وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ السَّادِسُ
١
مَرَّ الْأُسْبُوعَانِ اللَّذَانِ طَلَبَهُمَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مِنْ كَمَالٍ الْحَوْرَانِيِّ بَطِيئَيْنِ، مُثْقَلَيْنِ بِتَرَقُّبٍ لَمْ يُفَارِقِ الْمَتْجَرَ لَحْظَةً وَاحِدَةً. لَمْ يَعُدْ كَمَالٌ وَلَا ابْنَتُهُ خِلَالَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ، لَكِنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ كَانَ يَتَصَرَّفُ وَكَأَنَّهُمَا قَدْ يَظْهَرَانِ عِنْدَ الْبَابِ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ، دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ؛ يَنْظُرُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى نَحْوَ الشَّارِعِ الْخَارِجِيِّ، وَيَقْرَأُ رَسَائِلَهُ السِّرِّيَّةَ بِتَوَتُّرٍ مُتَزَايِدٍ، وَيُحْرِقُهَا كَعَادَتِهِ، لَكِنْ بِحَرَكَاتٍ أَسْرَعَ، أَقَلَّ هُدُوءًا مِنْ ذِي قَبْلُ.
لَاحَظَ عَدْنَانُ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ بَدَأَ يَفْقِدُ قَلِيلًا مِنْ ذَلِكَ رَبَاطَةِ الْجَأْشِ الَّتِي عَرَفَهُ بِهَا طَوَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ. كَانَ يَتَوَقَّفُ أَحْيَانًا فِي مُنْتَصَفِ حَدِيثِهِ مَعَ زَبُونٍ، شَارِدًا، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ نَفْسَهُ وَيَعُودَ إِلَى حَدِيثِهِ بِابْتِسَامَةٍ مُعْتَذِرَةٍ. وَكَانَ يَنْسَى أَشْيَاءَ صَغِيرَةً، غَيْرَ مَعْهُودَةٍ مِنْهُ: مَوْعِدَ شَحْنَةٍ، اسْمَ زَبُونٍ طَلَبَ قُمَاشًا مُعَيَّنًا بِالْأَمْسِ، تَفْصِيلًا حِسَابِيًّا كَانَ يَحْفَظُهُ عَادَةً عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
فِي الْمُقَابِلِ، لَاحَظَ عَدْنَانُ أَيْضًا أَنَّ رِيمَ لَمْ تُرْسِلْ أَيَّةَ رِسَالَةٍ أُخْرَى، رَغْمَ وَعْدِهَا فِي تِلْكَ الْوَرَقَةِ الصَّغِيرَةِ بِأَنَّهَا سَتُحَاوِلُ أَنْ تَعُودَ لِتَتَحَدَّثَ مَعَهُ. مَرَّتِ الْأَيَّامُ دُونَ أَيَّةِ إِشَارَةٍ مِنْهَا، وَبَدَأَ عَدْنَانُ، رَغْمًا عَنْهُ، يَتَفَقَّدُ بَابَ الْمَتْجَرِ كُلَّ صَبَاحٍ بِأَمَلٍ خَفِيٍّ أَنْ يَرَاهَا تَدْخُلُ مِنْ جَدِيدٍ، أَمَلًا حَاوَلَ أَنْ يُخْفِيَهُ حَتَّى عَنْ نَفْسِهِ، مُقْنِعًا نَفْسَهُ أَنَّ قَلَقَهُ يَنْبُعُ فَقَطْ مِنْ رَغْبَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ مَا كَانَتْ تَقْصِدُهُ بِتَحْذِيرِهَا الْغَامِضِ، لَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ أَعْمَقَ قَدْ يَكُونُ بَدَأَ يَنْمُو فِي دَاخِلِهِ تُجَاهَ تِلْكَ الْفَتَاةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَمْ يَقْضِ مَعَهَا سِوَى دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، طَلَبَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ مِنْ عَدْنَانَ أَنْ يُسَاعِدَهُ فِي تَنْظِيفِ الْمَخْزَنِ الْخَلْفِيِّ الْكَبِيرِ، ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنَ الْمَتْجَرِ الَّذِي نَادِرًا مَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ، مَلِيءٍ بِصَنَادِيقَ قَدِيمَةٍ، وَأَوْرَاقٍ مُتَرَاكِمَةٍ عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَأَثَاثٍ مَكْسُورٍ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَتَذَكَّرُ سَبَبَ الِاحْتِفَاظِ بِهِ.
«أُرِيدُ أَنْ أُرَتِّبَ بَعْضَ الْأُمُورِ الْقَدِيمَةِ، يَا عَدْنَانُ. الْوَقْتُ مُنَاسِبٌ لِذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ…» تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ فَجْأَةً، وَلَمْ يُكْمِلِ الْجُمْلَةَ، تَارِكًا عَدْنَانَ يَتَسَاءَلُ عَمَّا كَانَ يَنْوِي قَوْلَهُ بِالضَّبْطِ.
٢
بَدَآ الْعَمَلَ مَعًا فِي صَبَاحِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، يَنْقُلَانِ الصَّنَادِيقَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ إِلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى، يَفْتَحَانِ بَعْضَهَا لِلتَّأَكُّدِ مِنْ مُحْتَوَيَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَا إِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الِاحْتِفَاظَ بِهِ أَوِ التَّخَلُّصَ مِنْهُ. كَانَ الْغُبَارُ يَتَطَايَرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مَعَ كُلِّ صُنْدُوقٍ يُحَرَّكُ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ لِسَنَوَاتٍ، وَأَشِعَّةُ الشَّمْسِ الْمُتَسَلِّلَةُ عَبْرَ نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ عَالِيَةٍ فِي سَقْفِ الْمَخْزَنِ كَانَتْ تُظْهِرُ خُيُوطَ الْغُبَارِ الذَّهَبِيَّةَ وَهِيَ تَرْقُصُ فِي الْهَوَاءِ السَّاكِنِ، وَكَأَنَّ الْمَكَانَ نَفْسَهُ يَتَنَفَّسُ بَعْدَ سُبَاتٍ طَوِيلٍ. كَانَ مُعْظَمُ الصَّنَادِيقِ يَحْتَوِي عَلَى أَقْمِشَةٍ قَدِيمَةٍ تَالِفَةٍ لَمْ تَعُدْ صَالِحَةً لِلْبَيْعِ، أَوْ أَدَوَاتِ عَمَلٍ بَاتَتْ عَتِيقَةً، مَقَصَّاتٍ صَدِئَةٍ، وَبَكَرَاتِ خُيُوطٍ جَافَّةٍ مُتَيَبِّسَةٍ، وَسِجِلَّاتٍ حِسَابِيَّةٍ قَدِيمَةٍ جِدًّا تَعُودُ إِلَى سَنَوَاتٍ لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ قَدْ وُلِدَ فِيهَا بَعْدُ.
«هَذَا الصُّنْدُوقُ كَانَ لِأَبِي، رَحِمَهُ اللَّهُ.» قَالَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِحَنِينٍ خَافِتٍ، وَهُوَ يَفْتَحُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا كَبِيرًا مَحْفُورًا عَلَيْهِ زَخَارِفُ بَسِيطَةٌ مُتَآكِلَةٌ. «وَرِثْتُ هَذَا الْمَتْجَرَ عَنْهُ، كَمَا تَعْرِفُ، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ يَوْمًا أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْ أَغْرَاضِهِ الْقَدِيمَةِ، رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُسْتَخْدَمُ مُنْذُ عُقُودٍ.»
اسْتَمَرَّا فِي الْعَمَلِ بِصَمْتٍ لِفَتْرَةٍ، لَا يَقْطَعُهُ سِوَى صَوْتِ الصَّنَادِيقِ وَهِيَ تُنْقَلُ، وَسُعَالٍ خَفِيفٍ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ مِنَ الْغُبَارِ الْمُتَصَاعِدِ. لَكِنَّ أَحَدَ الصَّنَادِيقِ، أَصْغَرَ حَجْمًا مِنَ الْبَقِيَّةِ، مَوْضُوعًا فِي أَقْصَى زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ مِنَ الْمَخْزَنِ، خَلْفَ كَوْمَةٍ مِنَ الْأَقْمِشَةِ التَّالِفَةِ الَّتِي بَدَا أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَلْمِسْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، جَذَبَ انْتِبَاهَ عَدْنَانَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ، رُبَّمَا لِأَنَّ الْغُبَارَ عَلَيْهِ كَانَ أَقَلَّ كَثَافَةً مِنَ الصَّنَادِيقِ الْمُحِيطَةِ بِهِ، وَكَأَنَّ يَدًا مَا، مُؤَخَّرًا نِسْبِيًّا، قَدْ لَمَسَتْهُ وَحَرَّكَتْهُ قَلِيلًا.
حِينَ فَتَحَهُ، وَجَدَ بِدَاخِلِهِ مَجْمُوعَةً مِنَ الدَّفَاتِرِ الْقَدِيمَةِ، مَرْبُوطَةً مَعًا بِخَيْطٍ سَمِيكٍ، بَعْضُهَا مُصْفَرُّ الْأَوْرَاقِ مِنْ قِدَمِهِ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ أَحْدَثُ نِسْبِيًّا. كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ قَدِ انْشَغَلَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِتَرْتِيبِ صُنْدُوقٍ آخَرَ عَلَى الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ مِنَ الْمَخْزَنِ، ظَهْرُهُ إِلَى عَدْنَانَ، فَلَمْ يُلَاحِظْ مَا وَجَدَهُ.
فَتَحَ عَدْنَانُ أَحَدَ الدَّفَاتِرِ بِفُضُولٍ بَرِيءٍ، مُتَوَقِّعًا أَنْ يَجِدَ سِجِلَّاتٍ حِسَابِيَّةً عَادِيَّةً مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي تَعَلَّمَ قِرَاءَتَهَا خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ. لَكِنَّ مَا وَجَدَهُ كَانَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا: صَفَحَاتٌ مَلِيئَةٌ بِأَرْقَامٍ وَرُمُوزٍ غَرِيبَةٍ، حُرُوفٌ مُخْتَصَرَةٌ لَا تُشَكِّلُ كَلِمَاتٍ مَفْهُومَةً، وَتَوَارِيخُ مُتَنَاثِرَةٌ تَعُودُ إِلَى عُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ، بَعْضُهَا يَسْبِقُ مِيلَادَ عَدْنَانَ نَفْسِهِ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
تَوَقَّفَتْ عَيْنَاهُ فَجْأَةً عِنْدَ سَطْرٍ تَكَرَّرَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي صَفَحَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الدَّفْتَرِ، مَكْتُوبًا بِخَطِّ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْمُمَيَّزِ، لَكِنْ بِحِبْرٍ أَغْمَقَ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهُ أُضِيفَ فِي مُنَاسَبَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ: «الْأَمَانَةُ 1958».
٣
شَعَرَ عَدْنَانُ بِفُضُولٍ لَا يُقَاوَمُ يَشُدُّهُ نَحْوَ تِلْكَ الصَّفَحَاتِ. قَلَّبَ الدَّفْتَرَ بِحَذَرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الرُّمُوزِ الْمُتَنَاثِرَةِ. وَجَدَ، إِلَى جَانِبِ عِبَارَةِ «الْأَمَانَةُ 1958» الْمُتَكَرِّرَةِ، حَرْفَيْنِ مُخْتَصَرَيْنِ يَتَكَرَّرَانِ مَعَهَا دَائِمًا: «ح. ن»، وَأَرْقَامًا صَغِيرَةً بِجَانِبِهِمَا، أَرْقَامًا لَمْ يَفْهَمْ عَدْنَانُ دَلَالَتَهَا، رُبَّمَا كَانَتْ مَبَالِغَ مَالِيَّةً، أَوْ رُبَّمَا شَيْئًا آخَرَ تَمَامًا. لَاحَظَ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الصَّفَحَاتِ كَانَتْ تَحْمِلُ رُسُومًا بَسِيطَةً أَشْبَهَ بِمُخَطَّطَاتٍ، خُطُوطًا مُتَقَاطِعَةً قَدْ تُمَثِّلُ حُدُودَ قِطْعَةِ أَرْضٍ، أَوْ رُبَّمَا تَخْطِيطًا لِمَكَانٍ مُخْتَفٍ دَاخِلَ الْمَتْجَرِ نَفْسِهِ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْزِمَ بِطَبِيعَتِهِ بِالضَّبْطِ.
فِي صَفْحَةٍ أُخْرَى، وَجَدَ عِبَارَةً مُخْتَلِفَةً، مَكْتُوبَةً بِخَطٍّ أَكْثَرَ ارْتِعَاشًا، وَكَأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي لَحْظَةِ تَوَتُّرٍ أَوْ تَعَبٍ شَدِيدٍ: «أَمَانَةُ 1976 – صُنْدُوقٌ – انْتِظَارٌ حَتَّى الْعَوْدَةِ أَوْ مُضِيِّ سَنَةٍ كَامِلَةٍ.» شَعَرَ قَلْبُ عَدْنَانَ يَتَوَقَّفُ لَحْظَةً؛ كَانَ هَذَا التَّارِيخَ نَفْسَهُ، السَّنَةَ نَفْسَهَا الَّتِي شَهِدَ فِيهَا بِعَيْنَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْغَرِيبَةَ عِنْدَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ. بِجَانِبِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَجَدَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مَكْتُوبَةً بِحِبْرٍ مُخْتَلِفٍ، أُضِيفَتْ لَاحِقًا عَلَى مَا بَدَا: «خَطَرٌ مُتَزَايِدٌ»، بِلَا أَيِّ تَفْصِيلٍ إِضَافِيٍّ يُوَضِّحُ طَبِيعَةَ هَذَا الْخَطَرِ أَوْ مَصْدَرَهُ.
قَلَّبَ صَفْحَةً أُخْرَى، فَوَجَدَ قَائِمَةً قَصِيرَةً مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَصَرَةِ بِحُرُوفٍ فَقَطْ، كُلُّ اسْمٍ يُقَابِلُهُ رَمْزٌ صَغِيرٌ: دَائِرَةٌ، أَوْ مُثَلَّثٌ، أَوْ خَطٌّ مُسْتَقِيمٌ تَحْتَهُ، نِظَامُ تَرْمِيزٍ خَاصٌّ طَوَّرَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ عَلَى مَا يَبْدُو عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ لِيَحْمِيَ هُوِيَّةَ مَنِ ائْتَمَنُوهُ، حَتَّى مِنْ نَفْسِهِ فِي لَحَظَاتِ النِّسْيَانِ الْمُحْتَمَلَةِ مَعَ تَقَدُّمِ الْعُمْرِ.
كَانَ يُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ بِسُرْعَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، عَقْلُهُ يَعْمَلُ بِجِدٍّ لِيَرْبِطَ بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ، حِينَ سَمِعَ صَوْتَ خُطُوَاتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ تَقْتَرِبُ فَجْأَةً مِنْ خَلْفِهِ، خُطُوَاتٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَقْتَرِبُ بِسَبَبِ انْغِمَاسِهِ الْكَامِلِ فِيمَا يَقْرَأُ.
«مَاذَا تَفْعَلُ؟»
كَانَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهِ حَادَّةً، مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ أَيَّةِ نَبْرَةٍ سَمِعَهَا عَدْنَانُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ، حَادَّةً بِمَا يَكْفِي لِتَجْعَلَهُ يَجْفَلَ وَيَكَادَ يُسْقِطَ الدَّفْتَرَ مِنْ يَدِهِ.
٤
اسْتَدَارَ عَدْنَانُ بِبُطْءٍ، وَالدَّفْتَرُ مَا زَالَ مَفْتُوحًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَجْهُ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ أَمَامَهُ شَاحِبٌ، مُتَوَتِّرٌ، وَعَيْنَاهُ تُحَدِّقَانِ فِي الدَّفْتَرِ بِذُعْرٍ وَاضِحٍ لَمْ يُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
«أَنَا آسِفٌ يَا حَاجُّ، وَجَدْتُهُ فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ، وَفَتَحْتُهُ دُونَ أَنْ أُفَكِّرَ… لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أَتَطَفَّلَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ خَاصٍّ.»
مَدَّ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ يَدَهُ بِسُرْعَةٍ، وَأَخَذَ الدَّفْتَرَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ عَدْنَانَ، أَغْلَقَهُ بِحَرَكَةٍ حَاسِمَةٍ، وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ كَأَنَّهُ يَحْمِي شَيْئًا حَيًّا. وَقَفَ صَامِتًا لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، يَنْظُرُ إِلَى عَدْنَانَ بِنَظْرَةٍ مُعَقَّدَةٍ، مَزِيجٍ مِنَ الْغَضَبِ وَالْخَوْفِ وَشَيْءٍ آخَرَ أَعْمَقَ، بَدَا لِعَدْنَانَ أَقْرَبَ إِلَى إِرْهَاقٍ شَدِيدٍ، إِرْهَاقِ رَجُلٍ حَمَلَ سِرًّا طَوِيلًا جِدًّا حَتَّى أَصْبَحَ ثِقَلُهُ يَفُوقُ طَاقَتَهُ عَلَى حَمْلِهِ وَحِيدًا.
انْتَظَرَ عَدْنَانُ أَنْ يَنْفَجِرَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ غَاضِبًا، أَنْ يُوَبِّخَهُ عَلَى تَطَفُّلِهِ، رُبَّمَا حَتَّى أَنْ يَطْرُدَهُ مِنْ عَمَلِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ. لَكِنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، جَلَسَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِبُطْءٍ عَلَى صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ قَرِيبٍ، وَكَأَنَّ قِوَاهُ قَدْ خَارَتْ فَجْأَةً، وَالدَّفْتَرُ مَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَنَهَّدَ تَنَهُّدَةً عَمِيقَةً طَوِيلَةً، أَشْبَهَ بِتَنَهُّدَةِ رَجُلٍ اسْتَسْلَمَ أَخِيرًا لِثِقَلٍ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهِ بِمُفْرَدِهِ.
«اجْلِسْ، يَا عَدْنَانُ.»
٥
جَلَسَ عَدْنَانُ بِحَذَرٍ عَلَى صُنْدُوقٍ آخَرَ مُقَابِلٍ لَهُ، وَقَلْبُهُ مَا زَالَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ، غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ مِمَّا يَنْتَظِرُهُ.
«كُنْتُ سَأُخْبِرُكَ بِجُزْءٍ مِنْ هَذَا، عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَنْتَظِرُ لَحْظَةً أَشْعُرُ فِيهَا أَنَّكَ جَاهِزٌ، وَأَنَّنِي جَاهِزٌ أَنَا أَيْضًا.» نَظَرَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ إِلَى الدَّفْتَرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ صَدِيقٍ قَدِيمٍ مُثْقَلٍ بِالذِّكْرَيَاتِ. «لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ الْقَدَرَ قَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ قَدْ حَانَتِ الْآنَ، شِئْنَا أَمْ أَبَيْنَا.»
«لَا يَجِبُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِشَيْءٍ لَا تُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَهُ يَا حَاجُّ، أَنَا آسِفٌ حَقًّا عَلَى فُضُولِي.»
«لَا تَعْتَذِرْ، يَا عَدْنَانُ. الْفُضُولُ لَيْسَ عَيْبًا، بَلْ هُوَ أَحْيَانًا عَلَامَةٌ عَلَى عَقْلٍ يَقِظٍ، طَالَمَا بَقِيَ مَقْرُونًا بِالْأَمَانَةِ، وَأَنْتَ أَثْبَتَّ لِي مِرَارًا أَنَّكَ تَمْلِكُ الِاثْنَيْنِ مَعًا.» نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّقْدِيرِ الصَّادِقِ رَغْمَ كُلِّ التَّوَتُّرِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ. «بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتَهُ، وَبَعْدَ زِيَارَةِ كَمَالٍ الْأَخِيرَةِ، أَظُنُّ أَنَّ مِنَ الْعَدْلِ، وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَيْضًا، أَنْ تَعْرِفَ عَلَى الْأَقَلِّ جُزْءًا مِنَ الصُّورَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُشَارِكَكَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ. فَأَنْتَ الْآنَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، سَوَاءٌ أَرَدْتَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ تُرِدْ، مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي رَأَيْتَ فِيهَا الرَّجُلَ الْغَرِيبَ عِنْدَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ.»
فَتَحَ الدَّفْتَرَ مِنْ جَدِيدٍ، بِحَرَكَةٍ أَبْطَأَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، أَكْثَرَ تَصَالُحًا مَعَهُ، وَقَلَّبَ صَفَحَاتِهِ الْأُولَى بِأَصَابِعَ بَدَتْ لِعَدْنَانَ أَكْثَرَ ارْتِجَافًا مِنَ الْمُعْتَادِ. «هَذَا الدَّفْتَرُ يَحْوِي تَارِيخًا طَوِيلًا مِنْ حَيَاتِي، يَا عَدْنَانُ، تَارِيخًا لَمْ أُشَارِكْهُ مَعَ أَيِّ إِنْسَانٍ حَيٍّ الْيَوْمَ، وَلَا حَتَّى مَعَ كَمَالٍ نَفْسِهِ، رَغْمَ قُرْبِهِ مِنِّي.»
«مَاذَا تَعْنِي بِـ«الْأَمَانَةِ 1958»؟ رَأَيْتُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مُتَكَرِّرَةً فِي أَكْثَرَ مِنْ صَفْحَةٍ.»
تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الْحَدِيثَ. «فِي عَامِ 1958، يَا عَدْنَانُ، حِينَ كُنْتُ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي تَقْرِيبًا، عُمْرَكَ أَنْتَ تَقْرِيبًا الْيَوْمَ، كَانَتِ الْبِلَادُ تَمُرُّ بِفَتْرَةِ اضْطِرَابٍ سِيَاسِيٍّ كَبِيرٍ، حِينَ اتَّحَدَتْ سُورِيَا مَعَ مِصْرَ، وَبَدَأَتْ قَوَانِينُ جَدِيدَةٌ تُهَدِّدُ بِمُصَادَرَةِ أَمْلَاكِ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِ التُّجَّارِ، خَاصَّةً أُولَئِكَ الَّذِينَ اعْتُبِرُوا مُقَرَّبِينَ مِنَ النِّظَامِ الْقَدِيمِ. كَثِيرٌ مِنَ الْعَائِلَاتِ الْغَنِيَّةِ خَافَتْ عَلَى ثَرَوَاتِهَا، وَبَدَأَتْ تَبْحَثُ عَمَّنْ تَأْتَمِنُهُ عَلَى جُزْءٍ مِنْهَا، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الدَّوْلَةِ الْجَدِيدَةِ وَقَوَانِينِهَا، بِانْتِظَارِ أَنْ تَهْدَأَ الْأُمُورُ، أَوْ أَنْ تَتَغَيَّرَ مَرَّةً أُخْرَى، كَمَا تَتَغَيَّرُ الْأُمُورُ دَائِمًا فِي بِلَادِنَا.»
٦
«وَكُنْتُ أَنَا، رَغْمَ شَبَابِي وَقِلَّةِ خِبْرَتِي حِينَهَا، مَعْرُوفًا فِي السُّوقِ بِأَنِّي رَجُلٌ لَا يَتَكَلَّمُ، لَا يُفْشِي سِرًّا، وَلَا يَخُونُ أَمَانَةً، حَتَّى لَوْ كَلَّفَنِي ذَلِكَ الْكَثِيرَ.» اسْتَمَرَّ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ فِي حَدِيثِهِ، وَنَظْرَةُ عَيْنَيْهِ شَارِدَةٌ فِي ذِكْرَى بَعِيدَةٍ. «فَجَاءَتْنِي عَائِلَةٌ، عَائِلَةٌ كَبِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، أَطْلُبُ مِنْكَ أَلَّا تَسْأَلَنِي عَنِ اسْمِهَا الْكَامِلِ الْآنَ، وَطَلَبَتْ مِنِّي أَنْ أَحْفَظَ لَهَا جُزْءًا مِنْ ثَرْوَتِهَا، ذَهَبًا وَوَثَائِقَ مِلْكِيَّةِ أَرَاضٍ، بَعِيدًا عَنْ أَيِّ سِجِلٍّ رَسْمِيٍّ قَدْ يُعَرِّضُهَا لِلْمُصَادَرَةِ.»
«كَيْفَ كَانَتْ تِلْكَ الْأَيَّامُ يَا حَاجُّ؟ لَمْ أَقْرَأْ عَنْهَا كَثِيرًا، فَقَدْ كُنْتُ لَمْ أُولَدْ بَعْدُ بِالطَّبْعِ، وَلَا حَتَّى وَالِدَايَ يَتَحَدَّثَانِ عَنْهَا كَثِيرًا فِي الْقَرْيَةِ.»
تَنَهَّدَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِعُمْقٍ، وَكَأَنَّ السُّؤَالَ فَتَحَ أَمَامَهُ بَابًا مِنْ ذِكْرَيَاتٍ لَمْ يَزُرْهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. «كَانَتْ أَيَّامًا مُضْطَرِبَةً، يَا عَدْنَانُ، مَلِيئَةً بِالْأَمَلِ وَالْخَوْفِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. كَثِيرُونَ ظَنُّوا أَنَّ الْوَحْدَةَ مَعَ مِصْرَ سَتَفْتَحُ لَنَا أَبْوَابَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَثِيرُونَ آخَرُونَ خَافُوا أَنْ تَأْتِيَ مَعَهَا قَوَانِينُ تُصَادِرُ مَا بَنَتْهُ عَائِلَاتُهُمْ عَلَى مَدَى أَجْيَالٍ. كُنْتُ أَرَى التُّجَّارَ الْكِبَارَ فِي هَذَا السُّوقِ بِالذَّاتِ يَتَهَامَسُونَ فِي زَوَايَا مَحَلَّاتِهِمْ، يُخْفُونَ سِجِلَّاتِهِمْ، يَبِيعُونَ بَعْضَ مُمْتَلَكَاتِهِمْ بِأَسْعَارٍ زَهِيدَةٍ فَقَطْ لِيُحَوِّلُوهَا إِلَى شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ بِسُهُولَةٍ، ذَهَبًا أَوْ مُجَوْهَرَاتٍ يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهَا فِي مَكَانٍ آمِنٍ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْحُكُومَةِ الْجَدِيدَةِ.»
«وَهَلْ مَا زِلْتَ تَحْتَفِظُ بِهَذِهِ الْأَمَانَةِ حَتَّى الْيَوْمِ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟»
أَوْمَأَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ. «جُزْءٌ مِنْهَا، نَعَمْ. الْأُسْرَةُ نَفْسُهَا مَرَّتْ بِظُرُوفٍ صَعْبَةٍ عَبْرَ السِّنِينِ، تَفَرَّقَ أَبْنَاؤُهَا بَيْنَ بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، بَعْضُهُمْ تُوُفِّيَ، بَعْضُهُمْ فَقَدَ الِاتِّصَالَ تَمَامًا بِمَنْ تَبَقَّى مِنَ الْعَائِلَةِ. حَاوَلْتُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً أَنْ أَجِدَ وَرِيثًا وَاضِحًا أُسَلِّمُهُ هَذِهِ الْأَمَانَةَ، لَكِنَّ الْأَمْرَ كَانَ دَائِمًا أَكْثَرَ تَعْقِيدًا مِمَّا يَبْدُو، وَالْوَقْتُ مَرَّ، وَمَرَّ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَنَا نَفْسِي، رَغْمًا عَنِّي، حَارِسًا دَائِمًا لِشَيْءٍ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَحَدٌ آخَرُ بِوُجُودِهِ أَصْلًا.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِثِقَلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ يَتَسَرَّبُ إِلَيْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مُدْرِكًا أَنَّ الرَّجُلَ الْجَالِسَ أَمَامَهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَاجِرِ أَقْمِشَةٍ هَادِئٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي الْبِدَايَةِ، بَلْ رَجُلٌ يَحْمِلُ، مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، أَسْرَارًا أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَهُ أَيُّ شَخْصٍ يَرَاهُ مِنَ الْخَارِجِ.
«أَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِكَ يَوْمًا أَنْ تُسَلِّمَ هَذِهِ الْأَمَانَةَ إِلَى الدَّوْلَةِ، أَوْ إِلَى مَحْكَمَةٍ، لِتَتَوَلَّى هِيَ أَمْرَ إِيجَادِ الْوَرَثَةِ الْحَقِيقِيِّينَ؟»
ضَحِكَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ ضَحْكَةً قَصِيرَةً مَرِيرَةً، لَا أَثَرَ فِيهَا لِأَيِّ مَرَحٍ حَقِيقِيٍّ. «فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، يَا عَدْنَانُ، تَسْلِيمُ شَيْءٍ كَهَذَا لِلدَّوْلَةِ كَانَ يَعْنِي تَسْلِيمَهُ لِلضَّيَاعِ التَّامِّ، أَوْ رُبَّمَا أَسْوَأَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ لِمَنِ ائْتَمَنُونِي عَلَيْهِ، لَوْ عَادُوا يَوْمًا وَوُجِدَ أَنَّ ثَرْوَتَهُمْ قَدْ صُودِرَتْ بِأَيْدِي مَنِ ائْتَمَنُوهُ عَلَى حِمَايَتِهَا مِنْهُمْ بِالذَّاتِ. الثِّقَةُ، يَا بُنَيَّ، حِينَ تُمْنَحُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، تُصْبِحُ مَسْؤُولِيَّةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَوِّضَهَا لِأَحَدٍ آخَرَ، مَهْمَا بَدَا ذَلِكَ الْآخَرُ رَسْمِيًّا أَوْ مَوْثُوقًا فِي الظَّاهِرِ.»
«وَمَاذَا عَنْ «أَمَانَةِ 1976»؟ تِلْكَ الَّتِي ذَكَرْتَهَا بِجَانِبِ كَلِمَةِ «صُنْدُوقٍ»؟»
٧
تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ طَوِيلًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ لَامَسَ جُرْحًا أَحْدَثَ وَأَكْثَرَ إِيلَامًا مِنْ ذَلِكَ الْقَدِيمِ.
«تِلْكَ، يَا عَدْنَانُ، أَمَانَةٌ أَحْدَثُ بِكَثِيرٍ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ عَنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ، لِأَنَّكَ شَهِدْتَ بِعَيْنَيْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي وَصَلَتْ فِيهَا إِلَى هَذَا الْمَتْجَرِ.» نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، مُقَيِّمَةً، وَكَأَنَّهُ يُقَرِّرُ أَخِيرًا كَمْ مِنَ الْحَقِيقَةِ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارِكَهَا مَعَهُ. «ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا عَنِّي تَمَامًا، رَغْمَ أَنَّهُ لَيْسَ صَدِيقَ طُفُولَتِي الَّذِي خَانَنِي، وَلَا فَرْدًا مِنْ عَائِلَةِ أَمَانَةِ 1958 الْقَدِيمَةِ. كَانَ رَجُلًا الْتَقَيْتُهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، فِي ظُرُوفٍ مُعَقَّدَةٍ، لَنْ أُفَصِّلَهَا الْآنَ، وَطَلَبَ مِنِّي مَعْرُوفًا شَبِيهًا بِمَا طَلَبَتْهُ مِنِّي تِلْكَ الْعَائِلَةُ الْقَدِيمَةُ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا: أَنْ أَحْفَظَ لَهُ شَيْئًا ثَمِينًا، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ مَنْ يَبْحَثُونَ عَنْهُ.»
«أَتَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ الْآنَ؟ أَعَادَ إِلَيْكَ كَمَا وَعَدَ؟»
هَزَّ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، بِحُزْنٍ وَاضِحٍ. «لَا. لَمْ يَمُرَّ بَعْدُ عَامٌ كَامِلٌ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَالْمَوْعِدُ الَّذِي حَدَّدَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَحِنْ بَعْدُ. لَكِنَّنِي، بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَرَاهُ يَوْمًا مِنْ جَدِيدٍ. الرِّجَالُ الَّذِينَ يَأْتُونَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، خَائِفِينَ، يَحْمِلُونَ أَسْرَارًا أَثْقَلَ مِنْ طَاقَتِهِمْ، لَا يَعُودُونَ دَائِمًا كَمَا وَعَدُوا، يَا عَدْنَانُ. أَحْيَانًا تَأْخُذُهُمُ الْحَيَاةُ، أَوِ الْمَوْتُ، إِلَى حَيْثُ لَا رَجْعَةَ.»
«وَلِمَاذَا اخْتَرْتَ أَنْتَ بِالذَّاتِ، مَرَّةً أُخْرَى؟ أَلَا يُوجَدُ أَشْخَاصٌ آخَرُونَ يَثِقُ بِهِمُ النَّاسُ فِي هَذَا السُّوقِ؟»
ابْتَسَمَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً خَفِيفَةً. «لِأَنَّ السُّمْعَةَ، يَا عَدْنَانُ، تَنْتَقِلُ بِطُرُقٍ غَرِيبَةٍ أَحْيَانًا. مَنْ يَحْفَظُ سِرًّا وَاحِدًا بِأَمَانَةٍ تَامَّةٍ، يُصْبِحُ، دُونَ أَنْ يَقْصِدَ، الرَّجُلَ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَحْفَظَ أَسْرَارًا أُخْرَى كَثِيرَةً عَلَى مَرِّ السِّنِينَ. هَذَا هُوَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلثِّقَةِ، يَا بُنَيَّ: كُلَّمَا أَثْبَتَّ أَنَّكَ جَدِيرٌ بِهَا، كُلَّمَا طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَحْمِلَهَا أَكْثَرَ، حَتَّى تُصْبِحَ ثِقْلًا يَكَادُ يَفُوقُ طَاقَتَكَ، لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْفُضَهُ، لِأَنَّ رَفْضَهُ يَعْنِي خِيَانَةَ كُلِّ مَنْ وَثِقَ بِكَ مِنْ قَبْلُ.» تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ بِنَظْرَةٍ تَحْمِلُ تَحْذِيرًا خَفِيًّا. «تَذَكَّرْ هَذَا جَيِّدًا، يَا عَدْنَانُ، فَقَدْ بَدَأْتَ أَنْتَ أَيْضًا، دُونَ أَنْ تَدْرِيَ، تَسِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ نَفْسِهِ. الْمِفْتَاحُ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهُ، وَالصَّمْتُ الَّذِي طَلَبْتُهُ مِنْكَ، كِلَاهُمَا بِدَايَةُ ثِقْلٍ قَدْ يَتَضَاعَفُ مَعَ الْوَقْتِ، إِنْ بَقِيتَ عَلَى الدَّرْبِ نَفْسِهِ الَّذِي بَدَأْتَهُ.»
٨
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ كُلَّ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ الْجَدِيدَةِ، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ السُّؤَالَ الَّذِي كَانَ يَشْغَلُ بَالَهُ مُنْذُ أَنْ رَأَى تِلْكَ الْحُرُوفَ الْمُخْتَصَرَةَ فِي الدَّفْتَرِ: «مَنْ هُوَ «ح. ن»، يَا حَاجُّ؟ الْحَرْفَانِ اللَّذَانِ تَكَرَّرَا بِجَانِبِ «أَمَانَةِ 1958»؟»
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، طَوِيلَةً جِدًّا، وَكَأَنَّهُ يُقَاتِلُ صِرَاعًا دَاخِلِيًّا حَوْلَ مَا إِذَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُجِيبَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ أَمْ لَا. وَقَفَ مِنْ مَكَانِهِ، وَسَارَ بِبُطْءٍ نَحْوَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ الْعَالِيَةِ فِي سَقْفِ الْمَخْزَنِ، وَوَقَفَ تَحْتَهَا لَحْظَةً، وَالضَّوْءُ الْخَافِتُ الْمُتَسَلِّلُ مِنْهَا يَرْسُمُ خُطُوطًا بَاهِتَةً عَلَى وَجْهِهِ الْمُتْعَبِ.
«أَتَعْرِفُ، يَا عَدْنَانُ، أَنَّ أَصْعَبَ جُزْءٍ فِي حَمْلِ سِرٍّ كَهَذَا لَيْسَ السِّرَّ نَفْسَهُ، بَلِ الْوَحْدَةَ الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَيْكَ؟ طَوَالَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُشَارِكَ أَحَدًا هَذَا الثِّقْلَ، وَلَا حَتَّى فِي أَصْعَبِ لَحَظَاتِي، وَلَا حَتَّى حِينَ مَرِضْتُ مَرَضًا شَدِيدًا قَبْلَ سَنَوَاتٍ وَظَنَنْتُ أَنَّنِي سَأَمُوتُ دُونَ أَنْ أُخْبِرَ أَحَدًا بِمَكَانِ تِلْكَ الْأَمَانَةِ.» اسْتَدَارَ نَحْوَ عَدْنَانَ أَخِيرًا. «رُبَّمَا هَذَا بِالذَّاتِ مَا يَجْعَلُنِي، الْآنَ، أَشْعُرُ بِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ وَأَنَا أَتَحَدَّثُ مَعَكَ عَنْ جُزْءٍ مِنْهَا، رَغْمَ كُلِّ مَخَاوِفِي.»
أَخِيرًا، أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ بِحَرَكَةٍ نِهَائِيَّةٍ، وَتَنَهَّدَ بِعُمْقٍ.
«هَذَا سُؤَالٌ، يَا عَدْنَانُ، لَسْتُ مُسْتَعِدًّا لِلْإِجَابَةِ عَنْهُ الْيَوْمَ بِالْكَامِلِ. لَيْسَ لِأَنَّنِي لَا أَثِقُ بِكَ، بَلْ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ، إِنْ قُلْتُهَا الْآنَ كَامِلَةً، قَدْ تَضَعُكَ فِي خَطَرٍ لَا دَاعِيَ لَهُ، خَطَرٍ لَا أُرِيدُكَ أَنْ تَتَحَمَّلَهُ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ جَاهِزًا لَهُ تَمَامًا.» وَقَفَ مِنْ مَكَانِهِ، وَأَعَادَ الدَّفْتَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ عَدْنَانُ، لَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ حَمَلَ الصُّنْدُوقَ بِنَفْسِهِ، وَنَقَلَهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ لَمْ يُخْبِرْ عَدْنَانَ أَيْنَ بِالضَّبْطِ.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَبْتَعِدَ كَثِيرًا، تَوَقَّفَ فَجْأَةً، وَاسْتَدَارَ نَحْوَ عَدْنَانَ بِوَجْهٍ بَدَا عَلَيْهِ صِرَاعٌ أَخِيرٌ مَعَ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ قَرَّرَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَنْ يَتْرُكَ لَهُ خَيْطًا وَاحِدًا عَلَى الْأَقَلِّ، خَيْطًا صَغِيرًا قَدْ يَقُودُهُ يَوْمًا إِلَى بَقِيَّةِ الْحَقِيقَةِ.
٩
«سَأُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، يَا عَدْنَانُ، ثُمَّ لَا مَزِيدَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ اللَّيْلَةَ، اتَّفَقْنَا؟»
هَزَّ عَدْنَانُ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ، مُمْتَنًّا حَتَّى لِهَذَا الْقَدْرِ الْبَسِيطِ مِنَ الثِّقَةِ.
«ح. ن هِيَ الْحُرُوفُ الْأُولَى مِنِ اسْمِ الْعَائِلَةِ الَّتِي ائْتَمَنَتْنِي عَلَى أَمَانَةِ 1958. وَلَنْ أُخْبِرَكَ الِاسْمَ كَامِلًا اللَّيْلَةَ.» تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ، وَأَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَكَأَنَّ مَا سَيَقُولُهُ التَّالِيَ يُكَلِّفُهُ جُهْدًا مُضَاعَفًا. «لَكِنَّنِي سَأُخْبِرُكَ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّكَ سَتَكْتَشِفُهُ بِنَفْسِكَ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، وَأُفَضِّلُ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنِّي، لَا أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ عَبْرَ طَرِيقٍ أَكْثَرَ إِيلَامًا.»
اقْتَرَبَ خُطْوَةً مِنْ عَدْنَانَ، وَخَفَضَ صَوْتَهُ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْهَمْسَ، رَغْمَ أَنَّهُمَا كَانَا وَحْدَهُمَا تَمَامًا فِي ذَلِكَ الْمَخْزَنِ الْمُغْلَقِ.
«كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ الَّذِي الْتَقَيْتَهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ، يَا عَدْنَانُ… لَيْسَ مُجَرَّدَ صَدِيقٍ قَدِيمٍ جَاءَ يَطْلُبُ مَعْرُوفًا عَابِرًا. عَائِلَتُهُ، عَائِلَةُ الْحَوْرَانِيِّ، هِيَ نَفْسُهَا صَاحِبَةُ تِلْكَ الْأَمَانَةِ الْقَدِيمَةِ، أَمَانَةِ 1958.»
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنِ التَّنَفُّسِ لَحْظَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا سَمِعَهُ لِلتَّوِّ. «لَكِنْ… كَمَالٌ جَاءَ يَطْلُبُ مِنْكَ دَيْنًا بَسِيطًا، مَالًا اسْتَوْدَعَكَ إِيَّاهُ هُوَ شَخْصِيًّا مُنْذُ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، لَا شَيْئًا يَعُودُ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا!»
«هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَعْنِيهِ، يَا عَدْنَانُ. كَمَالٌ نَفْسُهُ لَا يَعْرِفُ، حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةَ، الْحَجْمَ الْحَقِيقِيَّ لِمَا تَرَكَهُ أَجْدَادُهُ عِنْدِي، وَلَا حَتَّى أَنَّهُ مَوْجُودٌ أَصْلًا بِهَذَا الشَّكْلِ الَّذِي أَعْرِفُهُ أَنَا وَحْدِي. يَظُنُّ أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنِّي مَعْرُوفًا شَخْصِيًّا بَسِيطًا بَيْنَنَا، دَيْنًا قَدِيمًا مِنْ صَدَاقَتِنَا الْخَاصَّةِ، بَيْنَمَا هُوَ، فِي الْحَقِيقَةِ، يَطْلُبُ مِنِّي، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ، جُزْءًا ضَئِيلًا فَقَطْ مِنْ إِرْثٍ عَائِلِيٍّ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَخَيَّلُ، إِرْثٍ ظَنَنْتُ طَوِيلًا أَنَّهُ انْقَطَعَ مَعَ مَنْ فَقَدْتُهُمْ مِنْ عَائِلَتِهِ، حَتَّى ظَهَرَ هُوَ نَفْسُهُ، بِالصُّدْفَةِ الْمَحْضَةِ، أَمَامَ بَابِي مُنْذُ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، يَحْمِلُ الِاسْمَ نَفْسَهُ، وَالدَّمَ نَفْسَهُ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا عَنِ الْخَيْطِ الَّذِي يَرْبِطُهُ بِذَلِكَ الْمَاضِي الْبَعِيدِ.»
«لَكِنْ كَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ؟ أَلَا يَعْرِفُ النَّاسُ عَادَةً تَارِيخَ عَائِلَاتِهِمْ، خَاصَّةً إِنْ كَانَتْ عَائِلَةً كَبِيرَةً بِهَذَا الشَّكْلِ؟»
تَنَهَّدَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ. «الْحُرُوبُ وَالْهِجْرَاتُ تَفْعَلُ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً بِذَاكِرَةِ الْعَائِلَاتِ، يَا عَدْنَانُ. جَدُّ كَمَالٍ، صَاحِبُ الْأَمَانَةِ الْأَصْلِيَّةِ، تُوُفِّيَ بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنْ إِيدَاعِهِ إِيَّاهَا عِنْدِي، وَلَمْ يُخْبِرْ أَحَدًا مِنْ أَبْنَائِهِ بِتَفَاصِيلِ مَا فَعَلَهُ، خَوْفًا، عَلَى الْأَرْجَحِ، مِنْ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ وَيُفْشِيَ السِّرَّ فِي زَمَنٍ كَانَتِ الْوِشَايَةُ فِيهِ قَدْ تَعْنِي الْخَرَابَ التَّامَّ لِلْعَائِلَةِ بِأَكْمَلِهَا. تُوُفِّيَ الِابْنُ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ جُزْءًا مِنَ الْقِصَّةِ هُوَ الْآخَرُ مُبَكِّرًا، فِي حَادِثَةٍ لَمْ أَعْرِفْ تَفَاصِيلَهَا الْكَامِلَةَ، وَتَفَرَّقَ الْأَبْنَاءُ وَالْأَحْفَادُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْرُوتَ وَأَمَاكِنَ أُخْرَى، وَضَاعَتِ الْحِكَايَةُ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهَا فِي ذَاكِرَةِ الْعَائِلَةِ الْحَيَّةِ الْيَوْمَ سِوَى اسْمِي أَنَا، كَصَدِيقٍ قَدِيمٍ، لَا كَحَارِسِ أَمَانَةٍ لَا يَعْرِفُونَ بِوُجُودِهَا أَصْلًا.»
وَقَفَ عَدْنَانُ مُسَمَّرًا فِي مَكَانِهِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ حَجْمَ مَا سَمِعَهُ لِلتَّوِّ: أَنَّ كَمَالًا الْحَوْرَانِيَّ، ذَلِكَ الرَّجُلَ الْيَائِسَ الَّذِي رَآهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ يَتَوَسَّلُ صَدِيقَهُ الْقَدِيمَ مِنْ أَجْلِ جُزْءٍ بَسِيطٍ مِنَ الْمَالِ، كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ، وَرِيثًا لِثَرْوَةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَخَيَّلُ، مَحْبُوسَةً مُنْذُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا كَامِلَةً خَلْفَ صَمْتِ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَرَّرَ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا السِّرَّ وَحِيدًا، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكْشِفَهُ فِي الْوَقْتِ الْخَطَأِ، أَوْ لِلشَّخْصِ الْخَطَأِ.
«لِمَاذَا لَا تُخْبِرُهُ بِبَسَاطَةٍ إِذَنْ؟ أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْحَلَّ الْأَبْسَطَ لِكُلِّ هَذِهِ الْمُعَانَاةِ، لِكُلِّ يَأْسِهِ الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِأَعْيُنِنَا؟»
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، مَلِيئَةً بِتَعْقِيدٍ لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ فَهْمَهُ بِالْكَامِلِ بَعْدُ. «الْأَمْرُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ، يَا عَدْنَانُ. أَوَّلًا، لَسْتُ مُتَأَكِّدًا تَمَامًا أَنَّ كَمَالًا هُوَ الْوَرِيثُ الشَّرْعِيُّ الْوَحِيدُ؛ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ أَفْرَادٌ آخَرُونَ مِنَ الْعَائِلَةِ، فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، لَهُمُ الْحَقُّ نَفْسُهُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ. وَثَانِيًا، إِنْ عَرَفَ كَمَالٌ بِضَخَامَةِ مَا هُوَ مُخَبَّأٌ، فِي وَضْعِهِ الْيَائِسِ الْحَالِيِّ، وَفِي زَمَنٍ كَهَذَا الْمَلِيءِ بِالْخَطَرِ وَالطَّمَعِ، فَقَدْ يَجْلِبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى ابْنَتِهِ، أَخْطَارًا لَا يَتَخَيَّلُهَا، مِنْ أُنَاسٍ آخَرِينَ قَدْ يَسْمَعُونَ بِالْأَمْرِ وَيُرِيدُونَ نَصِيبًا مِنْهُ، أَوِ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ بِالْكَامِلِ. الثَّرْوَةُ الْمُخْتَفِيَةُ، يَا بُنَيَّ، نِعْمَةٌ وَنِقْمَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، خَاصَّةً حِينَ يُكْشَفُ عَنْهَا فِي وَقْتِ الضَّعْفِ لَا وَقْتِ الْقُوَّةِ.»
«يَا حَاجُّ…» بَدَأَ عَدْنَانُ يَقُولُ شَيْئًا، لَكِنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ رَفَعَ يَدَهُ بِلُطْفٍ، إِشَارَةً لَهُ بِالتَّوَقُّفِ.
«هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُنِي قَوْلُهُ اللَّيْلَةَ، يَا عَدْنَانُ. أَرْجُوكَ، لَا تُخْبِرْ كَمَالًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا حَتَّى تَلْمِيحًا، إِنْ عَادَ يَوْمًا. الْأَمْرُ أَعْقَدُ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَبْدُو، وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ، لَنْ أَسْتَطِيعَ شَرْحَهَا كَامِلَةً الْآنَ، تَجْعَلُنِي أَخْشَى أَنْ يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً قَبْلَ أَنْ أَتَأَكَّدَ أَنَّهُ، وَابْنَتَهُ، سَيَكُونَانِ بِأَمَانٍ حَقِيقِيٍّ حِينَ يَعْرِفَانِهَا.»
«أَعِدُكَ يَا حَاجُّ، لَنْ أُخْبِرَهُ بِشَيْءٍ، وَلَا أَيَّ إِنْسَانٍ آخَرَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.»
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فَاحِصَةً، وَكَأَنَّهُ يَزِنُ صِدْقَ هَذَا الْوَعْدِ فِي عَيْنَيْ عَدْنَانَ مُبَاشَرَةً. «أَعْرِفُ أَنَّكَ لَنْ تَفْعَلَ. هَذَا بِالضَّبْطِ سَبَبُ اخْتِيَارِي لَكَ دُونَ غَيْرِكَ، مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَخَلْتَ فِيهِ هَذَا الْمَتْجَرَ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ بِنَفْسِي أَنَّنِي سَأَحْتَاجُ يَوْمًا إِلَى مُشَارَكَةِ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الثِّقْلِ مَعَ أَحَدٍ.» وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ عَدْنَانَ، بِحَرَكَةٍ أَبَوِيَّةٍ دَافِئَةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهَا مِنْهُ كَثِيرًا. «لَكِنْ أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا أَيْضًا، يَا عَدْنَانُ: هَذَا الْعَهْدُ الَّذِي قَطَعْتَهُ لِي الْآنَ لَيْسَ عَهْدًا سَهْلًا كَمَا قَدْ يَبْدُو فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. سَتَأْتِي أَوْقَاتٌ، رُبَّمَا قَرِيبًا، تُخْتَبَرُ فِيهَا قُدْرَتُكَ عَلَى الصَّمْتِ أَمَامَ مَنْ تُحِبُّهُمْ، أَوْ مَنْ يَسْتَحِقُّونَ، فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، أَنْ يَعْرِفُوا الْحَقِيقَةَ. الصَّمْتُ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ سَيَكُونُ أَصْعَبَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ اخْتِبَارٍ مَرَرْتَ بِهِ حَتَّى الْآنَ.»
هَزَّ عَدْنَانُ رَأْسَهُ بِجِدِّيَّةٍ، مُدْرِكًا ثِقَلَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ بَعْدُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، إِلَى أَيِّ مَدًى سَتَكُونُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ نُبُوءَةً دَقِيقَةً لِمَا يَنْتَظِرُهُ فِي الْأَيَّامِ وَالْأَسَابِيعِ الْقَادِمَةِ.
خَرَجَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ مِنَ الْمَخْزَنِ دُونَ أَنْ يُضِيفَ كَلِمَةً أُخْرَى، تَارِكًا عَدْنَانَ وَحِيدًا وَسْطَ الصَّنَادِيقِ وَالْغُبَارِ الْمُتَطَايِرِ فِي ضَوْءِ الشَّمْسِ الْمَائِلِ عَبْرَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ الْعَالِيَةِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ أَنَّهُ أَصْبَحَ الْآنَ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ وَفُضُولِ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، حَامِلًا لِسِرٍّ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَخَيَّلَهُ مِنْ قَبْلُ.
١٠
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، عَادَ عَدْنَانُ إِلَى غُرْفَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ مَوْعِدِهِ الْمُعْتَادِ، وَعَقْلُهُ لَا يَزَالُ يَعِجُّ بِكُلِّ مَا سَمِعَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرِهِ، وَالْمِفْتَاحُ النُّحَاسِيُّ مُعَلَّقٌ حَوْلَ رَقَبَتِهِ كَعَادَتِهِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَنْ تَسَلَّمَهُ، بِثِقَلِهِ الْحَقِيقِيِّ، ثِقْلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ أَيِّ شَيْءٍ شَعَرَ بِهِ مِنْ قَبْلُ.
حَاوَلَ أَنْ يُرَتِّبَ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ الْخُيُوطِ الْمُتَشَابِكَةِ: عَائِلَةَ الْحَوْرَانِيِّ، الَّتِي ائْتَمَنَتِ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ عَلَى ثَرْوَتِهَا مُنْذُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، خَوْفًا مِنْ قَوَانِينِ الْمُصَادَرَةِ فِي زَمَنِ الْوَحْدَةِ مَعَ مِصْرَ؛ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ الَّذِي جَاءَ فِي لَيْلَةِ صَيْفِ 1976 يَحْمِلُ صُنْدُوقًا آخَرَ، مِنْ أَمَانَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ هُوِيَّتِهِ بَعْدُ؛ وَكَمَالًا الْحَوْرَانِيَّ نَفْسَهُ، الَّذِي يَجْهَلُ تَمَامًا أَنَّهُ سَلِيلُ تِلْكَ الْعَائِلَةِ الْغَنِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يَطْلُبُ مَعْرُوفًا بَسِيطًا مِنْ صَدِيقٍ، بَيْنَمَا هُوَ، فِي الْحَقِيقَةِ، يَقِفُ عَلَى حَافَّةِ إِرْثٍ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَوْمًا.
فَكَّرَ عَدْنَانُ فِي رِيمَ أَيْضًا، وَفِي ذَلِكَ التَّحْذِيرِ الْغَامِضِ الَّذِي هَمَسَتْ بِهِ لَهُ: «احْذَرْ مِنْهُ.» أَكَانَتْ تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ هَذَا التَّارِيخِ الْعَائِلِيِّ؟ أَكَانَ وَالِدُهَا يُخْفِي عَنْهَا هِيَ الْأُخْرَى شَيْئًا؟ أَمْ أَنَّ تَحْذِيرَهَا كَانَ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا، لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْمَالِ أَوْ بِالْإِرْثِ الْقَدِيمِ، بَلْ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ شَخْصِيَّةً، أَكْثَرَ إِلْحَاحًا؟
تَسَاءَلَ عَدْنَانُ أَيْضًا، وَهُوَ يَسْتَلْقِي أَخِيرًا عَلَى فِرَاشِهِ مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ طَرِيقَهُ إِلَى النَّوْمِ، عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ مِنْ لَيْلَةِ الصُّنْدُوقِ، الَّذِي لَمْ يُكْشَفِ اسْمُهُ بَعْدُ، وَلَا طَبِيعَةُ عَلَاقَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ بِالْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. أَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُرْتَبِطًا بِطَرِيقَةٍ مَا بِعَائِلَةِ الْحَوْرَانِيِّ؟ أَمْ أَنَّ أَمَانَتَهُ مُنْفَصِلَةٌ تَمَامًا، قِصَّةٌ أُخْرَى كَامِلَةٌ تَنْتَظِرُ دَوْرَهَا لِتُرْوَى؟ شَعَرَ أَنَّ كُلَّ إِجَابَةٍ يَحْصُلُ عَلَيْهَا تَفْتَحُ أَمَامَهُ سُؤَالَيْنِ جَدِيدَيْنِ، وَكَأَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَقْتَرِبُ مِنْهَا لَيْسَتْ نُقْطَةً وَاحِدَةً ثَابِتَةً، بَلْ شَبَكَةً كَامِلَةً مُتَشَعِّبَةً مِنَ الْأَسْرَارِ الْمُتَقَاطِعَةِ عَبْرَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ.
أَدْرَكَ عَدْنَانُ، بِنُضْجٍ تَجَاوَزَ عُمْرَهُ الْحَقِيقِيَّ، أَنَّ مَا مُنِحَ إِيَّاهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَعْلُومَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ كَانَ جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنْ ثِقْلٍ يَحْمِلُهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ مُنْذُ عُقُودٍ، ثِقْلٍ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَتَشَارَكَهُ مَعَ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، هُوَ، عَدْنَانُ، الْفَتَى الْفَقِيرُ الْقَادِمُ مِنْ قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ سِوَى عَزِيمَتِهِ وَأَمَانَةِ قَلْبِهِ.
قَبْلَ أَنْ يَغْرَقَ أَخِيرًا فِي نَوْمٍ مُضْطَرِبٍ، فَكَّرَ عَدْنَانُ فِي جُمْلَةٍ قَالَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ، جُمْلَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْسَاهَا: «الثَّرْوَةُ الْمُخْتَفِيَةُ نِعْمَةٌ وَنِقْمَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، خَاصَّةً حِينَ يُكْشَفُ عَنْهَا فِي وَقْتِ الضَّعْفِ لَا وَقْتِ الْقُوَّةِ.» تَسَاءَلَ، بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، مَتَى سَيَأْتِي «وَقْتُ الْقُوَّةِ» الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ، وَهَلْ سَيَأْتِي أَصْلًا قَبْلَ أَنْ يَنْفَدَ صَبْرُ كَمَالٍ الْيَائِسِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ تَتَدَخَّلَ يَدٌ أُخْرَى، أَقَلُّ رَحْمَةً بِكَثِيرٍ، لِتَحْسِمَ الْأَمْرَ بِطَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ، وَهُوَ يَغْرَقُ أَخِيرًا فِي نَوْمٍ مُتَقَطِّعٍ مَلِيءٍ بِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَتَدَاخَلُ فِيمَا بَيْنَهَا، الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ وَكَمَالًا وَرِيمَ وَرَجُلًا مَجْهُولَ الْمَلَامِحِ يَحْمِلُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا، أَنَّ السِّرَّ الَّذِي شَارَكَهُ مَعَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ سِوَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَقَطْ مِنْ حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ، حَقِيقَةٍ سَيَسْتَغْرِقُ الْأَمْرُ مِنْهُ عُقُودًا طَوِيلَةً، وَقَارَّةً كَامِلَةً بَعِيدَةً، لِيَكْتَشِفَ أَنَّ خُيُوطَهَا تَمْتَدُّ، بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَهَا أَبَدًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، إِلَى أَعْمَقِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ هُوَ نَفْسُهُ، لَا فَقَطْ إِلَى حَيَاةِ رَجُلٍ عَجُوزٍ طَيِّبِ الْقَلْبِ ائْتَمَنَهُ عَلَى أَسْرَارٍ لَمْ تَكُنْ، فِي الْحَقِيقَةِ، أَسْرَارَهُ وَحْدَهُ لِتُرْوَى.
