Numan Albarbari نعمان البربري

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 10

وَصِيَّةُ الحَرِيقَةِ

الفَصْلُ العَاشِرُ

١
دِمَشْقُ، صَيْفُ ١٩٧٨.
مَرَّ عَامٌ كَامِلٌ تَقْرِيبًا عَلَى اخْتِفَاءِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ مِنَ المُسْتَشْفَى، عَامٌ أَدَارَ خِلَالَهُ عَدْنَانُ المَتْجَرَ بِمُفْرَدِهِ، بِصَبْرٍ وَجَلَدٍ فَاجَآ حَتَّى أَقْرَبَ المُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ. لَمْ يَصِلْ أَيُّ خَبَرٍ عَنِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ طَوَالَ تِلْكَ الشُّهُورِ الطَّوِيلَةِ، لَا رِسَالَةٌ، لَا اتِّصَالٌ، لَا حَتَّى إِشَاعَةٌ مَوْثُوقَةٌ فِي السُّوقِ الَّذِي يَعِيشُ عَادَةً عَلَى الإِشَاعَاتِ كَمَا يَعِيشُ عَلَى الهَوَاءِ. حَاوَلَ عَدْنَانُ، فِي الأَسَابِيعِ الأُولَى، أَنْ يُبَلِّغَ الشُّرْطَةَ رَسْمِيًّا، لَكِنَّهُ وَاجَهَ جِدَارًا بِيرُوقْرَاطِيًّا بَارِدًا، مُوَظَّفِينَ غَيْرَ مُبَالِينَ يُسَجِّلُونَ بَلَاغَهُ بِلَا اهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ، فِي مَدِينَةٍ كَانَتْ تَعِيشُ، هِيَ الأُخْرَى، تَوَتُّرَاتٍ سِيَاسِيَّةً مُتَصَاعِدَةً جَعَلَتْ قَضِيَّةَ اخْتِفَاءِ تَاجِرِ أَقْمِشَةٍ عَجُوزٍ تَبْدُو، فِي نَظَرِ السُّلُطَاتِ، شَأْنًا ثَانَوِيًّا لَا يَسْتَحِقُّ مَوَارِدَ تَحْقِيقٍ حَقِيقِيَّةً.
خِلَالَ ذَلِكَ العَامِ، زَارَ عَدْنَانُ أُمَّ سُلَيْمَانَ مِرَارًا، يَسْأَلُهَا إِنْ وَصَلَهَا أَيُّ خَبَرٍ، وَزَارَ المُسْتَشْفَى نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ أَيَّ تَفْصِيلٍ إِضَافِيٍّ مِنَ الطَّاقِمِ الطِّبِّيِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا عَلَى الإِجَابَةِ نَفْسِهَا المُكَرَّرَةِ: رَجُلٌ غَادَرَ بِإِرَادَتِهِ، وَلَا أَحَدَ يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ. حَتَّى حَسَنٌ وَأَبُو سَلِيمٍ، رَفِيقَا السُّوقِ القَدِيمَانِ، تَوَقَّفَا تَدْرِيجِيًّا عَنِ السُّؤَالِ، لَيْسَ لِعَدَمِ اكْتِرَاثِهِمَا، بَلْ لِأَنَّ الأَمَلَ نَفْسَهُ بَدَأَ يَتَآكَلُ مَعَ مُرُورِ الأَشْهُرِ، وَأَصْبَحَ السُّؤَالُ المُتَكَرِّرُ مُؤْلِمًا أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مُفِيدٌ.
اسْتَمَرَّ عَدْنَانُ فِي إِدَارَةِ المَتْجَرِ بِاسْمِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ، مُسْتَنِدًا إِلَى تَوْكِيلٍ بَسِيطٍ كَانَ الرَّجُلُ العَجُوزُ قَدْ وَقَّعَهُ لَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ المُسْتَشْفَى «لِلطَّوَارِئِ فَقَطْ» كَمَا وَصَفَهُ حِينَهَا، تَوْكِيلٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ سَيُسْتَخْدَمُ لِعَامٍ كَامِلٍ مِنَ الإِدَارَةِ المُسْتَقِلَّةِ. كَانَ عَدْنَانُ قَدْ نَضَجَ كَثِيرًا خِلَالَ ذَلِكَ العَامِ، اضْطِرَارًا لَا اخْتِيَارًا؛ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُفَاوِضُ المُوَرِّدِينَ مُبَاشَرَةً، كَيْفَ يُدِيرُ حِسَابَاتِ المَتْجَرِ بِمُفْرَدِهِ، كَيْفَ يُوَاجِهُ الزَّبَائِنَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ، بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ أَحْيَانًا، عَنْ مَصِيرِ صَاحِبِ المَتْجَرِ الحَقِيقِيِّ. حَتَّى مَلَامِحُ وَجْهِهِ، كَمَا لَاحَظَتْ أُمُّهُ فِي زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ لَهُ مِنَ القَرْيَةِ، بَدَأَتْ تَحْمِلُ جِدِّيَّةَ رَجُلٍ أَكْبَرَ مِنْ عُمْرِهِ الحَقِيقِيِّ بِكَثِيرٍ، جِدِّيَّةً فَرَضَتْهَا عَلَيْهِ ظُرُوفٌ لَمْ يَخْتَرْهَا.
لَكِنَّ العَامَ نَفْسَهُ حَمَلَ أَيْضًا تَوَتُّرَاتٍ جَدِيدَةً، أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ تَعْقِيدًا مِنْ مُجَرَّدِ إِدَارَةِ تِجَارَةٍ. بَدَأَ عَدْنَانُ يُلَاحِظُ، مُنْذُ الرَّبِيعِ، أَنَّ رَجُلًا غَرِيبًا، لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، يَمُرُّ بِالقُرْبِ مِنَ المَتْجَرِ بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ، مُتَفَحِّصًا الوَاجِهَةَ بِنَظَرَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أَنْ يَدْخُلَ، ثُمَّ يَبْتَعِدُ. حَدَثَ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، بِمَا يَكْفِي لِيُصْبِحَ نَمَطًا وَاضِحًا يَصْعُبُ تَجَاهُلُهُ.
٢
فِي أَحَدِ أَيَّامِ تَمُّوزَ الحَارَّةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ عَدْنَانُ يُغْلِقُ المَتْجَرَ مَسَاءً، اقْتَرَبَ مِنْهُ شَابٌّ فِي مِثْلِ عُمْرِهِ تَقْرِيبًا، يَرْتَدِي مَلَابِسَ بَسِيطَةً، لَكِنَّ نَظْرَتَهُ حَمَلَتْ جِدِّيَّةً غَيْرَ مُعْتَادَةٍ لِشَخْصٍ يَبْدُو غَرِيبًا تَمَامًا عَنْهُ. كَانَ قَدْ لَاحَظَهُ وَاقِفًا عَلَى الجِهَةِ المُقَابِلَةِ مِنَ الزُّقَاقِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَقْتَرِبَ، وَكَأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ، أَوْ يَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ الَّتِي يَخْلُو فِيهَا الشَّارِعُ مِنَ المَارَّةِ.
«أَنْتَ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ؟ الَّذِي يُدِيرُ مَتْجَرَ تَوْفِيقٍ النَّابُلْسِيِّ؟»
«نَعَمْ، مَنْ أَنْتَ؟»
«لَا يُهِمُّ مَنْ أَنَا. أُرْسِلْتُ لِأُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ مُهِمٍّ.» نَظَرَ الشَّابُّ حَوْلَهُ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَمِعُ، ثُمَّ خَفَضَ صَوْتَهُ أَكْثَرَ. «هُنَاكَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْكَ فِي أَمَاكِنَ لَا يَجِبُ أَنْ تُسْأَلَ فِيهَا الأَسْئِلَةُ، وَعَنْ هَذَا المَتْجَرِ، وَعَنِ اسْمٍ قَدْ لَا تَعْرِفُ حَتَّى أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِكَ: آلُ الحَورَانِيِّ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. «مَنْ يَسْأَلُ؟ وَمَاذَا يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ بِالضَّبْطِ؟»
«لَا أَعْرِفُ التَّفَاصِيلَ كَامِلَةً، أَنَا فَقَطْ أَنْقُلُ رِسَالَةً مِنْ شَخْصٍ يَعْرِفُكَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْتِيَ بِنَفْسِهِ.» تَرَدَّدَ الشَّابُّ قَلِيلًا، عَيْنَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِتَوَتُّرٍ بَيْنَ وَجْهِ عَدْنَانَ وَالزُّقَاقِ المُحِيطِ بِهِمَا. «الرِّسَالَةُ هِيَ: ‘لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ. اذْهَبْ إِلَى حَيْثُ تَعْرِفُ، وَافْعَلْ مَا طُلِبَ مِنْكَ.’»
«مَنْ أَرْسَلَكَ؟ هَلْ هُوَ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ؟ هَلْ هُوَ حَيٌّ؟»
هَزَّ الشَّابُّ رَأْسَهُ، وَكَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجَابَةً، أَوْ لَا يُرِيدُ أَنْ يُقَدِّمَهَا. «لَا أَعْرِفُ، صَدِّقْنِي. أُعْطِيتُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ فَقَطْ لِأَنْقُلَهَا، مُقَابِلَ مَبْلَغٍ بَسِيطٍ مِنَ المَالِ، مِنْ رَجُلٍ لَمْ أَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ، الْتَقَيْتُهُ فِي مَقْهًى بَعِيدٍ عَنْ هُنَا. هَذَا كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ، وَأَرْجُوكَ أَلَّا تَسْأَلَنِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَنَا نَفْسِي بَدَأْتُ أَخْشَى أَنَّنِي تَوَرَّطْتُ فِي شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنِّي.»
قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ عَدْنَانُ أَنْ يَسْأَلَ المَزِيدَ، اسْتَدَارَ الشَّابُّ وَابْتَعَدَ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ زِحَامِ السُّوقِ المَسَائِيِّ، مُخْتَفِيًا فِي الأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ عَدْنَانُ حَتَّى مِنْ مُلَاحَقَتِهِ.
٣
وَقَفَ عَدْنَانُ طَوِيلًا فِي مَكَانِهِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، يُعِيدُ فِي ذِهْنِهِ تِلْكَ الكَلِمَاتِ: «لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ.» هَلْ كَانَتْ هَذِهِ إِشَارَةً مِنَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ؟ أَمْ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ يَعْرِفُ بِأَمْرِ الصُّنْدُوقِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَدْرِجَهُ لِفَتْحِهِ لِسَبَبٍ مَجْهُولٍ، رُبَّمَا لِيَكْشِفَ مُحْتَوَيَاتِهِ لَاحِقًا بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى؟ فَكَّرَ فِي احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الغَرِيبُ الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ المَتْجَرَ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ أَرْسَلَ تِلْكَ الرِّسَالَةَ، سَاعِيًا لِدَفْعِ عَدْنَانَ نَحْوَ خُطْوَةٍ قَدْ تَكْشِفُ لَهُ، هُوَ أَوْ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ، مَكَانَ الأَمَانَةِ الحَقِيقِيِّ.
تَذَكَّرَ كَلِمَاتِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ الأَخِيرَةَ، تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ المُسْتَشْفَى: «لَا تَفْتَحْ هَذَا الصُّنْدُوقَ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ: إِنْ شَعَرْتَ، يَوْمًا، أَنَّ العَالَمَ لَمْ يَعُدْ يَحْمِيكَ.» فَكَّرَ عَدْنَانُ مُطَوَّلًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفِي كُلِّ الأَشْهُرِ الَّتِي تَلَتْهَا: رَجُلٌ غَرِيبٌ يُرَاقِبُ المَتْجَرَ، شَابٌّ مَجْهُولٌ يَحْمِلُ رَسَائِلَ مُشَفَّرَةً، وَصَمْتٌ تَامٌّ مِنَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ طَوَالَ عَامٍ كَامِلٍ. أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ شُعُورًا مُتَزَايِدًا، لَمْ يَسْتَطِعْ تَجَاهُلَهُ، بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُتَابِعُ كُلَّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا هُوَ نَفْسُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَدِّدَ مَصْدَرَ هَذَا الشُّعُورِ بِدِقَّةٍ تَامَّةٍ، سِوَى أَنَّهُ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ حَدْسِهِ اليَوْمِيِّ مُنْذُ أَشْهُرٍ.
قَضَى عَدْنَانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِأَكْمَلِهَا مُسْتَيْقِظًا، يُقَلِّبُ الِاحْتِمَالَاتِ فِي ذِهْنِهِ: أَنْ يَذْهَبَ فَوْرًا إِلَى البَنْكِ، أَوْ أَنْ يَنْتَظِرَ، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَكْثَرَ مِنْ هُوِيَّةِ ذَلِكَ الرَّسُولِ الغَامِضِ قَبْلَ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَاءً عَلَى كَلِمَاتِهِ وَحْدَهَا. لَكِنَّهُ أَدْرَكَ، مَعَ اقْتِرَابِ الفَجْرِ، أَنَّ الِانْتِظَارَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ خَطَرًا لَا يَقِلُّ عَنِ التَّصَرُّفِ؛ فَكُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ دُونَ مَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ كَانَ يَعْنِي يَوْمًا إِضَافِيًّا مِنَ الغُمُوضِ المُحِيطِ بِمَصِيرِ مُعَلِّمِهِ، وَيَوْمًا إِضَافِيًّا قَدْ يَسْتَغِلُّهُ مَنْ يُرَاقِبُهُ لِتَحْقِيقِ غَايَةٍ لَا يَعْرِفُ طَبِيعَتَهَا بَعْدُ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، أَغْلَقَ عَدْنَانُ المَتْجَرَ مُبَكِّرًا، مُعَلِّقًا لَافِتَةً صَغِيرَةً كَتَبَ عَلَيْهَا «سَنَعُودُ ظُهْرًا»، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ بَنْكِ الشَّرْقِ العَرَبِيِّ، فَرْعِ الحَرِيقَةِ، حَامِلًا المِفْتَاحَ الفِضِّيَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يُفَارِقْ رَقَبَتَهُ مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ عَامٍ كَامِلٍ تَقْرِيبًا.
٤
كَانَ مَبْنَى البَنْكِ قَدِيمًا أَنِيقًا، وَاجِهَتُهُ الحَجَرِيَّةُ تَحْمِلُ زَخَارِفَ عُثْمَانِيَّةً بَاقِيَةً مِنْ زَمَنِ بِنَائِهِ الأَوَّلِ، وَدَاخِلُهُ هَادِئٌ رَسْمِيٌّ، رُخَامٌ بَارِدٌ تَحْتَ الأَقْدَامِ، وَمُوَظَّفُونَ يَرْتَدُونَ بَذَلَاتٍ رَسْمِيَّةً دَاكِنَةً يَتَحَرَّكُونَ بِإِيقَاعٍ بَطِيءٍ مَدْرُوسٍ. تَوَقَّفَ عَدْنَانُ لَحْظَةً عِنْدَ البَابِ الزُّجَاجِيِّ الثَّقِيلِ، يَتَنَفَّسُ بِعُمْقٍ مُحَاوِلًا تَهْدِئَةَ قَلْبِهِ الَّذِي كَانَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ مُنْذُ اسْتِيقَاظِهِ ذَلِكَ الصَّبَاحَ، ثُمَّ دَفَعَ البَابَ وَدَخَلَ.
اقْتَرَبَ مِنْ مُوَظَّفِ الاسْتِقْبَالِ بِتَرَدُّدٍ ظَاهِرٍ.
«أَرْغَبُ فِي الوُصُولِ إِلَى صُنْدُوقِ أَمَانَاتٍ، رَقْمِ ٤٧.»
نَظَرَ إِلَيْهِ المُوَظَّفُ بِفَحْصٍ سَرِيعٍ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ الهُوِيَّةَ وَأَيَّةَ وَثِيقَةٍ تُخَوِّلُهُ الوُصُولَ. أَخْرَجَ عَدْنَانُ بِطَاقَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ، وَالتَّوْكِيلَ الَّذِي وَقَّعَهُ لَهُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ قَبْلَ عَامٍ، وَالَّذِي، لِحُسْنِ الحَظِّ، كَانَ قَدْ نَصَّ أَيْضًا عَلَى تَخْوِيلِ عَدْنَانَ صَلَاحِيَّةَ الوُصُولِ إِلَى «كُلِّ مَا يَخُصُّ حِسَابَاتِ وَمُمْتَلَكَاتِ المُوَكِّلِ، بِمَا فِيهَا صَنَادِيقَ الأَمَانَاتِ المُسَجَّلَةِ بِاسْمِهِ.»
رَاجَعَ المُوَظَّفُ الوَثَائِقَ بِعِنَايَةٍ، اخْتَفَى لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ لِلتَّحَقُّقِ مِنَ السِّجِلَّاتِ، عَادَ أَخِيرًا بِوَجْهٍ مُحَايِدٍ. «التَّوْكِيلُ يَبْدُو سَلِيمًا مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّكْلِيَّةِ، لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ أَسْتَشِيرَ المُدِيرَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَحَ بِالوُصُولِ، نَظَرًا لِحَسَاسِيَّةِ الأَمْرِ.»
انْتَظَرَ عَدْنَانُ دَقَائِقَ طَوِيلَةً، كُلُّ ثَانِيَةٍ مِنْهَا تَبْدُو مُمْتَدَّةً إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ، جَالِسًا عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ صُلْبٍ فِي صَالَةِ الِانْتِظَارِ، يُرَاقِبُ حَرَكَةَ المُوَظَّفِينَ وَالزَّبَائِنِ مِنْ حَوْلِهِ دُونَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ حَقًّا مَا يَرَاهُ، عَقْلُهُ مَشْغُولٌ بِالكَامِلِ بِذَلِكَ السُّؤَالِ الَّذِي لَمْ يُفَارِقْهُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ المَاضِيَةِ: مَاذَا سَيَجِدُ دَاخِلَ ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الِانْتِظَارِ الطَّوِيلِ؟
عَادَ المُوَظَّفُ أَخِيرًا، مُرْفَقًا بِرَجُلٍ أَكْبَرَ سِنًّا، يَبْدُو مُدِيرًا بِحُكْمِ مَلَابِسِهِ الأَكْثَرِ أَنَاقَةً وَنَظَّارَتِهِ الذَّهَبِيَّةِ الرَّفِيعَةِ.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» سَأَلَ المُدِيرُ بِنَبْرَةٍ رَسْمِيَّةٍ فَاحِصَةٍ. «الحَاجُّ تَوْفِيقٌ النَّابُلْسِيُّ تَرَكَ تَعْلِيمَاتٍ خَاصَّةً مَعَنَا قَبْلَ غِيَابِهِ، يَنُصُّ فِيهَا بِوُضُوحٍ أَنْ يُسْمَحَ لَكَ، أَنْتَ تَحْدِيدًا، بِالوُصُولِ إِلَى هَذَا الصُّنْدُوقِ فِي أَيِّ وَقْتٍ تَطْلُبُهُ، دُونَ شُرُوطٍ إِضَافِيَّةٍ. تَعْلِيمَاتٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ، لَكِنَّهَا مُوَثَّقَةٌ بِشَكْلٍ قَانُونِيٍّ سَلِيمٍ تَمَامًا.»
«هَلْ تَعْرِفُ أَيَّ شَيْءٍ عَنْ مَصِيرِهِ؟ هَلْ تَرَكَ لَهُ أَيَّةَ وَسِيلَةِ اتِّصَالٍ لَاحِقَةٍ بَعْدَ تِلْكَ التَّعْلِيمَاتِ؟»
هَزَّ المُدِيرُ رَأْسَهُ بِأَسَفٍ. «لَا شَيْءَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. تِلْكَ التَّعْلِيمَاتُ وَحْدَهَا هِيَ آخِرُ مَا وَصَلَنَا مِنْهُ، مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ كَامِلٍ الآنَ. أَنَا شَخْصِيًّا آمُلُ أَنْ يَكُونَ بِخَيْرٍ، فَقَدْ كَانَ زَبُونًا مُحْتَرَمًا لَدَيْنَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا.»
٥
قَادَهُ المُدِيرُ إِلَى غُرْفَةٍ خَلْفِيَّةٍ هَادِئَةٍ، مُحَاطَةٍ بِجُدْرَانٍ مَعْدِنِيَّةٍ سَمِيكَةٍ، صُفُوفٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الصَّنَادِيقِ المُرَقَّمَةِ تَمْلَأُ الجُدْرَانَ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى السَّقْفِ تَقْرِيبًا. تَوَقَّفَ أَمَامَ صُنْدُوقٍ صَغِيرٍ نِسْبِيًّا، يَحْمِلُ الرَّقْمَ ٤٧ مَحْفُورًا بِخَطٍّ أَنِيقٍ عَلَى وَاجِهَتِهِ المَعْدِنِيَّةِ.
«أَحْتَاجُ مِفْتَاحَكَ، بِالإِضَافَةِ إِلَى مِفْتَاحِ البَنْكِ الرَّئِيسِيِّ الَّذِي أَحْمِلُهُ أَنَا. كِلَا المِفْتَاحَيْنِ ضَرُورِيَّانِ لِفَتْحِ الصُّنْدُوقِ، إِجْرَاءُ أَمَانٍ مُعْتَادٌ.»
أَخْرَجَ عَدْنَانُ المِفْتَاحَ الفِضِّيَّ مِنْ حَوْلِ رَقَبَتِهِ، بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا، وَأَدْخَلَهُ فِي الفَتْحَةِ المُخَصَّصَةِ لَهُ، بَيْنَمَا أَدْخَلَ المُدِيرُ مِفْتَاحَهُ الخَاصَّ فِي الفَتْحَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَدَارَا الِاثْنَيْنِ مَعًا فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا. فُتِحَ البَابُ الصَّغِيرُ بِصَوْتِ طَقْطَقَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ خَفِيفَةٍ.
سَحَبَ المُدِيرُ الصُّنْدُوقَ المَعْدِنِيَّ الدَّاخِلِيَّ، وَوَضَعَهُ عَلَى طَاوِلَةٍ قَرِيبَةٍ مُخَصَّصَةٍ لِهَذَا الغَرَضِ بِالذَّاتِ. «سَأَتْرُكُكَ الآنَ عَلَى انْفِرَادٍ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. اضْغَطْ هَذَا الجَرَسَ حِينَ تَنْتَهِي.» ثُمَّ غَادَرَ الغُرْفَةَ، تَارِكًا عَدْنَانَ وَحِيدًا مَعَ الصُّنْدُوقِ الَّذِي انْتَظَرَهُ طَوَالَ عَامٍ كَامِلٍ مِنَ القَلَقِ وَالتَّرَقُّبِ.
٦
فَتَحَ عَدْنَانُ غِطَاءَ الصُّنْدُوقِ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ الآنَ. وَجَدَ بِدَاخِلِهِ عِدَّةَ أَشْيَاءَ: ظَرْفًا كَبِيرًا يَحْمِلُ خَتْمًا شَمْعِيًّا أَحْمَرَ لَمْ يُكْسَرْ بَعْدُ، مَجْمُوعَةً مِنَ الوَثَائِقِ المَطْوِيَّةِ بِعِنَايَةٍ تَحْمِلُ أَخْتَامًا رَسْمِيَّةً قَدِيمَةً، كِيسًا صَغِيرًا مِنَ القُمَاشِ المَخْمَلِيِّ يَشْعُرُ عَدْنَانُ بِثِقَلٍ مَعْدِنِيٍّ خِلَالَهُ حِينَ لَمَسَهُ بِأَصَابِعِهِ، وَأَخِيرًا، رِسَالَةً مُنْفَصِلَةً، أَصْغَرَ حَجْمًا، مَكْتُوبٌ عَلَى ظَرْفِهَا بِخَطِّ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ المُمَيَّزِ: «إِلَى عَدْنَانَ الرَّافِعِيِّ، شَخْصِيًّا، لَا يُفْتَحُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ.»
فَتَحَ عَدْنَانُ الظَّرْفَ الأَخِيرَ أَوَّلًا، بِيَدٍ أَكْثَرَ ارْتِجَافًا مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
«عَدْنَانُ،
إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الأُمُورَ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ، وَأَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعِ العَوْدَةَ إِلَيْكَ كَمَا وَعَدْتُ، أَوْ أَنَّ ظُرُوفًا أُخْرَى أَجْبَرَتْكَ عَلَى اسْتِخْدَامِ هَذَا المِفْتَاحِ قَبْلَ أَنْ أَعُودَ. أَيًّا كَانَ السَّبَبُ، أَثِقُ أَنَّكَ اتَّخَذْتَ القَرَارَ الصَّحِيحَ، كَمَا فَعَلْتَ دَائِمًا مُنْذُ اليَوْمِ الأَوَّلِ الَّذِي عَرَفْتُكَ فِيهِ.
فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ سَتَجِدُ وَثَائِقَ مِلْكِيَّةٍ لِقِطْعَتَيْ أَرْضٍ فِي مِنْطَقَةِ الغُوطَةِ، مُسَجَّلَتَيْنِ بِاسْمِ عَائِلَةِ الحَورَانِيِّ الأَصْلِيِّ، وَالَّتِي حَانَ الوَقْتُ أَنْ تُنْقَلَ مِلْكِيَّتُهَا القَانُونِيَّةُ، عَبْرَ القَنَوَاتِ المُنَاسِبَةِ الَّتِي سَتَجِدُهَا مَوْصُوفَةً فِي الوَثَائِقِ المُرْفَقَةِ، إِلَى كَمَالٍ الحَورَانِيِّ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ الشَّرْعِيِّينَ إِنْ لَمْ يَعُدْ كَمَالٌ نَفْسُهُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. القِطْعَةُ الأُولَى، وَتَقَعُ قُرْبَ دَارَيَّا، أَرْضٌ زِرَاعِيَّةٌ خَصِبَةٌ وَرِثَهَا جَدُّ كَمَالٍ عَنْ أَجْدَادِهِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ، وَتُقَدَّرُ قِيمَتُهَا اليَوْمَ بِمَبْلَغٍ كَبِيرٍ، خَاصَّةً مَعَ تَوَسُّعِ المَدِينَةِ التَّدْرِيجِيِّ نَحْوَهَا. القِطْعَةُ الثَّانِيَةُ أَصْغَرُ حَجْمًا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ قِيمَةً عَاطِفِيَّةً أَكْبَرَ رُبَّمَا، إِذْ كَانَتِ الأَرْضَ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا بَيْتُ العَائِلَةِ الصَّيْفِيُّ القَدِيمُ، قَبْلَ أَنْ يُهْدَمَ فِي ظُرُوفٍ لَمْ أَعْرِفْ تَفَاصِيلَهَا الكَامِلَةَ.
سَتَجِدُ أَيْضًا كَمِّيَّةً مِنَ الذَّهَبِ، وُضِعَتْ لِتَغْطِيَةِ أَيَّةِ تَكَالِيفَ قَانُونِيَّةٍ قَدْ تَنْشَأُ عَنْ نَقْلِ المِلْكِيَّةِ هَذَا، وَمَا يَتَبَقَّى مِنْهَا، إِنْ وُجِدَ، فَهُوَ لَكَ، تَعْوِيضًا بَسِيطًا عَنْ كُلِّ مَا تَحَمَّلْتَهُ وَسَتَتَحَمَّلُهُ فِي سَبِيلِ إِتْمَامِ هَذِهِ الأَمَانَةِ. لَا تَشْعُرْ بِأَيِّ حَرَجٍ أَوْ ذَنْبٍ تُجَاهَ قَبُولِ هَذَا التَّعْوِيضِ، يَا عَدْنَانُ؛ فَأَنْتَ تَسْتَحِقُّهُ بِجَدَارَةٍ كَامِلَةٍ، بَعْدَ كُلِّ مَا قَدَّمْتَهُ مِنْ إِخْلَاصٍ وَصَبْرٍ تُجَاهَ رَجُلٍ عَجُوزٍ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ، رُبَّمَا، كُلَّ هَذَا الوَفَاءَ.
لَكِنْ هُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ، يَا عَدْنَانُ، أَثْقَلُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الوَثَائِقِ وَالذَّهَبِ مُجْتَمِعَةً، أَمْرٌ تَأَخَّرْتُ طَوِيلًا فِي مُصَارَحَتِكَ بِهِ، خَوْفًا مِنَ الوَقْتِ الخَطَأِ، وَمِنَ الأَذَى الَّذِي قَدْ يَجْلِبُهُ الكَشْفُ المُبَكِّرُ عَنْهُ. لَكِنَّنِي أَظُنُّ الآنَ، وَأَنَا أَكْتُبُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، أَنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ، أَوْ أَنَّ القَدَرَ قَرَّرَ نِيَابَةً عَنِّي أَنَّهُ قَدْ حَانَ.»
٧
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنِ القِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، أَنْفَاسُهُ أَصْبَحَتْ أَسْرَعَ، شُعُورًا غَامِضًا بِالخَوْفِ يَتَصَاعَدُ فِي صَدْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ حَتَّى قِرَاءَةَ الفِقْرَةِ التَّالِيَةِ. نَظَرَ حَوْلَهُ فِي تِلْكَ الغُرْفَةِ المَعْدِنِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ يُثَبِّتُهُ فِي الوَاقِعِ، شَيْءٍ يُعِيدُهُ إِلَى الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ شَعَرَ فَجْأَةً أَنَّ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ عَنْ نَفْسِهِ قَدْ بَدَأَ يَهْتَزُّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَضَعَ الرِّسَالَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ لِلَحْظَةٍ، وَمَسَحَ كَفَّيْهِ المُتَعَرِّقَتَيْنِ بِطَرَفِ قَمِيصِهِ، بِحَرَكَةٍ لَا إِرَادِيَّةٍ أَعَادَتْهُ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، إِلَى ذَلِكَ الفَتَى الخَائِفِ الَّذِي وَقَفَ أَمَامَ بَابِ مَتْجَرِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ لِلْمَرَّةِ الأُولَى قَبْلَ عَامَيْنِ تَقْرِيبًا فَقَطْ، شَاعِرًا بِالمُفَارَقَةِ القَاسِيَةِ بَيْنَ ذَلِكَ الخَوْفِ البَرِيءِ البَسِيطِ، وَهَذَا الخَوْفِ الجَدِيدِ الأَعْمَقِ بِكَثِيرٍ الَّذِي يَجْتَاحُهُ الآنَ.
أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَأَعَادَ الْتِقَاطَ الرِّسَالَةِ، وَأَكْمَلَ القِرَاءَةَ، بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ.
«طَوَالَ هَذَا العَامِ الَّذِي عَمِلْتَ فِيهِ مَعِي، يَا عَدْنَانُ، لَاحَظْتُ فِيكَ أَشْيَاءَ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُفَسِّرَهَا بِمُجَرَّدِ المُصَادَفَةِ: طَرِيقَةُ نَظَرِكَ حِينَ تُفَكِّرُ بِعُمْقٍ، بَعْضُ مَلَامِحِ وَجْهِكَ حِينَ تَغْضَبُ أَوْ تَتَأَثَّرُ، حَتَّى طَرِيقَةُ مَشْيِكَ أَحْيَانًا، كُلُّهَا ذَكَّرَتْنِي، بِشَكْلٍ يَصْعُبُ تَجَاهُلُهُ، بِشَخْصٍ عَرَفْتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا، شَخْصٍ كَانَ جُزْءًا مِنْ قِصَّةِ أَمَانَةِ ١٩٥٨ نَفْسِهَا، قَبْلَ أَنْ تَتَشَابَكَ خُيُوطُهَا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَشَابَكَتْ بِهَا اليَوْمَ.
لَنْ أُخْبِرَكَ الاسْمَ كَامِلًا فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، يَا عَدْنَانُ، لِأَنَّنِي لَسْتُ مُتَأَكِّدًا بِمَا يَكْفِي، وَلِأَنَّ اليَقِينَ النَّاقِصَ قَدْ يَكُونُ أَخْطَرَ مِنَ الجَهْلِ التَّامِّ حِينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِأُمُورٍ كَهَذِهِ، تَمَسُّ هُوِيَّةَ الإِنْسَانِ وَجُذُورَهُ. لَكِنَّنِي أَكْتُبُ لَكَ هَذَا، لِأَنَّنِي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ، حِينَ يَحِينُ الوَقْتُ المُنَاسِبُ، وَحِينَ تَجِدُ الأَدِلَّةَ الكَافِيَةَ لِتَصِلَ إِلَى يَقِينٍ حَقِيقِيٍّ لَا مُجَرَّدَ ظَنِّ عَجُوزٍ مُتْعَبٍ: أَنْتَ، يَا عَدْنَانُ، قَدْ تَكُونُ أَقْرَبَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي تَحْمِلُهَا الآنَ عَلَى كَتِفَيْكَ، لَيْسَ فَقَطْ كَأَمِينٍ مُؤْتَمَنٍ مِنَ الخَارِجِ، بَلْ، رُبَّمَا، كَجُزْءٍ لَا يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا.
أَذْكُرُ أَنَّنِي وَصَفْتُكَ، فِي أَحَدِ سُطُورِ دَفْتَرِي القَدِيمِ، بِعِبَارَةٍ لَمْ أَشْرَحْهَا لَكَ حِينَهَا: ‘الابْنُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ’. لَمْ أَكُنْ أَقْصِدُ بِهَا إِهَانَةً لِأَبِيكَ الحَقِيقِيِّ، مَحْمُودٍ الرَّافِعِيِّ، الَّذِي أَعْرِفُ أَنَّهُ رَجُلٌ طَيِّبٌ رَبَّاكَ بِأَمَانَةٍ وَحُبٍّ حَقِيقِيَّيْنِ، وَلَنْ أُنَازِعَهُ أَبَدًا هَذَا الحَقَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجَدَارَةٍ. لَكِنَّنِي أَقْصِدُ شَيْئًا آخَرَ، أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الأُبُوَّةِ الَّتِي نَشَأْتَ عَلَيْهَا، شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِجُذُورٍ أَبْعَدَ، رُبَّمَا لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ، وَرُبَّمَا لَنْ تُكْشَفَ كَامِلَةً إِلَّا حِينَ يَشَاءُ اللهُ ذَلِكَ، وَحِينَ تَكُونُ أَنْتَ جَاهِزًا لِتَحَمُّلِ وَزْنِهَا.»
٨
أَوْقَفَ عَدْنَانُ القِرَاءَةَ تَمَامًا، يَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ الآنَ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُرَاقِبُهُ فِي تِلْكَ الغُرْفَةِ الفَارِغَةِ. قَرَأَ الفِقْرَةَ مَرَّةً أُخْرَى، بِبُطْءٍ أَكْبَرَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَعْنَاهَا الكَامِلَ: «قَدْ تَكُونُ أَقْرَبَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ.» «الابْنُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ.» مَاذَا كَانَ يَقْصِدُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِالضَّبْطِ؟ هَلْ كَانَ يُلَمِّحُ إِلَى أَنَّ عَدْنَانَ نَفْسَهُ مُرْتَبِطٌ بِدَمِ عَائِلَةِ الحَورَانِيِّ، بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ، حَتَّى أُمُّهُ نَفْسُهَا؟ أَمْ أَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ آخَرَ تَمَامًا، أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ تَعْقِيدًا، رُبَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ وَمَاضِيهِ الشَّخْصِيِّ؟
فَكَّرَ عَدْنَانُ فِي أُمِّهِ، فَاطِمَةَ، فِي القَرْيَةِ البَعِيدَةِ، فِي وَجْهِهَا الطَّيِّبِ المُتْعَبِ، وَفِي كُلِّ السَّنَوَاتِ الَّتِي عَاشَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ أَصْلِهِ وَجُذُورِهِ. هَلْ كَانَتْ تُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا؟ أَمْ أَنَّ الحَاجَّ تَوْفِيقٍ، فِي لَحْظَةِ تَعَبٍ وَحَنِينٍ مُفْرِطٍ، رَأَى فِي شَابٍّ فَقِيرٍ قَادِمٍ مِنْ قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ شَبَهًا وَهْمِيًّا بِشَخْصٍ فَقَدَهُ هُوَ نَفْسُهُ، وَأَسْقَطَ عَلَيْهِ رَغَبَاتٍ وَمَخَاوِفَ لَا أَسَاسَ حَقِيقِيَّ لَهَا؟ تَذَكَّرَ فَجْأَةً تَفَاصِيلَ صَغِيرَةً مِنْ طُفُولَتِهِ لَمْ يُعِرْهَا اهْتِمَامًا مِنْ قَبْلُ: نَظْرَةً عَابِرَةً كَانَتْ أُمُّهُ تُلْقِيهَا أَحْيَانًا حِينَ يَسْأَلُهَا أَحَدُ الجِيرَانِ الفُضُولِيِّينَ عَنْ شَبَهِهِ بِوَالِدِهِ مَحْمُودٍ، نَظْرَةً سَرِيعَةً كَانَ يُفَسِّرُهَا، فِي بَرَاءَتِهِ، عَلَى أَنَّهَا مُجَرَّدُ تَعَبٍ أَوِ انْشِغَالٍ، لَكِنَّهَا بَدَتْ لَهُ الآنَ، فِي ضَوْءِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، مُحَمَّلَةً بِمَعْنًى مُخْتَلِفٍ تَمَامًا، رُبَّمَا تُخْفِي سِرًّا حَمَلَتْهُ وَحْدَهَا طَوَالَ سَنَوَاتٍ.
فَكَّرَ أَيْضًا فِي مَحْمُودٍ الرَّافِعِيِّ، أَبِيهِ الَّذِي عَرَفَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ، رَجُلِ الأَرْضِ الصَّامِتِ غَلِيظِ اليَدَيْنِ، الَّذِي وَدَّعَهُ فِي صَبَاحِ رَحِيلِهِ إِلَى دِمَشْقَ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَنْسَهَا أَبَدًا: «لَا تُخْجِلْنِي يَا عَدْنَانُ، أَيْنَمَا ذَهَبْتَ.» هَلْ كَانَ يَعْرِفُ؟ هَلْ كَانَ صَمْتُهُ الدَّائِمُ، الَّذِي فَسَّرَهُ عَدْنَانُ طَوَالَ حَيَاتِهِ عَلَى أَنَّهُ طَبِيعَةُ رَجُلِ الأَرْضِ القَلِيلِ الكَلَامِ، يُخْفِي فِي الحَقِيقَةِ ثِقْلًا آخَرَ، مَعْرِفَةً مُؤْلِمَةً اخْتَارَ أَنْ يَحْمِلَهَا بِصَمْتٍ بَدَلَ أَنْ يُلْحِقَ الأَذَى بِابْنٍ رَبَّاهُ بِحُبٍّ لَا يَقِلُّ صِدْقًا عَنْ أَيِّ أَبٍ حَقِيقِيٍّ بِالدَّمِ؟ شَعَرَ عَدْنَانُ بِذَنْبٍ مُفَاجِئٍ لِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَكَأَنَّهُ يَخُونُ، بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ، رَجُلًا لَمْ يُقَصِّرْ مَعَهُ يَوْمًا وَاحِدًا طَوَالَ حَيَاتِهِ.
أَكْمَلَ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ، بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ.
«لَا أَطْلُبُ مِنْكَ، يَا عَدْنَانُ، أَنْ تُصَدِّقَ هَذَا كَحَقِيقَةٍ مُؤَكَّدَةٍ، فَأَنَا نَفْسِي لَسْتُ مُتَأَكِّدًا مِنْهَا يَقِينًا كَامِلًا. أَطْلُبُ مِنْكَ فَقَطْ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ مِنْ ذَاكِرَتِكَ، وَأَنْ تُبْقِيَ عَيْنَيْكَ وَقَلْبَكَ مَفْتُوحَيْنِ لِأَيِّ دَلِيلٍ قَدْ يُصَادِفُكَ مُسْتَقْبَلًا، مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، قَدْ يُوَضِّحُ هَذَا اللُّغْزَ أَكْثَرَ. وَإِنْ وَصَلْتَ يَوْمًا إِلَى يَقِينٍ حَقِيقِيٍّ، مِنْ أَيَّةِ جِهَةٍ كَانَ، فَأَرْجُو أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ الحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً أَوْ مُرْبِكَةً، أَفْضَلُ دَائِمًا مِنَ الجَهْلِ المُرِيحِ.
مَهْمَا حَدَثَ لِي، يَا عَدْنَانُ، وَمَهْمَا كَشَفَتِ الأَيَّامُ القَادِمَةُ، اعْرِفْ أَنَّ اخْتِيَارِي لَكَ كَانَ، وَيَبْقَى، أَصْوَبَ قَرَارٍ اتَّخَذْتُهُ فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِي. أَنْتَ ابْنِي بِكُلِّ مَعْنَى الكَلِمَةِ يَسْتَحِقُّهُ هَذَا اللَّقَبُ، سَوَاءٌ كُنْتَ ابْنِي بِالدَّمِ، وَهَذَا احْتِمَالٌ لَمْ أَحْسِمْهُ بِيَقِينٍ تَامٍّ، أَوِ ابْنِي بِاخْتِيَارِي الحُرِّ الكَامِلِ، وَهَذَا يَقِينٌ لَا يَتَزَعْزَعُ عِنْدِي مَهْمَا حَدَثَ.
بِمَحَبَّةٍ لَا حُدُودَ لَهَا، تَوْفِيقٌ»
٩
بَقِيَ عَدْنَانُ جَالِسًا فِي تِلْكَ الغُرْفَةِ المَعْدِنِيَّةِ البَارِدَةِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ بَعْدَ أَنْ أَنْهَى القِرَاءَةَ، الرِّسَالَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَيْنَاهُ مُحَدِّقَتَانِ فِي الفَرَاغِ أَمَامَهُ، غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التَّحَرُّكِ أَوِ التَّفْكِيرِ بِوُضُوحٍ. شَعَرَ وَكَأَنَّ الأَرْضَ تَحْتَهُ قَدِ اهْتَزَّتْ فَجْأَةً، وَكَأَنَّ كُلَّ مَا ظَنَّهُ يَقِينًا ثَابِتًا عَنْ هُوِيَّتِهِ وَأَصْلِهِ قَدْ أَصْبَحَ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، سُؤَالًا مُعَلَّقًا بِلَا إِجَابَةٍ وَاضِحَةٍ.
نَظَرَ إِلَى الوَثَائِقِ الأُخْرَى فِي الصُّنْدُوقِ: صُكُوكِ مِلْكِيَّةِ أَرَاضٍ فِي الغُوطَةِ، تَحْمِلُ أَسْمَاءً وَأَخْتَامًا رَسْمِيَّةً قَدِيمَةً، وَكِيسِ القُمَاشِ المَخْمَلِيِّ الَّذِي يَحْوِي، حِينَ فَتَحَهُ أَخِيرًا بِيَدٍ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ، عَدَدًا مِنَ القِطَعِ الذَّهَبِيَّةِ اللَّامِعَةِ، ثَقِيلَةً بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَنَاسِبٍ مَعَ حَجْمِهَا الصَّغِيرِ.
فَكَّرَ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ الآنَ: نَقْلَ مِلْكِيَّةِ الأَرَاضِي إِلَى كَمَالٍ الحَورَانِيِّ، الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ بَعْدُ بِوُجُودِهَا أَصْلًا؛ مُحَاوَلَةَ مَعْرِفَةِ مَصِيرِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ، إِنْ كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا فِي مَكَانٍ مَا؛ وَأَخِيرًا، وَرُبَّمَا الأَصْعَبَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَ، مُحَاوَلَةَ فَهْمِ تِلْكَ الجُمْلَةِ الغَامِضَةِ الَّتِي غَيَّرَتْ، بِجَرَّةِ قَلَمٍ وَاحِدَةٍ، كُلَّ مَا كَانَ يَظُنُّهُ يَقِينًا ثَابِتًا عَنْ نَفْسِهِ: «الابْنُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ.»
جَمَعَ عَدْنَانُ كُلَّ مُحْتَوَيَاتِ الصُّنْدُوقِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَوَضَعَهَا فِي حَقِيبَةٍ جِلْدِيَّةٍ صَغِيرَةٍ أَحْضَرَهَا مَعَهُ لِهَذَا الغَرَضِ بِالذَّاتِ، ثُمَّ ضَغَطَ الجَرَسَ المَعْدِنِيَّ الصَّغِيرَ مُعْلِنًا انْتِهَاءَهُ. حِينَ عَادَ المُدِيرُ، وَأَغْلَقَا الصُّنْدُوقَ الفَارِغَ مَعًا بِالمِفْتَاحَيْنِ، لَاحَظَ المُدِيرُ شُحُوبَ وَجْهِ عَدْنَانَ الوَاضِحَ.
«هَلْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ؟»
«نَعَمْ، شُكْرًا لَكَ.» أَجَابَ عَدْنَانُ بِصَوْتٍ لَمْ يَعْرِفْهُ هُوَ نَفْسُهُ، صَوْتِ رَجُلٍ خَرَجَ لِتَوِّهِ مِنْ غُرْفَةٍ يَحْمِلُ فِيهَا أَسْئِلَةً أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيَّةِ وَثَائِقَ أَوْ ذَهَبٍ.
١٠
عَادَ عَدْنَانُ إِلَى المَتْجَرِ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مُثْقَلَةٍ، رَافِضًا أَنْ يَسْتَقِلَّ عَرَبَةَ أُجْرَةٍ رَغْمَ المَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ نِسْبِيًّا، مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ الوَقْتِ الإِضَافِيِّ لِلْمَشْيِ وَحِيدًا بَيْنَ شَوَارِعِ دِمَشْقَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ ثِقْلَ مَا حَمَلَهُ مَعَهُ فِي تِلْكَ الحَقِيبَةِ الجِلْدِيَّةِ الصَّغِيرَةِ: لَيْسَ فَقَطْ وَثَائِقَ أَرْضٍ وَقِطَعًا مِنَ الذَّهَبِ، بَلْ سُؤَالًا وُجُودِيًّا كَامِلًا عَنْ هُوِيَّتِهِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَوْمًا قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ بِالذَّاتِ.
أَغْلَقَ المَتْجَرَ بَاكِرًا ذَلِكَ اليَوْمَ، مُعَلِّقًا اللَّافِتَةَ نَفْسَهَا الَّتِي عَلَّقَهَا صَبَاحًا، لَكِنَّهُ هَذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى اليَوْمِ التَّالِي. جَلَسَ فِي غُرْفَتِهِ المُسْتَأْجَرَةِ، وَحِيدًا، يُعِيدُ قِرَاءَةَ رِسَالَةِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، حَتَّى حَفِظَ كُلَّ كَلِمَةٍ فِيهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ. فَكَّرَ فِي الذَّهَابِ إِلَى القَرْيَةِ فَوْرًا، لِمُوَاجَهَةِ أُمِّهِ بِالسُّؤَالِ مُبَاشَرَةً، لَكِنَّهُ تَرَاجَعَ؛ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَطْرَحَ سُؤَالًا كَهَذَا عَلَى امْرَأَةٍ أَحَبَّتْهُ وَرَبَّتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ، سُؤَالًا قَدْ يَجْرَحُهَا بِعُمْقٍ إِنْ كَانَ لَا أَسَاسَ حَقِيقِيَّ لَهُ، مُجَرَّدَ ظَنِّ عَجُوزٍ مُتْعَبٍ كَمَا وَصَفَهُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ فِي رِسَالَتِهِ؟
قَرَّرَ عَدْنَانُ، بَعْدَ لَيْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الأَرَقِ وَالتَّفْكِيرِ، أَنْ يَحْتَفِظَ بِهَذَا السِّرِّ لِنَفْسِهِ، كَمَا احْتَفَظَ بِأَسْرَارٍ كَثِيرَةٍ أُخْرَى طَوَالَ العَامَيْنِ المَاضِيَيْنِ. لَنْ يَسْأَلَ أُمَّهُ، لَيْسَ بَعْدُ، لَيْسَ دُونَ دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ حَدْسِ رَجُلٍ عَجُوزٍ، مَهْمَا بَلَغَتْ حِكْمَتُهُ وَصِدْقُ نِيَّتِهِ. سَيَحْمِلُ هَذَا السُّؤَالَ مَعَهُ، كَمَا حَمَلَ المِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ وَالمِفْتَاحَ الفِضِّيَّ مِنْ قَبْلِهِ، أَمَانَةً صَامِتَةً أُخْرَى تُضَافُ إِلَى كُلِّ الأَمَانَاتِ الَّتِي بَاتَ يَحْمِلُهَا دُونَ أَنْ يَطْلُبَ أَيًّا مِنْهَا.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، بَدَأَ عَدْنَانُ، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ وَصَبْرٍ لَا يَقِلُّ عَنْ صَبْرِهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ آخَرَ تَعَلَّمَهُ مِنَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ، يَتَحَرَّكُ خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ نَحْوَ تَنْفِيذِ مَا طُلِبَ مِنْهُ: تَوَاصَلَ مَعَ مُحَامٍ يَثِقُ بِهِ أَوْصَاهُ أَحَدُ تُجَّارِ السُّوقِ المُسِنِّينَ، لِيَبْدَأَ إِجْرَاءَاتِ نَقْلِ مِلْكِيَّةِ قِطْعَتَيِ الأَرْضِ إِلَى اسْمِ كَمَالٍ الحَورَانِيِّ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ سَيَصِلُ إِلَى الرَّجُلِ نَفْسِهِ، الَّذِي لَمْ يَعُدْ مُنْذُ تِلْكَ الزِّيَارَةِ الوَحِيدَةِ قَبْلَ عَامَيْنِ. حَفِظَ الذَّهَبَ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، مُوَزَّعًا بِحَذَرٍ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ مَخْبَأٍ، كَمَا تَعَلَّمَ مِنَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِكُلِّ مَا هُوَ ثَمِينٌ. وَأَخْفَى رِسَالَةَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ الشَّخْصِيَّةَ فِي مَكَانٍ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ دَاخِلَ بِطَانَةِ حَقِيبَتِهِ الجِلْدِيَّةِ القَدِيمَةِ، حَيْثُ سَتَبْقَى، لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ قَادِمَةٍ، شَاهِدًا صَامِتًا عَلَى سُؤَالٍ لَمْ يَجِدْ لَهُ جَوَابًا بَعْدُ.
لَكِنْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، مِنْ بَيْنِ كُلِّ مَا قَرَأَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيَّةِ جُمْلَةٍ أُخْرَى، جُمْلَةً بَسِيطَةً فِي ظَاهِرِهَا، لَكِنَّهَا حَمَلَتْ وَعْدًا وَتَحْذِيرًا فِي آنٍ وَاحِدٍ: «وَإِنْ وَصَلْتَ يَوْمًا إِلَى يَقِينٍ حَقِيقِيٍّ، مِنْ أَيَّةِ جِهَةٍ كَانَ، فَأَرْجُو أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ الحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً أَوْ مُرْبِكَةً، أَفْضَلُ دَائِمًا مِنَ الجَهْلِ المُرِيحِ.» كَرَّرَهَا عَدْنَانُ لِنَفْسِهِ مِرَارًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَمِدَّ مِنْهَا قُوَّةً تَكْفِيهِ لِمُوَاجَهَةِ الأَيَّامِ الغَامِضَةِ القَادِمَةِ، أَيَّامًا كَانَ يَشْعُرُ، بِحَدْسٍ لَا يُخْطِئُ، أَنَّهَا سَتَحْمِلُ لَهُ اخْتِبَارَاتٍ أَصْعَبَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ وَاجَهَهُ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ، وَهُوَ يُطْفِئُ أَخِيرًا مِصْبَاحَهُ الصَّغِيرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الصَّيْفِيَّةِ الخَانِقَةِ، كَمْ مِنَ الوَقْتِ سَيَمُرُّ، وَكَمْ مِنَ القَارَّاتِ سَيَعْبُرُ، قَبْلَ أَنْ يَجِدَ أَخِيرًا ذَلِكَ اليَقِينَ الَّذِي وَعَدَهُ بِهِ مُعَلِّمُهُ الغَائِبُ، وَلَا كَمْ سَيُكَلِّفُهُ الوُصُولُ إِلَيْهِ مِنْ ثَمَنٍ، حِينَ يَحِينُ أَخِيرًا أَوَانُهُ، بَعْدَ أَنْ يَعْبُرَ بِحَارًا وَحُدُودًا لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَعْبُرُهَا، حَامِلًا مَعَهُ، أَيْنَمَا ذَهَبَ، ذَلِكَ السُّؤَالَ الصَّغِيرَ الثَّقِيلَ الَّذِي زَرَعَهُ فِيهِ رَجُلٌ عَجُوزٌ أَحَبَّهُ كَابْنٍ، فِي رِسَالَةٍ لَمْ تَكُنْ، كَمَا سَيَكْتَشِفُ لَاحِقًا بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، سِوَى الخُطْوَةِ الأُولَى فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ نَحْوَ حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَهُ فِي تِلْكَ الغُرْفَةِ المَصْرِفِيَّةِ البَارِدَةِ، ذَلِكَ الصَّيْفَ البَعِيدَ مِنْ عَامِ ١٩٧٨.
خَرَجَ عَدْنَانُ مِنَ البَنْكِ إِلَى شَارِعٍ دِمَشْقِيٍّ عَادِيٍّ، شَمْسُ تَمُّوزَ الحَارِقَةُ تَلْفَحُ وَجْهَهُ، وَالحَيَاةُ مِنْ حَوْلِهِ تَمْضِي بِإِيقَاعِهَا المُعْتَادِ، كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَتَغَيَّرْ، بَيْنَمَا شَعَرَ هُوَ، فِي دَاخِلِهِ، أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ تَغَيَّرَ إِلَى الأَبَدِ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يَمْشِي بِخُطًى مُتَرَنِّحَةٍ نَحْوَ المَتْجَرِ الَّذِي أَصْبَحَ مَسْؤُولِيَّتَهُ الوَحِيدَةَ الآنَ، أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ، ذَلِكَ السُّؤَالَ الغَامِضَ عَنْ هُوِيَّتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، سَيُرَافِقُهُ، كَظِلٍّ صَامِتٍ ثَقِيلٍ، عَبْرَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ قَادِمَةٍ، وَقَارَّةٍ كَامِلَةٍ بَعِيدَةٍ، إِلَى أَنْ يَجِدَ، بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا بِالتَّمَامِ وَالكَمَالِ، الخَيْطَ الأَخِيرَ الَّذِي قَدْ يَقُودُهُ أَخِيرًا إِلَى إِجَابَةٍ كَانَ يَخْشَى، وَيَتَمَنَّى فِي آنٍ وَاحِدٍ، أَنْ يَعْرِفَهَا يَوْمًا.


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 11


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 09