسِ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي بَدَأَ فِيهَا ابْتِعَادُهُ عَنْ مَجَالِ الْعَقَارَاتِ وَتَفَرُّغُهُ لِلصَّيْدَلَةِ، وَكَأَنَّ الِاكْتِشَافَ نَفْسَهُ هُوَ مَا دَفَعَهُ لِلْهُرُوبِ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ كُلِّهِ.”
“ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ لَاحِقًا، حِينَ قَرَّرَ أَنْ يَجْمَعَ الْأَدِلَّةَ بَدَلَ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهَا لِلْأَبَدِ.” أَكْمَلَ سَلِيمٌ الْفِكْرَةَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، شَاعِرًا فَجْأَةً بِفَخْرٍ غَرِيبٍ مَمْزُوجٍ بِالْحُزْنِ تُجَاهَ أَبِيهِ: رَجُلٌ اكْتَشَفَ إِرْثًا عَائِلِيًّا مُلَوَّثًا، وَبَدَلَ أَنْ يَدْفِنَهُ إِلَى الْأَبَدِ كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ الْجَدُّ نَفْسُهُ ضِمْنِيًّا، قَرَّرَ أَنْ يُوَاجِهَهُ، وَلَوْ كَلَّفَهُ هَذَا حَيَاتَهُ فِي النِّهَايَةِ؛ وأَعْتَقِدُ كَلَّفَهُ هَذَا حَيَاتَهُ.
“أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ الْمَزِيدَ عَنْ جَدِّي.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ. “كَيْفَ مَاتَ بِالضَّبْطِ؟ وَمَاذَا كَانَ يَعْمَلُ قَبْلَ مَوْتِهِ؟”
قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ يَاسَمِينُ، أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ وَاتَّصَلَ بِلَيَانَ مُبَاشَرَةً، مُفَضِّلًا أَنْ يَسْمَعَ مَا تَعْرِفُهُ عَائِلَتُهُ بِصَوْتِهَا هِيَ، لَا مِنْ وَثَائِقَ بَارِدَةٍ وَحْدَهَا.
“لَيَانُ، سُؤَالٌ غَرِيبٌ: مَاذَا تَعْرِفِينَ عَنْ جَدِّنَا إِبْرَاهِيمَ؟ كَيْفَ مَاتَ بِالضَّبْطِ؟”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ. “لِمَ تَسْأَلُ فَجْأَةً يَا سَلِيمُ؟ هَذَا… هَذَا مَوْضُوعٌ لَمْ نَتَحَدَّثْ عَنْهُ كَثِيرًا فِي الْعَائِلَةِ. أُمِّي تَكْرَهُ الْحَدِيثَ عَنْهُ لِسَبَبٍ مَا، أَذْكُرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَيِّرُ الْمَوْضُوعَ دَائِمًا حِينَ كُنَّا نَسْأَلُ عَنْهُ صِغَارًا.”
“هَلْ تَعْرِفِينَ أَيْنَ كَانَ يَعْمَلُ؟”
“فِي الْبَلَدِيَّةِ، عَلَى مَا أَذْكُرُ، شَيْءٌ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالسِّجِلَّاتِ الْقَانُونِيَّةِ. لِمَ كُلُّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ يَا سَلِيمُ؟ هَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا؟”
تَرَدَّدَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ الصِّدْقَ الْجُزْئِيَّ. “وَجَدْتُ اسْمَهُ فِي وَثِيقَةٍ قَدِيمَةٍ، مُرْتَبِطَةٍ بِمِلْكِيَّةِ أَرْضِ الْحَيِّ. أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ دَوْرَهُ الْحَقِيقِيَّ فِي كُلِّ هَذَا.”
“سَلِيمُ…” قَالَتْ لَيَانُ بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ. “هَلْ تَظُنُّ أَنَّ جَدَّنَا كَانَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِمَا حَدَثَ لِأَبِي؟”
“لَا أَعْرِفُ بَعْدُ يَا لَيَانُ. لَكِنَّنِي سَأُخْبِرُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَفْهَمَهُ بِنَفْسِي، أَعِدُكِ.”
أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ. “أُمِّي تَرْفُضُ الْحَدِيثَ عَنْ جَدِّي مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَسَبَ لَيَانَ. رُبَّمَا كَانَتْ تَعْرِفُ شَيْئًا، أَوْ تَشُكُّ فِي شَيْءٍ، دُونَ أَنْ تُخْبِرَنَا بِهِ قَطُّ.”
لَمْ تَمْضِ دَقَائِقُ قَلِيلَةٌ حَتَّى رَنَّ هَاتِفُ سَلِيمٍ مَرَّةً أُخْرَى، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرَقْمِ أُمِّهِ مُبَاشَرَةً، لَا لَيَانَ. أَجَابَ بِحَذَرٍ، مُتَوَقِّعًا غَضَبًا أَوْ قَلَقًا إِضَافِيًّا.
“سَلِيمُ.” كَانَ صَوْتُ أُمِّهِ أَكْثَرَ هُدُوءً مِمَّا تَوَقَّعَ، لَكِنَّهُ هُدُوءٌ مُثْقَلٌ بِشَيْءٍ قَدِيمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ فِي صَوْتِهَا مِنْ قَبْلُ. “لَيَانُ أَخْبَرَتْنِي بِأَسْئِلَتِكَ عَنْ أَبِيكَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.”
“أُمِّي، أَنَا آسِفٌ إِنْ كَانَ هَذَا يُزْعِجُكِ، لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ…”
“لَا بَأْسَ.” قَاطَعَتْهُ بِلُطْفٍ حَازِمٍ. “لَطَالَمَا عَرَفْتُ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ سَيَأْتِي، مُنْذُ أَنْ تَزَوَّجْتُ أَبَاكَ وَعَرَفْتُ شَيْئًا مِنَ الْمَاضِي الَّذِي لَمْ يَشَأْ أَنْ يُحَدِّثَنِي عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ قَطُّ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ، يَا ابْنِي، هُوَ أَنَّ حَمَايَ إِبْرَاهِيمَ، رَحِمَهُ اللهُ، تَغَيَّرَ كَثِيرًا فِي آخِرِ سَنَوَاتِ حَيَاتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِذَلِكَ الْحَادِثِ الْغَامِضِ. كَانَ رَجُلًا يَبْتَسِمُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنِ الِابْتِسَامِ تَمَامًا فِي أَشْهُرِهِ الْأَخِيرَةِ، وَكَانَ يَهْمِسُ أَحْيَانًا لِزَوْجَتِهِ، جَدَّتِكَ، عِبَارَاتٍ عَنْ “خَطَأٍ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ”، دُونَ أَنْ يُوَضِّحَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا. جَدَّتُكَ حَمَلَتْ هَذَا السِّرَّ مَعَهَا إِلَى قَبْرِهَا، وَلَمْ تُخْبِرْ أَبَاكَ بِشَيْءٍ وَاضِحٍ قَطُّ، فَقَطْ شُعُورٌ عَامٌّ بِأَنَّ شَيْئًا مُظْلِمًا حَدَثَ، ظَلَّ يُطَارِدُ الْعَائِلَةَ كَظِلٍّ صَامِتٍ لَا يُرَى لَكِنَّهُ مَحْسُوسٌ دَائِمًا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى أُمِّهِ. “لِمَ لَمْ تُخْبِرِينَا بِهَذَا مِنْ قَبْلُ؟”
“لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ وَاضِحٌ لِأُخْبِرَكُمْ بِهِ يَا ابْنِي، فَقَطْ أَشْبَاحٌ وَهَمَسَاتٌ قَدِيمَةٌ. لَكِنِ الْآنَ، وَبَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ، أَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ أَخِيرًا لِتُكْشَفَ تِلْكَ الْأَشْبَاحُ، مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ. كُنْ حَذِرًا فَقَطْ، أَرْجُوكَ.”
أَنْهَى سَلِيمٌ الْمُكَالَمَةَ، وَبَقِيَ صَامِتًا لِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، يُحَدِّقُ فِي هَاتِفِهِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ فِعْلًا، بَيْنَمَا جَلَسَتْ يَاسَمِينُ أَمَامَهُ بِصَمْتٍ مُحْتَرَمٍ، تَارِكَةً لَهُ مَسَاحَةً لِيَسْتَوْعِبَ مَا سَمِعَهُ لِلتَّوِّ. أَدْرَكَ سَلِيمٌ أَنَّ كَلِمَاتِ أُمِّهِ، رَغْمَ غُمُوضِهَا، أَضَافَتْ بُعْدًا إِنْسَانِيًّا جَدِيدًا لِكُلِّ هَذَا التَّحْقِيقِ الْبَارِدِ: لَمْ يَكُنْ جَدُّهُ مُجَرَّدَ اسْمٍ عَلَى وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ، بَلْ رَجُلًا حَقِيقِيًّا عَاشَ سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةَ تَحْتَ وَطْأَةِ ذَنْبٍ أَوْ خَوْفٍ لَمْ يَسْتَطِعِ الْبَوْحَ بِهِ حَتَّى لِزَوْجَتِهِ، هَامِسًا فَقَطْ بِعِبَارَاتٍ مُقْتَضَبَةٍ عَنْ “خَطَأٍ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ”، تَارِكًا وَرَاءَهُ إِرْثًا مِنَ الصَّمْتِ تَوَارَثَتْهُ الْعَائِلَةُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ دُونَ أَنْ تَفْهَمَهُ بِوُضُوحٍ قَطُّ.
“أَظُنُّ أَنَّنِي بَدَأْتُ أَفْهَمُ الْآنَ.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا، نَاظِرًا إِلَى يَاسَمِينَ. “هَذَا الصَّمْتُ الْعَائِلِيُّ، هَذَا الشُّعُورُ الْغَامِضُ بِأَنَّ شَيْئًا مَا خَاطِئًا يَحُومُ حَوْلَ عَائِلَتِنَا دُونَ أَنْ يُقَالَ بِوُضُوحٍ، لَمْ يَبْدَأْ مَعَ أَبِي، بَلْ مَعَ جَدِّي، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا. أَبِي لَمْ يَكُنْ يُخْفِي عَنِّي سِرًّا وَاحِدًا فَقَطْ، بَلْ كَانَ يُحَاوِلُ، فِي صَمْتِهِ الطَّوِيلِ، أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَ إِرْثٍ كَامِلٍ مِنَ الذَّنْبِ لَمْ يَخْلُقْهُ هُوَ بِنَفْسِهِ.”
“وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ قَرَارَهُ الْأَخِيرَ بِجَمْعِ كُلِّ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ أَكْثَرَ شَجَاعَةً مِمَّا تَتَخَيَّلُ.” أَضَافَتْ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ. “لَمْ يَكُنْ يُحَاوِلُ فَقَطْ كَشْفَ جَرِيمَةٍ قَدِيمَةٍ، بَلْ كَانَ يُحَاوِلُ، عَلَى طَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ، أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ صَمْتِ عَائِلَتِهِ الطَّوِيلِ، وَلَوْ بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.”
“سُؤَالٌ مُمْتَازٌ، وَلَدَيَّ بِدَايَةُ إِجَابَةٍ عَنْهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَأَخْرَجَتْ مَلَفًّا أَصْغَرَ مِنْ كَوْمَةِ أَوْرَاقِهَا. “حَسَبَ سِجِلَّاتِ الْوَفَاةِ نَفْسِهَا، تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ “فِي حَادِثِ عَمَلٍ” دَاخِلَ مَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ يَعْمَلُ، حَسَبَ السِّجِلَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ، “مُسْتَشَارًا قَانُونِيًّا” لِمَكْتَبِ أَمِينِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي، أَيْ لِمَكْتَبِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ نَفْسِهِ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ الْحَرَكَةِ تَمَامًا. “جَدِّي كَانَ يَعْمَلُ مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ؟”
“يَبْدُو ذَلِكَ، حَسَبَ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ عَلَى الْأَقَلِّ.” أَوْمَأَتْ يَاسَمِينُ. “وَسَبَبُ الْوَفَاةِ الْمُسَجَّلُ رَسْمِيًّا هُوَ “سُقُوطٌ عَرَضِيٌّ مِنَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ لِمَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ أَثْنَاءَ أَعْمَالِ صِيَانَةٍ”، وَصْفٌ غَامِضٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِمُوَظَّفٍ مَكْتَبِيٍّ لَا عَلَاقَةَ لَهُ عَادَةً بِأَعْمَالِ الصِّيَانَةِ الْإِنْشَائِيَّةِ.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ طَبِيعَةَ عَمَلِ جَدِّهِ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ. “مَاذَا يَعْنِي بِالضَّبْطِ أَنْ يَكُونَ “مُسْتَشَارًا قَانُونِيًّا” لِمَكْتَبِ سِجِلِّ الْأَرَاضِي؟ أَلَيْسَ هَذَا مَنْصِبًا مُخْتَلِفًا عَنْ مَنْصِبِ أَمِينِ السِّجِلِّ نَفْسِهِ؟”
“بِالضَّبْطِ، وَهُنَا تَكْمُنُ الْأَهَمِّيَّةُ.” أَوْضَحَتْ يَاسَمِينُ وَهِيَ تُقَلِّبُ أَوْرَاقَهَا بَحْثًا عَنْ تَفْصِيلٍ إِضَافِيٍّ. “أَمِينُ السِّجِلِّ، مِثْلَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، هُوَ الْمُوَظَّفُ الرَّسْمِيُّ الْمُخَوَّلُ بِتَسْجِيلِ عَمَلِيَّاتِ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ وَخَتْمِهَا. لَكِنَّ “الْمُسْتَشَارَ الْقَانُونِيَّ” غَالِبًا مَا يَكُونُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا، يُسْتَدْعَى لِتَقْدِيمِ رَأْيٍ قَانُونِيٍّ فِي حَالَاتٍ مُعَقَّدَةٍ أَوْ مُتَنَازَعٍ عَلَيْهَا، لِيُضْفِيَ شَرْعِيَّةً إِضَافِيَّةً عَلَى قَرَارٍ مُعَيَّنٍ. بِمَعْنًى آخَرَ، لَوْ كَانَتْ عَمَلِيَّةُ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ سَمَاحَةَ مُثِيرَةً لِلْجَدَلِ بِمَا يَكْفِي لِتَحْتَاجَ غِطَاءً قَانُونِيًّا إِضَافِيًّا، فَرُبَّمَا اسْتُدْعِيَ جَدُّكَ تَحْدِيدًا لِهَذَا الْغَرَضِ: لِيَمْنَحَ الصَّفْقَةَ مَظْهَرًا قَانُونِيًّا سَلِيمًا لَا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهِ بِسُهُولَةٍ.”
“إِذَنْ جَدِّي لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ طَرَفٍ عَرَضِيٍّ فِي هَذَا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْأَدَاةَ الْقَانُونِيَّةَ الَّتِي جَعَلَتِ الْجَرِيمَةَ تَبْدُو نَظِيفَةً عَلَى الْوَرَقِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِمَرَارَةٍ مُتَزَايِدَةٍ.
“هَذَا احْتِمَالٌ، نَعَمْ. لَكِنْ يَبْقَى احْتِمَالٌ آخَرُ لَا يَقِلُّ تَرْجِيحًا: رُبَّمَا اسْتُخْدِمَ جَدُّكَ دُونَ عِلْمِهِ الْكَامِلِ بِحَقِيقَةِ مَا يُوَقِّعُ عَلَيْهِ، أَوْ رُبَّمَا اكْتَشَفَ الْحَقِيقَةَ مُتَأَخِّرًا، بَعْدَ أَنْ وَقَّعَ بِالْفِعْلِ، وَحَاوَلَ التَّرَاجُعَ أَوِ الْإِبْلَاغَ عَمَّا حَدَثَ، وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا قَدْ يُفَسِّرُ وَفَاتَهُ “الْعَرَضِيَّةَ” بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، حِينَ لَمْ يَعُدْ صَامِتًا كَمَا تَوَقَّعَ مِنْهُ مَنِ اسْتَخْدَمُوهُ فِي الْبِدَايَةِ.”
بَقِيَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مُعَلَّقًا بَيْنَهُمَا فِي الْهَوَاءِ، ثَقِيلًا بِقَدْرِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ تَمَامًا، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَيٌّ مِنْهُمَا تَرْجِيحَ كَفَّةٍ عَلَى الْأُخْرَى دُونَ مَزِيدٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى يَاسَمِينَ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ. “تَقْصِدِينَ أَنَّهُ قُتِلَ هُوَ الْآخَرُ؟ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قُتِلَ بِهَا أَبِي بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا؟”
“لَا أَسْتَطِيعُ الْجَزْمَ بِهَذَا يَا سَلِيمُ، لَيْسَ بَعْدُ. لَكِنَّ النَّمَطَ يُقْلِقُنِي، أَعْتَرِفُ بِذَلِكَ. رَجُلَانِ مِنَ الْعَائِلَةِ نَفْسِهَا، يَعْمَلَانِ فِي مَجَالٍ قَرِيبٍ مِنْ مَلَفَّاتِ الْأَرَاضِي وَالْمِلْكِيَّةِ فِي هَذَا الْحَيِّ بِالذَّاتِ، يَمُوتَانِ فِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ تَحْمِلُ تَوْصِيفَاتٍ رَسْمِيَّةً مُرِيبَةً تَتَجَنَّبُ أَيَّ تَحْقِيقٍ جِنَائِيٍّ حَقِيقِيٍّ.”
عَادَتْ يَاسَمِينُ فَجْأَةً إِلَى الصُّورَةِ الْأُولَى الَّتِي وَجَدَهَا سَلِيمٌ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، تِلْكَ الَّتِي تَجْمَعُ جَدَّهُ مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ أَمَامَ مَبْنَى الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهَا بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَحْثًا عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ فَاتَهُمَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. أَخْرَجَتْ مِنْ دُرْجِهَا عَدَسَةً مُكَبِّرَةً صَغِيرَةً، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي تَسْتَخْدِمُهُ لِفَحْصِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ فِي الْوَثَائِقِ وَالصُّوَرِ الْقَدِيمَةِ، وَقَرَّبَتْهَا مِنَ الصُّورَةِ بِعِنَايَةٍ.
“سَلِيمُ، انْظُرْ إِلَى هَذَا.” أَشَارَتْ إِلَى الطَّرَفِ الْأَيْمَنِ مِنَ الصُّورَةِ، حَيْثُ وَقَفَ رَجُلٌ رَابِعٌ لَمْ يَنْتَبِهَا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، شِبْهُ مَقْطُوعٍ مِنْ إِطَارِ الصُّورَةِ، ظِلُّهُ يَتَدَاخَلُ مَعَ ظِلِّ الْمَبْنَى خَلْفَهُ. “هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَوْفِيقًا نَفْسَهُ؟ الزَّاوِيَةُ وَالْعُمْرُ يَبْدُوَانِ مُتَطَابِقَيْنِ تَقْرِيبًا مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي وَصَفْتَهُ لِي.”
قَرَّبَ سَلِيمٌ الصُّورَةَ مِنْ عَيْنَيْهِ، مُحَاوِلًا تَمْيِيزَ الْمَلَامِحِ الْبَاهِتَةِ. لَمْ يَسْتَطِعِ الْجَزْمَ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي وَقْفَةِ الرَّجُلِ، فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَمِيلُ بِهَا رَأْسُهُ قَلِيلًا إِلَى الْجَانِبِ، ذَكَّرَهُ فِعْلًا بِالرَّجُلِ الْمُسِنِّ الَّذِي هَمَسَ لَهُ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ فِي الْعَزَاءِ.
“إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ تَوْفِيقًا كَانَ حَاضِرًا فِي كُلِّ مَرَاحِلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ تَقْرِيبًا: شَاهِدًا عَلَى تَوْقِيعِ جَدِّي، وَحَاضِرًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأُولَى مَعَ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ، وَحَيًّا حَتَّى الْيَوْمِ لِيَحْضُرَ جِنَازَةَ أَبِي بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. “رَجُلٌ وَاحِدٌ شَهِدَ كُلَّ شَيْءٍ، مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ.”
“وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُهُ أَخْطَرَ شَاهِدٍ مُمْكِنٍ، وَأَكْثَرَهُمْ عُرْضَةً لِلْخَطَرِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.” أَضَافَتْ يَاسَمِينُ بِجِدِّيَّةٍ، وَهِيَ تُعِيدُ الْعَدَسَةَ الْمُكَبِّرَةَ إِلَى دُرْجِهَا بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى لَحْظَةٍ إِضَافِيَّةٍ لِاسْتِيعَابِ حَجْمِ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْجَدِيدِ بِنَفْسِهَا.
قَضَيَا بَقِيَّةَ بَعْدِ الظُّهْرِ يَبْحَثَانِ فِي كُلِّ وَثِيقَةٍ مُتَبَقِّيَةٍ بَحْثًا عَنْ أَيِّ ذِكْرٍ إِضَافِيٍّ لِإِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ، مُحَاوِلَيْنِ أَنْ يَفْهَمَا دَوْرَهُ الْحَقِيقِيَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: هَلْ كَانَ ضَحِيَّةً اسْتُخْدِمَ اسْمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِتَبْرِيرِ جَرِيمَةٍ لَمْ يُشَارِكْ فِيهَا؟ أَمْ كَانَ شَرِيكًا مُبَكِّرًا فِي مُخَطَّطٍ اسْتَوْلَى لَاحِقًا عَلَى حَيَاتِهِ هُوَ نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَعُدْ “مُفِيدًا” لِمَنْ يُدِيرُونَ الْعَمَلِيَّةَ؟ كَانَتْ كُلُّ وَثِيقَةٍ جَدِيدَةٍ يَفْحَصَانِهَا تُضِيفُ سُؤَالًا بَدَلَ أَنْ تُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ قَدِيمٍ، حَتَّى بَدَأَ سَلِيمٌ يَشْعُرُ أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ أَشْبَهُ بِتَقْشِيرِ طَبَقَاتِ بَصَلَةٍ لَا نِهَائِيَّةٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ تَكْشِفُ عَنْ طَبَقَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ إِيلَامًا مِنْ سَابِقَتِهَا.
فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ تَقْرِيبًا، وَحِينَ بَدَأَ ضَوْءُ النَّهَارِ يَخْفُتُ خَارِجَ نَافِذَةِ الْمَكْتَبِ، وَجَدَتْ يَاسَمِينُ وَرَقَةً صَغِيرَةً أُخْرَى، بَيْنَ أَوْرَاقِ سَلِيمٍ الْأَصْلِيَّةِ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَا أَوْرَاقِهَا، سَقَطَتْ مِنَ الْمَلَفِّ الَّذِي أَحْضَرَهُ مِنَ الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، وَلَمْ يُلَاحِظْهَا سَلِيمٌ مِنْ قَبْلُ، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ دَاخِلَ الصَّفَحَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ كِتَابِ “تَارِيخِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ” نَفْسِهِ الَّذِي وَجَدَ الْمِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ بِدَاخِلِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
فَتَحَتْهَا يَاسَمِينُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَتْ رِسَالَةً قَصِيرَةً أُخْرَى بِخَطِّ وَالِدِ سَلِيمٍ، مُؤَرَّخَةً، عَلَى عَكْسِ رِسَالَتِهِ الْأُولَى غَيْرِ الْمُؤَرَّخَةِ، بِتَارِيخٍ مُحَدَّدٍ: قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأُسْبُوعَيْنِ بِالضَّبْطِ.
قَرَأَتْهَا بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ قَلِيلًا، وَصَوْتُهَا يَرْتَجِفُ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ:
“إِنْ وَصَلْتَ إِلَى هَذِهِ النُّقْطَةِ يَا سَلِيمُ، فَأَنْتَ الْآنَ تَعْرِفُ عَنْ أَبِي مَا لَمْ أُخْبِرْكَ بِهِ قَطُّ، لِأَنَّنِي لَمْ أَفْهَمْهُ بِنَفْسِي إِلَّا مُتَأَخِّرًا جِدًّا. اسْمَعْ جَيِّدًا: أَبِي لَمْ يَكُنْ خَائِنًا، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا بَرِيئًا تَمَامًا كَمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَخَيَّلَهُ طَوَالَ حَيَاتِي. الْحَقِيقَةُ أَعْقَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَأَنَا نَفْسِي لَمْ أَكْتَشِفْهَا كَامِلَةً إِلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، حِينَ وَجَدْتُ شَخْصًا وَاحِدًا لَا يَزَالُ حَيًّا، يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَعَنْ دَوْرِ أَبِي فِيهَا، وَعَنِ السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ يَمُوتُ بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ فَقَطْ مِنْ تَوْقِيعِهِ عَلَى تِلْكَ الْوَثِيقَةِ اللَّعِينَةِ. اسْمُهُ تَوْفِيقٌ. إِنْ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِنَفْسِي قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فَيَجِبُ أَنْ تَجِدَهُ أَنْتَ. هُوَ الْوَحِيدُ الْبَاقِي الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْبِرَكَ بِمَا حَدَثَ فِعْلًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبِمَا حَدَثَ لِأَبِي بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ بِالتَّحْدِيدِ.”
طَوَتْ يَاسَمِينُ الرِّسَالَةَ بِحَذَرٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ الَّذِي بَقِيَ صَامِتًا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، يُحَدِّقُ فِي الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ دُونَ أَنْ يَرَى شَيْئًا حَقِيقِيًّا.
كَانَتِ الرِّسَالَةُ، بِتَارِيخِهَا الْمُحَدَّدِ قَبْلَ الْوَفَاةِ بِأُسْبُوعَيْنِ بِالضَّبْطِ، أَثْقَلَ مِنْ أَيَّةِ وَثِيقَةٍ أُخْرَى وَجَدَهَا سَلِيمٌ حَتَّى الْآنَ، لَيْسَ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ مَعْلُومَاتٍ جَدِيدَةً فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهَا كَانَتْ آخِرَ مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ بِخَطِّ يَدِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ مُبَاشَرَةً، أَقْرَبَ إِلَى وَصِيَّةٍ شَخْصِيَّةٍ مِنْهَا إِلَى مُذَكِّرَةِ تَحْقِيقٍ بَارِدَةٍ. تَخَيَّلَ سَلِيمٌ أَبَاهُ جَالِسًا وَحِيدًا فِي ذَلِكَ الْمَكْتَبِ الَّذِي زَارَهُ قَبْلَ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ، يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهُوَ يَعْرِفُ، أَوْ يَتَوَقَّعُ عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَّ الْوَقْتَ بَدَأَ يَنْفَدُ، وَأَنَّ ابْنَهُ هُوَ مَنْ سَيَقْرَؤُهَا يَوْمًا بَدَلًا مِنْهُ.
“سَلِيمُ؟” هَمَسَتْ أَخِيرًا. “هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟”
“لَا أَعْرِفُ.” أَجَابَ بِصِدْقٍ مُوجِعٍ. “مُنْذُ وُصُولِي إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ أَبِي قُتِلَ، وَأَنَّ جَدِّي رُبَّمَا كَانَ مُتَوَرِّطًا فِي جَرِيمَةِ اسْتِيلَاءٍ عَلَى أَرْضِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ، وَأَنَّ هَذَا الْجَدَّ نَفْسَهُ رُبَّمَا قُتِلَ هُوَ الْآخَرُ حِينَ لَمْ يَعُدْ مُفِيدًا لِمَنِ اسْتَخْدَمُوهُ. كُلُّ مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ عَنْ عَائِلَتِي بَدَأَ يَتَفَكَّكُ أَمَامِي، قِطْعَةً بَعْدَ أُخْرَى.”
مَدَّتْ يَاسَمِينُ يَدَهَا وَوَضَعَتْهَا عَلَى يَدِهِ بِلُطْفٍ، بَادِرَةً إِنْسَانِيَّةً بَسِيطَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ لَمْسَةٍ مُبَاشِرَةٍ بَيْنَهُمَا مُنْذُ لِقَائِهِمَا الْأَوَّلِ فِي الْمَطَارِ. “أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا صَعْبٌ يَا سَلِيمُ. لَكِنْ تَذَكَّرْ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنْتَ لَسْتَ جَدَّكَ، وَلَسْتَ حَتَّى أَبَاكَ تَمَامًا. أَنْتَ مَنْ قَرَّرَ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، بَدَلَ أَنْ يَتْرُكَهَا مَدْفُونَةً كَمَا فَعَلَ مَنْ قَبْلَكَ. هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُ عَنْكَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا عَمَّنْ سَبَقُوكَ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا طَوِيلًا، مُتَأَثِّرًا بِكَلِمَاتِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، وَيَدُهُ لَا تَزَالُ تَحْتَ يَدِهَا الدَّافِئَةِ، شَاعِرًا لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ بِرَاحَةٍ غَرِيبَةٍ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الثِّقَلِ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ بِذِهْنِهِ فَجْأَةً إِلَى الِاسْمِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُوهُ فِي رِسَالَتِهِ الْأَخِيرَةِ. “تَوْفِيقٌ. عَلَيْنَا أَنْ نَجِدَهُ الْآنَ، بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ مَا حَدَثَ لِأَبِي وَلِجَدِّي.”
“أَظُنُّ أَنَّنِي أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ نَبْدَأُ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تَفْتَحُ حَاسُوبَهَا الْمَحْمُولَ بِسُرْعَةٍ. “الرَّجُلُ الْمُسِنُّ الَّذِي وَصَفْتَهُ لِي، الَّذِي الْتَقَيْتَهُ فِي الْعَزَاءِ وَحَذَّرَكَ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ، وَوُصِفَ فِي تِلْكَ الْمُقَابَلَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي وَجَدْتُهَا بِأَنَّهُ “الْحَارِسُ الْقَدِيمُ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ”… إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ، فَرُبَّمَا لَا يَزَالُ يَسْكُنُ فِي الْحَيِّ الْقَدِيمِ، فِي أَحَدِ الْبُيُوتِ الَّتِي لَمْ تُهْدَمْ بَعْدُ.”
بَدَأَتْ يَاسَمِينُ تَبْحَثُ فِي سِجِلَّاتٍ قَدِيمَةٍ جَمَعَتْهَا عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ مِنْ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ، أَسْمَاءَ سُكَّانِ الْحَيِّ، عَنَاوِينَ قَدِيمَةً، حَتَّى تَوَقَّفَتْ أَخِيرًا عِنْدَ اسْمٍ وَاحِدٍ بَدَا مُطَابِقًا بِشَكْلٍ يُثِيرُ الِاهْتِمَامَ: “تَوْفِيقٌ الْعَبْدُ اللهِ”، مُسَجَّلٌ كَسَاكِنٍ قَدِيمٍ فِي الزُّقَاقِ الْخَلْفِيِّ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ، فِي بَيْتٍ لَا يَزَالُ، حَسَبَ آخِرِ سِجِلٍّ بَلَدِيٍّ مُحَدَّثٍ قَبْلَ عَامَيْنِ فَقَطْ، غَيْرَ مَشْمُولٍ بَعْدُ بِمُخَطَّطِ الْهَدْمِ، رُبَّمَا بِسَبَبِ مَوْقِعِهِ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ نِسْبِيًّا عَنِ الْمَشْرُوعِ الرَّئِيسِيِّ.
“وَجَدْتُهُ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ بِحَمَاسٍ مَكْتُومٍ. “عُنْوَانُهُ مُسَجَّلٌ هُنَا. يُمْكِنُنَا الذَّهَابُ إِلَيْهِ الْآنَ، قَبْلَ أَنْ يَغْرُبَ النَّهَارُ تَمَامًا.” أَغْلَقَتْ حَاسُوبَهَا الْمَحْمُولَ بِسُرْعَةٍ، وَجَمَعَتْ أَوْرَاقَهَا الْمُهِمَّةَ فِي حَقِيبَتِهَا الْجِلْدِيَّةِ، بِحَرَكَاتٍ سَرِيعَةٍ مُعْتَادَةٍ تَكْشِفُ سَنَوَاتٍ مِنَ الْخِبْرَةِ فِي التَّنَقُّلِ السَّرِيعِ بَيْنَ مَصَادِرِ الْمَعْلُومَاتِ وَمَوَاقِعِ الْأَحْدَاثِ. نَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ. “هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِهَذَا؟ قَدْ لَا تَكُونُ الْإِجَابَاتُ الَّتِي سَنَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنْهُ سَهْلَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، خَاصَّةً بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفْنَاهُ الْيَوْمَ عَنْ جَدِّكَ.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ بِحَزْمٍ، رَغْمَ أَنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنْ ثِقَلِ الْيَوْمِ بِأَكْمَلِهِ. “لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ تَرَفَ التَّرَدُّدِ يَا يَاسَمِينُ. مَهْمَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ، أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَهَا الْآنَ.”
خَرَجَا مَعًا مِنَ الْمَكْتَبِ، وَالشَّمْسُ بَدَأَتْ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ فَوْقَ أَسْطُحِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، مُتَّجِهَيْنِ نَحْوَ زُقَاقٍ ضَيِّقٍ فِي أَقْصَى حَيِّ الْيَاسَمِينِ، حَيْثُ يُفْتَرَضُ أَنْ يَجِدَا الرَّجُلَ الْوَحِيدَ الْمُتَبَقِّيَ الَّذِي يَحْمِلُ، رُبَّمَا، مِفْتَاحَ الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا، وَعَمَّا حَدَثَ لِجَدِّ سَلِيمٍ بَعْدَهَا بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ فَقَطْ.
سَارَا عَبْرَ أَزِقَّةِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَغَيَّرُ مَلَامِحُهَا كُلَّمَا اقْتَرَبَا مِنْ مَرْكَزِ مَشْرُوعِ الْهَدْمِ: بُيُوتٌ حَجَرِيَّةٌ عَرِيقَةٌ عَلَى يَمِينِهِمَا وَيَسَارِهِمَا، بَعْضُهَا لَا يَزَالُ مَأْهُولًا، تَنْبَعِثُ مِنْهَا رَوَائِحُ الطَّبْخِ الْمَسَائِيِّ وَأَصْوَاتُ أَطْفَالٍ يَلْعَبُونَ فِي الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ مَهْجُورٌ بِالْفِعْلِ، نَوَافِذُهُ مُغْلَقَةٌ بِأَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ، وَأَبْوَابُهُ مَخْتُومَةٌ بِلَافِتَاتٍ حَمْرَاءَ تَحْمِلُ عِبَارَةَ “قَيْدُ الْإِخْلَاءِ ـ الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ”. شَعَرَ سَلِيمٌ بِحُزْنٍ غَرِيبٍ وَهُوَ يَمُرُّ بِهَذِهِ الْبُيُوتِ، مُتَخَيِّلًا كُلَّ قِصَّةٍ إِنْسَانِيَّةٍ طَوِيلَةٍ انْتَهَتْ فَجْأَةً بِلَافِتَةٍ حَمْرَاءَ وَقَرَارٍ إِدَارِيٍّ بَارِدٍ.
“كُلُّ بَيْتٍ هُنَا لَهُ قِصَّةٌ.” قَالَتْ يَاسَمِينُ وَكَأَنَّهَا تَقْرَأُ أَفْكَارَهُ. “بَعْضُهَا عَائِلَاتٌ عَاشَتْ هُنَا مُنْذُ أَجْيَالٍ، لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ يَوْمًا أَوْرَاقًا قَانُونِيَّةً كَافِيَةً لِإِثْبَاتِ مِلْكِيَّتِهَا الرَّسْمِيَّةِ، فَقَطْ تَقْلِيدٌ شَفَهِيٌّ مُتَوَارَثٌ، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا جَعَلَهَا فَرِيسَةً سَهْلَةً لِعَمَلِيَّاتٍ كَهَذِهِ عَلَى مَرِّ الْعُقُودِ، سَوَاءٌ الْآنَ مَعَ مَشْرُوعِ كَمَالٍ، أَوْ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا مَعَ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ.”
مَشَيَا بِصَمْتٍ لِبِضْعِ دَقَائِقَ، حَتَّى سَأَلَهَا سَلِيمٌ فَجْأَةً: “يَاسَمِينُ، لِمَ لَمْ تَتَزَوَّجِي؟ أَعْنِي، لِمَ اخْتَرْتِ أَنْ تُكَرِّسِي حَيَاتَكِ بِأَكْمَلِهَا لِقَضِيَّةٍ كَهَذِهِ؟”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً قَلِيلًا، مُتَفَاجِئَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ. “سُؤَالٌ شَخْصِيٌّ جِدًّا لِرَجُلٍ الْتَقَيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ فَقَطْ.”
“آسِفٌ، لَا يَجِبُ أَنْ أَسْأَلَ…”
“لَا، لَا بَأْسَ.” قَاطَعَتْهُ بِلُطْفٍ. “الْحَقِيقَةُ أَنَّنِي لَمْ أَخْتَرْ ذَلِكَ بِوَعْيٍ كَامِلٍ. الْأَمْرُ تَرَاكَمَ مَعَ الْوَقْتِ، قَضِيَّةٌ بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى وَجَدْتُ نَفْسِي، فِي الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِي، بِلَا وَقْتٍ لِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي أَصْبَحَ جُزْءًا مِنِّي أَكْثَرَ مِنْ أَيَّةِ عَلَاقَةٍ أُخْرَى حَاوَلْتُهَا. أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ هَذَا صِحِّيًّا، لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَكُونُ شَخْصًا آخَرَ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنْ حَيَاتِي.”
نَظَرَ إِلَيْهَا سَلِيمٌ بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ. “رُبَّمَا لَا تَحْتَاجِينَ أَنْ تَكُونِي شَخْصًا آخَرَ. رُبَّمَا هَذَا مَا يَجْعَلُكِ جَيِّدَةً فِيمَا تَفْعَلِينَهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُكْلِفًا عَلَى الْمُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ.”
وَصَلَا أَخِيرًا إِلَى بَيْتٍ صَغِيرٍ مُتَهَالِكٍ فِي آخِرِ الزُّقَاقِ، جُدْرَانُهُ الْحَجَرِيَّةُ مُتَشَقِّقَةٌ، وَنَافِذَةٌ وَحِيدَةٌ مُضَاءَةٌ بِضَوْءٍ خَافِتٍ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ. وَقَفَ سَلِيمٌ أَمَامَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ، وَيَدُهُ مُتَرَدِّدَةٌ فَوْقَ حَلْقَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ صَدِئَةٍ تَعْمَلُ كَمِقْرَعٍ، بَيْنَمَا وَقَفَتْ يَاسَمِينُ خَلْفَهُ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، تُرَاقِبُ الزُّقَاقَ الْمُحِيطَ بِحَذَرٍ مُعْتَادٍ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ. “مَاذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِلْحَدِيثِ؟ مَاذَا لَوْ أَخَفْنَاهُ بِمَجِيئِنَا فَجْأَةً هَكَذَا، دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ؟”
“لَنْ نَعْرِفَ إِلَّا إِذَا حَاوَلْنَا.” أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِهُدُوءٍ، رَغْمَ أَنَّ يَدَهَا كَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِلَا وَعْيٍ نَحْوَ حَقِيبَتِهَا، حَيْثُ تَحْتَفِظُ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ سَابِقًا فِي الْمَقْهَى، بِجِهَازِ تَسْجِيلٍ صَغِيرٍ تَسْتَخْدِمُهُ فِي مُقَابَلَاتِهَا الْحَسَّاسَةِ.
قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ سَلِيمٌ الْبَابَ، لَاحَظَا كِلَاهُمَا شَيْئًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا: الْبَابُ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ كَمَا بَدَا لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى، بَلْ كَانَ مَفْتُوحًا بِضْعَةَ سَنْتِيمَتْرَاتٍ فَقَطْ، تَتَسَرَّبُ مِنْ خِلَالِهِ عَتْمَةٌ دَاخِلِيَّةٌ كَثِيفَةٌ رَغْمَ الضَّوْءِ الْمُضَاءِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، وَصَمْتٌ ثَقِيلٌ غَيْرُ طَبِيعِيٍّ يُخَيِّمُ عَلَى الْمَكَانِ بِأَكْمَلِهِ، كَأَنَّ الْبَيْتَ نَفْسَهُ يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ، وَكَأَنَّ الزُّقَاقَ كُلَّهُ، بِأَزِقَّتِهِ الْفَرْعِيَّةِ وَبُيُوتِهِ الْمُتَلَاصِقَةِ، كَانَ يُشَارِكُهُ هَذَا الِانْتِظَارَ الصَّامِتَ الْمَشْؤُومَ.
“يَاسَمِينُ.” هَمَسَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ فَجْأَةً. “هَذَا الْبَابُ الْمَفْتُوحُ جُزْئِيًّا… أَلَا يَبْدُو لَكِ غَرِيبًا؟”
اقْتَرَبَتْ يَاسَمِينُ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ، وَأَصْغَتْ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تَهْمِسَ بِدَوْرِهَا: “لَا أَسْمَعُ أَيَّ صَوْتٍ مِنَ الدَّاخِلِ. لَا تِلْفَازَ، لَا رَادْيُو، لَا حَتَّى صَوْتَ خُطُوَاتٍ، رَغْمَ أَنَّ الضَّوْءَ مُضَاءٌ فِي الْأَعْلَى.”
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ وَدَفَعَ الْبَابَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، فَأَصْدَرَ صَرِيرًا خَشَبِيًّا حَادًّا بَدَا فِي الصَّمْتِ الْمُطْبِقِ لِلزُّقَاقِ أَعْلَى بِكَثِيرٍ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِعْلًا. انْفَتَحَ الْبَابُ عَلَى مَمَرٍّ دَاخِلِيٍّ ضَيِّقٍ مُظْلِمٍ، تَتَرَاءَى فِي آخِرِهِ دَرَجَاتُ سُلَّمٍ خَشَبِيٍّ تَصْعَدُ نَحْوَ مَصْدَرِ الضَّوْءِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ.
“سَيِّدَ تَوْفِيقٍ؟” نَادَى سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ قَلِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ أَكْثَرَ ثِقَةً مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ فِعْلًا. “هَلْ مِنْ أَحَدٍ هُنَا؟ اسْمِي سَلِيمٌ مُرَادٌ، ابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، جِئْتُ لِأَتَحَدَّثَ مَعَكَ بِخُصُوصِ أَمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا يَخُصُّ عَائِلَتَيْنَا مَعًا…”
لَمْ يُكْمِلْ جُمْلَتَهُ. مِنَ الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، وَبَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ ثَقِيلٍ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى الْأَبَدِ، جَاءَ أَخِيرًا صَوْتٌ: لَيْسَ رَدًّا كَلَامِيًّا، بَلْ صَوْتُ شَيْءٍ ثَقِيلٍ يَسْقُطُ فَجْأَةً عَلَى الْأَرْضِ الْخَشَبِيَّةِ، يَتْبَعُهُ مُبَاشَرَةً صَوْتُ خُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ مُرْتَبِكَةٍ، ثُمَّ صَمْتٌ مُطْبِقٌ تَامٌّ أَثْقَلُ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ.
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ أَسْفَلِ الدَّرَجِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَذِهْنُهُ يَسْتَحْضِرُ بِسُرْعَةٍ كُلَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُرْعِبَةَ الْمُمْكِنَةَ: هَلْ سَقَطَ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ، مَرِيضًا أَوْ مُصَابًا؟ أَمْ أَنَّ شَخْصًا آخَرَ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَسَقَطَ جَسَدٌ لَيْسَ جَسَدَ تَوْفِيقٍ؟ أَمْ أَنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ سِوَى أَثَاثٍ قَدِيمٍ مُتَهَالِكٍ سَقَطَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بِلَا عَلَاقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ بِأَيِّ خَطَرٍ فِعْلِيٍّ؟ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَقْتٌ كَافٍ لِلتَّفْكِيرِ الْمُطَوَّلِ فِي أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ.
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَذْعُورَةً، قَبْلَ أَنْ يَنْدَفِعَ سَلِيمٌ نَحْوَ الدَّرَجِ الْخَشَبِيِّ الضَّيِّقِ، صَاعِدًا دَرَجَتَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَيَاسَمِينُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً، وَهِيَ تُخْرِجُ مِنْ حَقِيبَتِهَا بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ عُلْبَةَ رَذَاذِ فُلْفُلٍ صَغِيرَةً، اعْتَادَتْ أَنْ تَحْمِلَهَا مَعَهَا دَوْمًا، كَمَا أَخْبَرَتْهُ لَاحِقًا، مُنْذُ حَادِثَةِ الِاقْتِحَامِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا قَبْلَ عَامَيْنِ.
كَانَ الدَّرَجُ يَئِنُّ تَحْتَ أَقْدَامِهِمَا بِصَوْتٍ خَشَبِيٍّ مُتَقَطِّعٍ، وَالضَّوْءُ الْخَافِتُ الْمُتَسَرِّبُ مِنْ أَعْلَى يَتَرَاقَصُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ، وَكَأَنَّ مَصْدَرَهُ نَفْسَهُ، مِصْبَاحًا مُعَلَّقًا بِسِلْكٍ قَدِيمٍ، يَتَأَرْجَحُ جَيْئَةً وَذَهَابًا فِي الْهَوَاءِ السَّاكِنِ لِلْمَمَرِّ الْعُلْوِيِّ. كَانَتْ رَائِحَةٌ غَرِيبَةٌ تَمْلَأُ الدَّرَجَ كُلَّمَا ارْتَفَعَا، مَزِيجًا مِنْ غُبَارٍ قَدِيمٍ وَرُطُوبَةٍ وَشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ سَلِيمٌ تَحْدِيدَهُ، شَيْءٍ يُشْبِهُ رَائِحَةَ الْأَدْوِيَةِ أَوِ الْمُطَهِّرَاتِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ الْمُتَهَالِكَ يَحْتَضِنُ مَرِيضًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى مُنْتَصَفِ الدَّرَجِ تَقْرِيبًا حِينَ سَمِعَ، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، صَوْتَ أَنِينٍ خَافِتٍ، صَوْتَ إِنْسَانٍ حَيٍّ، لَا مُجَرَّدَ جَمَادٍ سَاقِطٍ، يَنْبَعِثُ مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُضَاءَةِ فِي نِهَايَةِ الْمَمَرِّ.
“تَوْفِيقُ!” نَادَى سَلِيمٌ بِصَوْتٍ أَعْلَى هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُتَجَاهِلًا كُلَّ حَذَرٍ، وَمُسْرِعًا بَقِيَّةَ الدَّرَجِ بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ، وَيَاسَمِينُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً.
وَكِلَاهُمَا لَا يَعْرِفُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، مَا الَّذِي يَنْتَظِرُهُمَا فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الصَّامِتِ: تَوْفِيقًا نَفْسَهُ، أَمْ شَخْصًا آخَرَ وَصَلَ إِلَى هُنَاكَ قَبْلَهُمَا بِلَحَظَاتٍ مَعْدُودَةٍ فَقَطْ.

الفَصْلُ الخَامِسُ

وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجِ أَوَّلًا، مُتَجَاوِزًا يَاسَمِينَ بِخُطْوَةٍ كَامِلَةٍ، وَانْدَفَعَ نَحْوَ الغُرْفَةِ المُضَاءَةِ فِي نِهَايَةِ المَمَرِّ الضَّيِّقِ، حَيْثُ وَجَدَ المَشْهَدَ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْهُ: رَجُلًا مُسِنًّا، هُوَ نَفْسُهُ الرَّجُلُ ذُو العَبَاءَةِ البُنِّيَّةِ الَّذِي هَمَسَ لَهُ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ الغَامِضَةِ فِي العَزَاءِ، مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ الخَشَبِيَّةِ بِجَانِبِ كُرْسِيِّهِ المَقْلُوبِ، يَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ وَاضِحَةٍ، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ دُونَ جَدْوَى.
كَانَتِ الغُرْفَةُ صَغِيرَةً وَمُتَقَشِّفَةً، أَثَاثٌ قَدِيمٌ مُتَهَالِكٌ، صُوَرٌ بِالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الجُدْرَانِ بِإِطَارَاتٍ مُتَصَدِّعَةٍ، وَرَائِحَةُ أَدْوِيَةٍ مَمْزُوجَةً بِرَائِحَةِ شَايٍ بَارِدٍ نُسِيَ عَلَى طَاوِلَةٍ جَانِبِيَّةٍ مُنْذُ سَاعَاتٍ. لَاحَظَ سَلِيمٌ، حَتَّى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ المُتَوَتِّرَةِ، أَنَّ هَذَا البَيْتَ كَانَ يَحْمِلُ كُلَّ عَلَامَاتِ رَجُلٍ يَعِيشُ وَحِيدًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، مُحَاطًا بِذِكْرَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ إِحَاطَتِهِ بِأَيِّ إِنْسَانٍ حَيٍّ.
«سَيِّدَ تَوْفِيقٍ!» هَرَعَ سَلِيمٌ نَحْوَهُ، وَانْحَنَى بِجَانِبِهِ، مُحَاوِلًا مُسَاعَدَتَهُ عَلَى الجُلُوسِ بِبُطْءٍ. «هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ مَاذَا حَدَثَ؟»
فَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ بِذُعْرٍ حَقِيقِيٍّ بَدَا لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ سَيَصْرُخُ، قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى مَلَامِحِهِ. «أَنْتَ… ابْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ.» هَمَسَ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ. «ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَخِيرًا جَاءَ لِيُنْهِيَ الأَمْرَ.»
سَاعَدَتْهُ يَاسَمِينُ، الَّتِي وَصَلَتْ خَلْفَ سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً، عَلَى الجُلُوسِ عَلَى الكُرْسِيِّ المَقْلُوبِ بَعْدَ أَنْ أَعَادَتْهُ إِلَى وَضْعِهِ الطَّبِيعِيِّ، بَيْنَمَا أَحْضَرَ سَلِيمٌ كُوبَ مَاءٍ مِنْ مَطْبَخٍ صَغِيرٍ مُجَاوِرٍ، لَاحَظَ فِيهِ فَوْضَى بَسِيطَةً تُوحِي بِأَنَّ الرَّجُلَ يَعِيشُ وَحِيدًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ مَنْ يَعْتَنِي بِهِ.
«مَاذَا حَدَثَ لَكَ؟ هَلْ سَقَطْتَ؟» سَأَلَتْهُ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ، وَهِيَ تَفْحَصُ يَدَهُ الَّتِي كَانَتْ تَرْتَجِفُ بِشِدَّةٍ.
«سَمِعْتُ صَوْتًا فِي الأَسْفَلِ، صَوْتَ البَابِ يُفْتَحُ.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ مُضْطَرِبًا. «مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ هَذِهِ القِصَّةُ تَعُودُ إِلَى السَّطْحِ مُجَدَّدًا بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِكَ يَا وَلَدِي، لَمْ أَعُدْ أَنَامُ لَيْلًا دُونَ خَوْفٍ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمْ أَخِيرًا لِيُصْمِتَنِي كَمَا أُصْمِتَ الآخَرُونَ قَبْلِي. حِينَ سَمِعْتُ البَابَ، حَاوَلْتُ أَنْ أَنْهَضَ بِسُرْعَةٍ لِأَرَى مَنِ القَادِمُ، فَتَعَثَّرْتُ بِالكُرْسِيِّ وَسَقَطْتُ.»
جَلَسَ سَلِيمٌ أَمَامَهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً. «سَيِّدَ تَوْفِيقٍ، أَنَا آسِفٌ لِأَنَّنِي أَخَفْتُكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. لَكِنَّنِي بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِلْحَدِيثِ مَعَكَ. وَجَدْتُ اسْمَكَ فِي وَثَائِقِ أَبِي، وَوَجَدْتُ اسْمَكَ أَيْضًا كَشَاهِدٍ عَلَى عَقْدِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ أَرْضِ حَيِّ اليَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، عَقْدٍ يَحْمِلُ تَوْقِيعَ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ، بِتَارِيخٍ يَقَعُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.»
بَيْنَمَا كَانَ يَنْتَظِرُ رَدَّ تَوْفِيقٍ، لَاحَظَ سَلِيمٌ صُورَةً مُعَلَّقَةً عَلَى الجِدَارِ المُقَابِلِ مُبَاشَرَةً، بِالكَادِ مُضَاءَةً بِضَوْءِ المِصْبَاحِ الخَافِتِ: صُورَةً بِالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ لِرَجُلَيْنِ شَابَّيْنِ يَقِفَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ أَمَامَ شَجَرَةِ يَاسَمِينَ مُزْهِرَةٍ، يَضْحَكَانِ بِصِدْقٍ وَاضِحٍ حَتَّى عَبْرَ اهْتِرَاءِ الصُّورَةِ القَدِيمَةِ. اقْتَرَبَ سَلِيمٌ مِنْهَا بِفُضُولٍ مُفَاجِئٍ، ثُمَّ شَعَرَ بِقُشَعْرِيرَةٍ حِينَ تَعَرَّفَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ: كَانَ الوَجْهَ نَفْسَهُ الَّذِي رَآهُ فِي الصُّوَرِ العَائِلِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي احْتَفَظَتْ بِهَا عَمَّتُهُ الكُبْرَى، وَجْهَ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ فِي شَبَابِهِ، يَقِفُ بِجَانِبِ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ، أَصْغَرَ سِنًّا بِعُقُودٍ، لَكِنْ مَلَامِحُهُ وَاضِحَةٌ دُونَ شَكٍّ.
«هَذِهِ أَنْتَ وَجَدِّي مَعًا.» قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْدَهِشٍ، مُشِيرًا إِلَى الصُّورَةِ.
نَظَرَ تَوْفِيقٌ إِلَى الصُّورَةِ بِحَنِينٍ مُؤْلِمٍ وَاضِحٍ فِي عَيْنَيْهِ. «الْتُقِطَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ قَبْلَ عَامٍ وَاحِدٍ فَقَطْ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اللَّعِينَةِ، حِينَ كُنَّا لَا نَزَالُ أَصْدِقَاءَ بُسَطَاءَ، لَا يَحْمِلُ أَيٌّ مِنَّا ثِقْلَ أَيِّ سِرٍّ يَفُوقُ طَاقَتَهُ. كُنْتُ أَحْتَفِظُ بِهَا كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ لِأَتَذَكَّرَ أَنَّ هُنَاكَ زَمَنًا كَانَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ أَبْسَطَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَصْبَحَ عَلَيْهِ لَاحِقًا.»
شَحَبَ وَجْهُ تَوْفِيقٍ العَجُوزِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَجْمِعُ قُوَّةً دَاخِلِيَّةً نَادِرَةً قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ. «كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا اليَوْمَ سَيَأْتِي. عَبْدُ الكَرِيمِ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ سَتَأْتِي يَوْمًا، حِينَ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا هُوَ نَفْسُهُ عَلَى إِكْمَالِ مَا بَدَأَهُ.»
«إِذَنْ أَنْتَ تَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهَا.
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ طَوِيلًا، يَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ المُظْلِمَةِ كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ عُيُونٍ تُرَاقِبُهُ مِنَ الخَارِجِ، قَبْلَ أَنْ يَهْمِسَ أَخِيرًا: «أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ عَجُوزٍ مِثْلِي أَنْ يَحْمِلَهُ وَحِيدًا كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.»
«أَرْجُوكَ يَا سَيِّدَ تَوْفِيقٍ.» قَالَتْ يَاسَمِينُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ مُحْتَرِفٍ، جَالِسَةً عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِ الكُرْسِيِّ لِتَكُونَ فِي مُسْتَوَى نَظَرِ الرَّجُلِ العَجُوزِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَبْدُوَ أَقَلَّ تَهْدِيدًا. «نَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ نُعَرِّضَكَ لِأَيِّ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ. لَكِنَّ سَلِيمًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْرِفَ الحَقِيقَةَ عَنْ عَائِلَتِهِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ الوَحِيدُ المُتَبَقِّي القَادِرُ عَلَى إِخْبَارِهِ بِهَا.»
نَظَرَ تَوْفِيقٌ إِلَيْهَا طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ قَالَتْهَا بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ صَنَعَتْهُ سَنَوَاتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الحَذَرِ المَفْرُوضِ عَلَيْهِ. «أَنْتِ الصَّحَفِيَّةُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ يَاسَمِينُ نُورٌ؟ سَمِعْتُ بِاسْمِكِ مِنْ قَبْلُ، وَوَالِدُكِ كَانَ يُحَدِّثُنِي عَنْ تَحْقِيقَاتِكِ أَحْيَانًا، بِإِعْجَابٍ مَمْزُوجٍ بِقَلَقٍ عَلَيْكِ.»
«كَانَ يَعْرِفُ عَنِّي؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِدَهْشَةٍ صَادِقَةٍ.
«كَانَ يُتَابِعُ كُلَّ مَا تَكْتُبِينَهُ عَنْ مَشَارِيعِ كَمَالِ دَرْوِيشٍ، بَحْثًا عَنْ أَيَّةِ إِشَارَةٍ قَدْ تَقُودُكِ بِالصُّدْفَةِ إِلَى نَفْسِ الحَقِيقَةِ الَّتِي كَانَ يُحَاوِلُ هُوَ أَنْ يُوَثِّقَهَا بِنَفْسِهِ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ. «كَانَ يَأْمَلُ أَنْ تَصِلِي إِلَيْهَا مِنْ طَرِيقِكِ الخَاصِّ، دُونَ أَنْ يُعَرِّضَكِ هُوَ لِلْخَطَرِ بِالإِفْصَاحِ المُبَاشِرِ.»
فَكَّرَ تَوْفِيقٌ طَوِيلًا، يَنْظُرُ بَيْنَ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ بِتَرَقُّبٍ حَذِرٍ، حَتَّى أَنَّ أَخِيرًا بِصَوْتٍ أَثْقَلَ مِنَ التَّعَبِ. «حَسَنًا. لَكِنِ اعْلَمَا أَنَّ مَا سَأُخْبِرُكُمَا بِهِ لَنْ يَكُونَ سَهْلًا عَلَى أَيٍّ مِنَّا، وَأَنَّنِي سَأَتَوَقَّفُ حِينَ أَشْعُرُ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ لِذَلِكَ، دُونَ أَنْ أُكْمِلَ كُلَّ شَيْءٍ، عَلَى الأَقَلِّ لَيْسَ اللَّيْلَةَ.»
الرِّوَايَةُ
نَهَضَ بِصُعُوبَةٍ، وَاتَّجَهَ نَحْوَ خِزَانَةٍ خَشَبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ فِي زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ، أَخْرَجَ مِنْهَا دَفْتَرًا صَغِيرًا بِغِلَافٍ جِلْدِيٍّ مُتَآكِلٍ، وَعَادَ لِيَجْلِسَ، يُقَلِّبُ صَفَحَاتِهِ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ حَتَّى وَجَدَ الصَّفْحَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا.
«فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا بِالضَّبْطِ، كُنْتُ شَابًّا فِي الخَامِسَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، أَعْمَلُ حَارِسًا لَيْلِيًّا لِحَيِّ اليَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ، وَظِيفَةً غَيْرَ رَسْمِيَّةٍ وَرِثْتُهَا عَنْ أَبِي، الَّذِي وَرِثَهَا بِدَوْرِهِ عَنْ جَدِّي. كُنْتُ أَعْرِفُ كُلَّ بَيْتٍ، وَكُلَّ عَائِلَةٍ، وَكُلَّ زُقَاقٍ فِي هَذَا الحَيِّ مَعْرِفَةً لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ آخَرُ.»
تَوَقَّفَ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً صَغِيرَةً، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ ذِكْرَى بَعِيدَةً رَغْمَ ثِقْلِهَا. «كَانَ حَيًّا حَقِيقِيًّا حِينَهَا، حَيُّ اليَاسَمِينِ. أَزِقَّتُهُ ضَيِّقَةٌ لَكِنَّهَا مَلِيئَةٌ بِالحَيَاةِ، أَصْوَاتُ البَاعَةِ المُتَجَوِّلِينَ فِي الصَّبَاحِ، رَائِحَةُ الخُبْزِ الطَّازِجِ مِنْ فُرْنِ أُمِّ كَامِلٍ، أَصْوَاتُ الأَطْفَالِ يَلْعَبُونَ حَتَّى وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ فِي الصَّيْفِ. عَائِلَةُ سَمَاحَةَ كَانَتْ مِنْ أَعْرَقِ عَائِلَاتِ الحَيِّ، مُحْتَرَمَةً مِنَ الجَمِيعِ، فَادِي سَمَاحَةَ نَفْسُهُ كَانَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِكَرَمِهِ، يَفْتَحُ بَيْتَهُ لِكُلِّ مَنْ يَحْتَاجُ مُسَاعَدَةً، دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مُقَابِلٍ.»
«فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَاءَنِي رَجُلٌ أَعْرِفُهُ جَيِّدًا، طَلَبَ مِنِّي أَنْ ‘أَنْظُرَ إِلَى الجِهَةِ الأُخْرَى’ لِبِضْعِ سَاعَاتٍ، وَأَعْطَانِي مَبْلَغًا مِنَ المَالِ أَكْبَرَ مِنْ رَاتِبِي لِسَنَةٍ كَامِلَةٍ. لَمْ أَفْهَمْ فِي البِدَايَةِ مَاذَا يَقْصِدُ، لَكِنَّنِي أَخَذْتُ المَالَ، لِأَنَّنِي كُنْتُ شَابًّا فَقِيرًا أُعِيلُ عَائِلَةً كَبِيرَةً، وَلَمْ أَتَخَيَّلْ، اللهُ يَعْلَمُ أَنَّنِي لَمْ أَتَخَيَّلْ، حَجْمَ مَا كَانَ سَيَحْدُثُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.»
«مَنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ.
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ، وَارْتَجَفَتْ شَفَتَاهُ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ. «لَا… لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ اسْمَهُ بَعْدُ. لَيْسَ الآنَ.»
«لِمَاذَا؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ.
«لِأَنَّ قَوْلَ ذَلِكَ الاسْمِ بِصَوْتٍ عَالٍ، حَتَّى فِي بَيْتِي المُغْلَقِ هَذَا، يَبْدُو لِي كَأَنَّهُ اسْتِدْعَاءٌ لِشَيْءٍ لَا أُرِيدُهُ أَنْ يَأْتِيَ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ بِصِدْقٍ مُخِيفٍ. «دَعَانِي أُكْمِلُ البَاقِيَ أَوَّلًا، ثُمَّ سَأَصِلُ إِلَى الاسْمِ حِينَ أَكُونُ مُسْتَعِدًّا.»
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ، كَابِحًا فُضُولَهُ المُلْتَهِبَ، وَأَشَارَ لِتَوْفِيقٍ أَنْ يُوَاصِلَ.
«بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ، سَمِعْتُ أَصْوَاتَ شَاحِنَاتٍ تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، بِلَا أَضْوَاءَ، عَبْرَ الزُّقَاقِ الرَّئِيسِيِّ. كُنْتُ أَعْرِفُ، مِنْ طَبِيعَةِ عَمَلِي، أَنَّ هَذَا غَيْرُ طَبِيعِيٍّ إِطْلَاقًا، لَكِنَّنِي بَقِيتُ فِي مَكَانِي، خَائِفًا وَصَامِتًا، أُنَفِّذُ مَا طُلِبَ مِنِّي دُونَ أَنْ أَفْهَمَهُ بَعْدُ. رَأَيْتُ الشَّاحِنَاتِ تَتَوَقَّفُ أَمَامَ بَيْتِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ تَحْدِيدًا، وَرَأَيْتُ رِجَالًا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، مُلَثَّمِينَ جُزْئِيًّا، يَدْخُلُونَ البَيْتَ بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ.»
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ، وَأَمْسَكَ بِكُوبِ المَاءِ الَّذِي أَحْضَرَهُ سَلِيمٌ بِيَدٍ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ، وَشَرِبَ مِنْهُ رَشْفَةً صَغِيرَةً قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلَ، وَكَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِجْمَاعِ قُوَّتِهِ لِكُلِّ جُمْلَةٍ جَدِيدَةٍ يَرْوِيهَا.
«لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صُرَاخٌ، وَلَا مُقَاوَمَةٌ تُذْكَرُ، وَهَذَا مَا أَرْعَبَنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى اليَوْمِ: كَأَنَّ العَائِلَةَ بِأَكْمَلِهَا كَانَتْ تَعْرِفُ مُسْبَقًا أَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ، أَوْ رُبَّمَا كَانَتْ مُخَدَّرَةً بِطَرِيقَةٍ مَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الرِّجَالُ. رَأَيْتُ أَشْكَالًا صَغِيرَةً، أَطْفَالًا بِالتَّأْكِيدِ، يُحْمَلُونَ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ المُلَثَّمِينَ، بِلَا حَرَكَةٍ تُذْكَرُ، وَامْرَأَةً وَاحِدَةً كَانَتِ الوَحِيدَةَ الَّتِي أَبْدَتْ مُقَاوَمَةً ضَعِيفَةً، مُحَاوِلَةً أَنْ تَحْمِلَ صُرَّةَ قُمَاشٍ صَغِيرَةً، رُبَّمَا ثِيَابَ طِفْلٍ أَوْ لُعْبَةً، قَبْلَ أَنْ يَنْتَزِعَهَا أَحَدُ الرِّجَالِ مِنْهَا بِلَا رَحْمَةٍ وَيَرْمِيَهَا جَانِبًا فِي الطَّرِيقِ.»
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ مَرَّةً أُخْرَى، وَوَجْهُهُ يَتَلَوَّى بِأَلَمِ الذِّكْرَى. «لَمْ أَتَدَخَّلْ. اللهُ يُسَامِحُنِي، لَمْ أَتَدَخَّلْ، رَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ بُكَاءٍ خَافِتٍ، صَوْتَ امْرَأَةٍ تَتَوَسَّلُ بِصَوْتٍ مَكْتُومٍ، وَصَوْتَ أَطْفَالٍ يُحْمَلُونَ نِيَامًا أَوْ مُخَدَّرِينَ، لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ. بَقِيتُ فِي مَكَانِي، مُتَسَمِّرًا مِنَ الخَوْفِ وَالعَارِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، حَتَّى غَادَرَتِ الشَّاحِنَاتُ كَمَا جَاءَتْ، بِلَا ضَجِيجٍ، بِلَا آثَارٍ تُذْكَرُ، وَكَأَنَّ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا لَمْ تَحْدُثْ.»
«وَفِي الصَّبَاحِ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِصَوْتٍ مُشَجِّعٍ، وَهِيَ تُدَوِّنُ مُلَاحَظَاتٍ سَرِيعَةً فِي دَفْتَرِهَا الخَاصِّ.
«فِي الصَّبَاحِ، حِينَ سَأَلَ الجِيرَانُ عَنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، وَجَدُوا البَيْتَ فَارِغًا تَمَامًا، وَكَأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْكُنْهُ يَوْمًا. لَا أَثَاثَ، لَا مَلَابِسَ، لَا حَتَّى صُورَةً وَاحِدَةً مُعَلَّقَةً عَلَى الجُدْرَانِ. كُلُّ شَيْءٍ أُزِيلَ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ خِلَالَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. وَحِينَ حَاوَلَ أَحَدُ الجِيرَانِ أَنْ يَسْأَلَ رَسْمِيًّا فِي البَلَدِيَّةِ عَنِ العَائِلَةِ، أُخْبِرَ أَنَّهُ لَا تُوجَدُ سِجِلَّاتٌ تُثْبِتُ وُجُودَهُمْ فِي الحَيِّ أَصْلًا.»
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ بِذُهُولٍ. «كَيْفَ يُمْكِنُ لِعَائِلَةٍ كَامِلَةٍ أَنْ تُمْحَى مِنَ الوُجُودِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟»
«لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ سَهْلًا يَا وَلَدِي، كَانَ مُخَطَّطًا لَهُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ عَلَى مَدَى أَشْهُرٍ، رُبَّمَا سَنَةً كَامِلَةً قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ. «احْتَاجَ الأَمْرُ إِلَى تَوَاطُؤِ عِدَّةِ أَطْرَافٍ: مَنْ يُزَوِّرُ السِّجِلَّاتِ، مَنْ يُصْمِتُ الشُّهُودَ، مَنْ يُمَوِّلُ العَمَلِيَّةَ بِأَكْمَلِهَا، وَمَنْ يُنَفِّذُهَا لَيْلًا بِلَا ضَجِيجٍ. لَمْ يَكُنْ هَذَا عَمَلَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، بَلْ شَبَكَةً كَامِلَةً مِنَ المَصَالِحِ المُتَشَابِكَةِ، بَعْضُهَا مَا زَالَ قَائِمًا حَتَّى اليَوْمِ فِي أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.»
«لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْ أَحَدًا آخَرَ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟ الشُّرْطَةَ، صَحَفِيًّا، أَيَّةَ جِهَةٍ رَسْمِيَّةٍ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ لَمْ تَسْتَطِعْ كَبْتَهُ رَغْمَ حَسَاسِيَّةِ اللَّحْظَةِ، وَهِيَ تُدْرِكُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهَا أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ قَدْ يَكُونُ الأَهَمَّ بَيْنَ كُلِّ أَسْئِلَتِهَا اللَّيْلَةَ.
ضَحِكَ تَوْفِيقٌ ضَحْكَةً جَافَّةً خَالِيَةً مِنْ أَيِّ فَرَحٍ، ضَحْكَةَ رَجُلٍ عَاشَ طَوِيلًا بِمَا يَكْفِي لِيَعْرِفَ سُخْرِيَةَ العَالَمِ مِنْ قَرِيبٍ. «الشُّرْطَةُ؟ يَا ابْنَتِي، حِينَ اخْتَفَتْ عَائِلَةُ سَمَاحَةَ، كَانَ قَائِدُ الشُّرْطَةِ نَفْسُهُ صَدِيقًا مُقَرَّبًا لِفَارِسَ دَرْوِيشٍ، يَتَنَاوَلُ العَشَاءَ فِي بَيْتِهِ كُلَّ شَهْرٍ تَقْرِيبًا. وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ حَالًا. كُلُّ مَنْ حَاوَلَ أَنْ يَفْتَحَ هَذَا المِلَفَّ عَلَى مَدَى خَمْسِينَ عَامًا، وَجَدَ نَفْسَهُ إِمَّا مَنْقُولًا فَجْأَةً إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى، أَوْ مُتَقَاعِدًا مُبَكِّرًا بِشَكْلٍ غَامِضٍ، أَوْ بِبَسَاطَةٍ صَامِتًا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ خَاصٍّ لَمْ يُشَارِكْ أَحَدٌ تَفَاصِيلَهُ.»
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِمَرَارَةٍ: «أَمَّا الصَّحَفِيُّونَ، فَقَدْ حَاوَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا، سَأَلَنِي أَسْئِلَةً مُشَابِهَةً تَمَامًا لِأَسْئِلَتِكُمَا اللَّيْلَةَ، وَكِدْتُ أَنْ أُخْبِرَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى اخْتَفَى فَجْأَةً عَنِ السَّاحَةِ المِهَنِيَّةِ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنْ مُحَادَثَتِنَا، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ مَصِيرَهُ الحَقِيقِيَّ حَتَّى اليَوْمِ. لَمْ أَعْرِفْ حَتَّى إِنْ كَانَ قَدْ غَادَرَ البِلَادَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ، أَوْ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ أَسْوَأَ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ. هَذَا وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا لِيُعَلِّمَنِي دَرْسًا لَنْ أَنْسَاهُ: الصَّمْتُ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا، أَكْثَرُ أَمَانًا بِكَثِيرٍ مِنَ الكَلَامِ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ بِالذَّاتِ.»
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى سَلِيمٍ بِقَلَقٍ صَامِتٍ، مُدْرِكَةً أَنَّهَا هِيَ عَلَى الأَرْجَحِ ذَلِكَ الصَّحَفِيُّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَوْفِيقٌ مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ، أَوْ رُبَّمَا مَصْدَرُهَا الأَصْلِيُّ الَّذِي وَصَفَتْهُ لَهَا يَاسَمِينُ سَابِقًا فِي مُحَادَثَتِهِمَا بِالمَقْهَى، ذَلِكَ الَّذِي «اخْتَفَى عَنِ السَّاحَةِ المِهَنِيَّةِ» بَعْدَ مُقَابَلَتِهِ القَدِيمَةِ مَعَ «الحَارِسِ القَدِيمِ لِحَيِّ اليَاسَمِينِ».
هَزَّ تَوْفِيقٌ رَأْسَهُ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ أَكْثَرَ. «لَكِنْ شَخْصًا وَاحِدًا فَقَطْ أَخْبَرْتُهُ الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّمْتِ، حِينَ لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ ثِقْلَ هَذَا السِّرِّ وَحْدِي.»
«جَدِّي؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ.
أَوْمَأَ تَوْفِيقٌ بِبُطْءٍ. «إِبْرَاهِيمُ مُرَادٍ، جَدُّكَ، كَانَ صَدِيقًا مُقَرَّبًا لِي، رَغْمَ فَارِقِ العَمَلِ وَالمَكَانَةِ بَيْنَنَا. كَانَ رَجُلًا مُخْتَلِفًا عَنْ أَغْلَبِ مَنْ عَمِلُوا فِي تِلْكَ الدَّوَائِرِ الرَّسْمِيَّةِ، يَحْمِلُ ضَمِيرًا حَيًّا لَمْ يَمُتْ رَغْمَ كُلِّ الضُّغُوطِ. حِينَ أَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ صَمْتِي، شَحَبَ وَجْهُهُ تَمَامًا، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ وَقَّعَ عَلَى وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَتَهَا الكَامِلَةَ حِينَهَا، ظَنَّهَا مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ إِدَارِيٍّ رُوتِينِيٍّ يَخُصُّ نَقْلَ مِلْكِيَّةِ أَرْضٍ مُتَنَازَعٍ عَلَيْهَا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا كَانَتْ غِطَاءً قَانُونِيًّا لِجَرِيمَةِ اسْتِيلَاءٍ مُمَنْهَجَةٍ عَلَى أَرْضِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ اخْتَفَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.»
«كَيْفَ تَفَاعَلَ حِينَ عَرَفَ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ.
«بَكَى.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِبَسَاطَةٍ مُؤَثِّرَةٍ. «رَجُلٌ بَالِغٌ، مُحْتَرَمٌ، ذُو مَكَانَةٍ، جَلَسَ أَمَامِي فِي هَذِهِ الغُرْفَةِ بِالذَّاتِ، وَبَكَى كَطِفْلٍ صَغِيرٍ، وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ تَوْقِيعَهُ، مَهْمَا كَانَ بَرِيئًا فِي نِيَّتِهِ، سَاهَمَ فِي مَحْوِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ الوُجُودِ. قَالَ لِي كَلِمَاتٍ لَنْ أَنْسَاهَا أَبَدًا: ‘وَقَّعْتُ عَلَى وَرَقَةٍ أَعْطَتْنِي إِيَّاهَا يَدٌ بَرِيئَةُ المَلْمَسِ، لِأَكْتَشِفَ لَاحِقًا أَنَّهَا كَانَتْ تُخْفِي سِكِّينًا’.»
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ، وَنَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِأَسًى قَدِيمٍ. «جَدُّكَ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلَ الَّذِي تَتَخَيَّلُهُ مِنَ الوَثِيقَةِ البَارِدَةِ، وَلَا كَانَ الرَّجُلَ الَّذِي رُبَّمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَهُ بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفْتَهُ اليَوْمَ. كَانَ رَجُلًا وَقَعَ فِي فَخٍّ نَصَبَهُ لَهُ آخَرُونَ أَذْكَى وَأَقْسَى مِنْهُ، ثُمَّ أَمْضَى مَا تَبَقَّى مِنْ سَنَوَاتِهِ القَلِيلَةِ يُحَاوِلُ أَنْ يُصَحِّحَ خَطَأً لَمْ يَقْصِدْهُ، حَتَّى دَفَعَ ثَمَنَ تِلْكَ المُحَاوَلَةِ بِحَيَاتِهِ نَفْسِهَا. إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ كُلِّهَا يَا وَلَدِي، فَهُوَ جَدُّكَ، لَا مَنْ دَبَّرَ كُلَّ هَذَا مِنَ الأَسَاسِ.»
شَعَرَ سَلِيمٌ بِدِفْءٍ غَرِيبٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الثِّقْلِ، دِفْءَ الغُفْرَانِ الَّذِي مَنَحَهُ تَوْفِيقٌ لِجَدِّهِ دُونَ أَنْ يَطْلُبَهُ أَحَدٌ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِالذَّاتِ جَاهِزَةً مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِيَقُولَهَا لِحَفِيدِ صَدِيقِهِ القَدِيمِ.
«وَمَاذَا فَعَلَ حِينَ عَرَفَ الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ؟»
«حَاوَلَ أَنْ يُصَحِّحَ خَطَأَهُ.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ أَثْقَلَ. «حَاوَلَ أَنْ يَجْمَعَ أَدِلَّةً، أَنْ يَتَوَاصَلَ مَعَ مُحَامٍ يَثِقُ بِهِ، أَنْ يَفْتَحَ القَضِيَّةَ مِنْ جَدِيدٍ. لَكِنَّهُ لَمْ يَحْظَ بِالوَقْتِ الكَافِي لِإِتْمَامِ أَيٍّ مِنْ ذَلِكَ.»
«وَكَيْفَ مَاتَ بِالضَّبْطِ؟ سَمِعْتُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ لِمَبْنَى البَلَدِيَّةِ.» سَأَلَ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ.
نَظَرَ تَوْفِيقٌ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً مُثْقَلَةً بِالأَسَى. «لَمْ يَسْقُطْ يَا وَلَدِي. عَلَى الأَقَلِّ، لَيْسَ بِمُفْرَدِهِ. رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بِالذَّاتِ، قَبْلَ سَاعَاتٍ مِنْ ‘سُقُوطِهِ’، خَارِجًا مِنْ مَكْتَبِ فَارِسَ دَرْوِيشٍ وَهُوَ غَاضِبٌ بِشَكْلٍ لَمْ أَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، يَحْمِلُ حَقِيبَةَ أَوْرَاقٍ ضَخْمَةً. لَمْ أَرَهُ حَيًّا بَعْدَهَا أَبَدًا.»
«هَلْ أَخْبَرْتَ أَحَدًا بِمَا رَأَيْتَهُ يَوْمَهَا؟»
هَزَّ تَوْفِيقٌ رَأْسَهُ بِحَسْرَةٍ عَمِيقَةٍ. «حَاوَلْتُ. ذَهَبْتُ إِلَى الشُّرْطَةِ فِي اليَوْمِ التَّالِي مُبَاشَرَةً، أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ غَاضِبًا وَحَيًّا قَبْلَ سَاعَاتٍ مِنْ إِعْلَانِ وَفَاتِهِ، وَأَنَّ القِصَّةَ الرَّسْمِيَّةَ عَنْ ‘حَادِثِ صِيَانَةٍ’ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ رَجُلٍ مَكْتَبِيٍّ لَا شَأْنَ لَهُ بِأَعْمَالِ البِنَاءِ. اسْتَمَعَ إِلَيَّ الضَّابِطُ المُنَاوِبُ بِأَدَبٍ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَنَّ التَّحْقِيقَ أُغْلِقَ رَسْمِيًّا، وَأَنَّ شَهَادَتِي ‘غَيْرُ ذَاتِ صِلَةٍ’ بِالقَضِيَّةِ. لَمْ أُحَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَهَا، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَلْحَقَنِي نَفْسُ مَصِيرِ مَنْ سَبَقَنِي.»
الاقْتِحَامُ
تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، وَأَصْغَى بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعْهُ سَلِيمٌ أَوْ يَاسَمِينُ بَعْدُ.
«هَلْ سَمِعْتُمَا هَذَا؟» هَمَسَ بِذُعْرٍ مُتَجَدِّدٍ.
أَصْغَى سَلِيمٌ بِدَوْرِهِ، وَسَمِعَهُ هَذِهِ المَرَّةَ بِوُضُوحٍ: صَوْتَ خُطُوَاتٍ خَفِيفَةٍ تَتَسَلَّلُ عَبْرَ المَمَرِّ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ صَوْتَ بَابٍ خَلْفِيٍّ يُفْتَحُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، أَبْطَأَ بِكَثِيرٍ مِنْ طَرِيقَةِ دُخُولِهِمَا هُمَا نَفْسَيْهِمَا قَبْلَ قَلِيلٍ.
«يُوجَدُ بَابٌ خَلْفِيٌّ؟» هَمَسَتْ يَاسَمِينُ بِسُرْعَةٍ.
«يُؤَدِّي إِلَى حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ خَلْفَ البَيْتِ.» أَجَابَ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ مِنَ الخَوْفِ الحَقِيقِيِّ هَذِهِ المَرَّةَ، لَا الإِرْهَاقِ فَقَطْ. «لَا أَحَدَ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ سِوَى قِلَّةٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا.»
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَفْزُوعَةً. تَذَكَّرَ سَلِيمٌ فَجْأَةً كُلَّ التَّحْذِيرَاتِ المُتَرَاكِمَةِ عَلَى مَدَى الأَيَّامِ المَاضِيَةِ: الأَثَرَ الطِّينِيَّ فِي صَالَةِ بَيْتِهِ، المَمَرَّ السِّرِّيَّ تَحْتَ الغُرْفَةِ، القُفَّازَ الأَسْوَدَ المُمَزَّقَ، وَهَا هُوَ الآنَ يُوَاجِهُ نَمَطًا مُشَابِهًا تَمَامًا فِي بَيْتٍ آخَرَ، بِطَرِيقَةٍ تَكْشِفُ عَنْ مَعْرِفَةٍ دَقِيقَةٍ وَمُتَكَرِّرَةٍ بِمَدَاخِلَ خَفِيَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا القَلِيلُونَ جِدًّا.
نَهَضَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُفَكِّرَ بِخُطْوَتِهِ التَّالِيَةِ، حِينَ انْدَفَعَ البَابُ الرَّئِيسِيُّ لِلْغُرْفَةِ فَجْأَةً، مَفْتُوحًا بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ لِيَصْطَدِمَ بِالجِدَارِ المُجَاوِرِ بِصَوْتٍ حَادٍّ، وَظَهَرَ عِنْدَ العَتَبَةِ رَجُلٌ مُلَثَّمٌ بِالكَامِلِ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ دَاكِنَةً ضَيِّقَةً، وَقُفَّازًا أَسْوَدَ مُشَابِهًا تَمَامًا لِذَلِكَ الَّذِي وَجَدَهُ سَلِيمٌ فِي المَمَرِّ السِّرِّيِّ تَحْتَ بَيْتِهِ. كَانَتْ حَرَكَاتُهُ سَرِيعَةً وَمَدْرُوسَةً، حَرَكَاتِ رَجُلٍ تَدَرَّبَ عَلَى مُهِمَّاتٍ كَهَذِهِ مِنْ قَبْلُ، لَا حَرَكَاتِ لِصٍّ عَشْوَائِيٍّ يَبْحَثُ عَنْ مَالٍ أَوْ مُجَوْهَرَاتٍ. لَاحَظَ سَلِيمٌ، حَتَّى فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ المُرْتَبِكَةِ، طَرِيقَةَ وُقُوفِ الرَّجُلِ، تَوْزِيعَ وَزْنِهِ عَلَى قَدَمَيْهِ بِشَكْلٍ يُوحِي بِتَدْرِيبٍ قِتَالِيٍّ سَابِقٍ، رُبَّمَا عَسْكَرِيٍّ أَوْ أَمْنِيٍّ مِنْ نَوْعٍ مَا، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ بَلْطَجِيٍّ مُسْتَأْجَرٍ بِشَكْلٍ عَشْوَائِيٍّ.
لَمْ يَمْنَحِ الرَّجُلُ أَيًّا مِنْهُمْ فُرْصَةً لِلتَّفْكِيرِ: انْدَفَعَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ حَيْثُ كَانَ دَفْتَرُ تَوْفِيقٍ الجِلْدِيُّ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا، وَخَطَفَ الصَّفَحَاتِ الَّتِي كَتَبَهَا الرَّجُلُ العَجُوزُ بِيَدَيْهِ المُرْتَجِفَتَيْنِ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ مَحْسُوبَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ وَمَكَانَهُ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُ هَذَا اللِّقَاءَ بِالذَّاتِ مِنْ مَكَانٍ مَا قَرِيبٍ، يَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِلتَّدَخُّلِ.
هَرَعَ سَلِيمٌ نَحْوَهُ مُحَاوِلًا اسْتِرْدَادَ الدَّفْتَرِ، فَدَفَعَهُ الرَّجُلُ المُلَثَّمُ بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ لِإِسْقَاطِهِ أَرْضًا، مُصْطَدِمًا بِحَافَّةِ الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ بِشَكْلٍ مُؤْلِمٍ. حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يُمْسِكَ بِسَاقِ الرَّجُلِ وَهُوَ سَاقِطٌ، لَكِنَّ الأَخِيرَ تَمَلَّصَ بِمَهَارَةٍ، وَرَكَلَهُ بِقُوَّةٍ بَعِيدًا، ثُمَّ اسْتَدَارَ نَحْوَ تَوْفِيقٍ الَّذِي حَاوَلَ أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ بِذِرَاعَيْهِ، فَدَفَعَهُ الرَّجُلُ جَانِبًا بِلَا رَحْمَةٍ، مَا جَعَلَ الرَّجُلَ العَجُوزَ يَرْتَطِمُ بِحَافَّةِ الطَّاوِلَةِ، مُصْدِرًا صَرْخَةَ أَلَمٍ مَكْتُومَةً، بَيْنَمَا تَدَحْرَجَ عَلَى الأَرْضِ مُمْسِكًا بِذِرَاعِهِ اليُمْنَى.
انْدَفَعَتْ يَاسَمِينُ نَحْوَ الرَّجُلِ المُلَثَّمِ فِي مُحَاوَلَةٍ يَائِسَةٍ لِإِيقَافِهِ، مُمْسِكَةً بِذِرَاعِهِ بِكِلْتَا يَدَيْهَا فِي مُحَاوَلَةٍ لِإِبْطَائِهِ، لَكِنَّهُ دَفَعَهَا بِدَوْرِهِ بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ لِإِسْقَاطِ تَوَازُنِهَا عَلَى الأَرِيكَةِ القَرِيبَةِ، ثُمَّ اخْتَفَى عَبْرَ البَابِ الخَلْفِيِّ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ سَلِيمٌ بِضْعَ دَقَائِقَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ يَاسَمِينَ، مُسْرِعًا عَبْرَ الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ الخَلْفِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَيٌّ مِنْهُمُ اللَّحَاقَ بِهِ فِي العَتَمَةِ المُتَزَايِدَةِ خَارِجَ البَيْتِ.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَنْهَضَ بِسُرْعَةٍ وَيُلَاحِقَهُ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عِنْدَ البَابِ الخَلْفِيِّ، مُدْرِكًا أَنَّ الرَّجُلَ اخْتَفَى بِالفِعْلِ فِي مَتَاهَةِ الأَزِقَّةِ الخَلْفِيَّةِ المُظْلِمَةِ، وَأَنَّ أَيَّةَ مُحَاوَلَةٍ لِلْمُطَارَدَةِ فِي هَذِهِ العَتَمَةِ، فِي حَيٍّ لَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَهُ جَيِّدًا، سَتَكُونُ عَبَثِيَّةً وَرُبَّمَا خَطِرَةً. وَقَفَ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ عَتَبَةِ البَابِ الخَلْفِيِّ، يَتَفَحَّصُ الحَدِيقَةَ الصَّغِيرَةَ المُظْلِمَةَ بِعَيْنَيْنِ مُتَوَتِّرَتَيْنِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُمَيِّزَ أَيَّ أَثَرٍ إِضَافِيٍّ قَدْ يُسَاعِدُهُمْ لَاحِقًا: بَصْمَةَ قَدَمٍ فِي التُّرَابِ الرَّخْوِ، خَيْطًا مِنْ قُمَاشٍ عَالِقٍ فِي شُجَيْرَةٍ، أَيَّ شَيْءٍ عَلَى الإِطْلَاقِ. لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَاضِحًا فِي العَتَمَةِ الكَثِيفَةِ، سِوَى بَوَّابَةٍ خَشَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي نِهَايَةِ الحَدِيقَةِ، مَفْتُوحَةٍ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، تُؤَدِّي إِلَى زُقَاقٍ فَرْعِيٍّ آخَرَ يَمْتَدُّ بَعِيدًا فِي الظَّلَامِ.
هَرَعَ سَلِيمٌ نَحْوَ تَوْفِيقٍ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ مُمْسِكًا بِذِرَاعِهِ، أَنِينُهُ يَمْلَأُ الغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ. فَحَصَتْ يَاسَمِينُ ذِرَاعَهُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَتْ كَدْمَةً قَوِيَّةً لَكِنْ لَا كَسْرَ ظَاهِرًا، رَغْمَ أَنَّ الرَّجُلَ العَجُوزَ كَانَ يَرْتَجِفُ مِنَ الصَّدْمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرْتَجِفُ مِنَ الأَلَمِ الجَسَدِيِّ نَفْسِهِ.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغُصَّةِ ذَنْبٍ إِضَافِيَّةٍ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. «إِذَنْ نَحْنُ مَنْ عَرَّضَكَ لِهَذَا الخَطَرِ مُبَاشَرَةً، بِمَجِيئِنَا هَذَا المَسَاءَ بِالذَّاتِ.»
«لَا تَلُمْ نَفْسَكَ يَا وَلَدِي.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِلُطْفٍ مُفَاجِئٍ رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ. «هَذَا الخَطَرُ كَانَ قَائِمًا مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، أَنْتُمَا فَقَطْ عَجَّلْتُمَا بِظُهُورِهِ اللَّيْلَةَ. رُبَّمَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا يَوْمًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ تَوْقِيتِهِ بِالضَّبْطِ.»
«هَلْ نَتَّصِلُ بِطَبِيبٍ؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ، وَهِيَ تَفْحَصُ الذِّرَاعَ بِأَصَابِعَ حَذِرَةٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَتَذَكَّرَ أَيَّ إِسْعَافَاتٍ أَوَّلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ تَعَلَّمَتْهَا خِلَالَ سَنَوَاتِ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ فِي مَنَاطِقَ مُضْطَرِبَةٍ أَحْيَانًا.
«لَا أَطِبَّاءَ.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ رَغْمَ ضَعْفِهِ الظَّاهِرِ. «لَا أُرِيدُ أَيَّ سِجِلٍّ رَسْمِيٍّ يُوَثِّقُ أَنَّنِي تَعَرَّضْتُ لِاعْتِدَاءٍ اللَّيْلَةَ. كُلَّمَا قَلَّ عَدَدُ مَنْ يَعْرِفُ بِمَا حَدَثَ هُنَا، كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لِسَلَامَتِي.»
أَحْضَرَ سَلِيمٌ مِنْشَفَةً مُبَلَّلَةً مِنَ المَطْبَخِ الصَّغِيرِ، وَوَضَعَهَا بِلُطْفٍ عَلَى ذِرَاعِ تَوْفِيقٍ المُصَابَةِ، بَيْنَمَا جَلَسَتْ يَاسَمِينُ تُرَاقِبُ البَابَ الخَلْفِيَّ بِقَلَقٍ، خَشْيَةَ عَوْدَةِ المُهَاجِمِ أَوْ وُصُولِ شَرِيكٍ لَهُ. تَفَحَّصَتِ الغُرْفَةَ بِعَيْنَيْنِ يَقِظَتَيْنِ، لَاحَظَتْ أَنَّ الدَّفْتَرَ الجِلْدِيَّ اخْتَفَى تَمَامًا مِنَ الطَّاوِلَةِ، لَمْ يَتَبَقَّ مَكَانَهُ سِوَى فَرَاغٍ صَغِيرٍ فِي الغُبَارِ الخَفِيفِ المُتَرَاكِمِ عَلَى السَّطْحِ الخَشَبِيِّ، وَكَأَنَّ الدَّفْتَرَ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ يَوْمًا.
«مَاذَا كَانَ مَكْتُوبًا فِي الصَّفَحَاتِ الَّتِي أَخَذَهَا؟» سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُقَيِّمَ حَجْمَ الخَسَارَةِ الحَقِيقِيَّ. «هَلْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَ كُلَّ شَيْءٍ، أَمْ بَقِيَ جُزْءٌ لَمْ تُدَوِّنْهُ بَعْدُ؟»
فَكَّرَ تَوْفِيقٌ لِلَحْظَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِعَادَةَ تَفَاصِيلِ مَا كَتَبَهُ عَلَى مَدَى السَّنَوَاتِ المَاضِيَةِ. «كَتَبْتُ كُلَّ مَا رَوَيْتُهُ لَكُمَا اللَّيْلَةَ تَقْرِيبًا، بِالإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِ التَّفَاصِيلِ الأَدَقِّ عَنْ هُوِيَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي أَعْطَانِي المَالَ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَذْكُرِ اسْمَهُ صَرَاحَةً حَتَّى فِي الدَّفْتَرِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي يَدٍ خَاطِئَةٍ يَوْمًا، تَمَامًا كَمَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ بِالضَّبْطِ.»
«سَيِّدَ تَوْفِيقٍ، أَنَا آسِفٌ جِدًّا، هَذَا خَطَئِي.» قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالنَّدَمِ. «لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ مَجِيئِي سَيُعَرِّضُكَ لِخَطَرٍ مُبَاشِرٍ كَهَذَا. كَانَ يَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ أَطْرُقَ بَابَكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُفَاجِئَةِ.»
نَظَرَ إِلَيْهِ تَوْفِيقٌ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَزِيجٍ مِنَ الخَوْفِ وَالغَضَبِ، لَكِنَّ غَضَبَهُ، كَمَا أَدْرَكَ سَلِيمٌ، لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا حَقًّا نَحْوَهُ شَخْصِيًّا، بَلْ نَحْوَ الظَّرْفِ بِأَكْمَلِهِ الَّذِي وَجَدَ نَفْسَهُ مُحَاصَرًا فِيهِ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا دُونَ مَخْرَجٍ حَقِيقِيٍّ. تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَجْمِعَ مَا تَبَقَّى مِنْ هُدُوئِهِ المُتَصَدِّعِ، قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ الحَدِيثَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا قَلِيلًا. «أَخَذُوا الدَّفْتَرَ. كُلُّ مَا كَتَبْتُهُ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، كُلُّ التَّفَاصِيلِ الَّتِي كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَنْسَاهَا، ذَهَبَتِ الآنَ فِي يَدِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُبْقِيَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ مَدْفُونَةً إِلَى الأَبَدِ.»
«هَلْ كَتَبْتَ الاسْمَ؟ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي أَعْطَاكَ المَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ، رَغْمَ إِدْرَاكِهِ أَنَّ التَّوْقِيتَ سَيِّئٌ لِلْغَايَةِ لِهَذَا السُّؤَالِ.
اتَّسَعَتْ عَيْنَا تَوْفِيقٍ بِذُعْرٍ مُتَجَدِّدٍ. «لَا مَزِيدَ مِنَ الأَسْئِلَةِ. لَا اللَّيْلَةَ، وَلَا أَيَّةَ لَيْلَةٍ أُخْرَى.» قَالَهَا بِصَوْتٍ مُتَصَلِّبٍ فَجْأَةً، مُتَرَاجِعًا عَنْ كُلِّ الثِّقَةِ الَّتِي بَنَاهَا مَعَهُمَا خِلَالَ السَّاعَةِ المَاضِيَةِ. «لَقَدْ رَأَيْتُمَا بِأَنْفُسِكُمَا مَا يَحْدُثُ لِمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ هَذِهِ الحَقِيقَةِ. أَنَا رَجُلٌ عَجُوزٌ، وَلَمْ يَعُدْ لَدَيَّ الكَثِيرُ مِنَ السَّنَوَاتِ لِأَخْسَرَهَا، لَكِنَّنِي أَيْضًا لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِأُخَاطِرَ بِمَا تَبَقَّى مِنْهَا.»
«سَيِّدَ تَوْفِيقٍ، أَرْجُوكَ…» حَاوَلَتْ يَاسَمِينُ أَنْ تَتَدَخَّلَ بِلُطْفٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَجِدَ طَرِيقَةً لِإِقْنَاعِهِ دُونَ الضَّغْطِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ. «نَحْنُ لَا نَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُخَاطِرَ بِحَيَاتِكَ، فَقَطْ أَنْ تُخْبِرَنَا بِمَا يَكْفِي لِنُكْمِلَ الطَّرِيقَ بِأَنْفُسِنَا، بَعِيدًا عَنْكَ تَمَامًا بَعْدَ اللَّيْلَةِ.»
«لَا.» قَاطَعَهَا بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ يُخَالِفُ هَشَاشَتَهُ الجَسَدِيَّةَ الظَّاهِرَةَ. «كُلُّ مَعْلُومَةٍ إِضَافِيَّةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِي الآنَ قَدْ تَكُونُ كَافِيَةً لِتَحْدِيدِ مَصْدَرِهَا لَاحِقًا، مَهْمَا حَاوَلْتُمَا إِخْفَاءَ الأَمْرِ. غَادِرَا بَيْتِي الآنَ، مِنْ فَضْلِكُمَا. وَإِنْ كُنْتُمَا تَهْتَمَّانِ بِسَلَامَتِي فِعْلًا، فَلَا تَعُودَا إِلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى. لَقَدْ أَعْطَيْتُكُمَا مَا اسْتَطَعْتُ، وَالبَاقِي عَلَيْكُمَا أَنْ تَكْتَشِفَاهُ بِأَنْفُسِكُمَا، بَعِيدًا عَنِّي.»
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يُقْنِعَهُ بِالبَقَاءِ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ بِإِكْمَالِ بِضْعِ جُمَلٍ أَخِيرَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُذَكِّرَهُ بِصَدَاقَتِهِ القَدِيمَةِ مَعَ جَدِّهِ، بِالثِّقَةِ الَّتِي مَنَحَهُ إِيَّاهَا وَالِدُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، لَكِنَّ تَوْفِيقٍ أَغْلَقَ فَمَهُ بِإِصْرَارٍ وَاضِحٍ، يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى نَحْوَهُمَا، وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ إِضَافِيَّةٍ قَدْ تُنْطَقُ سَتَكُونُ ثَقِيلَةً عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ جَسَدُهُ المُتْعَبُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
آخِرُ جُمْلَةٍ
نَهَضَتْ يَاسَمِينُ أَخِيرًا، وَأَشَارَتْ لِسَلِيمٍ بِنَظْرَةٍ صَامِتَةٍ أَنَّ الوَقْتَ حَانَ لِلْمُغَادَرَةِ، مَهْمَا كَانَتِ الأَسْئِلَةُ العَالِقَةُ كَثِيرَةً. سَاعَدَا تَوْفِيقًا عَلَى الجُلُوسِ بِأَمَانٍ عَلَى أَرِيكَتِهِ، وَتَأَكَّدَا مِنْ إِغْلَاقِ البَابِ الخَلْفِيِّ بِإِحْكَامٍ قَدْرَ الإِمْكَانِ، رَغْمَ أَنَّ قُفْلَهُ بَدَا مَكْسُورًا بِشَكْلٍ يَصْعُبُ إِصْلَاحُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
«يَجِبُ أَنْ نُبَلِّغَ الشُّرْطَةَ بِمَا حَدَثَ هُنَا.» قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ وَهُوَ يَجْمَعُ أَغْرَاضَهُ اسْتِعْدَادًا لِلْمُغَادَرَةِ. «لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْرُكَ سَيِّدَ تَوْفِيقٍ دُونَ حِمَايَةٍ بَعْدَ اعْتِدَاءٍ مُبَاشِرٍ كَهَذَا.»
هَزَّتْ يَاسَمِينُ رَأْسَهَا مُوَافِقَةً، لَكِنَّهَا أَضَافَتْ بِحَذَرٍ: «المُشْكِلَةُ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ نَثِقَ بِهِ دَاخِلَ جِهَازِ الشُّرْطَةِ نَفْسِهِ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ بِالذَّاتِ. لَكِنْ يُوجَدُ شَخْصٌ وَاحِدٌ، ضَابِطُ تَحْقِيقٍ أَعْرِفُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، اسْمُهُ رَامِي عَاصِي، نَزِيهٌ بِقَدْرِ مَا عَرَفْتُ أَيَّ ضَابِطٍ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ. رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِأَتَّصِلَ بِهِ، وَلَوْ بِشَكْلٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ فِي البِدَايَةِ، لِأَسْتَشِيرَهُ دُونَ أَنْ أَكْشِفَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ بَعْدُ.»
«هَلْ تَثِقِينَ بِهِ فِعْلًا؟»
«أَثِقُ أَنَّهُ لَنْ يَبِيعَ القَضِيَّةَ لِأَعْلَى مُزَايِدٍ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِمَّا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ عَنْ أَغْلَبِ مَنْ يَعْمَلُونَ مَعَهُ.» أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِصَرَاحَةٍ. «لَكِنَّ الثِّقَةَ الكَامِلَةَ شَيْءٌ آخَرُ، لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ مَنْحِهَا لِأَيِّ أَحَدٍ بِسُهُولَةٍ بَعْدَ اللَّيْلَةِ.»
وَعَدَ سَلِيمٌ نَفْسَهُ أَنْ يُتَابِعَ هَذَا الخَيْطَ لَاحِقًا، لَكِنَّ أَوْلَوِيَّتَهُ الآنَ كَانَتِ التَّأَكُّدَ مِنْ سَلَامَةِ تَوْفِيقٍ قَبْلَ مُغَادَرَةِ البَيْتِ نِهَائِيًّا. اقْتَرَحَ أَنْ يَبْقَى أَحَدُهُمَا مَعَهُ حَتَّى الصَّبَاحِ، لَكِنَّ الرَّجُلَ العَجُوزَ رَفَضَ بِإِصْرَارٍ، مُطَمْئِنًا إِيَّاهُمَا بِأَنَّهُ اعْتَادَ الِاعْتِنَاءَ بِنَفْسِهِ وَحِيدًا لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّ وُجُودَهُمَا أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ فِي بَيْتِهِ قَدْ يَجْذِبُ انْتِبَاهًا إِضَافِيًّا غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ. أَصَرَّ سَلِيمٌ عَلَى الأَقَلِّ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ رَقْمَ هَاتِفِهِ الشَّخْصِيَّ، مَكْتُوبًا عَلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ فَوْرًا إِنْ شَعَرَ بِأَيِّ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، دُونَ تَرَدُّدٍ.
«سَأَفْعَلُ، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَعِدُ بِأَنَّنِي سَأَرُدُّ دَائِمًا.» قَالَ تَوْفِيقٌ بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوَّلِ ابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ يُبْدِيهَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذَا اللِّقَاءِ المُضْطَرِبِ. «لَكِنْ أَعْرِفُ أَنَّكَ، عَلَى عَكْسِ كَثِيرِينَ مَرُّوا بِحَيَاتِي، تَسْأَلُ مِنْ قَلْبِكَ لَا مِنْ مَصْلَحَةٍ، وَهَذَا وَحْدَهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ أَثِقَ بِهِ قَلِيلًا، رَغْمَ كُلِّ مَخَاوِفِي.»
قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَا نِهَائِيًّا مِنَ البَابِ الأَمَامِيِّ، تَوَقَّفَ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، وَأَمْسَكَ بِمِعْصَمِ سَلِيمٍ بِيَدِهِ المُرْتَجِفَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً أَخِيرَةً مَلِيئَةً بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاعْتِذَارَ الصَّامِتَ.
«اسْمُ العَائِلَةِ الَّتِي حَكَمَتْ هَذِهِ المَدِينَةَ مِنَ الظِّلِّ طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا لَا يَبْدَأُ بِحَرْفِ الدَّالِ يَا وَلَدِي.» هَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ، قَبْلَ أَنْ يُفْلِتَ مِعْصَمَهُ وَيَسْتَدِيرَ بَعِيدًا، رَافِضًا أَنْ يُضِيفَ كَلِمَةً وَاحِدَةً أُخْرَى، تَارِكًا سَلِيمًا وَيَاسَمِينَ يَقِفَانِ فِي عَتَبَةِ البَابِ، مَذْهُولَيْنِ مِنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تَنْسِفُ كُلَّ افْتِرَاضٍ بَنَيَاهُ طَوَالَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ المَاضِيَةِ حَوْلَ هُوِيَّةِ الخَصْمِ الحَقِيقِيِّ وَرَاءَ كُلِّ هَذَا.

السَّيَّارَةُ فِي الظَّلَامِ

مَشَيَا بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ عَبْرَ الزُّقَاقِ المُظْلِمِ، مُبْتَعِدَيْنِ عَنْ بَيْتِ تَوْفِيقٍ، حَتَّى وَصَلَا إِلَى سَيَّارَةِ يَاسَمِينَ المَرْكُونَةِ عِنْدَ مَدْخَلِ الزُّقَاقِ. جَلَسَا بِدَاخِلِهَا دُونَ أَنْ يُشَغِّلَا المُحَرِّكَ فَوْرًا، كِلَاهُمَا يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ ثِقْلِ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ.
«لَا يَبْدَأُ بِحَرْفِ الدَّالِ.» كَرَّرَ سَلِيمٌ الجُمْلَةَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. «يَقْصِدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَائِلَةَ دَرْوِيشٍ؟ لَكِنْ كُلَّ شَيْءٍ يُشِيرُ إِلَى كَمَالٍ مُنْذُ اليَوْمِ الأَوَّلِ، العَرْضُ المُلِحُّ، المِفْتَاحُ القَدِيمُ، سُؤَالُهُ عَنْ أَوْرَاقِ أَبِي…»
«رُبَّمَا كَمَالٌ جُزْءٌ مِنَ الشَّبَكَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ رَأْسَهَا.» فَكَّرَتْ يَاسَمِينُ بِصَوْتٍ عَالٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُرَتِّبَ أَفْكَارَهَا المُتَطَايِرَةَ. «أَوْ رُبَّمَا يَعْمَلُ كَمَالٌ لِصَالِحِ شَخْصٍ آخَرَ، عَائِلَةٍ أُخْرَى تَقِفُ خَلْفَهُ، تُدِيرُ كُلَّ هَذَا مِنَ الظِّلِّ الحَقِيقِيِّ بَيْنَمَا يَظْهَرُ هُوَ كَوَاجِهَةٍ عَامَّةٍ لِلْمَشْرُوعِ. هَذَا يُفَسِّرُ كَثِيرًا مِنَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي بَدَتْ غَيْرَ مَنْطِقِيَّةٍ لِي طَوَالَ تَحْقِيقَاتِي السَّابِقَةِ: كَمَالٌ يَمْلِكُ المَالَ وَالنُّفُوذَ الظَّاهِرَ، لَكِنْ بَعْضَ القَرَارَاتِ الَّتِي رَصَدْتُهَا فِي تَحْقِيقَاتِي القَدِيمَةِ بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تُتَّخَذُ مِنْ مُسْتَوًى أَعْلَى مِنْهُ، بِسُرْعَةٍ وَحَسْمٍ لَا يَتَنَاسَبَانِ مَعَ طَرِيقَةِ عَمَلِهِ المُعْتَادَةِ.»
اسْتَعَادَتْ يَاسَمِينُ مِنْ ذَاكِرَتِهَا تَفْصِيلًا صَغِيرًا أَهْمَلَتْهُ سَابِقًا: اجْتِمَاعًا مُغْلَقًا حَضَرَهُ كَمَالٌ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، ذَكَرَتْهُ مَصَادِرُهَا آنَذَاكَ بِشَكْلٍ عَابِرٍ، مَعَ «شَرِيكَةٍ اسْتِثْمَارِيَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ» لَمْ تَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ هُوِيَّتِهَا الكَامِلَةِ حِينَهَا، ظَانَّةً أَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِتَمْوِيلٍ عَادِيٍّ لَا أَكْثَرَ. تَسَاءَلَتِ الآنَ، بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، إِنْ كَانَتْ تِلْكَ «الشَّرِيكَةُ» هِيَ المَرْأَةُ نَفْسُهَا الَّتِي بَدَأَتْ مَلَامِحُ دَوْرِهَا تَتَّضِحُ تَدْرِيجِيًّا فِي هَذِهِ القِصَّةِ.
«إِذَنْ مَنْ؟» سَأَلَ سَلِيمٌ بِإِحْبَاطٍ مُتَزَايِدٍ. «كُلُّ هَذَا التَّحْقِيقِ، كُلُّ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَبَدَلَ أَنْ نَقْتَرِبَ مِنْ إِجَابَةٍ، وَجَدْنَا سُؤَالًا جَدِيدًا أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الأَسْئِلَةِ السَّابِقَةِ.»
«هَذَا مَا يَحْدُثُ دَائِمًا فِي التَّحْقِيقَاتِ الحَقِيقِيَّةِ يَا سَلِيمُ.» أَجَابَتْ يَاسَمِينُ بِحِكْمَةٍ مُتْعَبَةٍ. «كُلُّ طَبَقَةٍ تَكْشِفُهَا تَكْشِفُ طَبَقَةً أَعْمَقَ تَحْتَهَا. لَكِنْ عَلَى الأَقَلِّ الآنَ نَعْرِفُ شَيْئًا لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ صَبَاحَ اليَوْمِ: أَنَّنَا كُنَّا نَنْظُرُ فِي الِاتِّجَاهِ الخَطَأِ جُزْئِيًّا طَوَالَ الوَقْتِ.»
شَغَّلَتْ يَاسَمِينُ المُحَرِّكَ أَخِيرًا، وَقَادَتِ السَّيَّارَةَ بِبُطْءٍ عَبْرَ شَوَارِعِ المَدِينَةِ اللَّيْلِيَّةِ الهَادِئَةِ، بَيْنَمَا بَقِيَ سَلِيمٌ صَامِتًا، يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الأَضْوَاءِ المُتَنَاثِرَةِ لِمَدِينَةٍ بَدَأَتْ تَبْدُو لَهُ، مَعَ كُلِّ سَاعَةٍ تَمُرُّ، أَشْبَهَ بِمَدِينَتَيْنِ مُتَرَاكِبَتَيْنِ: وَاحِدَةٍ ظَاهِرَةٍ، مَأْلُوفَةٍ، يَعْرِفُهَا مِنْ طُفُولَتِهِ، وَأُخْرَى خَفِيَّةٍ، أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ وَأَكْثَرَ خُطُورَةً، تَحْكُمُهَا شَبَكَةٌ مِنَ المَصَالِحِ وَالأَسْرَارِ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ حَتَّى الآنَ حُدُودَهَا الحَقِيقِيَّةَ.
«سَأُوصِلُكَ إِلَى بَيْتِكَ.» قَالَتْ يَاسَمِينُ أَخِيرًا، كَاسِرَةً الصَّمْتَ الطَّوِيلَ. «لَكِنْ كُنْ حَذِرًا اللَّيْلَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. مَنْ نَفَّذَ هَذَا الِاقْتِحَامَ يَعْرِفُ الآنَ أَنَّنَا نَقْتَرِبُ، وَقَدْ لَا يَكْتَفِي بِسَرِقَةِ دَفْتَرٍ بَعْدَ الآنَ.»
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ بِصَمْتٍ، مُدْرِكًا أَنَّ الخَطَرَ الَّذِي كَانَ يَشْعُرُ بِهِ مُجَرَّدًا وَبَعِيدًا قَبْلَ بِضْعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، أَصْبَحَ الآنَ حَقِيقِيًّا وَمَلْمُوسًا وَقَرِيبًا بِشَكْلٍ مُرْعِبٍ، يَقْتَرِبُ مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ مَنْ حَاوَلَ مُسَاعَدَتَهُ، شَخْصًا تِلْوَ الآخَرِ.
لَيَانُ فِي انْتِظَارِهِ
وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى بَيْتِ العَائِلَةِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ بِقَلِيلٍ، لِيَجِدَ لَيَانَ مُسْتَيْقِظَةً فِي الصَّالَةِ، جَالِسَةً عَلَى الأَرِيكَةِ تَحْتَضِنُ كُوبَ شَايٍ بَارِدٍ، لَمْ تَسْتَطِعِ النَّوْمَ مُنْذُ اتِّصَالِهَا الهَاتِفِيِّ مَعَهُ بَعْدَ الظُّهْرِ.
«أَيْنَ كُنْتَ طَوَالَ هَذَا الوَقْتِ؟ حَاوَلْتُ الاتِّصَالَ بِكَ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ تُجِبْ.» قَالَتْ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ، ثُمَّ لَاحَظَتْ شُحُوبَ وَجْهِهِ وَارْتِبَاكَ حَرَكَاتِهِ. «سَلِيمُ، مَاذَا حَدَثَ؟ وَجْهُكَ يُخْبِرُنِي أَنَّ شَيْئًا سَيِّئًا وَقَعَ.»
جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَرَوَى لَهَا بِإِيجَازٍ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ تَوْفِيقٍ: الِاقْتِحَامَ، إِصَابَةَ الرَّجُلِ العَجُوزِ البَسِيطَةَ، سَرِقَةَ الدَّفْتَرِ، وَالجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ الغَامِضَةَ عَنِ العَائِلَةِ الَّتِي «لَا يَبْدَأُ اسْمُهَا بِحَرْفِ الدَّالِ». أَصْغَتْ لَيَانُ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ، يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حَوْلَ كُوبِ الشَّايِ البَارِدِ.
«هَذَا يَعْنِي أَنَّ كَمَالًا قَدْ لَا يَكُونُ العَدُوَّ الحَقِيقِيَّ كَمَا ظَنَنَّا جَمِيعًا.» قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. «مَنْ غَيْرُهُ يَمْلِكُ هَذَا النُّفُوذَ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ؟»
«لَا أَعْرِفُ بَعْدُ.» اعْتَرَفَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ مُرْهَقٍ. «لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنَا لَسْنَا آمِنِينَ تَمَامًا حَتَّى فِي بَيْتِنَا هَذَا. تَأَكَّدِي مِنْ إِغْلَاقِ كُلِّ الأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ بِإِحْكَامٍ اللَّيْلَةَ، وَإِنْ سَمِعْتِ أَيَّ صَوْتٍ غَرِيبٍ، أَيْقِظِينِي فَوْرًا.»
نَظَرَتْ لَيَانُ إِلَيْهِ بِقَلَقٍ أَخَوِيٍّ عَمِيقٍ. «وَأَنْتَ؟ هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ حَقًّا؟»
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يُطَمْئِنَهَا رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطْمَئِنًّا بِنَفْسِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ. «سَأَكُونُ بِخَيْرٍ. فَقَطْ أَحْتَاجُ إِلَى بَعْضِ النَّوْمِ، وَالكَثِيرِ مِنَ التَّفْكِيرِ، قَبْلَ أَنْ أُقَرِّرَ خُطْوَتِي التَّالِيَةَ فِي الصَّبَاحِ.»

الصَّوْتُ عَلَى الهَاتِفِ

فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ المَدِينَةِ، فِي شُقَّةٍ مُتَوَاضِعَةٍ لَا تُشْبِهُ فَخَامَةَ مَكْتَبِ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ عَلَى الإِطْلَاقِ، جَلَسَ الرَّجُلُ الَّذِي اقْتَحَمَ بَيْتَ تَوْفِيقٍ قَبْلَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَقَدْ خَلَعَ قِنَاعَهُ أَخِيرًا، كَاشِفًا عَنْ وَجْهِ شَابٍّ فِي أَوَاخِرِ العِشْرِينِيَّاتِ، مُتَعَرِّقًا مِنَ الجَرْيِ السَّرِيعِ عَبْرَ أَزِقَّةِ الحَيِّ القَدِيمِ.
وَضَعَ الدَّفْتَرَ الجِلْدِيَّ المَسْرُوقَ عَلَى طَاوِلَةٍ أَمَامَهُ، وَرَنَّ هَاتِفُهُ بَعْدَ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ. أَجَابَ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِاسْمِهِ.
«هَلْ حَصَلْتَ عَلَيْهِ؟» سَأَلَ صَوْتُ امْرَأَةٍ هَذِهِ المَرَّةَ، لَا صَوْتَ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ، وَلَا صَوْتَ الرَّجُلِ المَجْهُولِ الَّذِي هَدَّدَ سَلِيمًا هَاتِفِيًّا فِي الفُصُولِ السَّابِقَةِ.
«حَصَلْتُ عَلَيْهِ.» أَجَابَ الشَّابُّ بِلَهْجَةٍ مُرْهَقَةٍ. «لَكِنَّ العَجُوزَ تَحَدَّثَ كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ أَصِلَ. لَا أَعْرِفُ كَمْ أَخْبَرَهُمَا بِالضَّبْطِ.»
«لَا يُهِمُّ كَمْ أَخْبَرَهُمَا، طَالَمَا لَمْ يَذْكُرِ الاسْمَ.» قَالَتِ المَرْأَةُ بِهُدُوءٍ بَارِدٍ يُوحِي بِسُلْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. «افْتَحِ الدَّفْتَرَ الآنَ، وَاقْرَأْ لِي آخِرَ صَفْحَةٍ كَتَبَهَا، كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ.»
فَتَحَ الشَّابُّ الدَّفْتَرَ بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ مُرْتَجِفَتَيْنِ قَلِيلًا، وَبَدَأَ يَقْرَأُ الصَّفْحَةَ الأَخِيرَةَ الَّتِي كَتَبَهَا تَوْفِيقٌ قَبْلَ مَجِيءِ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ بِسَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، بَيْنَمَا كَانَتِ المَرْأَةُ تُصْغِي فِي صَمْتٍ تَامٍّ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، تَنْتَظِرُ لِتَسْمَعَ إِنْ كَانَ اسْمُهَا هِيَ نَفْسِهَا قَدْ ظَهَرَ أَخِيرًا عَلَى الوَرَقِ بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الحِمَايَةِ الحَذِرَةِ. نَظَرَ الشَّابُّ حَوْلَهُ فِي الشُّقَّةِ الصَّغِيرَةِ المُتَوَاضِعَةِ، مُتَسَائِلًا بِصَمْتٍ عَنْ نَوْعِ المَرْأَةِ الَّتِي تُدِيرُ عَمَلِيَّةً بِهَذَا الحَجْمِ مِنْ مَكَانٍ لَا يُعْرَفُ عَنْهُ شَيْءٌ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَخُونُ أَيَّ تَوَتُّرٍ رَغْمَ خُطُورَةِ المَوْقِفِ الَّذِي وَصَفَهُ لَهُ لِتَوِّهَا.
قَرَأَ الشَّابُّ بِبُطْءٍ، مُتَلَعْثِمًا أَحْيَانًا فِي فَكِّ رُمُوزِ الخَطِّ اليَدَوِيِّ المُرْتَجِفِ لِلرَّجُلِ العَجُوزِ: «…الشَّاحِنَاتُ تَوَقَّفَتْ، وَالرِّجَالُ المُلَثَّمُونَ دَخَلُوا، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَدَخَّلَ. لَا أَعْرِفُ حَتَّى اليَوْمِ مَنْ دَبَّرَ كُلَّ هَذَا بِالضَّبْطِ، أَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَعْطَانِي المَالَ…» تَوَقَّفَ الشَّابُّ فَجْأَةً، وَأَعَادَ قِرَاءَةَ السَّطْرِ مَرَّةً أُخْرَى لِلتَّأَكُّدِ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ. «الصَّفْحَةُ تَنْتَهِي هُنَا. لَمْ يُكْمِلِ الجُمْلَةَ. يَبْدُو أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ الكِتَابَةِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ الِاسْمَ مُبَاشَرَةً، رُبَّمَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ الدَّفْتَرُ يَوْمًا فِي يَدٍ خَاطِئَةٍ تَمَامًا كَمَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ.»
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الهَاتِفِ، صَمْتٌ بَدَا لِلشَّابِّ أَثْقَلَ مِنْ أَيَّةِ كَلِمَةٍ قَدْ تُقَالَ. أَخِيرًا، تَنَفَّسَتِ المَرْأَةُ بِعُمْقٍ وَاضِحٍ حَتَّى عَبْرَ سَمَّاعَةِ الهَاتِفِ، وَكَأَنَّهَا تَتَخَلَّصُ مِنْ تَوَتُّرٍ تَرَاكَمَ طَوَالَ السَّاعَةِ المَاضِيَةِ.
«جَيِّدٌ.» قَالَتْ أَخِيرًا بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ عَادَتْ إِلَيْهَا سَيْطَرَتُهَا الكَامِلَةُ. «احْتَفِظْ بِالدَّفْتَرِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَرَاهُ، حَتَّى كَمَالًا نَفْسَهُ. سَأُخْبِرُكَ مَتَى وَأَيْنَ تُسَلِّمُهُ لِي شَخْصِيًّا.» تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً قَلِيلًا: «وَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّكَ لَمْ تُرَ مِنْ أَحَدٍ وَأَنْتَ تَدْخُلُ ذَلِكَ البَيْتَ أَوْ تَخْرُجُ مِنْهُ. لَا مَجَالَ لِأَيِّ خَطَأٍ إِضَافِيٍّ بَعْدَ الآنَ.»
«وَمَاذَا عَنِ العَجُوزِ؟ هَلْ نَتَخَلَّصُ مِنْهُ نِهَائِيًّا هَذِهِ المَرَّةَ، بَدَلَ أَنْ نَتْرُكَهُ يَعِيشُ وَحِيدًا يَخْشَى المَوْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟» سَأَلَ الشَّابُّ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ يُثْقِلُ عَلَيْهِ أَخْلَاقِيًّا رَغْمَ عَمَلِهِ فِي هَذَا المَجَالِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
«لَا.» أَجَابَتِ المَرْأَةُ بِحَزْمٍ قَاطِعٍ. «مَا زَالَ حَيًّا أَكْثَرَ فَائِدَةً لَنَا مَيِّتًا فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ بِالذَّاتِ. رَجُلٌ عَجُوزٌ خَائِفٌ صَامِتٌ أَفْضَلُ مِنْ جُثَّةٍ تُثِيرُ تَحْقِيقًا جَدِيدًا فِي وَقْتٍ حَسَّاسٍ كَهَذَا. اتْرُكْهُ، وَرَاقِبْ فَقَطْ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ بَعْدَ اللَّيْلَةِ.»
أَنْهَتِ المُكَالَمَةَ دُونَ وَدَاعٍ، تَارِكَةً الشَّابَّ وَحِيدًا فِي شُقَّتِهِ المُتَوَاضِعَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الدَّفْتَرِ الجِلْدِيِّ المَفْتُوحِ أَمَامَهُ، مُتَسَائِلًا، لَيْسَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى، عَنْ حَجْمِ الشَّبَكَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ ضِمْنَهَا دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَنْ رَأْسُهَا بِالضَّبْطِ، وَلَا كَمْ عَدَدُ الأَرْوَاحِ الَّتِي أُزْهِقَتْ بِهُدُوءٍ عَلَى مَدَى خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً لِحِمَايَةِ سِرٍّ وَاحِدٍ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِضْعَ كَلِمَاتٍ فِي النِّهَايَةِ.
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ بِبُطْءٍ، وَوَضَعَهُ فِي دُرْجٍ مُقْفَلٍ أَسْفَلَ طَاوِلَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ فِي صَمْتِ الشُّقَّةِ الخَالِيَةِ، يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ المَدِينَةِ الخَافِتِ يَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ المَفْتُوحَةِ قَلِيلًا، مَدِينَةً لَا تَعْرِفُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَنَّ سِرَّهَا القَدِيمَ بَدَأَ يَتَصَدَّعُ أَخِيرًا بَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ مِنَ الصَّمْتِ المَفْرُوضِ بِالقُوَّةِ وَالخَوْفِ وَالمَالِ، وَأَنَّ حَفِيدًا عَائِدًا مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ قَرَّرَ أَلَّا يَدَعَهُ مَدْفُونًا بَعْدَ الآنَ، مَهْمَا كَلَّفَهُ هَذَا القَرَارُ مِنْ ثَمَنٍ بَاهِظٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، وَثَمَنٍ آخَرَ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهُمْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ فِي طَرِيقِهِ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَرَغْمَ كُلِّ الخَوْفِ وَالأَلَمِ وَالأَسْئِلَةِ الَّتِي بَقِيَتْ بِلَا إِجَابَةٍ، شَعَرَ سَلِيمٌ أَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى الأَقَلِّ أَصْبَحَ وَاضِحًا تَمَامًا فِي ذِهْنِهِ: لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ التَّرَاجُعُ، وَلَا التَّوَقُّفُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، مَهْمَا بَلَغَ الثَّمَنُ الَّذِي بَدَأَ يُدْفَعُ، شَخْصًا بَعْدَ آخَرَ، مُنْذُ أَنْ قَرَّرَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَدِينَتِهِ بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الغِيَابِ.
كَانَ يَعْرِفُ الآنَ أَنَّ الخَصْمَ الحَقِيقِيَّ رُبَّمَا لَا يَزَالُ مَجْهُولَ المَلَامِحِ تَمَامًا، وَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَالِيَةٍ سَتَحْمِلُ مَخَاطِرَ أَكْبَرَ مِمَّا سَبَقَهَا، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَيْضًا، بِيَقِينٍ هَادِئٍ بَدَأَ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِهِ مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، أَنَّ وَالِدَهُ وَجَدَّهُ كِلَيْهِمَا كَانَا سَيَفْخَرَانِ بِهِ لَوْ رَأَيَاهُ الآنَ، مُصَمِّمًا عَلَى إِكْمَالِ الطَّرِيقِ الَّذِي بَدَآهُ وَلَمْ يَسْتَطِيعَا إِنْهَاءَهُ بِنَفْسَيْهِمَا.
هَذِهِ اللَّيْلَةُ، مَهْمَا حَمَلَتْ مِنْ أَلَمٍ وَخَوْفٍ وَمُفَاجَآتٍ مُؤْلِمَةٍ، لَمْ تَكُنِ النِّهَايَةَ، بَلْ مُجَرَّدَ بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ لِفَصْلٍ أَعْمَقَ وَأَخْطَرَ مِمَّا سَبَقَهُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً

الْفَصْلُ السَّادِسُ

عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَلَتْهُ يَاسْمِينُ إِلَى الشَّارِعِ الرَّئِيسِيِّ الْمُؤَدِّي إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ، مُصِرَّةً عَلَى الْمُغَادَرَةِ بِسُرْعَةٍ. دَخَلَ بِهُدُوءٍ شَدِيدٍ، وَتَوَقَّفَ لَحْظَةً عِنْدَ الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ، يَنْظُرُ إِلَى شَجَرَةِ الْيَاسْمِينِ الْعَجُوزِ الَّتِي بَدَتْ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ الْخَافِتِ أَكْثَرَ هُدُوءًا بِكَثِيرٍ مِنْ كُلِّ الِاضْطِرَابِ الَّذِي يَعْتَمِلُ فِي دَاخِلِهِ.
دَخَلَ إِلَى الصَّالَةِ، فَوَجَدَ لَيَانَ لَا تَزَالُ مُسْتَيْقِظَةً، جَالِسَةً فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ الَّذِي تَرَكَهَا فِيهِ قَبْلَ سَاعَاتٍ. لَكِنَّ شَيْئًا فِي وَجْهِهَا كَانَ مُخْتَلِفًا هَذِهِ الْمَرَّةَ عَنْ قَلَقِهَا الْمُعْتَادِ: كَانَتْ شَاحِبَةً بِشَكْلٍ غَيْرِ طَبِيعِيٍّ، وَيَدَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ بِقُوَّةٍ فِي حِجْرِهَا، وَعَيْنَاهَا مُحْمَرَّتَانِ مِنْ بُكَاءٍ طَوِيلٍ حَاوَلَتْ إِخْفَاءَهُ.
“لَيَانُ؟” اقْتَرَبَ مِنْهَا سَلِيمٌ بِحَذَرٍ. “مَاذَا حَدَثَ؟”
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ. “لَا أَحَدَ اتَّصَلَ بِي يَا سَلِيمُ. لَكِنِّي… لَمْ أَسْتَطِعِ النَّوْمَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرْتَنِي بِمَا حَدَثَ لِتَوْفِيقٍ، وَبَقِيتُ أُفَكِّرُ، حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ حَمْلَ هَذَا وَحْدِي لَحْظَةً أُخْرَى. مُنْذُ وَفَاةِ أَبِي، وَأَنَا أَشْعُرُ أَنِّي أَحْمِلُ وَزْنًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ كَتِفَايَ.”
جَلَسَ أَمَامَهَا، وَأَمْسَكَ بِيَدَيْهَا الْمُتَشَابِكَتَيْنِ بِلُطْفٍ. “لَيَانُ، مَهْمَا كَانَ الْأَمْرُ، يُمْكِنُكِ أَنْ تُخْبِرِينِي بِهِ.”
رَفَعَتْ أَخِيرًا عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ، وَفِيهِمَا خَلِيطٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالذَّنْبِ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي وَجْهِهَا. “سَلِيمُ، هُنَاكَ شَيْءٌ لَمْ أُخْبِرْكَ بِهِ مُنْذُ عَوْدَتِكَ. شَيْءٌ فَعَلْتُهُ قَبْلَ وُصُولِكَ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.”
“لَيَانُ، مَاذَا فَعَلْتِ؟”
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ. “وَقَّعْتُ عَلَى وَرَقَةٍ قَدَّمَهَا لِي كَمَالُ دَرْوِيشٍ، قَبْلَ يَوْمَيْنِ مِنْ وُصُولِكَ، تُفَوِّضُهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي جُزْءٍ مِنْ مِيرَاثِ الْعَائِلَةِ نِيَابَةً عَنَّا، بِحُجَّةِ تَسْرِيعِ إِجْرَاءَاتٍ تَخُصُّ الْمِيرَاثَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي مُبَاشَرَةً.”
“مَتَى بِالضَّبْطِ؟ وَكَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟”
“جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي مُبَاشَرَةً لِوَفَاةِ أَبِي، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ أَنْتَ حَتَّى.” بَدَأَتْ لَيَانُ تَرْوِي بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. “كُنْتُ لَا أَزَالُ فِي حَالَةِ صَدْمَةٍ، لَمْ أَنَمْ مُنْذُ يَوْمَيْنِ، وَأُمِّي كَانَتْ مُنْهَارَةً تَمَامًا فِي غُرْفَتِهَا. جَاءَ كَمَالٌ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ حِدَادٍ أَنِيقَةً، حَامِلًا بَاقَةَ وَرْدٍ كَبِيرَةً، تَمَامًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ حِينَ كُنَّا أَطْفَالًا. جَلَسَ مَعِي فِي هَذِهِ الصَّالَةِ بِالذَّاتِ، وَتَحَدَّثَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ دَافِئٍ عَنْ أَبِي، حَتَّى بَكَيْتُ أَمَامَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.”
“وَثِقْتِ بِهِ لِهَذَا الْحَدِّ؟”
“كَانَ صَدِيقَ أَبِي مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا يَا سَلِيمُ! لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ سَبَبٌ حِينَهَا لِأَشُكَّ فِي نَوَايَاهُ، خَاصَّةً أَنِّي كُنْتُ مُرْهَقَةً تَمَامًا مِنَ الْحُزْنِ وَالتَّرْتِيبَاتِ، وَلَمْ أُفَكِّرْ بِعُمْقٍ كَافٍ فِيمَا كُنْتُ أُوَقِّعُ عَلَيْهِ بِالضَّبْطِ.”
“وَمَاذَا كَانَ نَصُّ التَّفْوِيضِ بِالتَّحْدِيدِ؟ هَلِ احْتَفَظْتِ بِنُسْخَةٍ مِنْهُ؟”
هَزَّتْ لَيَانُ رَأْسَهَا بِحُزْنٍ. “لَمْ أَحْتَفِظْ بِنُسْخَةٍ، وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ الْآنَ. وَقَّعْتُ فِي مَكْتَبِ أَبِي نَفْسِهِ، وَأَخَذَهَا مَعَهُ فَوْرَ تَوْقِيعِي، قَائِلًا إِنَّهُ سَيُرْسِلُ لِي نُسْخَةً مُصَوَّرَةً لِـ’الْأَرْشِيفِ الْعَائِلِيِّ’، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ قَطُّ.”
نَهَضَ سَلِيمٌ مِنْ مَكَانِهِ، وَمَشَى ذَهَابًا وَإِيَابًا فِي الصَّالَةِ الصَّغِيرَةِ لِدَقَائِقَ، يُحَاوِلُ أَنْ يُهَدِّئَ نَفْسَهُ. “لَيَانُ، هَذَا قَدْ يُفَسِّرُ الْكَثِيرَ. تَذْكُرِينَ حِينَ سَأَلَنِي كَمَالٌ فِي الْعَزَاءِ إِنْ كَانَ أَبِي قَدْ تَرَكَ لِي أَوْرَاقًا تَخُصُّ الْمِلْكِيَّةَ؟ رُبَّمَا كَانَ يَتَحَقَّقُ مِمَّا إِذَا كَانَ التَّفْوِيضُ الَّذِي وَقَّعْتِهِ كَافِيًا بِالْفِعْلِ.”
“سَلِيمُ، أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا.” قَالَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ يَخْنُقُهُ الْبُكَاءُ. “لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُ حِينَهَا وَلَوْ جُزْءًا بَسِيطًا مِمَّا تَكْتَشِفُهُ أَنْتَ الْآنَ، لَمَا وَقَّعْتُ عَلَى تِلْكَ الْوَرَقَةِ أَبَدًا.”
جَلَسَ بِجَانِبِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَاحْتَضَنَهَا بِلُطْفٍ. “لَا تَلُومِي نَفْسَكِ يَا لَيَانُ. كُنْتِ فِي أَضْعَفِ لَحْظَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَكَمَالٌ اسْتَغَلَّ ذَلِكَ بِدِقَّةٍ مَحْسُوبَةٍ، تَمَامًا كَمَا فَعَلَ مَعَ أَبِي بِطُرُقٍ أُخْرَى، وَمَعَ جَدِّي مِنْ قَبْلِهِ. أَنْتِ ضَحِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَا شَرِيكَةٌ فِي أَيَّةِ جَرِيمَةٍ.”

فَكَّرَ سَلِيمٌ لَحْظَةً، ثُمَّ سَأَلَهَا: “هَلْ تَتَذَكَّرِينَ أَيَّةَ تَفَاصِيلَ أُخْرَى مِنْ نَصِّ التَّفْوِيضِ؟”
حَاوَلَتْ لَيَانُ أَنْ تَسْتَعِيدَ الذَّاكِرَةَ بِصُعُوبَةٍ. “أَذْكُرُ عِبَارَةً غَرِيبَةً، شَيْئًا عَنْ ‘حَقِّ الِاطِّلَاعِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْأَرْشِيفِ الْقَانُونِيِّ وَالْوَثَائِقِيِّ لِلْمَرْحُومِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ أَيَّةُ مُحْتَوَيَاتٍ مُخَزَّنَةٍ دَاخِلَ مُمْتَلَكَاتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ أَمَاكِنِ حِفْظِهِ الشَّخْصِيَّةِ.’ ظَنَنْتُهَا حِينَهَا صِيَاغَةً قَانُونِيَّةً رُوتِينِيَّةً.”
شَحَبَ وَجْهُ سَلِيمٍ. “أَمَاكِنُ حِفْظِهِ الشَّخْصِيَّةُ… لَيَانُ، هَذَا قَدْ يَشْمَلُ الْغُرْفَةَ السِّرِّيَّةَ نَفْسَهَا. هَلْ وَقَّعْتِ فِعْلِيًّا عَلَى تَفْوِيضٍ يَمْنَحُ كَمَالًا الْحَقَّ الْقَانُونِيَّ، وَلَوِ الشَّكْلِيَّ، لِلْوُصُولِ إِلَى كُلِّ مَا كَانَ أَبِي يُخْفِيهِ؟”
شَحَبَ وَجْهُ لَيَانَ أَكْثَرَ. “يَا إِلَهِي، سَلِيمُ.”

سُمِعَ صَوْتُ خُطُوَاتٍ خَفِيفَةٍ قَادِمَةً مِنَ الْمَمَرِّ: كَانَتِ الْأُمُّ، مُسْتَيْقِظَةً رَغْمَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ. “سَمِعْتُ أَصْوَاتًا. هَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟”
قَالَتْ لَيَانُ: “أُمِّي، تَعَالَيْ وَاجْلِسِي. هُنَاكَ شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفِيهِ.” أَعَادَتْ لَيَانُ رِوَايَتَهَا بِاخْتِصَارٍ. شَحَبَ وَجْهُ الْأُمِّ تَمَامًا.
“ذَلِكَ الرَّجُلُ.” قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِمَرَارَةٍ عَمِيقَةٍ. “كُنْتُ أَشُكُّ فِيهِ دَائِمًا، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. أَذْكُرُ لَيْلَةً وَاحِدَةً، قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا، سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ فِي الْهَاتِفِ بِوُضُوحٍ: ‘لَنْ أَسْمَحَ لَكَ بِأَنْ تَسْتَمِرَّ فِي هَذَا يَا كَمَالُ، لَيْسَ عَلَى حِسَابِ أَرْوَاحِ النَّاسِ.’ حِينَ سَأَلْتُهُ فِي الصَّبَاحِ، أَنْكَرَ.”
احْتَضَنَتْ لَيَانُ أُمَّهَا بِحَرَارَةٍ.

بَعْدَ أَنْ عَادَتِ الْأُمُّ إِلَى غُرْفَتِهَا، عَادَ سَلِيمٌ وَلَيَانُ إِلَى التَّخْطِيطِ الْعَمَلِيِّ. “لَيَانُ، هَلْ تَعْرِفِينَ اسْمَ الْكَاتِبِ الْعَدْلِ الَّذِي وَثَّقَ التَّفْوِيضَ؟”
“أَذْكُرُ أَنَّ كَمَالًا أَحْضَرَ مَعَهُ كَاتِبَ عَدْلٍ خَاصًّا، لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. حَتَّى مَكَانُ التَّوْقِيعِ لَمْ يَكُنْ مَكْتَبَ الْكَاتِبِ الرَّسْمِيِّ، بَلْ هُنَا فِي بَيْتِنَا.”
“هَذَا قَدْ يَكُونُ فِي صَالِحِنَا فِي الْوَاقِعِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِأَمَلٍ حَذِرٍ. “إِنْ كَانَتِ الْوَثِيقَةُ غَيْرَ مُوَثَّقَةٍ بِالشَّكْلِ الْقَانُونِيِّ الصَّحِيحِ، فَقَدْ نَسْتَطِيعُ الطَّعْنَ فِي شَرْعِيَّتِهَا بِالْكَامِلِ.”
قَالَتْ لَيَانُ: “لِهَذَا نَحْتَاجُ رَامِي عَاصِي، أَوْ مُحَامِيًا يَثِقُ بِهِ هُوَ.”
نَظَرَتْ لَيَانُ إِلَى أَخِيهَا بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ فَجْأَةً: “سَلِيمُ، هَلْ تُسَامِحُنِي عَلَى مَا فَعَلْتُهُ؟”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَضَمَّهَا مَرَّةً أُخْرَى. “لَا يُوجَدُ شَيْءٌ لِأُسَامِحَكِ عَلَيْهِ يَا لَيَانُ. نَحْنُ الِاثْنَانِ الْآنَ فِي نَفْسِ الْجَانِبِ، ضِدَّ نَفْسِ الْخَصْمِ.”

فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ سَلِيمٌ مِنَ الِاتِّصَالِ بِأَيِّ أَحَدٍ، وَصَلَ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ مُغَلَّفٌ رَسْمِيٌّ كَبِيرٌ، يَحْمِلُ خَتْمَ الْبَلَدِيَّةِ وَشِعَارَ دَائِرَةِ السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ، مُوَجَّهٌ بِاسْمِ “وَرَثَةِ الْمَرْحُومِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ”.
فَتَحَتْهُ لَيَانُ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ. كَانَتِ الْوَثِيقَةُ إِخْطَارًا رَسْمِيًّا يُفِيدُ بِأَنَّ “الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ كَمَالَ دَرْوِيشٍ” قَدْ تَقَدَّمَ بِطَلَبٍ رَسْمِيٍّ، قَبْلَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ، لِتَسْجِيلِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ بَيْتِ الْعَائِلَةِ ضِمْنَ مُخَطَّطِ “تَطْوِيرِ حَيِّ الْيَاسْمِينِ”، اسْتِنَادًا إِلَى التَّفْوِيضِ الْمُوَقَّعِ مِنْ “لَيَانَ مُرَادٍ بِصِفَتِهَا مُمَثِّلَةَ الْوَرَثَةِ”، وَأَنَّ الطَّلَبَ سَيُبَتُّ فِيهِ خِلَالَ خَمْسَةِ أَيَّامِ عَمَلٍ مَا لَمْ يُقَدَّمْ اعْتِرَاضٌ رَسْمِيٌّ مُوَثَّقٌ قَبْلَ ذَلِكَ.
“خَمْسَةُ أَيَّامٍ.” هَمَسَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. “خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ لِنُثْبِتَ أَنَّ هَذَا التَّفْوِيضَ بَاطِلٌ، أَوْ سَنَخْسَرُ الْبَيْتَ بِأَكْمَلِهِ رَسْمِيًّا.”
“لِمَاذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ. “لِمَاذَا يَتَحَرَّكُ كَمَالٌ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، فِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِالذَّاتِ، بَعْدَ أَنْ بَدَأْنَا نَقْتَرِبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ؟”
“لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّنَا نَقْتَرِبُ.” أَجَابَتْ لَيَانُ. “رُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّهُ إِنْ أَتَمَّ نَقْلَ الْمِلْكِيَّةِ رَسْمِيًّا قَبْلَ أَنْ نَجِدَ أَيَّ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، فَلَنْ يُهِمَّ بَعْدَهَا مَاذَا نَكْتَشِفُ.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ: “هَذَا مَنْطِقِيٌّ مِنْ مَنْظُورِهِ، لَكِنَّهُ يُخْبِرُنَا أَيْضًا بِشَيْءٍ مُهِمٍّ: هُوَ خَائِفٌ. هَذَا يَعْنِي أَنَّنَا أَقْرَبُ إِلَى إِيذَائِهِ فِعْلِيًّا مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ.”
“أَوْ أَنَّ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ هُوَ مَنْ يَضْغَطُ عَلَيْهِ لِيُسَرِّعَ الْأُمُورَ.” أَضَافَتْ لَيَانُ. “تَذَكَّرْ مَا قَالَهُ تَوْفِيقٌ: الْعَائِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا يَبْدَأُ اسْمُهَا بِحَرْفِ الدَّالِ.”

فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ الْمُطِلِّ عَلَى سَاحَةِ الْمَدِينَةِ الرَّئِيسِيَّةِ، كَانَ كَمَالُ دَرْوِيشٍ يَقْرَأُ تَقْرِيرًا قَانُونِيًّا يُؤَكِّدُ أَنَّ طَلَبَ نَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ قُدِّمَ رَسْمِيًّا بِنَجَاحٍ. عَلَى الْجِدَارِ خَلْفَهُ، كَانَتْ مُعَلَّقَةً صُورَةٌ كَبِيرَةٌ لِوَالِدِهِ فَارِسٍ دَرْوِيشٍ.
رَنَّ هَاتِفُهُ. “هَلْ تَمَّ تَقْدِيمُ الطَّلَبِ؟” سَأَلَ صَوْتٌ أُنْثَوِيٌّ هَادِئٌ.
“تَمَّ بِنَجَاحٍ.” أَجَابَ كَمَالٌ بِثِقَةٍ. “خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَسَيُصْبِحُ الْبَيْتُ مِلْكًا لَنَا رَسْمِيًّا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَكْتَشِفُهُ الِابْنُ الْعَنِيدُ أَوْ صَحَفِيَّتُهُ.”
“لَا تَسْتَهِنْ بِهِمَا.” حَذَّرَتِ الْمَرْأَةُ. “الِابْنُ يَحْمِلُ دَمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ مَعًا. اسْتَمِرَّ فِي مُرَاقَبَتِهِمَا، وَأَخْبِرْنِي فَوْرًا بِأَيِّ تَحَرُّكٍ جَدِيدٍ.”
أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، تَارِكَةً كَمَالًا يُحَدِّقُ فِي هَاتِفِهِ، وَشَيْءٌ مِنَ الْقَلَقِ يَتَسَلَّلُ رَغْمَ إِرَادَتِهِ إِلَى ثِقَتِهِ الْمُعْتَادَةِ. تَذَكَّرَ جُمْلَةً قَالَهَا لَهُ وَالِدُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ: “الْأَرْضُ الَّتِي نَبْنِي عَلَيْهَا ثَرْوَتَنَا يَا كَمَالُ، أَسَاسُهَا لَيْسَ صُخُورًا وَطِينًا فَحَسْبُ، بَلْ صَمْتًا طَوِيلًا اشْتَرَيْنَاهُ بِثَمَنٍ بَاهِظٍ. احْرِصْ دَائِمًا أَلَّا يَتَكَلَّمَ هَذَا الصَّمْتُ يَوْمًا.”

اتَّصَلَ سَلِيمٌ بِيَاسْمِينَ فَوْرَ مُغَادَرَةِ سَاعِي الْبَرِيدِ، وَشَرَحَ لَهَا كُلَّ شَيْءٍ. صَمَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِجِدِّيَّةٍ: “هَذَا أَسْوَأُ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. دَعْنِي أَتَّصِلُ بِبَعْضِ مَعَارِفِي فِي دَائِرَةِ السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ فَوْرًا. لَدَيَّ أَيْضًا مَعَارِفُ قُدَامَى فِي أَرْشِيفِ الْمَحْكَمَةِ قَدْ يُسَاعِدُونَنِي بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ إِنْ طَلَبْتُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا شَخْصِيًّا.”
“وَهَذِهِ حَالَةٌ قُصْوَى، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
“بِالتَّأْكِيدِ.” أَجَابَتْ بِحَزْمٍ. “خَمْسَةُ أَيَّامٍ لَا تَسْمَحُ لِي بِرَفَاهِيَةِ الِالْتِزَامِ بِكُلِّ قَوَاعِدِي الْمُعْتَادَةِ. أَوَّلًا، يَجِبُ أَنْ نَجِدَ نُسْخَةً مِنَ التَّفْوِيضِ نَفْسِهِ. ثَانِيًا، يَجِبُ أَنْ نَتَحَدَّثَ إِلَى رَامِي عَاصِي الْيَوْمَ بِالذَّاتِ.”
اتَّفَقَا أَنْ يَلْتَقِيَا عِنْدَ الظُّهْرِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ يُحَدِّدُهُ رَامِي عَاصِي نَفْسُهُ.

قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ سَلِيمٌ لِلِقَاءِ يَاسْمِينَ، ذَهَبَ مَعَ لَيَانَ إِلَى غُرْفَةِ أُمِّهِمَا لِلْبَحْثِ عَنِ الصُّنْدُوقِ الْمَعْدِنِيِّ الَّذِي ذَكَرَتْهُ لَيَانُ سَابِقًا. وَجَدَاهُ فِي أَسْفَلِ خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ، مُغَطًّى بِطَبَقَةٍ مِنَ الْغُبَارِ. فَتَحَتْهُ لَيَانُ بِمِفْتَاحٍ صَغِيرٍ احْتَفَظَتْ بِهِ أُمُّهَا مُعَلَّقًا عَلَى سِلْسِلَةِ رَقَبَتِهَا، فَوَجَدَا بِدَاخِلِهِ أَوْرَاقًا عَائِلِيَّةً مُتَنَوِّعَةً: شَهَادَاتِ مِيلَادٍ، عَقْدَ زَوَاجِ الْوَالِدَيْنِ، صُوَرًا قَدِيمَةً، وَرِسَالَةَ حُبٍّ صَغِيرَةً كَتَبَهَا الْأَبُ لِأُمِّهِمَا قَبْلَ زَوَاجِهِمَا بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ.
وَفِي الْأَسْفَلِ، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، وَجَدَا وَثِيقَةً تَبْدُو أَقْدَمَ مِنَ الْبَقِيَّةِ: سَنَدُ مِلْكِيَّةٍ أَصْلِيٌّ لِلْبَيْتِ وَالْأَرْضِ الْمُحِيطَةِ بِهِ، مُؤَرَّخٌ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، يَحْمِلُ اسْمَيْ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ وَزَوْجَتِهِ مَعًا كَمَالِكَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ.
“هَذَا قَدْ يَكُونُ مَا نَحْتَاجُهُ بِالضَّبْطِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِأَمَلٍ مُتَجَدِّدٍ، وَهُوَ يُصَوِّرُ الْوَثِيقَةَ بِهَاتِفِهِ. “إِنْ كَانَتِ الْمِلْكِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ مُسَجَّلَةً بِاسْمِ أَبِي وَأُمِّي مَعًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَيَّ تَفْوِيضٍ وَقَّعْتِهِ أَنْتِ وَحْدَكِ، دُونَ تَوْقِيعِ أُمِّي أَيْضًا، قَدْ يَكُونُ قَانُونِيًّا غَيْرَ كَافٍ.”
ابْتَسَمَتْ لَيَانُ ابْتِسَامَةَ أَمَلٍ حَذِرَةً لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ اعْتِرَافِهَا اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ. “أَخِيرًا شَيْءٌ إِيجَابِيٌّ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الظَّلَامِ.”

وَقَفَ سَلِيمٌ لَحْظَةً عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، يَنْظُرُ إِلَى الْفِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ وَشَجَرَةِ الْيَاسْمِينِ الْعَجُوزِ الَّتِي شَهِدَتْ، بِصَمْتِهَا النَّبَاتِيِّ الْهَادِئِ، كُلَّ هَذَا التَّارِيخِ الْمُتَرَاكِمِ مِنَ الْأَفْرَاحِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَسْرَارِ. فَكَّرَ فِي جَدِّهِ الَّذِي بَكَى حِينَ اكْتَشَفَ حَقِيقَةَ تَوْقِيعِهِ، وَفِي أَبِيهِ الَّذِي أَمْضَى سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةَ يُحَاوِلُ تَصْحِيحَ خَطَأٍ لَمْ يَقْتَرِفْهُ هُوَ، وَفِي نَفْسِهِ الْآنَ، الْحَلْقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ بِفَارِقٍ وَاحِدٍ مُهِمٍّ: لَمْ يَعُدْ وَحِيدًا كَمَا كَانَا.
خَرَجَ الْأَخَوَانِ مَعًا مِنَ الْبَيْتِ، تَارِكَيْنِ وَرَاءَهُمَا شَجَرَةَ الْيَاسْمِينِ الْعَجُوزَ تَتَمَايَلُ بِهُدُوءٍ فِي نَسِيمِ الظَّهِيرَةِ الْحَارِّ. فِي مَقْعَدِ السَّيَّارَةِ، قَبْلَ أَنْ يُشَغِّلَ سَلِيمٌ الْمُحَرِّكَ، نَظَرَتْ إِلَيْهِ لَيَانُ نَظْرَةً أَخِيرَةً: “مَهْمَا اكْتَشَفْنَا الْيَوْمَ، أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي سَعِيدَةٌ أَنَّكَ عُدْتَ، سَلِيمُ.”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ لَهَا، وَشَغَّلَ الْمُحَرِّكَ أَخِيرًا. “أَنَا أَيْضًا سَعِيدٌ أَنِّي عُدْتُ يَا لَيَانُ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.”
قَادَ السَّيَّارَةَ بِبُطْءٍ عَبْرَ شَوَارِعِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ، مُبْتَعِدًا عَنْ بَيْتِ الْعَائِلَةِ نَحْوَ مَوْعِدِهِمَا الْمَصِيرِيِّ، بَيْنَمَا بَقِيَتْ شَجَرَةُ الْيَاسْمِينِ خَلْفَهُمَا، صَامِتَةً كَعَادَتِهَا، شَاهِدَةً صَبُورَةً عَلَى فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَكُنْ قَدِ اقْتَرَبَتْ بَعْدُ مِنْ نِهَايَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ.

الْفَصْلُ السَّابِعُ

اخْتَارَ رَامِي عَاصِي مَكَانَ اللِّقَاءِ بِعِنَايَةِ مَنْ يَعْرِفُ ثِقَلَ الْأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ: لَا مَرْكَزَ الشُّرْطَةِ، وَلَا أَيَّ فَضَاءٍ عَامٍّ يُثِيرُ سُؤَالًا فِي عَيْنِ مَارٍّ عَابِرٍ، بَلْ شُقَّةً مُتَوَاضِعَةً فِي حَيٍّ سَكَنِيٍّ هَادِئٍ، بَعِيدَةً عَنْ ضَجِيجِ الْمَدِينَةِ، وَصَفَهَا بِأَنَّهَا “شُقَّةُ أُخْتِي، لَا صِلَةَ لَهَا بِعَمَلِي عَلَى الْإِطْلَاقِ”. وَصَلَ سَلِيمٌ وَلَيَانُ وَيَاسَمِينُ مَعًا، بَعْدَ أَنْ أَقَلَّتْهُمَا يَاسَمِينُ بِسَيَّارَتِهَا، مُتَجَنِّبِينَ أَيَّ طَرِيقٍ مُبَاشِرٍ قَدْ يُسَهِّلُ تَعَقُّبَهُمْ، وَمُتَوَقِّفِينَ مَرَّتَيْنِ فِي الطَّرِيقِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ خُلُوِّ الشَّارِعِ الْخَلْفِيِّ مِنْ أَيِّ سَيَّارَةٍ صَامِتَةٍ تُلَاحِقُهُمْ، وَفْقَ تَعْلِيمَاتِ يَاسَمِينَ الْحَذِرَةِ، تِلْكَ الَّتِي صَقَلَتْهَا سَنَواتٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِصَحَافَةٍ لَا تَغْفِرُ الثِّقَةَ الْعَمْيَاءَ.
طَوَالَ الطَّرِيقِ، لَزِمَ سَلِيمٌ صَمْتَهُ، عَيْنَاهُ عَالِقَتَانِ بِنَافِذَةِ السَّيَّارَةِ، يَتَأَمَّلُ شَوَارِعَ الْمَدِينَةِ الَّتِي أَخَذَتْ تَسْتَعِيدُ أُلْفَتَهَا فِيهِ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ؛ لَا أُلْفَةَ الْحَنِينِ الْبَرِيءِ الَّذِي اجْتَاحَهُ فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ، بَلْ أُلْفَةً أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ قَلَقًا، مَعْرِفَةً تَتَنَامَى بِالظِّلَالِ الْكَامِنَةِ خَلْفَ كُلِّ وَاجِهَةٍ هَادِئَةٍ، خَلْفَ كُلِّ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ يَتَظَاهَرُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْخَارِجِ.
فَتَحَ لَهُمْ رَامِي الْبَابَ بِنَفْسِهِ: رَجُلٌ فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينَاتِ، طَوِيلُ الْقَامَةِ، بِعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ تُوحِيَانِ بِيَقَظَةٍ لَا تَهْدَأُ، يَرْتَدِي مَلَابِسَ مَدَنِيَّةً بَسِيطَةً لَا تُشِي بِمِهْنَتِهِ فِي شَيْءٍ، قَمِيصًا كَاجُوَالًا وَبَنْطَالًا رِيَاضِيًّا، وَكَأَنَّهُ يَقْضِي عُطْلَةً عَادِيَّةً لَا يَسْتَقْبِلُ فِيهَا ضُيُوفًا فِي قَضِيَّةٍ خَطِيرَةٍ. صَافَحَهُمْ بِحَرَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُمْ بِإِحْكَامٍ، وَتَأَكَّدَ مِنْ إِسْدَالِ السَّتَائِرِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ الْحَدِيثَ، بِحَرَكَاتٍ دَقِيقَةٍ تُنْبِئُ بِأَنَّهُ يُمَارِسُ هَذَا الطَّقْسَ الْأَمْنِيَّ أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيحُ أَيَّ إِنْسَانٍ عَادِيٍّ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ جَادٌّ: “شُكْرًا لِثِقَتِكُمْ. أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ هَذَا قَدْ يَبْدُو مُبَالَغًا فِيهِ، لَكِنِّي بَعْدَ مَا جَرَى مَعَكَ فِي بَيْتِ تَوْفِيقٍ، يَا سَيِّدَ مُرَادٍ، لَمْ أَعُدْ قَادِرًا عَلَى تَجَاهُلِ حَجْمِ الْخَطَرِ الَّذِي تَتَحَرَّكُونَ دَاخِلَهُ.”
جَلَسُوا حَوْلَ طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الصَّالَةِ الْمُتَوَاضِعَةِ، وَشَرَعَ رَامِي يَرْوِي خَلْفِيَّتَهُ بِإِيجَازٍ: “أَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، أَغْلَبُهَا فِي قِسْمِ التَّحْقِيقَاتِ الْجِنَائِيَّةِ. انْضَمَمْتُ إِلَى الشُّرْطَةِ بِدَافِعٍ مِثَالِيٍّ بَسِيطٍ، رُبَّمَا سَاذِجٍ بَعْضَ الشَّيْءِ حِينَ أَسْتَعِيدُهُ الْآنَ: أَرَدْتُ أَنْ أَحْمِيَ النَّاسَ، أَنْ أَكُونَ جُزْءًا مِنْ نِظَامِ عَدَالَةٍ حَقِيقِيٍّ فِي مَدِينَةٍ أُحِبُّهَا رَغْمَ كُلِّ عُيُوبِهَا. عَرَفْتُ يَاسَمِينَ مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، حِينَ كُنْتُ أُحَقِّقُ فِي قَضِيَّةِ فَسَادٍ صَغِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِرُشًى فِي تَرَاخِيصِ الْبِنَاءِ، وَأَعَانَتْنِي مَعْلُومَةٌ قَدَّمَتْهَا هِيَ عَلَى كَشْفِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْقَضِيَّةُ بِأَكْمَلِهَا قَدْ أُغْلِقَتْ لَاحِقًا بِضَغْطٍ مِنْ جِهَاتٍ أَعْلَى، كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا يَبْدُو.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى يَاسَمِينَ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ أَرْدَفَ: “مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، نَتَشَارَكُ أَحْيَانًا مَعْلُومَاتٍ حَسَّاسَةً حِينَ يَطْمَئِنُّ كُلٌّ مِنَّا إِلَى أَنَّ الْآخَرَ يَسْعَى إِلَى الْحَقِيقَةِ ذَاتِهَا، لَا إِلَى مَصْلَحَةٍ شَخْصِيَّةٍ أَوْ سَبْقٍ صَحَفِيٍّ أَوْ تَرْقِيَةٍ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الثِّقَةِ نَادِرٌ جِدًّا فِي مِهْنَتَيْنَا، وَأُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ.”
نَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً، وَتَغَيَّرَتْ نَبْرَتُهُ فَغَدَتْ أَثْقَلَ وَأَكْثَرَ جِدِّيَّةً. “حِينَ تُوُفِّيَ وَالِدُكَ، يَا سَيِّدَ مُرَادٍ، كُنْتُ مِنْ أَوَائِلِ الضُّبَّاطِ الَّذِينَ بَلَغُوا مَسْرَحَ الْحَادِثِ، ضِمْنَ فَرِيقِ الدَّعْمِ الْأَوَّلِيِّ الْمُكَلَّفِ بِتَأْمِينِ الْمَكَانِ قَبْلَ وُصُولِ الْمُحَقِّقِينَ الرَّسْمِيِّينَ. ثَمَّةَ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ الْمَشْهَدِ لَمْ يَسْتَقِمْ فِي ذِهْنِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ، حَدْسٌ مِهَنِيٌّ تَرَاكَمَ لَدَيَّ عَبْرَ سِنِينَ مِنْ مُعَايَنَةِ مَسَارِحِ جَرَائِمَ حَقِيقِيَّةٍ، لَكِنَّ الْمِلَفَّ أُغْلِقَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَاعَةً، بِتَوْقِيعٍ مُبَاشِرٍ مِنْ ضَابِطٍ أَعْلَى رُتْبَةً مِنِّي، دُونَ تَحْقِيقٍ حَقِيقِيٍّ يُذْكَرُ، وَبِسُرْعَةٍ أَثَارَتِ اسْتِغْرَابِي حَتَّى فِي حِينِهَا.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِلَهْفَةٍ: “مَاذَا رَأَيْتَ بِالضَّبْطِ؟”
تَوَقَّفَ رَامِي، وَتَفَحَّصَ الْحَاضِرِينَ بِنَظْرَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ مَدَى اسْتِعْدَادِهِمْ لِسَمَاعِ التَّفَاصِيلِ. “دَعُونِي أُرِيكُمْ شَيْئًا، بَدَلَ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ بِالْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا.”
نَهَضَ، وَأَحْضَرَ مِنْ غُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً قَدِيمَةً، أَخْرَجَ مِنْهَا مُغَلَّفًا بُنِّيًّا سَمِيكًا، وَفَتَحَهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَكَأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ شَيْءٍ هَشٍّ يَتَحَطَّمُ بِلَمْسَةٍ خَاطِئَةٍ. أَخْرَجَ مِنْهُ صُوَرًا فُوتُوغْرَافِيَّةً، بَعْضُهَا مُلَوَّنٌ وَبَعْضُهَا بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَنَشَرَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ بِتَرْتِيبٍ دَقِيقٍ يُوحِي بِأَنَّهُ رَتَّبَهَا وَأَعَادَ تَرْتِيبَهَا مِرَارًا خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ، وَحِيدًا، دُونَ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا أَحَدًا.
قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: “هَذِهِ نُسَخٌ غَيْرُ رَسْمِيَّةٍ احْتَفَظْتُ بِهَا مِنْ مَسْرَحِ الْحَادِثِ، قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ الْمِلَفُّ رَسْمِيًّا. الْتَقَطْتُهَا بِهَاتِفِي الشَّخْصِيِّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ فَرِيقُ التَّحْقِيقِ الرَّسْمِيُّ وَيَشْرَعَ فِي ‘تَرْتِيبِ’ الْمَشْهَدِ عَلَى طَرِيقَتِهِ. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ حِينَهَا أَنِّي سَأَحْتَاجُهَا يَوْمًا، لَكِنَّ حَدْسِي الْمِهَنِيَّ قَالَ لِي أَلَّا أَدَعَ كُلَّ الْأَدِلَّةِ تَتَبَخَّرُ فِي أَدْرَاجٍ مُغْلَقَةٍ إِلَى الْأَبَدِ، كَمَا حَدَثَ فِي قَضَايَا أُخْرَى شَهِدْتُهَا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَبْرَ السِّنِينَ.”
أَشَارَ إِلَى الصُّورَةِ الْأُولَى: مَكْتَبُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ كَمَا وُجِدَ يَوْمَ وَفَاتِهِ، الْكُرْسِيُّ مَقْلُوبٌ جُزْئِيًّا، وَأَوْرَاقٌ مُتَنَاثِرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ. حَدَّقَ سَلِيمٌ فِي الصُّورَةِ بِأَلَمٍ صَامِتٍ، مُتَخَيِّلًا أَبَاهُ فِي لَحَظَاتِهِ الْأَخِيرَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، الْمَكَانِ نَفْسِهِ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ هُوَ قَبْلَ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ يَقْرَأُ رِسَالَةَ أَبِيهِ الْأَخِيرَةَ. شَعَرَ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهِ، وَتَمَنَّى لِلَحْظَةٍ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ الطَّاوِلَةِ، لَكِنَّهُ أَرْغَمَ نَفْسَهُ عَلَى الْبَقَاءِ وَالتَّدْقِيقِ، مَدِينًا لِأَبِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الشَّجَاعَةِ.
قَالَ رَامِي، مُشِيرًا إِلَى زَاوِيَةِ الصُّورَةِ: “لَاحِظُوا هُنَا.” حَيْثُ بَدَا كُوبَا شَايٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، أَحَدُهُمَا فَارِغٌ تَمَامًا، وَالْآخَرُ لَا يَزَالُ مُمْتَلِئًا جُزْئِيًّا. “التَّقْرِيرُ الرَّسْمِيُّ وَصَفَ الْوَفَاةَ بِأَنَّهَا وَقَعَتْ أَثْنَاءَ عَمَلِ وَالِدِكَ الْمُنْفَرِدِ فِي مَكْتَبِهِ، لَيْلًا، وَحِيدًا تَمَامًا. لَكِنَّ هُنَا كُوبَيْنِ، لَا كُوبًا وَاحِدًا. وَكِلَاهُمَا كَانَ لَا يَزَالُ دَافِئًا حِينَ وَصَلْنَا، بِحَسَبِ مُلَاحَظَتِي الشَّخْصِيَّةِ فِي حِينِهَا، وَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ تَوْثِيقَ حَرَارَتِهِمَا رَسْمِيًّا، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنْ لَدَيَّ حِينَهَا خِبْرَةٌ كَافِيَةٌ لِأُدْرِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أُوَثِّقَ كُلَّ تَفْصِيلٍ بِنَفْسِي، مَهْمَا بَدَا تَافِهًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.”
شَعَرَتْ لَيَانُ بِيَدِهَا تَرْتَجِفُ وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ، وَعَيْنَاهَا تَمْتَلِئَانِ بِدُمُوعٍ عَجَزَتْ عَنْ كَبْحِهَا. قَالَتْ: “أُمِّي كَانَتْ تُعِدُّ لَهُ الشَّايَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَقْرِيبًا، لَكِنَّهَا أَكَّدَتْ لِي أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ مَكْتَبَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، احْتِرَامًا لِرَغْبَتِهِ فِي الْعَمَلِ بِهُدُوءٍ. أَيَعْنِي هَذَا أَنَّ أَحَدًا آخَرَ كَانَ مَعَهُ؟ شَخْصًا شَرِبَ الشَّايَ مَعَهُ، وَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ، رُبَّمَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ؟”
أَوْمَأَ رَامِي بِجِدِّيَّةٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْمِهَنِيَّةِ الْبَارِدَةِ. “هَذَا مَا أُرَجِّحُهُ بِقُوَّةٍ. وَثَمَّةَ الْمَزِيدُ، لِلْأَسَفِ.”
أَخْرَجَ صُورَةً ثَانِيَةً أَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْقَلَقِ: لَقْطَةٌ بِزَاوِيَةٍ وَاسِعَةٍ لِنَافِذَةِ الْمَكْتَبِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، حَيْثُ بَدَا السِّتَارُ مُزَاحًا جُزْئِيًّا، وَعَلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ الْخَارِجِيَّةِ أَثَرُ يَدٍ غَيْرُ وَاضِحٍ تَمَامًا، كَأَنَّ يَدًا اسْتَنَدَتْ عَلَيْهِ ثَوَانِيَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ.
قَالَ رَامِي مُوَضِّحًا، وَهُوَ يُقَرِّبُ الصُّورَةَ لِيُرِيَهُمُ التَّفَاصِيلَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ: “كَانَتِ النَّافِذَةُ مَفْتُوحَةً جُزْئِيًّا حِينَ وَصَلْنَا، رَغْمَ أَنَّ التَّقْرِيرَ الرَّسْمِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الْبَابَ الرَّئِيسَ وَحْدَهُ كَانَ السَّبِيلَ الْوَحِيدَ لِلدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُقْفَلًا مِنَ الدَّاخِلِ، مَا دَعَمَ فَرَضِيَّةَ ‘الْحَادِثِ الْمُنْفَرِدِ’ الَّتِي تَبَنَّاهَا التَّقْرِيرُ النِّهَائِيُّ بِسُرْعَةٍ مَشْبُوهَةٍ. لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ هَذِهِ النَّافِذَةَ، وَلَا هَذَا الْأَثَرَ عَلَيْهَا، فِي أَيَّةِ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ. وَحِينَ سَأَلْتُ عَنْهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي، قِيلَ لِي إِنَّ ‘فَرِيقَ التَّحْقِيقِ النِّهَائِيَّ’ أَعَادَ فَحْصَ الْمَكَانِ وَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ، وَكَأَنَّ نَافِذَةً بِأَكْمَلِهَا يُمْكِنُ أَنْ تُغْلَقَ وَتُمْحَى آثَارُهَا فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَةٍ.”
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ فَجْأَةً تَفْصِيلًا مُشَابِهًا مِنْ تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ: النَّافِذَةُ الْمُزَاحَةُ فِي بَيْتِهِ، ذَلِكَ الصَّوْتُ الْغَرِيبُ الَّذِي سَمِعَهُ فِي الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ لَيْلَةَ عَوْدَتِهِ الْأُولَى، وَالَّذِي أَقْنَعَ نَفْسَهُ حِينَهَا بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ أَوْ قِطٍّ ضَالٍّ. تَسَاءَلَ الْآنَ، بِقَلَقٍ يَتَصَاعَدُ، إِنْ كَانَ الرَّابِطُ بَيْنَ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الْمُتَنَاثِرَةِ أَوْضَحَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ، نَمَطًا وَاحِدًا يَتَكَرَّرُ عَبْرَ الزَّمَنِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.
سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِحِدَّةٍ مِهَنِيَّةٍ: “مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ ‘يُعِيدَ فَحْصَ’ مَسْرَحِ جَرِيمَةٍ وَيُغَيِّرَ نَتِيجَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟”
أَجَابَ رَامِي بِمَرَارَةٍ: “شَخْصٌ يَمْلِكُ سُلْطَةً كَافِيَةً لِإِصْدَارِ أَوَامِرَ مُبَاشِرَةٍ لِضُبَّاطٍ أَعْلَى رُتْبَةً مِنِّي. وَهَذَا يُضَيِّقُ دَائِرَةَ الْمُشْتَبَهِ بِهِمْ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ تَحْدِيدًا.”
أَخْرَجَ أَخِيرًا صُورَةً ثَالِثَةً، أَكْثَرَ غُمُوضًا مِنْ سَابِقَتَيْهَا: لَقْطَةٌ بَعِيدَةٌ الْتَقَطَهَا أَحَدُ ضُبَّاطِ الدَّوْرِيَّةِ أَثْنَاءَ تَأْمِينِ مُحِيطِ الْمَبْنَى فِي الدَّقَائِقِ الْأُولَى بَعْدَ تَلَقِّي الْبَلَاغِ، تُظْهِرُ شَارِعًا جَانِبِيًّا خَلْفَ الْمَبْنَى، وَفِي أَقْصَى الْإِطَارِ ظِلُّ شَخْصٍ يَبْتَعِدُ مُسْرِعًا، غَيْرُ وَاضِحِ الْمَلَامِحِ بِسَبَبِ بُعْدِ الْمَسَافَةِ وَضَعْفِ الْإِضَاءَةِ، لَكِنَّ هَيْئَتَهُ الْعَامَّةَ تُوحِي بِأَنَّهُ رَجُلٌ طَوِيلٌ نِسْبِيًّا، يَرْتَدِي مِعْطَفًا دَاكِنًا.
سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ، وَهُوَ يُقَرِّبُ الصُّورَةَ مِنْ عَيْنَيْهِ: “مَنْ هَذَا؟”
اعْتَرَفَ رَامِي بِصِدْقٍ: “لَا أَعْلَمُ. حَاوَلْتُ تَكْبِيرَ الصُّورَةِ بِكُلِّ الْوَسَائِلِ الْمُتَاحَةِ لِي حِينَهَا، لَكِنَّ جَوْدَتَهَا لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِتَحْدِيدِ هُوِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، خَاصَّةً أَنَّ الْكَامِيرَا الْمُسْتَخْدَمَةَ كَانَتْ كَامِيرَا هَاتِفٍ بَسِيطَةً لِضَابِطِ دَوْرِيَّةٍ عَادِيٍّ، لَا مُعَدَّاتِ تَحْقِيقٍ احْتِرَافِيَّةً. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ، أَيًّا كَانَ، كَانَ يَبْتَعِدُ عَنِ الْمَبْنَى فِي الْوَقْتِ التَّقْدِيرِيِّ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا لِوَفَاةِ وَالِدِكَ، حَسْبَ تَقْرِيرِ الطَّبِيبِ الشَّرْعِيِّ الْأَوَّلِيِّ غَيْرِ الْمُعَدَّلِ، ذَلِكَ التَّقْرِيرِ الَّذِي اخْتَفَى لَاحِقًا وَاسْتُبْدِلَ بِنُسْخَةٍ ‘مُنَقَّحَةٍ’ غُيِّرَ فِيهَا الْوَقْتُ التَّقْدِيرِيُّ بِأَكْمَلِهِ لِيَتَوَافَقَ مَعَ رِوَايَةِ ‘الْحَادِثِ الْمُنْفَرِدِ’.”
حَدَّقَتْ يَاسَمِينُ فِي الصُّورَةِ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، مُقَرِّبَةً عَيْنَيْهَا، مُسْتَحْضِرَةً كُلَّ خِبْرَتِهَا الصَّحَفِيَّةَ فِي تَحْلِيلِ الصُّوَرِ وَالْأَدِلَّةِ الْبَصَرِيَّةِ. قَالَتْ: “رَامِي، هَلِ احْتَفَظْتَ بِالصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِدِقَّةٍ أَعْلَى؟ رُبَّمَا تِقْنِيَّةُ تَحْلِيلٍ حَدِيثَةٌ تَسْتَخْرِجُ تَفَاصِيلَ أَوْضَحَ مِمَّا تَرَاهُ الْعَيْنُ الْمُجَرَّدَةُ. لَدَيَّ مَعَارِفُ مُتَخَصِّصُونَ فِي تَحْلِيلِ الصُّوَرِ الرَّقْمِيَّةِ قَدْ يُسَاعِدُونَ، دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا بِالضَّرُورَةِ السِّيَاقَ الْكَامِلَ لِلْقَضِيَّةِ.”
أَجَابَ رَامِي: “لَدَيَّ النُّسْخَةُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، نَعَمْ. كُنْتُ أَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِاسْتِخْدَامِهَا، حِينَ أَجِدُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُخَاطَرَةَ مَعَهُ، وَمَنْ يَمْلِكُ أَيْضًا الْوَسَائِلَ التِّقْنِيَّةَ الَّتِي أَفْتَقِرُ إِلَيْهَا بِنَفْسِي.”
انْتَقَلَ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَى الْإِخْطَارِ الْعَقَارِيِّ الَّذِي وَصَلَ ذَلِكَ الصَّبَاحَ، فَأَخْرَجَتْ لَيَانُ نُسْخَةً مِنْهُ وَسَلَّمَتْهَا لِرَامِي، الَّذِي قَرَأَهَا بِعِنَايَةٍ فَاحِصَةٍ، مُتَمَعِّنًا فِي كُلِّ بَنْدٍ بِعَيْنَيْنِ مُدَرَّبَتَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ الْقَانُونِيَّةِ الدَّقِيقَةِ.
قَالَ أَخِيرًا، وَاضِعًا الْوَثِيقَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِعِنَايَةٍ: “هَذَا مُثِيرٌ لِلْقَلَقِ حَقًّا. الطَّلَبُ مُقَدَّمٌ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَأُسْلُوبُ الصِّيَاغَةِ يُوحِي بِخِبْرَةٍ قَانُونِيَّةٍ عَالِيَةِ الْمُسْتَوَى، لَيْسَتْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مُحَامٍ عَادِيٌّ. سَأُحَاوِلُ التَّحَقُّقَ مِنْ هُوِيَّةِ الْكَاتِبِ الْعَدْلِ الَّذِي وَثَّقَ التَّفْوِيضَ الْأَصْلِيَّ، وَلَدَيَّ صَلَاحِيَّةُ الْوُصُولِ إِلَى بَعْضِ سِجِلَّاتِ كُتَّابِ الْعَدْلِ الْمُرَخَّصِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَسْتَطِيعُ مُضَاهَاةَ التَّوْقِيعِ وَالْخَتْمِ مَعَ سِجِلَّاتِهِمِ الرَّسْمِيَّةِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا.”
سَأَلَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ، تَعْرِفُ مِنْ تَجْرِبَتِهَا الطَّوِيلَةِ مَعَهُ أَنَّ كُلَّ اسْتِعْلَامٍ رَسْمِيٍّ، مَهْمَا بَدَا رُوتِينِيًّا، يَتْرُكُ أَثَرًا رَقْمِيًّا قَدْ يُتَعَقَّبُ لَاحِقًا: “أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ أَحَدٌ؟”
أَجَابَ رَامِي: “سَأُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ حَذِرًا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. سَأَصُوغُ الِاسْتِعْلَامَ كَجُزْءٍ مِنْ تَحْقِيقٍ رُوتِينِيٍّ آخَرَ أَعْمَلُ عَلَيْهِ فِعْلِيًّا، قَضِيَّةِ احْتِيَالٍ عَقَارِيٍّ صَغِيرَةٍ لَا صِلَةَ لَهَا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَبْدُو الِاسْتِعْلَامُ غَرِيبًا أَوْ مُثِيرًا لِلشُّبْهَةِ إِنْ رَاجَعَهُ أَحَدٌ لَاحِقًا. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ أَكُونَ صَرِيحًا مَعَكُمْ: كُلُّ خُطْوَةٍ أَخْطُوهَا فِي هَذَا الْمِلَفِّ تَزِيدُ مِنْ خُطُورَةِ مَوْقِفِي الشَّخْصِيِّ دَاخِلَ الْجِهَازِ. لَسْتُ الْوَحِيدَ الَّذِي أَثَارَ الشُّكُوكَ حَوْلَ هَذِهِ الشَّبَكَةِ مِنْ قَبْلُ، وَأَذْكُرُ جَيِّدًا مَا حَدَثَ لِضَابِطٍ سَبَقَنِي بِسَنَوَاتٍ، كُنْتُ أَعْرِفُهُ شَخْصِيًّا، حَاوَلَ فَتْحَ مِلَفٍّ مُشَابِهٍ، ثُمَّ نُقِلَ فَجْأَةً إِلَى مِنْطَقَةٍ نَائِيَةٍ عَلَى الْحُدُودِ، وَانْتَهَتْ مَسِيرَتُهُ الْمِهَنِيَّةُ هُنَاكَ عَمَلِيًّا، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُحَقِّقِينَ الَّذِينَ عَمِلْتُ مَعَهُمْ فِي حَيَاتِي.”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي الْغُرْفَةِ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ رَامِي بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حَزْمًا: “لَكِنِّي قَرَّرْتُ الْمُخَاطَرَةَ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ. رَأَيْتُ مِنَ الْفَسَادِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ مَا يَكْفِي لِأُدْرِكَ أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ خِيَارًا أَخْلَاقِيًّا حَقِيقِيًّا، مَهْمَا كَلَّفَ الْكَلَامُ مِنْ ثَمَنٍ. انْضَمَمْتُ إِلَى هَذَا الْعَمَلِ لِأَحْمِيَ النَّاسَ، لَا لِأَتَفَرَّجَ عَلَى ظُلْمٍ يَتَكَرَّرُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ دُونَ أَنْ أُحَرِّكَ سَاكِنًا.”
فَتَحَ رَامِي حَاسُوبَهُ الْمَحْمُولَ، وَأَدْخَلَ كَلِمَةَ مُرُورٍ طَوِيلَةً، ثُمَّ فَتَحَ مُجَلَّدًا مُشَفَّرًا يَحْتَوِي عَلَى النُّسَخِ الرَّقْمِيَّةِ عَالِيَةِ الدِّقَّةِ مِنْ صُوَرِ مَسْرَحِ الْحَادِثِ، مُحْتَفِظًا بِهَا بَعِيدًا عَنْ أَيِّ نِظَامٍ رَسْمِيٍّ قَدْ يَخْضَعُ لِلْمُرَاقَبَةِ. كَبَّرَ صُورَةَ الظِّلِّ الْغَامِضِ تَدْرِيجِيًّا، مُسْتَخْدِمًا بَرْنَامَجَ تَحْرِيرٍ بَسِيطًا عَلَى جِهَازِهِ الشَّخْصِيِّ، مُحَاوِلًا اسْتِخْرَاجَ أَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ رَغْمَ ضَعْفِ جَوْدَةِ الصُّورَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
قَالَ أَخِيرًا، مُشِيرًا إِلَى تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ لَمْ يَلْحَظْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ: “هُنَا.” انْعِكَاسٌ خَافِتٌ عَلَى مِعْصَمِ الشَّخْصِ الْغَامِضِ، رُبَّمَا سَاعَةٌ، أَوْ سِوَارٌ مَعْدِنِيٌّ، يَلْمَعُ خَفِيفًا تَحْتَ ضَوْءِ الشَّارِعِ الْبَعِيدِ.
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ مِنَ الشَّاشَةِ، مُحَدِّقًا بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ مُتَصَاعِدٍ. شَيْءٌ فِي ذَلِكَ الِانْعِكَاسِ، رَغْمَ غُمُوضِهِ الشَّدِيدِ، أَيْقَظَ فِي ذِهْنِهِ ذِكْرَى غَامِضَةً، كَأَنَّهُ رَأَى شَيْئًا مُشَابِهًا مُؤَخَّرًا، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ تَحْدِيدَ أَيْنَ بِالضَّبْطِ. حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الْبَصَرِيَّةِ الَّتِي جَمَعَهَا خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ: مَلَابِسَ كَمَالٍ الْأَنِيقَةَ فِي الْعَزَاءِ، بَدْلَتَهُ السَّوْدَاءَ الْمُصَمَّمَةَ بِعِنَايَةٍ، مُصَافَحَتَهُ الْحَارَّةَ، تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ الْمُصْطَنَعَةَ، وَتِلْكَ السَّاعَةَ الْفِضِّيَّةَ الَّتِي لَمَعَتْ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ حِينَ مَدَّ يَدَهُ لِيُصَافِحَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ مَدْخَلِ بَيْتِ الْعَزَاءِ، لَمَعَانٌ لَفَتَ انْتِبَاهَهُ حِينَهَا لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْشَغِلَ بِحُزْنِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَارْتِبَاكِهِ الْأَكْبَرِ.
قَالَ فَجْأَةً، وَصَوْتُهُ يَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنَ الْإِثَارَةِ الْمُفَاجِئَةِ: “يَاسَمِينُ، أَلَا يُشْبِهُ هَذَا السِّوَارَ ذَاكَ الَّذِي كَانَ يَرْتَدِيهِ كَمَالٌ يَوْمَ الْعَزَاءِ؟ سَاعَتُهُ الْفِضِّيَّةُ اللَّامِعَةُ الَّتِي لَفَتَتْ انْتِبَاهِي حِينَ صَافَحَنِي أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَاحَظْتُهَا مَرَّةً أُخْرَى حِينَ جَلَسَ فِي صَالَةِ بَيْتِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَعْرِضُ عَلَيَّ شِرَاءَ الْبَيْتِ؟”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى الصُّورَةِ الْمُكَبَّرَةِ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ إِلَى سَلِيمٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا بَرِيقُ تَحَقُّقٍ مُتَصَاعِدٍ. قَالَتْ: “لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ بِهَذَا مِنْ صُورَةٍ بِهَذَا الْغُمُوضِ يَا سَلِيمُ، لَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُحِقًّا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كَمَالَ دَرْوِيشَ نَفْسَهُ رُبَّمَا كَانَ آخِرَ مَنْ رَأَى وَالِدَكَ حَيًّا، وَرُبَّمَا، اللَّهُ وَحْدَهُ يَعْلَمُ، مَنْ شَهِدَ لَحْظَاتِهِ الْأَخِيرَةَ، أَوْ تَسَبَّبَ فِيهَا مُبَاشَرَةً.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَأَضَافَتْ بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ اعْتَادَتْ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ الدَّقِيقِ: “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ سَاعَاتٍ فِضِّيَّةً مِنْ هَذَا الطِّرَازِ لَيْسَتْ نَادِرَةً، خَاصَّةً بَيْنَ رِجَالِ الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَبْنِيَ اتِّهَامًا كَامِلًا عَلَى انْعِكَاسٍ ضَوْئِيٍّ غَامِضٍ وَحْدَهُ، مَهْمَا بَدَا مُقْنِعًا لَنَا شَخْصِيًّا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. الْقَاضِي، إِنْ وَصَلْنَا يَوْمًا إِلَى قَاضٍ حَقِيقِيٍّ، سَيَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ لِيَقْتَنِعَ، وَأَنَا شَخْصِيًّا، كَصَحَفِيَّةٍ، لَنْ أَنْشُرَ اتِّهَامًا بِهَذَا الْحَجْمِ دُونَ تَأْكِيدٍ إِضَافِيٍّ قَوِيٍّ.”
نَظَرَ رَامِي بَيْنَهُمَا بِجِدِّيَّةٍ مُتَصَاعِدَةٍ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ تَعْبِيرًا مُعَقَّدًا مِنَ الْإِثَارَةِ الْمِهَنِيَّةِ وَالْقَلَقِ الْعَمِيقِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. قَالَ: “إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَنَحْنُ لَا نَتَحَدَّثُ بَعْدَ الْآنِ عَنْ مُجَرَّدِ نِزَاعٍ عَقَارِيٍّ أَوْ تَزْوِيرٍ تَارِيخِيٍّ قَدِيمٍ. نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ قَضِيَّةِ قَتْلٍ مُبَاشِرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُعَادَ فَتْحُهَا رَسْمِيًّا، إِنِ اسْتَطَعْنَا إِثْبَاتَ هَذَا الرَّابِطِ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ.” تَوَقَّفَ، وَنَظَرَ إِلَى سَلِيمٍ مُبَاشَرَةً بِجِدِّيَّةٍ آسِرَةٍ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ أُحَذِّرَكَ يَا سَلِيمُ: إِعَادَةُ فَتْحِ قَضِيَّةِ قَتْلٍ ضِدَّ رَجُلٍ بِنُفُوذِ كَمَالٍ دَرْوِيشَ لَيْسَتْ مُغَامَرَةً بَسِيطَةً. سَتَحْتَاجُ أَدِلَّةً دَامِغَةً، لَا مُجَرَّدَ احْتِمَالَاتٍ وَظُنُونٍ، مَهْمَا بَدَتْ مَنْطِقِيَّةً لَنَا الْآنَ. الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، كَمَا رَأَيْتَ بِنَفْسِكَ مِنْ قِصَّةِ وَالِدِي، لَيْسَ دَائِمًا فِي صَفِّ مَنْ يَمْلِكُ الْحَقِيقَةَ، بَلْ غَالِبًا فِي صَفِّ مَنْ يَمْلِكُ النُّفُوذَ وَالْمَالَ.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِإِحْبَاطٍ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَوْتِهِ: “إِذَنْ مَاذَا نَفْعَلُ؟ كَيْفَ نَبْنِي قَضِيَّةً قَوِيَّةً بِمَا يَكْفِي فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ كَهَذَا، بَيْنَمَا نُحَاوِلُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَنْعَ كَمَالٍ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى بَيْتِنَا خِلَالَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ؟”
أَجَابَ رَامِي بِثَبَاتٍ: “نَعْمَلُ عَلَى الْجَبْهَتَيْنِ مَعًا. أَنَا سَأُرَكِّزُ عَلَى التَّحْقِيقِ الْجِنَائِيِّ، مُحَاوِلًا جَمْعَ أَدِلَّةٍ تَرْبُطُ كَمَالًا مُبَاشَرَةً بِوَفَاةِ وَالِدِكَ، بَيْنَمَا تُرَكِّزُونَ أَنْتُمْ، مَعَ مُحَامٍ إِنْ وَجَدْتُمْ وَاحِدًا مَوْثُوقًا، عَلَى الْجَانِبِ الْمَدَنِيِّ، الطَّعْنِ فِي التَّفْوِيضِ وَنَقْلِ الْمِلْكِيَّةِ. الْقَضِيَّتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ قَانُونِيًّا، لَكِنَّ نَجَاحَ إِحْدَاهُمَا قَدْ يُقَوِّي الْأُخْرَى كَثِيرًا.”
بَقِيَ الْجَمِيعُ صَامِتِينَ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، يَسْتَوْعِبُونَ ثِقَلَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْجَدِيدِ. كَانَ سَلِيمٌ يُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ الْمُكَبَّرَةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَخَيَّلَ كَمَالَ دَرْوِيشَ، الرَّجُلَ الَّذِي احْتَضَنَهُ بِحَرَارَةٍ يَوْمَ الْعَزَاءِ، الرَّجُلَ الَّذِي جَلَسَ فِي صَالَةِ بَيْتِهِ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً مُصْطَنَعَةً، وَاقِفًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاةِ أَبِيهِ، رُبَّمَا شَاهِدًا صَامِتًا، وَرُبَّمَا أَسْوَأَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
قَالَتْ لَيَانُ أَخِيرًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَجِدَ تَفْسِيرًا أَقَلَّ رُعْبًا: “لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ بِنَفْسِهِ مُبَاشَرَةً. كَمَالٌ رَجُلُ أَعْمَالٍ، لَا قَاتِلٌ مُحْتَرِفٌ. رُبَّمَا كَانَ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ، أَوْ رُبَّمَا جَاءَ بَعْدَ وُقُوعِ الْحَادِثِ بِلَحَظَاتٍ، وَلَمْ يَتَدَخَّلْ لِأَسْبَابٍ لَا نَعْرِفُهَا بَعْدُ. رُبَّمَا حَتَّى حَاوَلَ مُسَاعَدَةَ أَبِي وَلَمْ يَنْجَحْ، وَخَافَ مِنْ تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ وُجُودِهِ هُنَاكَ فَهَرَبَ.”
وَافَقَ رَامِي بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ، دُونَ أَنْ يَرْفُضَ الِاحْتِمَالَ كُلِّيًّا: “مُمْكِنٌ. لَا يَنْبَغِي أَنْ نَقْفِزَ إِلَى اسْتِنْتَاجَاتٍ مُتَسَرِّعَةٍ بِنَاءً عَلَى صُورَةٍ غَامِضَةٍ وَحْدَهَا. لَكِنْ حَتَّى لَوْ كَانَ مُجَرَّدَ شَاهِدٍ صَامِتٍ، فَهَذَا يَجْعَلُهُ مُتَوَاطِئًا فِي التَّسَتُّرِ عَلَى وَفَاةٍ مُرِيبَةٍ، وَهَذَا وَحْدَهُ جَرِيمَةٌ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا الْقَانُونُ، وَتَسْتَحِقُّ تَحْقِيقًا كَامِلًا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ دَرَجَةِ تَوَرُّطِهِ الْفِعْلِيِّ.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ: “هَذَا قَدْ يُفَسِّرُ أَيْضًا سُلُوكَهُ الْغَرِيبَ فِي زِيَارَتِهِ اللَّيْلِيَّةِ لِبَيْتِنَا. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ صَدِيقٍ قَدِيمٍ يَطْمَئِنُّ عَلَيْنَا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ يَتَفَقَّدُ مَا إِذَا كُنَّا قَدِ اكْتَشَفْنَا شَيْئًا يَرْبِطُهُ مُبَاشَرَةً بِمَوْتِ أَبِي.” تَوَقَّفَ، وَتَذَكَّرَ تَفْصِيلًا آخَرَ أَغْفَلَهُ سَابِقًا. “وَذَلِكَ السُّؤَالُ الَّذِي طَرَحَهُ عَلَيَّ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، عَمَّا إِذَا كَانَ أَبِي قَدْ تَرَكَ لِي أَوْرَاقًا تَخُصُّ الْمِلْكِيَّةَ، رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ أَدِلَّةِ التَّزْوِيرِ الْقَدِيمِ، بَلْ أَيْضًا عَنْ أَيِّ دَلِيلٍ قَدْ يُوَرِّطُهُ شَخْصِيًّا فِي وَفَاةِ أَبِي نَفْسِهَا.”
نَهَضَتْ يَاسَمِينُ، وَبَدَأَتْ تَمْشِي فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ جِيئَةً وَذَهَابًا، عَادَتُهَا حِينَ تُفَكِّرُ بِعُمْقٍ فِي قَضِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. قَالَتْ: “نَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْ صُورَةٍ غَامِضَةٍ وَانْعِكَاسِ ضَوْءٍ عَلَى مِعْصَمٍ قَدْ يَكُونُ أَيَّ شَيْءٍ. نَحْتَاجُ شَاهِدًا حَقِيقِيًّا، أَوْ دَلِيلًا مَادِّيًّا مَلْمُوسًا يَرْبِطُ كَمَالًا مُبَاشَرَةً بِمَسْرَحِ الْحَادِثِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، شَيْئًا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ أَمَامَ قَاضٍ نَزِيهٍ، إِنْ وَجَدْنَا وَاحِدًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ.”
اقْتَرَحَ سَلِيمٌ: “تَوْفِيقٌ قَدْ يَكُونُ لَدَيْهِ مَعْلُومَةٌ إِضَافِيَّةٌ. لَكِنَّهُ رَفَضَ إِكْمَالَ الْحَدِيثِ بَعْدَ الِاقْتِحَامِ، وَأَخْشَى أَنْ أُعَرِّضَهُ لِخَطَرٍ أَكْبَرَ إِنْ ضَغَطْتُ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى قَرِيبًا جِدًّا.”
أَضَافَتْ يَاسَمِينُ، مُتَذَكِّرَةً تَفْصِيلًا كَادَتْ تَنْسَاهُ وَسْطَ زَحْمَةِ الْأَحْدَاثِ الْأَخِيرَةِ: “هُنَاكَ أَيْضًا ‘الشَّاهِدَةُ الْأَخِيرَةُ’ الَّتِي ذَكَرَهَا وَالِدُكَ فِي قَائِمَتِهِ. لَمْ نُتَابِعْ هَذَا الْخَيْطَ بَعْدُ بِالشَّكْلِ الْكَافِي. إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، أَيًّا كَانَتْ، لَا تَزَالُ حَيَّةً، فَقَدْ تَحْمِلُ مَعْلُومَاتٍ أَدَقَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَسْتَطِيعُ تَوْفِيقٌ أَنْ يُقَدِّمَهُ لَنَا، خَاصَّةً أَنَّهَا، حَسْبَ مَا فَهِمْتُهُ مِنَ الْوَثَائِقِ، كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى مَرْكَزِ الْأَحْدَاثِ الْأَصْلِيَّةِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا.”
سَأَلَ رَامِي بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ مُتَزَايِدٍ: “مَنْ هِيَ بِالضَّبْطِ؟”
أَوْضَحَ سَلِيمٌ: “لَا نَعْرِفُ اسْمَهَا الْكَامِلَ بَعْدُ. فَقَطْ إِشَارَةٌ غَامِضَةٌ فِي أَوْرَاقِ أَبِي إِلَى ‘الشَّاهِدَةِ الْأَخِيرَةِ’، رُبَّمَا إِحْدَى النَّاجِيَاتِ مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ نَفْسِهَا، أَوْ شَخْصٌ آخَرُ كَانَ قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي مِنَ الْأَحْدَاثِ لِيَشْهَدَهَا مُبَاشَرَةً.”
فَكَّرَ رَامِي بِصَوْتٍ عَالٍ: “إِنْ كَانَتْ مِنْ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ نَفْسِهَا، فَقَدْ تَكُونُ غَادَرَتِ الْمَدِينَةَ تَمَامًا بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، رُبَّمَا حَتَّى غَيَّرَتِ اسْمَهَا خَوْفًا مِنَ الْمُلَاحَقَةِ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَبْحَثَ فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، رَغْمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُكْتَمِلَةِ الْأَرْشَفَةِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ لِهَذِهِ الْحِقْبَةِ الْبَعِيدَةِ، لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُحَاوَلَةَ. لَدَيَّ أَيْضًا مَعْرِفَةٌ قَدِيمَةٌ فِي أَرْشِيفِ وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَدْ تُسَاعِدُنِي عَلَى الْوُصُولِ إِلَى سِجِلَّاتٍ لَمْ تُرَقْمَنْ بَعْدُ، وَلَا تَزَالُ مَحْفُوظَةً وَرَقِيًّا فَقَطْ فِي مُسْتَوْدَعَاتٍ قَدِيمَةٍ.”
أَضَافَتْ يَاسَمِينُ: “سَأَبْحَثُ أَنَا أَيْضًا فِي أَرْشِيفِي الصَّحَفِيِّ. لَدَيَّ بَعْضُ السِّجِلَّاتِ الْقَدِيمَةِ لِجَمْعِيَّاتٍ حُقُوقِيَّةٍ كَانَتْ نَشِطَةً فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ، رُبَّمَا وَثَّقَتْ حَالَاتِ تَهْجِيرٍ أَوِ اخْتِفَاءٍ مُشَابِهَةً، وَقَدْ تَحْتَوِي عَلَى أَسْمَاءَ أَوْ تَفَاصِيلَ تَقُودُنَا إِلَيْهَا. سَأَتَحَقَّقُ أَيْضًا مِنْ سِجِلَّاتِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ الْقَدِيمَةِ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُجَاوِرَةِ، فَرُبَّمَا وَلَدَتْ هَذِهِ الشَّاهِدَةُ أَطْفَالًا لَاحِقًا تَحْتَ اسْمٍ جَدِيدٍ، وَقَدْ يَقُودُنَا هَذَا الْخَيْطُ إِلَيْهَا بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ بَيْنَهُمَا بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، مُدْرِكًا حَجْمَ الشَّبَكَةِ مِنَ الْحُلَفَاءِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ حَوْلَهُ خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ: صَحَفِيَّةٌ شُجَاعَةٌ، وَضَابِطٌ نَزِيهٌ، وَأُخْتٌ وَاقِفَةٌ بِجَانِبِهِ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. شَعَرَ لِلَحْظَةٍ أَنَّ الْعِبْءَ الَّذِي بَدَا مُسْتَحِيلًا أَنْ يَحْمِلَهُ وَحِيدًا قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، أَصْبَحَ الْآنَ أَخَفَّ قَلِيلًا، مُوَزَّعًا عَلَى أَكْتَافِ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ يُؤْمِنُونَ بِالْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا.
سَأَلَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، مَدْفُوعًا بِفُضُولٍ إِنْسَانِيٍّ تِجَاهَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُخَاطِرُ بِمَسِيرَتِهِ الْمِهَنِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا مِنْ أَجْلِ قَضِيَّةٍ لَيْسَتْ قَضِيَّتَهُ شَخْصِيًّا، وَهُوَ يُرَاقِبُ رَامِي وَهُوَ يُرَتِّبُ الصُّوَرَ بِعِنَايَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ: “رَامِي، لِمَاذَا تُخَاطِرُ بِكُلِّ هَذَا؟ لَدَيْكَ عَمَلٌ مُسْتَقِرٌّ، وَمَسِيرَةٌ مِهَنِيَّةٌ، وَرُبَّمَا عَائِلَةٌ تُعِيلُهَا. لِمَاذَا تَضَعُ كُلَّ هَذَا عَلَى الْمِحَكِّ مِنْ أَجْلِ قَضِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لَا تَخُصُّكَ مُبَاشَرَةً؟”
تَوَقَّفَ رَامِي عَنِ الْحَدِيثِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ بَعِيدًا نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمُغْلَقَةِ بِسَتَائِرِهَا، وَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذِكْرَى شَخْصِيَّةً عَمِيقَةً. قَالَ: “لَدَيَّ زَوْجَةٌ وَطِفْلَانِ صَغِيرَانِ، نَعَمْ. وَأَعْتَرِفُ أَنَّ زَوْجَتِي تَعْرِفُ جُزْءًا بَسِيطًا فَقَطْ مِمَّا أَفْعَلُهُ الْآنَ، لِأَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُثْقِلَهَا بِقَلَقٍ لَا دَاعِيَ لَهُ إِنْ كَانَ بِإِمْكَانِي تَحَمُّلَهُ وَحْدِي.” تَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ أَكْمَلَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا: “لَكِنْ لَدَيَّ سَبَبًا شَخْصِيًّا أَعْمَقَ مِمَّا قَدْ تَتَخَيَّلُهُ. كَانَ أَبِي يَعْمَلُ حَارِسًا فِي أَحَدِ الْمَصَانِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِعَائِلَةٍ نَافِذَةٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، لَيْسَتْ عَائِلَةَ دَرْوِيشَ، لَكِنْ مِنَ النَّوْعِ نَفْسِهِ مِنَ الْعَائِلَاتِ ذَاتِ النُّفُوذِ الْخَفِيِّ. وَحِينَ اكْتَشَفَ تَلَاعُبًا مَالِيًّا كَبِيرًا، أَبْلَغَ عَنْهُ بِضَمِيرٍ حَيٍّ، فَطُرِدَ مِنْ عَمَلِهِ بِتُهْمَةٍ مُلَفَّقَةٍ، وَأَمْضَى بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَبْحَثُ عَنْ عَمَلٍ مُسْتَقِرٍّ لَمْ يَجِدْهُ أَبَدًا، بَيْنَمَا اسْتَمَرَّ مَنْ سَرَقَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي حَيَاةٍ مُرَفَّهَةٍ دُونَ أَيَّةِ مُحَاسَبَةٍ.”
نَظَرَ إِلَى الْحَاضِرِينَ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِعَزْمٍ صَادِقٍ. قَالَ: “لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُسَاعِدَ أَبِي حِينَ كُنْتُ طِفْلًا عَاجِزًا عَنْ فَهْمِ مَا يَجْرِي حَوْلَهُ. لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ الْآنَ أَنْ أُسَاعِدَ رَجُلًا آخَرَ، ابْنًا آخَرَ، يُحَاوِلُ أَنْ يَفْعَلَ لِأَبِيهِ مَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَفْعَلَهُ لِأَبِي. رُبَّمَا هَذَا سَبَبٌ سَخِيفٌ بِمَا يَكْفِي لِمُخَاطَرَةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ، لَكِنَّهُ السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ الْوَحِيدُ الَّذِي أَمْلِكُهُ.”
سَادَ صَمْتٌ مُؤَثِّرٌ فِي الْغُرْفَةِ، قَبْلَ أَنْ تَكْسِرَهُ لَيَانُ بِصَوْتٍ مُتَأَثِّرٍ: “هَذَا لَيْسَ سَبَبًا سَخِيفًا عَلَى الْإِطْلَاقِ يَا رَامِي. هَذَا أَنْبَلُ سَبَبٍ سَمِعْتُهُ مُنْذُ أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى رَامِي بِتَقْدِيرٍ جَدِيدٍ، شَاعِرًا أَنَّ دَائِرَةَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَثِقُ بِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَالَّتِي بَدَأَتْ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ غَرِيبَةٍ فِي الْمَطَارِ، تَوَسَّعَتِ الْآنَ لِتَشْمَلَ شُرْطِيًّا نَزِيهًا يَحْمِلُ جُرْحًا شَخْصِيًّا عَمِيقًا يُشْبِهُ جُرْحَهُ هُوَ نَفْسَهُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ. قَالَ: “شُكْرًا لَكَ يَا رَامِي، عَلَى صِدْقِكَ، وَعَلَى كُلِّ الْمُخَاطَرَةِ الَّتِي تَتَحَمَّلُهَا مِنْ أَجْلِنَا.”
صَحَّحَ رَامِي بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ حَزِينَةٍ: “لَسْتُ أَفْعَلُ هَذَا مِنْ أَجْلِكُمْ فَقَطْ. أَفْعَلُهُ مِنْ أَجْلِ نَفْسِي أَيْضًا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي كُنْتُهُ، وَالَّذِي شَاهَدَ أَبَاهُ يَنْكَسِرُ أَمَامَ ظُلْمٍ لَمْ يَسْتَطِعْ مُوَاجَهَتَهُ. كُلَّ مَرَّةٍ أُسَاعِدُ فِيهَا شَخْصًا مِثْلَكَ، أَشْعُرُ أَنِّي أُعِيدُ كِتَابَةَ جُزْءٍ صَغِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَلَوْ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ.”
سَأَلَتْهُ يَاسَمِينُ بِلُطْفٍ: “أَمَا زَالَ وَالِدُكَ حَيًّا؟”
هَزَّ رَامِي رَأْسَهُ بِحُزْنٍ هَادِئٍ. قَالَ: “تُوُفِّيَ مُنْذُ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ، دُونَ أَنْ يَرَى الْعَدَالَةَ الَّتِي كَانَ يَسْتَحِقُّهَا. لَكِنِّي أَحْمِلُ ذِكْرَاهُ مَعِي فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ أَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَكَأَنِّي أَقُولُ لَهُ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا: أَنَا أُحَاوِلُ يَا أَبِي، أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْتَ أَنْ تَكُونَهُ فِي ذَلِكَ النِّظَامِ الْفَاسِدِ.”
قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ الِاجْتِمَاعَ، أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ لِيُصَوِّرَ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ بِعِنَايَةٍ، لِلِاحْتِفَاظِ بِنُسْخَةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِهِ، تَحَسُّبًا لِأَيِّ طَارِئٍ قَدْ يُفْقِدُهُمُ الْأُصُولَ الَّتِي يَحْتَفِظُ بِهَا رَامِي. وَافَقَ رَامِي عَلَى ذَلِكَ بِتَرَدُّدٍ بَسِيطٍ، مُدْرِكًا أَنَّ انْتِشَارَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بَيْنَ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ مَوْثُوقِينَ، رَغْمَ زِيَادَةِ الْخَطَرِ النَّظَرِيِّ لِتَسَرُّبِهَا، يُقَلِّلُ أَيْضًا مِنْ خَطَرِ ضَيَاعِهَا بِالْكَامِلِ إِنِ اسْتُهْدِفَ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ.
اقْتَرَحَ رَامِي، وَهُوَ يَجْمَعُ الصُّوَرَ الْمَطْبُوعَةَ بِعِنَايَةٍ وَيُعِيدُهَا إِلَى مُغَلَّفِهَا الْبُنِّيِّ: “دَعُونَا نَتَّفِقُ عَلَى طَرِيقَةٍ آمِنَةٍ لِلتَّوَاصُلِ فِيمَا بَيْنَنَا. هَاتِفِي الشَّخْصِيُّ قَدْ يَكُونُ مُرَاقَبًا، خَاصَّةً إِنْ بَدَأَ مَنْ يَقِفُ خَلْفَ كَمَالٍ يَشُكُّ فِي تَحَرُّكَاتِي. سَأَشْتَرِي هَاتِفًا مُؤَقَّتًا غَدًا، وَأُرْسِلُ رَقْمَهُ لِيَاسَمِينَ عَبْرَ قَنَاةٍ آمِنَةٍ نَتَّفِقُ عَلَيْهَا الْآنَ. لَا تَتَّصِلُوا بِي عَلَى رَقْمِي الرَّسْمِيِّ إِلَّا فِي حَالَةِ طَوَارِئَ قُصْوَى لَا تَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ.”
اتَّفَقُوا عَلَى نِظَامٍ بَسِيطٍ: رِسَالَةٌ تَحْتَوِي عَلَى كَلِمَةِ “يَاسَمِينُ” فَقَطْ، بِلَا أَيَّةِ تَفَاصِيلَ إِضَافِيَّةٍ، سَتُرْسِلُهَا يَاسَمِينُ إِلَى رَقْمِ رَامِي الْقَدِيمِ إِنِ احْتَاجَتِ التَّوَاصُلَ الْعَاجِلَ، فَيَتَّصِلُ هُوَ بِهَا مِنَ الْهَاتِفِ الْجَدِيدِ خِلَالَ سَاعَةٍ. نِظَامٌ بِدَائِيٌّ، لَكِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ لَا شَيْءٍ فِي ظِلِّ هَذَا الْمُسْتَوَى مِنْ جُنُونِ الشَّكِّ الَّذِي بَدَأَ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، حَتَّى إِنَّ سَلِيمًا وَجَدَ نَفْسَهُ يَتَسَاءَلُ بِمَرَارَةٍ صَامِتَةٍ مَتَى أَصْبَحَتْ حَيَاتُهُ الْيَوْمِيَّةُ تَتَطَلَّبُ رُمُوزًا سِرِّيَّةً وَتَرْتِيبَاتٍ أَمْنِيَّةً مُعَقَّدَةً لِمُجَرَّدِ التَّوَاصُلِ مَعَ صَدِيقٍ.
قَبْلَ مُغَادَرَتِهِمْ، صَافَحَ رَامِي سَلِيمًا بِحَرَارَةٍ صَادِقَةٍ. قَالَ: “اعْتَنِ بِنَفْسِكَ يَا سَلِيمُ. وَالِدُكَ كَانَ، مِنْ كُلِّ مَا سَمِعْتُهُ عَنْهُ، رَجُلًا شُجَاعًا حَاوَلَ أَنْ يُصَحِّحَ خَطَأً لَمْ يَقْتَرِفْهُ. أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَكُونُ فَخُورًا بِكَ الْآنَ، لَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرَى إِصْرَارَكَ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، عَاجِزًا عَنِ الرَّدِّ بِكَلِمَاتٍ كَافِيَةٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُؤَثِّرَةِ. صَافَحَ رَامِي بِقُوَّةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَنْقُلَ عَبْرَ تِلْكَ الْمُصَافَحَةِ كُلَّ الِامْتِنَانِ الَّذِي عَجَزَ لِسَانُهُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْكَلِمَاتِ.
عَانَقَتْ لَيَانُ رَامِي بِدَوْرِهَا بِحَرَارَةٍ أُخْوِيَّةٍ عَفْوِيَّةٍ، شَاكِرَةً إِيَّاهُ عَلَى مُخَاطَرَتِهِ مِنْ أَجْلِ عَائِلَةٍ لَا يَرْبِطُهَا بِهِ سِوَى قَضِيَّةِ عَدَالَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. حَتَّى يَاسَمِينُ، الَّتِي عَرَفَتْ رَامِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ وَحَافَظَتْ عَادَةً عَلَى مَسَافَةٍ مِهَنِيَّةٍ مَحْسُوبَةٍ مَعَهُ، سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا بِعِنَاقٍ سَرِيعٍ، مُعَبِّرَةً عَنْ تَقْدِيرٍ عَمِيقٍ لِصَدَاقَةٍ أَثْبَتَتْ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ أَنَّهَا أَكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ عَلَاقَةِ عَمَلٍ نَفْعِيَّةٍ.
خَرَجُوا أَخِيرًا مِنَ الشُّقَّةِ مَعًا، وَالْمَسَاءُ يَهْبِطُ عَلَى الْمَدِينَةِ بِرِفْقٍ، أَضْوَاءُ الشَّوَارِعِ تُضَاءُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، بَيْنَمَا كَانُوا يَحْمِلُونَ مَعَهُمْ ثِقَلَ مَعْرِفَةٍ جَدِيدَةٍ أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ عَرَفُوهُ قَبْلَ هَذَا اللِّقَاءِ، وَأَمَلًا جَدِيدًا أَيْضًا، هَشًّا لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، بِأَنَّ الْعَدَالَةَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرَةً خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً، لَا تَزَالُ مُمْكِنَةً.
جَلَسَ سَلِيمٌ فِي مَقْعَدِ سَيَّارَةِ يَاسَمِينَ الْخَلْفِيِّ، بِجَانِبِ لَيَانَ، بَيْنَمَا قَادَتْ يَاسَمِينُ السَّيَّارَةَ بِعِنَايَةٍ عَبْرَ الشَّوَارِعِ الْمَسَائِيَّةِ، مُرَاقِبَةً الْمَرَايَا الْجَانِبِيَّةَ بِانْتِظَامٍ كَعَادَتِهَا. لَمْ يَتَحَدَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ كَثِيرًا خِلَالَ الطَّرِيقِ، مُسْتَغْرِقِينَ فِي أَفْكَارِهِمُ الْخَاصَّةِ حَوْلَ كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ فِي تِلْكَ الشُّقَّةِ الْمُتَوَاضِعَةِ: كُوبَا شَايٍ، وَنَافِذَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَظِلٌّ غَامِضٌ يَحْمِلُ سِوَارًا فِضِّيًّا، وَقِصَّةُ شُرْطِيٍّ فَقَدَ أَبَاهُ لِظُلْمٍ مُشَابِهٍ قَرَّرَ أَلَّا يَسْمَحَ بِتَكْرَارِهِ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ مُقَاوَمَةٍ.
نَظَرَ سَلِيمٌ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُضَاءَةِ تَدْرِيجِيًّا، مُتَسَائِلًا كَمْ عَدَدُ الْقِصَصِ الْمُشَابِهَةِ الْأُخْرَى الْمُخْتَبِئَةِ خَلْفَ كُلِّ نَافِذَةٍ مُضَاءَةٍ يَرَاهَا، كَمْ عَدَدُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ الَّذِينَ دَفَعُوا ثَمَنَ صَمْتٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ، وَكَمْ عَدَدُ الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ، مِثْلَهُ وَمِثْلَ رَامِي، قَرَّرُوا يَوْمًا أَلَّا يَصْمُتُوا كَمَا صَمَتَ مَنْ سَبَقَهُمْ.
فِي سَيَّارَةٍ رَمَادِيَّةِ اللَّوْنِ، مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى بُعْدِ مَبْنَيَيْنِ مِنَ الشُّقَّةِ الْمُتَوَاضِعَةِ الَّتِي جَرَى فِيهَا الِاجْتِمَاعُ، جَلَسَ رَجُلٌ يُرَاقِبُ الْمَدْخَلَ بِصَبْرٍ، وَكَامِيرَا بِعَدَسَةٍ طَوِيلَةٍ مَوْضُوعَةٌ عَلَى حِجْرِهِ. كَانَ يَجْلِسُ فِي تِلْكَ السَّيَّارَةِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ، يَحْتَسِي قَهْوَتَهُ الْبَارِدَةَ مِنْ كُوبٍ وَرَقِيٍّ، مُنْتَظِرًا بِصَبْرٍ مِهَنِيٍّ اكْتَسَبَهُ مِنْ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَهَامِّ الْحَسَّاسَةِ الَّتِي لَا تُذْكَرُ فِي أَيَّةِ سِيرَةٍ ذَاتِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ.
حِينَ خَرَجَ سَلِيمٌ وَلَيَانُ وَيَاسَمِينُ أَخِيرًا، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ الْمُطَوَّلِ، الْتَقَطَ الرَّجُلُ عِدَّةَ صُوَرٍ سَرِيعَةٍ لَهُمْ وَهُمْ يُوَدِّعُونَ رَامِي عَاصِي عِنْدَ الْبَابِ، بِضَغَطَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ سَرِيعَةٍ عَلَى زِرِّ الْكَامِيرَا، مُلْتَقِطًا كُلَّ زَاوِيَةٍ مُمْكِنَةٍ لِوُجُوهِهِمْ وَتَعَابِيرِهِمْ، ثُمَّ أَخْرَجَ هَاتِفَهُ وَأَرْسَلَ الصُّوَرَ فَوْرًا إِلَى رَقْمٍ مَحْفُوظٍ بِاسْمٍ مُخْتَصَرٍ: “الرَّئِيسَةُ”.
جَاءَ الرَّدُّ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، رِسَالَةً نَصِّيَّةً مُقْتَضَبَةً: “مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الرَّابِعُ؟”
كَتَبَ الرَّجُلُ الْمُرَاقِبُ رَدًّا سَرِيعًا: “أَتَحَقَّقُ مِنْ هُوِيَّتِهِ الْآنَ.” بَحَثَ بِسُرْعَةٍ فِي قَاعِدَةِ بَيَانَاتٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ يَمْلِكُ صَلَاحِيَّةَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بِفَضْلِ مَعَارِفِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي أَوْسَاطٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى وَجَدَ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ: صُورَةَ رَامِي عَاصِي الرَّسْمِيَّةَ مِنْ سِجِلَّاتِ الشُّرْطَةِ، مُرْفَقَةً بِرُتْبَتِهِ وَوَحْدَتِهِ وَتَارِيخِ خِدْمَتِهِ الْكَامِلِ.
أَرْسَلَ الْمَعْلُومَةَ فَوْرًا: “مُقَدَّمُ شُرْطَةٍ، رَامِي عَاصِي، قِسْمُ التَّحْقِيقَاتِ الْجِنَائِيَّةِ. مَعْرُوفٌ بِنَزَاهَتِهِ، لَمْ يُخْضَعْ لِلتَّوْجِيهِ مِنْ قَبْلُ رَغْمَ مُحَاوَلَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.”
جَاءَ الرَّدُّ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَسْرَعَ، وَنَبْرَتُهُ حَتَّى فِي النَّصِّ الْمَكْتُوبِ بَدَتْ أَشَدَّ حِدَّةً: “هَذَا تَطَوُّرٌ خَطِيرٌ. رَاقِبْ تَحَرُّكَاتِهِ مِنَ الْآنِ فَصَاعِدًا بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ عَنْ مُرَاقَبَةِ الِابْنِ. إِنْ حَاوَلَ الْوُصُولَ إِلَى أَيَّةِ سِجِلَّاتٍ حَسَّاسَةٍ، أَخْبِرْنِي فَوْرًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ السَّاعَةِ.” تَوَقَّفَتِ الرَّسَائِلُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ وَصَلَتْ رِسَالَةٌ إِضَافِيَّةٌ بَعْدَ دَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، وَكَأَنَّ الْمُرْسِلَةَ أَعَادَتِ التَّفْكِيرَ فِي الْأَمْرِ: “وَابْحَثْ عَنْ أَيَّةِ صِلَةٍ عَائِلِيَّةٍ أَوْ مِهَنِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَيِّ شَخْصٍ يَعْمَلُ فِي مَكْتَبِ النَّائِبِ الْعَامِّ. إِنْ كَانَ نَزِيهًا كَمَا تَصِفُهُ، فَقَدْ يُحَاوِلُ تَجَاوُزَ الْقَنَوَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ لِلْوُصُولِ إِلَى قَاضٍ يَثِقُ بِهِ مُبَاشَرَةً.”
كَتَبَ الرَّجُلُ الْمُرَاقِبُ: “سَأَبْدَأُ التَّحْقِيقَ فَوْرًا.” ثُمَّ أَضَافَ بِفُضُولٍ شَخْصِيٍّ تَجَاوَزَ حُدُودَ مُهِمَّتِهِ الْمُعْتَادَةِ: “أَيَعْنِي هَذَا أَنَّ الْوَضْعَ أَصْبَحَ أَخْطَرَ مِمَّا تَوَقَّعْنَا؟”
جَاءَ الرَّدُّ قَاسِيًا وَمُوجَزًا: “هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ. رَاقِبْ فَقَطْ، وَأَبْلِغْ.”
ابْتَلَعَ الرَّجُلُ مُلَاحَظَتَهُ بِصَمْتٍ، مُعْتَادًا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الرُّدُودِ الْحَادَّةِ مِنْ “الرَّئِيسَةِ”، امْرَأَةٍ لَمْ يَرَ وَجْهَهَا قَطُّ طَوَالَ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ مَعَهَا، يَتَلَقَّى أَوَامِرَهُ فَقَطْ عَبْرَ رَسَائِلَ نَصِّيَّةٍ مُشَفَّرَةٍ وَمُكَالَمَاتٍ هَاتِفِيَّةٍ قَصِيرَةٍ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ عَنْهَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا سِوَى صَوْتِهَا الْهَادِئِ الْبَارِدِ الَّذِي يَحْمِلُ دَائِمًا نَبْرَةَ سُلْطَةٍ لَا تَقْبَلُ النِّقَاشَ.
أَغْلَقَ الرَّجُلُ الْمُرَاقِبُ هَاتِفَهُ، وَأَشْعَلَ سِيجَارَةً، وَوَاصَلَ مُرَاقَبَتَهُ الصَّامِتَةَ لِلْمَبْنَى، بَيْنَمَا كَانَتْ سَيَّارَةُ يَاسَمِينَ تَبْتَعِدُ تَدْرِيجِيًّا فِي الشَّارِعِ، حَامِلَةً ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ لَا يَعْرِفُونَ بَعْدُ أَنَّ دَائِرَةَ الْمُرَاقَبَةِ حَوْلَهُمُ اتَّسَعَتْ لِلتَّوِّ لِتَشْمَلَ حَلِيفَهُمُ الْجَدِيدَ الْأَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً.
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى سَاعَتِهِ، وَسَجَّلَ فِي دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرٍ وَقْتَ مُغَادَرَةِ كُلِّ شَخْصٍ مِنَ الشُّقَّةِ، بِدِقَّةٍ تَعْكِسُ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّدْرِيبِ الْمِهَنِيِّ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ. طَوَى الدَّفْتَرَ، وَأَشْعَلَ مُحَرِّكَ سَيَّارَتِهِ، وَبَدَأَ يَتَتَبَّعُ سَيَّارَةَ يَاسَمِينَ مِنْ مَسَافَةٍ آمِنَةٍ، حَرِيصًا أَلَّا يَلْفِتَ انْتِبَاهَ صَحَفِيَّةٍ اعْتَادَتِ الْحَذَرَ أَكْثَرَ مِنْ أَغْلَبِ مَنْ رَاقَبَهُمْ فِي حَيَاتِهِ الْمِهَنِيَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ الرَّمَادِيِّ بَيْنَ الْقَانُونِ وَخَارِجِهِ.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ، وَهُوَ يَقُودُ سَيَّارَتَهُ بِبُطْءٍ عَبْرَ شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْمَسَائِيَّةِ، فِي طَبِيعَةِ هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي أَصْبَحَ يُمَارِسُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ: مُرَاقَبَةٌ صَامِتَةٌ، وَتَقَارِيرُ مُقْتَضَبَةٌ، وَأَوَامِرُ تَصِلُ دُونَ تَفْسِيرٍ كَامِلٍ لِأَسْبَابِهَا الْحَقِيقِيَّةِ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَبَدًا، مَنْ هِيَ هَذِهِ “الرَّئِيسَةُ” الَّتِي يَتَلَقَّى أَوَامِرَهُ مِنْهَا مُبَاشَرَةً، وَلَا لِمَاذَا تَهْتَمُّ بِهَذِهِ الْعَائِلَةِ تَحْدِيدًا إِلَى هَذَا الْحَدِّ. كَانَ يَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّ الْأَجْرَ سَخِيٌّ، وَأَنَّ الْعَمَلَ يَتَطَلَّبُ صَمْتًا مُطْلَقًا، وَأَنَّ التَّسَاؤُلَ عَنِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ وَظِيفَتِهِ.
قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا نِهَائِيًّا فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، تَوَقَّفَتْ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ سَيَّارَتِهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فِي نَبْرَتِهَا الْمِهَنِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ. قَالَتْ: “سَلِيمُ، أَعْرِفُ أَنَّ الْيَوْمَ كَانَ مُرْهِقًا بِكُلِّ الْمَقَايِيسِ، لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا: نَادِرًا جِدًّا مَا أَلْتَقِي بِشَخْصٍ يَمْتَلِكُ شَجَاعَتَكَ فِي مُوَاجَهَةِ الْحَقِيقَةِ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً. أَغْلَبُ مَنْ قَابَلْتُهُمْ فِي تَحْقِيقَاتِي الطَّوِيلَةِ يُفَضِّلُونَ الْهُرُوبَ مِنْ حَقَائِقَ أَقَلَّ إِيلَامًا بِكَثِيرٍ مِمَّا تُوَاجِهُهُ أَنْتَ الْآنَ.”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ. قَالَ: “لَمْ أَكُنْ لِأَصِلَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا لَوْلَا مُسَاعَدَتُكِ يَا يَاسَمِينُ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى فِي الْمَطَارِ. رُبَّمَا كُنْتُ سَأَهْرُبُ أَنَا أَيْضًا، لَوْ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَقِفُ بِجَانِبِي فِي كُلِّ خُطْوَةٍ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ أَطْوَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَشَيْءٌ فِي عَيْنَيْهَا بَدَا وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَحَتْ بِهِ الْكَلِمَاتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُتْعَبَةِ، قَبْلَ أَنْ تَبْتَسِمَ أَخِيرًا وَتَقُولَ: “سَأُوصِلُكُمَا إِلَى الْبَيْتِ الْآنَ. غَدًا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَمَعْرَكَةٌ جَدِيدَةٌ تَنْتَظِرُنَا جَمِيعًا.”
خِلَالَ الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتِ، جَلَسَ سَلِيمٌ صَامِتًا فِي الْمَقْعَدِ الْأَمَامِيِّ، يُرَاقِبُ الْمَدِينَةَ تَمُرُّ مِنْ حَوْلِهِ بِأَضْوَائِهَا الْمُتَنَاثِرَةِ، بَيْنَمَا غَفَتْ لَيَانُ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ مِنْ شِدَّةِ الْإِرْهَاقِ. فَكَّرَ فِي كُلِّ مَا حَدَثَ خِلَالَ هَذَا الْيَوْمِ الْوَاحِدِ: اعْتِرَافُ أُخْتِهِ، وَالْإِخْطَارُ الرَّسْمِيُّ الْمُرَوِّعُ، وَسَنَدُ الْمِلْكِيَّةِ الْقَدِيمُ الَّذِي مَنَحَهُمْ بَصِيصَ أَمَلٍ، ثُمَّ هَذَا اللِّقَاءُ الْمُطَوَّلُ مَعَ رَامِي الَّذِي كَشَفَ احْتِمَالًا أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ مُجْتَمِعًا.
شَعَرَ بِإِرْهَاقٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْجَسَدِ إِلَى أَعْمَاقِ رُوحِهِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضًا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ وُصُولِهِ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْأَمَلَ الْحَقِيقِيَّ، لَا مُجَرَّدَ إِصْرَارٍ عَنِيدٍ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ. كَانَ يَعْرِفُ الْآنَ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ وَحِيدًا، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ، مَهْمَا بَدَتْ مُسْتَحِيلَةً أَمَامَهُ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، أَصْبَحَتِ الْآنَ مَعْرَكَةً يَخُوضُهَا إِلَى جَانِبِهِ أَشْخَاصٌ حَقِيقِيُّونَ يُؤْمِنُونَ بِالْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا، كُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ جُرْحَهُ الْخَاصَّ وَسَبَبَهُ الشَّخْصِيَّ الْعَمِيقَ لِلِاسْتِمْرَارِ.
وَصَلَتِ السَّيَّارَةُ أَخِيرًا إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ، فَأَيْقَظَ سَلِيمٌ أُخْتَهُ بِلُطْفٍ، وَوَدَّعَا يَاسَمِينَ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ قَبْلَ أَنْ تَنْطَلِقَ سَيَّارَتُهَا مُبْتَعِدَةً فِي الظَّلَامِ. وَقَفَ الْأَخَوَانِ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، يَنْظُرَانِ إِلَى شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ الْعَجُوزِ الَّتِي بَدَتْ فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ الْخَافِتِ وَكَأَنَّهَا تَحْرُسُ الْمَكَانَ بِصَمْتٍ أَبَدِيٍّ، شَاهِدَةً عَلَى أَجْيَالٍ مِنْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ وَأَسْرَارِهَا الْمُتَرَاكِمَةِ.
قَالَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ: “غَدًا سَنَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ. خُطْوَةٌ أُخْرَى أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، وَدَخَلَا مَعًا إِلَى الْبَيْتِ الْهَادِئِ، حَيْثُ كَانَتْ أُمُّهُمَا نَائِمَةً بِسَلَامٍ نِسْبِيٍّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَيَّامٍ، غَافِلَةً عَنْ حَجْمِ الْعَاصِفَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ حَوْلَ عَائِلَتِهَا الصَّغِيرَةِ، عَاصِفَةٍ لَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتْ ذُرْوَتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ بَعْدُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَرَغْمَ كُلِّ الْإِرْهَاقِ الْمُتَرَاكِمِ، لَمْ يَنَمْ سَلِيمٌ بِسُهُولَةٍ. ظَلَّ يُفَكِّرُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْفِضِّيَّةِ اللَّامِعَةِ، فِي الظِّلِّ الْغَامِضِ الْمُبْتَعِدِ عَنْ مَسْرَحِ الْجَرِيمَةِ، وَفِي كَلِمَاتِ رَامِي الْأَخِيرَةِ عَنْ وَالِدِهِ الَّذِي لَمْ يَنَلْ عَدَالَتَهُ أَبَدًا. تَسَاءَلَ بِصَمْتٍ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي سَقْفِ غُرْفَتِهِ الْمُظْلِمَةِ، كَمْ عَدَدُ الْقِصَصِ الْمُشَابِهَةِ الْأُخْرَى الْمَدْفُونَةِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا، وَكَمْ مِنْهَا لَنْ يَجِدَ أَبَدًا مَنْ يَحْمِلُ شَجَاعَةً كَافِيَةً لِكَشْفِهَا.
أَخِيرًا، مَعَ اقْتِرَابِ الْفَجْرِ، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَاسْتَسْلَمَ لِنَوْمٍ مُضْطَرِبٍ مَلِيءٍ بِأَحْلَامٍ مُتَقَطِّعَةٍ عَنْ ظِلَالٍ مُبْتَعِدَةٍ، وَشَوَارِعَ صَامِتَةٍ، وَأَبٍ يَبْتَسِمُ مِنْ بَعِيدٍ دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ، أَحْلَامٍ لَمْ تَكُنْ سِوَى انْعِكَاسٍ لِكُلِّ مَا حَمَلَهُ ذِهْنُهُ مِنْ ثِقَلٍ خِلَالَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَدَأَ بِاعْتِرَافِ أُخْتِهِ وَانْتَهَى بِمَعْرِفَةٍ قَدْ تُغَيِّرُ مَصِيرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا.
وَفِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَفْسِهَا مِنَ اللَّيْلِ، كَانَ رَامِي عَاصِي جَالِسًا وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ فِي مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَى نَوْبَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ بِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَفْتَحُ مِلَفًّا إِلِكْتْرُونِيًّا جَدِيدًا عَلَى حَاسُوبِهِ الرَّسْمِيِّ، مُتَخَفِّيًا وَرَاءَ عُنْوَانٍ بَرِيءٍ: “مُرَاجَعَةُ إِجْرَاءَاتٍ رُوتِينِيَّةٍ – أَرْشِيفُ سِجِلِّ الْأَرَاضِي”. بَدَأَ يَكْتُبُ أُولَى مُلَاحَظَاتِهِ حَوْلَ التَّحْقِيقِ الْجَدِيدِ الَّذِي قَرَّرَ أَنْ يَخُوضَهُ، مَهْمَا كَلَّفَهُ مِنْ ثَمَنٍ.
كَتَبَ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ مِنْ مُلَاحَظَاتِهِ السِّرِّيَّةِ عُنْوَانًا بَسِيطًا: “قَضِيَّةُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ – إِعَادَةُ فَتْحٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ.” ثُمَّ تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ، يَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ الْمُضِيئَةِ فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ الْهَادِئِ، قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلَ الْكِتَابَةَ بِعَزْمٍ مُتَجَدِّدٍ، مُدْرِكًا أَنَّهُ بِهَذِهِ الْخُطْوَةِ الصَّغِيرَةِ قَدْ عَبَرَ بِالْفِعْلِ نُقْطَةَ اللَّاعَوْدَةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْخَطِيرَةِ.
خَارِجَ نَافِذَةِ مَكْتَبِهِ، كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَغُطُّ فِي نَوْمٍ مُضْطَرِبٍ، غَافِلَةً عَنْ أَنَّ مِلَفًّا قَدِيمًا، ظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّهُ أُغْلِقَ إِلَى الْأَبَدِ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، قَدْ أُعِيدَ فَتْحُهُ لِلتَّوِّ، مِنْ جَدِيدٍ، بِيَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَرَّرَ أَلَّا يَصْمُتَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
كَانَ الْغَدُ يَحْمِلُ مَعَهُ، دُونَ أَنْ يُدْرِكَا ذَلِكَ بَعْدُ، خَيْطًا جَدِيدًا كُلِّيًّا سَيَقُودُهُمَا إِلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، بَحْثًا عَنِ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ قَدْ تَحْمِلُ آخِرَ ذِكْرَى حَيَّةٍ لِلَيْلَةِ اخْتِفَاءِ عَائِلَةِ سَمَاحَةَ، امْرَأَةٍ لَمْ يَكُنِ اسْمُهَا مَعْرُوفًا بَعْدُ، لَكِنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ عَلَى وَشْكِ أَنْ تَتَشَابَكَ مَعَ قِصَّتِهِمْ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا أَيٌّ مِنْهُمْ.
لَكِنَّ هَذِهِ، كَمَا هِيَ الْعَادَةُ دَائِمًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، حِكَايَةُ الْفَصْلِ الْقَادِمِ.
حِكَايَةٌ لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ غُمُوضًا أَوْ خُطُورَةً مِمَّا سَبَقَهَا.

الْفَصْلُ الثَّامِنُ

اسْتَغْرَقَ الْبَحْثُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ مِنَ الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ، لَا تَهْدَأُ فِيهَا هِمَّةٌ وَلَا يَفْتُرُ فِيهَا أَمَلٌ. أَمَّا رَامِي فَقَدْ غَاصَ فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، مُتَجَاوِزًا عَشَرَاتِ الْمِلَفَّاتِ الْوَرَقِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُؤَرْشَفْ رَقْمِيًّا قَطُّ، مُتَسَلِّلًا إِلَى مُسْتَوْدَعَاتِ وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ بَيْنَ نَوْبَاتِهِ الرَّسْمِيَّةِ، بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ أَقْنَعَ بِهَا زُمَلَاءَهُ دُونَ أَنْ يُثِيرَ رِيبَتَهُمْ. وَفِي الْمُقَابِلِ، نَبَشَتْ يَاسَمِينُ فِي أَرْشِيفِهَا الصَّحَفِيِّ وَأَرْشِيفِ جَمْعِيَّاتٍ حُقُوقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَوَقَّفَتْ عَنِ الْعَمَلِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، مُتَوَاصِلَةً مَعَ مَعَارِفَ قُدَامَى هَجَرُوا الْمِهْنَةَ الصَّحَفِيَّةَ مُنْذُ عُقُودٍ، تُنَقِّبُ فِي ذَاكِرَتِهِمْ عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ قَدْ يُعِينُ.
وَفِي مَسَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، الْتَقَتْ خُيُوطٌ مُتَفَرِّقَةٌ أَخِيرًا فِي نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ: امْرَأَةٌ تُدْعَى “سَمِيرَةَ سَمَاحَةَ”، سُجِّلَتْ فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا بِالضَّبْطِ تَحْتَ اسْمِ عَائِلَةٍ مُخْتَلِفٍ هُوَ “سَمِيرَةُ الْحَلَبِيِّ”، وَانْتَقَلَتْ إِلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ عَلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، بَعِيدَةٍ عَنْ أَيِّ طَرِيقٍ رَئِيسِيٍّ، وَكَأَنَّ مَنْ رَتَّبَ لَهَا هَذَا الِاسْمَ الْجَدِيدَ أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَهَا فِي أَبْعَدِ نُقْطَةٍ مُمْكِنَةٍ عَنْ أَيِّ احْتِمَالٍ لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِهَا.
قَالَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تُقَارِنُ التَّوَارِيخَ بِعِنَايَةٍ عَلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهَا الْمَحْمُولِ، وَعَيْنَاهَا مُتْعَبَتَانِ مِنْ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّنْقِيبِ: “الْعُمْرُ يَتَطَابَقُ. لَوْ كَانَتْ طِفْلَةً صَغِيرَةً لَيْلَةَ الِاخْتِفَاءِ، فَهِيَ الْآنَ فِي أَوَاخِرِ الْخَمْسِينِيَّاتِ أَوْ أَوَائِلِ السِّتِّينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا. وَهَذَا يَتَطَابَقُ تَمَامًا مَعَ الْوَصْفِ الَّذِي عَثَرْتُ عَلَيْهِ فِي سِجِلٍّ قَدِيمٍ لِجَمْعِيَّةٍ حُقُوقِيَّةٍ: امْرَأَةٌ تَعِيشُ وَحِيدَةً فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ مُنْذُ عُقُودٍ، لَا يَعْرِفُ عَنْهَا جِيرَانُهَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا سِوَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ قَدِمَتْ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.”
اتَّصَلَ سَلِيمٌ بِلَيَانَ لِيُطْلِعَهَا عَلَى الْخُطَّةِ، فَأَصَرَّتْ عَلَى الْمَجِيءِ، لَكِنَّهُ أَقْنَعَهَا بِالْبَقَاءِ فِي الْبَيْتِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، خَشْيَةَ أَنْ يَلْحَظَ أَحَدٌ غِيَابَهُمَا مَعًا، وَحِرْصًا عَلَى أَنْ يَبْقَى فَرْدٌ وَاحِدٌ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الْعَائِلَةِ قَرِيبًا مِنْ أُمِّهِمَا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْحَسَّاسَةِ. وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ تَبْقَى لَيَانُ عَلَى تَوَاصُلٍ هَاتِفِيٍّ دَائِمٍ، تُرْسِلُ رِسَالَةً كُلَّ سَاعَةٍ لِلِاطْمِئْنَانِ.
قَالَتْ لَيَانُ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ عَبْرَ الْهَاتِفِ: “كُنْ حَذِرًا. هَذِهِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ حَقًّا مَنْ عَرَفَتْهَا يَاسَمِينُ، تَعِيشُ فِي عُزْلَةٍ لِسَبَبٍ مَا، وَلَرُبَّمَا لَنْ تُرَحِّبَ بِزَائِرَيْنِ مُفَاجِئَيْنِ يُعِيدَانِ فَتْحَ جُرْحٍ قَدِيمٍ عُمْرُهُ خَمْسُونَ عَامًا.”
طَمْأَنَهَا سَلِيمٌ قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ الْمُكَالَمَةَ: “سَأَكُونُ حَذِرًا، أَعِدُكِ.”
انْطَلَقَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، بَاكِرَيْنِ جِدًّا، بِسَيَّارَةِ يَاسَمِينَ، نَحْوَ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي بَدَتْ أَبْعَدَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَا، عَبْرَ طُرُقٍ تُرَابِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ تُحِيطُ بِهَا حُقُولُ زَيْتُونٍ عَتِيقَةٌ، وَتِلَالٌ جَرْدَاءُ تَمْتَدُّ حَتَّى الْأُفُقِ. تَحَدَّثَا قَلِيلًا خِلَالَ الرِّحْلَةِ، كُلٌّ مِنْهُمَا غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ الْخَاصَّةِ حَوْلَ مَا قَدْ تَكْشِفُهُ هَذِهِ الشَّاهِدَةُ الْأَخِيرَةُ، حَتَّى كَسَرَتْ يَاسَمِينُ الصَّمْتَ أَخِيرًا: “سَلِيمُ، أَيًّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَأَيًّا كَانَتْ قِصَّتُهَا، فَعَلَيْنَا أَنْ نُعَامِلَهَا بِرِفْقٍ بَالِغٍ. تَخَيَّلْ أَنْ تَفْقِدَ عَائِلَتَكَ بِأَسْرِهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ تُجْبَرَ عَلَى أَنْ تَعِيشَ بِهُوِيَّةٍ مُزَيَّفَةٍ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً، خَائِفَةً أَنْ يَنْكَشِفَ سِرُّهَا فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ. هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الصَّدْمَةِ لَا يُشْفَى بِيُسْرٍ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، مُدْرِكًا ثِقَلَ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ، وَشَعَرَ بِمَسْؤُولِيَّةٍ إِضَافِيَّةٍ تُجَاهَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَهَا بَعْدُ، وَقَدْ بَدَأَ فِعْلًا يُحِسُّ نَحْوَهَا بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ.
وَصَلَا إِلَى الْقَرْيَةِ بَعْدَ رِحْلَةٍ اسْتَغْرَقَتْ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ، قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تَضُمُّ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا مُتَنَاثِرًا، أَغْلَبُهَا بَسِيطٌ مَبْنِيٌّ بِالْحَجَرِ وَالطِّينِ، مُحَاطَةً بِحُقُولٍ خَضْرَاءَ وَأَشْجَارِ زَيْتُونٍ مُعَمَّرَةٍ يَعُودُ بَعْضُهَا، حَسْبَ تَقْدِيرِ سَلِيمٍ الْمِعْمَارِيِّ، إِلَى مِئَاتِ السِّنِينَ. كَانَتِ الْقَرْيَةُ هَادِئَةً بِمَا يُوحِي بِحَيَاةٍ بَطِيئَةٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ كَثِيرًا عَبْرَ الْعُقُودِ: دَجَاجٌ يَتَجَوَّلُ بِحُرِّيَّةٍ فِي الْأَزِقَّةِ التُّرَابِيَّةِ، وَامْرَأَةٌ عَجُوزٌ تَنْشُرُ غَسِيلَهَا عَلَى حَبْلٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ شَجَرَتَيْنِ، وَأَطْفَالٌ قَلَائِلُ يَلْعَبُونَ بَعِيدًا فِي حَقْلٍ مُجَاوِرٍ.
سَأَلَا أَحَدَ الْمَارَّةِ، رَجُلًا مُسِنًّا يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا خَشَبِيَّةٍ، عَنْ بَيْتِ “سَمِيرَةَ الْحَلَبِيِّ”، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا بِفُضُولٍ صَامِتٍ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يُشِيرَ نَحْوَ بَيْتٍ صَغِيرٍ فِي أَقْصَى الْقَرْيَةِ، مُنْعَزِلٍ قَلِيلًا عَنْ بَقِيَّةِ الْبُيُوتِ، تُحِيطُ بِهِ سِيَاجَةٌ خَشَبِيَّةٌ بَسِيطَةٌ وَحَدِيقَةٌ صَغِيرَةٌ مُهْمَلَةٌ. وَأَضَافَ الرَّجُلُ بِنَبْرَةٍ فُضُولِيَّةٍ خَفِيفَةٍ، كَأَنَّهُ يَتَسَاءَلُ بِصَمْتٍ عَنْ سَبَبِ اهْتِمَامِ غَرِيبَيْنِ بِهَا فَجْأَةً: “تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَعِيشُ وَحِيدَةً مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا، لَا يَكَادُ يَزُورُهَا أَحَدٌ.”
شَكَرَهُ سَلِيمٌ، وَاتَّجَهَا نَحْوَ الْبَيْتِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، يَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتَوَتُّرٍ مُتَصَاعِدٍ كُلَّمَا اقْتَرَبَا أَكْثَرَ مِنْ عَتَبَةِ الْبَابِ.
طَرَقَ سَلِيمٌ الْبَابَ بِلُطْفٍ، وَانْتَظَرَا دَقَائِقَ طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يُفْتَحَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، لِيَكْشِفَ عَنِ امْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ، نَحِيلَةِ الْجِسْمِ، شَعْرُهَا الْأَبْيَضُ مَشْدُودٌ بِإِحْكَامٍ إِلَى الْخَلْفِ، وَعَيْنَانِ حَادَّتَانِ رَغْمَ تَقَدُّمِ عُمْرِهَا الْوَاضِحِ، تَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، حَذَرِ مَنْ عَاشَ عُمْرًا كَامِلًا وَهُوَ يَتَوَقَّعُ أَنَّ كُلَّ طَارِقِ بَابٍ غَرِيبٍ قَدْ يَحْمِلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا.
سَأَلَتْ بِصَوْتٍ خَشِنٍ قَلِيلًا مِنْ قِلَّةِ الِاسْتِعْمَالِ: “مَنْ أَنْتُمَا؟”
بَدَأَ سَلِيمٌ بِحَذَرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ غَيْرَ مُهَدِّدٍ قَدْرَ الْإِمْكَانِ: “اسْمِي سَلِيمٌ مُرَادٌ، وَهَذِهِ صَدِيقَتِي يَاسَمِينُ نُورٌ، صَحَفِيَّةٌ. نَبْحَثُ عَنِ امْرَأَةٍ تُدْعَى سَمِيرَةَ سَمَاحَةَ، وَنَظُنُّ أَنَّكِ قَدْ تَكُونِينَهَا.”
شَحَبَ وَجْهُ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ تَمَامًا عِنْدَ سَمَاعِ الِاسْمِ، وَاسْمِ “سَمَاحَةَ” بِالتَّحْدِيدِ، وَتَرَاجَعَتْ خُطْوَةً إِلَى الْوَرَاءِ، كَأَنَّهَا سَمِعَتْ طَيْفًا مِنَ الْمَاضِي بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ، وَيَدُهَا تَقْبِضُ عَلَى حَافَّةِ الْبَابِ بِقُوَّةٍ مُفَاجِئَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ أَصَابِعُهَا. هَمَسَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ: “لَمْ يُنَادِنِي أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ مُنْذُ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ. مَنْ أَرْسَلَكُمَا؟”
أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ، رَافِعًا يَدَيْهِ قَلِيلًا بِحَرَكَةٍ سِلْمِيَّةٍ تِلْقَائِيَّةٍ: “لَا أَحَدَ أَرْسَلَنَا. أَنَا حَفِيدُ إِبْرَاهِيمَ مُرَادٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ. تُوُفِّيَ أَبِي قَبْلَ أُسْبُوعٍ، وَأَظُنُّهُ كَانَ يُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْكِ قَبْلَ مَوْتِهِ، لِيَكْشِفَ حَقِيقَةَ مَا حَدَثَ لِعَائِلَتِكِ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا.”
تَجَمَّدَتِ الْمَرْأَةُ فِي مَكَانِهَا لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، تَفْحَصُ وَجْهَ سَلِيمٍ بِتَمَعُّنٍ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَبَهٍ عَائِلِيٍّ يُصَدِّقُ كَلَامَهُ، أَوْ لَعَلَّهَا تَسْتَعِيدُ وَجْهًا رَأَتْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ. وَأَخِيرًا، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ مُثْقَلٍ بِالتَّرَدُّدِ، وَبَعْدَ أَنْ نَظَرَتْ مَرَّةً أُخْرَى يَمِينًا وَيَسَارًا فِي الشَّارِعِ الْخَالِي، فَتَحَتِ الْبَابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ: “ادْخُلَا. بِسُرْعَةٍ.”
دَخَلَا بَيْتًا صَغِيرًا بَسِيطًا، مُرَتَّبًا بِعِنَايَةٍ عَلَى شِدَّةِ بَسَاطَتِهِ، تَمْلَأُ الْمَكَانَ رَائِحَةُ الْقَهْوَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَصُوَرٌ قَدِيمَةٌ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْجُدْرَانِ بِإِطَارَاتٍ مُتَوَاضِعَةٍ، أَغْلَبُهَا أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ لِأَشْخَاصٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ سَلِيمٌ مِنَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمُ الْعَائِلَةُ الَّتِي تَبَنَّتْهَا بَعْدَ الِاخْتِفَاءِ، لَا عَائِلَتَهَا الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي لَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَيُّ أَثَرٍ مُصَوَّرٍ. لَاحَظَ سَلِيمٌ غِيَابًا لَافِتًا لِأَيِّ صُورَةٍ تَعُودُ إِلَى مَا قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَأَنَّ سَمِيرَةَ نَفْسَهَا فَقَدَتْ كُلَّ دَلِيلٍ بَصَرِيٍّ عَلَى هُوِيَّتِهَا الْأُولَى، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مِنْ مَاضِيهَا سِوَى الذِّكْرَيَاتِ الْمُجَرَّدَةِ الْمَحْفُوظَةِ فِي عَقْلِهَا وَحْدَهُ.
أَجْلَسَتْهُمَا سَمِيرَةُ حَوْلَ طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَأَعَدَّتْ لَهُمَا قَهْوَةً بِيَدَيْنِ مَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنَ الصَّدْمَةِ، بِحَرَكَاتٍ بَطِيئَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ تُوحِي بِرُوتِينٍ يَوْمِيٍّ اعْتَادَتْهُ طَوَالَ سِنِي عُزْلَتِهَا الطَّوِيلَةِ. ثُمَّ جَلَسَتْ أَخِيرًا مُقَابِلَهُمَا، وَأَمْسَكَتْ فِنْجَانَهَا بِكِلْتَي يَدَيْهَا، كَأَنَّهَا تَسْتَمِدُّ مِنْهُ دِفْئًا تَحْتَاجُهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْمُضْطَرِبَةِ.
بَدَأَتْ سَمِيرَةُ رِوَايَتَهَا أَخِيرًا: “كُنْتُ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ.” بِصَوْتٍ يَزْدَادُ ثَبَاتًا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَكَأَنَّ سَنَوَاتِ الصَّمْتِ الْمَكْبُوتِ بَدَأَتْ تَتَحَرَّرُ أَخِيرًا بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنِ انْتِظَارِ مَنْ يَسْتَحِقُّ سَمَاعَهَا. نَظَرَتْ إِلَى نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ خَلْفَ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ، كَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ الْمَشْهَدَ أَمَامَ عَيْنَيْهَا مِنْ جَدِيدٍ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ الْمُؤْلِمَةِ: “أَذْكُرُ الشَّاحِنَاتِ، وَالرِّجَالَ الْمُلَثَّمِينَ، وَأُمِّي تُحَاوِلُ أَنْ تَحْمِيَنِي بِجَسَدِهَا وَهِيَ تَهْمِسُ لِي أَنْ أَبْقَى صَامِتَةً مَهْمَا حَدَثَ. أَذْكُرُ رَائِحَةَ الْقُمَاشِ الْخَشِنِ الَّذِي وَضَعُوهُ عَلَى وَجْهِي، وَرَائِحَةَ الْبِنْزِينِ مِنَ الشَّاحِنَةِ، وَصَوْتَ أُخْتِي الْكُبْرَى تَبْكِي بِصَمْتٍ فِي مَكَانٍ مَا قَرِيبٍ مِنِّي فِي الْعَتْمَةِ.”
تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ تَمْسَحُ دَمْعَةً انْحَدَرَتْ رَغْمًا عَنْهَا، ثُمَّ وَاصَلَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ارْتِجَافًا: “أَذْكُرُ أَنَّهُمْ فَصَلُونَا بَعْضَنَا عَنْ بَعْضٍ فِي مَكَانٍ مَا بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ السَّفَرِ، لَا أَعْرِفُ أَيْنَ بِالضَّبْطِ، فَقَدْ كُنْتُ طِفْلَةً مَذْعُورَةً جِدًّا لِأَتَذَكَّرَ التَّفَاصِيلَ الْجُغْرَافِيَّةَ. وَضَعُونِي مَعَ عَائِلَةٍ أُخْرَى، غُرَبَاءَ تَمَامًا، وَقَالُوا لِي إِنَّ اسْمِيَ الْجَدِيدَ هُوَ سَمِيرَةُ الْحَلَبِيُّ، وَإِنَّ عَائِلَتِيَ الْحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً، وَإِنِّي إِنْ ذَكَرْتُ اسْمِيَ الْقَدِيمَ لِأَحَدٍ فَسَيُصِيبُنِي مَكْرُوهٌ فَظِيعٌ. كُنْتُ طِفْلَةً، فَصَدَّقْتُ كُلَّ كَلِمَةٍ، وَكَبِرْتُ وَأَنَا أَحْمِلُ هَذَا الْخَوْفَ كَجُزْءٍ مِنْ جَسَدِي، حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزْتُ الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِي.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُفْعَمٍ بِالتَّعَاطُفِ، عَاجِزًا عَنْ تَخَيُّلِ حَجْمِ الرُّعْبِ الَّذِي عَاشَتْهُ طِفْلَةٌ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: “وَمَاذَا عَنْ وَالِدَيْكِ؟ إِخْوَتِكِ؟”
اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا سَمِيرَةَ بِالدُّمُوعِ، وَارْتَجَفَتْ يَدَاهَا حَوْلَ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ الَّذِي وَضَعَتْهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ كَيْ لَا تَسْكُبَهُ: “لَمْ أَرَ أَيًّا مِنْهُمْ مَرَّةً أُخْرَى. حَاوَلْتُ، لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ أَنْ كَبِرْتُ، أَنْ أَبْحَثَ عَنْهُمْ سِرًّا، خَشْيَةَ أَنْ يَكْتَشِفَ أَحَدٌ مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ. كَتَبْتُ رَسَائِلَ لَمْ أُرْسِلْهَا قَطُّ، وَبَحَثْتُ فِي وُجُوهِ الْغُرَبَاءِ فِي السُّوقِ عَنْ مَلَامِحَ تُشْبِهُ مَلَامِحَ أُمِّي الَّتِي بَدَأَتْ تَتَلَاشَى تَدْرِيجِيًّا مِنْ ذَاكِرَتِي رَغْمَ مُحَاوَلَاتِيَ الْيَائِسَةِ لِلتَّشَبُّثِ بِهَا. لَكِنَّ كُلَّ خَيْطٍ كُنْتُ أَتَتَبَّعُهُ كَانَ يَنْتَهِي بِجِدَارِ صَمْتٍ مُطْبِقٍ، وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ بِأَسْرِهَا تَوَاطَأَتْ عَلَى مَحْوِ أَيِّ أَثَرٍ لِعَائِلَتِي.”
أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا مُرْتَجِفًا قَبْلَ أَنْ تَتَابَعَ بِصَوْتٍ أَضْعَفَ: “أَظُنُّ، وَهَذَا أَصْعَبُ اعْتِرَافٍ أَقُولُهُ بِصَوْتٍ عَالٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَنَّهُمْ جَمِيعًا مَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ بَعْدَهَا بِقَلِيلٍ، وَأَنِّي كُنْتُ الْوَحِيدَةَ الَّتِي أَبْقَوْا عَلَيْهَا حَيَّةً، رُبَّمَا لِأَنِّي كُنْتُ طِفْلَةً صَغِيرَةً يَسْهُلُ إِدْمَاجُهَا فِي عَائِلَةٍ أُخْرَى دُونَ إِثَارَةِ أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ رُبَّمَا لِسَبَبٍ آخَرَ لَا أَعْرِفُهُ وَلَنْ أَعْرِفَهُ عَلَى الْأَرْجَحِ.”
مَسَحَتْ دَمْعَةً سَقَطَتْ عَلَى خَدِّهَا بِظَهْرِ يَدِهَا الْمُرْتَجِفَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ بِعَيْنَيْنِ مُثْقَلَتَيْنِ بِأَلَمٍ قَدِيمٍ لَمْ يَشْفَ قَطُّ رَغْمَ مُرُورِ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ: “تَعْرِفُ يَا بُنَيَّ، أَصْعَبُ مَا فِي هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ فَقْدَ عَائِلَتِي وَحْدَهُ، بَلْ فَقْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ عَلَى نَحْوٍ طَبِيعِيٍّ. لَمْ أُقِمْ لَهُمْ جَنَازَةً، وَلَمْ أَعْرِفْ أَيْنَ دُفِنُوا، إِنْ كَانُوا قَدْ دُفِنُوا أَصْلًا بِكَرَامَةٍ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ حَتَّى أَنْ أَزُورَ قَبْرًا أَضَعُ عَلَيْهِ الزُّهُورَ. حُزْنٌ بِلَا طُقُوسٍ، بِلَا نِهَايَةٍ وَاضِحَةٍ، يَبْقَى مُعَلَّقًا فِي دَاخِلِكَ إِلَى الْأَبَدِ.”
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهِمَا بِعَيْنَيْنِ أَكْثَرَ ثَبَاتًا فَجْأَةً، وَكَأَنَّهَا اتَّخَذَتْ قَرَارًا دَاخِلِيًّا بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْبَوْحِ: “لَكِنِّي احْتَفَظْتُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، هُوَ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي اسْتَطَعْتُ إِنْقَاذَهُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ حِينَهَا أَهَمِّيَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ.”
نَهَضَتْ بِبُطْءٍ، وَاتَّجَهَتْ نَحْوَ خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَعَادَتْ بَعْدَ دَقَائِقَ حَامِلَةً صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا مَنْحُوتًا بِعِنَايَةٍ، فَتَحَتْهُ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، وَأَخْرَجَتْ مِنْهُ مِلَفًّا جِلْدِيًّا قَدِيمًا مَحْفُوظًا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنَّهُ وَاثِقٌ، وَهِيَ تُمْسِكُ بِالْمِلَفِّ الْجِلْدِيِّ بِحِرْصٍ شَدِيدٍ، كَمَنْ يَحْمِلُ شَيْئًا أَثْمَنَ مِنَ الذَّهَبِ: “هَذَا سَنَدُ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيُّ لِأَرْضِ عَائِلَتِي، الْأَرْضِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا حَيُّ الْيَاسَمِينِ بِأَكْمَلِهِ. أَعْطَانِيهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ بَعْدَ لَيْلَةِ الِاخْتِفَاءِ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَقَالَ إِنَّهُ وَجَدَهُ فِي جَيْبِ مِعْطَفِ أَبِي، وَإِنَّهُ شَعَرَ بِذَنْبٍ كَافٍ لِيُخَاطِرَ بِحَيَاتِهِ فِي إِيصَالِهِ إِلَيَّ، دُونَ أَنْ يُخْبِرَنِي اسْمَهُ قَطُّ.”
ثُمَّ اسْتَعَادَتْ تَفْصِيلًا لَمْ تَذْكُرْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَعَيْنَاهَا شَاخِصَتَانِ إِلَى نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ كَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ وَجْهًا غَامِضًا مِنْ مَاضٍ سَحِيقٍ: “أَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ شَابًّا حِينَذَاكَ، رُبَّمَا فِي عِشْرِينِيَّاتِ عُمْرِهِ، يَرْتَدِي زِيَّ حَارِسٍ لَيْلِيٍّ بَسِيطًا، ثِيَابًا مُتَوَاضِعَةً بَالِيَةً بَعْضَ الشَّيْءِ، وَوَجْهًا شَاحِبًا يَحْمِلُ خَوْفًا وَاضِحًا لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ رَغْمَ شَجَاعَتِهِ الظَّاهِرَةِ فِي الْمَجِيءِ أَصْلًا. جَاءَنِي لَيْلًا، فِي بَيْتِ الْعَائِلَةِ الَّتِي تَبَنَّتْنِي، دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا بِزِيَارَتِهِ، وَوَضَعَ الْمِلَفَّ فِي يَدِي بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَالَ لِي جُمْلَةً وَاحِدَةً لَمْ أَفْهَمْهَا جَيِّدًا حِينَهَا، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَتِي طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ: احْتَفِظِي بِهَذَا جَيِّدًا يَا صَغِيرَتِي، فَقَدْ يَكُونُ يَوْمًا مَا الدَّلِيلَ الْوَحِيدَ عَلَى أَنَّ عَائِلَتَكِ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَقًّا.”
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ فِي مَكَانِهِ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَعَ يَاسَمِينَ: “هَلْ كَانَ اسْمُهُ تَوْفِيقَ؟”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا سَمِيرَةَ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: “كَيْفَ عَرَفْتَ هَذَا الِاسْمَ؟ نَعَمْ، أَذْكُرُ الْآنَ أَنِّي سَمِعْتُ أَحَدًا يُنَادِيهِ بِهِ مَرَّةً، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ لِي نَفْسَهُ مُبَاشَرَةً.”
قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ يَفِيضُ إِثَارَةً مُتَصَاعِدَةً: “إِنَّهُ مَا يَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. وَقَابَلْنَاهُ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.”
اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا سَمِيرَةَ بِدُمُوعٍ جَدِيدَةٍ، لَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ دُمُوعُ اكْتِشَافٍ مُفَاجِئٍ أَنَّ جُزْءًا مِنْ مَاضِيهَا الْمَفْقُودِ مَا يَزَالُ حَيًّا وَقَرِيبًا: “بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ… لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْكُرَهُ شَخْصِيًّا عَلَى شَجَاعَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.”
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَتَنَاوَلَ الْمِلَفَّ الْجِلْدِيَّ الْقَدِيمَ، فَاتِحًا إِيَّاهُ بِرِفْقٍ بَالِغٍ خَشْيَةَ أَنْ تَتَفَتَّتَ أَوْرَاقُهُ الْهَشَّةُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. كَانَتِ الْوَثِيقَةُ فِي الدَّاخِلِ أَصِيلَةً بِلَا رَيْبٍ، أَقْدَمَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْعَقْدِ الْمُزَوَّرِ الَّذِي عَثَرَ عَلَيْهِ فِي الْغُرْفَةِ السِّرِّيَّةِ، تَحْمِلُ خَتْمًا رَسْمِيًّا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا وَضَعَهُ فَارِسُ دَرْوِيشٍ لَاحِقًا، خَتْمًا يَعُودُ إِلَى عَهْدٍ إِدَارِيٍّ سَابِقٍ لِلْمَدِينَةِ، وَتَوْقِيعَ فَادِي سَمَاحَةَ نَفْسِهِ، جَدِّ سَمِيرَةَ، بِخَطٍّ وَاضِحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، خَطِّ رَجُلٍ وَاثِقٍ مِنْ مِلْكِيَّتِهِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَرْضِهِ.
قَرَأَ سَلِيمٌ النَّصَّ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، يُقَارِنُ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِيهِ بِمَا يَعْرِفُهُ عَنِ الْعَقْدِ الْمُزَوَّرِ: حُدُودُ الْأَرْضِ مُتَطَابِقَةٌ تَقْرِيبًا، غَيْرَ أَنَّ تَارِيخَ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَسْبِقُ تَارِيخَ “الْعَقْدِ الْمُعَدَّلِ” بِسَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ، مَا يُثْبِتُ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ أَنَّ مِلْكِيَّةَ آلِ سَمَاحَةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مَحَلَّ نِزَاعٍ حَقِيقِيٍّ قَبْلَ عَمَلِيَّةِ التَّزْوِيرِ الْمُتَعَمَّدَةِ الَّتِي نُفِّذَتْ لَاحِقًا.
هَمَسَتْ يَاسَمِينُ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْوَثِيقَةِ فَوْقَ كَتِفِ سَلِيمٍ، صَوْتُهَا يَرْتَجِفُ مِنَ الْإِثَارَةِ رَغْمَ مُحَاوَلَتِهَا الْحِفَاظَ عَلَى هُدُوئِهَا الْمِهْنِيِّ الْمُعْتَادِ: “هَذَا يُثْبِتُ كُلَّ شَيْءٍ. الْمِلْكِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ، دُونَ أَيِّ تَلَاعُبٍ أَوْ تَزْوِيرٍ، مُوَثَّقَةٌ عَلَى نَحْوٍ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ. وَمَعَ شَهَادَةِ سَمِيرَةَ الْحَيَّةِ، وَشَهَادَةِ تَوْفِيقَ، وَكُلِّ الْوَثَائِقِ الْأُخْرَى الَّتِي جَمَعْنَاهَا، أَصْبَحَتْ لَدَيْنَا الْآنَ قَضِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ يَصْعُبُ عَلَى أَيِّ مُحَامٍ، مَهْمَا كَانَ بَارِعًا، أَنْ يَدْحَضَهَا بِيُسْرٍ.” ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى سَمِيرَةَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ: “سَيِّدَةَ سَمِيرَةَ، لَعَلَّ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ هِيَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ مُنْذُ أَيَّامٍ لِإِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ كَامِلَةً، وَاسْتِرْدَادِ حَقِّ عَائِلَتِكِ الَّذِي سُلِبَ مِنْهَا بِهَذِهِ الْقَسْوَةِ.”
ابْتَسَمَتْ سَمِيرَةُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً صَغِيرَةً، أَوَّلَ ابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ رَأَيَاهَا عَلَى وَجْهِهَا مُنْذُ دُخُولِهِمَا: “إِنِ اسْتَطَاعَ هَذَا الْمِلَفُّ أَنْ يُعِيدَ لِعَائِلَتِي بَعْضًا مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي سُلِبَتْ مِنْهَا، وَلَوْ بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا، فَسَيَكُونُ هَذَا أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لِي فِيمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِي.”
وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ سَلِيمٌ مِنْ شُكْرِ سَمِيرَةَ عَلَى هَذِهِ الْهَدِيَّةِ الثَّمِينَةِ بِمَا يَكْفِي، سَمِعُوا جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا صَوْتَ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الْقَرْيَةِ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ لِطَرِيقٍ تُرَابِيٍّ هَادِئٍ كَهَذَا، ثُمَّ صَوْتَ إِطَارَاتٍ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً أَمَامَ الْبَيْتِ مُبَاشَرَةً، وَأَصْوَاتَ أَبْوَابِ سَيَّارَةٍ تُغْلَقُ بِعُنْفٍ.
شَحَبَ وَجْهُ سَمِيرَةَ فَوْرًا، وَقَفَزَتْ مِنْ مَكَانِهَا بِحَيَوِيَّةٍ لَمْ يَتَوَقَّعَاهَا مِنِ امْرَأَةٍ فِي عُمْرِهَا، حَيَوِيَّةٍ غَرِيزِيَّةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الْعَيْشِ فِي خَوْفٍ دَائِمٍ مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِذَاتِهَا: “لَا وَقْتَ لِلْأَسْئِلَةِ. اتْبَعَانِي الْآنَ.” قَالَتْهَا بِصَوْتٍ آمِرٍ حَادٍّ، يُخَالِفُ تَمَامًا نَبْرَتَهَا الْهَادِئَةَ الْحَزِينَةَ قَبْلَ لَحَظَاتٍ.
سَمِعَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ، مِنْ خِلَالِ النَّافِذَةِ الْأَمَامِيَّةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الطَّرِيقِ، صَوْتَ رَجُلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ لَكِنْ حَادٍّ عِنْدَ مَدْخَلِ الْبَيْتِ، وَكَشَفَتْ نَظْرَةٌ سَرِيعَةٌ عَنْ سَيَّارَةٍ سَوْدَاءَ دَاكِنَةِ النَّوَافِذِ، مِنَ الطِّرَازِ نَفْسِهِ الَّذِي رَأَى سَلِيمٌ رِجَالَ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ يَسْتَخْدِمُونَهُ فِي مُنَاسَبَاتٍ سَابِقَةٍ.
قَادَتْهُمَا سَمِيرَةُ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ بَابٍ خَلْفِيٍّ صَغِيرٍ فِي مَطْبَخِهَا الْبَسِيطِ، يُفْضِي مُبَاشَرَةً إِلَى حَقْلِ زَيْتُونٍ وَاسِعٍ يَمْتَدُّ خَلْفَ الْبَيْتِ: “اهْرُبَا عَبْرَ الْحَقْلِ، نَحْوَ التَّلَّةِ الْبَعِيدَةِ، سَتَجِدَانِ طَرِيقًا تُرَابِيًّا يَقُودُكُمَا إِلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ سَيْرًا تَقْرِيبًا. لَا تَنْظُرَا خَلْفَكُمَا، وَلَا تَتَوَقَّفَا مَهْمَا سَمِعْتُمَا.”
سَأَلَ سَلِيمٌ بِقَلَقٍ، وَهُوَ يُمْسِكُ الْوَثِيقَةَ الثَّمِينَةَ بِقُوَّةٍ، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْفِرَارِ وَحِمَايَةِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا سِوَى دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ لَكِنَّهُ بَدَأَ يَشْعُرُ تُجَاهَهَا بِمَسْؤُولِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ: “وَأَنْتِ؟”
قَالَتْ سَمِيرَةُ بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ مِنْهَا، وَكَأَنَّ كُلَّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ مِنَ الْحَذَرِ الْمَكْتُومِ تَحَوَّلَتِ الْآنَ، فِي لَحْظَةِ الْخَطَرِ الْفِعْلِيِّ، إِلَى قُوَّةٍ عَمَلِيَّةٍ حَاسِمَةٍ: “سَأُدَبِّرُ أَمْرِي. عِشْتُ خَمْسِينَ عَامًا أَخْتَبِئُ، وَأَعْرِفُ كَيْفَ أَخْتَفِي حِينَ يَلْزَمُ الْأَمْرُ. خُذَا الْوَثِيقَةَ، وَاحْمِيَا الْحَقِيقَةَ الَّتِي عَجَزْتُ أَنَا عَنْ حِمَايَتِهَا وَحْدِي طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ. اذْهَبَا الْآنَ!”
تَرَدَّدَتْ يَاسَمِينُ لِلَحْظَةٍ، غَيْرَ رَاغِبَةٍ فِي تَرْكِ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ وَحِيدَةٍ تُوَاجِهُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا بِمُفْرَدِهَا، لَكِنَّ سَمِيرَةَ دَفَعَتْهَا بِلُطْفٍ حَازِمٍ نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ: “لَا وَقْتَ لِلتَّرَدُّدِ يَا ابْنَتِي. أَنَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْأَرْضَ كَمَا أَعْرِفُ يَدِي، وَسَأَجِدُ طَرِيقِي لِلِاخْتِفَاءِ أَسْرَعَ مِنْ رَجُلَيْنِ غَرِيبَيْنِ لَا يَعْرِفَانِ هَذِهِ الْقَرْيَةَ. اذْهَبَا، أَرْجُوكُمَا، قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى سَمِيرَةَ نَظْرَةً أَخِيرَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يَنْقُلَ عَبْرَهَا كُلَّ الِامْتِنَانِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَقْتٌ كَافٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْكَلِمَاتِ: “سَنَعُودُ إِلَيْكِ، أَعِدُكِ. حِينَ يَنْتَهِي هَذَا كُلُّهُ بِسَلَامٍ.”
قَالَتْ سَمِيرَةُ بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ أَخِيرَةٍ: “اذْهَبْ الْآنَ يَا بُنَيَّ، لَا تَقْلَقْ عَلَيَّ.” قَبْلَ أَنْ تَدْفَعَهُمَا بِلُطْفٍ نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ وَتُغْلِقَهُ خَلْفَهُمَا بِسُرْعَةٍ.
انْدَفَعَ سَلِيمٌ وَيَاسَمِينُ عَبْرَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، يَرْكُضَانِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ مُمْكِنَةٍ عَبْرَ صُفُوفِ أَشْجَارِ الزَّيْتُونِ الْمُعَمَّرَةِ، تُوَفِّرُ أَغْصَانُهَا الْكَثِيفَةُ غِطَاءً جُزْئِيًّا مِنْ أَيِّ عَيْنٍ قَدْ تُرَاقِبُ مِنَ الْخَلْفِ. كَانَتْ أَرْضُ الْحَقْلِ غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ، مَلِيئَةً بِالْحِجَارَةِ الصَّغِيرَةِ وَجُذُورِ الْأَشْجَارِ الْبَارِزَةِ، مَا جَعَلَ الرَّكْضَ صَعْبًا وَمُرْهِقًا مُنْذُ الْخُطُوَاتِ الْأُولَى. سَمِعَا خَلْفَهُمَا أَصْوَاتَ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ عِنْدَ مَدْخَلِ بَيْتِ سَمِيرَةَ، ثُمَّ صَوْتَ بَابٍ يُفْتَحُ بِعُنْفٍ، وَصَوْتَ سَمِيرَةَ نَفْسِهَا يَرْتَفِعُ فَجْأَةً بِلَهْجَةٍ غَاضِبَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَتَعَمَّدُ لَفْتَ انْتِبَاهِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْهَا وَإِبْعَادَهُمَا عَنِ التَّفْكِيرِ فِي وُجُودِ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ فَرَّا لِتَوِّهِمَا مِنْ بَيْتِهَا.
هَمَسَتْ يَاسَمِينُ بِلَهَاثٍ وَهِيَ تَرْكُضُ بِجَانِبِهِ، وَالْوَثِيقَةُ الثَّمِينَةُ مَدْسُوسَةٌ بِإِحْكَامٍ دَاخِلَ حَقِيبَتِهَا الْمُعَلَّقَةِ عَلَى كَتِفِهَا، تَتَأَرْجَحُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ سَرِيعَةٍ: “لَا تَتَوَقَّفْ!”
رَكَضَا دَقَائِقَ طَوِيلَةً عَبْرَ الْحَقْلِ الْوَاسِعِ، تَتَعَثَّرُ أَقْدَامُهُمَا أَحْيَانًا بِجُذُورِ الْأَشْجَارِ الْبَارِزَةِ وَتُرْبَةِ الْحَقْلِ غَيْرِ الْمُسْتَوِيَةِ، وَتَتَقَطَّعُ أَنْفَاسُهُمَا مِنَ الْجَهْدِ الْمُضْنِي تَحْتَ شَمْسِ الصَّبَاحِ الْحَارِقَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَعْلُو فِي السَّمَاءِ. شَعَرَ سَلِيمٌ بِعَرَقٍ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ، وَبِأَلَمٍ حَادٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى سَاقَيْهِ مِنَ الْجَرْيِ الْمُتَّصِلِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ، لَكِنَّهُ أَجْبَرَ نَفْسَهُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، مُدْرِكًا أَنَّ التَّوَقُّفَ الْآنَ قَدْ يَعْنِي خَسَارَةَ كُلِّ مَا سَعَوْا إِلَيْهِ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ.
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ تَقْرِيبًا، وَالْتَفَتَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الْخَلْفِ رَغْمَ تَحْذِيرِ سَمِيرَةَ، فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَيْتِهَا، يَتَفَحَّصَانِ الْمَكَانَ بِحَرَكَاتٍ سَرِيعَةٍ مُحْتَرِفَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَّجِهَ أَحَدُهُمَا نَحْوَ الْحَقْلِ مُبَاشَرَةً، وَكَأَنَّهُ لَمَحَ شَيْئًا يَتَحَرَّكُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ مِنْ بَعِيدٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ، مُسْرِعًا الْخُطَى مَرَّةً أُخْرَى، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ مُتَزَايِدٍ مِنْ مَزِيجِ الْإِرْهَاقِ الْجَسَدِيِّ وَالْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ: “إِنَّهُمَا يُلَاحِقَانِنَا!”
وَاصَلَا الرَّكْضَ، مُتَجَاوِزَيْنِ صُفُوفَ الْأَشْجَارِ نَحْوَ التَّلَّةِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا سَمِيرَةُ، حَتَّى وَصَلَا أَخِيرًا، وَقَدْ أَنْهَكَهُمَا الْجَهْدُ تَمَامًا، إِلَى طَرِيقٍ تُرَابِيٍّ ضَيِّقٍ يَمْتَدُّ عَبْرَ التَّلَّةِ. تَوَقَّفَا لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ، يَلْتَقِطَانِ أَنْفَاسَهُمَا بِصُعُوبَةٍ، أَيْدِيهِمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِمَا، وَيَنْظُرَانِ خَلْفَهُمَا بِقَلَقٍ: لَمْ يَعُودَا يَرَيَانِ أَحَدًا يُلَاحِقُهُمَا مُبَاشَرَةً، لَكِنَّ صَوْتَ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ بَعِيدٍ كَانَ لَا يَزَالُ يُسْمَعُ مِنِ اتِّجَاهِ الْقَرْيَةِ، يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ كَأَنَّهُ يُمَشِّطُ الْمِنْطَقَةَ بَحْثًا عَنْهُمَا، وَهُوَ صَوْتٌ أَضَافَ قُشَعْرِيرَةً جَدِيدَةً إِلَى إِرْهَاقِهِمَا الْجَسَدِيِّ الْمُتَرَاكِمِ.
قَالَتْ يَاسَمِينُ وَهِيَ تَتَحَقَّقُ مِنَ الْوَثِيقَةِ فِي حَقِيبَتِهَا لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ، تُطَمْئِنُ نَفْسَهَا أَنَّهَا مَا تَزَالُ آمِنَةً جَافَّةً رَغْمَ كُلِّ الْجَرْيِ وَالِاهْتِزَازِ: “يَجِبُ أَنْ نَصِلَ إِلَى الطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ. سَيَّارَتِي مَتْرُوكَةٌ عِنْدَ مَدْخَلِ الْقَرْيَةِ، لَكِنَّ الْعَوْدَةَ إِلَيْهَا الْآنَ قَدْ تَكُونُ بَالِغَةَ الْخُطُورَةِ، فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ يَنْتَظِرُنَا هُنَاكَ بِالتَّحْدِيدِ، مُتَوَقِّعًا أَنَّنَا سَنَعُودُ إِلَيْهَا عَاجِلًا أَمْ آجِلًا.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَيَّ مَعْرِفَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ قَدْ تُعِينُهُمَا، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَزُرْ هَذِهِ الْمِنْطَقَةَ قَطُّ مِنْ قَبْلُ: “اتَّصِلِي بِرَامِي. لَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْسِلَ لَنَا مُسَاعَدَةً، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ يَنْصَحَنَا بِأَفْضَلِ طَرِيقٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ هُنَا بِأَمَانٍ، فَهُوَ أَكْثَرُ دِرَايَةً بِطُرُقِ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ الرِّيفِيَّةِ مِنَّا كِلَيْنَا.”
أَخْرَجَتْ يَاسَمِينُ هَاتِفَهَا بِيَدٍ مَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ مِنَ الْإِرْهَاقِ وَالْخَوْفِ، وَبَدَأَتْ تَطْبَعُ رِسَالَةَ الطَّوَارِئِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يُرَاقِبُ الْأُفُقَ خَلْفَهُمَا بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ، يَتَسَاءَلُ بِصَمْتٍ عَنْ مَصِيرِ سَمِيرَةَ الْعَجُوزِ الَّتِي ضَحَّتْ بِأَمَانِهَا الْمُعْتَادِ، بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا مِنَ الِاخْتِبَاءِ الْحَذِرِ، مِنْ أَجْلِ تَسْلِيمِهِمَا وَثِيقَةً قَدْ تُغَيِّرُ مَصِيرَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَسْرِهَا.
جَاءَ رَدُّ رَامِي بِسُرْعَةٍ مُفَاجِئَةٍ، مُتَّصِلًا مُبَاشَرَةً بَدَلًا مِنَ الرِّسَالَةِ النَّصِّيَّةِ الْمُعْتَادَةِ. سَأَلَ بِصَوْتٍ جَادٍّ يُوحِي بِجَاهِزِيَّةٍ فَوْرِيَّةٍ لِلتَّحَرُّكِ: “أَيْنَ أَنْتُمَا بِالضَّبْطِ؟”
وَصَفَ سَلِيمٌ مَوْقِعَهُمَا التَّقْرِيبِيَّ بِأَفْضَلِ مَا اسْتَطَاعَ، مُسْتَعِينًا بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ وَاتِّجَاهِ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الَّذِي يَقِفَانِ عَلَيْهِ، بَيْنَمَا كَانَ رَامِي يُصْغِي بِتَرْكِيزٍ، يُسَجِّلُ التَّفَاصِيلَ، وَيَطْرَحُ أَسْئِلَةً سَرِيعَةً دَقِيقَةً عَنْ مَعَالِمَ مُمَيَّزَةٍ فِي الْمِنْطَقَةِ.
قَالَ رَامِي أَخِيرًا: “ثَمَّةَ طَرِيقٌ زِرَاعِيٌّ فَرْعِيٌّ يَتَّصِلُ بِالطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ عَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرٍ وَاحِدٍ تَقْرِيبًا شَمَالَ مَوْقِعِكُمَا الْحَالِيِّ، إِنْ كُنْتُ أَفْهَمُ وَصْفَكَ عَلَى نَحْوٍ صَحِيحٍ. سَأَنْطَلِقُ إِلَيْكُمَا الْآنَ بِسَيَّارَتِي الشَّخْصِيَّةِ، لَا سَيَّارَةِ الشُّرْطَةِ الرَّسْمِيَّةِ، تَجَنُّبًا لِأَيِّ انْتِبَاهٍ غَيْرِ مَرْغُوبٍ فِيهِ. امْشِيَا نَحْوَ الشَّمَالِ، بِمُحَاذَاةِ خَطِّ التِّلَالِ، وَسَأَصِلُ إِلَيْكُمَا خِلَالَ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا.”
قَالَ سَلِيمٌ بِامْتِنَانٍ صَادِقٍ، شَاعِرًا بِرَاحَةٍ نِسْبِيَّةٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدْءِ هَذَا الْهُرُوبِ الْمَحْمُومِ: “شُكْرًا لَكَ يَا رَامِي.”
أَجَابَهُ رَامِي: “اعْتَنِيَا بِأَنْفُسِكُمَا فَقَطْ حَتَّى وُصُولِي. لَا تَسْتَخْدِمَا الطَّرِيقَ الرَّئِيسِيَّ مُبَاشَرَةً، وَابْقَيَا عَلَى الطُّرُقِ الْفَرْعِيَّةِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.”
مَشَيَا بِسُرْعَةٍ حَذِرَةٍ عَبْرَ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الضَّيِّقِ، مُتَّجِهَيْنِ شَمَالًا كَمَا أَرْشَدَهُمَا رَامِي، بَيْنَمَا كَانَتِ الشَّمْسُ تَعْلُو أَكْثَرَ فِي السَّمَاءِ، وَحَرَارَةُ النَّهَارِ تَتَصَاعَدُ تَدْرِيجِيًّا فَوْقَ التِّلَالِ الْجَرْدَاءِ الْمُحِيطَةِ بِهِمَا.

عَادَ الرَّجُلَانِ إِلَى سَيَّارَتِهِمَا السَّوْدَاءِ بَعْدَ بَحْثٍ غَيْرِ مُثْمِرٍ فِي مُحِيطِ بَيْتِ سَمِيرَةَ، إِذْ لَمْ يَجِدَا أَثَرًا وَاضِحًا لِلْهَارِبَيْنِ رَغْمَ تَفْتِيشِهِمَا جُزْءًا مِنَ الْحَقْلِ. جَلَسَ أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْمِقْوَدِ، بَيْنَمَا أَخْرَجَ الْآخَرُ هَاتِفَهُ وَطَلَبَ رَقْمًا مَحْفُوظًا.
قَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ حِينَ أُجِيبَتِ الْمُكَالَمَةُ: “لَمْ نَجِدْهُمَا. الْعَجُوزُ لَمْ تَقُلْ شَيْئًا مُفِيدًا، ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتْ وَحِيدَةً طَوَالَ الصَّبَاحِ، وَلَمْ نَجِدْ أَيَّ أَثَرٍ لِلْهَارِبَيْنِ فِي مُحِيطِ الْبَيْتِ أَوِ الْحَقْلِ الْمُجَاوِرِ مُبَاشَرَةً.”
جَاءَ صَوْتُ “الرَّئِيسَةِ” بَارِدًا حَادًّا عَبْرَ الْهَاتِفِ: “هَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ. كَانَا هُنَاكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ سَيَّارَتُهُمَا مَا تَزَالُ مُتَوَقِّفَةً عِنْدَ مَدْخَلِ الْقَرْيَةِ.”
“نَعَمْ، السَّيَّارَةُ مَا تَزَالُ هُنَاكَ، لَكِنَّهُمَا اخْتَفَيَا تَمَامًا. رُبَّمَا هَرَبَا عَبْرَ الْحُقُولِ الْخَلْفِيَّةِ قَبْلَ وُصُولِنَا بِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.”
صَمَتَتِ الْمَرْأَةُ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهَا تُفَكِّرُ بِسُرْعَةٍ فِي الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ: “ابْقَيَا قُرْبَ سَيَّارَتِهِمَا. سَيَعُودَانِ إِلَيْهَا عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، أَوْ سَيُرْسِلَانِ مَنْ يُقِلُّهُمَا. رَاقِبَا بِصَمْتٍ، وَلَا تَتَدَخَّلَا هَذِهِ الْمَرَّةَ إِلَّا بِأَمْرٍ مُبَاشِرٍ مِنِّي.”
“وَمَاذَا عَنِ الْعَجُوزِ؟ أَنَأْخُذُهَا مَعَنَا لِلِاسْتِجْوَابِ؟”
“لَا، لَيْسَ الْآنَ. اتْرُكَاهَا، فَأَخْذُهَا الْآنَ سَيُثِيرُ أَسْئِلَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَحُلُّ. سَنَتَعَامَلُ مَعَهَا لَاحِقًا، عَلَى نَحْوٍ أَهْدَأَ، حِينَ تَخِفُّ حِدَّةُ الِانْتِبَاهِ حَوْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ قَلِيلًا.”
أَنْهَتِ الْمَرْأَةُ الْمُكَالَمَةَ، تَارِكَةً الرَّجُلَيْنِ يَتَبَادَلَانِ نَظْرَةً قَلِقَةً، مُدْرِكَيْنِ أَنَّ فَشَلَهُمَا فِي هَذِهِ الْمُهِمَّةِ الْبَسِيطَةِ نِسْبِيًّا لَنْ يَمُرَّ دُونَ عَوَاقِبَ فِي نَظَرِ مَنْ يَعْمَلَانِ لِحِسَابِهِ.

وَصَلَ رَامِي بِسَيَّارَتِهِ الْمُتَوَاضِعَةِ بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ بِالضَّبْطِ كَمَا وَعَدَ، مُلْتَقِطًا سَلِيمًا وَيَاسَمِينَ مِنْ نُقْطَةِ لِقَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ الْفَرْعِيِّ، مُنْهَكَيْنِ وَمُتَعَرِّقَيْنِ لَكِنْ سَالِمَيْنِ، وَالْوَثِيقَةُ الثَّمِينَةُ مَا تَزَالُ مَحْفُوظَةً بِأَمَانٍ فِي حَقِيبَةِ يَاسَمِينَ. تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ بِجَانِبِهِمَا بِصَوْتِ احْتِكَاكِ إِطَارَاتٍ خَفِيفٍ عَلَى التُّرَابِ، وَنَزَلَ رَامِي بِسُرْعَةٍ، عَيْنَاهُ تَفْحَصَانِ مُحِيطَ الطَّرِيقِ بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِمَا.
سَأَلَ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ يَتَفَقَّدُهُمَا بِعَيْنَيْنِ سَرِيعَتَيْنِ، يَتَأَكَّدُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ إِصَابَاتٍ ظَاهِرَةٍ، وَيَدَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِحَرَكَاتٍ شِبْهِ طِبِّيَّةٍ مُدَرَّبَةٍ وَهُوَ يَتَفَقَّدُ ذِرَاعَيْهِمَا وَوَجْهَيْهِمَا بَحْثًا عَنْ أَيِّ جُرُوحٍ أَوْ كُدُمَاتٍ خَفِيَّةٍ: “أَبِخَيْرٍ أَنْتُمَا؟”
أَجَابَ سَلِيمٌ وَهُوَ يَسْتَقِرُّ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، شَاعِرًا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدْءِ الْهُرُوبِ بِرَاحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَسْمَحُ لِجَسَدِهِ بِالِاسْتِرْخَاءِ أَخِيرًا، وَعَضَلَاتُ سَاقَيْهِ مَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنَ الْجَهْدِ الْمُضْنِي لِلرَّكْضِ الْمُتَّصِلِ عَبْرَ الْحَقْلِ الْوَعِرِ: “بِخَيْرٍ، فَقَطْ مُنْهَكَانِ تَمَامًا.”
قَصَّا عَلَى رَامِي، خِلَالَ الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ، كُلَّ تَفَاصِيلِ مَا حَدَثَ: لِقَاءَ سَمِيرَةَ، وَرِوَايَتَهَا الْمُؤَثِّرَةَ، وَاكْتِشَافَ سَنَدِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ وُصُولَ الرَّجُلَيْنِ الْمُرِيبَيْنِ وَالْهُرُوبَ الْمَحْمُومَ عَبْرَ الْحُقُولِ.
أَصْغَى رَامِي بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، تَضِيقُ عَيْنَاهُ بِتَرَكُّزٍ مِهْنِيٍّ وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ كُلَّ تَفْصِيلٍ، ثُمَّ قَالَ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ حِينَ انْتَهَيَا: “هَذَا يَعْنِي أَنَّ كَمَالًا، أَوْ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ، كَانَ يُرَاقِبُ تَحَرُّكَاتِكُمَا مُبَاشَرَةً لِيَعْرِفَ بِالضَّبْطِ أَيْنَ تَتَّجِهَانِ. لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ جِهَازَ تَعَقُّبٍ أَوْ مُرَاقَبَةً مُسْتَمِرَّةً لِسَيَّارَةِ يَاسَمِينَ، أَوْ لِأَحَدِ هَاتِفَيْكُمَا. هَذَا مُسْتَوًى مِنَ التَّطَوُّرِ التِّقْنِيِّ وَالتَّنْظِيمِيِّ يَتَجَاوَزُ مَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ مِنْ رَجُلِ أَعْمَالٍ عَادِيٍّ مَهْمَا بَلَغَ نُفُوذُهُ، وَهَذَا بِالتَّحْدِيدِ مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ عِنْدَ هَذَا الِاحْتِمَالِ: “أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا يَتَنَصَّتُونَ عَلَى مُكَالَمَاتِنَا أَيْضًا؟”
قَالَتْ يَاسَمِينُ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ: “مَنْ قَدْ يَمْلِكُ هَذَا الْمُسْتَوَى مِنَ التَّنْظِيمِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ، يَا رَامِي؟ رِجَالُ الْأَعْمَالِ الْعَادِيُّونَ، مَهْمَا بَلَغَ نُفُوذُهُمُ الْمَالِيُّ، نَادِرًا مَا يَسْتَثْمِرُونَ فِي مُعَدَّاتِ مُرَاقَبَةٍ مُتَطَوِّرَةٍ كَهَذِهِ، أَوْ فِي شَبَكَةِ مُرَاقِبِينَ مُحْتَرِفِينَ بِهَذَا الشَّكْلِ.”
فَكَّرَ رَامِي بِجِدِّيَّةٍ، وَهُوَ يُشَغِّلُ الْمُحَرِّكَ أَخِيرًا لِيُقِلَّهُمَا نَحْوَ الْمَدِينَةِ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ. مُسْتَوَى التَّنْظِيمِ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٍ مُنَظَّمَةٍ مِنْهُ إِلَى عَمَلِ رَجُلِ أَعْمَالٍ طَمُوحٍ وَاحِدٍ، مَهْمَا كَانَ ثَرِيًّا أَوْ نَافِذًا. أَظُنُّ أَنَّنَا نُوَاجِهُ شَيْئًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ كَمَالٍ دَرْوِيشٍ وَحْدَهُ، شَبَكَةً تَمْتَدُّ رُبَّمَا إِلَى خَارِجِ حُدُودِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا.”
نَظَرَتْ يَاسَمِينُ إِلَى سَلِيمٍ بِقَلَقٍ يَزْدَادُ وُضُوحًا فِي عَيْنَيْهَا: “هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمَخَاطِرَ الَّتِي نُوَاجِهُهَا أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَصَوَّرْنَا فِي الْبِدَايَةِ. لَمْ يَعُودُوا يُرَاقِبُونَنَا مِنْ بَعِيدٍ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَحَرَّكُونَ مُبَاشَرَةً لِمَنْعِنَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى أَيِّ دَلِيلٍ جَدِيدٍ.”
أَوْمَأَ سَلِيمٌ بِرَأْسِهِ صَامِتًا، مُسْتَوْعِبًا ثِقَلَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْجَدِيدِ، وَنَظَرَ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُمْتَدِّ أَمَامَهُمْ، يُفَكِّرُ فِي سَمِيرَةَ الَّتِي تَرَكَاهَا وَحِيدَةً، وَفِي تَوْفِيقَ الَّذِي مَا يَزَالُ يَرْفُضُ الْحَدِيثَ، وَفِي كُلِّ الْخُيُوطِ الْمُتَشَابِكَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَقَارَبُ أَخِيرًا نَحْوَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ، حَقِيقَةٍ يَبْدُو أَنَّ أَحَدًا مَا مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ لِيُبْقِيَهَا مَدْفُونَةً إِلَى الْأَبَدِ.
وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى مَدْخَلِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ وَدَّعَ رَامِي سَلِيمًا وَيَاسَمِينَ عِنْدَ نُقْطَةٍ آمِنَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ بَيْتِ الْعَائِلَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ سَيُحْضِرُ لَهُمَا هَاتِفَيْنِ مُؤَقَّتَيْنِ بِحُلُولِ الْمَسَاءِ، وَأَنَّهُ سَيُحَاوِلُ أَيْضًا إِيجَادَ طَرِيقَةٍ آمِنَةٍ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَى سَمِيرَةَ دُونَ أَنْ يُعَرِّضَهَا لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ بِزِيَارَةٍ مُبَاشِرَةٍ قَدْ تُرَاقَبُ.
وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، أَمْسَكَتْ يَاسَمِينُ بِذِرَاعِ سَلِيمٍ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَعْمَقَ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ تَمَامًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُرْهِقَةِ، وَعَيْنَاهَا مَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ أَثَرَ الْخَوْفِ وَالْإِرْهَاقِ، لَكِنْ أَيْضًا شَيْئًا دَافِئًا جَدِيدًا بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِمَا رَغْمًا عَنْهَا: “سَلِيمُ، كَانَ الْيَوْمُ مُخِيفًا حَقًّا. لَمْ أَشْعُرْ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي عَمَلِي، لَكِنِّي أَيْضًا لَمْ أَشْعُرْ مِنْ قَبْلُ بِأَنَّ مَا أَفْعَلُهُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْخَطَرَ بِقَدْرِ مَا أَشْعُرُ بِهِ الْآنَ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا سَلِيمٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، مُدْرِكًا أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، الَّتِي الْتَقَاهَا غَرِيبَةً تَمَامًا فِي مَطَارٍ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، أَصْبَحَتِ الْآنَ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ حَيَاتِهِ، لَا مُجَرَّدَ حَلِيفَةٍ فِي تَحْقِيقٍ صَحَفِيٍّ. شَعَرَ بِرَغْبَةٍ مُفَاجِئَةٍ فِي قَوْلِ شَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْمَحُ بِهِ هَذِهِ اللَّحْظَةُ الْمُتَوَتِّرَةُ، لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِقَوْلِ: “لَمْ أَكُنْ لِأَصِلَ إِلَى أَيٍّ مِنْ هَذَا مِنْ دُونِكِ يَا يَاسَمِينُ. مَهْمَا حَدَثَ بَعْدَ الْيَوْمِ، أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنِّي مُمْتَنٌّ لَكِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ الْكَلِمَاتُ أَنْ تُعَبِّرَ عَنْهُ.”
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا دَافِئَةٌ، ابْتِسَامَةً حَمَلَتْ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ الِامْتِنَانِ الْمِهْنِيِّ الْمُعْتَادِ، شَيْئًا جَعَلَ قَلْبَ سَلِيمٍ يَخْفِقُ عَلَى نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَرْكَبَ سَيَّارَةَ أُجرَةٍ مُتَّجِهَةً نَحْوَ مَنْزِلِهَا لِتَسْتَرِيحَ قَلِيلًا، تَارِكَةً سَلِيمًا يَمْشِي الْمَسَافَةَ الْقَصِيرَةَ الْمُتَبَقِّيَةَ نَحْوَ بَيْتِ الْعَائِلَةِ، حَامِلًا مَعَهُ وَثِيقَةً قَدْ تُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَذِكْرَى امْرَأَةٍ عَجُوزٍ ضَحَّتْ بِأَمَانِهَا مِنْ أَجْلِ حَقِيقَةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.

عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ فِي الْمَسَاءِ، مُنْهَكًا عَلَى نَحْوٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ، فَوَجَدَ لَيَانَ تَنْتَظِرُهُ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ عَلَى وَجْهِهَا، بَعْدَ أَنْ تَلَقَّتْ رَسَائِلَهُ الْمُتَقَطِّعَةَ طَوَالَ الْيَوْمِ دُونَ تَفَاصِيلَ كَافِيَةٍ تُطَمْئِنُهَا كَامِلًا.
احْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ فَوْرَ دُخُولِهِ: “سَلِيمُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّكَ بِخَيْرٍ!” ثُمَّ ابْتَعَدَتْ لِتَفْحَصَ وَجْهَهُ بِعَيْنَيْنِ قَلِقَتَيْنِ: “مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ؟ كَانَتْ رَسَائِلُكَ مُقْتَضَبَةً جِدًّا وَمُخِيفَةً.”
جَلَسَا مَعًا فِي الصَّالَةِ، وَرَوَى لَهَا سَلِيمٌ كُلَّ تَفَاصِيلِ الْيَوْمِ الطَّوِيلِ: لِقَاءَ سَمِيرَةَ، وَقِصَّتَهَا الْمُؤْلِمَةَ، وَاكْتِشَافَ سَنَدِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيِّ، ثُمَّ الْهُرُوبَ الْمَحْمُومَ عَبْرَ الْحُقُولِ. أَصْغَتْ لَيَانُ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ، تُغَطِّي يَدَاهَا فَمَهَا فِي لَحَظَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنَ الْقِصَّةِ.
هَمَسَتْ حِينَ انْتَهَى سَلِيمٌ مِنَ الرِّوَايَةِ: “امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ. خَمْسُونَ عَامًا مِنَ الْعَيْشِ بِهُوِيَّةٍ مُزَيَّفَةٍ، خَائِفَةً طَوَالَ الْوَقْتِ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ حَجْمَ الْأَلَمِ الَّذِي عَاشَتْهُ.”
أَضَافَ سَلِيمٌ بِإِعْجَابٍ صَادِقٍ: “وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ شَجَاعَتَهَا فِي تَسْلِيمِنَا تِلْكَ الْوَثِيقَةَ رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْخَوْفِ الْمُتَرَاكِمِ. خَاطَرَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ حَقِيقَةٍ قَدْ لَا تَرَاهَا مُكْتَمِلَةً أَبَدًا فِي حَيَاتِهَا.”
أَخْرَجَ سَلِيمٌ الْوَثِيقَةَ مِنْ حَقِيبَتِهِ، وَعَرَضَهَا عَلَى لَيَانَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، فَتَفَحَّصَتْهَا بِعَيْنَيْنِ مُتَأَثِّرَتَيْنِ، تَلْمِسُ الْوَرَقَ الْقَدِيمَ الْهَشَّ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا بِرِفْقٍ، كَأَنَّهَا تَلْمِسُ قِطْعَةً مِنْ تَارِيخِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ أُبِيدَتْ مِنَ الْوُجُودِ.
سَأَلَتْ بِأَمَلٍ حَذِرٍ: “هَذَا سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ: “أَتَمَنَّى ذَلِكَ. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَحْمِيَ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. سَنَحْتَاجُ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً، مُخَبَّأَةً فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، تَحَسُّبًا لِأَيِّ طَارِئٍ.”
قَضَيَا السَّاعَةَ التَّالِيَةَ يُصَوِّرَانِ الْوَثِيقَةَ مِنْ زَوَايَا مُتَعَدِّدَةٍ، بِجَوْدَةٍ عَالِيَةٍ، وَيُرْسِلَانِ نُسَخًا مُشَفَّرَةً إِلَى بَرِيدٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ آمِنٍ أَنْشَأَهُ سَلِيمٌ خِصِّيصًا لِهَذَا الْغَرَضِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى أَرْسَلَهَا إِلَى يَاسَمِينَ وَرَامِي كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ، مُوَزِّعًا بِذَلِكَ مَخَاطِرَ فُقْدَانِ الدَّلِيلِ الْوَحِيدِ عَلَى عِدَّةِ أَطْرَافٍ مَوْثُوقَةٍ بَدَلًا مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ تُسْرَقُ أَوْ تُتْلَفُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ أَوَتْ لَيَانُ إِلَى فِرَاشِهَا مُنْهَكَةً، جَلَسَ سَلِيمٌ وَحِيدًا فِي غُرْفَتِهِ، يَتَأَمَّلُ الْوَثِيقَةَ الْأَصْلِيَّةَ الْمَوْضُوعَةَ أَمَامَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، يَسْتَعِيدُ وَجْهَ سَمِيرَةَ الْعَجُوزِ وَهِيَ تَرْوِي قِصَّتَهَا الْمُؤْلِمَةَ، وَصَوْتَهَا الْمُرْتَجِفَ وَهُوَ يَصِفُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي غَيَّرَتْ مَصِيرَ عَائِلَتِهَا بِأَكْمَلِهِ إِلَى الْأَبَدِ.
تَأَمَّلَ الْمَسَافَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي قَطَعَتْهَا هَذِهِ الْوَثِيقَةُ عَبْرَ الزَّمَنِ: مِنْ جَيْبِ مِعْطَفِ فَادِي سَمَاحَةَ لَيْلَةَ اخْتِفَائِهِ، إِلَى يَدِ حَارِسٍ لَيْلِيٍّ شَابٍّ خَائِفٍ لَكِنَّهُ شُجَاعٌ، إِلَى طِفْلَةٍ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا فَقَدَتْ عَالَمَهَا بِأَسْرِهِ فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ، إِلَى امْرَأَةٍ عَجُوزٍ حَافَظَتْ عَلَيْهَا بِصَمْتٍ طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً، وَأَخِيرًا إِلَيْهِ هُوَ، حَفِيدِ رَجُلٍ تَوَرَّطَ دُونَ قَصْدٍ فِي هَذِهِ الْمَأْسَاةِ الْقَدِيمَةِ، يَحْمِلُ الْآنَ مَسْؤُولِيَّةَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ هَذَا الْأَلَمَ الْمُتَرَاكِمَ يَعْنِي شَيْئًا أَخِيرًا.
أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَكَتَبَ رِسَالَةً قَصِيرَةً لِيَاسَمِينَ، رَغْمَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ: “شُكْرًا لَكِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْيَوْمَ. أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي قَدْ وَصَلْتِ إِلَى بَيْتِكِ بِأَمَانٍ، وَاسْتَطَعْتِ أَنْ تَرْتَاحِي قَلِيلًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ.”
جَاءَ رَدُّهَا بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ: “وَصَلْتُ بِأَمَانٍ، شُكْرًا لِسُؤَالِكَ. لَا أَسْتَطِيعُ التَّوَقُّفَ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي سَمِيرَةَ، أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ بِخَيْرٍ اللَّيْلَةَ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ طَرِيقَةً آمِنَةً لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهَا غَدًا، دُونَ أَنْ أُعَرِّضَهَا لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ.”
ابْتَسَمَ سَلِيمٌ وَهُوَ يَقْرَأُ الرِّسَالَةَ، شَاعِرًا بِامْتِنَانٍ مُتَجَدِّدٍ لِوُجُودِ مَنْ يُشَارِكُهُ الْقَلَقَ نَفْسَهُ، وَيَهْتَمُّ بِالتَّفَاصِيلِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ الْقَانُونِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ. كَتَبَ رَدًّا أَخِيرًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلنَّوْمِ: “تُصْبِحِينَ عَلَى خَيْرٍ يَا يَاسَمِينُ. غَدًا مَعْرَكَةٌ جَدِيدَةٌ، لَكِنَّ اللَّيْلَةَ، فَقَطْ، دَعِينَا نَرْتَاحُ.”

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، وَعَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بَيْتِ الْعَائِلَةِ، جَلَسَتْ سَمِيرَةُ سَمَاحَةَ وَحِيدَةً فِي بَيْتِهَا الصَّغِيرِ، بَعْدَ أَنْ نَجَحَتْ فِي الِاخْتِفَاءِ عَنْ أَعْيُنِ الرَّجُلَيْنِ طَوَالَ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُضْطَرِبِ، مُخْتَبِئَةً فِي قَبْوِ جَارَتِهَا الْعَجُوزِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي تَثِقُ بِهَا فِي الْقَرْيَةِ، إِلَى أَنْ غَادَرَ الرَّجُلَانِ أَخِيرًا بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ الِانْتِظَارِ غَيْرِ الْمُثْمِرِ.
عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا مَعَ حُلُولِ الظَّلَامِ، وَأَغْلَقَتْ كُلَّ الْأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ بِإِحْكَامٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، جَالِسَةً فِي الْعَتْمَةِ دُونَ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى إِضَاءَةِ أَيِّ مِصْبَاحٍ قَدْ يَكْشِفُ مَوْقِعَهَا لِمَنْ قَدْ يَكُونُ مَا يَزَالُ يُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ. فَكَّرَتْ فِي سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ، تَتَمَنَّى بِصَمْتٍ أَنْ يَكُونَا قَدْ وَصَلَا إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ، وَأَنَّ الْوَثِيقَةَ الَّتِي حَمَلَتْهَا بِأَمَانَةٍ طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً سَتَجِدُ أَخِيرًا طَرِيقَهَا إِلَى تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ الَّتِي طَالَ انْتِظَارُهَا.
شَعَرَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ السَّلَامَ الدَّاخِلِيَّ، رَغْمَ كُلِّ الْخَطَرِ الْمُحِيطِ بِهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِذَاتِهَا. لَمْ تَعُدْ وَحِيدَةً تَحْمِلُ هَذَا الْعِبْءَ بِمُفْرَدِهَا؛ شَارَكَتْهُ أَخِيرًا مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَمَهْمَا حَدَثَ لَهَا بَعْدَ الْآنَ، كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ، عَلَى الْأَقَلِّ، لَمْ تَعُدْ رَهِينَةَ صَمْتِهَا الْمُنْفَرِدِ.
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا فِي الْعَتْمَةِ، وَهَمَسَتْ لِنَفْسِهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ، مُوَجِّهَةً كَلِمَاتِهَا إِلَى عَائِلَةٍ لَمْ تَرَهَا مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا: “رُبَّمَا، أَخِيرًا، سَتَنَالُونَ بَعْضَ الْعَدَالَةِ الَّتِي حُرِمْتُمْ مِنْهَا يَا أَحِبَّائِي. رُبَّمَا لَمْ يَذْهَبْ أَلَمُكُمْ سُدًى بَعْدَ كُلِّ هَذَا الِانْتِظَارِ الطَّوِيلِ.”

وَفِي مَكْتَبٍ فَخْمٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَانَ كَمَالُ دَرْوِيشٍ يَتَلَقَّى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنَ اللَّيْلِ تَقْرِيرًا هَاتِفِيًّا مُقْتَضَبًا مِنْ أَحَدِ رِجَالِهِ، تَقْرِيرًا يُخْبِرُهُ بِفَشَلِ مُهِمَّةِ اسْتِعَادَةِ الْوَثِيقَةِ مِنْ بَيْتِ الْعَجُوزِ، وَبِاخْتِفَاءِ سَلِيمٍ وَيَاسَمِينَ رَغْمَ كُلِّ الْجَهْدِ الْمَبْذُولِ لِتَعَقُّبِهِمَا عَبْرَ الْحُقُولِ الرِّيفِيَّةِ. أَغْلَقَ كَمَالٌ الْهَاتِفَ بِغَضَبٍ مَكْتُومٍ، وَجَلَسَ صَامِتًا فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ، مُدْرِكًا أَنَّ دَائِرَةَ الْخَطَرِ حَوْلَهُ بَدَأَتْ تَضِيقُ أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَ حِينَ بَدَأَ هَذَا الْمُخَطَّطَ كُلَّهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
نَظَرَ إِلَى صُورَةِ وَالِدِهِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْجِدَارِ، وَتَسَاءَلَ بِصَمْتٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، إِنْ كَانَ الثَّمَنُ الَّذِي يَدْفَعُهُ الْآنَ يَسْتَحِقُّ حَقًّا كُلَّ مَا وَرِثَهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِرْثِ الْمُلَوَّثِ.
لَمْ يَجِدْ إِجَابَةً وَاضِحَةً، سِوَى صَمْتٍ ثَقِيلٍ يَمْلَأُ مَكْتَبَهُ الْفَخْمَ الْخَالِيَ فَجْأَةً مِنْ كُلِّ مَعْنًى.

الْفَصْلُ التَّاسِعُ

وَصَلَتِ الدَّعْوَةُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، رَسْمِيَّةً هَذِهِ الْمَرَّةَ، مَطْبُوعَةً عَلَى وَرَقٍ فَاخِرٍ يَحْمِلُ شِعَارَ مَشْرُوعِ “أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ” الْمُذَهَّبَ: دَعْوَةٌ لِحُضُورِ لِقَاءِ “مُصَالَحَةٍ عَائِلِيَّةٍ” فِي أَحَدِ أَفْخَمِ مَطَاعِمِ الْمَدِينَةِ، بِحُضُورِ عَدَدٍ مِنْ وُجَهَاءِ الْحَيِّ وَمُمَثِّلِينَ إِعْلَامِيِّينَ، بِمُبَادَرَةٍ مِنَ “الْأُسْتَاذِ كَمَالَ دَرْوِيشَ، الْحَرِيصِ دَائِمًا عَلَى وَحْدَةِ نَسِيجِ مَدِينَتِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ”.
قَرَأَ سَلِيمٌ الدَّعْوَةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَعَادَ قِرَاءَتَهَا مَرَّةً أُخْرَى، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ دَوَافِعَ كَمَالٍ الْحَقِيقِيَّةَ وَرَاءَ هَذِهِ الْخُطْوَةِ الْعَلَنِيَّةِ الْمُفَاجِئَةِ. لَاحَظَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا أَثَارَ قَلَقَهُ أَكْثَرَ: قَائِمَةُ الْحُضُورِ تَضَمَّنَتِ اسْمَيْنِ مِنْ كِبَارِ الصَّحَفِيِّينَ فِي الْمَدِينَةِ، إِلَى جَانِبِ اسْمِ يَاسْمِينَ نُورَ نَفْسِهَا، وَكَأَنَّ كَمَالًا يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هَذَا اللِّقَاءِ حَدَثًا إِعْلَامِيًّا مُوَثَّقًا بِعِنَايَةٍ، لَا مُجَرَّدَ عَشَاءٍ وُدِّيٍّ عَابِرٍ.
“هَذَا فَخٌّ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ حِينَ اتَّصَلَ بِهَا سَلِيمٌ لِيُطْلِعَهَا عَلَى الدَّعْوَةِ. “لَكِنَّهُ فَخٌّ ذَكِيٌّ جِدًّا. لِقَاءٌ عَلَنِيٌّ، بِحُضُورِ إِعْلَامِيِّينَ وَشُهُودٍ، يَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْكَ رَفْضَهُ دُونَ أَنْ تَبْدُوَ كَأَنَّكَ تَرْفُضُ “الْمُصَالَحَةَ” عَلَنًا، مَا قَدْ يُفَسَّرُ ضِدَّكَ اجْتِمَاعِيًّا، خَاصَّةً أَمَامَ وُجَهَاءَ قَدْ يَظُنُّونَ أَنَّ كَمَالًا يَمُدُّ يَدَ الصُّلْحِ بِنُبْلٍ بَيْنَمَا تَرْفُضُهُ أَنْتَ بِعِنَادٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ.”
“لِمَاذَا يَفْعَلُ هَذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟”
“أَظُنُّ أَنَّهُ يُحَاوِلُ أَمْرَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.” فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَسَلِيمٌ يَسْمَعُ صَوْتَ قَلَمِهَا يَتَحَرَّكُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ. “أَوَّلًا، يُرِيدُ أَنْ يَقِيسَ بِنَفْسِهِ، مِنْ خِلَالِ أَسْئِلَةٍ ظَاهِرُهَا بَرِيءٌ، كَمْ تَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، وَمَا مَدَى اسْتِعْدَادِكَ لِلتَّصْعِيدِ. ثَانِيًا، وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ، أَظُنُّ أَنَّهُ سَيُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَدْرِجَنِي أَنَا شَخْصِيًّا لِلْحَدِيثِ عَنْ مَصَادِرِي بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، بَعْدَ أَنْ بَدَأَ يَشُكُّ، عَلَى الْأَرْجَحِ، أَنَّ مَصْدَرِي الْأَسَاسِيَّ مُرْتَبِطٌ بِجِهَازِ الشُّرْطَةِ نَفْسِهِ.”
“هَلْ يَجِبُ أَنْ نَرْفُضَ الدَّعْوَةَ؟”
“لَا.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِحَزْمٍ بَعْدَ تَفْكِيرٍ قَصِيرٍ. “الرَّفْضُ قَدْ يَبْدُو أَسْوَأَ، وَقَدْ يُفَسَّرُ اعْتِرَافًا ضِمْنِيًّا بِالْخَوْفِ أَوِ الذَّنْبِ. سَنَحْضُرُ، لَكِنْ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَنَسْتَعِدُّ جَيِّدًا لِكُلِّ الْأَسْئِلَةِ الْمُحْتَمَلَةِ قَبْلَ الذَّهَابِ.”
قَضَيَا بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي التَّحْضِيرِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، يُرَاجِعَانِ التَّفَاصِيلَ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى مَا يُمْكِنُ الْإِفْصَاحُ عَنْهُ عَلَنًا وَمَا يَجِبُ أَنْ يَبْقَى سِرِّيًّا بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ، حَتَّى وَضَعَا إِشَارَاتٍ صَامِتَةً بَيْنَهُمَا: لَمْسَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى الذِّرَاعِ تَعْنِي “تَوَقَّفْ عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ”، وَنَظْرَةٌ مُعَيَّنَةٌ تَعْنِي “دَعْنِي أَتَوَلَّى الرَّدَّ”، وَلَمْسُ الْأُذُنِ بِخِفَّةٍ يَعْنِي “هَذَا السُّؤَالُ خَطِرٌ، غَيِّرِ الْمَوْضُوعَ فَوْرًا”.
“تَذَكَّرْ يَا سَلِيمُ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِجِدِّيَّةٍ أَخِيرَةٍ، وَهِيَ تَجْمَعُ أَوْرَاقَهَا الْمُبَعْثَرَةَ. “الْهَدَفُ اللَّيْلَةَ لَيْسَ أَنْ نَكْسِبَ مَعْرَكَةً، بَلْ فَقَطْ أَلَّا نَخْسَرَ شَيْئًا. الصُّمُودُ دُونَ انْكِشَافٍ هُوَ نَجَاحُنَا الْوَحِيدُ الْمَطْلُوبُ. لَا تُحَاوِلْ أَنْ تَكُونَ بَطَلًا، وَلَا تُحَاوِلْ اسْتِفْزَازَهُ. فَقَطِ ابْقَ هَادِئًا، مُبْتَسِمًا، وَغَامِضًا بِمَا يَكْفِي.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ سَلِيمٌ إِلَى الْمَطْعَمِ، تَوَقَّفَ فِي الْبَيْتِ لِيُخْبِرَ لَيَانَ بِالْخُطَّةِ، فَبَدَتْ عَلَيْهَا عَلَامَاتُ قَلَقٍ فَوْرِيَّةٍ. “لِقَاءٌ عَلَنِيٌّ مَعَ كَمَالٍ؟ هَذَا يَبْدُو خَطِرًا يَا سَلِيمُ.”
“أَعْرِفُ، لَكِنَّ رَفْضَهُ كَانَ سَيَبْدُو أَسْوَأَ.” طَمْأَنَهَا سَلِيمٌ. “سَأَكُونُ حَذِرًا، وَيَاسْمِينُ مَعِي طَوَالَ الْوَقْتِ.”
عَانَقَتْهُ لَيَانُ بِقُوَّةٍ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، وَهَمَسَتْ: “كُنْ حَذِرًا جِدًّا. لَقَدْ فَقَدْنَا أَبًا بِالْفِعْلِ، لَا أُرِيدُ أَنْ أَفْقِدَ أَخِي أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ.”

وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى الْمَطْعَمِ فِي الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ، بِبَدْلَتِهِ الدَّاكِنَةِ الَّتِي أَحْضَرَهَا مَعَهُ مِنْ أَلْمَانْيَا لِمُنَاسَبَاتٍ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَسْتَخْدِمُهَا فِي مُوَاجَهَةٍ كَهَذِهِ، وَيَاسْمِينُ بِجِوَارِهِ بِبَدْلَةِ عَمَلٍ أَنِيقَةٍ. كَانَ الْمَكَانُ مُهَيَّأً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، طَاوِلَةٌ طَوِيلَةٌ، شُمُوعٌ خَافِتَةٌ، وَحُضُورٌ مُخْتَارٌ بِعِنَايَةٍ مِنْ وُجَهَاءِ الْحَيِّ، بَعْضُهُمْ وُجُوهٌ مَأْلُوفَةٌ لِسَلِيمٍ لَكِنَّ أَسْمَاءَهَا تَلَاشَتْ مِنْ ذَاكِرَتِهِ عَبْرَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الْغِيَابِ.
اسْتَقْبَلَهُمَا كَمَالُ بِحَرَارَةٍ مُصْطَنَعَةٍ، يَرْتَدِي بَدْلَةً رَمَادِيَّةً أَنِيقَةً، وَسَاعَتَهُ الْفِضِّيَّةَ اللَّامِعَةَ بَارِزَةً عَلَى مِعْصَمِهِ، تِلْكَ الَّتِي صَارَتِ الْآنَ، بَعْدَ اكْتِشَافِ الصُّورَةِ الْغَامِضَةِ، رَمْزًا مُقْلِقًا لِسَلِيمٍ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ حِلْيَةٍ أَنِيقَةٍ. “سَلِيمُ! يَا وَلَدِي، سَعِيدٌ جِدًّا أَنَّكَ قَبِلْتَ الدَّعْوَةَ. وَيَاسْمِينُ نُورُ، الصَّحَفِيَّةُ الْمَرْمُوقَةُ، يُشَرِّفُنِي حُضُورُكِ.”
جَلَسُوا حَوْلَ الطَّاوِلَةِ، وَبَدَأَ الْعَشَاءُ بِحَدِيثٍ سَطْحِيٍّ عَامٍّ، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يُرَاقِبُ كَمَالًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ خَلْفَ كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ ابْتِسَامَةٍ. لَاحَظَ أَنَّ كَمَالًا بَارِعٌ جِدًّا فِي هَذَا الدَّوْرِ الِاجْتِمَاعِيِّ، رَجُلٌ تَدَرَّبَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً عَلَى إِتْقَانِ فَنِّ الظُّهُورِ الْمِثَالِيِّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ يُخْفِي تَحْتَ هَذَا الْقِنَاعِ نَوَايَا مُخْتَلِفَةً تَمَامًا.
بَعْدَ مُنْتَصَفِ الْعَشَاءِ تَقْرِيبًا، الْتَفَتَ كَمَالُ إِلَى سَلِيمٍ بِابْتِسَامَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً، وَنَبْرَةٍ تَحْمِلُ ثِقَلًا خَفِيًّا تَحْتَ سَطْحِهَا الْوَدُودِ. “سَلِيمُ، أَخْبِرْنِي، كَيْفَ تَسِيرُ أُمُورُكَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ مَاضِي عَائِلَتِكَ؟ سَمِعْتُ أَنَّكَ تَزُورُ أَشْخَاصًا كَثِيرِينَ مُؤَخَّرًا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِتَوَتُّرٍ خَفِيٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى مَعِدَتِهِ، لَكِنَّهُ حَافَظَ عَلَى هُدُوءٍ ظَاهِرِيٍّ تَامٍّ. “مُجَرَّدُ فُضُولٍ طَبِيعِيٍّ لِابْنٍ عَائِدٍ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ يَا عَمَّ كَمَالَ. أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ تَارِيخَ عَائِلَتِي، هَذَا كُلُّ شَيْءٍ.”
“فُضُولٌ طَبِيعِيٌّ جِدًّا، بِالطَّبْعِ.” ابْتَسَمَ كَمَالُ ابْتِسَامَةً لَا تَصِلُ إِلَى عَيْنَيْهِ. “لَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَّكَ زُرْتَ رَجُلًا عَجُوزًا فِي الْحَيِّ، الْحَاجَّ تَوْفِيقَ، وَأَنَّ زِيَارَتَكَ تِلْكَ صَادَفَتْ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ بِالطَّبْعِ، حَادِثَةَ اقْتِحَامٍ مُؤْسِفَةً لِبَيْتِهِ فِي اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا. الْمَدِينَةُ أَصْبَحَتْ مَلِيئَةً بِالْحَوَادِثِ الْغَرِيبَةِ هَذِهِ الْأَيَّامَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
تَجَمَّدَ سَلِيمٌ دَاخِلِيًّا، لَكِنَّهُ أَجْبَرَ وَجْهَهُ عَلَى الْهُدُوءِ. “سَمِعْتُ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا، حَادِثَةٌ مُؤْسِفَةٌ فِعْلًا.”
الْتَفَتَ كَمَالُ بَعْدَهَا نَحْوَ يَاسْمِينَ بِسَلَاسَةٍ مُحْتَرِفَةٍ. “وَأَنْتِ يَا آنِسَةَ نُورَ، أَفْتَرِضُ أَنَّ لَدَيْكِ مَصَادِرَ مُمْتَازَةً تَصِلُكِ بِمَعْلُومَاتٍ دَقِيقَةٍ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ أَحْيَانًا. مِنْ بَابِ الْفُضُولِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَبَادَلِ: كَيْفَ تَحْمِينَ مَصَادِرَكِ عَادَةً؟ خَاصَّةً حِينَ تَكُونُ رُبَّمَا دَاخِلَ مُؤَسَّسَاتٍ حَسَّاسَةٍ كَالشُّرْطَةِ مَثَلًا؟”
شَعَرَتْ يَاسْمِينُ بِحِدَّةِ السُّؤَالِ الْمُسْتَتِرِ، لَكِنَّهَا ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً مِهَنِيَّةً هَادِئَةً. “سِرُّ الْمِهْنَةِ الْأَوَّلُ يَا أُسْتَاذَ كَمَالَ: صَحَفِيٌّ جَيِّدٌ لَا يَكْشِفُ طُرُقَ حِمَايَةِ مَصَادِرِهِ أَبَدًا، حَتَّى فِي حَدِيثٍ وُدِّيٍّ كَهَذَا. أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّكَ تَفْهَمُ أَهَمِّيَّةَ السِّرِّيَّةِ فِي عَمَلِكَ أَنْتَ أَيْضًا، خَاصَّةً فِي الصَّفَقَاتِ الْعَقَارِيَّةِ الْحَسَّاسَةِ.”
ضَحِكَ كَمَالُ ضَحِكَةً قَصِيرَةً، لَكِنَّ سَلِيمًا لَاحَظَ تَوَتُّرًا خَفِيفًا فِي زَاوِيَةِ عَيْنِهِ. “بِالطَّبْعِ، بِالطَّبْعِ. مُجَرَّدُ فُضُولٍ عَابِرٍ.”

قُرْبَ نِهَايَةِ الْعَشَاءِ، بَيْنَمَا كَانَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ يُلْقِي خِطَابًا رَتِيبًا عَنْ “أَهَمِّيَّةِ التَّنْمِيَةِ الْعُمْرَانِيَّةِ الْمُتَوَازِنَةِ”، شَعَرَ سَلِيمٌ بِاهْتِزَازِ هَاتِفِهِ فِي جَيْبِهِ. أَخْرَجَهُ بِهُدُوءٍ تَحْتَ الطَّاوِلَةِ، مُتَوَقِّعًا رِسَالَةً عَادِيَّةً مِنْ لَيَانَ، لَكِنَّ مَا رَآهُ عَلَى الشَّاشَةِ جَعَلَ قَلْبَهُ يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ كَامِلَةٍ.
كَانَتِ الرِّسَالَةُ وَارِدَةً مِنْ رَقْمِ هَاتِفِ وَالِدِهِ، الرَّقْمِ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُ أَحَدٌ مُنْذُ وَفَاةِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادَ قَبْلَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ. نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى النَّصِّ بِذُهُولٍ تَامٍّ، يَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ:
“سَلِيمُ. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ فِي تِلْكَ الطَّاوِلَةِ. اذْهَبْ إِلَى هَذَا الْمَوْقِعِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَسْتَطِيعَ، وَحْدَكَ: 34.5721، 36.2891. لَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِوِجْهَتِكَ.”
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى مُرْسِلٍ، فَقَطِ الْإِحْدَاثِيَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ وَتِلْكَ الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ الَّتِي بَدَتْ مُسْتَحِيلَةً تَمَامًا، مُسْتَحِيلَةً لِأَنَّ مُرْسِلَهَا، حَسَبَ كُلِّ مَنْطِقٍ يَعْرِفُهُ الْعَالَمُ، كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ، وَدُفِنَ أَمَامَ عَشَرَاتِ الشُّهُودِ، بِمَنْ فِيهِمْ سَلِيمٌ نَفْسُهُ الَّذِي وَقَفَ عِنْدَ حَافَّةِ الْقَبْرِ يُشَاهِدُ التُّرَابَ يُهَالُ عَلَى تَابُوتِ أَبِيهِ.
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ بِذُهُولٍ، وَنَظَرَ حَوْلَهُ فِي الْمَطْعَمِ الْمُزْدَحِمِ، وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى بُعْدِ مَقَاعِدَ قَلِيلَةٍ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي بَدَأَ يَشْتَبِهُ أَنَّهُ الْمَسْؤُولُ الْمُبَاشِرُ عَنْ تِلْكَ الْوَفَاةِ نَفْسِهَا. شَعَرَ بِدُوَارٍ خَفِيفٍ، وَبِضَرَبَاتِ قَلْبٍ مُتَسَارِعَةٍ، وَبِرَغْبَةٍ مُفَاجِئَةٍ فِي الْهُرُوبِ مِنْ هَذِهِ الطَّاوِلَةِ عَلَى الْفَوْرِ.
هَلْ كَانَ هُنَاكَ رَقْمٌ آخَرُ مُطَابِقٌ بِالصُّدْفَةِ؟ هَلِ اسْتَوْلَى أَحَدٌ عَلَى شَرِيحَةِ أَبِيهِ الْقَدِيمَةِ؟ أَمْ أَنَّ هَذِهِ رِسَالَةٌ مُزَيَّفَةٌ، مُصَمَّمَةٌ لِدَفْعِهِ نَحْوَ فَخٍّ آخَرَ؟

بَعْدَ انْتِهَاءِ هَذَا التَّبَادُلِ الْمُتَوَتِّرِ، اقْتَرَبَ أَحَدُ الصَّحَفِيِّينَ الْمَدْعُوِّينَ، رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينِيَّاتِ يَعْمَلُ فِي جَرِيدَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِوَلَائِهَا لِمَصَالِحِ كَمَالٍ، وَطَرَحَ سُؤَالًا بَدَا بَرِيئًا: “سَيِّدُ مُرَادَ، بِصِفَتِكَ مُهَنْدِسًا مِعْمَارِيًّا دَرَسَ فِي أَلْمَانْيَا، مَا رَأْيُكَ فِي تَصَامِيمِ مَشْرُوعِ أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ؟”
أَدْرَكَ سَلِيمٌ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُصَمَّمٌ لِوَضْعِهِ فِي مَوْقِفٍ حَرِجٍ. فَكَّرَ بِسُرْعَةٍ: “كَمُهَنْدِسٍ مِعْمَارِيٍّ، أُؤْمِنُ دَائِمًا أَنَّ أَيَّ تَطْوِيرٍ حَقِيقِيٍّ يَجِبُ أَنْ يَحْتَرِمَ تَارِيخَ الْمَكَانِ وَهُوِيَّةَ سُكَّانِهِ الْأَصْلِيِّينَ، لَا أَنْ يَمْحُوَهُمَا بِحُجَّةِ الْحَدَاثَةِ. التَّطْوِيرُ النَّاجِحُ هُوَ الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْمَاضِي، لَا الَّذِي يُدَمِّرُهُ لِيَبْدَأَ مِنْ فَرَاغٍ.”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، وَابْتَسَمَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بِتَقْدِيرٍ لِهَذَا الرَّدِّ الدِّبْلُومَاسِيِّ، بَيْنَمَا شَعَرَ سَلِيمٌ بِنَظْرَةِ كَمَالٍ تَزْدَادُ حِدَّةً لِلَحْظَةٍ. “إِجَابَةٌ حَكِيمَةٌ جِدًّا يَا سَلِيمُ.”
بَعْدَهَا حَاوَلَتْ يَاسْمِينُ أَنْ تَسْتَرْجِعَ زِمَامَ الْمُبَادَرَةِ: “أُسْتَاذَ كَمَالَ، هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ هُنَاكَ خُطَطًا لِإِجْرَاءِ تَوْثِيقٍ تَارِيخِيٍّ شَامِلٍ لِحَيِّ الْيَاسَمِينِ قَبْلَ هَدْمِ أَيٍّ مِنْ مَبَانِيهِ الْقَدِيمَةِ؟”
تَرَدَّدَ كَمَالُ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ. “بِالتَّأْكِيدِ، نَحْنُ نُولِي أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً لِتَوْثِيقِ تُرَاثِ الْحَيِّ. لَدَيْنَا فَرِيقٌ مُتَخَصِّصٌ يَعْمَلُ عَلَى هَذَا الْجَانِبِ بِالْفِعْلِ.”
“رَائِعٌ.” ابْتَسَمَتْ يَاسْمِينُ. “سَأَكُونُ سَعِيدَةً جِدًّا بِمُتَابَعَةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي تَحْقِيقٍ صَحَفِيٍّ مُسْتَقِلٍّ.”
لَاحَظَ سَلِيمٌ، مِنْ زَاوِيَةِ عَيْنِهِ، أَنَّ أَحَدَ مُسَاعِدِي كَمَالٍ كَتَبَ مُلَاحَظَةً سَرِيعَةً عَلَى هَاتِفِهِ. تَحْتَ الطَّاوِلَةِ، لَمَسَ سَلِيمٌ رُكْبَةَ يَاسْمِينَ بِلُطْفٍ، الْإِشَارَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا لِـ”شَيْءٍ طَارِئٍ يَجِبُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِهِ بِمُجَرَّدِ أَنْ نَخْرُجَ”.

عِنْدَ سَيَّارَةِ يَاسْمِينَ، فِي زُقَاقٍ هَادِئٍ بَعِيدًا عَنِ الْمَطْعَمِ، تَوَقَّفَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، وَوَجْهُهُ لَا يَزَالُ شَاحِبًا. “سَلِيمُ، مَاذَا حَدَثَ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ.
أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، وَأَرَاهَا الرِّسَالَةَ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ. قَرَأَتْهَا يَاسْمِينُ مَرَّتَيْنِ. “هَذَا… هَذَا مُسْتَحِيلٌ. رَقْمُ أَبِيكَ؟”
“نَفْسُهُ تَمَامًا.” أَكَّدَ سَلِيمٌ. “الرَّقْمُ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُ أَحَدٌ مُنْذُ وَفَاتِهِ.”
فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ بِسُرْعَةٍ. “هُنَاكَ احْتِمَالَاتٌ عِدَّةٌ. رُبَّمَا اسْتَوْلَى أَحَدٌ عَلَى شَرِيحَةِ أَبِيكَ الْقَدِيمَةِ. أَوْ، وَهَذَا أَكْثَرُ إِثَارَةً لِلْقَلَقِ، رُبَّمَا يَكُونُ فَخًّا مُصَمَّمًا بِدِقَّةٍ نَفْسِيَّةٍ عَالِيَةٍ لِيَسْتَغِلَّ حُزْنَكَ وَشَوْقَكَ لِأَبِيكَ، لِيَدْفَعَكَ نَحْوَ مَكَانٍ مَعْزُولٍ يَسْهُلُ فِيهِ اسْتِهْدَافُكَ.”
“تَقْصِدِينَ أَنَّ كَمَالًا هُوَ مَنْ أَرْسَلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ؟”
“لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ.” أَجَابَتْ يَاسْمِينُ بِحَذَرٍ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ أَيْضًا فِي احْتِمَالٍ آخَرَ، رُبَّمَا الْأَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْأَمَلِ: مَاذَا لَوْ كَانَ وَالِدُكَ، قَبْلَ وَفَاتِهِ، قَدْ أَعَدَّ نِظَامًا لِإِرْسَالِ رَسَائِلَ مُؤَجَّلَةٍ، تُرْسَلُ تِلْقَائِيًّا فِي ظَرْفٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ مَوْتِهِ؟”
فَتَحَ سَلِيمٌ تَطْبِيقَ خَرَائِطَ بِيَدٍ لَا تَزَالُ مُرْتَجِفَةً، وَأَدْخَلَ الْأَرْقَامَ. ظَهَرَتْ نُقْطَةٌ تُشِيرُ إِلَى مِنْطَقَةٍ نَائِيَةٍ خَارِجَ حُدُودِ الْمَدِينَةِ، جَبَلِيَّةٍ وَعِرَةٍ، بَعِيدَةٍ عَنْ أَيِّ طَرِيقٍ رَئِيسِيٍّ. “لَا أَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ إِطْلَاقًا. لَمْ أَزُرْهُ مِنْ قَبْلُ قَطُّ.”
“هَذَا يَزِيدُ مِنَ الْغُمُوضِ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ. “مِنْطَقَةٌ مَعْزُولَةٌ كَهَذِهِ قَدْ تَكُونُ مَكَانًا آمِنًا حَقًّا لِإِخْفَاءِ شَيْءٍ مُهِمٍّ، أَوْ فَخًّا مِثَالِيًّا.”
فَكَّرَ سَلِيمٌ بِصَمْتٍ. الرِّسَالَةُ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ وَحِيدًا، وَهُوَ يَقِفُ الْآنَ أَمَامَ يَاسْمِينَ الَّتِي أَطْلَعَهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، نَاقِضًا بِذَلِكَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ. “لَنْ أَذْهَبَ وَحِيدًا.” قَالَ أَخِيرًا بِحَزْمٍ. “إِنْ كَانَتْ هَذِهِ رِسَالَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ أَبِي بِطَرِيقَةٍ مَا، فَأَنَا وَاثِقٌ أَنَّهُ لَنْ يُمَانِعَ أَنْ تَكُونِي مَعِي، فَقَدْ كُنْتِ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الَّذِي حَاوَلَ التَّوَاصُلَ مَعَهُ فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ. وَإِنْ كَانَتْ فَخًّا، فَمُوَاجَهَتُهُ بِمُفْرَدِي سَتَكُونُ غَبَاءً مَحْضًا.”
“سَأَكُونُ مَعَكَ بِالطَّبْعِ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نُخْبِرَ رَامِي، وَنُحَدِّدَ مَوْقِعَنَا لَهُ بِدِقَّةٍ.”

فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ، بَعْدَ انْتِهَاءِ الْأُمْسِيَّةِ، جَلَسَ كَمَالُ دَرْوِيشُ يُرَاجِعُ ذِهْنِيًّا كُلَّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ اللِّقَاءِ. لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا تَمَامًا عَنِ النَّتِيجَةِ؛ كِلَاهُمَا أَثْبَتَ حَذَرًا أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ. رَنَّ هَاتِفُهُ.
“كَيْفَ سَارَ اللِّقَاءُ؟” سَأَلَ صَوْتُ الْمَرْأَةِ الْبَارِدَةُ الْمُعْتَادَةُ.
“لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَسْتَخْرِجَ مَعْلُومَاتٍ حَاسِمَةً، لَكِنِّي لَاحَظْتُ شَيْئًا غَرِيبًا.” أَجَابَ كَمَالُ. “فِي مُنْتَصَفِ الْعَشَاءِ تَقْرِيبًا، تَلَقَّى سَلِيمٌ رِسَالَةً نَصِّيَّةً جَعَلَتْ وَجْهَهُ يَشْحَبُ، ثُمَّ أَصْبَحَ أَكْثَرَ تَوَتُّرًا طَوَالَ بَقِيَّةِ الْأُمْسِيَّةِ.”
صَمَتَتِ الْمَرْأَةُ لِلَحْظَةٍ. “رَاقِبْ تَحَرُّكَاتِهِ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ اللَّيْلَةَ وَالْغَدَ. وَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّ مُرَاقِبِينَا جَاهِزُونَ لِلتَّحَرُّكِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.”

جَاءَ رَدُّ رَامِي بَعْدَ دَقَائِقَ، مُتَّصِلًا مُبَاشَرَةً. “إِحْدَاثِيَّاتٌ مِنْ رَقْمِ مُتَوَفًّى؟” كَرَّرَ بِذُهُولٍ. “هَلْ تَأَكَّدْتُمَا مِنْ أَنَّ الرَّقْمَ لَمْ يُسْتَنْسَخْ أَوْ يُخْتَرَقْ بِطَرِيقَةٍ مَا؟ هُنَاكَ أَيْضًا احْتِمَالٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمُ اخْتَرَقَ حِسَابَ وَالِدِكَ الرَّقْمِيَّ، وَاسْتَخْدَمَ خِدْمَةَ إِرْسَالِ رَسَائِلَ مُجَدْوَلَةٍ مُسْبَقًا.”
“لَا نَعْرِفُ بَعْدُ.” أَجَابَ سَلِيمٌ. “لَكِنَّنَا قَرَّرْنَا أَلَّا نَذْهَبَ دُونَ احْتِيَاطَاتٍ. هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُسَاعِدَنَا؟”
“بِالتَّأْكِيدِ.” أَجَابَ رَامِي دُونَ تَرَدُّدٍ. “أَرْسِلْ لِيَ الْإِحْدَاثِيَّاتِ الْآنَ، وَسَأُحَاوِلُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ طَبِيعَةِ الْمِنْطَقَةِ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَا. لَا تَذْهَبَا فِي الظَّلَامِ، انْتَظِرَا حَتَّى الصَّبَاحِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَسَأُحَاوِلُ أَنْ أُرَافِقَكُمَا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ أَكُونَ عَلَى مَقْرُبَةٍ كَافِيَةٍ لِلتَّدَخُّلِ.”

عِنْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَجَدَ سَلِيمٌ لَيَانَ لَا تَزَالُ مُسْتَيْقِظَةً. رَوَى لَهَا بِإِيجَازٍ تَفَاصِيلَ الْعَشَاءِ الْمُتَوَتِّرِ، ثُمَّ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ارْتِجَافًا، أَخْبَرَهَا عَنِ الرِّسَالَةِ الْغَامِضَةِ.
شَحَبَ وَجْهُ لَيَانَ تَمَامًا. “رَقْمُ أَبِي؟ سَلِيمُ، هَذَا… هَذَا مُرْعِبٌ حَقًّا.”
“أَعْرِفُ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. “جُزْءٌ مِنِّي يُرِيدُ أَنْ يُصَدِّقَ أَنَّ هَذِهِ رِسَالَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مِنْهُ بِطَرِيقَةٍ مَا. وَجُزْءٌ آخَرُ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ فَخًّا مُصَمَّمًا بِعِنَايَةٍ.”
“هَلْ سَتَذْهَبُ غَدًا؟”
“نَعَمْ، صَبَاحًا، بِرُفْقَةِ رَامِي أَيْضًا.” أَكَّدَ سَلِيمٌ. “لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَجَاهَلَ احْتِمَالَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رِسَالَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ أَبِي، مَهْمَا بَدَا الْأَمْرُ مُسْتَحِيلًا مَنْطِقِيًّا.”

بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ لَيَانُ إِلَى فِرَاشِهَا، جَلَسَ سَلِيمٌ وَحِيدًا فِي غُرْفَتِهِ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى النَّوْمِ. أَعَادَ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ لِلْمَرَّةِ الْعِشْرِينَ عَلَى الْأَقَلِّ. “لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ فِي تِلْكَ الطَّاوِلَةِ.” كَرَّرَهَا لِنَفْسِهِ. هَلْ كَانَتْ تَحْذِيرًا عَامًّا مِنْ كَمَالٍ وَحْدَهُ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا آخَرَ عَلَى تِلْكَ الطَّاوِلَةِ كَانَ جُزْءًا مِنَ هَذِهِ الْمُؤَامَرَةِ؟
فَكَّرَ فِي الْمُغَلَّفِ الْأَحْمَرِ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَبُوهُ: “حِينَ يَكُونُ جَاهِزًا، وَلَيْسَ قَبْلَ ذَلِكَ.” تَسَاءَلَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةَ، وَسْطَ كُلِّ هَذَا الْغُمُوضِ، هِيَ أَخِيرًا اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَقْصِدُهَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بَعْدُ بِالْجَاهِزِيَّةِ الْكَامِلَةِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَنْتَظِرَ قَلِيلًا بَعْدُ.

فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ نَفْسِهَا، كَانَتْ يَاسْمِينُ نُورُ جَالِسَةً فِي مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ، غَيْرَ قَادِرَةٍ هِيَ الْأُخْرَى عَلَى النَّوْمِ، تُرَاجِعُ مُلَاحَظَاتِهَا. فَتَحَتْ مِلَفًّا جَدِيدًا، وَكَتَبَتْ تَقْرِيرًا شَخْصِيًّا مُوجَزًا عَنْ كُلِّ مَا حَدَثَ، لَا بِنِيَّةِ النَّشْرِ، بَلْ كَسِجِلٍّ احْتِيَاطِيٍّ تَحَسُّبًا لِأَيِّ طَارِئٍ فِي رِحْلَةِ الْغَدِ. تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، تَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهَا الْهَادِئِ، وَتَسَاءَلَتْ بِصَمْتٍ عَنْ مَصِيرِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَعَنْ مَصِيرِهَا الشَّخْصِيِّ وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ. لَمْ تَكُنْ قَدْ شَعَرَتْ مِنْ قَبْلُ، فِي كُلِّ سِنِينِ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ، بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الِالْتِزَامِ الشَّخْصِيِّ الْعَمِيقِ تِجَاهَ قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا تِجَاهَ شَخْصٍ وَاحِدٍ بِالتَّحْدِيدِ كَمَا بَدَأَتْ تَشْعُرُ تِجَاهَ سَلِيمٍ.

فِي مَنْزِلِهِ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَى مُكَالَمَتَهُ مَعَ “الرَّئِيسَةِ” الْمَجْهُولَةِ، جَلَسَ كَمَالُ دَرْوِيشُ وَحِيدًا فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، يَنْظُرُ إِلَى صُورَةِ وَالِدِهِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْجِدَارِ، مُتَسَائِلًا بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ عَنْ طَبِيعَةِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الَّتِي غَيَّرَتْ مَلَامِحَ وَجْهِ سَلِيمٍ بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ، وَعَنْ حَجْمِ مَا لَا يَزَالُ يَجْهَلُهُ هُوَ نَفْسُهُ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي ظَنَّ يَوْمًا أَنَّهُ يُسَيْطِرُ عَلَيْهَا بِالْكَامِلِ.

قُبَيْلَ الْفَجْرِ، حِينَ اسْتَسْلَمَ سَلِيمٌ أَخِيرًا لِنَوْمٍ مُتَقَطِّعٍ، رَأَى فِي حُلْمِهِ صُورَةَ وَالِدِهِ، وَاقِفًا عِنْدَ حَافَّةِ حَقْلٍ مَفْتُوحٍ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَيَدُهُ مَمْدُودَةٌ كَأَنَّهُ يَدْعُوهُ لِلِاقْتِرَابِ. حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَقْتَرِبَ، لَكِنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَهُمَا ظَلَّتْ ثَابِتَةً مَهْمَا تَقَدَّمَ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَجْأَةً عَلَى صَوْتِ هَاتِفِهِ يَرِنُّ.
نَهَضَ سَلِيمٌ مُتَذَكِّرًا مَوْعِدَهُ مَعَ يَاسْمِينَ وَرَامِي بَعْدَ سَاعَتَيْنِ فَقَطْ. اغْتَسَلَ بِسُرْعَةٍ، وَنَزَلَ لِيَجِدَ لَيَانَ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ بِالْفِعْلِ، تُحَضِّرُ لَهُ فُطُورًا بَسِيطًا بِيَدَيْنِ لَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ أَثَرَ الْقَلَقِ. “هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟” سَأَلَتْهُ.
“مُسْتَعِدٌّ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. عَانَقَتْهُ لَيَانُ بِقُوَّةٍ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، وَهَمَسَتْ فِي أُذُنِهِ: “عُدْ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ، مَهْمَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الَّتِي تَجِدُهَا.”
خَرَجَ سَلِيمٌ إِلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، حَيْثُ كَانَتْ سَيَّارَةُ يَاسْمِينَ تَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الزَّاوِيَةِ، وَرَامِي يَقِفُ بِجِوَارِهَا يَتَفَقَّدُ خَرِيطَةً وَرَقِيَّةً احْتِيَاطِيَّةً. تَبَادَلُوا تَحِيَّةً سَرِيعَةً صَامِتَةً، مَلِيئَةً بِالتَّوَتُّرِ الْمُشْتَرَكِ، قَبْلَ أَنْ يَرْكَبُوا السَّيَّارَةَ مَعًا، مُتَّجِهِينَ نَحْوَ الْإِحْدَاثِيَّاتِ الْغَامِضَةِ الَّتِي قَدْ تَحْمِلُ أَخِيرًا بَعْضَ الْإِجَابَاتِ الْحَاسِمَةِ لِكُلِّ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ مُنْذُ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ.
انْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ عَبْرَ شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الصَّبَاحِيَّةِ الْهَادِئَةِ، مُتَّجِهَةً نَحْوَ الطَّرِيقِ الْخَارِجِيِّ، نَحْوَ مِنْطَقَةٍ لَمْ يَطَأْهَا أَيٌّ مِنْهُمْ مِنْ قَبْلُ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا، كَمَا شَعَرَ سَلِيمٌ بِيَقِينٍ غَرِيبٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ، مِفْتَاحًا لِفَصْلٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ.
كَانَ الطَّرِيقُ أَمَامَهُمْ طَوِيلًا، وَالْغُمُوضُ الْمُحِيطُ بِوِجْهَتِهِمْ أَطْوَلَ، لَكِنَّ الْعَزْمَ الَّذِي يَمْلَأُ قَلْبَ سَلِيمٍ فِي هَذَا الصَّبَاحِ كَانَ أَقْوَى مِنْ أَيِّ خَوْفٍ تَبَقَّى لَدَيْهِ.

الْفَصْلُ الْعَاشِرُ

كَانَ الطَّرِيقُ الْخَارِجِيُّ يَتَلَوَّى بَيْنَ حُقُولٍ صَفْرَاءَ يَابِسَةٍ، وَبُيُوتٍ مُتَنَاثِرَةٍ نِصْفِ مَهْجُورَةٍ، حَتَّى بَدَأَتِ الطَّبِيعَةُ الزِّرَاعِيَّةُ تَتَرَاجَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِتُفْسِحَ الْمَجَالَ لِمَنْطِقَةٍ صِنَاعِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، أَشْبَهَ بِبَقَايَا حِقْبَةٍ نَسِيَهَا الزَّمَنُ: مَصَانِعُ مُتَوَقِّفَةٌ عَنِ الْعَمَلِ مُنْذُ عُقُودٍ، وَمُسْتَوْدَعَاتٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَدِئَةٌ تَقِفُ شَامِخَةً كَهَيَاكِلَ عِظَامٍ عِمْلَاقَةٍ فِي عَرَاءِ الصَّبَاحِ. لَمْ يَنْبِسْ أَحَدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ بِكَلِمَةٍ مُنْذُ رُبُعِ سَاعَةٍ، وَكَانَ صَوْتُ مُحَرِّكِ السَّيَّارَةِ وَحْدَهُ يَمْلَأُ الصَّمْتَ الثَّقِيلَ بَيْنَهُمْ.
قَادَ رَامِي السَّيَّارَةَ بِنَفْسِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُصِرًّا عَلَى ذَلِكَ مُنْذُ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، وَكَانَ يُلْقِي بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ نَظَرَاتٍ سَرِيعَةً إِلَى مِرْآةِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيَّةِ، كَمَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُتَابِعُهُمْ. كَانَ يَرْتَدِي ثِيَابًا مَدَنِيَّةً بَسِيطَةً لَا تُوحِي بِصِفَتِهِ الرَّسْمِيَّةِ، وَمُسَدَّسُهُ الرَّسْمِيُّ مُخَبَّأٌ تَحْتَ سُتْرَتِهِ الْجِلْدِيَّةِ الْخَفِيفَةِ.
“نَحْنُ عَلَى بُعْدِ كِيلُومِتْرَيْنِ تَقْرِيبًا مِنَ الْإِحْدَاثِيَّاتِ.” قَالَ رَامِي أَخِيرًا، مُلْقِيًا نَظْرَةً عَلَى هَاتِفِهِ الْمُثَبَّتِ عَلَى حَامِلٍ صَغِيرٍ فَوْقَ لَوْحَةِ الْقِيَادَةِ، حَيْثُ كَانَتْ خَرِيطَةٌ رَقْمِيَّةٌ تُظْهِرُ نُقْطَةً حَمْرَاءَ تَقْتَرِبُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ نُقْطَةٍ زَرْقَاءَ ثَابِتَةٍ. “تَحَقَّقْتُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمَا. إِنَّهَا مَنْطِقَةُ مُسْتَوْدَعَاتٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ تَابِعَةً لِمَعْمَلِ نَسِيجٍ أُغْلِقَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا. لَا سِجِلَّاتٍ حَدِيثَةً عَنْ مِلْكِيَّتِهَا الْحَالِيَّةِ، وَهَذَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَمْرٌ مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ.”
لَاحَظَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يُرَاقِبُ رَامِي بِطَرَفِ عَيْنِهِ، أَنَّ الضَّابِطَ الشَّابَّ بَدَا هَذَا الصَّبَاحَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الرَّجُلِ الْمُتَرَدِّدِ الَّذِي عَرَفَهُ فِي أَوَّلِ لِقَاءَاتِهِمَا: كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهُ الْآنَ أَقْرَبَ إِلَى تَصَرُّفَاتِ رَجُلٍ اتَّخَذَ قَرَارَهُ نِهَائِيًّا، وَتَجَاوَزَ نُقْطَةَ اللَّا عَوْدَةِ فِي مُوَاجَهَتِهِ لِلْجِهَةِ الَّتِي أَرَادَتْ إِغْلَاقَ الْمِلَفِّ.
جَلَسَتْ يَاسْمِينُ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، تُرَاجِعُ عَلَى هَاتِفِهَا صُوَرًا لِلْمِنْطَقَةِ الْتَقَطَتْهَا خَرَائِطُ الْأَقْمَارِ الِاصْطِنَاعِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يَجْلِسُ بِجِوَارِ رَامِي فِي الْمَقْعَدِ الْأَمَامِيِّ، عَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَانِ عَلَى الْأُفُقِ الَّذِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ فِيهِ خُطُوطُ الْمَبَانِي الصِّنَاعِيَّةِ الْمُتَهَالِكَةِ.
“هَلْ لَا يَزَالُ الرَّقْمُ يُرْسِلُ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، وَهُوَ يُخْرِجُ هَاتِفَهُ لِلْمَرَّةِ الْعَاشِرَةِ فِي نِصْفِ سَاعَةٍ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُصُولِ رِسَالَةٍ جَدِيدَةٍ.
“لَا.” أَجَابَتْ يَاسْمِينُ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنِ الشَّاشَةِ. “رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، ثُمَّ صَمْتٌ تَامٌّ. لَوْ كَانَ الْأَمْرُ اخْتِرَاقًا لِحِسَابِ وَالِدِكَ كَمَا اقْتَرَحَ رَامِي، لَكَانَ مَنْطِقِيًّا أَنْ يُحَاوِلَ الْمُخْتَرِقُ التَّوَاصُلَ مَرَّةً أُخْرَى، أَوِ الضَّغْطَ عَلَيْكَ بِطَرِيقَةٍ مَا. رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ تَحْمِلُ إِحْدَاثِيَّاتٍ، ثُمَّ لَا شَيْءَ، هَذَا يُشْبِهُ أَكْثَرَ آلِيَّةً مُبَرْمَجَةً سَلَفًا، لَا شَخْصًا حَيًّا يَتَابِعُ رَدَّةَ فِعْلِكَ.”
هَزَّ رَامِي رَأْسَهُ مُوَافِقًا. “خِدْمَاتُ الرَّسَائِلِ الْمُجَدْوَلَةِ تَعْمَلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالضَّبْطِ: تُكْتَبُ الرِّسَالَةُ مُسْبَقًا، وَيُحَدَّدُ لَهَا تَارِيخٌ وَوَقْتٌ لِلْإِرْسَالِ، وَبَعْدَهَا لَا حَاجَةَ لِتَدَخُّلٍ بَشَرِيٍّ إِضَافِيٍّ. إِنْ كَانَ هَذَا مَا حَدَثَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ وَالِدَكَ، سَلِيمُ، بَرْمَجَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِوَقْتٍ كَافٍ، رُبَّمَا أَسَابِيعَ، لِتُرْسَلَ فِي تَارِيخٍ لَاحِقٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا سَيَحْدُثُ فِيهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَضْمَنَ وُصُولَ هَذِهِ الْإِحْدَاثِيَّاتِ إِلَيْكَ فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ.”
“لِمَاذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، أَشْبَهَ بِمَنْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُحَدِّثُ رَفِيقَيْهِ. “لِمَاذَا لَمْ تَصِلْنِي هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي يَوْمِ وَصُولِي، أَوْ فِي يَوْمِ الْجِنَازَةِ، أَوْ حِينَ اكْتَشَفْتُ الْغُرْفَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ؟ لِمَاذَا الْآنَ، بَعْدَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ مِنَ التَّحَرِّي؟”
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْإِجَابَةَ الْمُحْتَمَلَةَ الْوَحِيدَةَ كَانَتْ تَحْمِلُ ثِقَلًا يَصْعُبُ التَّفَوُّهُ بِهِ بِسُهُولَةٍ: رُبَّمَا كَانَ عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٍ قَدْ رَبَطَ إِرْسَالَ الرِّسَالَةِ بِشَرْطٍ مَا، لَا بِتَارِيخٍ ثَابِتٍ، شَرْطٍ تَحَقَّقَ لِتَوِّهِ، رُبَّمَا حِينَ وَصَلَ سَلِيمٌ إِلَى مَرْحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ اسْتَحَقَّ مَعَهَا أَنْ يَعْرِفَ الْخُطْوَةَ التَّالِيَةَ. فَكْرَةٌ كَهَذِهِ كَانَتْ تَعْنِي أَنَّ ثَمَّةَ نِظَامًا مُعَقَّدًا وَضَعَهُ الْأَبُ، نِظَامًا يُرَاقِبُ تَقَدُّمَ ابْنِهِ مِنْ مَكَانٍ مَا، حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ.
تَذَكَّرَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى هَذَا الْمَشْهَدِ الصِّنَاعِيِّ الْمُتَهَالِكِ، أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ فِي طُفُولَتِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَنَاطِقِ مَعَ وَالِدِهِ فِي رِحْلَاتٍ عَابِرَةٍ لَمْ يَفْهَمْ يَوْمَهَا الْغَرَضَ مِنْهَا، رِحْلَاتٍ كَانَ عَبْدُ الْكَرِيمُ يُسَمِّيهَا “جَوْلَاتِ تَفَقُّدِ الْأَمْلَاكِ”، دُونَ أَنْ يُوَضِّحَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَيَّةَ أَمْلَاكٍ بِالضَّبْطِ كَانَ يَتَفَقَّدُهَا. كَانَ سَلِيمٌ، فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، يَشْعُرُ فَقَطْ بِالْمَلَلِ أَمَامَ هَذِهِ الْمَبَانِي الصَّدِئَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ فِيهَا شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الِاهْتِمَامَ، لَكِنَّهُ الْآنَ، وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَحْمِلُ رُبَّمَا مِفْتَاحَ سِرِّ حَيَاةِ أَبِيهِ كُلِّهَا، شَعَرَ بِأَنَّ تِلْكَ الرِّحْلَاتِ الْقَدِيمَةَ لَمْ تَكُنْ عَبَثِيَّةً كَمَا ظَنَّ يَوْمَهَا، بَلْ كَانَتْ رُبَّمَا جُزْءًا مِنْ رُوتِينٍ سِرِّيٍّ كَانَ وَالِدُهُ يُمَارِسُهُ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، مُتَنَقِّلًا بَيْنَ مَخَابِئَ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يَكُنِ ابْنُهُ يَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا.
اقْتَرَبَتِ السَّيَّارَةُ مِنْ بَوَّابَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ صَدِئَةٍ نِصْفِ مَفْتُوحَةٍ، مُعَلَّقَةٌ عَلَى مِفْصَلٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، تُصْدِرُ صَرِيرًا خَافِتًا كُلَّمَا حَرَّكَتْهَا رِيحُ الصَّبَاحِ الْخَفِيفَةُ. أَوْقَفَ رَامِي السَّيَّارَةَ عَلَى بُعْدِ مِئَةِ مِتْرٍ تَقْرِيبًا مِنَ الْبَوَّابَةِ، فِي مَكَانٍ مَحْجُوبٍ جُزْئِيًّا خَلْفَ أَكْوَامٍ مِنَ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ الْمُلْقَى عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ.
“سَنَتْرُكُ السَّيَّارَةَ هُنَا، وَنُكْمِلُ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ.” قَالَ رَامِي وَهُوَ يُطْفِئُ الْمُحَرِّكَ. “لَا أُرِيدُ أَنْ يُعْلِنَ صَوْتُ الْمُحَرِّكِ عَنْ وُصُولِنَا قَبْلَ أَنْ نَرَى مَا يَنْتَظِرُنَا بِأَعْيُنِنَا.”
خَرَجُوا مِنَ السَّيَّارَةِ بِحَذَرٍ، وَسَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ يُقَطِّعُهُ فَقَطْ صَوْتُ الرِّيحِ وَهِيَ تَمُرُّ عَبْرَ الْهَيَاكِلِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْمُهْمَلَةِ، مُصْدِرَةً أَنِينًا مَعْدِنِيًّا مُنْخَفِضًا أَشْبَهَ بِتَنَفُّسِ عِمْلَاقٍ نَائِمٍ. تَفَحَّصَ رَامِي الْمَكَانَ بِعَيْنَيْنِ مُدَرَّبَتَيْنِ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ إِلَى وُجُودِ حَرَاسَةٍ أَوْ مُرَاقَبَةٍ، ثُمَّ أَشَارَ لَهُمَا بِأَنْ يَتْبَعَاهُ بِصَمْتٍ.
عَبَرُوا الْبَوَّابَةَ الصَّدِئَةَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، لِيَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَاحَةٍ وَاسِعَةٍ مُحَاطَةٍ بِعِدَّةِ مَبَانٍ صِنَاعِيَّةٍ مُتَهَالِكَةٍ، أَكْبَرُهَا مُسْتَوْدَعٌ طَوِيلٌ ذُو سَقْفٍ مَعْدِنِيٍّ مُقَوَّسٍ، تُغَطِّي نَوَافِذَهُ الْعُلْيَا طَبَقَاتٌ سَمِيكَةٌ مِنَ الْغُبَارِ وَالصَّدَأِ حَتَّى بَدَتْ عَمْيَاءَ. كَانَتِ الْإِحْدَاثِيَّاتُ الَّتِي أَرْسَلَتْهَا الرِّسَالَةُ تُشِيرُ بِدِقَّةٍ إِلَى هَذَا الْمُسْتَوْدَعِ بِالتَّحْدِيدِ، لَا أَيَّ مَبْنًى آخَرَ فِي الْمُجَمَّعِ.
“هُنَا.” هَمَسَتْ يَاسْمِينُ وَهِيَ تُقَارِنُ هَاتِفَهَا بِالْمَكَانِ الَّذِي وَقَفُوا عِنْدَهُ. “الْإِحْدَاثِيَّاتُ تُشِيرُ إِلَى الْبَابِ الْجَانِبِيِّ عَلَى الْيَمِينِ بِالضَّبْطِ.”
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَيَاسْمِينُ نَظْرَةً صَامِتَةً، مَلِيئَةً بِخَلِيطٍ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالْخَوْفِ الَّذِي حَاوَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِخْفَاءَهُ عَنِ الْآخَرِ دُونَ نَجَاحٍ كَبِيرٍ. تَقَدَّمُوا نَحْوَ الْبَابِ الْجَانِبِيِّ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، بَابٌ مَعْدِنِيٌّ صَغِيرٌ نِسْبِيًّا بِجَانِبِ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ الْكَبِيرَةِ الْمُقْفَلَةِ بِسِلْسِلَةٍ ثَقِيلَةٍ وَقُفْلٍ صَدِئٍ يَبْدُو أَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. لَكِنَّ الْبَابَ الْجَانِبِيَّ، عَلَى عَكْسِ مَا كَانَ سَلِيمٌ يَتَوَقَّعُ، كَانَ قُفْلُهُ حَدِيثًا نِسْبِيًّا، مُعَلَّقًا بِأَقْفَالٍ لَامِعَةٍ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ حَالَةِ الصَّدَأِ الْعَامَّةِ لِبَقِيَّةِ الْمَبْنَى، وَكَأَنَّ أَحَدًا مَا اسْتَبْدَلَهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ.
مَدَّ رَامِي يَدَهُ لِيَتَحَسَّسَ حَوَافَّ الْبَابِ الْمَعْدِنِيِّ بِحَذَرِ رَجُلِ أَمْنٍ مُتَمَرِّسٍ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ أَسْلَاكٍ أَوْ أَجْهِزَةٍ خَفِيَّةٍ قَدْ تَكُونُ مَنْصُوبَةً لِلْإِنْذَارِ أَوْ حَتَّى لِشَيْءٍ أَخْطَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَيَتَرَاجَعَ خُطْوَةً. “هَذَا الْقُفْلُ جَدِيدٌ.” قَالَ رَامِي وَهُوَ يَتَفَحَّصُهُ عَنْ قُرْبٍ، دُونَ أَنْ يَلْمِسَهُ مُبَاشَرَةً. “لَيْسَ قَدِيمًا كَمَا يُوحِي بَاقِي الْمَكَانِ. شَخْصٌ مَا كَانَ يَأْتِي إِلَى هُنَا، وَبِانْتِظَامٍ رُبَّمَا، خِلَالَ الْأَشْهُرِ أَوِ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ.”
مَدَّ سَلِيمٌ يَدَهُ إِلَى جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ، حَيْثُ كَانَ يَحْتَفِظُ بِالْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ الَّذِي وَجَدَهُ فِي الْغُرْفَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، ذَلِكَ الَّذِي فَتَحَ لَهُ بَابَ الصَّنَادِيقِ السِّرِّيَّةِ. أَخْرَجَهُ، وَجَرَّبَهُ فِي الْقُفْلِ الْجَدِيدِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُلَائِمْهُ.
“لَيْسَ هَذَا الْمِفْتَاحَ.” قَالَ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ خَفِيفَةٍ. “لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ مِفْتَاحًا آخَرَ فِي مَكَانٍ مَا.”
بَدَأَتْ يَاسْمِينُ تَفْحَصُ مُحِيطَ الْبَابِ بِعِنَايَةٍ، تَبْحَثُ عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ خَفِيَّةٍ، أَيِّ عَلَامَةٍ صَغِيرَةٍ رُبَّمَا تَرَكَهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ عَمْدًا لِمَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُ. وَفَجْأَةً، لَاحَظَتْ شَيْئًا: حَجَرًا صَغِيرًا مُلَوَّنًا، أَحْمَرَ اللَّوْنِ، مُثَبَّتًا بِإِحْكَامٍ فِي شَقٍّ ضَيِّقٍ بَيْنَ لَبِنَتَيْنِ فِي الْجِدَارِ الْمُجَاوِرِ لِلْبَابِ، عَلَى ارْتِفَاعٍ لَا يَتَجَاوَزُ رُكْبَةَ طِفْلٍ.
“سَلِيمُ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْحَذَرُ بِالدَّهْشَةِ. “أَلَيْسَ هَذَا حَجَرًا مُلَوَّنًا؟ أَلَمْ تَقُلْ لِي إِنَّ لُعْبَتَكُمَا، أَنْتَ وَوَالِدُكَ، كَانَتْ تَعْتَمِدُ عَلَى إِخْفَاءِ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ مِثْلَ الْأَحْجَارِ الْمُلَوَّنَةِ؟”
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ بِسُرْعَةٍ، وَانْحَنَى لِيَتَفَحَّصَ الْحَجَرَ، وَشَعَرَ بِقَشْعَرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. كَانَ ذَلِكَ الْحَجَرُ بِالضَّبْطِ نَوْعَ الْحِجَارَةِ الَّتِي كَانَ وَالِدُهُ يَخْتَارُهَا فِي طُفُولَتِهِ لِلُعْبَةِ “الْكَنْزِ الْمَفْقُودِ”، حِجَارَةٌ نَهْرِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مُلَسَاءُ، يَجْمَعُهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ مِنْ ضِفَافِ النَّهْرِ فِي رِحْلَاتِهِمَا الصَّيْفِيَّةِ. سَحَبَ الْحَجَرَ بِحَذَرٍ، وَاكْتَشَفَ خَلْفَهُ فَجْوَةً صَغِيرَةً فِي الْجِدَارِ، بِالْكَادِ تَتَّسِعُ لِإِصْبَعَيْنِ، وَبِدَاخِلِهَا مِفْتَاحٌ صَغِيرٌ لَامِعٌ، حَدِيثُ الصُّنْعِ، مُلَفٌّ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ رَقِيقَةٍ لِحِمَايَتِهِ مِنَ الرُّطُوبَةِ.
“وَجَدْتُهُ.” هَمَسَ سَلِيمٌ، وَيَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا وَهُوَ يُخْرِجُ الْمِفْتَاحَ مِنَ الْقُمَاشِ. “أَبِي كَانَ هُنَا فِعْلًا. كَانَ يَتْرُكُ لِي دَلِيلًا آخَرَ، تَمَامًا كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ فِي طُفُولَتِي.”
جَرَّبَ الْمِفْتَاحَ فِي الْقُفْلِ، وَبَعْدَ لَحْظَةِ تَرَدُّدٍ، دَارَ بِسَلَاسَةٍ، وَانْفَتَحَ الْبَابُ بِصَرِيرٍ خَفِيفٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُفْتَحُ وَيُغْلَقُ بِانْتِظَامٍ حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ.
اسْتَقْبَلَهُمْ دَاخِلُ الْمُسْتَوْدَعِ ظَلَامٌ نِصْفِيٌّ، تَخْتَرِقُهُ خُيُوطٌ رَقِيقَةٌ مِنْ ضَوْءِ الصَّبَاحِ الْمُتَسَلِّلَةِ عَبْرَ فَتَحَاتِ السَّقْفِ الْعُلْيَا، مُحَمَّلَةً بِذَرَّاتِ غُبَارٍ رَاقِصَةٍ. كَانَتِ الرَّائِحَةُ خَلِيطًا غَرِيبًا مِنَ الرُّطُوبَةِ الْقَدِيمَةِ وَرَائِحَةِ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ، لَكِنْ تَحْتَ ذَلِكَ، كَانَتْ ثَمَّةَ رَائِحَةٌ أُخْرَى أَحْدَثَ عَهْدًا: رَائِحَةُ وَرَقٍ، وَرَائِحَةُ زَيْتٍ يُسْتَخْدَمُ لِتَشْحِيمِ الْمَعَادِنِ.
أَشْعَلَ رَامِي مِصْبَاحًا يَدَوِيًّا قَوِيًّا كَانَ يَحْمِلُهُ فِي حَقِيبَتِهِ، وَبَدَأَ يُمَشِّطُ الْمَكَانَ بِضَوْئِهِ بِحَرَكَاتٍ بَطِيئَةٍ وَمُنَظَّمَةٍ، مِنَ الْيَمِينِ إِلَى الْيَسَارِ، ثُمَّ نَحْوَ الْأَعْلَى، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمَ فِي دَوْرَاتِ التَّدْرِيبِ الْأَمْنِيِّ الَّتِي خَاضَهَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَذَرًا مِنْ أَيِّ حَرَكَةٍ مُفَاجِئَةٍ قَدْ تُبَاغِتُهُمْ مِنَ الظَّلَامِ. كَانَ الْمُسْتَوْدَعُ يَبْدُو فَارِغًا مِنَ الْخَارِجِ، لَكِنَّ دَاخِلَهُ حَمَلَ مُفَاجَأَةً: فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ، حَيْثُ لَا يَصِلُ ضَوْءُ الصَّبَاحِ إِلَّا خَافِتًا، كَانَتْ ثَمَّةَ غُرْفَةٌ صَغِيرَةٌ مُقَامَةٌ مِنْ أَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ وَمَعْدِنِيَّةٍ، أَشْبَهَ بِمَكْتَبٍ مُؤَقَّتٍ أُقِيمَ دَاخِلَ الْمُسْتَوْدَعِ الْكَبِيرِ، بِبَابٍ صَغِيرٍ وَنَافِذَةٍ وَاحِدَةٍ مُغَطَّاةٍ بِسِتَارَةٍ سَمِيكَةٍ.
تَقَدَّمُوا نَحْوَ هَذِهِ الْغُرْفَةِ الدَّاخِلِيَّةِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَشَارَ رَامِي لَهُمَا بِأَنْ يَقِفَا خَلْفَهُ بَيْنَمَا يَتَقَدَّمُ هُوَ أَوَّلًا، يَدُهُ عَلَى مِقْبَضِ مُسَدَّسِهِ تَحْتَ سُتْرَتِهِ، جَاهِزًا لِأَيِّ طَارِئٍ. دَفَعَ بَابَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةَ بِرِفْقٍ، وَتَوَقَّفَ فِي عَتَبَتِهَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَنَارَ الدَّاخِلَ بِمِصْبَاحِهِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ. سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ لِبُرْهَةٍ، وَتَنَفَّسَ الثَّلَاثَةُ بِارْتِيَاحٍ ظَاهِرِيٍّ، وَإِنْ ظَلَّتْ حَوَاسُّهُمْ مُتَوَتِّرَةً، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْغِيَابَ الظَّاهِرِيَّ لِلْخَطَرِ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمْ فِي مَأْمَنٍ حَقِيقِيٍّ.
لَكِنَّ مَا رَأَوْهُ دَاخِلَ تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ جَعَلَ الثَّلَاثَةَ يَتَوَقَّفُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ، عَاجِزِينَ عَنِ النُّطْقِ لِلَحْظَاتٍ.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ مُنَظَّمَةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ الْمَكَانِ الْمُهْمَلِ الْمُحِيطِ بِهَا: طَاوِلَةٌ خَشَبِيَّةٌ بَسِيطَةٌ فِي الْوَسَطِ، وَعَلَيْهَا صَفٌّ مُرَتَّبٌ مِنَ الصَّنَادِيقِ الْمُقَوَّاةِ، كُلُّ صُنْدُوقٍ مُوَسَّمٌ بِرَقْمٍ وَتَارِيخٍ بِخَطِّ يَدٍ مَعْرُوفٍ جَيِّدًا لِسَلِيمٍ: خَطُّ يَدِ وَالِدِهِ. عَلَى الْجِدَارِ الْخَلْفِيِّ، كَانَتْ ثَمَّةَ خَرِيطَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْحَيِّ الْقَدِيمِ، حَيِّ الْيَاسَمِينِ، مُعَلَّقَةٌ بِدَبَابِيسَ، مَرْسُومٌ عَلَيْهَا خُطُوطٌ وَدَوَائِرُ حَمْرَاءُ وَزَرْقَاءُ، تُشِيرُ إِلَى مَوَاقِعَ مُخْتَلِفَةٍ، وَبَعْضُهَا مَرْبُوطٌ بِخُيُوطٍ صَغِيرَةٍ إِلَى صُوَرٍ فُوتُوغْرَافِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لِأَشْخَاصٍ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِمْ سَلِيمٌ.
فِي الرُّكْنِ، كَانَتْ ثَمَّةَ خِزَانَةٌ حَدِيدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مُقْفَلَةٌ، وَبِجَانِبِهَا كُرْسِيٌّ وَحِيدٌ، وَعَلَى الطَّاوِلَةِ، بِجِوَارِ الصَّنَادِيقِ مُبَاشَرَةً، كَانَ ثَمَّةَ ظَرْفٌ أَبْيَضُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِخَطِّ يَدٍ وَاضِحٍ: “لِمَنْ يَصِلُ إِلَى هُنَا.”
“يَا إِلَهِي.” هَمَسَتْ يَاسْمِينُ، وَهِيَ تَتَقَدَّمُ بِبُطْءٍ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ، مُتَجَاوِزَةً حَذَرَهَا الْمُعْتَادَ تَحْتَ وَطْأَةِ الدَّهْشَةِ. “سَلِيمُ، هَذَا… هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مَخْبَإٍ. هَذَا مَكْتَبُ عَمَلٍ حَقِيقِيٌّ. أَبُوكَ كَانَ يَأْتِي إِلَى هُنَا بِانْتِظَامٍ، رُبَّمَا لِسَنَوَاتٍ، لِيَبْنِيَ كُلَّ هَذَا.”
اقْتَرَبَ سَلِيمٌ مِنَ الطَّاوِلَةِ بِخُطُوَاتٍ مُتَرَدِّدَةٍ، وَمَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الظَّرْفِ الْأَبْيَضِ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، كَأَنَّهُ يَخَافُ مِمَّا سَيَجِدُهُ بِدَاخِلِهِ.
“هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟” سَأَلَتْهُ يَاسْمِينُ بِلُطْفٍ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ لِلَحْظَةٍ.
“لَا أَعْرِفُ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ. “كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ خُطْوَةً مِنَ الْحَقِيقَةِ، أَكْتَشِفُ أَنَّ أَبِي كَانَ إِنْسَانًا لَمْ أَعْرِفْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. رَجُلٌ يَبْنِي مَكَاتِبَ سِرِّيَّةً، وَيَتْرُكُ أَحْجَارًا مُلَوَّنَةً كَدَلَائِلَ، وَيَحْتَفِظُ بِخَرَائِطَ وَصُوَرٍ لِأَشْخَاصٍ لَا أَعْرِفُهُمْ. كَانَ يَعِيشُ حَيَاةً كَامِلَةً بِمُوَازَاةِ حَيَاتِهِ الَّتِي عَرَفْتُهَا، وَأَنَا لَمْ أَلْحَظْ شَيْئًا.”
“لَمْ يَكُنْ لِيَسْمَحَ لَكَ بِأَنْ تُلَاحِظَ.” قَالَ رَامِي مِنْ خَلْفِهِمَا، وَهُوَ لَا يَزَالُ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ، عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الْخَرِيطَةِ عَلَى الْجِدَارِ وَالصَّنَادِيقِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ. “رَجُلٌ يَبْنِي شَيْئًا بِهَذَا الْحَجْمِ مِنَ السِّرِّيَّةِ، وَيَحْمِيهِ لِسَنَوَاتٍ، لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَبَثًا. كَانَ يَحْمِي شَيْئًا، أَوْ يَحْمِي أَشْخَاصًا، أَوْ رُبَّمَا كِلَيْهِمَا مَعًا. وَجُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْحِمَايَةِ كَانَ إِبْقَاءَكَ أَنْتَ وَأُخْتَكَ خَارِجَ دَائِرَةِ الْخَطَرِ، بَعِيدَيْنِ عَنْ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ قَدْ يُعَرِّضُكُمَا لِلْأَذَى.”
فَتَحَ سَلِيمٌ الظَّرْفَ أَخِيرًا بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ وَرَقَةً وَاحِدَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، مَكْتُوبَةً بِخَطِّ يَدِ وَالِدِهِ الْمَعْرُوفِ، لَكِنَّهُ خَطٌّ أَكْثَرُ ارْتِجَافًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَأَنَّهُ كُتِبَ فِي لَحْظَةِ إِرْهَاقٍ أَوْ خَوْفٍ شَدِيدَيْنِ.
قَرَأَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَصَوْتُهُ يَتَقَطَّعُ مَعَ كُلِّ سَطْرٍ:
“يَا وَلَدِي، إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُبَرْمَجَةَ قَدْ وَصَلَتْكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ، وَأَنَّكَ قَطَعْتَ شَوْطًا كَافِيًا فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ لِتَسْتَحِقَّ أَنْ تَعْرِفَ مَا هُوَ أَبْعَدُ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَتَى بِالضَّبْطِ سَتَصِلُ إِلَى هُنَا، لَكِنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَصِلُ، لِأَنَّكَ ابْنِي، وَلِأَنَّ فِي دَمِكَ نَفْسَ الْعِنَادِ الَّذِي جَعَلَنِي أُقَاوِمُ كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
لَقَدْ خَشِيتُ، فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِي، أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَعُدْ فِي صَالِحِي. لَاحَظْتُ أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ طَبِيعِيَّةً: سَيَّارَاتٌ تَقِفُ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ أَمَامَ الْبَيْتِ، مُكَالَمَاتٌ هَاتِفِيَّةٌ صَامِتَةٌ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَأَخِيرًا، مُحَادَثَةٌ عَرَضِيَّةٌ سَمِعْتُهَا صُدْفَةً بَيْنَ كَمَالٍ وَشَخْصٍ آخَرَ لَمْ أَتَعَرَّفْ عَلَى صَوْتِهِ، تَتَحَدَّثُ عَنْ ‘ضَرُورَةِ إِغْلَاقِ الْمِلَفِّ نِهَائِيًّا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.’ فَهِمْتُ حِينَهَا أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ الِانْتِظَارَ، وَبَدَأْتُ أُجَهِّزُ هَذَا الْمَكَانَ كَخُطَّةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ أَخِيرَةٍ.”
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، يُحَاوِلُ السَّيْطَرَةَ عَلَى ارْتِجَافِ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
“فِي الصُّنْدُوقِ رَقْمِ وَاحِدٍ، سَتَجِدُ نُسَخًا مُصَوَّرَةً مِنْ كُلِّ الْوَثَائِقِ الَّتِي جَمَعْتُهَا عَلَى مَدَى ثَلَاثِينَ عَامًا، مِنْ سِجِلَّاتِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ إِلَى الْمُرَاسَلَاتِ الَّتِي تُثْبِتُ تَوَاطُؤَ أَطْرَافٍ عَدِيدَةٍ فِي عَمَلِيَّةِ تَهْجِيرِ عَائِلَةِ الْحُورَانِيِّ عَنْ أَرْضِهَا قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا. فِي الصُّنْدُوقِ رَقْمِ اثْنَيْنِ، سَتَجِدُ تَسْجِيلَاتٍ صَوْتِيَّةً لِمُحَادَثَاتٍ سَجَّلْتُهَا سِرًّا خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، بَعْضُهَا مَعَ كَمَالٍ نَفْسِهِ، وَبَعْضُهَا مَعَ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ لَنْ أُسَمِّيَهُمْ هُنَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي أَيْدٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا.”
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ عَنِ الْوَرَقَةِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى الصَّنَادِيقِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِنَظْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا الْآنَ، نَظْرَةٍ تَحْمِلُ خَلِيطًا مِنَ الرَّهْبَةِ وَالْفَخْرِ وَالْأَلَمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ أَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ:
“أَمَّا الصُّنْدُوقُ الثَّالِثُ، فَهُوَ الْأَخْطَرُ، وَأَرْجُو أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ مُحْتَوَاهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَلَّا تَفْتَحَهُ إِلَّا حِينَ تَكُونُ فِي مَكَانٍ آمِنٍ تَمَامًا، مَعَ أَشْخَاصٍ تَثِقُ بِهِمْ ثِقَةً كَامِلَةً. فِيهِ وَثَائِقُ تَخُصُّ عَائِلَتَنَا نَحْنُ، لَا عَائِلَةَ الْحُورَانِيِّ فَقَطْ، وَثَائِقُ سَتُغَيِّرُ فَهْمَكَ لِتَارِيخِ جَدِّكَ، وَلِلطَّرِيقَةِ الَّتِي انْتَقَلَتْ بِهَا مِلْكِيَّةُ بَعْضِ الْأَرَاضِي فِي الْحَيِّ إِلَى عَائِلَتِنَا. لَسْتُ فَخُورًا بِكُلِّ مَا سَتَجِدُهُ فِيهِ، لَكِنِّي أُؤْمِنُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ مُؤْلِمَةً، أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي عِشْتُ فِيهِ أَنَا طَوَالَ حَيَاتِي.”
اضْطَرَبَتْ يَدُ سَلِيمٍ فَجْأَةً، وَكَادَتِ الْوَرَقَةُ تَسْقُطُ مِنْهَا. نَظَرَتْ إِلَيْهِ يَاسْمِينُ بِقَلَقٍ، لَكِنَّهُ أَشَارَ لَهَا بِرَأْسِهِ أَنَّهُ بِخَيْرٍ، وَأَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَمَنْ يُحَاوِلُ حِمَايَةَ نَفْسِهِ عَاطِفِيًّا مِمَّا هُوَ آتٍ:
“أَخِيرًا، يَا سَلِيمُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّنِي لَمْ أَتَخَلَّ عَنْكَ يَوْمًا، وَإِنْ بَدَا لَكَ ذَلِكَ خِلَالَ سَنَوَاتِ صَمْتِنَا الطَّوِيلَةِ. كُلُّ يَوْمٍ فِيهِ لَمْ أَتَّصِلْ بِكَ، كَانَ يَوْمًا أَحْمِيكَ فِيهِ مِنْ بُعْدٍ، أُبْقِيكَ خَارِجَ هَذِهِ الْحَرْبِ الصَّامِتَةِ الَّتِي خُضْتُهَا وَحْدِي. رُبَّمَا كَانَ هَذَا خَطَأً كَبِيرًا مِنِّي، رُبَّمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُشْرِكَكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَكِنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ تَعِيشَ حَيَاةً طَبِيعِيَّةً، بَعِيدًا عَنْ ظِلِّ مَاضٍ لَمْ يَكُنْ ذَنْبَكَ أَنْتَ.
إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْآنَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ مَوْجُودًا لِأَحْمِيَكَ بِنَفْسِي، وَأَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ انْتَقَلَتْ إِلَيْكَ، سَوَاءً أَرَدْتَ ذَلِكَ أَمْ لَا. لَكِنِّي أَعِدُكَ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: لَسْتَ وَحْدَكَ فِي هَذَا. سَتَجِدُ فِي الصُّنْدُوقِ رَقْمِ اثْنَيْنِ اسْمَ شَخْصٍ يُمْكِنُكَ أَنْ تَثِقَ بِهِ ثِقَةً كَامِلَةً، شَخْصٌ سَاعَدَنِي كَثِيرًا فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أُرِيدُ ذِكْرَ اسْمِهِ فِي رِسَالَةٍ مَكْتُوبَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِي أَيَّةِ يَدٍ.
كُنْ حَذِرًا يَا وَلَدِي. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ بِسُرْعَةٍ، حَتَّى وَلَوْ بَدَا صَدِيقًا. وَاعْلَمْ أَنَّنِي، مَهْمَا حَدَثَ، كُنْتُ أَفْتَخِرُ بِكَ دَائِمًا، حَتَّى فِي صَمْتِي، حَتَّى فِي غِيَابِي.
وَالِدُكَ، عَبْدُ الْكَرِيمُ.”
انْتَهَى سَلِيمٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَسَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ، لَا يُقَطِّعُهُ إِلَّا صَوْتُ أَنْفَاسِهِمُ الثَّلَاثَةِ وَصَرِيرٌ خَفِيفٌ لِلرِّيحِ خَارِجَ الْمُسْتَوْدَعِ. طَوَى سَلِيمٌ الْوَرَقَةَ بِعِنَايَةٍ، وَمَسَحَ دَمْعَةً وَاحِدَةً سَقَطَتْ عَلَى خَدِّهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهَا حَتَّى انْزَلَقَتْ.
“أَنَا آسِفَةٌ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى ذِرَاعِهِ بِلُطْفٍ.
“لَا تَأْسَفِي.” أَجَابَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَتَنَفَّسُ بِعُمْقٍ لِيُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِهِ. “لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عُدْتُ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي أَعْرِفُ أَبِي أَكْثَرَ مِمَّا عَرَفْتُهُ طَوَالَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ بَيْنَنَا. رَجُلٌ كَانَ يُحَارِبُ وَحْدَهُ، وَيَحْمِينِي مِنْ بُعْدٍ، وَلَمْ يَقُلْ لِي كَلِمَةً وَاحِدَةً عَنْ كُلِّ هَذَا.”
وَقَفَتْ يَاسْمِينُ صَامِتَةً لِلَحْظَةٍ، تُرَاقِبُ سَلِيمًا وَهُوَ يَتَمَالَكُ نَفْسَهُ بِبُطْءٍ، وَشَعَرَتْ فِي دَاخِلِهَا بِشَيْءٍ لَمْ تَعْتَدْ عَلَى الشُّعُورِ بِهِ فِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ الْمُعْتَادِ: رَغْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي حِمَايَةِ هَذَا الرَّجُلِ، لَا لِمُجَرَّدِ إِتْمَامِ قِصَّةٍ صَحَفِيَّةٍ سَتُثِيرُ ضَجَّةً كَبِيرَةً حِينَ تُنْشَرُ يَوْمًا مَا، بَلْ لِأَنَّهَا بَدَأَتْ تَرَى فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَصْدَرٍ أَوْ شَرِيكٍ فِي مُغَامَرَةٍ خَطِرَةٍ. كَانَتْ تُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الشُّعُورَ قَدْ يَكُونُ خَطَأً مِهَنِيًّا فَادِحًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى إِنْكَارِهِ بَعْدَ الْآنَ، لَا وَهِيَ تُشَاهِدُهُ يُعِيدُ اكْتِشَافَ صُورَةِ وَالِدِهِ قِطْعَةً قِطْعَةً أَمَامَ عَيْنَيْهَا.
اقْتَرَبَ رَامِي مِنَ الطَّاوِلَةِ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنِ اسْتَنْفَدَ فَحْصَهُ الْأَمْنِيَّ لِلْغُرْفَةِ وَتَأَكَّدَ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ أَيِّ خَطَرٍ مُبَاشِرٍ. نَظَرَ إِلَى الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ بِتَقْدِيرٍ مِهَنِيٍّ وَاضِحٍ.
وَقَفَ لِلَحْظَةٍ يَتَأَمَّلُ الْخَرِيطَةَ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى الْجِدَارِ، بِخُطُوطِهَا الْحَمْرَاءِ وَالزَّرْقَاءِ وَصُوَرِهَا الْمَرْبُوطَةِ بِخُيُوطٍ رَفِيعَةٍ، وَشَعَرَ بِإِعْجَابٍ مِهَنِيٍّ صَامِتٍ بِمَا أَنْجَزَهُ عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٍ وَحْدَهُ، بِلَا دَعْمٍ رَسْمِيٍّ، بِلَا فَرِيقِ عَمَلٍ، فَقَطْ بِإِصْرَارِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى أَلَّا تُطْمَسَ حَقِيقَةٌ يَعْرِفُهَا. “يَجِبُ أَنْ نَنْقُلَ هَذِهِ الصَّنَادِيقَ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ فَوْرًا.” قَالَ بِحَزْمٍ. “لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْرُكَهَا هُنَا، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَحَقَّقَ مِنْ مُحْتَوَاهَا كَامِلًا فِي هَذَا الْمَكَانِ. مَنْ يَعْلَمُ مَتَى قَدْ يَعُودُ مَنْ كَانَ يَسْتَخْدِمُ هَذَا الْمَكَانَ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِكَ، إِنْ كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ أَصْلًا.”
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ مُوَافِقًا، وَإِنْ كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ يَرْفُضُ فِكْرَةَ الرَّحِيلِ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي شَعَرَ فِيهِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، بِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى فَهْمِ وَالِدِهِ حَقًّا، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَتْرُكَا الظَّرْفَ الْأَبْيَضَ الْفَارِغَ الْآنَ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ رِسَالَةَ وَالِدِهِ الْأَخِيرَةَ. ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ الصُّنْدُوقِ الثَّالِثِ، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُ وَالِدُهُ بِأَنَّهُ “الْأَخْطَرُ”، وَتَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ نَحْوَهُ.
“لَا.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِسُرْعَةٍ، مُمْسِكَةً بِذِرَاعِهِ بِلُطْفٍ لَكِنْ بِحَزْمٍ. “لَا تَفْتَحْهُ الْآنَ. وَالِدُكَ حَذَّرَكَ بِوُضُوحٍ أَلَّا تَفْتَحَهُ إِلَّا فِي مَكَانٍ آمِنٍ. دَعْنَا نَنْقُلَ الصَّنَادِيقَ الثَّلَاثَةَ أَوَّلًا، وَنَفْتَحُهَا بِتَرْتِيبٍ فِي مَكَانٍ آمِنٍ حَقًّا.”
وَافَقَ سَلِيمٌ بِتَرَدُّدٍ، وَبَدَأَ الثَّلَاثَةُ فِي تَحْضِيرِ الصَّنَادِيقِ لِنَقْلِهَا، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ لِئَلَّا يُتْلِفُوا أَيًّا مِنْ مُحْتَوَيَاتِهَا الثَّمِينَةِ. بَيْنَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بِصَمْتٍ، لَاحَظَ سَلِيمٌ شَيْئًا فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ: خِزَانَةٌ خَشَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، شِبْهُ مَخْفِيَّةٍ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ، بِبَابٍ نِصْفِ مَفْتُوحٍ.
اقْتَرَبَ مِنْهَا بِفُضُولٍ، وَفَتَحَهَا بِالْكَامِلِ، لِيَجِدَ بِدَاخِلِهَا جِهَازَ تَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ قَدِيمًا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُ الْأَشْرِطَةَ الْمُصْغَرَةَ، مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي كَانَتْ شَائِعَةً قَبْلَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ، لَكِنَّهُ يَبْدُو مَحْفُوظًا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، خَالِيًا مِنَ الْغُبَارِ الَّذِي يُغَطِّي كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ فِي الْمُسْتَوْدَعِ.
“يَاسْمِينُ.” نَادَاهَا سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ. “انْظُرِي إِلَى هَذَا.”
اقْتَرَبَتْ يَاسْمِينُ وَرَامِي مَعًا، وَحَدَّقَا فِي الْجِهَازِ الصَّغِيرِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ مُلْصَقًا صَغِيرًا، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِخَطِّ يَدِ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ نَفْسِهِ: “اسْتَمِعْ إِلَيْهِ فَقَطْ حِينَ تَكُونُ جَاهِزًا حَقًّا.”
“جَاهِزًا لِمَاذَا بِالضَّبْطِ؟” هَمَسَ سَلِيمٌ، وَهُوَ يَحْمِلُ الْجِهَازَ بِكِلْتَا يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ شَيْئًا مُقَدَّسًا.
لَمْ يُجِبْ أَحَدٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ، دُونَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ بِصَوْتٍ عَالٍ، أَنَّ هَذَا الْجِهَازَ الصَّغِيرَ رُبَّمَا كَانَ يَحْمِلُ آخِرَ كَلِمَاتٍ سَجَّلَهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٍ بِصَوْتِهِ الْحَقِيقِيِّ، رُبَّمَا قَبْلَ سَاعَاتٍ أَوْ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ مِنْ مَوْتِهِ.
“يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَهُ مَعَنَا.” قَالَ رَامِي بِهُدُوءٍ. “لَكِنْ لَيْسَ هُنَا. لَيْسَ الْآنَ. أُرِيدُ أَنْ أَتَأَكَّدَ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمِنْطِقَةَ آمِنَةٌ تَمَامًا قَبْلَ أَنْ نَغْرَقَ فِي مُحْتَوًى يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتِنَا وَتَرْكِيزِنَا الْكَامِلَيْنِ.”
وَبَيْنَمَا كَانُوا يُنْهُونَ تَحْضِيرَ الصَّنَادِيقِ وَجِهَازِ التَّسْجِيلِ لِلنَّقْلِ، سَمِعَ رَامِي فَجْأَةً صَوْتَ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الْمَجْمَعِ الصِّنَاعِيِّ مِنَ الْخَارِجِ. تَجَمَّدَ الثَّلَاثَةُ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَأَشَارَ رَامِي بِإِصْبَعِهِ إِلَى فَمِهِ طَالِبًا الصَّمْتَ، ثُمَّ تَسَلَّلَ بِحَذَرٍ نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمُغَطَّاةِ بِالسِّتَارَةِ، وَفَتَحَ زَاوِيَةً صَغِيرَةً مِنْهَا لِيُطِلَّ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ عَلَى السَّاحَةِ الْخَارِجِيَّةِ.
مِنْ خَلْفِ الْبَوَّابَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ الَّتِي دَخَلُوا مِنْهَا قَبْلَ دَقَائِقَ، كَانَتْ سَيَّارَةٌ سَوْدَاءُ فَخْمَةٌ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَتَوَقَّفَتْ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ الرَّئِيسِيِّ، وَبَدَأَ رَجُلَانِ يَخْرُجَانِ مِنْهَا، يَرْتَدِيَانِ ثِيَابًا رَسْمِيَّةً دَاكِنَةً، وَيَتَحَرَّكَانِ بِطَرِيقَةٍ مُنَظَّمَةٍ تُوحِي بِتَدْرِيبٍ مُسْبَقٍ لَا يَتَنَاسَبُ إِطْلَاقًا مَعَ صُورَةِ زَائِرَيْنِ عَابِرَيْنِ لِمَكَانٍ مَهْجُورٍ. كَانَ أَحَدُهُمَا طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْنِ، يَحْمِلُ فِي يَدِهِ جِهَازًا صَغِيرًا يُشْبِهُ جِهَازَ اتِّصَالٍ لَاسِلْكِيٍّ، بَيْنَمَا كَانَ الْآخَرُ أَقْصَرَ قَامَةً لَكِنَّهُ أَسْرَعُ حَرَكَةً، يَتَفَحَّصُ مُحِيطَ السَّاحَةِ بِعَيْنَيْنِ يَقِظَتَيْنِ، تَمَامًا كَمَا يَفْعَلُ حُرَّاسُ الْأَمْنِ الْمُحْتَرِفُونَ حِينَ يُؤَمِّنُونَ مِنْطِقَةً قَبْلَ وُصُولِ شَخْصِيَّةٍ مُهِمَّةٍ.
“لَدَيْنَا مُشْكِلَةٌ.” هَمَسَ رَامِي، وَهُوَ يَبْتَعِدُ عَنِ النَّافِذَةِ بِسُرْعَةٍ، وَجْهُهُ قَدْ فَقَدَ لِتَوِّهِ كُلَّ آثَارِ الِاسْتِرْخَاءِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ لَحْظَاتٍ.
“مَنْ هُمْ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَقَلَقٌ حَقِيقِيٌّ يَعْلُو وَجْهَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدَأَ هَذَا الصَّبَاحُ.
“لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّهُمَا لَا يَتَحَرَّكَانِ كَرَجُلَيْ أَعْمَالٍ عَادِيَّيْنِ جَاءَا لِيَتَفَقَّدَا عَقَارًا مُهْمَلًا.” أَجَابَ رَامِي بِسُرْعَةٍ، وَهُوَ يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ فِي الْخِيَارَاتِ الْمُتَاحَةِ. “هُنَاكَ بَابٌ خَلْفِيٌّ صَغِيرٌ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ، لَاحَظْتُهُ حِينَ كُنْتُ أَتَفَحَّصُ الْمَكَانَ عِنْدَ دُخُولِنَا. سَنَخْرُجُ مِنْهُ، وَسَنَتَجَنَّبُ الْمُوَاجَهَةَ الْمُبَاشِرَةَ قَدْرَ الْإِمْكَانِ. الْأَوْلَوِيَّةُ الْآنَ هِيَ إِخْرَاجُ الصَّنَادِيقِ وَجِهَازِ التَّسْجِيلِ سَالِمَيْنِ، لَا الْمُوَاجَهَةُ.”
بَدَأُوا فِي جَمْعِ الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ وَجِهَازِ التَّسْجِيلِ بِسُرْعَةٍ لَكِنْ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ لِئَلَّا يُصْدِرُوا ضَجِيجًا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ. كَانَ وَزْنُ الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ مَعًا كَبِيرًا نِسْبِيًّا، فَقَسَّمُوا الْحِمْلَ بَيْنَهُمْ: حَمَلَ رَامِي الصُّنْدُوقَ الْأَكْبَرَ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا حَمَلَ سَلِيمٌ الصُّنْدُوقَيْنِ الْأَصْغَرَيْنِ، وَحَمَلَتْ يَاسْمِينُ جِهَازَ التَّسْجِيلِ مَلْفُوفًا بِعِنَايَةٍ دَاخِلَ سُتْرَتِهَا لِحِمَايَتِهِ.
تَسَلَّلُوا نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَامِي، بَابٌ صَغِيرٌ مُغَطًّى بِطَبَقَةٍ سَمِيكَةٍ مِنَ الصَّدَأِ وَالْأَوْسَاخِ يُوحِي بِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ عَلَى عَكْسِ الْبَابِ الْجَانِبِيِّ الَّذِي دَخَلُوا مِنْهُ. حَاوَلَ رَامِي فَتْحَهُ بِهُدُوءٍ، لَكِنَّ الْمِفْصَلَ الصَّدِئَ قَاوَمَ بِعِنَادٍ، وَحِينَ اسْتَسْلَمَ أَخِيرًا، أَصْدَرَ صَرِيرًا حَادًّا ارْتَجَّ صَدَاهُ فِي أَرْجَاءِ الْمُسْتَوْدَعِ الْفَارِغِ.
تَجَمَّدَ الثَّلَاثَةُ لِلَحْظَةٍ، يُصْغُونَ بِتَوَتُّرٍ لِأَيِّ رَدَّةِ فِعْلٍ مِنَ الْخَارِجِ. سَمِعُوا أَصْوَاتَ خُطُوَاتٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِ الرَّئِيسِيِّ، وَأَصْوَاتَ حَدِيثٍ خَافِتٍ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، لَكِنَّهُمَا كَانَا لَا يَزَالَانِ بَعِيدَيْنِ نِسْبِيًّا، عِنْدَ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ الْمُقْفَلَةِ.
“الْآنَ.” هَمَسَ رَامِي، وَانْزَلَقَ عَبْرَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ إِلَى الْخَارِجِ، تَبِعَهُ سَلِيمٌ وَيَاسْمِينُ بِسُرْعَةٍ. وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَمَرٍّ ضَيِّقٍ بَيْنَ الْمُسْتَوْدَعِ الْكَبِيرِ وَجِدَارٍ خَرَسَانِيٍّ عَالٍ يَفْصِلُ الْمُجَمَّعَ الصِّنَاعِيَّ عَنِ الْحُقُولِ الْمُجَاوِرَةِ.
سَارُوا بِسُرْعَةٍ وَحَذَرٍ عَبْرَ الْمَمَرِّ الضَّيِّقِ، مُثْقَلِينَ بِالصَّنَادِيقِ الَّتِي كَانَتْ تَزْدَادُ ثِقَلًا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى فَتْحَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الْجِدَارِ الْخَرَسَانِيِّ، رُبَّمَا كَانَتْ بَابًا سِرِّيًّا آخَرَ أُضِيفَ فِي وَقْتٍ سَابِقٍ، أَوْ رُبَّمَا مُجَرَّدَ فَجْوَةٍ نَاتِجَةٍ عَنِ التَّلَفِ الْقَدِيمِ لِلْجِدَارِ. كَانَتْ كَافِيَةً بِالْكَادِ لِمُرُورِ شَخْصٍ بَالِغٍ مُحَمَّلٍ.
مِنْ خَلْفِهِمْ، سَمِعُوا فَجْأَةً صَوْتَ رَجُلٍ يَصِيحُ: “هُنَاكَ! الْبَابُ الْجَانِبِيُّ مَفْتُوحٌ! شَخْصٌ مَا كَانَ هُنَا لِتَوِّهِ!”
تَسَارَعَتْ ضَرَبَاتُ قَلْبِ سَلِيمٍ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةً سَرِيعَةً مَعَ يَاسْمِينَ، الَّتِي كَانَتْ عَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ نَفْسَ الْخَوْفِ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ هُوَ الْآنَ.
“اخْرُجَا مِنَ الْفَتْحَةِ الْآنَ.” أَمَرَ رَامِي بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنْ حَازِمٍ، وَهُوَ يُسَاعِدُ يَاسْمِينَ عَلَى الْمُرُورِ أَوَّلًا، ثُمَّ سَلِيمًا الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى تَوَازُنِ الصُّنْدُوقَيْنِ اللَّذَيْنِ يَحْمِلُهُمَا أَثْنَاءَ الِانْسِلَالِ عَبْرَ الْفَتْحَةِ الضَّيِّقَةِ.
وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي حَقْلٍ مَفْتُوحٍ خَلْفَ الْمُجَمَّعِ الصِّنَاعِيِّ، حَقْلٌ يَابِسٌ مُتَّسِعٌ لَا يُوَفِّرُ الْكَثِيرَ مِنَ الِاحْتِمَاءِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَمْتَدُّ نَحْوَ خَطٍّ مِنَ الْأَشْجَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ عَلَى مَسَافَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً جِدًّا.
“نَحْوَ الْأَشْجَارِ.” قَالَ رَامِي، وَبَدَأُوا الرَّكْضَ، أَوْ مَا يُشْبِهُ الرَّكْضَ تَحْتَ ثِقَلِ الصَّنَادِيقِ الَّتِي يَحْمِلُونَهَا، عَبْرَ الْحَقْلِ الْمَكْشُوفِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَصْوَاتُ الرَّجُلَيْنِ خَلْفَهُمْ تَزْدَادُ وُضُوحًا، وَاضِحٌ أَنَّهُمَا اكْتَشَفَا الْفَتْحَةَ فِي الْجِدَارِ وَبَدَآ يُلَاحِقَانِهِمْ.
كَانَ التَّنَفُّسُ صَعْبًا، وَالصَّنَادِيقُ تَزْدَادُ ثِقَلًا مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، لَكِنَّ الْخَوْفَ كَانَ دَافِعًا أَقْوَى مِنَ الْإِرْهَاقِ. وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى خَطِّ الْأَشْجَارِ، وَانْدَفَعُوا خِلَالَهَا، مُسْتَخْدِمِينَ جُذُوعَهَا كَغِطَاءٍ جُزْئِيٍّ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى طَرِيقٍ تُرَابِيٍّ ثَانَوِيٍّ يَمْتَدُّ مُوَازِيًا لِلطَّرِيقِ الرَّئِيسِيِّ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ.
“السَّيَّارَةُ عَلَى بُعْدِ خَمْسِمِئَةِ مِتْرٍ فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ.” قَالَ رَامِي، مُشِيرًا بِرَأْسِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ، وَهُوَ يَلْهَثُ قَلِيلًا تَحْتَ ثِقَلِ الصُّنْدُوقِ الْكَبِيرِ. “لَكِنْ إِنْ كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ يَعْرِفَانِ مِنْطِقَةَ الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْنَا مِنْهُ، فَقَدْ يَتَوَقَّعَانِ أَنَّنَا سَنَعُودُ إِلَيْهِ. سَنَسْلُكُ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا، أَطْوَلَ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ أَمَانًا.”
سَارُوا بِسُرْعَةٍ عَبْرَ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الثَّانَوِيِّ، مُلْتَفِّينَ حَوْلَ حَافَّةِ الْمُجَمَّعِ الصِّنَاعِيِّ فِي مَسَارٍ أَطْوَلَ نَحْوَ سَيَّارَتِهِمْ، مُتَجَنِّبِينَ الْمُرُورَ مَرَّةً أُخْرَى بِالْقُرْبِ مِنَ الْبَوَّابَةِ الرَّئِيسِيَّةِ حَيْثُ رُبَّمَا كَانَ الرَّجُلَانِ لَا يَزَالَانِ يَبْحَثَانِ عَنْهُمْ. مَرَّتْ دَقَائِقُ طَوِيلَةٌ مُتَوَتِّرَةٌ، خِلَالَهَا لَمْ يَسْمَعُوا أَيَّ صَوْتِ مُطَارَدَةٍ إِضَافِيٍّ، مَا مَنَحَهُمْ بَصِيصَ أَمَلٍ بِأَنَّهُمْ نَجَحُوا فِي فُقْدَانِ الرَّجُلَيْنِ.
حِينَ وَصَلُوا أَخِيرًا إِلَى السَّيَّارَةِ، مَخْبَأَةً خَلْفَ أَكْوَامِ الْحَدِيدِ الصَّدِئِ كَمَا تَرَكُوهَا، أَلْقَوْا بِالصَّنَادِيقِ فِي صُنْدُوقِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيِّ بِسُرْعَةٍ، وَقَفَزُوا إِلَى الدَّاخِلِ، وَانْطَلَقَ رَامِي بِالسَّيَّارَةِ بَعِيدًا عَنِ الْمَكَانِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ يَسْمَحُ بِهَا الطَّرِيقُ التُّرَابِيُّ غَيْرُ الْمُمَهَّدِ، مُتَّجِهًا فِي اتِّجَاهٍ مُغَايِرٍ تَمَامًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ فِي الصَّبَاحِ.
جَلَسَ الثَّلَاثَةُ فِي صَمْتٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْفَاسُهُمْ لَا تَزَالُ مُتَقَطِّعَةً، قُلُوبُهُمْ لَا تَزَالُ تَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ فِي صُدُورِهِمْ.
“مَنْ كَانَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي رَأْيِكَ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنِ اسْتَعَادَتْ بَعْضًا مِنْ هُدُوئِهَا.
“لَا أَعْرِفُ.” أَجَابَ رَامِي بِصِدْقٍ، وَعَيْنَاهُ مَا زَالَتَا تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الطَّرِيقِ أَمَامَهُ وَمِرْآةِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيَّةِ بِتَوَتُّرٍ. “لَكِنَّ حَقِيقَةَ أَنَّهُمَا وَصَلَا إِلَى نَفْسِ الْمَكَانِ بِالضَّبْطِ فِي نَفْسِ الصَّبَاحِ الَّذِي وَصَلْنَا فِيهِ، بَعْدَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ مِنْ إِرْسَالِ الرِّسَالَةِ الْغَامِضَةِ إِلَى هَاتِفِ سَلِيمٍ، هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صُدْفَةً. إِمَّا أَنَّ أَحَدَهُمْ يُرَاقِبُ هَاتِفَكَ، سَلِيمُ، وَتَعَقَّبَ إِرْسَالَ الرِّسَالَةِ الْمُبَرْمَجَةِ حِينَ صَدَرَتْ، أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ مُسْبَقًا، وَيُرَاقِبُونَهُ مِنْ بُعْدٍ.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِبَرْدٍ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ رَغْمَ حَرِّ الصَّبَاحِ. “إِنْ كَانُوا يُرَاقِبُونَ هَاتِفِي، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ خُطُوَةٍ اتَّخَذْتُهَا مُنْذُ عَوْدَتِي رُبَّمَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً لَهُمْ مُسْبَقًا.”
“لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ.” قَالَتْ يَاسْمِينُ مُحَاوِلَةً تَهْدِئَتَهُ. “لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ بِجِدِّيَّةٍ مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا. رَامِي، هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُنَظِّمَ فَحْصًا تِقَنِيًّا لِهَاتِفِ سَلِيمٍ؟ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ بَرْنَامَجِ تَجَسُّسٍ عَلَيْهِ؟”
“سَأَفْعَلُ ذَلِكَ فَوْرَ وُصُولِنَا.” أَجَابَ رَامِي.
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي السَّيَّارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، كُلٌّ مِنْهُمْ غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ الْخَاصَّةِ. كَانَ سَلِيمٌ يَنْظُرُ إِلَى الصَّنَادِيقِ الثَّلَاثَةِ الْمُكَدَّسَةِ فِي صُنْدُوقِ السَّيَّارَةِ الْخَلْفِيِّ مِنْ خِلَالِ الْمِرْآةِ، وَيَشْعُرُ بِثِقَلٍ مُزْدَوَجٍ: ثِقَلُ الْأَوْرَاقِ الْمَادِّيَّةِ نَفْسِهَا، وَثِقَلُ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي بَاتَتْ تَنْتَظِرُهُ دَاخِلَهَا، مَعْرِفَةٌ لَنْ يَسْتَطِيعَ التَّرَاجُعَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ يَكْتَشِفَهَا. تَذَكَّرَ فَجْأَةً جُمْلَةً قَالَتْهَا لَهُ يَاسْمِينُ فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ لَهُمَا عِنْدَ الْمَطَارِ: “وَالِدُكَ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا فِي الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ.” بَدَتْ لَهُ الْآنَ تِلْكَ الْجُمْلَةُ، بَعْدَ كُلِّ مَا رَآهُ فِي الْمُسْتَوْدَعِ، أَقَلَّ مِنَ الْحَقِيقَةِ بِكَثِيرٍ.

فِي بَيْتِ الْعَائِلَةِ، كَانَتْ لَيَانُ تَجْلِسُ عِنْدَ نَافِذَةِ الصَّالُونِ مُنْذُ سَاعَتَيْنِ، تُرَاقِبُ الطَّرِيقَ الْفَارِغَ أَمَامَ الْبَيْتِ بِقَلَقٍ لَا يَهْدَأُ، وَفِنْجَانُ الْقَهْوَةِ أَمَامَهَا قَدْ بَرَدَ تَمَامًا دُونَ أَنْ تَلْمَسَهُ. كَانَتْ قَدْ حَاوَلَتِ الِاتِّصَالَ بِسَلِيمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُنْذُ الصَّبَاحِ، لَكِنَّ هَاتِفَهُ كَانَ دَائِمًا خَارِجَ نِطَاقِ التَّغْطِيَةِ، رُبَّمَا بِسَبَبِ بُعْدِ الْمِنْطِقَةِ الصِّنَاعِيَّةِ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَا كَانَ يَزِيدُ قَلَقَهَا بَدَلَ أَنْ يُهَدِّئَهُ.
رَنَّ هَاتِفُهَا فَجْأَةً، فَقَفَزَتْ مِنْ مَكَانِهَا وَأَمْسَكَتْهُ بِسُرْعَةٍ، لَكِنَّ خَيْبَةَ أَمَلٍ خَفِيفَةً عَلَتْ وَجْهَهَا حِينَ رَأَتِ اسْمَ الْمُتَّصِلِ: كَمَالُ دَرْوِيشُ.
تَرَدَّدَتْ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ. “أُسْتَاذُ كَمَالُ، صَبَاحُ الْخَيْرِ.”
“صَبَاحُ النُّورِ يَا ابْنَتِي.” جَاءَ صَوْتُهُ دَافِئًا كَعَادَتِهِ، لَكِنَّ لَيَانَ لَاحَظَتْ فِيهِ نَبْرَةً خَفِيفَةً مِنَ التَّرَقُّبِ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ. “أَتَّصِلُ لِأَطْمَئِنَّ عَلَيْكِ فَقَطْ، وَأَسْأَلُ إِنْ كَانَ سَلِيمٌ بِخَيْرٍ. لَمْ أَرَهُ مُنْذُ عَشَائِنَا الْوَدِّيِّ أَوَّلَ أَمْسِ، وَسَمِعْتُ أَنَّهُ خَرَجَ بَاكِرًا هَذَا الصَّبَاحِ.”
شَعَرَتْ لَيَانُ بِبَرْدٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهَا. “كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّهُ خَرَجَ بَاكِرًا؟” سَأَلَتْ بِحَذَرٍ، مُحَاوِلَةً أَلَّا يَظْهَرَ التَّوَتُّرُ فِي صَوْتِهَا.
ضَحِكَ كَمَالُ ضَحِكَةً خَفِيفَةً. “الْمَدِينَةُ صَغِيرَةٌ يَا ابْنَتِي، وَالنَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ. لَا تَقْلَقِي، لَمْ أَقْصِدْ شَيْئًا سِيِّئًا. فَقَطْ أَخْبِرِيهِ حِينَ يَعُودُ أَنِّي سَأَلْتُ عَنْهُ، وَأَنَّنِي مَا زِلْتُ أَتَمَنَّى أَنْ نَجِدَ حَلًّا يُرْضِي الْجَمِيعَ فِي مَوْضُوعِ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ.”
أَنْهَتْ لَيَانُ الْمُكَالَمَةَ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُجَامِلِ الْفَارِغِ، وَجَلَسَتْ مِنْ جَدِيدٍ عِنْدَ النَّافِذَةِ، قَلَقُهَا قَدِ ازْدَادَ بَدَلَ أَنْ يَخِفَّ. كَيْفَ عَرَفَ كَمَالُ أَنَّ سَلِيمًا خَرَجَ بَاكِرًا هَذَا الصَّبَاحِ بِالتَّحْدِيدِ؟ وَلِمَ اتَّصَلَ الْآنَ بِالذَّاتِ، فِي هَذَا التَّوْقِيتِ الَّذِي بَدَا لَهَا مَحْسُوبًا بِعِنَايَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا تُوحِي بِهِ نَبْرَتُهُ الْمَرِحَةُ؟

فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ وَسْطَ الْمَدِينَةِ، وَضَعَ كَمَالُ دَرْوِيشُ هَاتِفَهُ جَانِبًا بَعْدَ إِنْهَاءِ الْمُكَالَمَةِ مَعَ لَيَانَ، وَنَظَرَ نَحْوَ الرَّجُلِ الْوَاقِفِ أَمَامَ مَكْتَبِهِ، أَحَدُ حُرَّاسِهِ الشَّخْصِيِّينَ الْمَوْثُوقِينَ، الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ هَاتِفًا آخَرَ فِي يَدِهِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُنْهِيَ سَيِّدُهُ اتِّصَالَهُ الْأَوَّلَ.
“وَمَاذَا عَنِ الرَّجُلَيْنِ؟” سَأَلَ كَمَالُ بِحِدَّةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهَا مُحَدِّثُوهُ عَادَةً فِي حُضُورِهِ.
“لَمْ يَجِدَا أَحَدًا فِي الْمَكَانِ حِينَ وَصَلَا، سَيِّدِي.” أَجَابَ الرَّجُلُ بِحَذَرٍ. “لَكِنَّ الْبَابَ الْجَانِبِيَّ كَانَ مَفْتُوحًا، وَهُنَاكَ آثَارٌ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ فِي الْغُرْفَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِتَوِّهِ، وَغَادَرَ عَبْرَ فَتْحَةٍ فِي الْجِدَارِ الْخَلْفِيِّ. حَاوَلَا مُطَارَدَتَهُمْ فِي الْحَقْلِ الْمُجَاوِرِ، لَكِنَّهُمَا فَقَدَا أَثَرَهُمْ عِنْدَ خَطِّ الْأَشْجَارِ.”
ضَرَبَ كَمَالُ بِقَبْضَتِهِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِعُنْفٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ مِنْهُ، وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ فَجْأَةً مِنَ الْهُدُوءِ الْمُصْطَنَعِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ دَائِمًا أَمَامَ النَّاسِ إِلَى شَيْءٍ أَكْثَرَ خُشُونَةً وَقَسْوَةً. “كَانَ عَلَيْكُمَا أَنْ تَصِلَا قَبْلَ سَاعَةٍ كَامِلَةٍ عَلَى الْأَقَلِّ! هَلْ تُدْرِكَانِ مَاذَا يَعْنِي أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ قَبْلَنَا؟”
لَمْ يَجْرُؤِ الرَّجُلُ عَلَى الْإِجَابَةِ، وَاكْتَفَى بِإِطْرَاقِ رَأْسِهِ بِصَمْتٍ. أَشَارَ كَمَالُ لَهُ بِالِانْصِرَافِ، وَبَقِيَ وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ، يَتَأَمَّلُ صُورَةَ وَالِدِهِ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى الْجِدَارِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ هَاتِفَهُ الْآخَرَ، الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ فَقَطْ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ “الرَّئِيسَةِ”، وَبَدَأَ يَكْتُبُ رِسَالَةً بِأَصَابِعَ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنَ الْغَضَبِ: “لَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْمُسْتَوْدَعِ قَبْلَنَا. أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ. نَحْتَاجُ إِلَى خُطَّةٍ جَدِيدَةٍ فَوْرًا.”

قَادَ رَامِي السَّيَّارَةَ لِمُدَّةِ نِصْفِ سَاعَةٍ إِضَافِيَّةٍ، مُتَجَنِّبًا الطَّرِيقَ الْمُبَاشِرَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَمُتَأَكِّدًا مِرَارًا وَتَكْرَارًا مِنْ عَدَمِ وُجُودِ مَنْ يُتَابِعُهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّجِهَ أَخِيرًا نَحْوَ مَكَانٍ اقْتَرَحَهُ بِنَفْسِهِ: شَقَّةٌ صَغِيرَةٌ يَمْتَلِكُهَا خَالُهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَارِغَةٌ حَالِيًّا، وَبَعِيدَةٌ تَمَامًا عَنْ أَيِّ ارْتِبَاطٍ مَعْرُوفٍ بِسَلِيمٍ أَوْ يَاسْمِينَ أَوْ رَامِي نَفْسِهِ.
كَانَتِ الشَّقَّةُ بَسِيطَةً، بِأَثَاثٍ قَلِيلٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تُوَفِّرُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: الْخَصُوصِيَّةُ وَالْأَمَانُ. غُرْفَتَانِ صَغِيرَتَانِ، وَصَالُونٌ مُتَوَاضِعٌ تُطِلُّ نَافِذَتُهُ الْوَحِيدَةُ عَلَى شَارِعٍ هَادِئٍ نِصْفِ مَهْجُورٍ، وَمَطْبَخٌ صَغِيرٌ لَمْ يُسْتَخْدَمْ مُنْذُ أَشْهُرٍ إِنِ اسْتُدِلَّ بِطَبَقَةِ الْغُبَارِ الرَّقِيقَةِ عَلَى أَدَوَاتِهِ. أَغْلَقَ رَامِي السَّتَائِرَ الرَّقِيقَةَ بِعِنَايَةٍ، وَتَحَقَّقَ مَرَّتَيْنِ مِنْ إِحْكَامِ غَلْقِ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ قَبْلَ أَنْ يَسْمَحَ لِنَفْسِهِ بِالِاسْتِرْخَاءِ قَلِيلًا. وَضَعُوا الصَّنَادِيقَ الثَّلَاثَةَ عَلَى طَاوِلَةِ الطَّعَامِ الْمُتَوَاضِعَةِ، وَجِهَازَ التَّسْجِيلِ بِجَانِبِهَا، وَجَلَسُوا حَوْلَهَا فِي صَمْتٍ لِلَحْظَاتٍ، كَأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ يَجْرُؤُ عَلَى اتِّخَاذِ الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ.
فَتَحَ رَامِي الصُّنْدُوقَ الْأَوَّلَ أَوَّلًا، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُ عَبْدُ الْكَرِيمُ فِي رِسَالَتِهِ بِأَنَّهُ يَحْتَوِي عَلَى نُسَخٍ مُصَوَّرَةٍ مِنْ وَثَائِقِ الْمِلْكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْمُرَاسَلَاتِ. وَبِالْفِعْلِ، وَجَدُوا دَاخِلَهُ عَشَرَاتِ الْمِلَفَّاتِ الْمُرَتَّبَةِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، كُلُّ مِلَفٍّ يَحْمِلُ عُنْوَانًا وَتَارِيخًا بِخَطِّ يَدِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الدَّقِيقِ: “سِجِلُّ مِلْكِيَّةِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ 1974″، “مُرَاسَلَاتُ الْبَلَدِيَّةِ 1975-1976″، “شَهَادَاتٌ شَفَهِيَّةٌ مُدَوَّنَةٌ 1998-2010”.
تَصَفَّحَتْ يَاسْمِينُ بَعْضَ الْمِلَفَّاتِ بِعَيْنَيْ صَحَفِيَّةٍ مُتَمَرِّسَةٍ، وَعَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ دَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ كُلِّ صَفْحَةٍ تُقَلِّبُهَا. “سَلِيمُ، هَذَا… هَذَا أَرْشِيفٌ كَامِلٌ. لَوْ نُشِرَ جُزْءٌ صَغِيرٌ فَقَطْ مِنْ هَذِهِ الْوَثَائِقِ، لَتَغَيَّرَتْ مَعَادَلَةُ الْقُوَّةِ فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا. أَبُوكَ لَمْ يَكُنْ يَجْمَعُ مَعْلُومَاتٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يَبْنِي قَضِيَّةً كَامِلَةً، قَضِيَّةً قَانُونِيَّةً وَإِعْلَامِيَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ.”
فَتَحَ رَامِي بَعْدَهَا الصُّنْدُوقَ الثَّانِيَ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ، لِيَجِدَ دَاخِلَهُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْأَشْرِطَةِ الصَّوْتِيَّةِ الْمُرَقَّمَةِ، وَدَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرًا يَبْدُو أَنَّهُ خَاصٌّ بِعَبْدِ الْكَرِيمِ، مَلِيءٌ بِتَوَارِيخَ وَأَسْمَاءَ وَمُلَاحَظَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ لَا تَزَالُ بِحَاجَةٍ إِلَى وَقْتٍ طَوِيلٍ لِفَهْمِ سِيَاقِهَا الْكَامِلِ. فِي الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَجَدَ سَلِيمٌ اسْمًا مُحَاطًا بِدَائِرَةٍ حَمْرَاءَ: “الْمُقَدَّمُ رَامِي عَاصِي – مَوْثُوقٌ.”
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ نَحْوَ رَامِي بِدَهْشَةٍ، وَقَلَبَ الدَّفْتَرَ لِيُرِيَهُ الصَّفْحَةَ. “أَبِي كَتَبَ اسْمَكَ هُنَا. كَانَ يَثِقُ بِكَ.”
اِبْيَضَّ وَجْهُ رَامِي قَلِيلًا، وَبَدَا مُتَأَثِّرًا بِشِدَّةٍ لِلَحْظَةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهَا مَنْ يَعْرِفُهُ فِي عَمَلِهِ الرَّسْمِيِّ الصَّارِمِ. “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ بِمَدَى ثِقَتِهِ بِي حَقًّا حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.” قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ. “كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي فَقَطْ أُقَدِّمُ لَهُ مَعْلُومَاتٍ رَسْمِيَّةً بَسِيطَةً بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ حِينَ كَانَ يَسْأَلُنِي عَنْ حَالَةِ بَعْضِ الْمِلَفَّاتِ الْقَدِيمَةِ فِي أَرْشِيفِ الشُّرْطَةِ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُنِي جُزْءًا مِنْ خُطَّتِهِ الْكَامِلَةِ.”
أَغْلَقُوا الصُّنْدُوقَ الثَّانِيَ بِحَذَرٍ، تَارِكِينَ فَحْصَ الْأَشْرِطَةِ لِوَقْتٍ لَاحِقٍ، وَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنَ الصُّنْدُوقِ الثَّالِثِ، ذَلِكَ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ عَبْدُ الْكَرِيمُ بِوُضُوحٍ فِي رِسَالَتِهِ. بَقِيَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الطَّاوِلَةِ، صَامِتًا، وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ ثِقَلًا خَاصًّا بِهِ يَجْعَلُهُ مُخْتَلِفًا عَنِ الصُّنْدُوقَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
قَبْلَ أَنْ يَجْلِسُوا حَوْلَ الطَّاوِلَةِ لِفَتْحِ الصَّنَادِيقِ، أَخْرَجَ سَلِيمٌ هَاتِفَهُ وَبَعَثَ رِسَالَةً قَصِيرَةً إِلَى لَيَانَ: “أَنَا بِخَيْرٍ. أُخْبِرُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ حِينَ أَعُودُ. لَا تَقْلَقِي.” تَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهَا، مُدْرِكًا أَنَّهُ يَكْذِبُ عَلَيْهَا وَلَوْ جُزْئِيًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِخَيْرٍ حَقًّا، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضِيفَ إِلَى قَلَقِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهَا فِي مَكَانٍ لَا تَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا. جَاءَ رَدُّهَا بَعْدَ ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ: “اتَّصِلْ بِي بِمُجَرَّدِ أَنْ تَسْتَطِيعَ. أَنَا خَائِفَةٌ جِدًّا يَا سَلِيمُ.” قَرَأَ الرِّسَالَةَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَعَادَ الْهَاتِفَ إِلَى جَيْبِهِ دُونَ أَنْ يَرُدَّ فَوْرًا، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إِيجَادِ كَلِمَاتٍ تُطَمْئِنُهَا حَقًّا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى سَاعَتِهِ، ثُمَّ إِلَى جِهَازِ التَّسْجِيلِ الصَّغِيرِ الَّذِي وَضَعُوهُ بِعِنَايَةٍ فِي مُنْتَصَفِ الطَّاوِلَةِ، وَشَعَرَ أَنَّ كُلَّ دَقِيقَةٍ إِضَافِيَّةٍ يُؤَجِّلُ فِيهَا الِاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ إِنَّمَا هِيَ مُحَاوَلَةٌ يَائِسَةٌ لِتَأْجِيلِ لَحْظَةٍ يَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِهِ أَنَّهَا حَتْمِيَّةٌ، لَا مَفَرَّ مِنْهَا.
“حَسَنًا.” قَالَ سَلِيمٌ أَخِيرًا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى جِهَازِ التَّسْجِيلِ الصَّغِيرِ أَمَامَهُ. “أَعْتَقِدُ أَنِّي جَاهِزٌ الْآنَ.”
“هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ؟” سَأَلَتْهُ يَاسْمِينُ بِلُطْفٍ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى يَدِهِ لِلَحْظَةٍ.
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ ظِلٌّ مِنَ الرَّهْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. “لَنْ أَكُونَ جَاهِزًا تَمَامًا أَبَدًا، أَعْتَقِدُ. لَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْتَظِرَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. لَقَدِ انْتَظَرْتُ عِشْرِينَ عَامًا لِأَفْهَمَ أَبِي، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُضِيفَ يَوْمًا وَاحِدًا آخَرَ إِلَى هَذَا الِانْتِظَارِ.”
مَدَّ يَدَهُ الْمُرْتَجِفَةَ قَلِيلًا نَحْوَ جِهَازِ التَّسْجِيلِ، وَفَحَصَ أَزْرَارَهُ الْقَدِيمَةَ بِعَيْنَيْهِ حَتَّى وَجَدَ زِرَّ التَّشْغِيلِ. تَبَادَلَ نَظْرَةً أَخِيرَةً مَعَ يَاسْمِينَ وَرَامِي، الْجَالِسَيْنِ عَلَى جَانِبَيْهِ فِي صَمْتٍ دَاعِمٍ، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى الزِّرِّ.
مَرَّتْ ثَانِيَتَانِ مِنَ الصَّمْتِ التَّامِّ، لَا يُقَطِّعُهُمَا سِوَى صَوْتِ طَقْطَقَةٍ خَفِيفَةٍ لِلشَّرِيطِ الْقَدِيمِ وَهُوَ يَبْدَأُ فِي الدَّوَرَانِ دَاخِلَ الْجِهَازِ.
ثُمَّ، فَجْأَةً، امْتَلَأَتِ الْغُرْفَةُ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعْهُ سَلِيمٌ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ، صَوْتٌ أَجَشُّ قَلِيلًا، مُتْعَبٌ، لَكِنَّهُ لَا يُخْطِئُهُ أَبَدًا: صَوْتُ وَالِدِهِ، عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ، يَتَحَدَّثُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فِي الزَّمَنِ، مِنْ لَحْظَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِيهَا بِالضَّبْطِ مَنْ سَيَسْتَمِعُ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، أَوْ مَتَى.
اِرْتَجَفَتْ يَدُ سَلِيمٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَأَمْسَكَتْ يَاسْمِينُ بِهَا بِقُوَّةٍ، بَيْنَمَا كَانَ صَوْتُ الْأَبِ يَمْلَأُ الْغُرْفَةَ الصَّغِيرَةَ بِجُمْلَتِهِ الْأُولَى، جُمْلَةٍ جَعَلَتْ قَلْبَ سَلِيمٍ يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ كَامِلَةٍ:
“إِذَا كُنْتَ تَسْمَعُ هَذَا، فَأَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّ كَمَالَ قَدْ وَجَدَنِي أَخِيرًا.”

الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ

مَرَّتْ ثَانِيَتَانِ أُخْرَيَانِ مِنَ الصَّمْتِ عَلَى الشَّرِيطِ، وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ مُطْرِقِينَ حَوْلَ الْجِهَازِ الصَّغِيرِ، أَنْفَاسُهُمْ مَحْبُوسَةٌ، كَأَنَّ أَيَّ حَرَكَةٍ أَوْ صَوْتٍ إِضَافِيٍّ قَدْ يُوقِفُ الشَّرِيطَ الْقَدِيمَ عَنِ الدَّوَرَانِ إِلَى الْأَبَدِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ سِرَّهُ. ثُمَّ تَابَعَ صَوْتُ عَبْدِ الْكَرِيمِ مُرَادٍ حَدِيثَهُ، أَكْثَرَ هُدُوءًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَرَجُلٍ قَرَّرَ أَنَّهُ لَنْ يَتْرُكَ لِلْخَوْفِ فُرْصَةً لِيَسْرِقَ مِنْهُ آخِرَ كَلِمَاتِهِ:
“لَا أَعْرِفُ كَمْ مِنَ الْوَقْتِ تَبَقَّى لِي يَا سَلِيمُ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ هَذَا الْآنَ، بِصَوْتِي، لَا فِي وَرَقَةٍ، لِأَنَّ الصَّوْتَ لَا يُمْكِنُ تَزْوِيرُهُ أَوْ إِنْكَارُهُ بِسُهُولَةٍ كَمَا تُزَوَّرُ الْأَوْرَاقُ. كَمَالُ دَرْوِيشُ، الَّذِي تَعْرِفُهُ صَدِيقًا لِلْعَائِلَةِ، وَالَّذِي رُبَّمَا يَجْلِسُ الْآنَ فِي بَيْتِنَا يَشْرَبُ الْقَهْوَةَ مَعَ أُخْتِكَ لَيَانَ وَيَبْتَسِمُ بِوَجْهٍ وَدُودٍ، لَيْسَ مَنْ تَظُنُّهُ. لَيْسَ مُجَرَّدَ رَجُلِ أَعْمَالٍ طَمُوحٍ وَرِثَ ثَرْوَةً وَبَنَى عَلَيْهَا. هُوَ ابْنُ عِزَّتِ دَرْوِيشَ، ذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِي لَنْ تَجِدَهُ فِي أَيِّ سِجِلٍّ رَسْمِيٍّ الْيَوْمَ، لِأَنَّهُ حُذِفَ عَمْدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ.”
تَوَقَّفَ الصَّوْتُ لِلَحْظَةٍ، وَسُمِعَ صَوْتُ سُعَالٍ خَفِيفٍ، ثُمَّ صَوْتُ كُوبٍ يُوضَعُ عَلَى طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ، وَتَخَيَّلَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ وَالِدَهُ جَالِسًا وَحِيدًا فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ دَاخِلَ الْمُسْتَوْدَعِ، يَتَحَدَّثُ إِلَى جِهَازٍ صَامِتٍ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَيَسْتَمِعُ إِلَيْهِ يَوْمًا، أَوْ مَتَى، أَوْ فِي أَيِّ ظُرُوفٍ. قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ عَبْدُ الْكَرِيمُ:
“قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا تَقْرِيبًا، حِينَ كَانَ حَيُّ الْيَاسَمِينِ لَا يَزَالُ فِي طَوْرِ التَّأْسِيسِ، كَانَتْ تَعِيشُ فِيهِ عَائِلَةٌ عَرِيقَةٌ، عَائِلَةُ الرِّفَاعِيِّ، يَرْأَسُهَا رَجُلٌ يُدْعَى الشَّيْخَ حَامِدَ الرِّفَاعِيَّ، صَدِيقُ طُفُولَتِي، وَالِدُ صَدِيقِي الْأَعَزِّ. كَانَتْ عَائِلَةُ الرِّفَاعِيِّ تَمْلِكُ أَجْمَلَ أَرَاضِي الْحَيِّ، الْأَرْضُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ سُوقُ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمُ وَجُزْءٌ كَبِيرٌ مِنْ حَيِّ الْيَاسَمِينِ نَفْسِهِ. وَفِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ يَا وَلَدِي، اخْتَفَتِ الْعَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا. قِيلَ إِنَّهُمْ هَاجَرُوا فَجْأَةً إِلَى بِلَادٍ بَعِيدَةٍ، وَقِيلَ إِنَّهُمْ بَاعُوا أَمْلَاكَهُمْ وَرَحَلُوا، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ، الَّتِي عَرَفْتُهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَحْثِ الْمُضْنِي، كَانَتْ أَقْسَى بِكَثِيرٍ: الشَّيْخُ حَامِدُ رُفِضَ التَّوْقِيعَ عَلَى بَيْعِ أَرْضِهِ لِمَشْرُوعٍ عَقَارِيٍّ كَانَ عِزَّتُ دَرْوِيشُ يُدِيرُهُ سِرًّا بِاسْمِ نُفُوذٍ رَسْمِيٍّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَدُبِّرَتْ لَهُ تُهْمَةٌ مُلَفَّقَةٌ بِالتَّعَاوُنِ مَعَ جِهَاتٍ مَشْبُوهَةٍ، وَاعْتُقِلَ لَيْلًا مَعَ أَبْنَائِهِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَرَهُمْ أَحَدٌ بَعْدَهَا أَبَدًا.”
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ وَجْهَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ كَمَا رَآهُ فِي زِيَارَتِهِ الْأُولَى، تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ الدَّافِئَةَ الَّتِي اسْتَقْبَلَهُ بِهَا، وَتِلْكَ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ حَمَلَتَا حُزْنًا قَدِيمًا لَمْ يَفْهَمْ سَلِيمٌ يَوْمَهَا مَصْدَرَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَشَعَرَ فَجْأَةً أَنَّ كُلَّ لَحْظَةِ حُزْنٍ لَمَحَهَا فِي عَيْنَيِ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ صَدًى لِفَقْدٍ لَمْ يَسْتَطِعْ صَاحِبُهُ يَوْمًا أَنْ يُسَمِّيَهُ بِاسْمِهِ الصَّحِيحِ. لَمْ يَكُنِ اسْمُ “الرِّفَاعِيِّ” غَرِيبًا تَمَامًا عَلَى سَلِيمٍ؛ تَذَكَّرَ فَجْأَةً أَنَّهُ رَأَى هَذَا الِاسْمَ مَنْقُوشًا عَلَى حَجَرٍ قَدِيمٍ نِصْفِ مَطْمُوسٍ فِي زَاوِيَةِ سُوقِ الْحَيِّ، حَجَرٌ كَانَ يَعْتَقِدُ فِي طُفُولَتِهِ أَنَّهُ مُجَرَّدُ زُخْرُفَةٍ مِعْمَارِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، دُونَ أَنْ يُدْرِكَ يَوْمَهَا أَنَّهُ كَانَ آخِرَ أَثَرٍ بَاقٍ لِعَائِلَةٍ كَامِلَةٍ مُحِيَتْ مِنَ الْوُجُودِ عَمْدًا. شَعَرَ سَلِيمٌ بِيَدِ يَاسْمِينَ تَشْتَدُّ حَوْلَ يَدِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا لِيَجِدَ عَيْنَيْهَا مُغْرَوْرِقَتَيْنِ بِالدُّمُوعِ رَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ سَلَفًا. وَاصَلَ صَوْتُ الْأَبِ الرَّاحِلِ حَدِيثَهُ، صَوْتٌ ازْدَادَ خُشُونَةً كُلَّمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ:
“وَبَعْدَ اعْتِقَالِ الْعَائِلَةِ وَاخْتِفَائِهَا، سُجِّلَتِ الْأَرْضُ بِأَكْمَلِهَا، بِوَثَائِقَ رَسْمِيَّةٍ تَحْمِلُ خُتُومًا حَقِيقِيَّةً وَتَوَارِيخَ مُزَوَّرَةً، بِاسْمِ عَائِلَتِنَا نَحْنُ، عَائِلَةِ مُرَادٍ. جَدُّكَ، يَا سَلِيمُ، وَالِدِي أَنَا، لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ كُلَّ التَّفَاصِيلِ حِينَهَا، أَوْ رُبَّمَا عَرَفَ وَآثَرَ الصَّمْتَ خَوْفًا، لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ حَتَّى الْآنَ، وَهَذَا مَا يُؤْلِمُنِي أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. اسْتُخْدِمَ اسْمُ عَائِلَتِنَا كَسِتَارٍ قَانُونِيٍّ لِعَمَلِيَّةِ سَرِقَةٍ مُنَظَّمَةٍ نَفَّذَهَا عِزَّتُ دَرْوِيشُ، بَيْنَمَا بَقِيَ هُوَ نَفْسُهُ خَارِجَ دَائِرَةِ الشُّبْهَةِ تَمَامًا، مُحْتَفِظًا بِسُلْطَتِهِ الرَّسْمِيَّةِ وَبِنُفُوذِهِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ثَرْوَةِ عَائِلَتِهِ اللَّاحِقَةِ.”
طَوَتِ الْغُرْفَةُ فِي صَمْتٍ ثَقِيلٍ لِلَحْظَةٍ حِينَ تَوَقَّفَ الصَّوْتُ عَنِ الْكَلَامِ، وَبَدَا وَاضِحًا أَنَّ عَبْدَ الْكَرِيمَ كَانَ يُحَاوِلُ ضَبْطَ نَفَسِهِ قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ:
“حِينَ اكْتَشَفْتُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، مُنْذُ نَحْوِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، شَعَرْتُ بِعَارٍ لَا يُوصَفُ. اسْمُ عَائِلَتِي، اسْمُكَ أَنْتَ يَا سَلِيمُ، كَانَ جُزْءًا مِنْ جَرِيمَةٍ لَمْ أَرْتَكِبْهَا أَنَا، لَكِنَّنِي وَرِثْتُ ثِمَارَهَا دُونَ أَنْ أَعْرِفَ. وَحِينَ فَكَّرْتُ فِي إِعَادَةِ الْحَقِّ إِلَى أَصْحَابِهِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ عَائِلَةَ الرِّفَاعِيِّ لَمْ تَنْقَرِضْ تَمَامًا كَمَا ظَنَنْتُ: كَانَ لِلشَّيْخِ حَامِدٍ حَفِيدٌ وَاحِدٌ نَجَا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، طِفْلٌ صَغِيرٌ خَبَّأَتْهُ جَدَّتُهُ عِنْدَ جِيرَانٍ قَبْلَ سَاعَاتٍ مِنَ الِاعْتِقَالِ، وَكَبُرَ ذَلِكَ الطِّفْلُ فِي كَنَفِ عَائِلَةٍ أُخْرَى، غَيَّرَ اسْمَهُ حِمَايَةً لِنَفْسِهِ، وَعَاشَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ حَقِيقَتَهُ. ذَلِكَ الطِّفْلُ، يَا سَلِيمُ، هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي تَعْرِفُهُ الْيَوْمَ بِاسْمِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ.”
سَقَطَ فَكُّ سَلِيمٍ فِعْلِيًّا لِلَحْظَةٍ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةَ ذُهُولٍ كَامِلٍ مَعَ يَاسْمِينَ الَّتِي بَدَتْ هِيَ الْأُخْرَى مَصْدُومَةً، رَغْمَ كُلِّ مَا كَانَتْ تَعْرِفُهُ مُسْبَقًا عَنِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَدَوْرِهِ كَأَمِينِ سِرِّ الْحَيِّ.
“الْحَاجُّ تَوْفِيقُ لَا يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا.” تَابَعَ صَوْتُ عَبْدِ الْكَرِيمِ. “يَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّهُ فُقِدَ مِنْ عَائِلَتِهِ فِي طُفُولَتِهِ، وَأَنَّ أَحَدًا مَا اعْتَنَى بِهِ سِرًّا طَوَالَ حَيَاتِهِ دُونَ أَنْ يُفْصِحَ لَهُ عَنِ السَّبَبِ. أَنَا كُنْتُ ذَلِكَ الشَّخْصَ، يَا سَلِيمُ. أَنَا مَنْ كُنْتُ أَحْمِيهِ مِنْ بُعْدٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أَدْفَعُ عَنْهُ بِصَمْتٍ، أُسَاعِدُهُ فِي مَشَاكِلِهِ الْمَالِيَّةِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَصْدَرَ الْمُسَاعَدَةِ الْحَقِيقِيَّ، كَنَوْعٍ مِنَ التَّكْفِيرِ عَنْ ذَنْبٍ لَمْ أَرْتَكِبْهُ أَنَا شَخْصِيًّا، لَكِنَّ اسْمَ عَائِلَتِي كَانَ جُزْءًا مِنْهُ. لَمْ أَجْرُؤْ يَوْمًا أَنْ أُخْبِرَهُ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً، خَوْفًا مِنْ رَدَّةِ فِعْلِهِ، وَخَوْفًا أَكْثَرَ مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ كَمَالُ إِنِ اكْتَشَفَ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ نَسَبِهِ.”
اِسْتَمَرَّ الصَّوْتُ فِي الْحَدِيثِ، يَشْرَحُ كَيْفَ أَمْضَى عَبْدُ الْكَرِيمِ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةَ مِنْ حَيَاتِهِ يَجْمَعُ الْأَدِلَّةَ قِطْعَةً قِطْعَةً، مُسْتَعِينًا بِوَثَائِقَ قَدِيمَةٍ عَثَرَ عَلَيْهَا فِي أَرْشِيفَاتٍ مُهْمَلَةٍ فِي أَقْبِيَةِ الْبَلَدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ كَانَ يَتَسَلَّلُ لَيْلًا بِمُسَاعَدَةِ مُوَظَّفٍ مُتَعَاطِفٍ تَقَاعَدَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَشَهَادَاتٍ شَفَهِيَّةٍ سَجَّلَهَا سِرًّا مَعَ آخِرِ الشُّهُودِ الْأَحْيَاءِ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ، عَجَائِزَ فِي الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ كَانُوا أَطْفَالًا صِغَارًا حِينَ وَقَعَتِ الْحَادِثَةُ، لَكِنَّ ذَاكِرَتَهُمُ احْتَفَظَتْ بِتَفَاصِيلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَأَنَّهَا حَدَثَتِ الْبَارِحَةَ فَقَطْ: صَوْتُ سَيَّارَاتِ الشُّرْطَةِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، صُرَاخُ امْرَأَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ اسْمَهَا، وَصَمْتٌ مُطْبِقٌ خَيَّمَ عَلَى الْحَيِّ كُلِّهِ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، حِينَ اسْتَيْقَظَ الْجَمِيعُ لِيَجِدُوا بَيْتَ آلِ الرِّفَاعِيِّ فَارِغًا تَمَامًا، أَبْوَابُهُ مُشَرَّعَةٌ، وَكَأَنَّ أَهْلَهُ تَبَخَّرُوا فِي الْهَوَاءِ.
وَشَرَحَ الصَّوْتُ أَيْضًا كَيْفَ حَاوَلَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ التَّقَرُّبَ مِنْ كَمَالٍ نَفْسِهِ لِيَخْتَبِرَ رَدَّةَ فِعْلِهِ، بِأَسْئِلَةٍ ظَاهِرُهَا بَرِيءٌ عَنْ تَارِيخِ عَائِلَتِهِ وَعَمَلِ وَالِدِهِ الرَّسْمِيِّ فِي السَّبْعِينِيَّاتِ، لِيَكْتَشِفَ مِنْ خِلَالِ تَعَابِيرِ وَجْهِهِ الدَّقِيقَةِ، تِلْكَ الَّتِي لَا يُخْطِئُهَا مَنْ يُرَاقِبُ بِعِنَايَةٍ، أَنَّ كَمَالًا كَانَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ تَارِيخِ وَالِدِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُخَطِّطُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ لِإِتْمَامِ مَا بَدَأَهُ عِزَّتُ دَرْوِيشُ: مَحْوُ آخِرِ أَثَرٍ لِلْحَيِّ الْقَدِيمِ نِهَائِيًّا عَبْرَ مَشْرُوعِ هَدْمٍ عَقَارِيٍّ ضَخْمٍ، بِمَا يَعْنِي تَبْيِيضَ مِلْكِيَّةِ الْأَرْضِ إِلَى الْأَبَدِ وَإِخْفَاءَ أَيِّ إِمْكَانِيَّةٍ لِإِعَادَةِ الْحَقِّ إِلَى أَصْحَابِهِ الْأَصْلِيِّينَ.
“إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ هَذَا يَا وَلَدِي، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ عَلَيْكَ الْآنَ مَسْؤُولِيَّةً مُضَاعَفَةً: أَنْ تَكْشِفَ الْحَقِيقَةَ، وَأَنْ تَحْمِيَ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ، لِأَنَّهُ حِينَ يَعْرِفُ كَمَالٌ أَنَّنَا اقْتَرَبْنَا مِنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ سَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُهَدَّدُ، لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ الْحَيُّ الْأَخِيرُ عَلَى الْجَرِيمَةِ كُلِّهَا. ثِقْ بِيَاسْمِينَ نُورَ، فَقَدْ سَاعَدَتْنِي كَثِيرًا فِي السَّنَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ. أَمَّا لَيَانُ…”
تَوَقَّفَ الصَّوْتُ فَجْأَةً، وَسُمِعَ تَنَهُّدٌ طَوِيلٌ مُثْقَلٌ بِالْأَلَمِ، قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ عَبْدُ الْكَرِيمُ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حَذَرًا:
“لَا أَعْرِفُ كَمْ تَعْرِفُ لَيَانُ حَقِيقَةً. حَاوَلْتُ حِمَايَتَهَا مِنْ كُلِّ هَذَا قَدْرَ الْإِمْكَانِ، لَكِنَّ كَمَالًا قَرِيبٌ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَرْتَاحُ لَهُ، وَأَخْشَى أَنَّهُ اسْتَغَلَّ قُرْبَهُ مِنَ الْعَائِلَةِ لِيَصِلَ إِلَى مَعْلُومَاتٍ لَمْ يَكُنْ لِيَصِلَ إِلَيْهَا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى. كُنْ حَذِرًا مَعَهَا، لَا بِمَعْنَى أَلَّا تَثِقَ بِهَا، فَهِيَ أُخْتُكَ وَقَلْبُهَا طَيِّبٌ، بَلْ بِمَعْنَى أَنْ تَتَحَدَّثَ مَعَهَا بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ حَالَ عُودَتِكَ، فَرُبَّمَا تَحْمِلُ هِيَ نَفْسُهَا مَعْلُومَاتٍ لَا تُدْرِكُ أَهَمِّيَّتَهَا.”
صَمَتَ الصَّوْتُ مَرَّةً أُخْرَى، وَحِينَ عَادَ لِلْحَدِيثِ، بَدَا أَكْثَرَ تَعَبًا، كَأَنَّ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا كَانَتْ تَسْحَبُ مَا تَبَقَّى مِنْ قُوَّتِهِ. “أُرِيدُكَ أَنْ تَفْهَمَ شَيْئًا مُهِمًّا يَا سَلِيمُ: لَمْ أُخْبِرِ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ بِأَيٍّ مِنْ هَذَا لِأَنِّي لَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ سَيَتَقَبَّلُ رَجُلٌ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ حَقِيقَةً كَهَذِهِ: أَنَّ اسْمَهُ الَّذِي عَاشَ بِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ لَيْسَ اسْمَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَأَنَّ عَائِلَتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ اخْتَفَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِسَبَبِ الطَّمَعِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُصَافِحُهُ كُلَّ صَبَاحٍ فِي سُوقِ الْحَيِّ هُوَ ابْنُ مَنِ اغْتَصَبَ أَرْضَ آبَائِهِ. كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَنْهَارَ، أَوْ أَسْوَأَ، أَنْ يَتَصَرَّفَ بِتَهَوُّرٍ يُعَرِّضُ حَيَاتَهُ لِلْخَطَرِ مُبَاشَرَةً. كُنْتُ أُخَطِّطُ لِأُخْبِرَهُ بِنَفْسِي، فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، بَعْدَ أَنْ أَجْمَعَ كُلَّ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَكْفِي لِحِمَايَتِهِ قَانُونِيًّا لَا لِتَعْرِيضِهِ لِلْخَطَرِ فَقَطْ. يَبْدُو أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يُمْهِلْنِي.”
“أَعْرِفُ أَنِّي أُثْقِلُ كَاهِلَكَ بِمَسْؤُولِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْهَا يَوْمًا.” تَابَعَ الصَّوْتُ، وَقَدْ بَدَا الْآنَ أَكْثَرَ حَنَانًا مِمَّا سَمِعَهُ سَلِيمٌ مِنْ وَالِدِهِ طَوَالَ سِنِينَ الصَّمْتِ بَيْنَهُمَا. “لَوْ كَانَ بِإِمْكَانِي أَنْ أَحْمِلَ هَذَا الثِّقَلَ وَحْدِي إِلَى الْقَبْرِ، لَفَعَلْتُ دُونَ تَرَدُّدٍ، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَمُوتُ مَعَ مَنْ يَعْرِفُهَا، بَلْ تَنْتَظِرُ فَقَطْ مَنْ يَجْرُؤُ عَلَى حَمْلِهَا. وَأَنَا أَعْرِفُ، رَغْمَ كُلِّ سِنِينِ ابْتِعَادِنَا، أَنَّكَ الرَّجُلُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ. رَأَيْتُ فِيكَ دَائِمًا شَيْئًا لَمْ أَمْتَلِكْهُ أَنَا فِي شَبَابِي: شَجَاعَةٌ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ الْمُبَاشِرَةِ، لَا الِالْتِفَافَ الْحَذِرَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ أَنَا طَوَالَ حَيَاتِي.”
اِنْتَهَى التَّسْجِيلُ بَعْدَهَا بِجُمْلَةٍ أَخِيرَةٍ قَصِيرَةٍ، جُمْلَةٌ جَعَلَتْ حَلْقَ سَلِيمٍ يَنْعَقِدُ تَمَامًا: “أُحِبُّكَ يَا وَلَدِي. سَامِحْنِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.” ثُمَّ طَقْطَقَةٌ خَفِيفَةٌ، ثُمَّ صَمْتٌ تَامٌّ.
بَقِيَ الثَّلَاثَةُ جَامِدِينَ فِي أَمَاكِنِهِمْ لِدَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدٌ، وَلَا يَنْبِسُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ. كَانَتْ دُمُوعُ سَلِيمٍ تَنْهَمِرُ الْآنَ بِصَمْتٍ، دُونَ نَحِيبٍ، دُونَ اضْطِرَابٍ ظَاهِرٍ، مُجَرَّدُ دُمُوعٍ صَامِتَةٍ لِرَجُلٍ اسْتَمَعَ لِتَوِّهِ إِلَى وَدَاعِ وَالِدِهِ الْحَقِيقِيِّ.
“سَلِيمُ.” هَمَسَتْ يَاسْمِينُ أَخِيرًا، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ. لَمْ تُحَاوِلْ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، مُدْرِكَةً أَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ، بَلْ فَقَطْ إِلَى حُضُورٍ صَامِتٍ يَقُولُ لِلْآخَرِ: “لَسْتَ وَحْدَكَ فِي هَذَا.”
“الْحَاجُّ تَوْفِيقُ.” قَالَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، وَقَدِ اسْتَعَادَ صَوَابَهُ بِسُرْعَةٍ مُفَاجِئَةٍ، كَمَنْ يَتَذَكَّرُ خَطَرًا دَاهِمًا وَسَطَ عَاصِفَةِ حُزْنِهِ. “يَجِبُ أَنْ نَذْهَبَ إِلَيْهِ فَوْرًا. إِنْ كَانَ كَمَالٌ يَعْرِفُ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى الْمُسْتَوْدَعِ، فَقَدْ يَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّنَا نَقْتَرِبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ، وَالْحَاجُّ تَوْفِيقُ فِي خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ الْآنَ.”
هَزَّ رَامِي رَأْسَهُ مُوَافِقًا، وَأَخْرَجَ هَاتِفَهُ فَوْرًا. “سَأَتَّصِلُ بِزَمِيلٍ لِي فِي دَوْرِيَّةِ الْحَيِّ، أَطْلُبُ مِنْهُ الْمُرُورَ عَلَى بَيْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ لِلِاطْمِئْنَانِ.”
لَكِنَّ الرَّنِينَ اسْتَمَرَّ طَوِيلًا مِنْ دُونِ إِجَابَةٍ، وَحِينَ اتَّصَلَ رَامِي بِرَقْمٍ آخَرَ، جَاءَتِ الْإِجَابَةُ بَعْدَ لَحْظَاتٍ مُتَوَتِّرَةٍ. أَغْلَقَ رَامِي الْهَاتِفَ بِوَجْهٍ شَاحِبٍ.
“لَا أَحَدَ يَرُدُّ فِي بَيْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ.” قَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ. “سَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ الْآنَ.”
جَمَعَ الثَّلَاثَةُ الصَّنَادِيقَ وَجِهَازَ التَّسْجِيلِ بِسُرْعَةٍ، وَخَبَّأُوهَا فِي خِزَانَةٍ مُقْفَلَةٍ دَاخِلَ الشَّقَّةِ الصَّغِيرَةِ، ثُمَّ انْدَفَعُوا نَحْوَ السَّيَّارَةِ. كَانَ سَلِيمٌ لَا يَزَالُ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الدُّمُوعِ خَلْفَ عَيْنَيْهِ، لَكِنَّ الْخَوْفَ عَلَى حَيَاةِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ كَانَ أَقْوَى مِنْ أَنْ يَسْمَحَ لِنَفْسِهِ بِالِانْهِيَارِ الْآنَ. قَادَ رَامِي السَّيَّارَةَ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ تَتَجَاوَزُ الْحَدَّ الْمَسْمُوحَ بِهِ فِي الشَّوَارِعِ الْجَانِبِيَّةِ الضَّيِّقَةِ، مُتَجَاهِلًا إِشَارَةَ مُرُورٍ صَفْرَاءَ فِي طَرِيقِهِ، بَيْنَمَا كَانَتْ يَاسْمِينُ تُحَاوِلُ الِاتِّصَالَ بِجِيرَانِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْمَعْرُوفِينَ لَهَا مِنْ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ السَّابِقِ فِي الْحَيِّ، عَسَاهَا تَحْصُلُ عَلَى مَعْلُومَةٍ عَاجِلَةٍ قَبْلَ وُصُولِهِمْ.

فِي مَكْتَبِهِ الْفَخْمِ، كَانَ كَمَالُ دَرْوِيشُ قَدْ أَنْهَى لِتَوِّهِ اتِّصَالًا هَاتِفِيًّا قَصِيرًا مَعَ لَيَانَ، اتِّصَالٌ حَرَصَ خِلَالَهُ عَلَى إِبْقَاءِ نَبْرَتِهِ وَدُودَةً كَعَادَتِهِ، مُتَجَاهِلًا الشَّكَّ الَّذِي أَحَسَّ بِهِ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَوْتِهَا فِي آخِرِ الْمُكَالَمَةِ. أَغْلَقَ الْهَاتِفَ، وَنَظَرَ نَحْوَ سَاعَتِهِ الْفِضِّيَّةِ اللَّامِعَةِ عَلَى مِعْصَمِهِ، تِلْكَ الَّتِي وَرِثَهَا عَنْ وَالِدِهِ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِرَجُلِهِ الْمَوْثُوقِ لِيَتَأَكَّدَ مِنْ سَيْرِ خُطَّتِهِ الْأُخْرَى، اتِّصَالٌ لَمْ يَسْتَغْرِقْ أَكْثَرَ مِنْ دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا لِيُطْمَئِنَّهُ بِأَنَّ “الْأَمْرَ قَدْ تَمَّ بِنَجَاحٍ، دُونَ ضَجِيجٍ يَلْفِتُ انْتِبَاهَ الْجِيرَانِ.” وَقَفَ أَمَامَ نَافِذَتِهِ الْكَبِيرَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى أَبْرَاجِ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي بَنَاهَا بِنَفْسِهِ، وَسُوقُ الْيَاسَمِينِ الْقَدِيمُ يَمْتَدُّ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدِ كَبُقْعَةٍ رَاكِدَةٍ مِنَ الزَّمَنِ لَمْ تَتَغَيَّرْ مُنْذُ عُقُودٍ، وَشَعَرَ بِرِضًا غَرِيبًا يَخْتَلِطُ فِيهِ الِانْتِصَارُ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الْقَلَقِ الَّذِي لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهِ.
لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ أَنْ يَصِلَ الْأَمْرُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ. لَطَالَمَا فَضَّلَ الطُّرُقَ النَّاعِمَةَ، الِابْتِسَامَاتِ الْمَحْسُوبَةَ، الصَّفَقَاتِ الْمَعْقُودَةَ عَلَى مَوَائِدَ فَاخِرَةٍ لَا فِي زَوَايَا مُظْلِمَةٍ. لَكِنَّ عَبْدَ الْكَرِيمَ، حَتَّى وَهُوَ مَيِّتٌ، كَانَ لَا يَزَالُ يُشَكِّلُ تَهْدِيدًا حَقِيقِيًّا لِكُلِّ شَيْءٍ بَنَاهُ، وَابْنُهُ سَلِيمٌ بَدَأَ يُشْبِهُ أَبَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ كَمَالُ فِي الْبِدَايَةِ: نَفْسُ الْعِنَادِ، نَفْسُ الْإِصْرَارِ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى وَإِنْ كَلَّفَتْ ثَمَنًا بَاهِظًا.
فَتَحَ دُرْجًا صَغِيرًا فِي مَكْتَبِهِ، وَأَخْرَجَ صُورَةً قَدِيمَةً بَالِيَةَ الْأَطْرَافِ، صُورَةً لِرَجُلٍ يَرْتَدِي زِيًّا رَسْمِيًّا مِنْ حِقْبَةٍ سَابِقَةٍ، يَقِفُ مُبْتَسِمًا أَمَامَ مَبْنًى حُكُومِيٍّ قَدِيمٍ. تَأَمَّلَ وَجْهَ وَالِدِهِ فِي الصُّورَةِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، وَتَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَ وَالِدُهُ، فِي سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ وَفَاتِهِ، يُكَرِّرُ عَلَيْهِ دَائِمًا نَفْسَ الْجُمْلَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَزُورُهُ فِيهَا: “مَا بَنَيْنَاهُ يَا وَلَدِي، بَنَيْنَاهُ بِعَرَقِنَا وَذَكَائِنَا، وَلَيْسَ ذَنْبَنَا أَنَّ آخَرِينَ لَمْ يُحْسِنُوا الْمُحَافَظَةَ عَلَى مَا يَمْلِكُونَ.” كَانَ كَمَالُ صَغِيرًا حِينَ سَمِعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَفْهَمْ يَوْمَهَا مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيَّ، لَكِنَّهُ كَبُرَ عَلَيْهَا كَقَاعِدَةٍ لَا تُنَاقَشُ، حَتَّى صَارَتْ جُزْءًا مِنْ نَسِيجِ تَفْكِيرِهِ ذَاتِهِ، عُذْرًا جَاهِزًا لِكُلِّ مَا فَعَلَهُ وَمَا سَيَفْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
لَمْ يَكُنْ كَمَالُ رَجُلًا شِرِّيرًا بِبَسَاطَةٍ فِي نَظَرِ نَفْسِهِ، بَلْ كَانَ يَرَى نَفْسَهُ وَرِيثًا شَرْعِيًّا يُدَافِعُ عَنْ إِرْثٍ عَائِلِيٍّ، حَتَّى وَإِنْ عَرَفَ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ، فِي لَحَظَاتِ الصَّفَاءِ النَّادِرَةِ الَّتِي يَسْمَحُ فِيهَا لِنَفْسِهِ بِالتَّفْكِيرِ الْحَقِيقِيِّ، أَنَّ ذَلِكَ الْإِرْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الدَّمِ وَالظُّلْمِ. كَانَ يَخْتَارُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ، أَنْ يَدْفِنَ ذَلِكَ الشُّعُورَ عَمِيقًا تَحْتَ طَبَقَاتٍ مِنَ التَّبْرِيرِ وَالِانْشِغَالِ بِتَفَاصِيلِ الْعَمَلِ الْيَوْمِيَّةِ، حَتَّى صَارَ بَارِعًا فِي إِقْنَاعِ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ الضَّحِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَا الرِّفَاعِيُّونَ الَّذِينَ اخْتَفَوْا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا الْحَاجُّ تَوْفِيقُ الَّذِي عَاشَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا بِاسْمٍ لَيْسَ اسْمَهُ.
ثُمَّ هَمَسَ لِنَفْسِهِ، كَمَنْ يُبَرِّرُ فِعْلَتَهُ لِمَنْ لَمْ يَعُدْ حَاضِرًا لِيَسْمَعَهُ: “لَنْ أَدَعَ كُلَّ مَا بَنَيْتَهُ يَنْهَارُ بِسَبَبِ وَلَدٍ عَادَ لِتَوِّهِ مِنَ الْغُرْبَةِ يَظُنُّ نَفْسَهُ بَطَلًا.” أَعَادَ الصُّورَةَ إِلَى الدُّرْجِ، وَأَغْلَقَهُ بِإِحْكَامٍ، كَمَنْ يُغْلِقُ بَابًا عَلَى شَيْءٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَاسْتَدَارَ نَحْوَ حَاسُوبِهِ لِيُرَاجِعَ آخِرَ التَّفَاصِيلِ فِي صَفْقَةِ الْهَدْمِ الَّتِي كَانَ يَأْمُلُ أَنْ يُوَقِّعَهَا خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ أَيُّ أَحَدٍ مِنْ إِيقَافِهَا.

شَعَرَتْ يَاسْمِينُ بِنَفْسِ الشُّعُورِ الَّذِي انْتَابَهَا فِي الْمُسْتَوْدَعِ سَابِقًا، ذَلِكَ الْإِحْسَاسُ بِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ صَحَفِيَّةٍ تُوَثِّقُ قِصَّةً مِنَ الْخَارِجِ، بَلْ صَارَتْ جُزْءًا مِنْ نَسِيجِهَا، تَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهَا شَيْئًا مِنْ ثِقَلِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَمْضَتِ الْأَشْهُرَ الْأَخِيرَةَ تُطَارِدُهَا دُونَ أَنْ تَعْرِفَ حَجْمَهَا الْكَامِلَ. نَظَرَتْ إِلَى سَلِيمٍ، رَأَتْ فِي عَيْنَيْهِ خَلِيطًا مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ وَشَيْءٍ آخَرَ أَشْبَهَ بِقُوَّةٍ جَدِيدَةٍ وُلِدَتْ لِتَوِّهَا، قُوَّةٌ يَبْدُو أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ رَحِمِ الْمَعْرِفَةِ الْمُؤْلِمَةِ نَفْسِهَا.
“مَاذَا سَنَفْعَلُ الْآنَ بِكُلِّ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ؟” سَأَلَ رَامِي، مُحَاوِلًا إِعَادَةَ التَّرْكِيزِ إِلَى الْخُطُوَاتِ الْعَمَلِيَّةِ بَعْدَ لَحَظَاتِ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. “لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى الشُّرْطَةِ رَسْمِيًّا بِتَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ وَمِلَفَّاتٍ قَدِيمَةٍ فَقَطْ، وَخَاصَّةً أَنَّ نُفُوذَ كَمَالٍ يَمْتَدُّ إِلَى دَوَائِرَ رَسْمِيَّةٍ عَدِيدَةٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. سَنَحْتَاجُ إِلَى مِزَيدٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُوَثَّقَةِ، وَإِلَى تَوْقِيتٍ دَقِيقٍ لِلْكَشْفِ عَنْهَا.”
“أَوَّلًا، يَجِبُ أَنْ نُخْبِرَ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ بِنَفْسِهِ.” قَالَ سَلِيمٌ بِحَزْمٍ. “لَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَحْتَفِظَ بِهَذِهِ الْمَعْلُومَةِ عَنْهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً أُخْرَى، رَغْمَ كُلِّ الْمَخَاوِفِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا وَالِدِي. هُوَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَتَارِيخَ عَائِلَتِهِ الْحَقِيقِيَّةَ، قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهِ أَحَدٌ آخَرُ بِطَرِيقَةٍ أَقَلَّ رَحْمَةً.”
هَزَّتْ يَاسْمِينُ رَأْسَهَا مُوَافِقَةً. “أَنْتَ مُحِقٌّ. لِنَذْهَبْ إِلَيْهِ الْآنَ، قَبْلَ أَنْ نُفَكِّرَ فِي أَيِّ خُطُوَةٍ أُخْرَى.”
كَانَتْ لَيَانُ لَا تَزَالُ فِي الْبَيْتِ حِينَ رَنَّ هَاتِفُهَا، وَحِينَ رَأَتِ اسْمَ سَلِيمٍ عَلَى الشَّاشَةِ، أَجَابَتْ فَوْرًا بِقَلَقٍ لَمْ يُفَارِقْهَا مُنْذُ الصَّبَاحِ.
“سَلِيمُ! أَخِيرًا! أَيْنَ كُنْتَ؟ حَاوَلْتُ الِاتِّصَالَ بِكَ مِرَارًا!”
جَلَسَتْ لَيَانُ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيبٍ مِنْ هَاتِفِهَا، تُحَاوِلُ تَهْدِئَةَ أَعْصَابِهَا بَعْدَ مُكَالَمَةِ كَمَالٍ الَّتِي زَادَتْ حَيْرَتَهَا بَدَلَ أَنْ تُنْهِيَهَا، حِينَ رَنَّ الْهَاتِفُ مِنْ جَدِيدٍ، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِاسْمِ سَلِيمٍ عَلَى الشَّاشَةِ. تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ، وَمَسَحَتْ يَدَيْهَا الْمُتَعَرِّقَتَيْنِ بِطَرَفِ ثَوْبِهَا قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ، شَاعِرَةً بِتَوَجُّسٍ غَامِضٍ لَا تَعْرِفُ مَصْدَرَهُ بِالضَّبْطِ. “لَيَانُ، اسْمَعِينِي جَيِّدًا.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ حَازِمٍ لَمْ تَعْتَدْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ. “أَحْتَاجُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا مُبَاشِرًا، وَأَحْتَاجُ إِجَابَةً صَادِقَةً تَمَامًا الْآنَ، لَا وَقْتَ لَدَيَّ لِلْمُجَامَلَاتِ. هَلْ وَقَّعْتِ أَيَّ وَرَقَةٍ، أَيَّ تَفْوِيضٍ، أَيَّ اتِّفَاقٍ مَعَ كَمَالٍ دَرْوِيشَ خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ؟”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ، صَمْتٌ ثَقِيلٌ كَفَى وَحْدَهُ لِيُجِيبَ سَلِيمًا قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ أُخْتُهُ بِأَيِّ كَلِمَةٍ.
“لَيَانُ.” كَرَّرَ سَلِيمٌ، وَصَوْتُهُ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْأَلَمُ بِالْغَضَبِ. “أَجِيبِينِي.”
“وَقَّعْتُ.” قَالَتْ لَيَانُ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، مُكَسَّرٍ تَقْرِيبًا. “لَكِنْ لَيْسَ كَمَا تَظُنُّ يَا سَلِيمُ، أَرْجُوكَ اسْتَمِعْ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيَّ.”
“مَاذَا وَقَّعْتِ بِالضَّبْطِ؟”
“تَفْوِيضًا… تَفْوِيضًا يُعْطِي كَمَالًا حَقَّ التَّصَرُّفِ الْمُؤَقَّتِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَمْلَاكِ الْعَائِلَةِ، بِمَا فِيهَا الْبَيْتُ الْقَدِيمُ، بِحُجَّةِ تَسْهِيلِ إِجْرَاءَاتِ صِيَانَةٍ عَاجِلَةٍ كَانَ يَدَّعِي أَنَّ الْبَيْتَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَنْهَارَ جُزْءٌ مِنْ سَقْفِهِ. كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَسَابِيعَ مِنْ عَوْدَتِكَ، حِينَ كُنْتُ وَحِيدَةً تَمَامًا، خَائِفَةً، لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَصَرَّفُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ الْقَانُونِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي مُبَاشَرَةً. جَاءَ كَمَالٌ وَقَدَّمَ نَفْسَهُ كَمَنْ يُرِيدُ فَقَطْ مُسَاعَدَتَنَا، كَصَدِيقٍ قَدِيمٍ لِلْعَائِلَةِ يَحْمِي مَصْلَحَتَنَا، وَأَنَا… أَنَا صَدَّقْتُهُ يَا سَلِيمُ. صَدَّقْتُهُ لِأَنِّي كُنْتُ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ أَثِقُ بِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.”
اِبْتَلَعَ سَلِيمٌ رِيقَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ نَفْسَهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، بَعِيدًا فِي أَلْمَانْيَا، مُنْشَغِلًا بِمَشْرُوعٍ مِعْمَارِيٍّ لَا يَتَذَكَّرُ تَفَاصِيلَهُ الْآنَ، بَيْنَمَا كَانَتْ أُخْتُهُ الصَّغِيرَةُ تُوَاجِعُ وَحِيدَةً كُلَّ تِلْكَ الْأَوْرَاقِ وَالْقَرَارَاتِ الْمَصِيرِيَّةِ بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِمَا. شَعَرَ بِخَجَلٍ عَمِيقٍ خَالَطَ غَضَبَهُ. “لِمَاذَا لَمْ تَتَّصِلِي بِي يَوْمَهَا يَا لَيَانُ؟ كُنْتُ سَآتِي فَوْرًا.”
“وَتَتْرُكَ حَيَاتَكَ كُلَّهَا فِي أَلْمَانْيَا وَتَأْتِيَ رَكْضًا لِأَجْلِ أُخْتٍ لَمْ تَرَهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ؟” قَالَتْ لَيَانُ بِمَرَارَةٍ خَفِيفَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهَا تَمَامًا. “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِنْ كُنْتَ سَتَفْعَلُ ذَلِكَ حَقًّا يَا سَلِيمُ. عِشْرُونَ عَامًا مِنَ الرَّسَائِلِ الْقَصِيرَةِ وَالْمُكَالَمَاتِ الْعَابِرَةِ لَيْسَتْ كَافِيَةً لِأَبْنِيَ ثِقَةً بِأَنَّكَ سَتَتْرُكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِنَا. أَنَا آسِفَةٌ إِنْ كَانَ هَذَا يُؤْلِمُكَ، لَكِنَّهَا الْحَقِيقَةُ الَّتِي شَعَرْتُ بِهَا وَقْتَهَا.”
شَعَرَ سَلِيمٌ بِمَزِيجٍ عَنِيفٍ مِنَ الْغَضَبِ وَالشَّفَقَةِ يَتَصَارَعُ فِي دَاخِلِهِ، لَكِنَّهُ أَجْبَرَ نَفْسَهُ عَلَى الْهُدُوءِ. “لَيَانُ، هَلْ تُدْرِكِينَ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْوِيضَ قَدْ يَمْنَحُ كَمَالًا حَقَّ التَّصَرُّفِ فِي أَمْلَاكِنَا بِطُرُقٍ لَمْ تَتَخَيَّلِيهَا؟ قَدْ يَكُونُ أَسَاسًا قَانُونِيًّا يَسْتَخْدِمُهُ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَجْزَاءَ حَسَّاسَةٍ مِنَ الْبَيْتِ.”
“كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُ اسْتُخْدِمَ لِأَغْرَاضٍ أَوْسَعَ مِمَّا أَخْبَرَنِي بِهِ.” قَالَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ يَكَادُ يَخْتَنِقُ بِالْبُكَاءِ. “لَكِنِّي لَمْ أَجْرُؤْ أَنْ أُخْبِرَكَ، خَوْفًا مِنْ رَدَّةِ فِعْلِكَ، وَخَوْفًا أَيْضًا مِنْ أَنْ يَنْتَقِمَ كَمَالٌ إِنِ اكْتَشَفَ أَنِّي بَدَأْتُ أَشُكُّ فِي نَوَايَاهُ الْحَقِيقِيَّةِ. لَسْتُ خَائِنَةً يَا سَلِيمُ، أُقْسِمُ لَكَ، كُنْتُ فَقَطْ… خَائِفَةً وَوَحِيدَةً جِدًّا فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي لَمْ أَفْهَمْ أَبْعَادَهَا الْحَقِيقِيَّةَ إِلَّا مُؤَخَّرًا.”
تَنَهَّدَ سَلِيمٌ بِعُمْقٍ، وَشَعَرَ فَجْأَةً بِعِبْءِ أُخْتِهِ الَّذِي حَمَلَتْهُ وَحْدَهَا طَوَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، وَذَابَ جُزْءٌ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوَّلِيِّ لِيُفْسِحَ الْمَجَالَ لِتَفَهُّمٍ حَقِيقِيٍّ. “أَنَا لَا أَلُومُكِ، لَيَانُ. أَنَا آسِفٌ لِأَنِّي تَرَكْتُكِ وَحِيدَةً فِي كُلِّ هَذَا طَوَالَ سَنَوَاتٍ. لَكِنِّي أَحْتَاجُ الْآنَ أَنْ نَكُونَ صَرِيحَيْنِ تَمَامًا مَعَ بَعْضِنَا الْبَعْضِ، لَا مَزِيدَ مِنَ الْأَسْرَارِ بَيْنَنَا، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً.”
بَكَتْ لَيَانُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ لِدَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا: “أُوَافِقُ. أَعِدُكَ. لَكِنْ يَا سَلِيمُ، هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ، شَيْءٌ لَمْ أَخْبِرْكَ بِهِ لِأَنِّي خَشِيتُ أَنْ يُحَطِّمَ صُورَتَكَ عَنْ أَبِينَا: فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ، كَانَ أَبِي يَتَصَرَّفُ بِغَرَابَةٍ شَدِيدَةٍ، يَخْرُجُ لَيْلًا دُونَ تَفْسِيرٍ، وَيَعُودُ مُتَوَتِّرًا، وَذَاتَ مَرَّةٍ سَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ فِي الْهَاتِفِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، يَقُولُ لِشَخْصٍ مَا: ‘لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَحْمِيَ الْجَمِيعَ إِلَى الْأَبَدِ.’ لَمْ أَفْهَمْ حِينَهَا مَاذَا كَانَ يَعْنِي، لَكِنِّي أَظُنُّ الْآنَ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ.”
اِلْتَفَتَ سَلِيمٌ نَحْوَ رَامِي وَيَاسْمِينَ الْجَالِسَيْنِ فِي السَّيَّارَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتَّجِهُ الْآنَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ بَيْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، وَأَخْبَرَهُمَا بِإِيجَازٍ بِمَا قَالَتْهُ لَيَانُ. تَبَادَلَا نَظْرَةً قَلِقَةً، وَضَغَطَ رَامِي عَلَى دَوَّاسَةِ الْبَنْزِينِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ.
“لَيَانُ، سَنَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدَ قَلِيلٍ، ابْقَيْ هُنَاكَ وَلَا تَفْتَحِي الْبَابَ لِأَحَدٍ لَا تَعْرِفِينَهُ.” قَالَ سَلِيمٌ قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ الْمُكَالَمَةَ، وَشَعَرَ بِطَمَأْنِينَةٍ غَرِيبَةٍ رَغْمَ كُلِّ التَّوَتُّرِ: عَلَى الْأَقَلِّ، لَمْ يَعُدْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُخْتِهِ سِرٌّ يَفْصِلُهُمَا.

طَوَالَ الطَّرِيقِ، ظَلَّ سَلِيمٌ يُحَدِّقُ مِنَ النَّافِذَةِ فِي شَوَارِعِ الْحَيِّ الَّتِي بَدَأَ يَعْرِفُهَا مِنْ جَدِيدٍ رُغْمَ غِيَابِهِ الطَّوِيلِ، شَوَارِعُ رَآهَا الْآنَ بِعَيْنَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ تَمَامًا عَنْ عَيْنَيْهِ حِينَ عَادَ إِلَيْهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ: لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ ذِكْرَيَاتِ طُفُولَةٍ بَعِيدَةٍ، بَلْ صَارَتْ مَسْرَحًا حَيًّا لِجَرِيمَةٍ لَمْ تُغْلَقْ بَعْدُ، وَشُهُودًا صَامِتِينَ عَلَى ظُلْمٍ اسْتَمَرَّ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ أَحَدٌ عَلَى كَسْرِ صَمْتِهِ. تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يُهَدِّئَ مِنْ خَفَقَانِ قَلْبِهِ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ التَّسَارُعِ مُنْذُ سَاعَةٍ كَامِلَةٍ.
وَصَلَتِ السَّيَّارَةُ إِلَى الْحَارَةِ الضَّيِّقَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى بَيْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بَعْدَ عِشْرِينَ دَقِيقَةً مِنَ الْقِيَادَةِ الْمُتَوَتِّرَةِ، وَتَرَجَّلَ الثَّلَاثَةُ مُسْرِعِينَ نَحْوَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ الَّذِي كَانَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عَرَفَهُ سَلِيمٌ، مَفْتُوحًا عَلَى مِصْرَاعَيْهِ.
“الْحَاجُّ تَوْفِيقُ!” نَادَى سَلِيمٌ وَهُوَ يَنْدَفِعُ إِلَى الدَّاخِلِ، لَكِنَّ الصَّمْتَ وَحْدَهُ كَانَ يُجِيبُهُ.
كَانَ الْبَيْتُ فِي حَالَةِ فَوْضَى عَارِمَةٍ: كُرْسِيٌّ مَقْلُوبٌ، فِنْجَانُ قَهْوَةٍ مَكْسُورٌ عَلَى الْأَرْضِ، بِقَعُ سَائِلٍ دَاكِنَةٍ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُ طَبِيعَتِهَا بِوُضُوحٍ فِي الْإِضَاءَةِ الْخَافِتَةِ، وَآثَارُ صِرَاعٍ وَاضِحَةٍ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنَ الْغُرْفَةِ الرَّئِيسِيَّةِ. رَاحَتِ الرِّيحُ الْخَفِيفَةُ الدَّاخِلَةُ مِنَ النَّافِذَةِ الْمَكْسُورَةِ تُحَرِّكُ سِتَارَةً بَيْضَاءَ رَقِيقَةً بِبُطْءٍ، فِي مَشْهَدٍ بَدَا لِسَلِيمٍ أَشْبَهَ بِمَسْرَحِ جَرِيمَةٍ مِنْ أَفْلَامٍ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَعِيشُ مِثْلَهَا فِي بَيْتٍ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، بَيْتٍ شَرِبَ فِيهِ الشَّايَ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ فِيهِ بِدِفْءٍ عَائِلِيٍّ افْتَقَدَهُ طَوِيلًا.
اقْتَرَبَتْ يَاسْمِينُ مِنْ رَفٍّ خَشَبِيٍّ صَغِيرٍ عَلَى الْجِدَارِ، حَيْثُ كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ يَحْتَفِظُ بِصُوَرٍ عَائِلِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَلَاحَظَتْ أَنَّ إِطَارًا وَاحِدًا فَقَطْ قَدْ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَكَسَّرَ زُجَاجُهُ: صُورَةٌ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ لِطِفْلٍ صَغِيرٍ يَقِفُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ يَرْتَدِيَانِ مَلَابِسَ تَعُودُ لِحِقْبَةٍ بَعِيدَةٍ. تَجَمَّدَتْ يَاسْمِينُ لِلَحْظَةٍ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الصُّورَةِ، مُدْرِكَةً الْآنَ، بَعْدَ مَا سَمِعَتْهُ لِتَوِّهَا فِي التَّسْجِيلِ، أَنَّ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ فِي الصُّورَةِ لَيْسَا وَالِدَيِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ كَمَا كَانَ يَظُنُّ طَوَالَ حَيَاتِهِ، بَلْ عَائِلَتُهُ بِالتَّبَنِّي الَّتِي رَبَّتْهُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُرَوِّعَةِ.
“سَلِيمُ.” قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، رَافِعَةً الصُّورَةَ بِحَذَرٍ. “انْظُرْ إِلَى هَذَا. لَا أَظُنُّ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ يَعْرِفُ حَتَّى الْآنَ أَنَّ وَجْهَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَجْهَ عَائِلَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، رُبَّمَا كَانَ مَحْفُوظًا فِي مَكَانٍ مَا طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، فِي وَثَائِقِ وَالِدِكَ الَّتِي جَمَعْنَاهَا لِتَوِّنَا.” عَلَى الطَّاوِلَةِ، حَيْثُ اعْتَادَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ أَنْ يَجْلِسَ يَسْتَقْبِلُ ضُيُوفَهُ، كَانَتْ ثَمَّةَ وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ مَوْضُوعَةٌ بِعِنَايَةٍ، كَأَنَّ مَنْ تَرَكَهَا حَرَصَ أَلَّا تُفْقَدَ أَوْ تَتَبَعْثَرَ وَسْطَ فَوْضَى الِاقْتِحَامِ.
اقْتَرَبَ رَامِي مِنَ الْوَرَقَةِ بِحَذَرِهِ الْمِهَنِيِّ الْمُعْتَادِ، مُتَجَنِّبًا لَمْسَهَا مُبَاشَرَةً، وَقَرَأَهَا بِصَوْتٍ عَالٍ لِلْآخَرَيْنِ:
“سَلِيمُ مُرَادٍ: الْحَاجُّ تَوْفِيقُ بِأَمَانٍ حَتَّى الْآنَ. سَيَبْقَى كَذَلِكَ إِنِ الْتَزَمْتَ بِمَا يَلِي: تَوَقَّفْ عَنْ كُلِّ تَحَرُّكٍ يَتَعَلَّقُ بِمِلَفِّ وَالِدِكَ، وَسَلِّمْ كُلَّ الْوَثَائِقِ الَّتِي حَصَلْتَ عَلَيْهَا خِلَالَ الْأُسْبُوعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. أَمَامَكَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً بِالضَّبْطِ. لَنْ تَتَكَرَّرَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ، وَلَنْ يَتَكَرَّرَ هَذَا التَّحْذِيرُ.”
اِرْتَجَفَتْ يَدُ سَلِيمٍ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي الْوَرَقَةِ، وَشَعَرَ بِمَزِيجٍ مِنَ الْغَضَبِ الْعَارِمِ وَالْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى حَيَاةِ رَجُلٍ عَجُوزٍ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْحِكَايَةِ سِوَى أَنَّهُ وُلِدَ لِعَائِلَةٍ وَقَفَتْ يَوْمًا فِي طَرِيقِ رَجُلٍ طَامِعٍ. طَوَى الْوَرَقَةَ بِحَذَرٍ، وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِهِ، كَشَاهِدٍ مَادِّيٍّ عَلَى جَرِيمَةٍ جَدِيدَةٍ تُضَافُ إِلَى سِجِلٍّ طَوِيلٍ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي بَدَأَ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا وَلَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ.
بَيْنَمَا كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَتَفَحَّصُونَ آثَارَ الِاقْتِحَامِ، سُمِعَ صَوْتُ طَرْقٍ خَفِيفٍ عَلَى الْبَابِ الْمَفْتُوحِ أَصْلًا، وَظَهَرَتِ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ فِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهَا تَقْرِيبًا، جَارَةُ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ مِنْ الْبَيْتِ الْمُقَابِلِ، وَعَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ قَلَقٍ وَخَوْفٍ حَقِيقِيَّيْنِ.
“يَا وَلَدِي.” قَالَتِ الْعَجُوزُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ، مُتَوَجِّهَةً بِكَلَامِهَا نَحْوَ سَلِيمٍ دُونَ أَنْ تَعْرِفَهُ بِالِاسْمِ. “رَأَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ نَافِذَتِي مُنْذُ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا. سَيَّارَةٌ بَيْضَاءُ صَغِيرَةٌ، لَيْسَتْ مِنْ سَيَّارَاتِ الْحَيِّ الْمَعْرُوفَةِ، تَوَقَّفَتْ أَمَامَ الْبَابِ، وَنَزَلَ مِنْهَا رَجُلَانِ يَرْتَدِيَانِ ثِيَابًا عَادِيَّةً، لَا يَبْدُوَانِ خَطِرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، دَخَلَا وَخَرَجَا بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ وَبَيْنَهُمَا الْحَاجُّ تَوْفِيقُ، يَبْدُو مُرْتَبِكًا، يَمْشِي بِصُعُوبَةٍ، وَكَأَنَّهُمَا يُسَانِدَانِهِ كَمَرِيضٍ لَا يَخْطِفَانِهِ.”
اقْتَرَبَتْ يَاسْمِينُ مِنَ الْعَجُوزِ بِلُطْفٍ، وَسَأَلَتْهَا بِهُدُوءٍ مِهَنِيٍّ رَغْمَ التَّوَتُّرِ الْبَادِي عَلَيْهَا، مُحَاوِلَةً أَنْ تُبْقِيَ صَوْتَهَا هَادِئًا كَيْ لَا تُخِيفَ الْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ الَّتِي بَدَتْ مُرْتَجِفَةً بِمَا يَكْفِي بِالْفِعْلِ. “هَلْ لَاحَظْتِ أَيَّةَ عَلَامَةٍ عَلَى السَّيَّارَةِ؟ لَوْحَةَ تَرْخِيصٍ، أَوْ شِعَارًا، أَيَّ شَيْءٍ قَدْ يُسَاعِدُنَا؟”
فَكَّرَتِ الْعَجُوزُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ: “لَا أَذْكُرُ رَقْمَ اللَّوْحَةِ يَا ابْنَتِي، بَصَرِي لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ، لَكِنِّي أَذْكُرُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مُلْصَقًا صَغِيرًا عَلَى الزُّجَاجِ الْخَلْفِيِّ، شَيْئًا يُشْبِهُ شِعَارَ شَرِكَةٍ، رَسْمَةَ بُرْجٍ أَوْ مَبْنًى بِلَوْنٍ ذَهَبِيٍّ.”
تَبَادَلَ سَلِيمٌ وَرَامِي نَظْرَةً سَرِيعَةً؛ فَشِعَارُ “أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ” الَّذِي رَآهُ سَلِيمٌ عَلَى دَعْوَةِ الْعَشَاءِ الرَّسْمِيَّةِ كَانَ بِرْجًا ذَهَبِيَّ اللَّوْنِ بِالضَّبْطِ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِنَبْضَةِ أَمَلٍ صَغِيرَةٍ تَسْرِي فِي صَدْرِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَصَلُوا إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الْمُنْتَهَكِ؛ أَخِيرًا، كَانَ لَدَيْهِمْ خَيْطٌ مَلْمُوسٌ يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ، لَا مُجَرَّدَ افْتِرَاضَاتٍ وَحَدْسٍ.
“شَكْرًا لَكِ يَا خَالَتِي.” قَالَ رَامِي بِاحْتِرَامٍ، مُقَدِّمًا لَهَا بِطَاقَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ. “إِنْ تَذَكَّرْتِ أَيَّ تَفْصِيلٍ آخَرَ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا، اتَّصِلِي بِي فَوْرًا عَلَى هَذَا الرَّقْمِ.”
اِنْصَرَفَتِ الْعَجُوزُ بَعْدَ أَنْ دَعَتْ لِلْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِالسَّلَامَةِ بِعِبَارَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ وَحْدَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى وَسَطَ فَوْضَى الْبَيْتِ الْمُنْتَهَكِ.
“إِذَنْ.” قَالَ رَامِي بِجَدِّيَّةٍ، وَهُوَ يُدَوِّنُ مُلَاحَظَاتٍ سَرِيعَةً فِي دَفْتَرِهِ الصَّغِيرِ. “لَدَيْنَا الْآنَ خَيْطٌ حَقِيقِيٌّ: سَيَّارَةٌ تَحْمِلُ شِعَارَ شَرِكَةِ كَمَالٍ نَفْسِهِ، مَا يُؤَكِّدُ صِلَتَهُ الْمُبَاشِرَةَ بِالْخَطْفِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَنْ يَتْرُكَ بِالطَّبْعِ أَيَّ أَثَرٍ رَسْمِيٍّ يَرْبِطُهُ شَخْصِيًّا بِالْعَمَلِيَّةِ. سَأَتَحَقَّقُ مِنْ سَجِلَّاتِ سَيَّارَاتِ الشَّرِكَةِ فَوْرَ عَوْدَتِنَا، وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ حَلِيفَنَا، فَقَدْ نَجِدُ أَيَّةَ كَامِيرَا مُرَاقَبَةٍ فِي الشَّارِعِ الرَّئِيسِيِّ سَجَّلَتْ مَسَارَ السَّيَّارَةِ بَعْدَ مُغَادَرَتِهَا.”
“لَنْ نَسْتَسْلِمَ.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ مِنَ الْغَضَبِ لَا مِنَ الْخَوْفِ. “لَكِنَّنَا لَنْ نَتْرُكَ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ فِي خَطَرٍ أَيْضًا. يَجِبُ أَنْ نَجِدَ مَكَانَ احْتِجَازِهِ خِلَالَ هَذِهِ السَّاعَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ، بِأَيِّ ثَمَنٍ.”
فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ حَزْمًا مِهَنِيًّا وَاضِحًا: “أَقْتَرِحُ أَنْ أُحَضِّرَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَقَالًا كَامِلًا يَحْتَوِي عَلَى كُلِّ مَا نَعْرِفُهُ حَتَّى الْآنَ، جَاهِزًا لِلنَّشْرِ الْفَوْرِيِّ، لَكِنْ لَنْ أَنْشُرَهُ إِلَّا إِذَا حَدَثَ لِأَحَدِنَا مَكْرُوهٌ، أَوْ إِذَا لَمَسْنَا أَيَّ تَصْعِيدٍ خَطِيرٍ مِنْ جَانِبِ كَمَالٍ. سَأَتْرُكُ نُسْخَةً مَعَ رَئِيسِ تَحْرِيرِي، بِتَعْلِيمَاتٍ وَاضِحَةٍ لِنَشْرِهَا تِلْقَائِيًّا إِنْ لَمْ أَتَّصِلْ بِهِ خِلَالَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَاعَةً. هَذَا سَيَكُونُ دِرْعًا إِضَافِيًّا لَنَا جَمِيعًا، فَكَمَالٌ لَنْ يُخَاطِرَ بِتَصْعِيدِ الْأَمْرِ إِنْ عَرَفَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ سَتُنْشَرُ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ.”
اِسْتَحْسَنَ رَامِي الْفِكْرَةَ فَوْرًا. “هَذَا ذَكِيٌّ جِدًّا يَا يَاسْمِينُ. سَأَفْعَلُ شَيْئًا مُشَابِهًا مِنْ جِهَتِي: سَأَكْتُبُ تَقْرِيرًا رَسْمِيًّا بِكُلِّ مَا اكْتَشَفْنَاهُ، وَأُودِعُهُ لَدَى ضَابِطٍ أَثِقُ بِهِ خَارِجَ نِطَاقِ سُلْطَةِ كَمَالٍ وَنُفُوذِهِ، مَعَ تَعْلِيمَاتٍ بِفَتْحِهِ إِنْ لَمْ أَتَّصِلْ بِهِ خِلَالَ نَفْسِ الْمُهْلَةِ.”
اِلْتَفَتَتْ لَيَانُ نَحْوَهُمَا بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ بِإِعْجَابٍ مُفَاجِئٍ رَغْمَ كُلِّ الْخَوْفِ الَّذِي كَانَتْ تَشْعُرُ بِهِ. “أَشْعُرُ الْآنَ أَنَّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ حَقًّا، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.” قَالَتْ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ بَصِيصَ أَمَلٍ حَقِيقِيٍّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَاعَاتٍ. “أَبِي كَانَ مُحِقًّا حِينَ وَثِقَ بِكُمَا.”
نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَيْهَا بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ، ثُمَّ اسْتَدَارَ نَحْوَ رَامِي. “حَسَنًا، مَاذَا عَنِ الْخُطُوَةِ الْأُولَى الْعَمَلِيَّةِ؟ مِنْ أَيْنَ نَبْدَأُ بَحْثَنَا؟”
أَخْرَجَ رَامِي هَاتِفَهُ وَبَدَأَ يُدَوِّنُ قَائِمَةً سَرِيعَةً. “أَوَّلًا، سَأَتَّصِلُ بِزَمِيلٍ فِي إِدَارَةِ الْمُرُورِ لِتَتَبُّعِ كَامِيرَاتِ الطُّرُقِ الرَّئِيسِيَّةِ الْمُحِيطَةِ بِالْحَيِّ خِلَالَ السَّاعَةِ الْمَاضِيَةِ. ثَانِيًا، سَأُرَاجِعُ سِجِلَّ الْعَقَارَاتِ الْمُسَجَّلَةِ بِاسْمِ شَرِكَةِ ‘أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ’ أَوْ أَيِّ شَرِكَةٍ تَابِعَةٍ لَهَا، خَاصَّةً تِلْكَ الْوَاقِعَةَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ أَوْ فِي مَنَاطِقَ نَائِيَةٍ. ثَالِثًا، وَهَذَا الْأَهَمُّ رُبَّمَا، سَنَحْتَاجُ أَنْ نَتَظَاهَرَ أَمَامَ كَمَالٍ بِأَنَّنَا نَفْكِّرُ فِعْلًا فِي الِاسْتِسْلَامِ لِمَطَالِبِهِ، لِنَكْسِبَ وَقْتًا إِضَافِيًّا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ سَاعَةً وَاحِدَةً فَقَطْ.”
هَزَّ سَلِيمٌ رَأْسَهُ مُوَافِقًا، رَغْمَ أَنَّ فِكْرَةَ التَّظَاهُرَ بِالِاسْتِسْلَامِ أَمَامَ الرَّجُلِ الَّذِي دَمَّرَ عَائِلَتَهُ كَانَتْ تُثِيرُ فِي دَاخِلِهِ اشْمِئْزَازًا حَقِيقِيًّا، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ حَيَاةَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ كَانَتْ أَهَمَّ مِنْ كِبْرِيَائِهِ الشَّخْصِيِّ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
نَظَرَ رَامِي إِلَيْهِ بِجَدِّيَّةٍ بَالِغَةٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الْعَزْمُ الَّذِي رَآهُ سَلِيمٌ فِيهِمَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْمُسْتَوْدَعِ. “إِذَنْ لَمْ يَعُدْ أَمَامَنَا وَقْتٌ لِلْحُزْنِ أَوِ التَّرَدُّدِ يَا سَلِيمُ. عَلَيْنَا أَنْ نَتَحَرَّكَ الْآنَ، بِكُلِّ مَا نَمْلِكُ.”
وَقَفَتْ يَاسْمِينُ صَامِتَةً وَسَطَ فَوْضَى الْبَيْتِ الْمُنْتَهَكِ، تَنْظُرُ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَاثِرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَخُصُّ رَجُلًا عَجُوزًا طَيِّبًا لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُدْفَعَ ثَمَنَ حَقِيقَةٍ لَمْ يَخْتَرْهَا يَوْمًا، وَشَعَرَتْ أَنَّ السَّاعَاتِ الْأَرْبَعَ وَالْعِشْرِينَ الْقَادِمَةَ سَتَكُونُ أَطْوَلَ سَاعَاتٍ فِي حَيَاتِهِمْ جَمِيعًا.
بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، وَصَلَتْ لَيَانُ إِلَى الْبَيْتِ لَاهِثَةً، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَلَّتْ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ فَوْرَ إِنْهَاءِ مُكَالَمَتِهَا مَعَ سَلِيمٍ، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْبَيْتِ وَحِيدَةً وَهِيَ تَعْرِفُ أَنَّ أَخَاهَا يَتَّجِهُ نَحْوَ خَطَرٍ مُحْتَمَلٍ. تَوَقَّفَتْ عِنْدَ الْبَابِ، وَحِينَ رَأَتْ فَوْضَى الْبَيْتِ، وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَمِهَا بِذُعْرٍ.
“يَا إِلَهِي.” هَمَسَتْ، وَتَقَدَّمَتْ نَحْوَ أَخِيهَا بِخُطُوَاتٍ مُتَرَنِّحَةٍ. “سَلِيمُ، أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا، لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، لَمَا وَقَّعْتُ تِلْكَ الْوَرَقَةَ اللَّعِينَةَ أَبَدًا.”
فَتَحَ سَلِيمٌ ذِرَاعَيْهِ، وَاحْتَضَنَ أُخْتَهُ بِقُوَّةٍ، شَاعِرًا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنَّهُمَا يَقِفَانِ حَقًّا عَلَى الْجَانِبِ نَفْسِهِ، لَا مُنْفَصِلَيْنِ بِسِنِينَ الْغُرْبَةِ وَلَا بِأَسْرَارٍ صَغِيرَةٍ مُتَرَاكِمَةٍ. “لَسْتِ الْمُذْنِبَةَ يَا لَيَانُ. كَمَالٌ هُوَ مَنِ اسْتَغَلَّ ضَعْفَنَا جَمِيعًا، أَنَا الْغَائِبُ عِشْرِينَ عَامًا، وَأَنْتِ الْوَحِيدَةُ الَّتِي بَقِيَتْ تُوَاجِهُ كُلَّ شَيْءٍ بِمُفْرَدِهَا. الْيَوْمَ، سَنُوَاجِهُهُ مَعًا.”
نَظَرَتْ لَيَانُ نَحْوَ يَاسْمِينَ وَرَامِي بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ يَرْتَجِفُ قَلِيلًا: “مَاذَا نَفْعَلُ الْآنَ؟”
نَظَرَ رَامِي إِلَى سَاعَتِهِ، ثُمَّ إِلَى الْوَرَقَةِ الَّتِي لَا تَزَالُ فِي يَدِهِ. “أَمَامَنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةٍ لِنَجِدَ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ. سَنَبْدَأُ بِتَعَقُّبِ سَيَّارَاتِ الشَّرِكَةِ، وَسَنُرَاجِعُ كُلَّ عَقَارٍ يَمْلِكُهُ كَمَالٌ أَوْ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ، مُرَكِّزِينَ عَلَى الْأَمَاكِنِ الْمَعْزُولَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُخْفِيَ فِيهَا رَجُلًا دُونَ أَنْ يَلْفِتَ انْتِبَاهًا. لَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ سَهْلًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا.”
جَلَسَتْ لَيَانُ عَلَى الْأَرِيكَةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي نَجَتْ مِنَ الْفَوْضَى دُونَ أَنْ تَنْقَلِبَ، وَأَخَذَتْ تُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ الْمَكْسُورَةِ الَّتِي وَجَدَتْهَا يَاسْمِينُ عَلَى الْأَرْضِ، صُورَةُ ذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي أَصْبَحَ فِيمَا بَعْدُ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ. “طَوَالَ حَيَاتِي وَأَنَا أُنَادِيهِ عَمَّ تَوْفِيقَ، أَجْلِسُ فِي حِجْرِهِ صَغِيرَةً، يُعَلِّمُنِي أَسْمَاءَ الطُّيُورِ فِي حَدِيقَتِهِ الصَّغِيرَةِ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ كُلَّ هَذَا الْأَلَمِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ حَتَّى هُوَ نَفْسُهُ بِوُجُودِهِ.” قَالَتْ بِصَوْتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْحُزْنُ بِنَوْعٍ مِنَ الدَّهْشَةِ الْوُجُودِيَّةِ العَمِيقَةِ. “كَمْ مِنَ النَّاسِ يَعِيشُونَ حَوْلَنَا يَا سَلِيمُ، يَحْمِلُونَ حَقَائِقَ لَا يَعْرِفُونَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ؟”
لَمْ يَجِدْ سَلِيمٌ جَوَابًا شَافِيًا لِسُؤَالِ أُخْتِهِ، فَاكْتَفَى بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى كَتِفِهَا بِصَمْتٍ دَاعِمٍ. كَانَ يُفَكِّرُ هُوَ نَفْسُهُ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ، لَكِنْ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا: كَمْ مِنَ الْحَقَائِقِ لَا يَزَالُ يَجْهَلُهَا هُوَ عَنْ عَائِلَتِهِ الْخَاصَّةِ، عَنْ ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الثَّالِثِ الَّذِي لَمْ يَجْرُؤْ بَعْدُ عَلَى فَتْحِهِ، ذَلِكَ الَّذِي وَصَفَهُ وَالِدُهُ بِأَنَّهُ “الْأَخْطَرُ”؟ شَعَرَ بِقَشْعَرِيرَةٍ خَفِيفَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ، وَقَرَّرَ أَنْ يُؤَجِّلَهَا جَانِبًا الْآنَ، فَالْأَوْلَوِيَّةُ الْقُصْوَى كَانَتْ إِنْقَاذَ حَيَاةِ رَجُلٍ عَجُوزٍ لَا تَزَالُ سَاعَاتُهُ مَعْدُودَةً.
وَقَفَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ يَتَأَمَّلُ وُجُوهَ مَنْ حَوْلَهُ: أُخْتُهُ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا أَخِيرًا شَرِيكَةً لَا خَصْمًا، وَيَاسْمِينُ الَّتِي بَاتَتْ أَقْرَبَ إِلَى قَلْبِهِ مِمَّا كَانَ يَتَوَقَّعُ حِينَ الْتَقَاهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَرَامِي الَّذِي تَحَوَّلَ مِنْ ضَابِطٍ رَسْمِيٍّ حَذِرٍ إِلَى حَلِيفٍ حَقِيقِيٍّ يُخَاطِرُ بِمَنْصِبِهِ مِنْ أَجْلِ الْحَقِيقَةِ. شَعَرَ، رَغْمَ كُلِّ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ الَّذِي يَحْمِلُهُ، أَنَّ وَالِدَهُ لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا حِينَ وَثِقَ بِهَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ، وَأَنَّ الْمَعْرَكَةَ الَّتِي بَدَأَهَا عَبْدُ الْكَرِيمُ مُرَادٌ وَحْدَهُ لَنْ تُخَاضَ الْآنَ فِي وَحْدَةٍ.
“لِنَذْهَبْ إِذَنْ.” قَالَ بِصَوْتٍ حَازِمٍ، وَخَرَجَ الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْبَيْتِ الْمُنْتَهَكِ نَحْوَ السَّيَّارَةِ، بَيْنَمَا كَانَتِ الشَّمْسُ تَبْدَأُ فِي الْمَيْلِ نَحْوَ الْغُرُوبِ، مُؤْذِنَةً بِبِدَايَةِ سِبَاقٍ مَعَ الزَّمَنِ لَنْ يَنْتَهِيَ إِلَّا بِإِنْقَاذِ رَجُلٍ عَجُوزٍ لَمْ يَعْرِفْ يَوْمًا أَنَّ اسْمَهُ الْحَقِيقِيَّ كَانَ الرِّفَاعِيَّ، لَا تَوْفِيقًا، وَأَنَّ صَمْتَ عُمْرٍ كَامِلٍ كَانَ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَنْكَشِفَ أَخِيرًا.
قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ سَلِيمٌ السَّيَّارَةَ، تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ، وَالْتَفَتَ نَحْوَ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ خَلْفَهُ، وَشَعَرَ بِرَغْبَةٍ غَرِيبَةٍ فِي التَّحَدُّثِ إِلَى الْمَكَانِ نَفْسِهِ، كَأَنَّ الْجُدْرَانَ الْقَدِيمَةَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَحْمِلَ رِسَالَةً إِلَى صَاحِبِهَا أَيْنَمَا كَانَ. “سَنَعُودُ بِكَ يَا حَاجُّ.” هَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ. “أَقْسِمُ لَكَ بِذَلِكَ.”
اِنْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ فِي الشَّوَارِعِ الضَّيِّقَةِ الْمُتَعَرِّجَةِ لِلْحَيِّ الْقَدِيمِ، وَجَلَسَ الْأَرْبَعَةُ فِي صَمْتٍ ثَقِيلٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، كُلٌّ مِنْهُمْ غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ الْخَاصَّةِ، إِلَى أَنْ كَسَرَتْ يَاسْمِينُ الصَّمْتَ بِسُؤَالٍ لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى طَرْحِهِ صَرَاحَةً حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ:
“هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ كَمَالًا سَيَفِي بِوَعْدِهِ فِعْلًا؟ أَعْنِي، إِنْ سَلَّمْنَاهُ الْوَثَائِقَ فِعْلًا، هَلْ سَيُطْلِقُ سَرَاحَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ حَقًّا، أَمْ أَنَّ هَذَا كُلُّهُ فَخٌّ أَكْبَرُ مِمَّا نَتَخَيَّلُ؟”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي السَّيَّارَةِ بَعْدَ هَذَا السُّؤَالِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَعْرِفُ، دُونَ أَنْ يَقُولَهَا بِصَوْتٍ عَالٍ، أَنَّ الْإِجَابَةَ الصَّادِقَةَ لَا تَبْعَثُ عَلَى الِاطْمِئْنَانِ.
“لَا.” قَالَ رَامِي أَخِيرًا بِصَرَاحَةٍ لَمْ يَتَرَدَّدْ فِيهَا. “رَجُلٌ وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ مِنَ التَّصْعِيدِ، خَطْفُ عَجُوزٍ وَتَهْدِيدٌ صَرِيحٌ بِرِسَالَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَنْ يَتَوَقَّفَ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ عَلَى الْوَثَائِقِ. سَيُرِيدُ التَّخَلُّصَ مِنْ كُلِّ شَاهِدٍ حَيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَدَّثَ يَوْمًا. لِهَذَا بِالضَّبْطِ يَجِبُ أَلَّا نُفَكِّرَ فِي التَّسْلِيمِ الْفِعْلِيِّ لِلْوَثَائِقِ أَبَدًا، بَلْ فِي إِيجَادِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِأَنْفُسِنَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُهْلَةِ.”
نَظَرَ سَلِيمٌ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى أَضْوَاءِ الْمَدِينَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تُضَاءُ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ مَعَ اقْتِرَابِ الْمَسَاءِ، وَشَعَرَ بِثِقَلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ يَجْثُمُ عَلَى صَدْرِهِ كَحَجَرٍ ضَخْمٍ. لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بَعْدَ الْآنَ مُجَرَّدَ بَحْثٍ عَنِ الْحَقِيقَةِ حَوْلَ مَوْتِ وَالِدِهِ، بَلْ صَارَ سِبَاقًا حَقِيقِيًّا مَعَ الزَّمَنِ لِإِنْقَاذِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ بَرِيءٍ، إِنْسَانٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَتَّى الْأَمْسِ الْقَرِيبِ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ حِكَايَةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ يَوْمًا.
“سَنَجِدُهُ.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنْ حَازِمٍ، أَقْرَبَ إِلَى وَعْدٍ يَقْطَعُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ إِلَى تَأْكِيدٍ لِمَنْ حَوْلَهُ. “لَنْ نَسْمَحَ لِعِزَّتِ دَرْوِيشَ أَنْ يَنْتَصِرَ مَرَّتَيْنِ عَلَى نَفْسِ الْعَائِلَةِ، بَعْدَ خَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.” وَضَعَتْ يَاسْمِينُ يَدَهَا فَوْقَ يَدِهِ بِصَمْتٍ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِدِفْءٍ غَرِيبٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ وَسَطَ كُلِّ هَذَا الْبَرْدِ الَّذِي حَمَلَتْهُ الْحَقِيقَةُ، دِفْءٌ صَغِيرٌ لَكِنَّهُ كَافٍ لِيُذَكِّرَهُ أَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، وَأَنَّ اللَّيْلَةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي تَنْتَظِرُهُمْ لَنْ يُوَاجِهَهَا بِمُفْرَدِهِ.
اِسْتَمَرَّتِ السَّيَّارَةُ فِي طَرِيقِهَا نَحْوَ مَكْتَبِ رَامِي الرَّسْمِيِّ، حَيْثُ كَانُوا يَنْوُونَ الْبَدْءَ فِي التَّحْقِيقِ الْمُكَثَّفِ عَنْ مَكَانِ احْتِجَازِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَقَارِبُ السَّاعَةِ تَمْضِي بِلَا رَحْمَةٍ نَحْوَ نِهَايَةِ الْمُهْلَةِ الَّتِي مَنَحَهَا كَمَالٌ لِسَلِيمٍ، أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً كَانَتْ تَبْدُو الْآنَ أَقْصَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ تَبْدُو عَلَيْهِ حِينَ قَرَؤُوا الرِّسَالَةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. نَظَرَ سَلِيمٌ إِلَى انْعِكَاسِ وَجْهِهِ فِي زُجَاجِ النَّافِذَةِ، وَجْهٌ بَدَا لَهُ أَكْبَرَ سِنًّا بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ صَبَاحَ هَذَا الْيَوْمِ نَفْسِهِ، وَتَسَاءَلَ فِي دَخِيلَةِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي سَيَعُودُ بِهِ إِلَى أَلْمَانْيَا يَوْمًا مَا، إِنْ عَادَ أَصْلًا، سَيَظَلُّ هُوَ نَفْسَ الرَّجُلِ الَّذِي غَادَرَهَا قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، أَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَدِينَةَ، بِكُلِّ أَسْرَارِهَا وَجِرَاحِهَا الْقَدِيمَةِ، قَدْ غَيَّرَتْهُ إِلَى الْأَبَدِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ

وَصَلَ الْأَرْبَعَةُ إِلَى مَكْتَبِ رَامِي الرَّسْمِيِّ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، مَكْتَبٌ صَغِيرٌ فِي مُلْحَقِ مُخْتَبِرٍ جِنَائِيٍّ كَانَ رَامِي يَسْتَخْدِمُهُ نَادِرًا، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ زُمَلَائِهِ الرَّسْمِيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ يَثِقُ بِجَمِيعِهِمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْحَسَّاسَةِ. كَانَتِ الْغُرْفَةُ ضَيِّقَةً، مُكْتَظَّةً بِخِزَانَاتِ مِلَفَّاتٍ قَدِيمَةٍ وَشَاشَاتِ مُرَاقَبَةٍ مُطْفَأَةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّهَا كَانَتِ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي شَعَرَ فِيهِ رَامِي بِأَمَانٍ كَافٍ لِمُنَاقَشَةِ خُطُوَاتِهِمُ التَّالِيَةِ. أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُمْ بِإِحْكَامٍ، وَبَدَأَ فَوْرًا فِي فَتْحِ حَاسُوبِهِ الْمَحْمُولِ، أَصَابِعُهُ تَتَحَرَّكُ بِسُرْعَةٍ عَلَى لَوْحَةِ الْمَفَاتِيحِ وَهُوَ يَصِلُ إِلَى قَاعِدَةِ بَيَانَاتٍ رَسْمِيَّةٍ لِسِجِلَّاتِ الْعَقَارَاتِ.
جَلَسَتْ يَاسْمِينُ فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، تُرَاجِعُ عَلَى هَاتِفِهَا مُلَاحَظَاتِهَا الصَّحَفِيَّةَ الْقَدِيمَةَ عَنْ نُفُوذِ كَمَالٍ الْعَقَارِيِّ، بَحْثًا عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ قَدْ يَكُونُ أَغْفَلَتْهُ سَابِقًا. كَانَتْ قَدْ خَصَّصَتْ فِي هَاتِفِهَا مَجْلَدًا كَامِلًا لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ مُنْذُ أَشْهُرٍ، حِينَ بَدَأَتْ تَشْتَبِهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي غُمُوضِ صَفَقَاتِ كَمَالٍ الْعَقَارِيَّةِ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ حِينَهَا أَنَّ هَذِهِ الشُّكُوكَ الْأَوَّلِيَّةَ سَتَقُودُهَا يَوْمًا إِلَى قَلْبِ أَكْبَرِ قَضِيَّةٍ صَحَفِيَّةٍ فِي مَسِيرَتِهَا الْمِهَنِيَّةِ كُلِّهَا. رَاجَعَتْ فِي ذِهْنِهَا سَرِيعًا كُلَّ الْمَحَطَّاتِ الَّتِي أَوْصَلَتْهَا إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ: مِنْ مُقَابَلَتِهَا الْأُولَى الْعَابِرَةَ مَعَ سَلِيمٍ فِي الْمَطَارِ، إِلَى الِاكْتِشَافَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ الَّتِي حَوَّلَتْ مَا كَانَ يَبْدُو مُجَرَّدَ تَحْقِيقٍ صَحَفِيٍّ رُوتِينِيٍّ إِلَى رِحْلَةٍ شَخِصِيَّةٍ عَمِيقَةٍ غَيَّرَتْ نَظْرَتَهَا لِلْعَدَالَةِ وَالذَّاكِرَةِ وَمَعْنَى الِانْتِمَاءِ إِلَى مَكَانٍ. تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً عِنْدَ اسْمٍ رَأَتْهُ فِي مِلَفَّاتِهَا الْقَدِيمَةِ: شَرِكَةُ مُقَاوَلَاتٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ قَدْ أَجْرَتْ أَعْمَالَ “صِيَانَةٍ” فِي بَيْتِ عَائِلَةِ مُرَادٍ قَبْلَ أَسَابِيعَ فَقَطْ مِنْ وَفَاةِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، شَرِكَةٌ اكْتَشَفَتْ لِتَوِّهَا أَنَّهَا مُسَجَّلَةٌ بِاسْمِ قَرِيبٍ بَعِيدٍ لِكَمَالٍ.
“سَلِيمُ، انْظُرْ إِلَى هَذَا.” قَالَتْ بِحَمَاسٍ مَكْبُوتٍ. “شَرِكَةُ ‘الْبِنَاءِ الْآمِنِ’ قَامَتْ بِأَعْمَالِ صِيَانَةٍ فِي بَيْتِكُمُ الْقَدِيمِ قَبْلَ وَفَاةِ وَالِدِكَ بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، وَهِيَ مُسَجَّلَةٌ بِاسْمِ ابْنِ عَمِّ كَمَالٍ. أَظُنُّ أَنَّهُمْ اسْتَغَلُّوا تِلْكَ الزِّيَارَةَ لِيَكْتَشِفُوا وُجُودَ الْقَبْوِ السِّرِّيِّ مِنَ الْأَسَاسِ.”
“سَأُرَاجِعُ كُلَّ عَقَارٍ مُسَجَّلٍ بِاسْمِ شَرِكَةِ ‘أَبْرَاجِ الْيَاسَمِينِ’ أَوْ أَيِّ شَرِكَةٍ تَابِعَةٍ لَهَا.” قَالَ رَامِي، وَعَيْنَاهُ مُثَبَّتَتَانِ عَلَى الشَّاشَةِ. “لَكِنَّ الْقَائِمَةَ طَوِيلَةٌ جِدًّا، عَشَرَاتُ الْعَقَارَاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ فِي أَنْحَاءِ الْمَدِينَةِ. نَحْتَاجُ إِلَى تَضْيِيقِ نِطَاقِ الْبَحْثِ بِطَرِيقَةٍ مَا.”
فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ: “الرِّسَالَةُ الَّتِي تَرَكَهَا كَمَالٌ حَذَّرَتْ مِنَ التَّصْعِيدِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يُرِيدُ إِبْقَاءَ الْحَاجِّ تَوْفِيقَ فِي مَكَانٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ شَخْصِيًّا لِلتَّفَاوُضِ أَوِ التَّهْدِيدِ، لَا فِي مَخْبَإٍ نَائِيَ بَعِيدَ، بَلْ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ، مَكَانٍ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا وَيَشْعُرُ فِيهِ بِالْأَمَانِ التَّامِّ.”
هَزَّتْ لَيَانُ رَأْسَهَا فَجْأَةً، وَقَدِ اعْتَرَاهَا شُعُورٌ غَرِيبٌ. “سَلِيمُ، تَذَكَّرَ التَّفْوِيضَ الَّذِي وَقَّعْتُهُ لِكَمَالٍ. كَانَ يَشْمَلُ حَقَّ الدُّخُولِ إِلَى الْبَيْتِ الْقَدِيمِ لِأَغْرَاضِ ‘الصِّيَانَةِ الْعَاجِلَةِ’. مَاذَا لَوْ كَانَ يَسْتَخْدِمُ هَذَا الْحَقَّ لِيَصِلَ إِلَى شَيْءٍ دَاخِلَ الْبَيْتِ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ نَحْنُ أَنْفُسُنَا؟”
“هَذَا يُؤَكِّدُ مَا وَجَدْتُهُ لِتَوِّي.” قَالَتْ يَاسْمِينُ بِحَمَاسٍ، رَافِعَةً هَاتِفَهَا لِيَرَاهُ الْجَمِيعُ. “شَرِكَةُ ‘الْبِنَاءِ الْآمِنِ’ الَّتِي زَارَتِ الْبَيْتَ لَمْ تَكُنْ تُجْرِي صِيَانَةً حَقِيقِيَّةً عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ كَانَتْ تَسْتَكْشِفُ الْمَكَانَ سِرًّا. أَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّهُمْ عَثَرُوا عَلَى بَابِ الْقَبْوِ فِي تِلْكَ الزِّيَارَةِ، وَأَبْلَغُوا كَمَالًا فَوْرًا.” أَخْرَجَتْ مِنْ حَقِيبَتِهَا دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ صَغِيرًا كَانَتْ تَحْمِلُهُ مَعَهَا دَائِمًا مُنْذُ بَدَأَتْ مُتَابَعَةَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَبَدَأَتْ تُقَلِّبُ صَفَحَاتِهِ بِسُرْعَةٍ. “وَهُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ: تَارِيخُ تِلْكَ الزِّيَارَةِ يَتَطَابَقُ تَمَامًا مَعَ تَارِيخِ آخِرِ مُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ مُقْلِقَةٍ ذَكَرَتْهَا لَيَانُ سَابِقًا، تِلْكَ الَّتِي سَمِعَتْ فِيهَا وَالِدَكُمَا يَقُولُ ‘لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَحْمِيَ الْجَمِيعَ إِلَى الْأَبَدِ’. أَظُنُّ أَنَّ وَالِدَكَ اكْتَشَفَ حِينَهَا أَنَّ كَمَالًا يَقْتَرِبُ مِنَ الْقَبْوِ، وَهَذَا مَا دَفَعَهُ إِلَى تَسْجِيلِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الْأَخِيرَةِ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا كَانَ يُخَطِّطُ لَهُ.”
اِنْتَفَضَ سَلِيمٌ فَجْأَةً، وَتَذَكَّرَ تَفْصِيلًا كَانَ قَدْ أَغْفَلَهُ وَسْطَ كُلِّ الْأَحْدَاثِ الْمُتَلَاحِقَةِ: فِي زِيَارَتِهِ الْأُولَى لِلْبَيْتِ الْقَدِيمِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ، لَاحَظَ بَابًا صَغِيرًا فِي الْقَبْوِ، مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ، ظَنَّ حِينَهَا أَنَّهُ مُجَرَّدُ مَخْزَنٍ قَدِيمٍ، وَلَمْ يَفْتَحْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مِفْتَاحًا لَهُ.
“الْقَبْوُ.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ. “فِي بَيْتِنَا الْقَدِيمِ، هُنَاكَ غُرْفَةٌ فِي الْقَبْوِ لَمْ أَتَمَكَّنْ يَوْمًا مِنْ فَتْحِهَا. ظَنَنْتُهَا مَخْزَنًا مُهْمَلًا، لَكِنَّ الرِّسَالَةَ الَّتِي قَرَأْتُهَا فِي الْمُسْتَوْدَعِ ذَكَرَتْ أَنَّ وَالِدِي بَنَى ‘خُطَّةً احْتِيَاطِيَّةً’ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ. مَاذَا لَوْ كَانَ لِهَذِهِ الْغُرْفَةِ عَلَاقَةٌ بِكُلِّ هَذَا؟”
نَظَرَ رَامِي إِلَيْهِ بِجَدِّيَّةٍ بَالِغَةٍ. “هَذَا مَنْطِقِيٌّ تَمَامًا يَا سَلِيمُ. غُرْفَةٌ سِرِّيَّةٌ تَحْتَ بَيْتِ عَائِلَةِ مُرَادٍ نَفْسِهَا، حَصَلَ كَمَالٌ عَلَى حَقِّ الْوُصُولِ إِلَيْهَا قَانُونِيًّا بِفَضْلِ تَفْوِيضِ لَيَانَ، مَكَانٌ لَا يُثِيرُ الشُّبُهَاتِ لِأَنَّهُ يَقَعُ دَاخِلَ بَيْتٍ يَمْتَلِكُهُ سُلْطَتَهُ الْقَانُونِيَّةُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَيْهِ. هَذَا بِالضَّبْطِ نَوْعُ الْمَكَانِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ.” أَغْلَقَ حَاسُوبَهُ الْمَحْمُولَ بِحَسْمٍ، وَنَهَضَ وَاقِفًا، وَقَدْ تَبَدَّلَتْ نَبْرَتُهُ فَجْأَةً مِنَ التَّحْلِيلِ الْهَادِئِ إِلَى الْحَزْمِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي يُمَيِّزُ رِجَالَ الْمَيْدَانِ حِينَ يَشْعُرُونَ بِاقْتِرَابِ لَحْظَةِ الْحَسْمِ. “لَا وَقْتَ لِلتَّرَدُّدِ. سَنَذْهَبُ الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ كَمَالٌ أَنَّنَا كَشَفْنَا خُطَّتَهُ.”
نَهَضَ الْأَرْبَعَةُ فَوْرًا، وَخَرَجُوا مُسْرِعِينَ نَحْوَ السَّيَّارَةِ، بَيْنَمَا كَانَتِ السَّمَاءُ قَدْ أَظْلَمَتْ تَمَامًا، وَأَضْوَاءُ الشَّوَارِعِ تُلْقِي ظِلَالًا طَوِيلَةً عَلَى الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُودُهُمْ نَحْوَ بَيْتِ عَائِلَةِ مُرَادٍ الْقَدِيمِ. طَوَالَ الطَّرِيقِ، ظَلَّتْ يَاسْمِينُ تُحَدِّثُ رَامِي هَمْسًا عَنْ خُطَّةِ عَمَلٍ بَدِيلَةٍ فِي حَالِ لَمْ يَكُنِ الْقَبْوُ هُوَ الْمَكَانَ الصَّحِيحَ، بَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ صَامِتًا تَمَامًا، يُحَدِّقُ فِي مَعْصَمِهِ حَيْثُ كَانَتْ سَاعَتُهُ تُظْهِرُ مُرُورَ سِتِّ سَاعَاتٍ فَقَطْ مِنَ الْمُهْلَةِ الَّتِي مَنَحَهَا كَمَالٌ، وَبَقَاءَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَاعَةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ كُلُّ شَيْءٍ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى.

فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَانَ كَمَالُ دَرْوِيشُ يَجْلِسُ فِي مَكْتَبِهِ، يُرَاجِعُ آخِرَ بُنُودِ عَقْدِ صَفْقَةِ الْهَدْمِ مَعَ مُحَامِيهِ الشَّخْصِيِّ، رَجُلٌ هَادِئٌ فِي الْخَمْسِينِ مِنْ عُمُرِهِ اعْتَادَ عَلَى تَسْوِيَةِ أَعْقَدِ الْمَسَائِلِ الْقَانُونِيَّةِ بِابْتِسَامَةٍ لَا تُفَارِقُهُ أَبَدًا. كَانَ مَكْتَبُ كَمَالٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَبْدُو أَكْثَرَ فَخَامَةً مِنَ الْمُعْتَادِ، بِإِضَاءَتِهِ الذَّهَبِيَّةِ الْخَافِتَةِ وَلَوْحَاتِهِ الزَّيْتِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى جُدْرَانِهِ الرُّخَامِيَّةِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي عَيْنَيْ كَمَالٍ كَانَ يَنِمُّ عَنْ قَلَقٍ لَمْ يَعْتَدْ إِخْفَاءَهُ عَنْ مُحَامِيهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا.
“الْمُسْتَثْمِرُونَ يَنْتَظِرُونَ تَوْقِيعَكَ بِحُلُولِ صَبَاحِ الْغَدِ.” قَالَ الْمُحَامِي بِهُدُوءٍ. “أَيُّ تَأْخِيرٍ إِضَافِيٍّ قَدْ يَجْعَلَهُمْ يُعِيدُونَ النَّظَرَ فِي كُلِّ الصَّفْقَةِ.”
“سَيَتِمُّ التَّوْقِيعُ غَدًا كَمَا هُوَ مُخَطَّطٌ.” أَجَابَ كَمَالُ بِثِقَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ لَمْ تُخْفِ تَمَامًا التَّوَتُّرَ الْكَامِنَ تَحْتَهَا. “لَدَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ.”
نَظَرَ كَمَالٌ إِلَى مُحَامِيهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَجِدَ فِي عَيْنَيْهِ طَمَأَنَةً لَمْ يَجِدْهَا تَمَامًا. “أَخْبِرْنِي بِصَرَاحَةٍ.” قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَا يُشْبِهُ صَوْتَهُ الرَّسْمِيَّ الْمُعْتَادَ. “إِنْ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى مَحْكَمَةٍ، كَمْ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لَدَيَّ؟”
صَمَتَ الْمُحَامِي لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، يَخْتَارُ كَلِمَاتِهِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ. “الْأَدِلَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمِلْكِيَّةِ الْأَرْضِ قَدِيمَةٌ جِدًّا، وَيُمْكِنُنَا الطَّعْنُ فِي صِحَّتِهَا بِطُرُقٍ عِدَّةٍ. لَكِنِّي أُنَاشِدُكَ يَا كَمَالُ، بِصِدْقٍ، أَنْ تُوَقِّفَ أَيَّ خُطَّةٍ قَدْ تَكُونُ فِي ذِهْنِكَ تَتَعَلَّقُ بِالْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. مَهْمَا كَانَتِ الْمُخَاطَرَةُ الَّتِي يُمَثِّلُهَا وُجُودُهُ لِمَصَالِحِكَ، فَإِنَّ إِيذَاءَهُ سَيُحَوِّلُ الْقَضِيَّةَ كُلَّهَا مِنْ نِزَاعٍ عَقَارِيٍّ مُعَقَّدٍ إِلَى جَرِيمَةٍ جِنَائِيَّةٍ لَنْ تَنْجُوَ مِنْهَا أَبَدًا.”
اِبْتَسَمَ كَمَالُ ابْتِسَامَةً بَارِدَةً لَمْ تَصِلْ إِلَى عَيْنَيْهِ. “لَا تَقْلَقْ. لَنْ يُصَابَ بِأَذًى. أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَهُ، أَنْ أُفَاوِضَهُ، رَجُلٌ عَجُوزٌ مِثْلُهُ سَيَفْهَمُ الْمَنْطِقَ إِنْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ.”
لَمْ يَكُنِ الْمُحَامِي مُقْتَنِعًا تَمَامًا بِهَذِهِ الطَّمَأَنَةِ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَلَّا يُلِحَّ أَكْثَرَ، وَجَمَعَ أَوْرَاقَهُ اسْتِعْدَادًا لِلِانْصِرَافِ.
لَكِنَّ هَاتِفَهُ الْخَاصَّ رَنَّ فَجْأَةً، وَحِينَ رَأَى اسْمَ الْمُتَّصِلِ، اعْتَذَرَ لِلْمُحَامِي وَخَرَجَ إِلَى شُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ مُلَاصِقَةٍ لِمَكْتَبِهِ لِيَرُدَّ بِخُصُوصِيَّةٍ أَكْبَرَ.
“سَيِّدِي.” قَالَ صَوْتُ الرَّجُلِ الْمُكَلَّفِ بِحِرَاسَةِ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ بِتَوَتُّرٍ وَاضِحٍ. “أَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَعْرِفُ بِمَكَانِ الْقَبْوِ. رَأَيْتُ سَيَّارَةَ الْمُقَدَّمِ عَاصِي تَقْتَرِبُ مِنَ الْحَيِّ مُنْذُ قَلِيلٍ.”
شَعَرَ كَمَالٌ بِبَرْدٍ مُفَاجِئٍ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ رَغْمَ دِفْءِ مَكْتَبِهِ الْمُكَيَّفِ، وَتَذَكَّرَ فَجْأَةً تَحْذِيرَ مُحَامِيهِ مُنْذُ أَسَابِيعَ بِأَنَّ خُطَّةَ احْتِجَازِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْعَائِلَةِ كَانَتْ مُخَاطَرَةً غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ بِمَا يَكْفِي، لَكِنَّهُ كَانَ قَدْ رَفَضَ الِاسْتِمَاعَ حِينَهَا، وَاثِقًا مِنْ سَيْطَرَتِهِ التَّامَّةِ عَلَى الْمَوْقِفِ. اسْتَعَادَ فِي ذِهْنِهِ سَرِيعًا كُلَّ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَاحَةِ لَهُ: الْهُرُوبُ، وَهُوَ خِيَارٌ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيُدِينُهُ فَوْرًا فِي نَظَرِ الْقَانُونِ وَالْمُجْتَمَعِ مَعًا؛ أَوِ الْمُوَاجَهَةُ، وَمُحَاوَلَةُ إِقْنَاعِ الْجَمِيعِ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ كَانَ سُوءَ فَهْمٍ يُمْكِنُ تَسْوِيَتُهُ؛ أَوِ الْهَرَبُ إِلَى الْأَمَامِ، بِإِتْمَامِ التَّوْقِيعِ عَلَى الصَّفْقَةِ فَوْرًا قَبْلَ أَنْ تَتَدَخَّلَ السُّلُطَاتُ رَسْمِيًّا، مُرَاهِنًا عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ الْمُوَقَّعَةَ سَتَكُونُ صَعْبَةَ الْإِلْغَاءِ حَتَّى لَوْ أُدِينَ لَاحِقًا. اخْتَارَ الْخِيَارَ الْأَخِيرَ، وَأَمَرَ سَائِقَهُ الشَّخْصِيَّ بِتَجْهِيزِ السَّيَّارَةِ فَوْرًا، مُتَّجِهًا بِنَفْسِهِ نَحْوَ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ لِيُقَيِّمَ حَجْمَ الْخَطَرِ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ.
اِبْيَضَّ وَجْهُ كَمَالٍ فِي الظَّلَامِ، وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ، كَمَنْ يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ حَجْمِ الْكَارِثَةِ الَّتِي بَاتَتْ تَقْتَرِبُ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ. “اِبْقَ فِي مَكَانِكَ، وَلَا تَفْعَلْ شَيْئًا حَتَّى أَصِلَ. سَآتِي بِنَفْسِي الْآنَ.”

وَصَلَتْ سَيَّارَةُ رَامِي إِلَى بَيْتِ عَائِلَةِ مُرَادٍ الْقَدِيمِ بَعْدَ عَشْرِ دَقَائِقَ مِنَ الْقِيَادَةِ السَّرِيعَةِ عَبْرَ شَوَارِعِ الْحَيِّ الْمُظْلِمَةِ. كَانَتِ الْأَزِقَّةُ خَالِيَةً تَمَامًا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، لَا صَوْتَ فِيهَا سِوَى نُبَاحِ كَلْبٍ بَعِيدٍ وَصَرِيرِ عَجَلَاتِ السَّيَّارَةِ عَلَى الْحِجَارَةِ الْقَدِيمَةِ الْمُرَصَّعَةِ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ، رَغْمَ كُلِّ التَّوَتُّرِ الَّذِي يَعْتَصِرُ صَدْرَهُ، بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالْمُفَارَقَةِ الْمُوجِعَةِ: أَنَّهُ عَائِدٌ الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ، إِلَى نَفْسِ الْبَيْتِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، لِيُنْقِذَ رَجُلًا غَرِيبًا حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، صَارَ الْآنَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَقَارِبَ كَثِيرِينَ عَرَفَهُمْ طَوَالَ حَيَاتِهِ. تَرَجَّلَ الْأَرْبَعَةُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَتَقَدَّمَ رَامِي أَوَّلًا نَحْوَ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ، يَدُهُ عَلَى مِقْبَضِ مُسَدَّسِهِ اسْتِعْدَادًا لِأَيِّ طَارِئٍ.
كَانَ الْبَابُ الرَّئِيسِيُّ مُقْفَلًا كَالْمُعْتَادِ، لَكِنَّ سَلِيمًا كَانَ يَحْمِلُ مِفْتَاحَهُ الْخَاصَّ، وَفَتَحَ الْبَابَ بِصَمْتٍ، وَتَسَلَّلَ الْأَرْبَعَةُ إِلَى الدَّاخِلِ. كَانَ الْبَيْتُ هَادِئًا تَمَامًا، لَا صَوْتَ فِيهِ سِوَى صَرِيرِ الْأَرْضِيَّةِ الْخَشَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَتَقَدَّمُوا نَحْوَ بَابِ الْقَبْوِ الْمُوَارِبِ خَلْفَ الْمَطْبَخِ، وَهُوَ الْبَابُ الَّذِي طَالَمَا اعْتَقَدَ سَلِيمٌ أَنَّهُ يُؤَدِّي فَقَطْ إِلَى مَخْزَنٍ لِلْمُؤَنِ الْقَدِيمَةِ.
نَزَلُوا الدَّرَجَ الْحَجَرِيَّ الضَّيِّقَ بِحَذَرٍ، وَفِي أَسْفَلِهِ، وَجَدُوا الْبَابَ الصَّغِيرَ الَّذِي كَانَ سَلِيمٌ قَدْ حَاوَلَ فَتْحَهُ سَابِقًا دُونَ جَدْوَى، لَكِنَّهُ الْآنَ كَانَ مُوَارَبًا قَلِيلًا، وَمِنْ خِلَالِهِ تَسَرَّبَ خَيْطٌ رَفِيعٌ مِنَ الضَّوْءِ الْأَصْفَرِ الْخَافِتِ.
أَشَارَ رَامِي لَهُمْ بِالصَّمْتِ، وَدَفَعَ الْبَابَ بِرِفْقٍ.
كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ وَحِيدٍ فِي وَسَطِ غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ أَرْبَعَةَ أَمْتَارٍ مُرَبَّعَةٍ، يَدَاهُ مَرْبُوطَتَانِ خَلْفَ ظَهْرِهِ بِحَبْلٍ رَفِيعٍ لَا يَبْدُو أَنَّهُ مُصَمَّمٌ لِإِيذَائِهِ بِقَدْرِ مَا هُوَ مُصَمَّمٌ لِمَنْعِ حَرَكَتِهِ فَقَطْ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ عَلَامَاتِ إِرْهَاقٍ وَخَوْفٍ حَقِيقِيَّيْنِ، لَكِنَّهُ بَدَا بِخَيْرٍ نِسْبِيًّا، لَمْ يُصَبْ بِأَذًى جَسَدِيٍّ ظَاهِرٍ. كَانَتِ الْغُرْفَةُ نَفْسُهَا مُخْتَلِفَةً كُلِّيًّا عَنِ الْمَخْزَنِ الْمُهْمَلِ الَّذِي كَانَ سَلِيمٌ يَتَخَيَّلُهُ: جُدْرَانُهَا مَطْلِيَّةٌ حَدِيثًا بِطِلَاءٍ أَبْيَضَ، وَعَلَى إِحْدَى زَوَايَاهَا كَانَتْ ثَمَّةَ خِزَانَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَعَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ عُلِّقَتْ خَرِيطَةٌ أُخْرَى لِلْحَيِّ، أَحْدَثُ مِنَ الْخَرِيطَةِ الَّتِي وَجَدُوهَا فِي الْمُسْتَوْدَعِ، وَعَلَيْهَا عَلَامَاتٌ حَمْرَاءُ تُشِيرُ إِلَى الْقِطَعِ الْعَقَارِيَّةِ الَّتِي يَنْوِي كَمَالٌ هَدْمَهَا فِي مَشْرُوعِهِ الْقَادِمِ.
“سَلِيمُ!” هَتَفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ حِينَ رَآهُمْ يَدْخُلُونَ، وَلَمَعَتْ عَيْنَاهُ بِدُمُوعِ الِارْتِيَاحِ. كَانَتْ شَفَتَاهُ جَافَّتَيْنِ، وَوَجْهُهُ شَاحِبًا مِنَ الْإِرْهَاقِ وَقِلَّةِ الْمَاءِ، لَكِنَّ بَرِيقَ الْأَمَلِ عَادَ إِلَى عَيْنَيْهِ فَوْرَ رُؤْيَتِهِ لِمَنْ يَعْتَبِرُهُمُ الْآنَ أَقْرَبَ إِلَى الْعَائِلَةِ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
اِنْدَفَعَ سَلِيمٌ نَحْوَهُ فَوْرًا، وَبَدَأَ يَفُكُّ الْحَبْلَ عَنْ يَدَيْهِ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ مِنَ الْغَضَبِ وَالِارْتِيَاحِ مَعًا. “أَنَا هُنَا يَا حَاجُّ. أَنَا هُنَا، وَلَنْ يُؤْذِيَكَ أَحَدٌ بَعْدَ الْآنَ.” كَانَتِ الْحِبَالُ مَشْدُودَةً بِإِحْكَامٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، وَاسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ دَقِيقَةً كَامِلَةً قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَحْرِيرِ مِعْصَمَيِ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ، الَّذِي أَخَذَ يَفْرُكُ يَدَيْهِ بِبُطْءٍ لِيُعِيدَ إِلَيْهِمَا الْإِحْسَاسَ بَعْدَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّقْيِيدِ.
لَكِنَّ صَوْتًا آخَرَ قَاطَعَهُمَا فَجْأَةً مِنْ خَلْفِهِمْ، صَوْتٌ هَادِئٌ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ حِدَّةً بَارِدَةً لَمْ يَسْمَعْهَا سَلِيمٌ مِنْ كَمَالٍ مِنْ قَبْلُ. “أَرَى أَنَّكَ أَذْكَى مِمَّا ظَنَنْتُ يَا سَلِيمُ.”
اِسْتَدَارَ الْجَمِيعُ لِيَجِدُوا كَمَالَ دَرْوِيشَ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ، بِمُفْرَدِهِ، دُونَ حُرَّاسٍ هَذِهِ الْمَرَّةِ، وَقَدْ خَلَعَ عَنْهُ قِنَاعَ اللُّطْفِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي اعْتَادَ ارْتِدَاءَهُ أَمَامَ النَّاسِ، لِيَظْهَرَ وَجْهُهُ الْحَقِيقِيُّ: بَارِدٌ، مُحْتَقِنٌ بِغَضَبٍ مَكْبُوتٍ، وَمُصَمِّمٌ. كَانَتْ يَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا رَغْمَ مُحَاوَلَتِهِ إِخْفَاءَ ذَلِكَ، عَلَامَةٌ نَادِرَةٌ عَلَى الِاضْطِرَابِ لَمْ يَعْتَدْ سَلِيمٌ رُؤْيَتَهَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي طَالَمَا بَدَا مُتَحَكِّمًا فِي كُلِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ.
“لَقَدِ انْتَهَتِ اللُّعْبَةُ يَا كَمَالُ.” قَالَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ حَازِمٍ، وَاقِفًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ فِي وَضْعِيَّةٍ حِمَائِيَّةٍ، وَقَدْ شَعَرَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِقُوَّةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ، قُوَّةٌ وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي حَمَلَهَا الْآنَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَمِنْ إِدْرَاكِهِ الْمُفَاجِئِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْمُتَرَدِّدَ الَّذِي وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. “نَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ الْآنَ: عَنْ وَالِدِكَ، وَعَنْ عَائِلَةِ الرِّفَاعِيِّ، وَعَنْ حَقِيقَةِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. وَلَدَيْنَا تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ يُثْبِتُ كُلَّ ذَلِكَ.”
اِبْتَسَمَ كَمَالُ ابْتِسَامَةً بَارِدَةً لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْمَرَحِ. “تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ لِرَجُلٍ مَيِّتٍ، دُونَ سِيَاقٍ قَانُونِيٍّ رَسْمِيٍّ، لَا يَعْنِي شَيْئًا فِي أَيِّ مَحْكَمَةٍ يَا سَلِيمُ. أَنْتَ مُهَنْدِسٌ مِعْمَارِيٌّ، لَا مُحَامِيَ، فَلَا تَتَظَاهَرْ بِفَهْمِ الْقَانُونِ. مَا لَدَيْكَ هُوَ قِصَّةٌ، لَا دَلِيلٌ.”
اِبْتَسَمَ رَامِي بِدَوْرِهِ، وَأَخْرَجَ هَاتِفَهُ الْمَحْمُولَ مِنْ جَيْبِهِ، وَاضِعًا إِيَّاهُ عَلَى طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ، بِزَاوِيَةٍ تُظْهِرُ الْمَشْهَدَ كُلَّهُ بِوُضُوحٍ. تَحَرَّكَ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ وَمَحْسُوبَةٍ، كَرَجُلٍ يَعْرِفُ تَمَامًا مَا يَفْعَلُهُ، وَقَدْ كَانَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي قَرَأَ فِيهَا رِسَالَةَ التَّهْدِيدِ فِي بَيْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، مُدْرِكًا أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ الْمُبَاشِرَةَ مَعَ كَمَالٍ سَتَأْتِي عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لَهَا بِكُلِّ الْوَسَائِلِ الْمُتَاحَةِ. “بَلْ لَدَيْنَا الْآنَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ يَا أُسْتَاذَ كَمَالَ. هَذَا الْهَاتِفُ يُسَجِّلُ كُلَّ كَلِمَةٍ نَنْطِقُهَا هُنَا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي دَخَلْتَ فِيهَا هَذِهِ الْغُرْفَةَ. اعْتِرَافٌ صَرِيحٌ بِخَطْفِ رَجُلٍ عَجُوزٍ وَاحْتِجَازِهِ قَسْرًا، أَمَامَ ضَابِطِ تَحْقِيقٍ رَسْمِيٍّ. هَذَا دَلِيلٌ قَانُونِيٌّ كَافٍ لِبَدْءِ التَّحْقِيقِ مَعَكَ فَوْرًا.”
تَجَمَّدَتِ ابْتِسَامَةُ كَمَالٍ فِي مَكَانِهَا، وَنَظَرَ نَحْوَ الْهَاتِفِ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِعَيْنَيْنِ ضَيَّقَتَيْنِ، مُدْرِكًا فَجْأَةً أَنَّهُ وَقَعَ فِي فَخٍّ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ. حَاوَلَ اسْتِعَادَةَ رَبَاطَةِ جَأْشِهِ بِسُرْعَةٍ، وَخَطَتْ قَدَمَاهُ خُطْوَةً إِلَى الْوَرَاءِ، عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الْبَابِ خَلْفَهُ وَالْوُجُوهِ الْمُتَحَدِّيَةِ أَمَامَهُ، كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا. “لَنْ تُثْبِتَ هَذِهِ التَّسْجِيلَاتُ الْمُتَقَطِّعَةُ شَيْئًا فِي النِّهَايَةِ. أَنَا رَجُلُ أَعْمَالٍ مُحْتَرَمٌ، لِي عَلَاقَاتٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، بَيْنَمَا أَنْتَ، يَا سَلِيمُ، مُجَرَّدُ عَائِدٍ مِنَ الْغُرْبَةِ يُحَاوِلُ إِعَادَةَ كِتَابَةِ التَّارِيخِ لِيُرْضِيَ ضَمِيرَهُ.”
“إِعَادَةُ كِتَابَةِ التَّارِيخِ؟” قَاطَعَتْهُ يَاسْمِينُ بِحِدَّةٍ، وَقَدْ تَحَوَّلَتْ نَبْرَتُهَا الصَّحَفِيَّةُ الْهَادِئَةُ إِلَى شَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الْغَضَبِ الْمَكْتُومِ. “أَنْتَ مَنْ حَاوَلَ مَحْوَ التَّارِيخِ يَا كَمَالُ، لَا نَحْنُ. طَوَالَ خَمْسِينَ عَامًا، كَانَتْ عَائِلَةُ الرِّفَاعِيِّ مَجْرَدَ حَجَرٍ مَنْسِيٍّ فِي زَاوِيَةِ سُوقٍ، وَاسْمًا مَحْذُوفًا مِنَ السِّجِلَّاتِ، وَنَحْنُ فَقَطْ أَعَدْنَا لَهُمْ وُجُودَهُمُ الَّذِي سَرَقْتَهُ عَائِلَتُكَ مِنْهُمْ.”
“عَلَاقَاتُكَ لَنْ تَنْفَعَكَ الْآنَ.” قَالَ صَوْتٌ جَدِيدٌ مِنَ الْبَابِ، صَوْتٌ رَسْمِيٌّ حَازِمٌ يَحْمِلُ سُلْطَةً وَاضِحَةً. اِسْتَدَارَ الْجَمِيعُ لِيَرَوْا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ يَرْتَدُونَ الزِّيَّ الرَّسْمِيَّ يَدْخُلُونَ الْغُرْفَةَ بِسُرْعَةٍ، يَتَقَدَّمُهُمْ ضَابِطٌ بِرُتْبَةٍ أَعْلَى مِنْ رَامِي، بَدَا وَاضِحًا أَنَّهُ اسْتَجَابَ لِاتِّصَالٍ عَاجِلٍ سَابِقٍ.
“لَقَدْ أَرْسَلْتُ الْمَوْقِعَ لِزُمَلَائِي فِي الطَّرِيقِ إِلَى هُنَا مُبَاشَرَةً، قَبْلَ أَنْ نَنْزِلَ إِلَى الْقَبْوِ.” شَرَحَ رَامِي بِهُدُوءٍ لِسَلِيمٍ الَّذِي بَدَا مُتَفَاجِئًا. “لَمْ أَكُنْ لِأُخَاطِرَ بِمُوَاجَهَةِ رَجُلٍ بِنُفُوذِ كَمَالٍ دُونَ دَعْمٍ رَسْمِيٍّ كَافٍ.”
تَقَدَّمَ الضَّابِطُ الْكَبِيرُ نَحْوَ كَمَالٍ، وَأَخْرَجَ أَصْفَادًا مَعْدِنِيَّةً. “كَمَالُ دَرْوِيشَ، أَنْتَ رَهْنُ الِاعْتِقَالِ بِتُهْمَةِ الْخَطْفِ وَالِاحْتِجَازِ الْقَسْرِيِّ، وَسَتُوَجَّهُ إِلَيْكَ تُهَمٌ إِضَافِيَّةٌ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي جَمَعَهَا الْمُقَدَّمُ عَاصِي.”
نَظَرَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ إِلَى كَمَالٍ وَهُوَ يُقَيَّدُ، بِنَظْرَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا أَحَدٌ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ: لَمْ تَكُنْ نَظْرَةَ انْتِقَامٍ أَوْ شَمَاتَةٍ، بَلْ نَظْرَةَ حُزْنٍ عَمِيقٍ يَشُوبُهُ نَوْعٌ غَرِيبٌ مِنَ التَّعَاطُفِ، حُزْنٌ لَمْ يَفْهَمْهُ سَلِيمٌ تَمَامًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ لَاحِقًا أَنَّهُ حُزْنُ رَجُلٍ رَأَى فِي عَدُوِّهِ صُورَةً أُخْرَى لِمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَهُ هُوَ نَفْسُهُ، لَوْ تَبَدَّلَتِ الْأَقْدَارُ. “أَبُوكَ.” قَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ، مُخَاطِبًا كَمَالًا مُبَاشَرَةً لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ. “دَمَّرَ عَائِلَتِي لِيَبْنِيَ ثَرْوَتَهُ، وَأَنْتَ دَمَّرْتَ نَفْسَكَ لِتَحْمِيَ تِلْكَ الثَّرْوَةَ. لَا أَحْمِلُ لَكَ حِقْدًا يَا وَلَدِي، فَقَطْ أَسًى عَلَى مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَهُ لَوْ وُلِدْتَ فِي عَائِلَةٍ أُخْرَى.”
اِرْتَجَّتْ مَلَامِحُ كَمَالٍ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ سَمَاعِهِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، شَيْءٌ يُشْبِهُ الصَّدْمَةَ مَرَّ فِي عَيْنَيْهِ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا اسْتَعَادَ قِنَاعَهُ الْبَارِدَ، وَحَاوَلَ الِاعْتِرَاضَ عَلَى تَقْيِيدِ يَدَيْهِ، لَكِنَّ الضَّابِطَ قَيَّدَهُ بِحَزْمٍ لَا يَقْبَلُ النِّقَاشَ.
وَقَبْلَ أَنْ يُقْتَادَ كَمَالُ خَارِجَ الْغُرْفَةِ، تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ أَمَامَ سَلِيمٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً غَرِيبَةً، مَزِيجًا مِنَ الِازْدِرَاءِ وَشَيْءٍ آخَرَ أَشْبَهَ بِالشَّفَقَةِ الْمُقْلِقَةِ. اقْتَرَبَ مِنْهُ قَلِيلًا، رَغْمَ مُحَاوَلَةِ الضَّابِطِ سَحْبَهُ بَعِيدًا، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ سِوَى سَلِيمٍ:
“أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ رَبِحْتَ الْآنَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَكِنَّكَ لَا تَعْرِفُ نِصْفَ الْحَقِيقَةِ بَعْدُ يَا وَلَدِي. هُنَاكَ وَثِيقَةٌ أَخِيرَةٌ، وَثِيقَةٌ تَخُصُّكَ أَنْتَ شَخْصِيًّا، أَخْطَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا اكْتَشَفْتَهُ حَتَّى الْآنَ، وَتَخُصُّ…”
قَاطَعَهُ الضَّابِطُ بِحَزْمٍ، سَاحِبًا إِيَّاهُ خَارِجَ الْغُرْفَةِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ جُمْلَتَهُ، تَارِكًا سَلِيمًا وَاقِفًا فِي مَكَانِهِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَذِهْنُهُ يَغْرَقُ فِي دَوَّامَةٍ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ الْمُرْعِبَةِ عَمَّا كَانَ كَمَالُ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَقُولَهُ.
“مَاذَا قَالَ لَكَ؟” سَأَلَتْ يَاسْمِينُ بِقَلَقٍ، لَاحِظَةً شُحُوبَ وَجْهِهِ الْمُفَاجِئَ.
“لَا أَعْرِفُ.” هَمَسَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ. “بَدَأَ جُمْلَةً عَنْ وَثِيقَةٍ أَخِيرَةٍ تَخُصُّنِي شَخْصِيًّا، لَكِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهَا.”
اقْتَرَبَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ مِنْهُمْ بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ، مُتَّكِئًا عَلَى ذِرَاعِ رَامِي، وَقَبَّلَ جَبِينَ سَلِيمٍ بِحَنَانٍ أَبَوِيٍّ صَادِقٍ. “لَا تَدَعْ كَلَامَ ذَلِكَ الرَّجُلِ يُقْلِقُكَ يَا وَلَدِي.” قَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ. “رِجَالٌ مِثْلُهُ يَتْرُكُونَ دَائِمًا لُغْمًا أَخِيرًا خَلْفَهُمْ، لِيُفْسِدُوا فَرَحَةَ مَنْ هَزَمُوهُمْ. لَا تُعْطِهِ هَذَا الِانْتِصَارَ الْأَخِيرَ.”
أَحَاطَ سَلِيمٌ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ بِذِرَاعَيْهِ بِحَذَرٍ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ضَغْطٍ زَائِدٍ بَعْدَ سَاعَاتِ الِاحْتِجَازِ الطَّوِيلَةِ، وَشَعَرَ لِلَحْظَةٍ بِأَنَّهُ يَحْتَضِنُ جُزْءًا مِنْ عَائِلَتِهِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهِ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.

مَرَّتْ ثَلَاثَةُ أَسَابِيعَ مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَشْهُودَةِ. أُلْقِيَ الْقَبْضُ عَلَى كَمَالٍ دَرْوِيشَ رَسْمِيًّا، وَبَدَأَتْ نِيَابَةُ الْمَدِينَةِ تَحْقِيقًا مُوَسَّعًا فِي كُلِّ مُمْتَلَكَاتِهِ وَصَفَقَاتِهِ الْعَقَارِيَّةِ عَلَى مَدَى عِشْرِينَ عَامًا، وَنَشَرَتْ يَاسْمِينُ نُورُ سِلْسِلَةً صَحَفِيَّةً اسْتِقْصَائِيَّةً كَامِلَةً عَنْ حِكَايَةِ عَائِلَةِ الرِّفَاعِيِّ وَتَهْجِيرِهَا، أَثَارَتْ ضَجَّةً وَاسِعَةً فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا، وَأَعَادَتْ فَتْحَ جِرَاحٍ قَدِيمَةٍ كَانَ الْجَمِيعُ قَدْ نَسِيَهَا أَوْ تَظَاهَرَ بِنِسْيَانِهَا.
كَانَتِ الْجَلْسَةُ الْأُولَى لِمُحَاكَمَةِ كَمَالٍ قَدْ عُقِدَتْ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَحَضَرَهَا سَلِيمٌ وَيَاسْمِينُ وَلَيَانُ مَعًا، جَالِسِينَ فِي الصَّفِّ الْأَمَامِيِّ لِقَاعَةِ الْمَحْكَمَةِ الْمُكْتَظَّةِ بِالصَّحَفِيِّينَ وَوُجَهَاءِ الْحَيِّ الَّذِينَ جَاءَ بَعْضُهُمْ فُضُولًا، وَبَعْضُهُمُ الْآخَرُ تَضَامُنًا حَقِيقِيًّا بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا قِصَّةَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. رَأَى سَلِيمٌ كَمَالًا يَدْخُلُ الْقَاعَةَ مُقَيَّدَ الْيَدَيْنِ، فِي بَدْلَتِهِ الرَّمَادِيَّةِ الْأَنِيقَةِ الَّتِي بَدَتِ الْآنَ خَارِجَ سِيَاقِهَا تَمَامًا، وَجْهُهُ فَقَدَ كُلَّ ذَلِكَ الْبَرِيقِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي اعْتَادَ التَّبَاهِيَ بِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ عَيْنَيْهِ نَحْوَ سَلِيمٍ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ طَوَالَ الْجَلْسَةِ.
جَلَسَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ بِجِوَارِ سَلِيمٍ، مُرْتَدِيًا جَلَابِيَّتَهُ الْبَيْضَاءَ الْمُعْتَادَةَ، وَحِينَ قَرَأَ الْقَاضِي لَائِحَةَ التُّهَمِ بِصَوْتٍ رَسْمِيٍّ جَافٍّ، أَمْسَكَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ بِيَدِ سَلِيمٍ بِإِحْكَامٍ، كَأَنَّهُ يَسْتَمِدُّ مِنْهُ قُوَّةً لَمْ يَكُنْ لِيَجِدَهَا لَوْ كَانَ وَحِيدًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. اسْتَمَرَّتِ الْجَلْسَةُ الْأُولَى لِسَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، عُرِضَتْ خِلَالَهَا الْأَدِلَّةُ الْأَوَّلِيَّةُ: التَّسْجِيلُ الصَّوْتِيُّ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ، شَهَادَةُ الْحَاجِّ تَوْفِيقِ نَفْسِهِ عَنْ لَيْلَةِ الْخَطْفِ، وَتَقْرِيرُ الْمُقَدَّمِ عَاصِي الرَّسْمِيُّ الْمُوَثَّقُ بِتَسْجِيلِ الِاعْتِرَافِ فِي الْقَبْوِ. أَجَّلَ الْقَاضِي الْجَلْسَةَ التَّالِيَةَ إِلَى أَسْبُوعَيْنِ لِاسْتِكْمَالِ التَّحْقِيقِ فِي مُلَفَّاتِ الْمِلْكِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ، لَكِنَّ الْأَجْوَاءَ الْعَامَّةَ فِي الْقَاعَةِ أَوْحَتْ لِلْجَمِيعِ أَنَّ مَصِيرَ كَمَالٍ قَدْ حُسِمَ عَمَلِيًّا. خَرَجَ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْمَحْكَمَةِ فِي صَمْتٍ مُثْقَلٍ بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ: رَاحَةٌ لِأَنَّ عَجَلَةَ الْعَدَالَةِ بَدَأَتْ تَدُورُ أَخِيرًا، وَحُزْنٌ خَفِيٌّ عَلَى كُلِّ السَّنَوَاتِ الَّتِي ضَاعَتْ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْحَقِيقَةُ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ. وَقَفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ عَلَى دَرَجِ الْمَحْكَمَةِ، يَتَنَفَّسُ الْهَوَاءَ النَّقِيَّ بِعُمْقٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: “لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَعِيشُ لِأَرَى هَذِهِ اللَّحْظَةَ، عَدَالَةً تُنْصِفُ عَائِلَةً نُسِيَتْ خَمْسِينَ عَامًا.”
وَقَفَ سَلِيمٌ فِي وَسَطِ سُوقِ الْحَيِّ الْقَدِيمِ فِي صَبَاحٍ رَبِيعِيٍّ صَافٍ، يُرَاقِبُ فَرِيقًا مِنَ الْمُهَنْدِسِينَ الشَّبَابِ الَّذِينَ اسْتَقْدَمَهُمْ لِمُسَاعَدَتِهِ فِي وَضْعِ مُخَطَّطٍ جَدِيدٍ، لَا لِهَدْمِ الْحَيِّ كَمَا كَانَ يُخَطِّطُ كَمَالٌ، بَلْ لِتَرْمِيمِهِ وَإِحْيَائِهِ، مَعَ الْحِفَاظِ عَلَى طَابَعِهِ التَّارِيخِيِّ الْأَصِيلِ. كَانَ قَدْ قَرَّرَ، بَعْدَ نِقَاشٍ طَوِيلٍ مَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ لَيَانَ، أَنْ يَبْقَى فِي الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يُكَرِّسَ خِبْرَتَهُ الْمِعْمَارِيَّةَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا فِي أَلْمَانْيَا لِخِدْمَةِ الْحَيِّ الَّذِي اكْتَشَفَ فِيهِ أَخِيرًا جُذُورَهُ الْحَقِيقِيَّةَ. تَقَدَّمَ بِطَلَبِ اسْتِقَالَةٍ رَسْمِيَّةٍ مِنْ شَرِكَتِهِ فِي مِيُونِخَ، وَاسْتَأْجَرَ مَكْتَبًا صَغِيرًا فِي وَسَطِ السُّوقِ نَفْسِهِ، مَكْتَبًا كَانَ سَيَصِيرُ قَرِيبًا مَقَرَّ جَمْعِيَّةٍ أَهْلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ أَسَّسَهَا بِنَفْسِهِ تَحْتَ اسْمِ “جَمْعِيَّةُ إِحْيَاءِ الْيَاسَمِينِ”، تَجْمَعُ بَيْنَ حِرَفِيِّي الْحَيِّ الْقُدَامَى وَجِيلٍ جَدِيدٍ مِنَ الْمُهَنْدِسِينَ الشَّبَابِ الْمُتَحَمِّسِينَ لِإِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَى الْأَزِقَّةِ الْقَدِيمَةِ.
اقْتَرَبَتْ يَاسْمِينُ مِنْهُ، تَحْمِلُ كُوبَيْنِ مِنَ الْقَهْوَةِ السَّاخِنَةِ، وَسَلَّمَتْهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِابْتِسَامَةٍ دَافِئَةٍ صَارَتْ مَأْلُوفَةً لَهُ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. كَانَتْ قَدْ قَرَّرَتْ هِيَ الْأُخْرَى تَخْصِيصَ جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ وَقْتِهَا لِتَغْطِيَةِ مَشْرُوعِ التَّرْمِيمِ صَحَفِيًّا، لَا كَمُهِمَّةٍ رَسْمِيَّةٍ لِجَرِيدَتِهَا فَقَطْ، بَلْ كَشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الِالْتِزَامِ الشَّخْصِيِّ. أَخْبَرَتْهُ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ أَنَّهَا تُفَكِّرُ فِي كِتَابَةِ كِتَابٍ كَامِلٍ عَنْ قِصَّةِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ، لَا مُجَرَّدَ مَقَالَاتٍ صَحَفِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كِتَابٌ يُوَثِّقُ كُلَّ مَا حَدَثَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ الَّتِي اخْتَفَتْ فِيهَا عَائِلَةُ الرِّفَاعِيِّ حَتَّى لَحْظَةِ سُقُوطِ كَمَالٍ، لِيَبْقَى شَاهِدًا مَكْتُوبًا لَا يُمْكِنُ مَحْوُهُ مَرَّةً أُخْرَى مَهْمَا حَاوَلَ أَحَدٌ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. “كَيْفَ تَسِيرُ الْأُمُورُ مَعَ الْمُهَنْدِسِينَ؟”
“بِشَكْلٍ جَيِّدٍ.” أَجَابَ سَلِيمٌ بِابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، الْأُولَى مِنْ نَوْعِهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ. “الْحَاجُّ تَوْفِيقُ، أَوِ الشَّيْخُ حَامِدُ الرِّفَاعِيُّ الصَّغِيرُ كَمَا صِرْنَا نُنَادِيهِ الْآنَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مُدَاعَبَةً، وَافَقَ عَلَى أَنْ يَكُونَ اسْتِشَارِيًّا فَخْرِيًّا لِلْمَشْرُوعِ. يُصِرُّ عَلَى الْحُضُورِ كُلَّ صَبَاحٍ، رَغْمَ عُمْرِهِ، لِيُشْرِفَ بِنَفْسِهِ عَلَى تَرْمِيمِ سُوقِ أَجْدَادِهِ.” أَشَارَ سَلِيمٌ نَحْوَ زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ السُّوقِ، حَيْثُ كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقُ نَفْسُهُ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ، يُرَاقِبُ الْعُمَّالَ بِعَيْنَيْنِ سَاهِرَتَيْنِ، وَبِجِوَارِهِ عُكَّازُهُ الْخَشَبِيُّ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يُفَارِقُهُ مُنْذُ لَيْلَةِ الِاحْتِجَازِ، لَكِنَّهُ رَغْمَ ذَلِكَ بَدَا أَكْثَرَ حَيَوِيَّةً وَإِشْرَاقًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، كَمَنْ وَجَدَ أَخِيرًا مَعْنًى جَدِيدًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعِيشَ مِنْ أَجْلِهِ فِي سِنِّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
نَظَرَتْ يَاسْمِينُ إِلَيْهِ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ. “أَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا اسْتِثْنَائِيًّا يَا سَلِيمُ. لَمْ تَكْتَفِ بِكَشْفِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ حَوَّلْتَ الْأَلَمَ إِلَى بِنَاءٍ حَقِيقِيٍّ. وَالِدُكَ كَانَ لِيَفْخَرَ بِكَ بِلَا حُدُودٍ.”
جَلَسَا مَعًا عَلَى مَقْعَدٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ عِنْدَ حَافَّةِ السُّوقِ، يَتَأَمَّلَانِ الْعُمَّالَ وَهُمْ يُرَمِّمُونَ وَاجِهَةَ أَحَدِ الْمَحَالِّ التِّجَارِيَّةِ الْعَتِيقَةِ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ بِسَلَامٍ دَاخِلِيٍّ لَمْ يَخْتَبِرْهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ. كَانَتِ الشَّمْسُ تَغْمُرُ السُّوقَ بِضَوْئِهَا الذَّهَبِيِّ الدَّافِئِ، وَرَائِحَةُ الْخُبْزِ الطَّازِجِ تَتَسَرَّبُ مِنْ فُرْنٍ قَرِيبٍ أُعِيدَ افْتِتَاحُهُ حَدِيثًا بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْإِغْلَاقِ، مَشْهَدٌ بَسِيطٌ لَكِنَّهُ حَمَلَ فِي طَيَّاتِهِ كُلَّ مَا كَانَ سَلِيمٌ يَبْحَثُ عَنْهُ دُونَ أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ حِينَ عَادَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. “أَتَعْرِفِينَ.” قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَهُوَ يُرَاقِبُ أَحَدَ الْمُهَنْدِسِينَ الشَّبَابِ يُشَاوِرُ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ بِخُصُوصِ لَوْنِ الطِّلَاءِ الْمُنَاسِبِ لِوَاجِهَةِ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ، شَاهِدًا عَلَى جِسْرٍ حَقِيقِيٍّ بَيْنَ جِيلٍ عَرَفَ الْحَيَّ فِي أَوْجِ عِزِّهِ وَجِيلٍ يَسْعَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ الْعِزِّ مِنْ جَدِيدٍ. “فِي أَلْمَانْيَا، كُنْتُ أَشْعُرُ دَائِمًا أَنَّنِي أَعِيشُ حَيَاةً مُؤَجَّلَةً، كَأَنِّي أَنْتَظِرُ شَيْئًا لَنْ يَأْتِيَ أَبَدًا. هُنَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، أَشْعُرُ أَنَّنِي أَعِيشُ الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، وَأَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ حَجَرٍ نُرَمِّمُهُ هُنَا هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِذَارِ الصَّامِتِ لِمَنْ فُقِدُوا، وَنَوْعٌ مِنَ الْوَعْدِ لِمَنْ سَيَأْتُونَ بَعْدَنَا بِأَلَّا يَتَكَرَّرَ مِثْلُ هَذَا الظُّلْمِ أَبَدًا.”
اِبْتَسَمَتْ يَاسْمِينُ، وَوَضَعَتْ رَأْسَهَا عَلَى كَتِفِهِ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ، حَرَكَةٌ عَفْوِيَّةٌ صَارَتْ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ طَبِيعِيَّةً مَعَ مُرُورِ الْأَسَابِيعِ. “وَأَنَا سَعِيدَةٌ لِأَنِّي كُنْتُ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ مَعَكَ، مَهْمَا كَانَتْ قَاسِيَةً فِي بَعْضِ مَحَطَّاتِهَا. وَأَظُنُّنِي، لَوْ عُدْتُ بِالزَّمَنِ إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْأُولَى فِي الْمَطَارِ، لَمَا تَرَدَّدْتُ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي خَوْضِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ مَعَكَ مِنْ جَدِيدٍ.”
اِبْتَسَمَ سَلِيمٌ بِحُزْنٍ خَفِيفٍ مُخْتَلِطٍ بِالِامْتِنَانِ، لَكِنَّ ظِلًّا مِنَ الْقَلَقِ عَادَ لِيَخْطُرَ بِبَالِهِ فَجْأَةً، ذَلِكَ الظِّلُّ الَّذِي لَمْ يُفَارِقْهُ تَمَامًا مُنْذُ لَيْلَةِ الِاعْتِقَالِ. “لَا أَزَالُ أُفَكِّرُ فِيمَا كَانَ كَمَالٌ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَقُولَهُ، تِلْكَ الْوَثِيقَةُ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا تَخُصُّنِي شَخْصِيًّا.”
وَضَعَتْ يَاسْمِينُ يَدَهَا عَلَى ذِرَاعِهِ بِلُطْفٍ. “رُبَّمَا كَانَتْ مُجَرَّدَ مُحَاوَلَةٍ أَخِيرَةٍ لِزَرْعِ الشَّكِّ فِي عَقْلِكَ، تَكْتِيكٌ نَفْسِيٌّ يَائِسٌ مِنْ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ.”
“رُبَّمَا.” قَالَ سَلِيمٌ بِتَرَدُّدٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ مُقْتَنِعًا تَمَامًا بِهَذَا التَّفْسِيرِ.

فِي ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ نَفْسِهِ، كَانَتْ لَيَانُ قَدْ بَدَأَتْ هِيَ الْأُخْرَى تَطْوِيَ صَفْحَةً جَدِيدَةً فِي حَيَاتِهَا. أَنْهَتْ عَقْدَ عَمَلِهَا فِي الشَّرِكَةِ الْمَحَاسِبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ فِيهَا مُنْذُ سِنِينَ، وَقَرَّرَتِ الِانْضِمَامَ رَسْمِيًّا إِلَى جَمْعِيَّةِ سَلِيمٍ الْجَدِيدَةِ كَمَسْؤُولَةٍ مَالِيَّةٍ، عَازِمَةً عَلَى أَنْ تُثْبِتَ لِنَفْسِهَا، لَا لِأَحَدٍ آخَرَ، أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الشُّعُورِ بِالضَّعْفِ وَالتَّبَعِيَّةِ. جَلَسَتْ ذَاتَ مَسَاءٍ مَعَ سَلِيمٍ فِي حَدِيقَةِ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ، تَحْتَ شَجَرَةِ لَيْمُونٍ عَتِيقَةٍ زَرَعَهَا جَدُّهُمَا قَبْلَ عُقُودٍ، تِلْكَ الشَّجَرَةُ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَى أَجْيَالٍ مِنْ عَائِلَةِ مُرَادٍ تَنْمُو وَتَكْبُرُ وَتَتَفَرَّقُ ثُمَّ تَجْتَمِعُ مِنْ جَدِيدٍ، وَقَالَتْ بِصَرَاحَةٍ لَمْ تَعْتَدْ عَلَيْهَا مَعَهُ مِنْ قَبْلُ: “لَنْ أَنْسَى أَبَدًا شُعُورَ الذَّنْبِ الَّذِي حَمَلْتُهُ حِينَ عَرَفْتُ أَنَّ تَوْقِيعِي كَادَ يُكَلِّفُ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ حَيَاتَهُ. لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ شَيْئًا مُهِمًّا مِنْ كُلِّ هَذَا: أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْوَحْدَةِ يَجْعَلُنَا نَثِقُ بِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ثِقَتَنَا، وَأَنَا لَنْ أَقَعَ فِي هَذَا الْفَخِّ مَرَّةً أُخْرَى.” تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، تُحَدِّقُ فِي أَوْرَاقِ الشَّجَرَةِ الَّتِي تَتَمَايَلُ بِرِفْقٍ فَوْقَهُمَا، ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا: “وَتَعَلَّمْتُ أَيْضًا أَنَّ الْحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً فِي لَحْظَتِهَا، أَفْضَلُ دَائِمًا مِنْ سِنِينَ طَوِيلَةٍ نَعِيشُهَا فِي ظِلِّ أَكَاذِيبَ نُرِيحُ بِهَا أَنْفُسَنَا مُؤَقَّتًا.”
اِبْتَسَمَ سَلِيمٌ وَأَمْسَكَ بِيَدِ أُخْتِهِ. “لَسْتِ وَحِيدَةً بَعْدَ الْآنَ يَا لَيَانُ، وَلَنْ تَكُونِي كَذَلِكَ أَبَدًا مَا دُمْتُ حَيًّا.” نَظَرَ إِلَى شَجَرَةِ اللَّيْمُونِ فَوْقَهُمَا، وَأَضَافَ بِصَوْتٍ أَخَفَّ، يُحَاوِلُ كَسْرَ جِدِّيَّةِ اللَّحْظَةِ: “وَأَعِدُكِ أَنِّي سَأُعَلِّمُ أَوْلَادَكِ يَوْمًا، إِنْ شَاءَ اللهُ، كَيْفَ يَتَسَلَّقُونَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ، تَمَامًا كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ يُفَرِّقَنَا كُلُّ هَذَا الزَّمَنِ.”

فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، حِينَ عَادَ سَلِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ الْقَدِيمِ الَّذِي بَدَأَ يَشْعُرُ فِيهِ بِالِانْتِمَاءِ حَقًّا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَدَ لَيَانَ تَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الْبَابِ، تَحْمِلُ فِي يَدَيْهَا مُغَلَّفًا أَبْيَضَ صَغِيرًا.
“وَصَلَنِي هَذَا الْيَوْمَ.” قَالَتْ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ فُضُولًا مُمْزُوجًا بِتَوَجُّسٍ خَفِيفٍ. “الْحَاجُّ تَوْفِيقُ تَرَكَهُ لَكَ عِنْدَ الْجَارَةِ قَبْلَ لَيْلَةِ خَطْفِهِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَلَّا تُسَلِّمَهُ لَكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَهْدَأَ الْأُمُورُ تَمَامًا. نَسِيَتْهُ الْجَارَةُ الْعَجُوزُ لِأَسَابِيعَ وَسَطَ كُلِّ الْفَوْضَى، ثُمَّ تَذَكَّرَتْهُ الْيَوْمَ.”
أَخَذَ سَلِيمٌ الْمُغَلَّفَ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا، وَرَأَى عَلَيْهِ اسْمَهُ مَكْتُوبًا بِخَطِّ يَدٍ عَرَبِيٍّ جَمِيلٍ، خَطُّ رَجُلٍ تَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ الْخَطُّ فَنًّا لَا يُتْقَنُهُ إِلَّا مَنْ تَعَلَّمَهُ بِعِنَايَةٍ. جَلَسَ عَلَى الْأَرِيكَةِ فِي الصَّالُونِ، وَلَيَانُ تَجْلِسُ بِجِوَارِهِ بِتَوَتُّرٍ صَامِتٍ، وَفَتَحَ الْمُغَلَّفَ بِحَذَرٍ، بَيْنَمَا كَانَتِ الرِّيَاحُ الرَّبِيعِيَّةُ الْخَفِيفَةُ تَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ الْمَفْتُوحَةِ، تَحْمِلُ مَعَهَا رَائِحَةَ زَهْرِ اللَّيْمُونِ مِنَ الْحَدِيقَةِ الْخَارِجِيَّةِ، فِي تَنَاقُضٍ غَرِيبٍ مَعَ الثِّقَلِ الَّذِي شَعَرَ بِهِ سَلِيمٌ فِي صَدْرِهِ.
بِدَاخِلِهِ، وَجَدَ وَرَقَةً وَاحِدَةً، وَصُورَةً فُوتُوغْرَافِيَّةً قَدِيمَةً جِدًّا، أَقْدَمَ حَتَّى مِنَ الصُّورَةِ الَّتِي وَجَدُوهَا فِي بَيْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. تَأَمَّلَ سَلِيمٌ الصُّورَةَ أَوَّلًا: رَجُلٌ شَابٌّ يَرْتَدِي زِيًّا تَقْلِيدِيًّا قَدِيمًا، يَقِفُ أَمَامَ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ عَرِيقٍ، وَبِجِوَارِهِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ تَحْمِلُ رَضِيعًا فِي ذِرَاعَيْهَا. عَلَى ظَهْرِ الصُّورَةِ، كَانَتْ ثَمَّةَ كِتَابَةٌ بَاهِتَةٌ: “الشَّيْخُ حَامِدُ الرِّفَاعِيُّ وَزَوْجَتُهُ، مَعَ ابْنِهِمَا الْبِكْرِ، عَامَ…” وَتَاريِخٌ يَعُودُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ عَامًا مَضَتْ. حَدَّقَ سَلِيمٌ فِي وَجْهِ الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ فِي الصُّورَةِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ فِيهِ مَلَامِحَ تُشْبِهُ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْيَوْمَ، وَوَجَدَ، بِدَهْشَةٍ غَرِيبَةٍ، أَنَّ شَكْلَ الْعَيْنَيْنِ كَانَ مُتَطَابِقًا تَمَامًا.
فَتَحَ سَلِيمٌ الْوَرَقَةَ الْمَطْوِيَّةَ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَرَأَ خَطَّ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لِلَيَانَ الَّتِي كَانَتْ تُصْغِي بِتَرَقُّبٍ:
“يَا سَلِيمُ، إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَنْ تَتَعَقَّدَ الْأُمُورُ أَكْثَرَ، شَيْءٌ ظَلَّ يُثْقِلُ ضَمِيرِي مُنْذُ اكْتَشَفْتُ حَقِيقَتِي عَلَى يَدِ وَالِدِكَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، حِينَ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يُخْبِرَنِي بِنَفْسِهِ، وَجْهًا لِوَجْهٍ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ كُلَّ شَيْءٍ حِينَهَا، وَبَكَيْنَا مَعًا لَيْلَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، وَتَصَالَحْنَا مَعَ مَاضٍ مُوجِعٍ لَمْ نَخْتَرْهُ لَا هُوَ وَلَا أَنَا.
لَكِنَّ مَا لَمْ يُخْبِرْنِي بِهِ وَالِدُكَ، وَمَا اكْتَشَفْتُهُ بِنَفْسِي بَعْدَ وَفَاتِهِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ حِينَ فَتَّشْتُ فِي أَوْرَاقِي الْعَائِلِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي وَرِثْتُهَا مِنْ عَائِلَتِي بِالتَّبَنِّي، هُوَ أَنَّ زَوَاجَ وَالِدِي، الشَّيْخِ حَامِدٍ، لَمْ يَكُنْ زَوَاجًا وَاحِدًا كَمَا ظَنَنْتُ طَوَالَ حَيَاتِي. كَانَ لِوَالِدِي زَوْجَةٌ أُولَى، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَشْؤُومَةِ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَتَرَكَتْ لَهُ ابْنَةً وَاحِدَةً، أُخْتِي غَيْرَ الشَّقِيقَةِ، تَزَوَّجَتْ صَغِيرَةً مِنْ رَجُلٍ مِنْ خَارِجِ الْحَيِّ، وَغَادَرَتِ الْمِنْطِقَةَ قَبْلَ الْحَادِثَةِ بِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَلِهَذَا نَجَتْ مِنْ مَصِيرِ بَقِيَّةِ الْعَائِلَةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ عَنْهَا أَحَدٌ شَيْئًا طَوَالَ عُقُودٍ.
يَا سَلِيمُ، ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ أُخْتِي غَيْرُ الشَّقِيقَةِ، كَانَ يَحْمِلُ اسْمَ عَائِلَةِ زَوْجِكَ الَّتِي تُدْعَى… مُرَادٍ.”
اِرْتَجَفَ صَوْتُ لَيَانَ وَهِيَ تَقْرَأُ هَذَا السَّطْرَ الْأَخِيرَ، وَتَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ لِتَلْتَقِطَ أَنْفَاسَهَا قَبْلَ أَنْ تُتَابِعَ، وَكَأَنَّهَا بِحَاجَةٍ إِلَى وَقْتٍ لِتَسْتَوْعِبَ هِيَ نَفْسُهَا حَجْمَ مَا تَقْرَؤُهُ لِأَخِيهَا.
سَقَطَتِ الْوَرَقَةُ مِنْ يَدَيْ سَلِيمٍ، وَحَدَّقَ فِي الْفَرَاغِ لِلَحْظَاتٍ طَوِيلَةٍ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى اسْتِيعَابِ مَا قَرَأَهُ لِتَوِّهِ. رَفَعَتْ لَيَانُ الْوَرَقَةَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَأَكْمَلَتِ الْقِرَاءَةَ بِصَوْتٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ:
“هَذَا يَعْنِي، يَا وَلَدِي، أَنَّ عَائِلَتَيْ الرِّفَاعِيِّ وَمُرَادٍ كَانَتَا مُتَشَابِكَتَيْنِ بِرَابِطِ دَمٍ قَدِيمٍ حَتَّى قَبْلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَشِعَةِ الَّتِي فَرَّقَتْهُمَا فِيمَا بَعْدُ بِأَبْشَعِ صُورَةٍ مُمْكِنَةٍ، رَابِطٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ حَتَّى جَدُّكَ نَفْسُهُ حِينَ سُجِّلَتِ الْأَرْضُ بِاسْمِ عَائِلَتِهِ. لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ سَتَتَقَبَّلُ هَذَا، وَلَا مَا يَعْنِيهِ بِالضَّبْطِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنِّي شَعَرْتُ أَنَّهُ حَقٌّ لَكَ أَنْ تَعْرِفَهُ، تَمَامًا كَمَا كَانَ حَقًّا لِي أَنْ أَعْرِفَ حَقِيقَتِي الْخَاصَّةِ. رُبَّمَا تَحْمِلُ أُسَرٌ أُخْرَى فِي هَذَا الْحَيِّ أَسْرَارًا مُشَابِهَةً لَمْ تُكْتَشَفْ بَعْدُ. مَنْ يَدْرِي؟ رُبَّمَا هَذِهِ لَيْسَتْ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ يَا سَلِيمُ، بَلْ بِدَايَةَ فَصْلٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا.”
رَفَعَ سَلِيمٌ عَيْنَيْهِ نَحْوَ أُخْتِهِ، وَعَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ نَفْسَ الذُّهُولِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ، وَخَارِجَ نَافِذَةِ الصَّالُونِ، كَانَ ضَوْءُ الْقَمَرِ يَتَسَلَّلُ بِهُدُوءٍ عَلَى شَوَارِعِ حَيِّ الْيَاسَمِينِ الْعَتِيقَةِ، تِلْكَ الشَّوَارِعُ الَّتِي بَدَتْ لَهُ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا عَرَفَهُ، أَشَدَّ غُمُوضًا وَعُمْقًا مِمَّا تَخَيَّلَ يَوْمًا حِينَ عَادَ إِلَيْهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، رَجُلًا يَظُنُّ أَنَّهُ يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ حَقِيقَةِ مَوْتِ أَبِيهِ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ الْآنَ وَاقِفًا عَلَى عَتَبَةِ حِكَايَةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَ، حِكَايَةٍ لَمْ تَنْتَهِ فُصُولُهَا بَعْدُ.
نَهَضَتْ لَيَانُ، وَأَشْعَلَتْ مِصْبَاحًا صَغِيرًا فِي زَاوِيَةِ الصَّالُونِ، كَأَنَّهَا بِحَاجَةٍ إِلَى ضَوْءٍ إِضَافِيٍّ يُبَدِّدُ ثِقَلَ مَا سَمِعَتْهُ لِتَوِّهَا. “هَذَا يَعْنِي.” قَالَتْ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ خَلِيطًا مِنَ الذُّهُولِ وَشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الْمَرَحِ الْحَذِرِ. “أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ لَيْسَ فَقَطْ صَدِيقًا قَدِيمًا لِوَالِدِنَا يَا سَلِيمُ، بَلْ رُبَّمَا قَرِيبٌ بَعِيدٌ لَنَا، بِطَرِيقَةٍ مُلْتَوِيَةٍ وَمُعَقَّدَةٍ، لَكِنَّهَا قَرَابَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي النِّهَايَةِ.”
اِبْتَسَمَ سَلِيمٌ ابْتِسَامَةً غَرِيبَةً، مَزِيجًا مِنَ الدَّهْشَةِ وَشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالِارْتِيَاحِ الْعَمِيقِ. “أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُفَسِّرُ لِمَاذَا شَعَرْتُ دَائِمًا بِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ فِي حُضُورِهِ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى الَّتِي الْتَقَيْتُهُ فِيهَا، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنِّي كَانَ يَعْرِفُ شَيْئًا لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إِلَى وَعْيِي الْكَامِلِ.”
وَقَفَ سَلِيمٌ، وَاقْتَرَبَ مِنَ النَّافِذَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الْحَيِّ النَّائِمِ فِي هُدُوءِ اللَّيْلِ، وَفَكَّرَ فِي كَلِمَاتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقِ الْأَخِيرَةِ فِي رِسَالَتِهِ: “رُبَّمَا هَذِهِ لَيْسَتْ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ، بَلْ بِدَايَةَ فَصْلٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا.” شَعَرَ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَحْمِلُ صِدْقًا أَعْمَقَ مِمَّا كَانَ يَتَخَيَّلُ: فَحَيُّ الْيَاسَمِينِ، بِكُلِّ بُيُوتِهِ الْعَتِيقَةِ وَأَزِقَّتِهِ الضَّيِّقَةِ، كَانَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ حِكَايَاتٍ لَمْ تُرْوَ بَعْدُ، وَأَسْرَارًا رُبَّمَا تَنْتَظِرُ فُضُولَ جِيلٍ جَدِيدٍ لِيَكْتَشِفَهَا، تَمَامًا كَمَا اكْتَشَفَ هُوَ نَفْسَهُ، دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ لِذَلِكَ، أَنَّ رِحْلَةَ الْبَحْثِ عَنِ الْحَقِيقَةِ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ إِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ تَفْتَحُ دَائِمًا بَابًا نَحْوَ سُؤَالٍ جَدِيدٍ، أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ إِلْحَاحًا مِنَ الَّذِي سَبَقَهُ.
اِلْتَفَتَ نَحْوَ لَيَانَ، الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ تُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ الْقَدِيمَةِ بِذُهُولٍ صَامِتٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ: “غَدًا، سَأَذْهَبُ لِأُرِيَ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، وَسَأَسْأَلُهُ عَنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ يَعْرِفُهُ عَنْ تِلْكَ الْأُخْتِ غَيْرِ الشَّقِيقَةِ الَّتِي غَادَرَتِ الْحَيَّ قَبْلَ الْحَادِثَةِ. رُبَّمَا لَا تَزَالُ هُنَاكَ خُيُوطٌ يُمْكِنُنَا تَتَبُّعُهَا، أَحْفَادٌ لَمْ نَعْرِفْ بِوُجُودِهِمْ، فُرُوعٌ مِنَ الْعَائِلَةِ تَنَاثَرَتْ عَبْرَ السِّنِينَ وَلَا تَزَالُ تَحْمِلُ فِي دِمَائِهَا نَفْسَ الْحِكَايَةِ الَّتِي بَدَأَتْ فِي هَذَا الْحَيِّ.” اِبْتَسَمَ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، وَأَضَافَ بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى الْهَمْسِ: “أَشْعُرُ أَنَّ وَالِدِي كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ سَتَأْتِي يَوْمًا، وَأَنَّهُ تَرَكَ لِي، دُونَ أَنْ يَقْصِدَ رُبَّمَا، طَرِيقًا كَامِلًا نَحْوَهَا، حَجَرًا مُلَوَّنًا تِلْوَ حَجَرٍ مُلَوَّنٍ، كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ فِي لُعْبَتِنَا الْقَدِيمَةِ.”
هَزَّتْ لَيَانُ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، وَعَلَى شَفَتَيْهَا لَاحَتْ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ فَتْحِ الْمُغَلَّفِ. “يَبْدُو أَنَّ رِحْلَتَنَا مَعَ حَيِّ الْيَاسَمِينِ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ يَا أَخِي.”
“لَا.” قَالَ سَلِيمٌ بِيَقِينٍ هَادِئٍ، وَهُوَ يَطْوِي الرِّسَالَةَ بِعِنَايَةٍ وَيَضَعُهَا بِجَانِبِ الصُّنْدُوقِ الثَّالِثِ الَّذِي لَمْ يَجْرُؤْ بَعْدُ عَلَى فَتْحِهِ، ذَلِكَ الصُّنْدُوقُ الَّذِي انْتَظَرَهُ الْآنَ بِصَبْرٍ جَدِيدٍ، لَا خَوْفًا كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، بَلْ فُضُولًا حَقِيقِيًّا يُشْبِهُ فُضُولَ طِفْلٍ يَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ مُغَامَرَةٍ لَمْ يَكْتَشِفْ بَعْدُ كُلَّ عَجَائِبِهَا. “لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.”
نَظَرَ نَحْوَ الصُّورَةِ الْقَدِيمَةِ مَرَّةً أَخِيرَةً، صُورَةَ الشَّيْخِ حَامِدٍ وَزَوْجَتِهِ وَطِفْلِهِمَا الْبِكْرِ، وَأَحَسَّ بِرَابِطٍ غَرِيبٍ يَشُدُّهُ نَحْوَ تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي عَاشَتْ وَأَحَبَّتْ وَخَافَتْ فِي هَذَا الْحَيِّ نَفْسِهِ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، وَتَذَكَّرَ كَلِمَاتِ وَالِدِهِ فِي التَّسْجِيلِ الصَّوْتِيِّ: “الْحَقِيقَةُ لَا تَمُوتُ مَعَ مَنْ يَعْرِفُهَا، بَلْ تَنْتَظِرُ فَقَطْ مَنْ يَجْرُؤُ عَلَى حَمْلِهَا.” شَعَرَ سَلِيمٌ، لِلَحْظَةٍ عَابِرَةٍ لَكِنَّهَا عَمِيقَةٌ، أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ فَقَطِ الِابْنَ الَّذِي عَادَ لِيَبْحَثَ عَنْ إِجَابَاتٍ عَنْ مَوْتِ أَبِيهِ، بَلْ صَارَ حَلْقَةً جَدِيدَةً فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ عَلَى مَدَى أَجْيَالٍ، كُلٌّ مِنْهُمْ يُسَلِّمُهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، حَتَّى تَصِلَ يَوْمًا إِلَى مَنْ يَمْتَلِكُ الشَّجَاعَةَ الْكَافِيَةَ لِيُعْلِنَهَا لِلْعَالَمِ كُلِّهِ، لَا لِيَحْمِلَهَا فِي صَمْتٍ فَقَطْ.
وَقَفَتْ لَيَانُ وَاقْتَرَبَتْ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى جِوَارِ أَخِيهَا، وَنَظَرَا مَعًا إِلَى الْحَيِّ النَّائِمِ تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ، ذَلِكَ الْحَيُّ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ حَجَرٍ مِنْ حِجَارَتِهِ، وَكُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ الْخَشَبِيَّةِ الْعَتِيقَةِ، حِكَايَاتٍ لَمْ تُرْوَ بَعْدُ، وَأَسْرَارًا لَا تَزَالُ نَائِمَةً فِي انْتِظَارِ مَنْ يُوقِظُهَا. “أَتَعْرِفُ يَا سَلِيمُ.” قَالَتْ لَيَانُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ حِكْمَةً جَدِيدَةً اكْتَسَبَتْهَا مِنْ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ. “رُبَّمَا كَانَتِ الْيَاسَمِينَةُ الَّتِي سُمِّيَ الْحَيُّ بِاسْمِهَا لَا تَزَالُ تُزْهِرُ كُلَّ رَبِيعٍ، لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ تَحْتَ جُذُورِهَا حِكَايَاتٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى، وَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ فَقَطْ مَنْ يُنْصِتُ بِمَا يَكْفِي لِيَسْمَعَهَا.”
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، وَقَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ سَلِيمٌ لِزِيَارَةِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ كَمَا وَعَدَ، وَقَفَ لِبُرْهَةٍ أَمَامَ مِرْآةِ غُرْفَتِهِ الْقَدِيمَةِ، تِلْكَ الْغُرْفَةُ الَّتِي نَامَ فِيهَا طِفْلًا قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، وَتَأَمَّلَ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ طَوِيلًا، بَاحِثًا عَنْ مَلَامِحَ ذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي كَانَهُ يَوْمًا، وَمُتَسَائِلًا إِنْ كَانَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهُ فِي دَاخِلِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسَ الرَّجُلِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، حَامِلًا حَقِيبَتَيْنِ فَقَطْ وَسُؤَالًا وَاحِدًا بَسِيطًا عَنْ مَوْتِ أَبِيهِ. صَارَ الْآنَ رَجُلًا يَحْمِلُ إِرْثًا كَامِلًا مِنَ الْحَقَائِقِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ، رَجُلًا وَجَدَ فِي خِضَمِّ الْأَلَمِ عَائِلَةً أَوْسَعَ مِمَّا تَخَيَّلَ، وَحُبًّا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ، وَانْتِمَاءً لِمَكَانٍ ظَنَّ يَوْمًا أَنَّهُ غَادَرَهُ إِلَى الْأَبَدِ، وَجُذُورًا امْتَدَّتْ فَجْأَةً لِتَشْمَلَ عَائِلَةً لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهَا حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ. اِبْتَسَمَ لِنَفْسِهِ فِي الْمِرْآةِ، ابْتِسَامَةً هَادِئَةً وَاثِقَةً، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْغُرْفَةِ لِيَبْدَأَ يَوْمًا جَدِيدًا فِي حَيٍّ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ مِنْ الْبَوْحِ بِأَسْرَارِهِ، حَيٍّ صَارَ الْآنَ، بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ فَرَحٍ وَأَلَمٍ وَذَاكِرَةٍ عَتِيقَةٍ لَا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، وَطَنَهُ الْحَقِيقِيَّ الْوَحِيدَ، الَّذِي لَنْ يُغَادِرَهُ مَرَّةً أُخْرَى مَهْمَا حَمَلَتِ الْأَيَّامُ الْقَادِمَةُ.

تمت

نعمان البربري