وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ
١
اسْتَيْقَظَ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ فِي السَّادِسَةِ صَبَاحًا، قَبْلَ أَنْ يَرِنَّ الْمُنَبِّهُ بِنِصْفِ سَاعَةٍ كَامِلَةٍ، بَعْدَ لَيْلَةِ نَوْمٍ مُتَقَطِّعَةٍ مَلِيئَةٍ بِأَحْلَامٍ مُشَوَّشَةٍ عَنْ أَزِقَّةٍ ضَيِّقَةٍ وَوُجُوهٍ غَامِضَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَذَكُّرَ مَلَامِحِهَا بِوُضُوحٍ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ. جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرِهِ فِي الْعَتْمَةِ الْخَفِيفَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَنَظَرَ إِلَى حَقِيبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا بِسُرْعَةٍ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، مَوْضُوعَةً عِنْدَ الْبَابِ، جَاهِزَةً لِلرَّحِيلِ.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ غُرْفَةَ نَوْمِهِ، عَادَ إِلَى الدُّرْجِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ الْعُلْبَةَ الْكَرْتُونِيَّةَ الْقَدِيمَةَ قَبْلَ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَأَخْرَجَ تِلْكَ الصُّورَةَ الْفُوتُوغْرَافِيَّةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي احْتَفَظَ بِهَا مِنْ صَيْفِ 1976: صُورَتَهُ الشَّابَّ النَّحِيلَ بِجَانِبِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ أَمَامَ وَاجِهَةِ الْمَتْجَرِ. فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِيمَا إِذَا كَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يَحْمِلَهَا مَعَهُ فِي رِحْلَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِمَخَاطِرَ لَا يَعْرِفُ حَجْمَهَا الْحَقِيقِيَّ بَعْدُ، لَكِنَّهُ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَضَعَهَا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ فِي الْجَيْبِ الدَّاخِلِيِّ لِحَقِيبَتِهِ الْيَدَوِيَّةِ، مَلْفُوفَةً بِمِنْدِيلٍ وَرَقِيٍّ نَاعِمٍ لِيَحْمِيَهَا مِنْ أَيِّ احْتِكَاكٍ قَدْ يُتْلِفُهَا. شَعَرَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ مَعَهُ، كَتَعْوِيذَةٍ صَغِيرَةٍ، كَتَذْكِيرٍ دَائِمٍ بِالسَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ وَرَاءَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا، وَسْطَ كُلِّ الشُّكُوكِ وَالتَّهْدِيدَاتِ الَّتِي بَدَأَتْ تُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
فَتَحَ هَاتِفَهُ، الَّذِي أَبْقَاهُ مُطْفَأً طَوَالَ اللَّيْلِ، وَشَاهَدَ شَاشَتَهُ تُضِيءُ بِبُطْءٍ، تَحْمِلُ إِشْعَارَاتٍ مُتَرَاكِمَةً: رَسَائِلَ مِنْ سَارَةَ تُؤَكِّدُ إِلْغَاءَ الْمَوَاعِيدِ، وَرِسَالَةً مِنْ أَحَدِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ يَتَمَنَّى لَهُ «سَفَرًا مَيْمُونًا»، وَرِسَالَةً مِنْ كَرِيمٍ، ابْنِهِ، أَرْسَلَهَا قَبْلَ سَاعَتَيْنِ فَقَطْ: «أَبِي، لِمَاذَا أَنْتَ فِي وَضْعِ الطَّيَرَانِ عَلَى وَاتْسَاب فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ اتَّصِلْ بِي فَوْرَ اسْتِيقَاظِكَ، أَرْجُوكَ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِثِقَلِ الذَّنْبِ يَضْغَطُ عَلَى صَدْرِهِ؛ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخْبَرَ كَرِيمَ بَعْدُ بِأَيِّ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ، وَاكْتَفَى بِرِسَالَةِ سَارَةَ الْمُقْتَضَبَةِ عَنْ «مُهِمَّةٍ عَائِلِيَّةٍ طَارِئَةٍ» لِتَصِلَهُ عَبْرَ قَنَوَاتِ الْعَمَلِ، ظَانًّا أَنَّ هَذَا سَيَكْفِي لِتَهْدِئَةِ قَلَقِ ابْنِهِ لِبِضْعَةِ أَيَّامٍ. لَكِنَّهُ فَهِمَ الْآنَ، مِنْ نَبْرَةِ الرِّسَالَةِ، أَنَّ كَرِيمَ لَمْ يَقْتَنِعْ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ الْمُبْهَمِ.
اتَّصَلَ بِهِ فَوْرًا، رَغْمَ السَّاعَةِ الْمُبَكِّرَةِ، عَارِفًا أَنَّ ابْنَهُ، بِحُكْمِ طَبِيعَةِ دِرَاسَتِهِ فِي الطِّبِّ، مُعْتَادٌ عَلَى الِاسْتِيقَاظِ بَاكِرًا جِدًّا.
«أَبِي! أَخِيرًا. مَاذَا يَجْرِي؟ لِمَاذَا أَلْغَيْتَ كُلَّ مَوَاعِيدِكَ فَجْأَةً، وَأَيْنَ أَنْتَ ذَاهِبٌ؟» جَاءَ صَوْتُ كَرِيمٍ مُتَوَتِّرًا، يَحْمِلُ قَلَقًا حَقِيقِيًّا لَمْ يُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
تَنَهَّدَ عَدْنَانُ بِعُمْقٍ. «كَرِيمُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَسْتَمِعَ إِلَيَّ بِهُدُوءٍ. لَا شَيْءَ يَسْتَدْعِي الْقَلَقَ الشَّدِيدَ، لَكِنَّنِي مُسَافِرٌ إِلَى بَيْرُوتَ هَذَا الصَّبَاحَ، لِأَمْرٍ شَخْصِيٍّ مُهِمٍّ يَتَعَلَّقُ… بِمَاضِي عَائِلَتِنَا.»
«مَاضِي عَائِلَتِنَا؟ أَبِي، أَنْتَ لَا تَتَحَدَّثُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْغَامِضَةِ أَبَدًا. أَخْبِرْنِي بِالْحَقِيقَةِ.» صَمَتَ كَرِيمُ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حِدَّةً: «هَلْ لِهَذَا عَلَاقَةٌ بِذَلِكَ السُّؤَالِ الْغَرِيبِ الَّذِي طَرَحْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ يَوْمَيْنِ، عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ؟»
٢
قَرَّرَ عَدْنَانُ، بَعْدَ تَرَدُّدٍ قَصِيرٍ، أَنْ يُشَارِكَ ابْنَهُ جُزْءًا مِنَ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلَّهَا. أَخْبَرَهُ عَنِ الرِّسَالَةِ الْقَانُونِيَّةِ مِنْ دِمَشْقَ، عَنِ الْوَصِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، عَنِ اسْمِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ الَّذِي ظَهَرَ فَجْأَةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ. لَمْ يَذْكُرْ، عَمْدًا، تَفَاصِيلَ الْمُكَالَمَةِ الْمَجْهُولَةِ وَالتَّهْدِيدَ الْمُبَطَّنَ الَّذِي تَلَقَّاهُ؛ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَزِيدَ قَلَقَ ابْنِهِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ ضَرُورِيٌّ، خَاصَّةً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ بَعْدُ صُورَةً وَاضِحَةً عَنْ حَجْمِ الْخَطَرِ الْحَقِيقِيِّ إِنْ وُجِدَ أَصْلًا.
اسْتَمَعَ كَرِيمُ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ قَالَ أَخِيرًا، بِنَبْرَةٍ يَشُوبُهَا قَلَقٌ عَمِيقٌ: «أَبِي، هَذَا يَبْدُو مُعَقَّدًا وَغَرِيبًا جِدًّا. لِمَاذَا لَا تَدَعِ الْمُحَامِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْأَمْرَ مِنْ بَعِيدٍ؟ لِمَاذَا عَلَيْكَ أَنْ تُسَافِرَ بِنَفْسِكَ، فِي هَذَا الْعُمْرِ، إِلَى مِنْطَقَةٍ لَمْ تَعُدْ آمِنَةً تَمَامًا كَمَا كَانَتْ؟»
«لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَخُصُّنِي أَنَا شَخْصِيًّا، يَا بُنَيَّ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْهَمَهُ حَقَّ الْفَهْمِ مِنْ خَلْفِ مَكْتَبٍ فِي فْرَانْكْفُورْتَ. هُنَاكَ أَسْئِلَةٌ ظَلَّتْ مُعَلَّقَةً فِي دَاخِلِي مُنْذُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، وَأَشْعُرُ أَنَّنِي مَدِينٌ لِنَفْسِي، وَلِذِكْرَى رَجُلٍ عَلَّمَنِي كُلَّ شَيْءٍ أَعْرِفُهُ تَقْرِيبًا عَنِ الْحَيَاةِ وَالْعَمَلِ، أَنْ أَعْرِفَ أَخِيرًا مَا حَدَثَ لَهُ.»
«وَمَاذَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ؟ أَنْتَ كُلُّ مَا تَبَقَّى لِي مِنْ عَائِلَةٍ قَرِيبَةٍ، أَبِي، مُنْذُ رَحَلَتْ أُمِّي.»
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بِذِكْرِهَا لِأُمِّهِ الْمُتَوَفَّاةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، كَافِيَةً لِتُحْدِثَ فِي صَدْرِ عَدْنَانَ أَلَمًا حَادًّا مَأْلُوفًا، لَكِنَّهُ حَاوَلَ أَنْ يُجِيبَ بِثَبَاتٍ قَدْرَ الْإِمْكَانِ. «أَعِدُكَ أَنَّنِي سَأَكُونُ حَذِرًا، يَا كَرِيمُ، وَسَأَبْقَى عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَكَ يَوْمِيًّا طَوَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ. وَإِنْ شَعَرْتُ بِأَيِّ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ، سَأَعُودُ فَوْرًا، أَعِدُكَ بِذَلِكَ.»
لَمْ يَقْتَنِعْ كَرِيمُ تَمَامًا، كَمَا كَانَ وَاضِحًا مِنْ صَمْتِهِ الطَّوِيلِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ أَخِيرًا: «حَسَنًا، لَكِنِ اتَّصِلْ بِي حِينَ تَصِلُ إِلَى الْمَطَارِ، وَحِينَ تَصِلُ إِلَى الْفُنْدُقِ، وَفِي كُلِّ مَسَاءٍ قَبْلَ أَنْ تَنَامَ. وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، سَآخُذُ أَوَّلَ طَائِرَةٍ إِلَى بَيْرُوتَ بِنَفْسِي.»
ابْتَسَمَ عَدْنَانُ رَغْمَ الْقَلَقِ الَّذِي يَعْتَصِرُهُ، مُتَأَثِّرًا بِحِرْصِ ابْنِهِ الصَّادِقِ. «اتَّفَقْنَا.»
«أَبِي، سُؤَالٌ أَخِيرٌ.» تَرَدَّدَ كَرِيمُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ. «أَتَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ أُمِّي كَانَتْ لَا تَزَالُ هُنَا، لِتُسَاعِدَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ أَعْنِي… أَنْتَ لَمْ تَتَحَدَّثْ عَنْهَا كَثِيرًا فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ مِنْ مَاضِيكَ لَمْ تُشَارِكْهَا مَعِي، وَلَا حَتَّى مَعَهَا عَلَى مَا أَظُنُّ.»
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ كَافِيَةً لِتُوقِظَ فِي صَدْرِ عَدْنَانَ خَلِيطًا مِنَ الْمَشَاعِرِ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ: حَنِينًا عَمِيقًا إِلَى زَوْجَتِهِ الرَّاحِلَةِ، إِنْغْرِيدَ، الْأَلْمَانِيَّةِ الَّتِي أَحَبَّهَا وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنِ اسْتِقْرَارِهِ فِي فْرَانْكْفُورْتَ، وَالَّتِي رَحَلَتْ عَنِ الدُّنْيَا قَبْلَ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ بِمَرَضٍ عُضَالٍ لَمْ يُمْهِلْهَا طَوِيلًا، وَشُعُورًا بِالذَّنْبِ لِأَنَّهُ، كَمَا لَاحَظَ كَرِيمُ بِذَكَاءٍ، لَمْ يُشَارِكْهَا يَوْمًا كَامِلَ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَكَأَنَّهُ أَبْقَى جُزْءًا مِنْ نَفْسِهِ مُقْفَلًا حَتَّى عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ.
«رُبَّمَا، يَا بُنَيَّ. إِنْغْرِيدُ كَانَتِ امْرَأَةً حَكِيمَةً، وَكَانَتْ سَتَعْرِفُ كَيْفَ تَنْصَحُنِي فِي لَحْظَةٍ كَهَذِهِ.» تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِصِدْقٍ مُفَاجِئٍ: «لَكِنْ رُبَّمَا كَانَ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ هَذَا الْآنَ. كَانَتْ سَتَقْلَقُ عَلَيَّ كَثِيرًا، أَكْثَرَ مِمَّا تَقْلَقُ أَنْتَ حَتَّى.»
٣
فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَطَارِ، فِي السَّيَّارَةِ الَّتِي اسْتَقَلَّهَا بِمُفْرَدِهِ رَافِضًا أَنْ يَطْلُبَ مِنْ سَائِقِهِ الْمُعْتَادِ أَنْ يُرَافِقَهُ، وَهُوَ قَرَارٌ اتَّخَذَهُ بِوَعْيٍ تَامٍّ رَغْبَةً مِنْهُ فِي تَقْلِيلِ عَدَدِ مَنْ يَعْرِفُونَ تَفَاصِيلَ رِحْلَتِهِ، رَاجَعَ عَدْنَانُ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ مَا جَمَعَهُ حَتَّى الْآنَ: الرِّسَالَةَ مِنَ الْمُحَامِي زِيَادَ سَلُّومٍ، وَالْمُكَالَمَةَ الْمَجْهُولَةَ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، وَذَلِكَ الشُّعُورَ الْمُتَنَامِيَ بِأَنَّ شَبَكَةً مُعَقَّدَةً مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْأَسْرَارِ الْقَدِيمَةِ بَدَأَتْ تَتَحَرَّكُ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ السُّكُونِ الظَّاهِرِيِّ.
اسْتَأْجَرَ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ عَادِيَّةً مِنْ مَوْقِفٍ قَرِيبٍ مِنْ مَبْنَى شَرِكَتِهِ بَدَلًا مِنْ سَيَّارَتِهِ الْخَاصَّةِ أَوْ أَيَّةِ خِدْمَةٍ مَحْجُوزَةٍ مُسْبَقًا بِاسْمِهِ، حِرْصًا إِضَافِيًّا مِنْهُ، شَعَرَ بِغَرَابَتِهِ حَتَّى وَهُوَ يَتَّخِذُهُ، وَكَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِطَرِيقَةٍ رَأَى مِثْلَهَا فَقَطْ فِي أَفْلَامِ التَّجَسُّسِ، لَا فِي حَيَاتِهِ الْوَاقِعِيَّةِ الْهَادِئَةِ الْمُعْتَادَةِ. لَكِنْ تِلْكَ الْمُكَالَمَةُ الْمُهَدِّدَةُ كَانَتْ كَافِيَةً لِتَزْرَعَ فِيهِ بَذْرَةَ حَذَرٍ لَمْ يَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ، حَذَرٍ بَدَأَ يَنْمُو بِسُرْعَةٍ مَعَ كُلِّ سَاعَةٍ تَمُرُّ.
كَانَ قَدْ أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى الْمُحَامِي زِيَادَ سَلُّومٍ يُخْبِرُهُ فِيهَا بِمَوْعِدِ وُصُولِهِ الْمُتَوَقَّعِ إِلَى بَيْرُوتَ، وَنِيَّتِهِ السَّفَرَ بَرًّا إِلَى دِمَشْقَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، طَالِبًا مِنْهُ تَرْتِيبَ لِقَاءٍ مُبَاشِرٍ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ. جَاءَ رَدُّ الْمُحَامِي سَرِيعًا، مُقْتَضَبًا لَكِنَّهُ حَمَلَ نَبْرَةَ تَرْحِيبٍ حَقِيقِيٍّ: «سَأَكُونُ سَعِيدًا بِلِقَائِكَ شَخْصِيًّا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. سَأُرَتِّبُ كُلَّ التَّفَاصِيلِ اللَّازِمَةِ، وَسَأَحْرِصُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْإِجْرَاءَاتُ كُلُّهَا آمِنَةً وَسِرِّيَّةً قَدْرَ الْإِمْكَانِ.»
وَصَلَ عَدْنَانُ إِلَى الْمَطَارِ قَبْلَ مَوْعِدِ رِحْلَتِهِ بِسَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، عَادَةٌ قَدِيمَةٌ اكْتَسَبَهَا مِنْ سَنَوَاتِ السَّفَرِ الْمُتَكَرِّرِ لِأَعْمَالِهِ، وَجَلَسَ فِي صَالَةِ رِجَالِ الْأَعْمَالِ الْهَادِئَةِ نِسْبِيًّا، يَحْتَسِي فِنْجَانَ قَهْوَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِطَعْمِهِ كَمَا اعْتَادَ، وَعَقْلُهُ مَشْغُولٌ بِالتَّفْكِيرِ فِي كُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي قَدْ تَنْتَظِرُهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
بَيْنَمَا كَانَ عَدْنَانُ يَجْلِسُ فِي صَالَةِ الِانْتِظَارِ فِي مَطَارِ فْرَانْكْفُورْتَ، يَنْتَظِرُ نِدَاءَ الصُّعُودِ إِلَى الطَّائِرَةِ، رَنَّ هَاتِفُهُ مَرَّةً أُخْرَى، بِرَقْمٍ غَيْرِ مَحْفُوظٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضًا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ بَادِئَةً دَوْلِيَّةً مُخْتَلِفَةً عَنِ الرَّقْمِ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ.
تَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ مُتَوَقِّعًا أَنْ يَكُونَ الصَّوْتَ نَفْسَهُ مِنْ جَدِيدٍ. «أَلُو؟»
لَكِنَّ الصَّوْتَ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا: صَوْتُ امْرَأَةٍ، شَابَّةٍ نِسْبِيًّا عَلَى مَا بَدَا مِنْ نَبْرَتِهَا، تَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةٍ لُبْنَانِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، سَرِيعَةٍ، مُبَاشِرَةٍ.
«سَيِّدُ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ؟»
«نَعَمْ، مَنِ الْمُتَّصِلَةُ؟»
«اسْمِي لَا يُهِمُّ الْآنَ يَا سَيِّدِي، لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُحَذِّرَكَ، بِصِدْقٍ، وَلَيْسَ بِتَهْدِيدٍ كَمَا رُبَّمَا تَلَقَّيْتَ مِنْ قَبْلُ. أَعْرِفُ أَنَّكَ مُسَافِرٌ إِلَى بَيْرُوتَ الْيَوْمَ. أَرْجُوكَ، كُنْ حَذِرًا جِدًّا بِمَنْ تَثِقُ فِيهِ هُنَاكَ، وَخَاصَّةً بِخُصُوصِ كُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْكَ بِحُجَّةِ «مُسَاعَدَتِكَ» فِي هَذَا الْمِلَفِّ. لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَبْدُو صَدِيقًا هُوَ كَذَلِكَ فِعْلًا.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ مَأْلُوفَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. «مَنْ أَنْتِ؟ وَكَيْفَ تَعْرِفِينَ بِأَمْرِ سَفَرِي؟»
«لَا وَقْتَ لَدَيَّ لِلشَّرْحِ الْآنَ يَا سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، لَكِنَّنِي سَأُحَاوِلُ التَّوَاصُلَ مَعَكَ مَرَّةً أُخْرَى حِينَ يَحِينُ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ. فَقَطْ، أَرْجُوكَ، احْتَفِظْ بِرَقْمِ هَذَا الِاتِّصَالِ، وَلَا تَثِقْ بِأَيِّ شَخْصٍ يَتَّصِلُ بِكَ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَعْرِفُنِي أَوْ يَعْرِفُ هَذِهِ الْمُكَالَمَةَ، حَتَّى تَتَأَكَّدَ بِنَفْسِكَ مِمَّنْ يَكُونُ.»
«انْتَظِرِي، أَرْجُوكِ. أَأَنْتِ فِي خَطَرٍ؟ أَلِهَذَا عَلَاقَةٌ بِالْمُحَامِي زِيَادَ سَلُّومٍ؟»
تَرَدَّدَ الصَّوْتُ لَحْظَةً، وَكَأَنَّ صَاحِبَتَهُ تَزِنُ كَلِمَاتِهَا بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ. «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَكِّدَ أَوْ أَنْفِيَ شَيْئًا بِخُصُوصِ أَيِّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ الْآنَ. كُلُّ مَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ هُوَ أَنَّ هَذَا الْمِلَفَّ، الَّذِي ظَنَنْتَ أَنَّهُ مُجَرَّدُ إِجْرَاءٍ قَانُونِيٍّ بَسِيطٍ، أَعْمَقُ وَأَخْطَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ، وَأَنَّ أَطْرَافًا مُتَعَدِّدَةً، لَا طَرَفًا وَاحِدًا، تُتَابِعُ كُلَّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي فَتَحْتَ فِيهَا تِلْكَ الرِّسَالَةَ.»
«أَطْرَافٌ مُتَعَدِّدَةٌ؟ كَمْ عَدَدُهُمْ بِالضَّبْطِ؟»
«أَكْثَرُ مِمَّا تَظُنُّ، وَأَقَلُّ تَنْظِيمًا مِمَّا تَخْشَى، فِي آنٍ وَاحِدٍ. هَذَا كُلُّ مَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ الْآنَ.» سَمِعَ عَدْنَانُ صَوْتَ ضَجِيجٍ خَافِتٍ فِي الْخَلْفِيَّةِ، أَشْبَهَ بِحَرَكَةِ سَيْرٍ أَوْ زَحْمَةِ سُوقٍ، وَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَتَّصِلُ مِنْ مَكَانٍ عَامٍّ مُزْدَحِمٍ. «يَجِبُ أَنْ أُغْلِقَ الْخَطَّ الْآنَ. تَذَكَّرْ مَا قُلْتُهُ لَكَ.»
انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ عَدْنَانُ طَرْحَ أَيِّ سُؤَالٍ آخَرَ، تَارِكًا إِيَّاهُ فِي حَيْرَةٍ أَعْمَقَ حَتَّى مِنْ تِلْكَ الَّتِي تَرَكَتْهَا الْمُكَالَمَةُ الْمَجْهُولَةُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ. مَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؟ وَهَلْ كَانَتْ مُتَحَالِفَةً مَعَ الصَّوْتِ الْمُهَدِّدِ الْأَوَّلِ، أَمْ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَاوِلُ فِعْلًا تَحْذِيرَهُ بِصِدْقٍ مِنْ طَرَفٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا؟ حَفِظَ رَقْمَهَا فَوْرًا فِي هَاتِفِهِ تَحْتَ اسْمٍ مُؤَقَّتٍ: «الْمُتَّصِلَةُ – بَيْرُوتُ»، وَأَضَافَ إِلَى جَانِبِهِ مُلَاحَظَةً صَغِيرَةً بِالتَّارِيخِ وَالْوَقْتِ، عَادَةً قَدِيمَةً اكْتَسَبَهَا مِنْ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ فِي التَّفَاوُضِ عَلَى صَفَقَاتٍ حَسَّاسَةٍ، حَيْثُ تَعَلَّمَ أَنَّ كُلَّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ، مَهْمَا بَدَا عَدِيمَ الْأَهَمِّيَّةِ فِي حِينِهِ، قَدْ يُصْبِحُ حَاسِمًا لَاحِقًا.
٤
بَعْدَ رِحْلَةِ طَيَرَانٍ هَادِئَةٍ نِسْبِيًّا اسْتَغْرَقَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ أَخِيرًا فِي مَطَارِ بَيْرُوتَ الدَّوْلِيِّ، تَحْتَ سَمَاءٍ خَرِيفِيَّةٍ صَافِيَةٍ مُعْتَدِلَةِ الْحَرَارَةِ. شَعَرَ عَدْنَانُ، وَهُوَ يَخْطُو خَارِجَ الطَّائِرَةِ نَحْوَ صَالَةِ الْوُصُولِ، بِمَزِيجٍ غَرِيبٍ مِنَ الْمَشَاعِرِ: حَنِينٌ قَدِيمٌ لِرَائِحَةِ هَذَا الشَّرْقِ الَّذِي غَادَرَهُ قَبْلَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، مَمْزُوجٌ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ لَا يُفَارِقُهُ مُنْذُ تِلْكَ الْمُكَالَمَةِ الْغَامِضَةِ فِي الْمَطَارِ الْأَلْمَانِيِّ.
مَرَّ بِإِجْرَاءَاتِ الْجَمَارِكِ بِسَلَاسَةٍ نِسْبِيَّةٍ، بِجَوَازِ سَفَرِهِ الْأَلْمَانِيِّ الَّذِي يَحْمِلُ أَيْضًا تَأْشِيرَةَ دُخُولٍ لُبْنَانِيَّةً حَصَلَ عَلَيْهَا بِسُرْعَةٍ لَافِتَةٍ بِفَضْلِ عَلَاقَاتِ عَمَلٍ قَدِيمَةٍ لَهُ فِي الْمِنْطَقَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى صَالَةِ الِاسْتِقْبَالِ الْعَامَّةِ، حَيْثُ كَانَ سَائِقٌ حَجَزَهُ مُسْبَقًا عَبْرَ تَطْبِيقٍ مَوْثُوقٍ يَنْتَظِرُهُ حَامِلًا لَوْحَةً صَغِيرَةً كُتِبَ عَلَيْهَا اسْمُهُ.
فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْفُنْدُقِ، وَسْطَ زَحْمَةِ سَيْرٍ بَيْرُوتِيَّةٍ مُعْتَادَةٍ، نَظَرَ عَدْنَانُ مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ كَثِيرًا مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ زَارَهَا فِيهَا، مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، حِينَ كَانَتْ لَا تَزَالُ جُزْءًا مِنْ مَشَاهِدِ طُفُولَتِهِ الْبَعِيدَةِ عَنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ الدِّمَشْقِيِّ، رِحْلَةً نَادِرَةً مَعَ عَمِّهِ فِي صَيْفٍ بَعِيدٍ. رَأَى مَزِيجًا غَرِيبًا مِنْ نَاطِحَاتِ سَحَابٍ حَدِيثَةٍ أَنِيقَةٍ تَقِفُ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ مَبَانٍ مَا زَالَتْ تَحْمِلُ آثَارَ حُرُوبٍ قَدِيمَةٍ لَمْ تُرَمَّمْ بَعْدُ بِالْكَامِلِ، جُدْرَانٍ مَثْقُوبَةٍ بِفَوَهَاتِ رَصَاصٍ مُتَآكِلَةِ الْحَوَافِّ، إِلَى جَانِبِ لَافِتَاتٍ إِعْلَانِيَّةٍ ضَخْمَةٍ لِمَارَكَاتٍ عَالَمِيَّةٍ فَاخِرَةٍ، وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا لَمْ تَحْسِمْ بَعْدُ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ، أَيَّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ سَيَكُونُ الْوَجْهَ الْحَقِيقِيَّ الدَّائِمَ لَهَا.
مَرَّتِ السَّيَّارَةُ بِجَانِبِ سَاحَةٍ وَاسِعَةٍ أَشَارَ إِلَيْهَا السَّائِقُ بِلَا مُبَالَاةٍ رُوتِينِيَّةٍ قَائِلًا: «وَسَطُ الْبَلَدِ، سَيِّدِي. أُعِيدَ بِنَاؤُهُ بِالْكَامِلِ بَعْدَ الْحَرْبِ، لَكِنَّ النَّاسَ مَا زَالَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ نُدْبَةٌ قَدِيمَةٌ، جَمِيلَةٌ مِنَ الْخَارِجِ، لَكِنَّهَا لَا تُخْفِي الْجُرْحَ الَّذِي تَحْتَهَا.» شَعَرَ عَدْنَانُ بِثِقَلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَابِرَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ؛ فَكَّرَ فِي أَنَّ هَذَا وَصْفٌ دَقِيقٌ أَيْضًا لِحَيَاتِهِ هُوَ نَفْسِهِ، لِتِلْكَ الِابْتِسَامَةِ الْوَاثِقَةِ الَّتِي يَرْتَدِيهَا كُلَّ صَبَاحٍ فِي اجْتِمَاعَاتِ مَجْلِسِ إِدَارَتِهِ الْأُورُوبِّيَّةِ، بَيْنَمَا يُخْفِي تَحْتَهَا جُرْحًا لَمْ يَنْدَمِلْ قَطُّ، جُرْحَ سُؤَالٍ مُعَلَّقٍ مُنْذُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً.
وَصَلَ أَخِيرًا إِلَى الْفُنْدُقِ الَّذِي حَجَزَهُ، فُنْدُقٍ أَنِيقٍ مُتَوَسِّطِ الْحَجْمِ فِي مِنْطَقَةٍ هَادِئَةٍ نِسْبِيًّا مِنَ الْمَدِينَةِ، اخْتَارَهُ تَحْدِيدًا بَحْثًا عَنْ نَوْعٍ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ بَعِيدًا عَنِ الْفَنَادِقِ الْكُبْرَى الْمُزْدَحِمَةِ بِالسُّيَّاحِ وَرِجَالِ الْأَعْمَالِ. سَجَّلَ دُخُولَهُ عِنْدَ مَكْتَبِ الِاسْتِقْبَالِ بِابْتِسَامَةٍ مِهَنِيَّةٍ مُعْتَادَةٍ مِنَ الْمُوَظَّفَةِ الشَّابَّةِ، وَتَسَلَّمَ بِطَاقَةَ غُرْفَتِهِ، رَقْمَ 412، فِي الطَّابِقِ الرَّابِعِ.
٥
صَعِدَ عَدْنَانُ بِالْمِصْعَدِ وَحِيدًا، حَامِلًا حَقِيبَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَشَعَرَ، وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ غُرْفَتِهِ فِي نِهَايَةِ الْمَمَرِّ الْهَادِئِ، بِشَيْءٍ مِنَ الِارْتِيَاحِ لِكَوْنِهِ وَصَلَ أَخِيرًا، وَلَوْ مُؤَقَّتًا، إِلَى مَكَانٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَرِيحَ فِيهِ قَلِيلًا بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ مُرْهِقٍ نَفْسِيًّا وَجَسَدِيًّا.
تَوَقَّفَ أَمَامَ بَابِ الْغُرْفَةِ 412، وَأَدْخَلَ بِطَاقَةَ الْمِفْتَاحِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةَ فِي الْقُفْلِ، مُنْتَظِرًا الضَّوْءَ الْأَخْضَرَ الْمُعْتَادَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الْبَابَ وَيَدْخُلَ.
لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ فَجْأَةً عِنْدَ الْعَتَبَةِ، مُتَسَمِّرًا فِي مَكَانِهِ، وَقَلْبُهُ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْخَفَقَانِ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ نَبْضَهُ بِعُنْفٍ مُضَاعَفٍ.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ فِي حَالَةِ فَوْضَى تَامَّةٍ: الْأَدْرَاجُ مَفْتُوحَةٌ بِالْكَامِلِ، مُحْتَوَيَاتُهَا مُبَعْثَرَةٌ عَلَى الْأَرْضِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ وَضَعَ فِيهَا أَيَّ شَيْءٍ بَعْدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْغُرْفَةَ مِنْ قَبْلُ قَطُّ فِي حَيَاتِهِ. الْفِرَاشُ مَقْلُوبٌ، الْوَسَائِدُ مُلْقَاةٌ عَلَى الْأَرْضِ، وَحَتَّى لَوْحَةٌ صَغِيرَةٌ كَانَتْ مُعَلَّقَةً عَلَى الْحَائِطِ قَدْ أُزِيلَتْ مِنْ مَكَانِهَا وَتُرِكَتْ مَائِلَةً، وَكَأَنَّ شَخْصًا مَا بَحَثَ عَنْ شَيْءٍ خَلْفَهَا. حَتَّى الْخِزَانَةُ الصَّغِيرَةُ الْمُخَصَّصَةُ لِلْأَمَانَاتِ، الْقُفْلُ الرَّقْمِيُّ الْفَارِغُ الَّذِي لَمْ يُسْتَخْدَمْ بَعْدُ، كَانَتْ بَابُهَا مَفْتُوحًا عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَكَأَنَّ مَنْ فَتَّشَ الْغُرْفَةَ لَمْ يَتْرُكْ زَاوِيَةً وَاحِدَةً دُونَ تَفَحُّصٍ دَقِيقٍ.
وَقَفَ عَدْنَانُ فِي مَكَانِهِ، عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى التَّحَرُّكِ لِلَحَظَاتٍ طَوِيلَةٍ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ مَا يَرَاهُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ يَكَادُ يَسْمَعُهُ فِي أُذُنَيْهِ. لَمْ يَكُنْ قَدْ وَصَلَ بَعْدُ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ سِوَى قَبْلَ نِصْفِ سَاعَةٍ بِالْكَادِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ، بِاسْتِثْنَاءِ الْفُنْدُقِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ السَّائِقِ الَّذِي حَجَزَهُ عَبْرَ تَطْبِيقٍ مَوْثُوقٍ، يَعْرِفُ رَقْمَ غُرْفَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، بَلْ إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ رَقْمَ غُرْفَتِهِ إِلَّا مُنْذُ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ، حِينَ سَلَّمَتْهُ مُوَظَّفَةُ الِاسْتِقْبَالِ بِطَاقَةَ الْمِفْتَاحِ لِلتَّوِّ.
فَكَيْفَ، بِأَيِّ مَنْطِقٍ مُمْكِنٍ، كَانَتْ هَذِهِ الْغُرْفَةُ قَدْ فُتِّشَتْ بِالْفِعْلِ، وَبِهَذِهِ الدِّقَّةِ وَالشُّمُولِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا عَدْنَانُ نَفْسُهُ بِقَدَمَيْهِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟
٦
تَرَاجَعَ عَدْنَانُ خُطْوَةً إِلَى الْخَلْفِ بِحَذَرٍ غَرِيزِيٍّ، خَارِجَ الْغُرْفَةِ، وَنَظَرَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي الْمَمَرِّ الْهَادِئِ الْفَارِغِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ إِنْ كَانَ مَنْ قَامَ بِهَذَا الْعَبَثِ لَا يَزَالُ قَرِيبًا، مُخْتَبِئًا فِي مَكَانٍ مَا، أَوْ أَنَّهُ غَادَرَ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ، وَاثِقًا أَنَّ أَحَدًا لَنْ يَكْتَشِفَ الْأَمْرَ إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
أَخْرَجَ هَاتِفَهُ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا، وَاتَّصَلَ مُبَاشَرَةً بِمَكْتَبِ الِاسْتِقْبَالِ فِي الْفُنْدُقِ.
«مَسَاءَ الْخَيْرِ، مَعَكَ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ، غُرْفَةُ 412. أَحْتَاجُ مُسَاعَدَةً فَوْرِيَّةً، هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ خَطِيرَةٌ فِي غُرْفَتِي.»
جَاءَ صَوْتُ مُوَظَّفِ الِاسْتِقْبَالِ، مُرْتَبِكًا بَعْضَ الشَّيْءِ مِنْ نَبْرَةِ الْقَلَقِ الْوَاضِحَةِ فِي صَوْتِ عَدْنَانَ. «بِالطَّبْعِ سَيِّدِي، مَا الْمُشْكِلَةُ بِالضَّبْطِ؟»
«غُرْفَتِي، لَقَدْ دَخَلَهَا أَحَدٌ وَفَتَّشَهَا بِالْكَامِلِ. كُلُّ شَيْءٍ مَقْلُوبٌ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ.»
صَمْتٌ قَصِيرٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، ثُمَّ جَاءَ الرَّدُّ بِارْتِبَاكٍ وَاضِحٍ. «سَيِّدِي، هَذَا… هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ. أَنْتَ وَصَلْتَ لِلتَّوِّ مُنْذُ نِصْفِ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا، وَقُمْنَا بِتَسْجِيلِ دُخُولِكَ بِأَنْفُسِنَا، وَلَمْ يَدْخُلِ الْغُرْفَةَ أَحَدٌ بَعْدَ تَنْظِيفِهَا هَذَا الصَّبَاحَ، فَهِيَ كَانَتْ مُغْلَقَةً تَمَامًا بِانْتِظَارِ وُصُولِكَ، حَسَبَ سِجِلَّاتِنَا.»
«إِذَنْ كَيْفَ تُفَسِّرُ مَا أَرَاهُ أَمَامِي الْآنَ؟» قَالَهَا عَدْنَانُ بِحِدَّةٍ لَمْ يَقْصِدْهَا، لَكِنَّ التَّوَتُّرَ كَانَ قَدْ بَدَأَ يَتَغَلَّبُ عَلَى أَعْصَابِهِ الْهَادِئَةِ الْمُعْتَادَةِ.
«سَأُرْسِلُ مُدِيرَ الْأَمْنِ فَوْرًا يَا سَيِّدِي، أَرْجُو أَنْ تَنْتَظِرَ مَكَانَكَ، وَلَا تَلْمِسْ أَيَّ شَيْءٍ دَاخِلَ الْغُرْفَةِ.»
٧
خِلَالَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، وَصَلَ مُدِيرُ أَمْنِ الْفُنْدُقِ، رَجُلٌ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ، هَادِئُ الْمَظْهَرِ لَكِنَّهُ بَدَا مُرْتَبِكًا حَقِيقِيًّا وَهُوَ يَتَفَحَّصُ الْغُرْفَةَ بِنَفْسِهِ، يُصَوِّرُ كُلَّ تَفْصِيلٍ بِهَاتِفِهِ، وَيَطْرَحُ أَسْئِلَةً سَرِيعَةً مُتَتَالِيَةً عَلَى مُوَظَّفِ الِاسْتِقْبَالِ عَبْرَ جِهَازِ اللَّاسِلْكِيِّ الْخَاصِّ بِهِ.
بَعْدَ فَحْصٍ سَرِيعٍ، عَادَ إِلَى عَدْنَانَ بِوَجْهٍ حَائِرٍ. «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ مَعَكَ، أَنَا فِي حَيْرَةٍ كَامِلَةٍ مِمَّا حَدَثَ. كَامِيرَاتُ الْمُرَاقَبَةِ فِي الْمَمَرِّ تُظْهِرُ أَنَّ لَا أَحَدَ دَخَلَ هَذِهِ الْغُرْفَةَ مُنْذُ أَنْ أَنْهَتْ عَامِلَاتُ التَّنْظِيفِ عَمَلَهُنَّ السَّاعَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ صَبَاحًا، أَيْ قَبْلَ وُصُولِكَ بِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَحَتَّى لَحْظَةَ دُخُولِكَ أَنْتَ شَخْصِيًّا قَبْلَ قَلِيلٍ. الْبَابُ لَمْ يُفْتَحْ مَرَّةً وَاحِدَةً خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ كُلِّهَا، حَسَبَ سِجِلِّ الْقُفْلِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ نَفْسِهِ، الَّذِي يُسَجِّلُ كُلَّ عَمَلِيَّةِ فَتْحٍ بِدِقَّةٍ تَامَّةٍ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ كُلِّهِ، أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ خَوْفٍ طَبِيعِيٍّ قَدْ يُسَبِّبُهُ مُجَرَّدُ اقْتِحَامِ غُرْفَةٍ فُنْدُقِيَّةٍ عَادِيَّةٍ. «هَذَا مُسْتَحِيلٌ. أَنَا أَرَى الْفَوْضَى بِعَيْنَيَّ.»
«أَعْرِفُ يَا سَيِّدِي، وَأَنَا لَا أَفْهَمُ كَيْفَ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا تَرَاهُ وَمَا تُظْهِرُهُ سِجِلَّاتُنَا. سَأَحْتَاجُ أَنْ أُبَلِّغَ الشُّرْطَةَ بِالطَّبْعِ، وَسَنَفْتَحُ تَحْقِيقًا كَامِلًا، وَسَنَنْقُلُكَ فَوْرًا إِلَى غُرْفَةٍ أُخْرَى فِي جَنَاحٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا مِنَ الْفُنْدُقِ، بِالطَّبْعِ دُونَ أَيَّةِ تَكْلِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ، وَسَنُعَزِّزُ إِجْرَاءَاتِ الْأَمْنِ حَوْلَهَا بِشَكْلٍ خَاصٍّ.»
سَأَلَهُ عَدْنَانُ، مُحَاوِلًا أَنْ يَجْمَعَ خُيُوطَ تَفْكِيرِهِ الْمُشَتَّتِ: «هَلْ هُنَاكَ مَدْخَلٌ آخَرُ لِهَذِهِ الْغُرْفَةِ، غَيْرَ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ؟ نَافِذَةٌ، رُبَّمَا، أَوْ بَابٌ مُتَّصِلٌ بِغُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ؟»
فَكَّرَ مُدِيرُ الْأَمْنِ قَلِيلًا، ثُمَّ أَشَارَ نَحْوَ النَّافِذَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى شَارِعٍ جَانِبِيٍّ هَادِئٍ. «النَّافِذَةُ مَوْجُودَةٌ، لَكِنَّنَا فِي الطَّابِقِ الرَّابِعِ، سَيِّدِي، وَلَا يُوجَدُ أَيُّ سُلَّمٍ خَارِجِيٍّ أَوْ شُرْفَةٍ مُتَّصِلَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا أَحَدٌ لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا مِنَ الْخَارِجِ. هَذَا مُسْتَحِيلٌ عَمَلِيًّا، مَا لَمْ يَكُنْ لَدَى الْفَاعِلِ مُعِدَّاتُ تَسَلُّقٍ احْتِرَافِيَّةً، وَحَتَّى لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لَكَانَتْ كَامِيرَاتُ الْمُرَاقَبَةِ الْخَارِجِيَّةُ لِلْمَبْنَى قَدِ الْتَقَطَتْ شَيْئًا، وَقَدْ رَاجَعْتُهَا لِلتَّوِّ أَثْنَاءَ حَدِيثِي مَعَكَ، وَلَمْ تُظْهِرْ أَيَّ نَشَاطٍ غَيْرِ اعْتِيَادِيٍّ عَلَى الْإِطْلَاقِ.»
هَزَّ عَدْنَانُ رَأْسَهُ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ لَكِنَّهُ أَيْضًا غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَقْدِيمِ تَفْسِيرٍ بَدِيلٍ أَفْضَلَ. «إِذَنْ كَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟»
«لَا أَعْرِفُ يَا سَيِّدِي، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ. فِي خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا مِنْ عَمَلِي فِي هَذَا الْمَجَالِ، لَمْ أُوَاجِهْ شَيْئًا مُشَابِهًا لِهَذَا مِنْ قَبْلُ.» تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ بِفُضُولٍ مَمْزُوجٍ بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ وَاضِحٍ. «أَيُمْكِنُنِي أَنْ أَسْأَلَكَ، سَيِّدِي، إِنْ كَانَ لَدَيْكَ أَيُّ أَعْدَاءٍ، أَوْ أَيُّ نِزَاعٍ قَانُونِيٍّ أَوْ مَالِيٍّ قَدْ يُفَسِّرُ اسْتِهْدَافَكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَحْدِيدًا؟ هَذَا لَيْسَ عَمَلًا عَشْوَائِيًّا، هَذَا عَمَلٌ مُنَظَّمٌ جِدًّا، وَمُمَوَّلٌ جَيِّدًا عَلَى مَا يَبْدُو.»
فَكَّرَ عَدْنَانُ فِي الْإِجَابَةِ الصَّادِقَةِ الْكَامِلَةِ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يُبْقِيَهَا مُقْتَضَبَةً قَدْرَ الْإِمْكَانِ. «رُبَّمَا، أَنَا لَسْتُ مُتَأَكِّدًا تَمَامًا بَعْدُ بِنَفْسِي. أَنَا هُنَا بِخُصُوصِ أَمْرٍ قَانُونِيٍّ قَدِيمٍ يَتَعَلَّقُ بِمِيرَاثٍ عَائِلِيٍّ.»
نَظَرَ إِلَيْهِ مُدِيرُ الْأَمْنِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَا يَحْمِلُ نِصْفَ الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَضْغَطْ أَكْثَرَ، مُكْتَفِيًا بِأَنْ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِاحْتِرَافِ رَجُلٍ تَعَلَّمَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ أَلَّا يُقْحِمَ نَفْسَهُ فِي شُؤُونِ النُّزَلَاءِ الْخَاصَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُ.
وَصَلَ رِجَالُ الشُّرْطَةِ بَعْدَ نَحْوِ نِصْفِ سَاعَةٍ، ضَابِطَانِ هَادِئَانِ مُحْتَرِفَانِ طَرَحَا عَلَى عَدْنَانَ أَسْئِلَةً رُوتِينِيَّةً طَوِيلَةً، دَوَّنَا كُلَّ التَّفَاصِيلِ بِدِقَّةٍ فِي دَفَاتِرَ صَغِيرَةٍ، وَأَخَذَا صُوَرًا إِضَافِيَّةً لِلْغُرْفَةِ مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّ اسْتِنْتَاجَهُمَا النِّهَائِيَّ لَمْ يَخْتَلِفْ كَثِيرًا عَنْ حَيْرَةِ مُدِيرِ الْأَمْنِ نَفْسِهِ: لَا أَثَرَ لِاقْتِحَامٍ فِعْلِيٍّ، لَا بَصَمَاتٍ غَرِيبَةً ظَاهِرَةً، لَا دَلِيلَ مَادِّيًّا وَاضِحًا يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ تَحْقِيقٌ حَقِيقِيٌّ. وَعَدَ أَحَدُ الضَّابِطَيْنِ، بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ قَدْرًا مِنْ عَدَمِ الِاكْتِرَاثِ الرُّوتِينِيِّ الَّذِي يُمَيِّزُ قَضَايَا كَهَذِهِ فِي مَدِينَةٍ تَعِجُّ بِقَضَايَا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ وَأَكْثَرَ إِلْحَاحًا، بِأَنْ يَفْتَحَا «مِلَفًّا» وَأَنْ يَتَوَاصَلَا مَعَهُ إِنْ ظَهَرَ أَيُّ جَدِيدٍ، لَكِنَّ عَدْنَانَ أَدْرَكَ، مِنْ نَبْرَةِ صَوْتَيْهِمَا، أَنَّهُ لَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا بَعْدَ الْآنَ.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ،» قَالَ الضَّابِطُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً مِنْ سَابِقَاتِهَا، «إِنْ كَانَ لَدَيْكَ أَيُّ نِزَاعٍ شَخْصِيٍّ أَوْ مَالِيٍّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي هَذَا، أَنْصَحُكَ بِشِدَّةٍ أَنْ تُفَكِّرَ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِحِرَاسَةٍ خَاصَّةٍ خِلَالَ إِقَامَتِكَ هُنَا. بَيْرُوتُ مَدِينَةٌ آمِنَةٌ نِسْبِيًّا هَذِهِ الْأَيَّامَ مُقَارَنَةً بِسَنَوَاتٍ سَابِقَةٍ، لَكِنْ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ مَنْ يَسْتَهْدِفُكَ يَمْلِكُ مَوَارِدَ وَقُدُرَاتٍ لَا يَمْلِكُهَا الْمُجْرِمُ الْعَادِيُّ.»
شَكَرَهُ عَدْنَانُ عَلَى النَّصِيحَةِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا بَعْدُ كَيْفَ سَيُطَبِّقُهَا عَمَلِيًّا، أَوْ مِمَّنْ بِالضَّبْطِ يَجِبُ أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ.
بَيْنَمَا كَانَ مُدِيرُ الْأَمْنِ يَتَحَدَّثُ، انْحَنَى عَدْنَانُ بِحَذَرٍ، دُونَ أَنْ يَلْمِسَ شَيْئًا، لِيَتَفَحَّصَ مُحْتَوَيَاتِ حَقِيبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الْمُبَعْثَرَةِ عَلَى الْأَرْضِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَأَكَّدَ إِنْ كَانَ قَدْ فُقِدَ مِنْهَا شَيْءٌ. كُلُّ شَيْءٍ بَدَا مَوْجُودًا عَلَى مَا يَبْدُو: مَلَابِسُهُ، أَوْرَاقُهُ الشَّخْصِيَّةُ، جَوَازُ سَفَرِهِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ مَعَهُ بِالْفِعْلِ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ. كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا بِالذَّاتِ، لَاحَظَ غِيَابَهُ بَعْدَ دَقِيقَةِ تَفَحُّصٍ دَقِيقٍ: الصُّورَةَ الْفُوتُوغْرَافِيَّةَ الْقَدِيمَةَ، تِلْكَ الَّتِي أَحْضَرَهَا مَعَهُ مِنْ فْرَانْكْفُورْتَ، صُورَتَهُ مَعَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ أَمَامَ وَاجِهَةِ الْمَتْجَرِ فِي صَيْفِ 1976، وَالَّتِي كَانَ قَدْ وَضَعَهَا بِعِنَايَةٍ فِي الْجَيْبِ الدَّاخِلِيِّ لِحَقِيبَتِهِ الْيَدَوِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ شَقَّتَهُ.
اخْتَفَتِ الصُّورَةُ تَمَامًا، دُونَ أَثَرٍ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مِنَ الْأَسَاسِ. جَثَا عَدْنَانُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، غَيْرَ مُبَالٍ بِمَظْهَرِهِ أَمَامَ مُدِيرِ الْأَمْنِ، وَبَحَثَ بِيَدَيْهِ الْمُرْتَجِفَتَيْنِ بَيْنَ كُلِّ قِطْعَةِ مَلَابِسَ مُبَعْثَرَةٍ، وَتَحْتَ السَّرِيرِ، وَخَلْفَ السَّتَائِرِ، بِأَمَلٍ يَائِسٍ أَنْ تَكُونَ قَدْ سَقَطَتْ فِي مَكَانٍ مَا دُونَ أَنْ تُسْرَقَ فِعْلًا. لَكِنَّ كُلَّ بَحْثِهِ ذَهَبَ سُدًى؛ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ أَثَرٍ لِتِلْكَ الصُّورَةِ الصَّغِيرَةِ، لَا فِي الْغُرْفَةِ، وَلَا فِي أَيِّ مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْهَا.
٨
جَلَسَ عَدْنَانُ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ الْمَقْلُوبِ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الْفَوْضَوِيَّةِ، مُحَاوِلًا اسْتِيعَابَ مَا حَدَثَ لِلتَّوِّ، بَيْنَمَا كَانَ مُدِيرُ الْأَمْنِ يَتَحَدَّثُ عَبْرَ هَاتِفِهِ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مَعَ شَخْصٍ آخَرَ، رُبَّمَا مَعَ إِدَارَةِ الْفُنْدُقِ الْعُلْيَا أَوْ مَعَ الشُّرْطَةِ الْمَحَلِّيَّةِ.
فَهِمَ عَدْنَانُ، بِيَقِينٍ مُتَزَايِدٍ لَا مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ بَعْدَ الْآنَ، أَنَّ مَا يُوَاجِهُهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرِقَةٍ عَادِيَّةٍ، وَلَا حَتَّى مُجَرَّدَ تَهْدِيدٍ لَفْظِيٍّ عَبْرَ الْهَاتِفِ يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ أَوِ الشَّكُّ فِي جِدِّيَّتِهِ. كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَمْلِكُ قُدْرَةً حَقِيقِيَّةً عَلَى الْوُصُولِ إِلَى أَمَاكِنَ يُفْتَرَضُ أَنَّهَا آمِنَةٌ تَمَامًا، بِطُرُقٍ تَتَحَدَّى الْمَنْطِقَ وَالتَّفْسِيرَ الْعَادِيَّ، وَقَدِ اخْتَارَ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ مَا فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ، أَنْ يَأْخُذَ تَحْدِيدًا تِلْكَ الصُّورَةَ الْقَدِيمَةَ، الشَّيْءَ الْوَحِيدَ ذَا الْقِيمَةِ الرَّمْزِيَّةِ الْخَالِصَةِ، الَّذِي لَا قِيمَةَ مَادِّيَّةً حَقِيقِيَّةً لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ سِوَى مَا يُمَثِّلُهُ مِنْ ذِكْرَى شَخْصِيَّةٍ عَمِيقَةٍ لِعَدْنَانَ وَحْدَهُ.
كَانَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ، بِحَدِّ ذَاتِهَا، أَخْطَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ تَهْدِيدٍ لَفْظِيٍّ مُبَاشِرٍ: رِسَالَةٌ تَقُولُ بِوُضُوحٍ تَامٍّ إِنَّ مَنْ يَقِفُ وَرَاءَ كُلِّ هَذَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ حَيَاةِ عَدْنَانَ الشَّخْصِيَّةِ إِلَى دَرَجَةٍ مُرْعِبَةٍ، وَيَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى أَقْرَبِ مُمْتَلَكَاتِهِ إِلَيْهِ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ يَخْتَارُهَا، وَأَنَّ أَخْذَ تِلْكَ الصُّورَةِ بِالذَّاتِ، دُونَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ ذِي قِيمَةٍ مَادِّيَّةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، لَمْ يَكُنْ سِوَى رِسَالَةٍ مُبَاشِرَةٍ، شَخْصِيَّةٍ تَمَامًا، مُوَجَّهَةٍ لَهُ وَحْدَهُ: «نَحْنُ نَعْرِفُ مَنْ تَكُونُ، وَنَعْرِفُ مَاذَا يَعْنِي لَكَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي الصُّورَةِ، وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَصِلَ إِلَى أَعْمَقِ ذِكْرَيَاتِكَ مَتَى شِئْنَا.»
أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، بِيَدٍ مَا زَالَتْ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا، وَفَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِكَرِيمَ كَمَا وَعَدَهُ، لَكِنَّهُ تَرَدَّدَ، غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْرَحَ لِابْنِهِ مَا حَدَثَ لِلتَّوِّ دُونَ أَنْ يُثِيرَ فِيهِ هَلَعًا حَقِيقِيًّا قَدْ يَدْفَعُهُ لِحَجْزِ أَوَّلِ طَائِرَةٍ فِعْلًا كَمَا هَدَّدَ فِي الصَّبَاحِ. قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يُرْسِلَ لَهُ رِسَالَةً نَصِّيَّةً مُقْتَضَبَةً تُطَمْئِنُهُ دُونَ تَفَاصِيلَ مُفْزِعَةٍ: «وَصَلْتُ بِخَيْرٍ إِلَى بَيْرُوتَ يَا كَرِيمُ. الْفُنْدُقُ جَيِّدٌ، سَأَتَّصِلُ بِكَ مَسَاءً كَمَا اتَّفَقْنَا. لَا تَقْلَقْ.»
كَذِبَةٌ صَغِيرَةٌ أُخْرَى، يُضِيفُهَا إِلَى سِلْسِلَةِ الْأَكَاذِيبِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي بَدَأَ يُحِيطُ بِهَا نَفْسَهُ مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ، مُحَاوِلًا حِمَايَةَ مَنْ يُحِبُّ مِنْ ثِقَلِ حَقِيقَةٍ بَدَأَتْ تَتَكَشَّفُ لَهُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، أَكْبَرَ وَأَخْطَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَهُ حِينَ اتَّخَذَ قَرَارَهُ بِالسَّفَرِ قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً فَقَطْ.
٩
فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنِ انْتَقَلَ إِلَى غُرْفَةٍ جَدِيدَةٍ أَكْثَرَ أَمَانًا فِي جَنَاحٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الْفُنْدُقِ، بِحِرَاسَةٍ إِضَافِيَّةٍ أَمَامَ بَابِهِ رَتَّبَهَا مُدِيرُ الْأَمْنِ بِنَفْسِهِ اعْتِذَارًا عَمَّا حَدَثَ، جَلَسَ عَدْنَانُ عَلَى كُرْسِيٍّ بِجَانِبِ النَّافِذَةِ، يَنْظُرُ إِلَى أَضْوَاءِ بَيْرُوتَ اللَّيْلِيَّةِ الْمُنْتَشِرَةِ أَمَامَهُ كَبَحْرٍ مِنَ النُّجُومِ الْأَرْضِيَّةِ، وَهَاتِفُهُ فِي يَدِهِ، يُحَدِّقُ فِي رَقْمِ الْمَرْأَةِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي اتَّصَلَتْ بِهِ فِي الْمَطَارِ الْأَلْمَانِيِّ.
فَكَّرَ طَوِيلًا فِي الِاتِّصَالِ بِهَا، لَكِنَّهُ تَرَدَّدَ، مُتَذَكِّرًا كَلِمَاتِهَا بِأَنَّهَا سَتَتَوَاصَلُ مَعَهُ هِيَ حِينَ يَحِينُ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، فَتَحَ تَطْبِيقَ الْبَرِيدِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ، وَكَتَبَ رِسَالَةً قَصِيرَةً عَاجِلَةً إِلَى الْمُحَامِي زِيَادَ سَلُّومٍ، يُخْبِرُهُ فِيهَا بِإِيجَازٍ عَمَّا حَدَثَ فِي الْفُنْدُقِ، مُتَسَائِلًا إِنْ كَانَ هَذَا مُرْتَبِطًا بِطَرِيقَةٍ مَا بِذَلِكَ «الطَّرَفِ الْآخَرِ» الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَامِي فِي مُكَالَمَتِهِمَا الْأُولَى.
جَاءَ الرَّدُّ سَرِيعًا، خِلَالَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، رَغْمَ تَأَخُّرِ الْوَقْتِ، بِمَا أَوْحَى لِعَدْنَانَ أَنَّ الْمُحَامِيَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا، وَرُبَّمَا كَانَ قَلِقًا هُوَ الْآخَرُ بِشَكْلٍ مَا.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَا قَلِقٌ جِدًّا لِسَمَاعِ مَا حَدَثَ. هَذَا يُؤَكِّدُ مَخَاوِفِي بِأَنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ جَادٌّ جِدًّا وَقَادِرٌ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ فِي الْبِدَايَةِ. أَرْجُو أَنْ تَكُونَ حَذِرًا لِلْغَايَةِ فِي تَحَرُّكَاتِكَ الْقَادِمَةِ، وَأَنْ نَلْتَقِيَ فِي أَقْرَبِ فُرْصَةٍ مُمْكِنَةٍ، غَدًا إِنْ أَمْكَنَ، فِي مَكَانٍ آمِنٍ نَتَّفِقُ عَلَيْهِ سَوِيًّا، لَا فِي مَكْتَبِي الِاعْتِيَادِيِّ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مُرَاقَبًا هُوَ الْآخَرُ.»
قَرَأَ عَدْنَانُ الرِّسَالَةَ مَرَّتَيْنِ، وَشَعَرَ بِثِقَلِ الْمَوْقِفِ يَتَضَاعَفُ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ جَدِيدَةٍ يَقْرَؤُهَا. لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ فُضُولٍ شَخْصِيٍّ حِيَالَ مَاضٍ غَامِضٍ، وَلَا مُجَرَّدَ إِرْثٍ مَالِيٍّ مُحْتَمَلٍ يَنْتَظِرُهُ فِي نِهَايَةِ رِحْلَةٍ بِيرُوقْرَاطِيَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ بَلْ أَصْبَحَ، بِوُضُوحٍ مُتَزَايِدٍ لَا مَجَالَ لِإِنْكَارِهِ، مُوَاجَهَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ قُوَّةٍ خَفِيَّةٍ، مُنَظَّمَةٍ، وَخَطِيرَةٍ، لَا تَتَرَدَّدُ فِي اقْتِحَامِ غُرَفِ الْفَنَادِقِ بِطُرُقٍ تَتَحَدَّى الْمَنْطِقَ، وَلَا فِي سَرِقَةِ أَثْمَنِ الذِّكْرَيَاتِ الشَّخْصِيَّةِ كَرِسَالَةِ تَهْدِيدٍ صَامِتَةٍ.
نَظَرَ عَدْنَانُ مَرَّةً أَخِيرَةً إِلَى أَضْوَاءِ بَيْرُوتَ الْمُنْتَشِرَةِ أَمَامَ نَافِذَتِهِ، مَدِينَةٍ نِصْفِ مُدَمَّرَةٍ وَنِصْفِ نَابِضَةٍ بِالْحَيَاةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَفَكَّرَ فِي الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، وَفِي ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الْخَشَبِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي اخْتَفَى قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، وَفِي كُلِّ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَكَاثَرُ بَدَلَ أَنْ تُحَلَّ كُلَّمَا تَقَدَّمَ خُطْوَةً وَاحِدَةً فِي هَذَا الطَّرِيقِ الْغَامِضِ.
فَكَّرَ أَيْضًا، بِحُزْنٍ هَادِئٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ، فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْمَسْرُوقَةِ، صُورَتِهِ الْوَحِيدَةِ مَعَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، الشَّيْءِ الْوَحِيدِ الْمَلْمُوسِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْبَعِيدَةِ. حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا فِي ذَاكِرَتِهِ: وَجْهَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْجَادَّ، الشَّابَّ النَّحِيلَ الْوَاقِفَ بِجَانِبِهِ بِابْتِسَامَةٍ خَجُولَةٍ، ذَلِكَ الصَّبَاحَ الْبَعِيدَ الَّذِي الْتُقِطَتْ فِيهِ الصُّورَةُ بِكَامِيرَا اسْتَعَارَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مِنْ صَدِيقٍ مُصَوِّرٍ فِي السُّوقِ، مُنَاسَبَةً نَادِرَةً احْتَفَلَ فِيهَا الرَّجُلُ الْعَجُوزُ، عَلَى طَرِيقَتِهِ الصَّامِتَةِ الْخَاصَّةِ، بِمُرُورِ عَامٍ كَامِلٍ عَلَى عَمَلِ عَدْنَانَ مَعَهُ. شَعَرَ بِغَضَبٍ هَادِئٍ يَتَصَاعَدُ فِي دَاخِلِهِ؛ لَمْ يَكُنِ الْغَضَبُ مُوَجَّهًا نَحْوَ الْمَالِ أَوِ الْخَطَرِ الْجَسَدِيِّ الْمُحْتَمَلِ الَّذِي بَدَأَ يَشْعُرُ بِوُجُودِهِ، بَلْ نَحْوَ تِلْكَ الْجُرْأَةِ الْوَقِحَةِ الَّتِي انْتَزَعَتْ مِنْهُ، بِلَا رَحْمَةٍ، آخِرَ ذِكْرَى مَلْمُوسَةٍ تَرْبِطُهُ بِرَجُلٍ شَكَّلَ حَيَاتَهُ بِأَكْمَلِهَا.
جَلَسَ صَامِتًا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، يَسْتَمِعُ إِلَى أَصْوَاتِ الْمَدِينَةِ الْخَافِتَةِ الْمُتَسَلِّلَةِ عَبْرَ زُجَاجِ النَّافِذَةِ الْمُزْدَوَجِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُرَتِّبَ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ الْخُيُوطِ الْمُتَنَاثِرَةِ: الْمُحَامِيَ زِيَادَ سَلُّومٍ، الَّذِي بَدَا صَادِقًا حَتَّى الْآنَ لَكِنَّ قَلَقَهُ الْمُتَزَايِدَ يُثِيرُ تَسَاؤُلَاتٍ؛ الصَّوْتَ الْمَجْهُولَ الَّذِي هَدَّدَهُ مِنْ فْرَانْكْفُورْتَ؛ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْغَامِضَةَ الَّتِي حَذَّرَتْهُ بِصِدْقٍ ظَاهِرِيٍّ مِنَ الْمَطَارِ؛ وَأَخِيرًا، تِلْكَ الْقُوَّةَ الْخَفِيَّةَ الَّتِي اقْتَحَمَتْ غُرْفَةً فُنْدُقِيَّةً بِطَرِيقَةٍ تَتَحَدَّى كُلَّ مَنْطِقٍ مَادِّيٍّ مَعْرُوفٍ. كَانَتْ كُلُّ هَذِهِ الْخُيُوطِ تَتَشَابَكُ أَمَامَهُ كَنَسِيجٍ مُعَقَّدٍ لَمْ يَسْتَطِعْ بَعْدُ تَمْيِيزَ أَيِّ طَرَفٍ مِنْهُ يَقُودُهُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَيُّهَا مُجَرَّدُ فَخٍّ آخَرَ مُعَدٍّ بِعِنَايَةٍ لِيُضَلِّلَهُ عَنْ مَسَارِهِ الْحَقِيقِيِّ.
فَكَّرَ، لِلَحْظَةٍ، فِي التَّرَاجُعِ، فِي إِلْغَاءِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا وَالْعَوْدَةِ إِلَى فْرَانْكْفُورْتَ، إِلَى حَيَاتِهِ الْمُنَظَّمَةِ الْآمِنَةِ، إِلَى مَكْتَبِهِ فِي الطَّابِقِ الثَّامِنَ عَشَرَ وَنَهْرِ الْمَايِينِ الْهَادِئِ وَمَوَاعِيدِ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ الَّتِي تَسِيرُ بِدِقَّةِ السَّاعَةِ السُّوِيسْرِيَّةِ. لَكِنَّ صُورَةَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، رَغْمَ اخْتِفَائِهَا الْجَسَدِيِّ مِنْ حَقِيبَتِهِ، بَقِيَتْ حَيَّةً فِي ذَاكِرَتِهِ، وَصَوْتُهُ الْقَدِيمُ يَتَرَدَّدُ مِنْ جَدِيدٍ فِي أَعْمَاقِهِ: «مَنْ يَخُنْ نَفْسَهُ فِي السِّرِّ، لَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِي الْعَلَنِ.» شَعَرَ أَنَّ التَّرَاجُعَ الْآنَ، أَمَامَ أَوَّلِ عَقَبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، سَيَكُونُ خِيَانَةً لِتِلْكَ الْوَصِيَّةِ غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي حَمَلَهَا مَعَهُ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا دُونَ أَنْ يُدْرِكَ ثِقَلَهَا الْكَامِلَ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يُطْفِئُ أَخِيرًا ضَوْءَ غُرْفَتِهِ الْجَدِيدَةِ مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ قِسْطًا مِنَ النَّوْمِ بَعْدَ يَوْمٍ اسْتِثْنَائِيِّ الطُّولِ وَالتَّوَتُّرِ، أَنَّ اللِّقَاءَ الْقَادِمَ مَعَ الْمُحَامِي زِيَادَ سَلُّومٍ لَنْ يُقَدِّمَ لَهُ إِجَابَاتٍ مُبَاشِرَةً كَمَا كَانَ يَأْمُلُ، بَلْ سَيَفْتَحُ أَمَامَهُ، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، بَابًا جَدِيدًا كُلِّيًّا نَحْوَ حَقِيقَةٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا وَأَلَمًا مِمَّا كَانَ يَتَخَيَّلُ، حَقِيقَةٍ بَدَأَتْ جُذُورُهَا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ بَعْدُ، فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ الْمُظْلِمَةِ لِمَتْجَرِ أَقْمِشَةٍ صَغِيرٍ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ، قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا بِالتَّمَامِ وَالْكَمَالِ.
