النَّدْوَةُ الْحِوَارِيَّةُ الْمُوَحَّدَةُ
حَوْلَ رِوَايَةِ “مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أَمْرِيكَا الْوُسْطَى، الْقَرْنُ السَّادِسَ عَشَرَ.
رَجُلُ دِينٍ يَدْخُلُ الْقَاعَةَ وَهُوَ يَحْمِلُ أَثْقَلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَهُ إِنْسَانٌ: لَيْسَ فَقَطْ ذِكْرَى مَا فَعَلَهُ، بَلْ إِدْرَاكَهُ الْمُتَأَخِّرَ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ حِينَ فَعَلَهُ. رَجُلٌ أَحْرَقَ مَخْطُوطَاتِ شَعْبٍ كَامِلٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُنْقِذُ الْأَرْوَاحَ، ثُمَّ اكْتَشَفَ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ أَنَّ الْجَهْلَ حِينَ يَرْتَدِي ثَوْبَ الْيَقِينِ قَدْ يُصْبِحُ أَكْثَرَ قَسْوَةً مِنَ الْعِدَاءِ.
لَكِنَّ هَذَا الْبَابَ لَا يُقَدِّمُ لَنَا وَحْشًا سَهْلَ الْإِدَانَةِ، وَلَا إِنْسَانًا تَائِبًا تُمْحَى أَخْطَاؤُهُ بِمُجَرَّدِ النَّدَمِ. وَكَمَا قَالَ الْعَجُوزُ نَفْسُهُ: “هَذِهِ الْقَاعَةُ لَا تُقَدِّمُ إِدَانَةً بَسِيطَةً، وَلَا غُفْرَانًا سَهْلًا.”
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
قَبْلَ أَنْ نَدْخُلَ فِي التَّحْلِيلِ الْأَخْلَاقِيِّ، يَجِبُ أَنْ نُثْبِتَ الْحَقِيقَةَ التَّارِيخِيَّةَ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْهَا هَذَا الْبَابُ.
فَإِحْرَاقُ بَعْضِ مَخْطُوطَاتِ الْمَايَا لَيْسَ خَيَالًا أَدَبِيًّا. فَقَدْ وَقَعَتْ بِالْفِعْلِ عَمَلِيَّاتُ تَدْمِيرٍ لِمَخْطُوطَاتٍ وَمَعَارِفَ مَايَائِيَّةٍ بَعْدَ وُصُولِ الْإِسْبَانِ إِلَى أَمْرِيكَا الْوُسْطَى، وَمِنْ أَشْهَرِهَا مَا ارْتَبَطَ بِالْأُسْقُفِ دِيَّغُو دِي لَانْدَا فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ، حِينَ أُحْرِقَتْ كُتُبٌ مَايَائِيَّةٌ اعْتُبِرَتْ وَثَنِيَّةً. وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ فَادِحَةً: فَقَدَتِ الْمَعْرِفَةُ الْمَايَائِيَّةُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ سِجِلَّاتِهَا الْمَكْتُوبَةِ، وَبَقِيَتْ لَنَا مَصَادِرُ مَحْدُودَةٌ تُظْهِرُ جَوَانِبَ مِنْ مَعَارِفِهَا فِي الْفَلَكِ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَالتَّقْوِيمِ، وَالطُّقُوسِ، وَالتَّارِيخِ.
فَالرِّوَايَةُ هُنَا لَا تُضَخِّمُ الْمَأْسَاةَ، بَلْ رُبَّمَا لَا تَسْتَطِيعُ اللُّغَةُ أَصْلًا أَنْ تَحْمِلَ حَجْمَ الْفَقْدِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ هَذَا الْبَابُ لَيْسَ فَقَطْ: مَاذَا حَدَثَ؟ بَلْ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَرْتَكِبَ فِعْلًا مُدَمِّرًا وَهُوَ مُقْتَنِعٌ تَمَامًا بِأَنَّهُ يَفْعَلُ الْخَيْرَ؟
أَكْثَرُ مَا يُثِيرُنِي هُوَ رَفْضُ الرَّجُلِ أَنْ يُحَمِّلَ الدِّينَ وَحْدَهُ مَسْؤُولِيَّةَ مَا حَدَثَ. إِنَّهُ يَقُولُ بِطَرِيقَةٍ مُؤْلِمَةٍ: لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ هُوَ مَنْ أَحْرَقَ، بَلْ أَنَا الَّذِي فَهِمْتُ بِطَرِيقَةٍ خَاطِئَةٍ. وَهُنَا أَطْرَحُ سُؤَالًا عَلَى الدُّكْتُورَةِ سَلْمَى: أَهَذَا تَحَمُّلٌ حَقِيقِيٌّ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ، أَمْ إِنَّهُ طَرِيقَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِفَصْلِ الْإِنْسَانِ الْحَالِيِّ النَّادِمِ عَنِ الْإِنْسَانِ السَّابِقِ الَّذِي ارْتَكَبَ الْفِعْلَ، حَتَّى يَسْتَطِيعَ احْتِمَالَ صُورَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
سُؤَالٌ مُهِمٌّ، لَكِنِّي أَرَى أَنَّ الْحَالَةَ هُنَا أَكْثَرُ تَعْقِيدًا.
فَفِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، قَدْ تَعْمَلُ آلِيَّاتُ الدِّفَاعِ النَّفْسِيِّ عَلَى تَخْفِيفِ الشُّعُورِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ: الْإِنْسَانُ يَلُومُ الظُّرُوفَ، أَوِ الْآخَرِينَ، أَوِ النِّظَامَ الَّذِي كَانَ يَنْتَمِي إِلَيْهِ. لَكِنَّ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ تَفْعَلُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا؛ إِنَّهَا تَرْفُضُ أَنْ تَسْتَخْدِمَ عَقِيدَتَهَا السَّابِقَةَ كَدِرْعٍ يَحْمِيهَا مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
فَهُوَ لَا يَقُولُ: كُنْتُ ضَحِيَّةَ زَمَنٍ جَاهِلٍ فَقَطْ. بَلْ يَقُولُ: كُنْتُ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الْجَهْلِ، وَأَنَا مَسْؤُولٌ عَنِ اخْتِيَارَاتِي. وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ: الاِعْتِرَافُ الْأَخْلَاقِيُّ النَّاضِجُ. لَكِنَّ الاِعْتِرَافَ لَا يُعِيدُ الْمَخْطُوطَاتِ، وَلَا يَمْحُو الْأَلَمَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الْبَابِ أَدَبِيًّا.
فَقَدْ كَانَ بِإِمْكَانِ الْكَاتِبِ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقًا أَسْهَلَ: أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلَ رَمْزًا لِلشَّرِّ، ثُمَّ يَمْنَحَ الْقَارِئَ رَاحَةَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. لَكِنَّهُ اخْتَارَ طَرِيقًا أَصْعَبَ؛ لَقَدْ تَرَكَهُ إِنْسَانًا. وَالْإِنْسَانُ، حَتَّى حِينَ يَرْتَكِبُ خَطَأً فَادِحًا، يَبْقَى أَكْثَرَ تَعْقِيدًا مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ.
فَالْجُمْلَةُ الَّتِي قَالَهَا الْعَجُوزُ، أَنَّ الْقَاعَةَ لَا تُقَدِّمُ إِدَانَةً بَسِيطَةً وَلَا غُفْرَانًا سَهْلًا، تُلَخِّصُ مَوْقِفَ الرِّوَايَةِ كُلَّهَا تِجَاهَ الشَّخْصِيَّاتِ. هِيَ لَا تَبْحَثُ عَنْ مُحَاكَمَاتٍ، بَلْ عَنْ فَهْمٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ، أُرِيدُ أَنْ أَرْبِطَ هَذَا الْبَابَ بِبَابِ الْحَاخَامِ الْأَكْبَرِ الَّذِي مَرَرْنَا بِهِ سَابِقًا. هُنَاكَ كَانَ الْإِنْسَانُ ضَحِيَّةَ مَحْوِ الذَّاكِرَةِ، وَهُنَا يَبْدُو الْإِنْسَانُ فَاعِلًا لِهَذَا الْمَحْوِ. أَتَرَيْنَ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
الرَّابِطُ عَمِيقٌ جِدًّا.
فَالْحَاخَامُ الْأَكْبَرُ وَقَفَ أَمَامَ كَارِثَةٍ حُوِّلَ فِيهَا الْبَشَرُ إِلَى أَرْقَامٍ، وَطَالَبَ بِإِعَادَةِ الاِسْمِ إِلَى الضَّحِيَّةِ. أَمَّا هَذَا الْبَابُ فَيَضَعُنَا أَمَامَ الطَّرَفِ الْآخَرِ: إِنْسَانٌ سَاهَمَ فِي مَحْوِ أَسْمَاءَ وَحِكَايَاتٍ وَكُتُبٍ. لَكِنَّ الْعَبْقَرِيَّةَ الْبِنْيَوِيَّةَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا تَضَعُهُمَا كَقِصَّتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ، بَلْ تَجْعَلُهُمَا يُوَاجِهَانِ السُّؤَالَ نَفْسَهُ: مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ يَعْتَقِدُ إِنْسَانٌ أَنَّ لَدَيْهِ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ، فَيُصْبِحَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى رُؤْيَةِ ذَاكِرَةِ الْآخَرِينَ؟
فَفِي الْحَاخَامِ رَأَيْنَا أَلَمَ مَنْ سُلِبَتْ ذَاكِرَتُهُ. وَهُنَا نَرَى مَأْسَاةَ مَنْ سَلَبَ ذَاكِرَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ اكْتَشَفَ مُتَأَخِّرًا فَدَاحَةَ مَا فَعَلَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، سُؤَالٌ مُبَاشِرٌ: لِمَاذَا لَمْ تَمْنَحْ هَذَا الرَّجُلَ اسْمًا، كَمَا فَعَلْتَ مَعَ الْجُنْدِيِّ الْفَارِسِيِّ، رَغْمَ أَنَّ الْجُنْدِيَّ كَانَ ضَحِيَّةً، بَيْنَمَا هَذَا الرَّجُلُ كَانَ فَاعِلًا لِضَرَرٍ كَبِيرٍ؟
الأستاذ نعمان:
رُبَّمَا لِأَنِّي أَرَدْتُ فِي الْحَالَتَيْنِ الشَّيْءَ نَفْسَهُ، وَلَكِنْ مِنْ زَاوِيَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
فَالْجُنْدِيُّ بِلَا اسْمٍ لِأَنَّهُ يُمَثِّلُ آلَافَ الَّذِينَ ابْتَلَعَهُمُ التَّارِيخُ وَلَمْ يَسْمَعْ أَصْوَاتَهُمْ. أَمَّا هَذَا الرَّجُلُ بِلَا اسْمٍ لِأَنَّهُ يُمَثِّلُ إِمْكَانِيَّةً مَوْجُودَةً فِي الْإِنْسَانِ عُمُومًا. فَلَوْ أَعْطَيْتُهُ اسْمًا وَاضِحًا وَمَلَامِحَ مُحَدَّدَةً، فَقَدْ يُصْبِحُ مِنَ السَّهْلِ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا شَخْصٌ آخَرُ، مِنْ زَمَنٍ آخَرَ، وَثَقَافَةٍ أُخْرَى.
لَكِنِّي أَرَدْتُ سُؤَالًا أَكْثَرَ إِزْعَاجًا: أَيُمْكِنُ لِأَيِّ إِنْسَانٍ، فِي أَيِّ زَمَنٍ، أَنْ يَفْعَلَ ضَرَرًا كَبِيرًا وَهُوَ مُقْتَنِعٌ تَمَامًا بِأَنَّهُ يَخْدُمُ الْخَيْرَ؟ فَغِيَابُ الاِسْمِ هُنَا لَيْسَ تَخْفِيفًا عَنْهُ، بَلْ تَقْرِيبًا لَهُ مِنَّا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ أَمَامَ سُؤَالِ الرَّجُلِ نَفْسِهِ: أَيَبْحَثُ الْإِنْسَانُ عَنِ الْغُفْرَانِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ ذَنْبِهِ؟ أَمْ لِأَنَّ الْغُفْرَانَ الْحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ حِينَ يَقْبَلُ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهَا، وَأَنَّ وَاجِبَهُ الْوَحِيدَ أَلَّا يُعِيدَ إِنْتَاجَ الْخَطَأِ نَفْسِهِ؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
فِي مَدِينَةٍ كَانَتْ تَتَنَفَّسُ الْعِلْمَ وَالْفَلْسَفَةَ وَالطِّبَّ، تَقِفُ أَمَامَ سَامِرٍ امْرَأَةٌ لَمْ تَرَ فِي الْعَقْلِ خَصْمًا لِلْإِيمَانِ، وَلَا فِي الْإِيمَانِ عَدُوًّا لِلْبَحْثِ. عَالِمَةٌ وَطَبِيبَةٌ، تَحْمِلُ سُؤَالًا بَسِيطًا فِي ظَاهِرِهِ، عَمِيقًا فِي جَوْهَرِهِ: أَالْمَعْرِفَةُ مِلْكٌ لِمَنْ يَكْتَشِفُهَا؟ أَمْ إِنَّهَا أَمَانَةٌ تَمُرُّ عَبْرَ الْإِنْسَانِ كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ عَبْرَ قَنَاةٍ، لَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِهَا، بَلْ عَنْ نَقَاءِ مَا تَحْمِلُهُ؟
Section 2
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
اخْتِيَارُ قُرْطُبَةَ فِي هَذَا الزَّمَنِ لَيْسَ تَفْصِيلًا عَابِرًا.
فَالْأَنْدَلُسُ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ كَانَتْ أَحَدَ الْمَرَاكِزِ الْكُبْرَى لِلْعِلْمِ، حَيْثُ ازْدَهَرَتْ دِرَاسَةُ الطِّبِّ وَالْفَلَكِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَظَهَرَتْ أَسْمَاءٌ تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي تَارِيخِ الْمَعْرِفَةِ. لَكِنَّ مَا يَسْتَوْقِفُنِي فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ فَقَطْ حُضُورُ الْعِلْمِ، بَلْ غِيَابُ الاِسْمِ.
فَالْعَالِمَةُ لَا تُوَاجِهُ صُعُوبَةَ اكْتِشَافِ الْمَعْرِفَةِ، بَلْ صُعُوبَةَ أَنْ يُعْتَرَفَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ خَرَجَتْ مِنْ عَقْلِهَا هِيَ. وَهَذِهِ لَيْسَتْ حَالَةً اسْتِثْنَائِيَّةً فِي التَّارِيخِ؛ فَقَدْ عَرَفَتِ الْحَضَارَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ حَالَاتٍ كَثِيرَةً نُسِبَتْ فِيهَا أَعْمَالُ الْبَاحِثِينَ، وَخُصُوصًا النِّسَاءِ، إِلَى مُؤَسَّسَاتٍ أَوْ أَسَاتِذَةٍ أَوْ أَسْمَاءٍ أَكْثَرَ حُضُورًا اجْتِمَاعِيًّا. إِنَّهَا مُشْكِلَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّفْكِيرِ، بَلْ بِقُدْرَةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى رُؤْيَةِ صَاحِبِ التَّفْكِيرِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
لَكِنْ هُنَا يَظْهَرُ سُؤَالٌ أَخْلَاقِيٌّ مُعَقَّدٌ.
فَالْعَالِمَةُ لَا تَبْدُو غَاضِبَةً بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي نَتَوَقَّعُهَا؛ إِنَّهَا تَقُولُ إِنَّ الْأَهَمَّ هُوَ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْمَعْرِفَةُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْمِلْ اسْمُهَا الْكَامِلَ. وَهَذَا مَوْقِفٌ نَبِيلٌ بِالتَّأْكِيدِ. لَكِنِّي أَطْرَحُ سُؤَالًا مُزْعِجًا: أَيُمْكِنُ لِلنُّبْلِ أَحْيَانًا أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى غِطَاءٍ لِاسْتِمْرَارِ الظُّلْمِ؟ حِينَ يَقْبَلُ الْمَظْلُومُ أَنْ يَخْتَفِيَ اسْمُهُ مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ الْفِكْرَةِ، أَيُحَرِّرُ نَفْسَهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالذَّاتِ؟ أَمْ إِنَّهُ، مِنْ دُونِ قَصْدٍ، يَسْمَحُ لِلنِّظَامِ الَّذِي مَحَا اسْمَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَظُنُّ أَنَّ النَّصَّ نَفْسَهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَامًا.
فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَاضُعِ، وَبَيْنَ إِلْغَاءِ الذَّاتِ. فَالْعَالِمَةُ لَا تَقُولُ إِنَّ مَا حَدَثَ كَانَ عَادِلًا؛ لَا تُنْكِرُ الظُّلْمَ، وَلَا تَتَظَاهَرُ بِأَنَّ فُقْدَانَ الاِعْتِرَافِ لَا يُؤْلِمُ. هِيَ تَعْرِفُ أَنَّهَا حُرِمَتْ مِنْ شَيْءٍ تَسْتَحِقُّهُ. لَكِنَّهَا تَخْتَارُ أَلَّا تَجْعَلَ الظُّلْمَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْآخَرِينَ.
وَفِي بَعْضِ مُقَارَبَاتِ عِلْمِ النَّفْسِ، ثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ قَبُولِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الاِعْتِرَافِ بِأَلَمِهِ، وَبَيْنَ الاِسْتِسْلَامِ لَهُ وَإِنْكَارِ وُجُودِهِ. وَأَرَى أَنَّ الشَّخْصِيَّةَ تَقِفُ فِي الْمَسَافَةِ الصَّعْبَةِ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَهُنَا يَظْهَرُ جَمَالُ مَوْقِعِ هَذَا الْبَابِ دَاخِلَ الرِّوَايَةِ.
فَإِنَّهُ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ رَدٌّ غَيْرُ مُبَاشِرٍ عَلَى الْمَرْأَةِ الْإِغْرِيقِيَّةِ الْمَنْسِيَّةِ الَّتِي قَابَلَهَا سَامِرٌ سَابِقًا. هُنَاكَ امْرَأَةٌ لَمْ يَبْقَ لَهَا حَتَّى اسْمٌ. وَهُنَا امْرَأَةٌ رُبَّمَا ضَاعَ اسْمُهَا جُزْئِيًّا، لَكِنَّ أَثَرَهَا يَسْتَمِرُّ.
وَالرِّوَايَةُ لَا تُقَدِّمُ جَوَابًا سَهْلًا مِنْ نَوْعِ: لَا تَقْلَقِي، سَيَذْكُرُ التَّارِيخُ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. بَلْ تُقَدِّمُ فِكْرَةً أَكْثَرَ نُضْجًا: قَدْ لَا نَسْتَطِيعُ دَائِمًا إِنْقَاذَ الاِسْمِ مِنَ النِّسْيَانِ، لَكِنْ يُمْكِنُنَا أَنْ نُحَاوِلَ إِنْقَاذَ الْأَثَرِ مِنَ الضَّيَاعِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ، أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ إِلَى اسْتِعَارَةِ الْقَنَاةِ الَّتِي تَسْتَخْدِمُهَا الْعَالِمَةُ. أَتَجِدُ لَهَا صَدًى فِي مَجَالِ الرِّيَاضِيَّاتِ أَوِ الْعُلُومِ؟
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
نَعَمْ، وَبِشَكْلٍ مُدْهِشٍ.
فَفِي نَظَرِيَّةِ الْمَعْلُومَاتِ، يُمَيَّزُ بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالْقَنَاةِ الَّتِي تَنْقُلُهَا، وَتُدْرَسُ فِي هَذَا السِّيَاقِ آثَارُ التَّشْوِيشِ وَالتَّشْوِيهِ فِي الِاتِّصَالِ. فَالْقَنَاةُ الْجَيِّدَةُ لَيْسَتْ مُهِمَّةً لِأَنَّهَا تَحْمِلُ اسْمًا مَشْهُورًا، بَلْ لِأَنَّهَا تَنْقُلُ الرِّسَالَةَ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّشْوِيهِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ اسْتِعَارَةَ الْعَالِمَةِ تَحْمِلُ فِكْرَةً قَرِيبَةً جِدًّا: الْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ قَنَاةً تَمُرُّ عَبْرَهَا الْمَعْرِفَةُ. لَكِنَّ قِيمَةَ الْقَنَاةِ لَيْسَتْ فِي أَنْ تُعْجَبَ بِنَفْسِهَا، بَلْ فِي أَنْ تُحَافِظَ عَلَى نَقَاءِ مَا يَمُرُّ خِلَالَهَا.
بِالطَّبْعِ، فِي الْمَعْرِفَةِ الْعِلْمِيَّةِ لَا يَصِحُّ اخْتِزَالُ الرِّسَالَةِ فِي قَنَاتِهَا وَفَصْلُهَا تَمَامًا عَنِ الْبَشَرِ الَّذِينَ أَنْتَجُوهَا، لَكِنَّ الاِسْتِعَارَةَ تَكْشِفُ جَانِبًا أَخْلَاقِيًّا مُهِمًّا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ أَكْبَرُ مِنْ أَصْحَابِهَا، دُونَ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ إِنْكَارَ حَقِّ أَصْحَابِهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، سُؤَالٌ أَخِيرٌ يُلَامِسُ تَجْرِبَتَكَ الشَّخْصِيَّةَ: أَنْتَ تَكْتُبُ، ثُمَّ تَعْمَلُ مَعَ مُتَرْجِمِينَ وَمُرَاجِعِينَ، وَتَنْتَقِلُ أَعْمَالُكَ بَيْنَ لُغَاتٍ وَثَقَافَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. أَتَرَى نَفْسَكَ أَقْرَبَ إِلَى مَوْقِفِ الْعَالِمَةِ الَّتِي تُرِيدُ لِلْمَعْرِفَةِ أَنْ تَعْبُرَ، أَمْ تَحْمِلُ أَيْضًا رَغْبَةً إِنْسَانِيَّةً طَبِيعِيَّةً فِي أَنْ يَبْقَى اسْمُكَ مُرْتَبِطًا بِمَا كَتَبْتَ؟
الأستاذ نعمان:
أَعْتَقِدُ أَنَّ الصِّدْقَ يَقْتَضِي الاِعْتِرَافَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْمِلُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
أُحِبُّ أَنْ تَصِلَ الْأَفْكَارُ الَّتِي كَتَبْتُهَا إِلَى أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَنْ تَعِيشَ بَعِيدًا عَنْ حُدُودِ اللُّغَةِ وَالْمَكَانِ. لَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْكِرَ رَغْبَةً إِنْسَانِيَّةً طَبِيعِيَّةً: أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْكَارَ خَرَجَتْ مِنْ تَجْرِبَةِ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، لَهُ اسْمُهُ وَحَيَاتُهُ وَأَسْئِلَتُهُ.
رُبَّمَا لَيْسَ الْخَطَأُ فِي الرَّغْبَةِ بِأَنْ يُذْكَرَ الاِسْمُ، بَلْ فِي أَنْ يُصْبِحَ الاِسْمُ أَهَمَّ مِنَ الْفِكْرَةِ. فَالْعَالِمَةُ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ تَكُنْ بِلَا ذَاتٍ، وَلَمْ تَكُنْ بِلَا أَلَمٍ. لَكِنَّهَا اخْتَارَتْ أَلَّا تَجْعَلَ حَاجَتَهَا إِلَى الاِعْتِرَافِ حَاجِزًا أَمَامَ اسْتِمْرَارِ الْمَعْرِفَةِ. وَهَذَا مَا يَجْعَلُهَا إِنْسَانَةً حَقِيقِيَّةً، لَا رَمْزًا مِثَالِيًّا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نُغَادِرُ هَذِهِ الْقَاعَةَ مَعَ صُورَةِ الْقَنَاةِ: لَا تَطْلُبُ مِنَ الْمَاءِ أَنْ يَشْكُرَهَا لِأَنَّهُ مَرَّ فِيهَا، وَلَا تُنْكِرُ أَنَّهَا كَانَتِ الطَّرِيقَ الَّذِي أَوْصَلَهُ.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ مَفْتُوحًا: أَتَكْمُنُ الْقِيمَةُ فِي أَنْ يَبْقَى اسْمُ الْإِنْسَانِ؟ أَمْ فِي أَنْ يَبْقَى الشَّيْءُ الَّذِي حَمَلَهُ الْإِنْسَانُ إِلَى الْعَالَمِ؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
طِفْلٌ لَا يَحْمِلُ كِتَابًا، وَلَا لَقَبًا، وَلَا تَارِيخًا يُدَوَّنُ فِي السِّجِلَّاتِ. لَكِنَّهُ يَحْمِلُ صُورَةً وَاحِدَةً تَخْتَصِرُ رُبَّمَا كُلَّ مَا حَاوَلَتِ الشَّخْصِيَّاتُ السَّابِقَةُ قَوْلَهُ: الْعَقْلُ عِنْدَ الْمِيلَادِ صَحْنُ مَاءٍ صَافٍ، وَكُلُّ تَجْرِبَةٍ نُلْقِيهَا فِيهِ حَجَرًا؛ حَتَّى يُصْبِحَ سَطْحُهُ عَاجِزًا عَنْ عَكْسِ السَّمَاءِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أُرِيدُ أَنْ أَبْدَأَ مِنْ أَكْثَرِ نُقْطَةٍ أَثَارَتْنِي فِي هَذَا الْبَابِ: الصَّبِيُّ لَا يُقَدِّمُ نَصَائِحَ بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ يَصِفُ طَرِيقَةً مُخْتَلِفَةً لِلْوُجُودِ.
حِينَ يَقُولُ لِسَامِرٍ: لَا تُحَاوِلْ أَنْ تُمْسِكَ الشُّعُورَ بِقُوَّةٍ، دَعْهُ يَقْتَرِبُ مِنْكَ ثُمَّ افْهَمْهُ، فَهُوَ يَتَقَاطَعُ بِشَكْلٍ مُدْهِشٍ مَعَ بَعْضِ الْمَفَاهِيمِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْمُعَاصِرَةِ فِي الْعِلَاجِ النَّفْسِيِّ، خُصُوصًا مَا يَرْتَبِطُ بِالْوَعْيِ بِاللَّحْظَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ الْهَادِئَةِ لِلْمَشَاعِرِ. لَكِنْ لَدَيَّ سُؤَالٌ لِلْفَرِيقِ: أَاخْتَارَ الْكَاتِبُ طِفْلًا لِأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَوْلَ إِنَّ الْحِكْمَةَ تَأْتِي مِنَ الْبَرَاءَةِ؟ أَمْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَذْكِيرَنَا بِأَنَّ بَعْضَ الْمَعَارِفِ لَا تُكْتَسَبُ، بَلْ تُفْقَدُ مَعَ الزَّمَنِ؟
Section 3
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَظُنُّ أَنَّ جَمَالَ الْبَابِ يَكْمُنُ فِي أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ بَيْنَ الاِحْتِمَالَيْنِ.
فَالصَّبِيُّ لَا يَقُولُ لِسَامِرٍ: أَنَا أَعْرِفُ لِأَنِّي طِفْلٌ. وَلَا يَقُولُ: الْكِبَارُ أَخْطَؤُوا لِأَنَّهُمْ كَبِرُوا. بَلْ يُقَدِّمُ فِكْرَةً أَكْثَرَ إِزْعَاجًا: رُبَّمَا الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنَّنَا نَتَعَلَّمُ، بَلْ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ مَا الَّذِي نُضِيفُهُ إِلَى تَعَلُّمِنَا. فَالْحِجَارَةُ الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا لَيْسَتِ الْمَعْرِفَةَ نَفْسَهَا؛ فَالْحَجَرُ قَدْ يَكُونُ تَجْرِبَةً أَوْ حُبًّا أَوْ فَقْدًا أَوْ خَيْبَةً. وَالْمُشْكِلَةُ تَبْدَأُ حِينَ نَنْسَى أَنَّ الصَّحْنَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْحِجَارَةِ.
وَهُنَا يَقْتَرِبُ الْفَصْلُ مِنْ فِكْرَةٍ شَرْقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ: أَنَّ الْحِكْمَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي إِضَافَةِ شَيْءٍ جَدِيدٍ، بَلْ أَحْيَانًا فِي إِزَالَةِ مَا تَرَاكَمَ حَتَّى نَرَى مِنْ جَدِيدٍ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ اعْتِرَاضًا تَارِيخِيًّا عَلَى هَذِهِ الْفِكْرَةِ.
فَالتَّارِيخُ نَفْسُهُ تَرَاكُمٌ. الْحَضَارَاتُ لَمْ تَتَقَدَّمْ لِأَنَّهَا أَزَالَتِ الذَّاكِرَةَ، بَلْ لِأَنَّهَا حَفِظَتْهَا وَأَضَافَتْ إِلَيْهَا. فَإِذَا بَالَغْنَا فِي تَمْجِيدِ صَفَاءِ الْبِدَايَةِ، أَلَا نُخَاطِرُ بِتَحْوِيلِ النِّسْيَانِ إِلَى فَضِيلَةٍ؟ فَالْأُمَمُ الَّتِي فَقَدَتْ ذَاكِرَتَهَا لَمْ تُصْبِحْ أَكْثَرَ حِكْمَةً، بَلْ أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِتَكْرَارِ أَخْطَائِهَا.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
وَهُنَا رُبَّمَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ الَّذِي يُحَاوِلُ الْبَابُ أَنْ يَقُولَهُ.
فَالصَّبِيُّ لَا يَطْلُبُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكْسِرَ كُلَّ الْحِجَارَةِ وَيَرْمِيَهَا بَعِيدًا؛ بَلْ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا حِجَارَةٌ. فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ ذَاكِرَةٍ نَحْمِلُهَا، وَذَاكِرَةٍ تَحْمِلُنَا. الْأُولَى تَجْعَلُنَا أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً، وَالثَّانِيَةُ تَجْعَلُنَا أَسْرَى لِمَا حَدَثَ لَنَا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أُرِيدُ التَّوَقُّفَ عِنْدَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي اسْتِعَارَةِ الصَّبِيِّ: الاِنْعِكَاسُ.
لَمْ يَقُلْ إِنَّ الصَّحْنَ فَقَدَ الْمَاءَ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْمَاءَ فَسَدَ. قَالَ إِنَّ الْحِجَارَةَ شَوَّشَتْ قُدْرَتَهُ عَلَى عَكْسِ الصُّورَةِ. وَهَذَا تَفْصِيلٌ لُغَوِيٌّ مُهِمٌّ جِدًّا. فَالرِّوَايَةُ مُنْذُ بِدَايَتِهَا لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ فُقْدَانِ الْوُجُودِ، بَلْ عَنْ فُقْدَانِ الْقُدْرَةِ عَلَى رُؤْيَتِهِ بِوُضُوحٍ. فَالنَّجْمَةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَالْجُزَيْءُ، وَالنَّهْرُ، وَالذَّاكِرَةُ، وَالاِسْمُ… كُلُّهَا تَعُودُ إِلَى السُّؤَالِ نَفْسِهِ: أَيَخْتَفِي الشَّيْءُ فِعْلًا، أَمْ إِنَّنَا نَفْقِدُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَرَاهُ بِهَا؟
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَأَظُنُّ أَنَّ اخْتِيَارَ طِفْلٍ لِيَخْتِمَ الْمِحْوَرَ الرُّوحِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ اخْتِيَارٍ رَمْزِيٍّ.
فَلَوِ انْتَهَى الْمِحْوَرُ بِشَخْصِيَّةٍ عَظِيمَةٍ أُخْرَى، لَرُبَّمَا شَعَرَ الْقَارِئُ أَنَّ الرِّحْلَةَ الرُّوحِيَّةَ وَصَلَتْ إِلَى قِمَّةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الْمَعْرِفَةِ. لَكِنَّ الْكَاتِبَ يَفْعَلُ الْعَكْسَ تَمَامًا. فَبَعْدَ عَشْرِ شَخْصِيَّاتٍ تَحْمِلُ أَوْزَانَ التَّارِيخِ وَالْفِكْرِ وَالدِّينِ، يَضَعُ أَمَامَنَا طِفْلًا يَقُولُ، بِطَرِيقَةٍ تَكَادُ تَكُونُ مُحْرِجَةً فِي بَسَاطَتِهَا: رُبَّمَا بَحَثْتُمْ طَوِيلًا عَنْ شَيْءٍ كَانَ قَرِيبًا مِنْكُمْ مُنْذُ الْبِدَايَةِ. وَهَذَا يَجْعَلُ النِّهَايَةَ أَقَلَّ انْتِصَارًا وَأَكْثَرَ تَوَاضُعًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، لَدَيَّ سُؤَالٌ مُخْتَلِفٌ هَذِهِ الْمَرَّةَ. لَاحَظْنَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ، رَغْمَ أَنَّهُ خِتَامُ مِحْوَرٍ كَامِلٍ، هُوَ الْأَقَلُّ امْتِلَاءً بِالْمَعْلُومَاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَالْأَفْكَارِ الْجَدَلِيَّةِ؛ بَلْ يَنْتَهِي بِمَشْهَدِ لَعِبٍ بَيْنَ سَامِرٍ وَالطِّفْلِ، لَا بِخُطْبَةٍ أَوْ حِكْمَةٍ مَكْتُوبَةٍ. أَكَانَ هَذَا مَقْصُودًا؟
الأستاذ نعمان:
كَانَ مَقْصُودًا، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ أَصْعَبِ الْقَرَارَاتِ فِي هَذَا الْمِحْوَرِ.
كُنْتُ أَشْعُرُ أَنِّي لَوْ جَعَلْتُ الطِّفْلَ يَشْرَحُ أَكْثَرَ، فَسَأَخُونُ شَخْصِيَّتَهُ وَفِكْرَتَهُ. فَالطِّفْلُ لَا يَأْتِي لِيُضِيفَ حَجَرًا جَدِيدًا إِلَى الصَّحْنِ، بَلْ لِيُذَكِّرَ سَامِرًا أَنَّ الصَّحْنَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ كُلِّ الْحِجَارَةِ. لِذَلِكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ الْفَصْلُ بِشَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ: ضَحْكَةٍ، حَرَكَةٍ بَسِيطَةٍ، لَحْظَةِ لَعِبٍ.
كُنْتُ أُرِيدُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَعِيشَ التَّجْرِبَةَ قَبْلَ أَنْ يُفَكِّرَ فِيهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَعَانِي، حِينَ نَشْرَحُهَا كَثِيرًا، تُصْبِحُ هِيَ نَفْسُهَا حَجَرًا جَدِيدًا فِي الصَّحْنِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى صُورَةِ سَامِرٍ وَهُوَ يَضْحَكُ كَمَا لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ دُخُولِهِ الْمُتْحَفَ. طِفْلٌ لَمْ يُعْطِهِ إِجَابَةً، لَكِنَّهُ أَعَادَهُ إِلَى سُؤَالٍ أَبْسَطَ: أَنَبْحَثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ بَعِيدًا، أَمْ نُحَاوِلُ فَقَطْ إِزَالَةَ مَا يَمْنَعُنَا مِنْ رُؤْيَتِهَا؟
وَهَكَذَا يُغْلَقُ الْمِحْوَرُ الرُّوحِيُّ لَا بِيَقِينٍ نِهَائِيٍّ، بَلْ بِصَفَاءٍ مُؤَقَّتٍ يُشْبِهُ سَطْحَ مَاءٍ لَمْ تُلْقَ فِيهِ الْحِجَارَةُ بَعْدُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
فَالذِّكْرَى الَّتِي نُحَاوِلُ الْعَوْدَةَ إِلَيْهَا لَيْسَتِ الْمَكَانَ نَفْسَهُ، وَلَا نَحْنُ الشَّخْصُ نَفْسُهُ الَّذِي غَادَرَهُ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَكْثَرُ مَا أَثَارَنِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ هِيرَاقْلِيطُسَ، دُونَ أَدَوَاتِ عِلْمِ الْأَعْصَابِ الْحَدِيثِ، يَقْتَرِبُ مِنْ فِكْرَةٍ نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ عَنْ طَبِيعَةِ الذَّاكِرَةِ.
فَنَحْنُ نَمِيلُ إِلَى تَخَيُّلِ الذَّاكِرَةِ كَأَنَّهَا صُنْدُوقٌ مَحْفُوظٌ نَفْتَحُ غِطَاءَهُ فَنَجِدُ الْمَاضِيَ كَمَا كَانَ. لَكِنَّ الدِّرَاسَاتِ الْحَدِيثَةَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّذَكُّرَ نَفْسَهُ فِعْلُ تَغْيِيرٍ؛ فَفِي كُلِّ مَرَّةٍ نَسْتَعِيدُ فِيهَا ذِكْرَى، تُصْبِحُ قَابِلَةً لِإِعَادَةِ التَّشَكُّلِ قَبْلَ أَنْ تُخَزَّنَ مِنْ جَدِيدٍ. وَهُنَا أَجِدُ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ الْفَصْلُ مُهِمًّا: إِنْ كَانَتْ ذَاكِرَتُنَا تَتَغَيَّرُ كُلَّمَا عُدْنَا إِلَيْهَا، أَنَحْفَظُ الْمَاضِيَ فِعْلًا؟ أَمْ إِنَّنَا نَكْتُبُ نُسْخَةً جَدِيدَةً مِنْهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
وَهُنَا تَظْهَرُ عَبْقَرِيَّةُ هِيرَاقْلِيطُسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ فَقَطْ عَنِ النَّهْرِ الْخَارِجِيِّ، بَلْ عَنْ كُلِّ مَا نَظُنُّهُ ثَابِتًا فِي دَاخِلِنَا.
فَالْفِكْرَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لَدَيْهِ لَيْسَتْ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَخْتَفِي، بَلْ أَنَّهَا تُوجَدُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ. حَتَّى الْإِنْسَانُ لَيْسَ كُتْلَةً ثَابِتَةً تَحْمِلُ اسْمًا وَاحِدًا عَبْرَ الزَّمَنِ، بَلْ حَرَكَةً مُسْتَمِرَّةً بَيْنَ مَا كَانَ وَمَا يَصِيرُ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الصِّرَاعَ عِنْدَ هِيرَاقْلِيطُسَ لَيْسَ مَرَضًا يُصِيبُ الْعَالَمَ، بَلِ الْقُوَّةَ الَّتِي تَمْنَحُهُ الْحَيَاةَ. فَالْقَوْسُ لَا يَعْمَلُ رَغْمَ التَّوَتُّرِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، بَلْ يَعْمَلُ بِسَبَبِ هَذَا التَّوَتُّرِ.
وَرُبَّمَا هَذَا مَا يُضِيفُهُ هَذَا الْبَابُ إِلَى رِحْلَةِ سَامِرٍ: أَنَّ التَّغَيُّرَ لَيْسَ عَدُوَّ الذَّاكِرَةِ، بَلْ شَرْطَ وُجُودِهَا.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
Section 4
أَوَدُّ أَنْ أُضِيفَ تَشْبِيهًا مِنْ مَجَالِي، رَغْمَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هِيرَاقْلِيطُسَ لَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ بِهَذِهِ اللُّغَةِ.
فَفِي الرِّيَاضِيَّاتِ نَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْتَفِظُ بِبِنْيَةٍ يُمْكِنُ التَّعَرُّفُ عَلَيْهَا. فَالْمَوْجَةُ لَيْسَتْ نَفْسَ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِيهَا قَبْلَ ثَانِيَةٍ، لَكِنَّهَا تَبْقَى مَوْجَةً. وَالْخَطُّ الْمُسْتَمِرُّ لَيْسَ نُقْطَةً وَاحِدَةً ثَابِتَةً، بَلْ سِلْسِلَةً لَا تَنْتَهِي مِنَ النِّقَاطِ الْمُتَغَيِّرَةِ. رُبَّمَا هُوَ السُّؤَالُ نَفْسُهُ الَّذِي تَطْرَحُهُ الرِّوَايَةُ: أَتَحْتَاجُ الْهُوِيَّةُ إِلَى ثَبَاتٍ كَامِلٍ حَتَّى تَكُونَ حَقِيقِيَّةً؟ أَمْ إِنَّ الاِسْتِمْرَارَ نَفْسَهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الثَّبَاتِ؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أَرَى أَنَّ كَلِمَةَ النَّهْرِ هُنَا لَيْسَتِ اسْتِعَارَةً عَابِرَةً فِي الرِّوَايَةِ.
فَقَدْ مَرَّ النَّهْرُ مَعَنَا سَابِقًا بِأَشْكَالٍ كَثِيرَةٍ: كَانَ ذَاكِرَةً عِنْدَ الشَّامَانِ، وَاسْتِمْرَارًا عِنْدَ الْفَتَاةِ الْهِنْدُوسِيَّةِ، وَمَكَانًا يَحْمِلُ الْفَقْدَ عِنْدَ الْأَبِ الْأَمَازُونِيِّ، وَالْآنَ يُصْبِحُ عِنْدَ هِيرَاقْلِيطُسَ صُورَةً لِلتَّغَيُّرِ. وَهَذَا مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ، لِأَنَّ الرَّمْزَ نَفْسَهُ لَا يَبْقَى ثَابِتًا أَيْضًا. حَتَّى الاِسْتِعَارَاتُ فِي الرِّوَايَةِ تَخْضَعُ لِقَانُونِ هِيرَاقْلِيطُسَ. فَالنَّهْرُ لَا يَعْنِي الشَّيْءَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ ظُهُورٍ، لَكِنَّهُ يَحْتَفِظُ بِخَيْطٍ دَاخِلِيٍّ يَرْبِطُهُ بِمَا سَبَقَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَهُنَا أَجِدُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ هِيرَاقْلِيطُسَ وَسَامِرٍ مُبَاشِرَةً.
فَمُنْذُ بِدَايَةِ الرِّوَايَةِ، كَانَ سَامِرٌ يَبْحَثُ عَنِ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ وَكَأَنَّهَا أَمَاكِنُ يُمْكِنُ الْعَوْدَةُ إِلَيْهَا. لَكِنَّ هِيرَاقْلِيطُسَ يُقَدِّمُ لَهُ احْتِمَالًا مُؤْلِمًا: رُبَّمَا الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنَّكَ لَمْ تَجِدِ الْيَوْمَ الضَّائِعَ، بَلْ أَنَّكَ تَتَخَيَّلُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُكَ كَمَا كَانَ. فَالْمَاضِي لَا يَعُودُ إِلَيْنَا؛ نَحْنُ الَّذِينَ نَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِشَخْصِيَّةٍ جَدِيدَةٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، هَذَا أَوَّلُ فَيْلَسُوفٍ يَدْخُلُ الرِّوَايَةَ بَعْدَ الْمِحْوَرِ الرُّوحِيِّ الطَّوِيلِ. أَشَعَرْتَ بِأَنَّ الاِنْتِقَالَ مِنْ أَصْوَاتِ الْإِيمَانِ إِلَى صَوْتِ الْفَلْسَفَةِ غَيَّرَ طَرِيقَةَ الْكِتَابَةِ نَفْسِهَا؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، لَكِنْ لَيْسَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ يَتَوَقَّعُهَا الْبَعْضُ.
فَفِي الْمِحْوَرِ الرُّوحِيِّ كُنْتُ أَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّةٍ خَاصَّةٍ تِجَاهَ تَجَارِبَ يُؤْمِنُ بِهَا مَلَايِينُ الْبَشَرِ، لِذَلِكَ كُنْتُ حَذِرًا مِنْ أَنْ أَخْتَزِلَهَا أَوْ أُحَاكِمَهَا. أَمَّا مَعَ الْفَلْسَفَةِ، فَقَدْ شَعَرْتُ بِمَسَاحَةٍ أَكْبَرَ لِلسُّؤَالِ وَالاِعْتِرَاضِ. لَكِنَّ التَّحَدِّيَ الْحَقِيقِيَّ كَانَ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ أُرِدْ أَنْ تَظْهَرَ الْفَلْسَفَةُ وَكَأَنَّهَا جَاءَتْ لِتُصَحِّحَ الدِّينَ أَوْ تَنْقُضَهُ. هَذَا لَمْ يَكُنْ هَدَفِي. كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ صَوْتٍ طَرِيقَتُهُ فِي الاِقْتِرَابِ مِنَ الْمَجْهُولِ.
فَالرُّوحُ تَسْأَلُ: كَيْفَ أَعِيشُ؟ وَالْفَلْسَفَةُ تَسْأَلُ: كَيْفَ أَعْرِفُ؟ وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى السُّؤَالَيْنِ مَعًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى صَوْتِ النَّهْرِ. لَيْسَ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْإِجَابَةَ، بَلْ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْإِجَابَاتِ نَفْسَهَا تَتَغَيَّرُ.
فَالْمَاءُ الَّذِي لَمَسَتْهُ يَدُ سَامِرٍ قَبْلَ لَحْظَةٍ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَخْتَفِ؛ لَقَدْ صَارَ جُزْءًا مِنْ جَرَيَانٍ أَكْبَرَ. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ: لَا يَبْقَى لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ، بَلْ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ خَيْطَهُ الدَّاخِلِيَّ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
لَا أَظُنُّ أَنَّ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ: مَا الرِّوَاقِيَّةُ؟ بَلْ: مَتَى تُصْبِحُ الرِّوَاقِيَّةُ صَادِقَةً؟
فَالرِّوَايَةُ تَضَعُنَا أَمَامَ امْرَأَةٍ عَاشَتْ مَا يَقُولُهُ إِبِكْتِيتُوسُ، لَا أَمَامَ شَارِحَةٍ لِفَلْسَفَتِهِ. وَلِهَذَا لَفَتَتْنِي عِبَارَتُهَا الْأَخِيرَةُ: الْفَيْلَسُوفُ الَّذِي يَشْرَحُ الْحُرِّيَّةَ مِنْ كُرْسِيٍّ مُرِيحٍ لَا يَشْرَحُ الْحُرِّيَّةَ نَفْسَهَا الَّتِي يَتَعَلَّمُهَا الْأَسِيرُ. هَذِهِ لَيْسَتْ مُلَاحَظَةً اجْتِمَاعِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ نَقْدٌ لِلرِّوَاقِيَّةِ حِينَ تَتَحَوَّلُ مِنْ خِبْرَةٍ وُجُودِيَّةٍ إِلَى مَادَّةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَتَّفِقُ مَعَكَ، لَكِنِّي أَتَحَفَّظُ عَلَى شَيْءٍ. فَالتَّجْرِبَةُ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي دَائِمًا لِإِنْتَاجِ الْحِكْمَةِ.
نَحْنُ نَعْرِفُ فِي الطِّبِّ النَّفْسِيِّ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْرُجُونَ مِنَ الصَّدْمَةِ أَكْثَرَ نُضْجًا، بَيْنَمَا يَخْرُجُ آخَرُونَ أَكْثَرَ انْكِسَارًا أَوْ قَسْوَةً. لِذَلِكَ لَا أَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَمْلِكُ سُلْطَةَ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهَا تَأَلَّمَتْ، بَلْ لِأَنَّهَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُحَوِّلَ الْأَلَمَ إِلَى وَعْيٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَبِيرٌ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا التَّحَفُّظَ يَحْمِي النَّصَّ مِنْ رُومَانْسِيَّةِ الْأَلَمِ. فَلَيْسَتِ الْمُعَانَاةُ فَضِيلَةً فِي ذَاتِهَا، لَكِنَّهَا قَدْ تُصْبِحُ مَدْرَسَةً إِذَا لَمْ تُحَوِّلِ الْإِنْسَانَ إِلَى أَسِيرٍ لَهَا.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أُرِيدُ إِضَافَةَ سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ يَزِيدُ هَذَا الْحِوَارَ عُمْقًا.
فَكَثِيرُونَ يَتَصَوَّرُونَ الرِّوَاقِيَّةَ فَلْسَفَةَ النُّخْبَةِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ مُخْتَلِفٌ؛ فَقَدْ تَبَنَّاهَا عَبْدٌ مِثْلُ إِبِكْتِيتُوسَ، كَمَا تَبَنَّاهَا إِمْبَرَاطُورٌ مِثْلُ مَارْكُوسَ أُورِيلْيُوسَ. وَهَذَا الاِنْتِشَارُ بَيْنَ طَرَفَيِ السُّلَّمِ الاِجْتِمَاعِيِّ يَطْرَحُ سُؤَالًا: أَكَانَتِ الرِّوَاقِيَّةُ فَلْسَفَةَ الْحُرِّيَّةِ، أَمْ فَلْسَفَةَ التَّكَيُّفِ مَعَ وَاقِعٍ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ؟
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
لَفَتَتْنِي كَلِمَةُ السَّيْطَرَةِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ فِي الْفَصْلِ.
رِيَاضِيًّا، تُشْبِهُ تَقْسِيمَ مَجْمُوعَةٍ كَبِيرَةٍ إِلَى مَجْمُوعَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ: مَا يَقَعُ ضِمْنَ فَضَاءِ الْقَرَارِ، وَمَا يَقَعُ خَارِجَهُ. لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُعْطِينَا هَذَا الْفَصْلَ بِوُضُوحٍ دَائِمًا؛ فَكَثِيرٌ مِنَ الْمَوَاقِفِ تَقَعُ فِي مِنْطَقَةٍ رَمَادِيَّةٍ. لِذَلِكَ أَتَسَاءَلُ: أَلَا تُخَاطِرُ الرِّوَاقِيَّةُ بِتَبْسِيطِ وَاقِعٍ أَعْقَدَ مِنْ أَنْ يُقَسَّمَ إِلَى صُنْدُوقَيْنِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
اعْتِرَاضٌ مُهِمٌّ. وَأَظُنُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ يَقِينٍ رِيَاضِيٍّ، بَلْ عَنْ تَمْرِينٍ أَخْلَاقِيٍّ. فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: أَأَعْرِفُ دَائِمًا مَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ؟ بَلْ: أَأَبْدَأُ بِالْبَحْثِ عَمَّا أَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ بَدَلَ الاِسْتِسْلَامِ لِمَا لَا أَسْتَطِيعُ؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
شَدَّنِي أَمْرٌ لُغَوِيٌّ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ بَعْدُ. فَالْمَرْأَةُ لَا تَسْتَخْدِمُ لَفْظَتَيِ الْحُرِّيَّةِ بِالْمَعْنَى نَفْسِهِ.
Section 5
فَالْأُولَى تَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَالثَّانِيَةُ تَعْنِي اسْتِقْلَالَ الْإِرَادَةِ عَنِ الْإِكْرَاهِ. فَالْكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّ دَلَالَتَهَا تَتَغَيَّرُ دَاخِلَ الْحِوَارِ نَفْسِهِ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا مَقْصُودٌ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ إِنَّنَا كَثِيرًا مَا نَخْلِطُ بَيْنَ فُقْدَانِ الْحُرِّيَّةِ الْخَارِجِيَّةِ وَفُقْدَانِ الْحُرِّيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَةَ قَدْ تَبْقَى قَائِمَةً حَتَّى حِينَ تَنْهَارُ الْأُولَى.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُمَثِّلُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي بِنْيَةِ الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا.
فَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَا يُغَادِرُ سَامِرٌ الْبَابَ وَهُوَ يَحْمِلُ فِكْرَةً فَقَطْ، بَلْ يَحْمِلُ عَادَةً يَوْمِيَّةً: سُؤَالَ الصَّبَاحِ الَّذِي تَقْتَرِحُهُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ. فَطَوَالَ وَاحِدٍ وَثَلَاثِينَ بَابًا كَانَتِ الشَّخْصِيَّاتُ تُوَسِّعُ رُؤْيَتَهُ لِلْعَالَمِ، أَمَّا هُنَا فَهِيَ تُغَيِّرُ طَرِيقَتَهُ فِي الْعَيْشِ. وَهَذَا انْتِقَالٌ مُهِمٌّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ إِلَى الْمُمَارَسَةِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، لَفَتَنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ، مِثْلَ الْجُنْدِيِّ الْفَارِسِيِّ وَالْمُبَشِّرِ الْجَاهِلِ، بِلَا اسْمٍ. لَكِنَّ غِيَابَ الاِسْمِ هُنَا يَبْدُو مُخْتَلِفًا؛ فَهِيَ لَيْسَتْ ضَحِيَّةَ النِّسْيَانِ وَلَا صَاحِبَةَ خَطِيئَةٍ، بَلْ صَاحِبَةَ حِكْمَةٍ. لِمَ بَقِيَتْ مَجْهُولَةً؟
الأستاذ نعمان:
لَعَلَّ السَّبَبَ أَنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ تُقْرَأَ بِوَصْفِهَا اسْتِثْنَاءً تَارِيخِيًّا.
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُمَثِّلَ آلَافَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يُدَوِّنِ التَّارِيخُ أَسْمَاءَهُنَّ، لَكِنَّهُنَّ عِشْنَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الصَّامِتَةِ فِي حَيَاتِهِنَّ الْيَوْمِيَّةِ. فَالاِسْمُ كَانَ سَيَقُودُ الْقَارِئَ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، بَيْنَمَا كُنْتُ أُرِيدُهُ أَنْ يَرَى وُجُوهًا كَثِيرَةً فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
رُبَّمَا لِهَذَا بَدَا الْقَيْدُ فِي مِعْصَمِهَا أَوْسَعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَيْدَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَقَدْ حَمَلَ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، تَارِيخًا كَامِلًا مِنَ الْقُيُودِ الَّتِي اسْتَطَاعَتْ بَعْضُ الْأَرْوَاحِ أَنْ تَعِيشَ فَوْقَهَا دُونَ أَنْ تُنْكِرَ وُجُودَهَا.
نَتَوَقَفُ عَلَى صُورَةِ كِتَابَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فَوْقَ الْبَابِ التَّالِي؛ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَالْآخَرُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَكَأَنَّ الْمُتْحَفَ نَفْسَهُ يُهَيِّئُنَا لِلِقَاءِ رَجُلٍ جَعَلَ عُمْرَهُ كُلَّهُ جِسْرًا بَيْنَ عَالَمَيْنِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
قُرْطُبَةُ، أَوَاخِرُ الْقَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ. قَاضٍ وَطَبِيبٌ وَفَيْلَسُوفٌ يَكْتُبُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَفْكَارَهُ قَدْ تُحَارَبُ فِي زَمَنِهِ أَكْثَرَ مِمَّا تُفْهَمُ. فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ رُشْدٍ عَنِ الذَّاكِرَةِ وَحْدَهَا، بَلْ عَنِ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا: أَتَنْتَمِي إِلَى الْفَرْدِ، أَمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ يُشَارِكُ فِي عَقْلٍ أَوْسَعَ مِنْهُ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَوَّلُ مَا يَلْفِتُنِي هُوَ دِقَّةُ الْإِطَارِ التَّارِيخِيِّ. فَالرِّوَايَةُ لَا تُقَدِّمُ ابْنَ رُشْدٍ بِوَصْفِهِ رَمْزًا مُجَرَّدًا، بَلْ تَضَعُهُ فِي لَحْظَةٍ كَانَ فِيهَا قَدْ فَقَدَ كَثِيرًا مِنْ مَكَانَتِهِ السِّيَاسِيَّةِ، وَتَعَرَّضَتْ بَعْضُ مُؤَلَّفَاتِهِ لِلْإِحْرَاقِ وَالْمَنْعِ.
لَكِنِّي أَوَدُّ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا عَلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٌ: كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقْرَؤُونَ سِيرَةَ ابْنِ رُشْدٍ بِاعْتِبَارِهَا صِرَاعًا بَيْنَ الْعَقْلِ وَالدِّينِ. أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا تَبْسِيطٌ لَا يُنْصِفُ تَعْقِيدَ عَصْرِهِ وَلَا تَعْقِيدَ الرَّجُلِ نَفْسِهِ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أُوَافِقُ تَمَامًا. وَهَذِهِ إِحْدَى النِّقَاطِ الَّتِي أَعْجَبَتْنِي فِي الْفَصْلِ؛ فَهُوَ لَا يُصَوِّرُ ابْنَ رُشْدٍ مُتَمَرِّدًا عَلَى الدِّينِ، وَلَا تَابِعًا لَهُ، بَلْ بَاحِثًا عَنْ طَرِيقَةٍ يَلْتَقِي فِيهَا الْوَحْيَانِ: وَحْيُ النَّصِّ، وَوَحْيُ الْعَقْلِ.
أَمَّا فِكْرَةُ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا الْحِوَارُ، فَهِيَ مِنْ أَفْكَارِهِ الْفَلْسَفِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ، وَمَا تَزَالُ تَخْضَعُ لِقِرَاءَاتٍ وَتَفْسِيرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ الدَّارِسِينَ حَتَّى الْيَوْمِ. لِذَلِكَ أُقَدِّرُ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُقَدِّمُهَا كَحَقِيقَةٍ نِهَائِيَّةٍ، بَلْ كَنَافِذَةٍ يَتَأَمَّلُ مِنْهَا سَامِرٌ مَعْنَى أَنْ تَتَجَاوَزَ الْمَعْرِفَةُ حُدُودَ الْفَرْدِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
لَفَتَنِي الْمِثَالُ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنِ اكْتِشَافِ شَخْصَيْنِ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. وَهَذَا يُذَكِّرُ مُبَاشَرَةً بِتَارِيخِ الرِّيَاضِيَّاتِ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ الاِكْتِشَافَاتِ ظَهَرَتْ بِصُورَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ.
لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ الدُّكْتُورَ بَاسِلٌ: أَيَدُلُّ هَذَا فِعْلًا عَلَى وُجُودِ عَقْلٍ مُشْتَرَكٍ، أَمْ يَكْفِي أَنْ نَقُولَ إِنَّ الْعُقُولَ الْبَشَرِيَّةَ، إِذَا وَاجَهَتِ الشُّرُوطَ نَفْسَهَا، قَدْ تَصِلُ إِلَى النَّتَائِجِ نَفْسِهَا؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
وَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يَجْعَلُ ابْنَ رُشْدٍ حَيًّا حَتَّى الْيَوْمِ. فَالْفَيْلَسُوفُ لَا يَمْلِكُ تَجْرِبَةً مِخْبَرِيَّةً لِيُثْبِتَ فَرَضِيَّتَهُ، لَكِنَّهُ يَدْعُونَا إِلَى التَّفْكِيرِ فِي احْتِمَالِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ، بَلْ أُفُقًا يَلْتَقِي فِيهِ الْبَاحِثُونَ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَالرِّوَايَةُ، فِي رَأْيِي، لَا تَطْلُبُ مِنَّا الْإِيمَانَ بِهَذَا الاِحْتِمَالِ، بَلِ التَّأَمُّلَ فِيهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مَا شَدَّنِي أَكْثَرَ لَيْسَ الْجَانِبَ الْمِيتَافِيزِيقِيَّ، بَلِ النَّصِيحَةَ الْعَمَلِيَّةَ الَّتِي يُقَدِّمُهَا لِسَامِرٍ. فَحِينَ يَعْجِزُ عَنِ اسْتِعَادَةِ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ، لَا يُطَالِبُهُ بِالاِنْغِلَاقِ دَاخِلَ ذَاكِرَتِهِ، بَلْ بِالْبَحْثِ فِي ذَاكِرَةِ الْآخَرِينَ أَيْضًا.
وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْمُمَارَسَةِ السَّرِيرِيَّةِ؛ فَالذِّكْرَيَاتُ الْمُعَقَّدَةُ لَا تُعَادُ بِنَاؤُهَا مِنَ الدَّاخِلِ فَقَطْ، بَلْ مِنَ الْوَثَائِقِ، وَالشُّهُودِ، وَالصُّوَرِ، وَالْعَلَاقَاتِ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَقُولُ إِنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ عُضْوًا فِي الدِّمَاغِ فَحَسْبُ، بَلْ شَبَكَةً تَمْتَدُّ خَارِجَ الْإِنْسَانِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
اسْتَوْقَفَتْنِي كَلِمَةُ الاِتِّصَالِ. فَابْنُ رُشْدٍ لَا يَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَمْتَلِكُ الْحَقِيقَةَ، بَلْ إِنَّهُ يَتَّصِلُ بِهَا. وَالْفَرْقُ الدَّلَالِيُّ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ كَبِيرٌ؛ فَالتَّمَلُّكُ يُوحِي بِالسَّيْطَرَةِ، أَمَّا الاِتِّصَالُ فَيُوحِي بِالْمُشَارَكَةِ. وَرُبَّمَا لِهَذَا تَتَكَرَّرُ فِي الرِّوَايَةِ اسْتِعَارَاتُ الْجِسْرِ، وَالْقَنَاةِ، وَالنَّهْرِ، وَالشَّبَكَةِ؛ فَكُلُّهَا تَصِفُ الْمَعْرِفَةَ بِوَصْفِهَا عَلَاقَةً، لَا مِلْكِيَّةً.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَأَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُؤَدِّي وَظِيفَةً بِنْيَوِيَّةً مُهِمَّةً دَاخِلَ الرِّوَايَةِ.
فَبَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَ سَامِرٌ، فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ، أَنْ يُصْغِيَ إِلَى أَصْوَاتِ الْبَشَرِ الْمُخْتَلِفَةِ، يَأْتِي ابْنُ رُشْدٍ لِيَقْتَرِحَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا قَدْ تَكُونُ ثَمَرَةَ هَذَا الْحِوَارِ، لَا نَتِيجَةَ صَوْتٍ مُنْفَرِدٍ. وَكَأَنَّ الْمُتْحَفَ كُلَّهُ يَتَحَوَّلُ هُنَا مِنْ قَاعَاتٍ مُتَجَاوِرَةٍ إِلَى عَقْلٍ وَاحِدٍ يَتَشَكَّلُ مِنْ تَعَدُّدِ أَصْوَاتِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، لَفَتَنِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ يَقُولُ لِسَامِرٍ: “اُكْتُبْ، فَالْأَفْكَارُ الصَّادِقَةُ تَعْرِفُ طُرُقًا لَا يَعْرِفُهَا أَصْحَابُهَا.” أَوَجَدْتَ نَفْسَكَ، وَأَنْتَ تَعْمَلُ عَلَى تَرْجَمَةِ أَعْمَالِكَ إِلَى لُغَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَقْرَبَ إِلَى هَذَا الْإِيمَانِ؟
Section 6
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، وَرُبَّمَا أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أَتَصَوَّرُ حِينَ بَدَأْتُ الْكِتَابَةَ.
فَفِي كُلِّ مَرَّةٍ أُرَاجِعُ فِيهَا تَرْجَمَةً لِإِحْدَى رِوَايَاتِي أَشْعُرُ أَنَّ النَّصَّ يُغَادِرُ شَيْئًا مِنْ لُغَتِهِ، لَكِنَّهُ يَكْتَسِبُ حَيَاةً أُخْرَى لَمْ أُخَطِّطْ لَهَا. لَمْ أَعُدْ أُؤْمِنُ بِأَنَّ الْكَاتِبَ يَمْلِكُ مَصِيرَ أَفْكَارِهِ بَعْدَ أَنْ يَكْتُبَهَا؛ أَقْصَى مَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ أَنْ يَكْتُبَهَا بِأَمَانَةٍ، ثُمَّ يَتْرُكَهَا تَجِدُ قُرَّاءَهَا بِطُرُقٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْسُمَهَا مُسْبَقًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لَعَلَّ هَذَا مَا يَجْعَلُ بَابَ ابْنِ رُشْدٍ يَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ مِحْوَرِ الْفَلْسَفَةِ؛ فَهُوَ لَا يُدَافِعُ عَنْ عَقْلِ فَرْدٍ، بَلْ عَنْ رِحْلَةِ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا وَهِيَ تَعْبُرُ مِنْ عَقْلٍ إِلَى آخَرَ، وَمِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَمِنْ عَصْرٍ إِلَى عَصْرٍ.
نَتَوَقَفُ عَلَى نَقْشِ عَيْنٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ الْبَابِ التَّالِي، وَعَلَى سُؤَالٍ بَدَا بَسِيطًا حِينَ طُرِحَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، لَكِنَّهُ غَيَّرَ تَارِيخَ الْفَلْسَفَةِ الْغَرْبِيَّةِ كُلَّهُ: “مَا الَّذِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَيَقَّنَ مِنْهُ حَقًّا؟”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هُولَنْدَا، سَنَةَ أَلْفٍ وَسِتِّمِئَةٍ وَوَاحِدٍ وَأَرْبَعِينَ لِلْمِيلَادِ. أَمَامَ سَامِرٍ يَقِفُ رِينِيهْ دِيكَارْتُ، الْفَيْلَسُوفُ الَّذِي بَدَأَ مَشْرُوعَهُ بِالشَّكِّ لِيَبْحَثَ عَنْ يَقِينٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ تَدْفَعُهُ إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ لَمْ يَطْرَحْهُ فِي كِتَابَاتِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ: مَاذَا يَحْدُثُ لِلْكُوجِيتُو حِينَ تَتَصَدَّعُ الذَّاكِرَةُ؟ وَأَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْقِدَ جُزْءًا مِنْ مَاضِيهِ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ نَفْسَهُ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ نَجَحَ فِي الْتِقَاطِ نُقْطَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ دَقِيقَةٍ لِلْغَايَةِ.
فَفِي صِيَاغَةِ الْكُوجِيتُو عِنْدَ دِيكَارْتَ، يَرْتَبِطُ الْيَقِينُ الْأَوَّلُ بِوُجُودِ الذَّاتِ فِي لَحْظَةِ التَّفْكِيرِ. أَمَّا الذَّاكِرَةُ فَهِيَ شَهَادَةٌ عَنِ الْمَاضِي، وَلَيْسَتْ مُعْطًى حَاضِرًا بِالدَّرَجَةِ نَفْسِهَا مِنَ الْيَقِينِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ سُؤَالَ سَامِرٍ لَا يَهْدِمُ الْكُوجِيتُو، بَلْ يَكْشِفُ حُدُودَهُ.
مَا يُعْجِبُنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُحَاوِلُ تَصْحِيحَ دِيكَارْتَ، بَلْ تُوَسِّعُ دَائِرَةَ سُؤَالِهِ: إِذَا كَانَ التَّفْكِيرُ يُثْبِتُ وُجُودِي الْآنَ، فَمَنِ الَّذِي يَرْبِطُ هَذَا الـ”أَنَا” الْحَاضِرَ بِذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي كُنْتُهُ قَبْلَ خَمْسِينَ عَامًا؟ هُنَا تَبْدَأُ مُشْكِلَةُ الْهُوِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي سَيَجْعَلُهَا هِيُومُ وَلُوكُ لَاحِقًا مِحْوَرًا مُسْتَقِلًّا لِلْفَلْسَفَةِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الطِّبِّيَّةِ، هَذَا التَّمْيِيزُ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ أَيْضًا.
فَفِي الْعِيَادَةِ لَا نَفْتَرِضُ أَنَّ فُقْدَانَ ذِكْرَى مُحَدَّدَةٍ يَعْنِي انْهِيَارَ الْهُوِيَّةِ كُلِّهَا. فَمَرْضَى فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ الْجُزْئِيِّ يَسْتَطِيعُونَ الاِحْتِفَاظَ بِشَخْصِيَّاتِهِمْ وَقِيَمِهِمْ وَطَرِيقَةِ تَعَامُلِهِمْ مَعَ الْعَالَمِ رَغْمَ ضَيَاعِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ.
لِذَلِكَ أَعْجَبَتْنِي نَصِيحَةُ دِيكَارْتَ فِي نِهَايَةِ الْفَصْلِ: لَا تَجْعَلْ فَجْوَةً وَاحِدَةً تُحَوِّلُ حَيَاتَكَ كُلَّهَا إِلَى مَوْضِعِ شَكٍّ. فَهَذِهِ لَيْسَتْ نَصِيحَةً فَلْسَفِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ أَيْضًا مِنْ أَكْثَرِ الْمَبَادِئِ الْعِلَاجِيَّةِ تَوَازُنًا فِي التَّعَامُلِ مَعَ اضْطِرَابَاتِ الذَّاكِرَةِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
شَدَّنِي فِي هَذَا الْفَصْلِ الْمَنْهَجُ أَكْثَرَ مِنَ النَّتِيجَةِ.
فَدِيكَارْتُ لَا يَبْدَأُ بِبِنَاءِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ الشَّكُّ فِيهِ، وَبِطَرِيقَةٍ تُذَكِّرُ بِمَنْهَجِ التَّحَقُّقِ الْخُطْوِيِّ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ الرِّيَاضِيُّ عِنْدَ اخْتِبَارِ صَلَاحِيَّةِ بُرْهَانِهِ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ تُضِيفُ شَيْئًا آخَرَ: فَفِي الرِّيَاضِيَّاتِ قَدْ يَكُونُ الْبُرْهَانُ كَامِلًا، أَمَّا فِي الْحَيَاةِ فَالْبُرْهَانُ يَظَلُّ نَاقِصًا دَائِمًا لِأَنَّ بَعْضَ الْمُعْطَيَاتِ مَفْقُودَةٌ. وَكَأَنَّ النَّصَّ يَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ دَاخِلَ مَنْظُومَةٍ مُغْلَقَةٍ مِنَ الْمُسَلَّمَاتِ، بَلْ دَاخِلَ نِظَامٍ يُضْطَرُّ أَحْيَانًا لِاتِّخَاذِ قَرَارَاتٍ قَبْلَ اكْتِمَالِ الْبُرْهَانِ.
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ (الْفَلَكُ):
أَثَارَنِي اسْتِخْدَامُ دِيكَارْتَ لِمَجَازِ الْيَقِينِ بِوَصْفِهِ نُقْطَةً ثَابِتَةً.
فَفِي عِلْمِ الْفَلَكِ نَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى إِطَارٍ مَرْجِعِيٍّ نَقِيسُ إِلَيْهِ الْحَرَكَةَ. فَإِذَا فَقَدْنَا نُقْطَةَ الْمَرْجِعِ اخْتَلَطَتْ عَلَيْنَا الاِتِّجَاهَاتُ كُلُّهَا. وَالْكُوجِيتُو يُؤَدِّي الدَّوْرَ نَفْسَهُ فَلْسَفِيًّا؛ فَهُوَ لَيْسَ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا، بَلْ نُقْطَةَ الْإِسْنَادِ الْأُولَى الَّتِي يَبْدَأُ مِنْهَا الْقِيَاسُ.
أَمَّا الذَّاكِرَةُ، فَهِيَ أَشْبَهُ بِخَرِيطَةِ السَّمَاءِ؛ قَدْ تَغِيبُ بَعْضُ النُّجُومِ خَلْفَ السُّحُبِ، لَكِنَّ السَّمَاءَ نَفْسَهَا لَا تَخْتَفِي.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
يَلْفِتُنِي هُنَا التَّحَوُّلُ الدَّلَالِيُّ بَيْنَ فِعْلَيْنِ يَتَكَرَّرَانِ فِي الْحِوَارِ: “أُفَكِّرُ” وَ”أَتَذَكَّرُ”.
فَالتَّفْكِيرُ فِعْلٌ حَاضِرٌ، أَمَّا التَّذَكُّرُ فَهُوَ إِعَادَةُ بِنَاءٍ لِمَعْنًى مَضَى. وَلِذَلِكَ لَا يَقُولُ النَّصُّ إِنَّ الذَّاكِرَةَ تَنْقُلُ الْمَاضِيَ كَمَا هُوَ، بَلْ إِنَّهَا تُعِيدُ إِنْتَاجَ مَعْنَاهُ فِي الْحَاضِرِ. وَهَذَا يَجْعَلُ سُؤَالَ سَامِرٍ أَعْمَقَ مِمَّا يَبْدُو: أَأَتَذَكَّرُ الْمَاضِيَ فِعْلًا، أَمْ أَتَذَكَّرُ آخِرَ تَفْسِيرٍ صَنَعْتُهُ لَهُ؟ هُنَا تُصْبِحُ اللُّغَةُ نَفْسُهَا جُزْءًا مِنْ عَمَلِيَّةِ تَشْكِيلِ الْهُوِيَّةِ، لَا مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِوَصْفِهَا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ أَجْمَلَ مَا فَعَلَهُ الْكَاتِبُ هُوَ تَحْوِيلُ أَشْهَرِ عِبَارَةٍ فِي الْفَلْسَفَةِ الْغَرْبِيَّةِ إِلَى سُؤَالٍ رِوَائِيٍّ.
فَمُعْظَمُ الْكُتُبِ تَشْرَحُ الْكُوجِيتُو، أَمَّا الرِّوَايَةُ فَقَدْ وَضَعَتْ أَمَامَهُ إِنْسَانًا يَحْمِلُ يَوْمًا مَفْقُودًا مِنْ حَيَاتِهِ، وَسَأَلَتْهُ: أَيَكْفِي التَّفْكِيرُ وَحْدَهُ لِيَحْفَظَ هُوِيَّةَ هَذَا الْإِنْسَانِ؟ هُنَا يَنْتَقِلُ دِيكَارْتُ مِنْ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلدِّرَاسَةِ إِلَى شَخْصِيَّةٍ رِوَائِيَّةٍ تُجْبَرُ عَلَى إِعَادَةِ اخْتِبَارِ أَفْكَارِهَا أَمَامَ تَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ لَمْ يَعِشْهَا بِنَفْسِهِ. وَهَذِهِ إِحْدَى أَجْمَلِ وَظَائِفِ الْأَدَبِ؛ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِشَرْحِ الْفَلْسَفَةِ، بَلْ يَضَعُهَا فِي امْتِحَانِ الْحَيَاةِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… دِيكَارْتُ فِي هَذَا الْفَصْلِ يَبْدُو أَكْثَرَ دِفْئًا وَأَقَلَّ صَرَامَةً مِمَّا اعْتَدْنَاهُ فِي كُتُبِ تَارِيخِ الْفَلْسَفَةِ. لَمْ نَقْرَأِ الْفَيْلَسُوفَ الْمُؤَسِّسَ فَحَسْبُ، بَلْ قَرَأْنَا إِنْسَانًا يُحَاوِلُ أَنْ يُطَمْئِنَ رَجُلًا خَائِفًا مِنْ فُقْدَانِ نَفْسِهِ. أَكَانَ هَذَا التَّحَوُّلُ مَقْصُودًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، كَانَ مَقْصُودًا إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ.
كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَتَحَوَّلَ دِيكَارْتُ إِلَى أُسْتَاذٍ جَامِعِيٍّ يَشْرَحُ نَظَرِيَّتَهُ، بَيْنَمَا الرِّوَايَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْمُحَاضَرَاتِ. أَرَدْتُهُ أَنْ يَبْقَى فَيْلَسُوفًا، لَكِنْ فَيْلَسُوفًا يُوَاجِهُ إِنْسَانًا مُتَأَلِّمًا، لَا طَالِبًا يَسْتَعِدُّ لِامْتِحَانٍ. كُنْتُ أُؤْمِنُ أَنَّ الْفَلْسَفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَظْهَرُ حِينَ تُلْقَى عَلَى الْمَنَابِرِ، بَلْ حِينَ تَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ إِنْسَانٍ يَسْأَلُ: مَاذَا بَقِيَ مِنِّي إِذَا خَانَتْنِي ذَاكِرَتِي؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
Section 7
نَتَوَقَفُ ، وَعَلَى الْبَابِ التَّالِي نَقْشٌ لَا يَحْمِلُ سُؤَالًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ تَحَدِّيًا: “لَوْ خُيِّرْتَ أَنْ تَعِيشَ حَيَاتَكَ نَفْسَهَا، بِكُلِّ أَفْرَاحِهَا وَآلَامِهَا، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إِلَى الْأَبَدِ… أَفَسَتَقْبَلُ؟”
هُنَاكَ يَنْتَظِرُ نِيتْشَهْ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
تُورِينُو، سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَثَمَانِينَ. يَقِفُ سَامِرٌ أَمَامَ فْرِيدْرِيك نِيتْشَهْ، فَيْلَسُوفِ الْمِطْرَقَةِ، فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي سَبَقَتِ انْهِيَارَهُ الْعَقْلِيَّ. لَكِنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُهُ بِإِعْلَانٍ فَلْسَفِيٍّ، بَلْ بِسُؤَالٍ يَكَادُ يَكُونُ امْتِحَانًا لِلْحَيَاةِ نَفْسِهَا: “لَوْ خُيِّرْتَ أَنْ تَعِيشَ حَيَاتَكَ كَمَا هِيَ، بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إِلَى الْأَبَدِ… أَفَسَتَقُولُ نَعَمْ؟”
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَحْسَبُ أَنَّ الرِّوَايَةَ كَانَتْ دَقِيقَةً فِي تَجَنُّبِ سُوءِ الْفَهْمِ الشَّائِعِ لِفِكْرَةِ الْعَوْدِ الْأَبَدِيِّ.
فَنِيتْشَهْ لَا يُطَالِبُ الْقَارِئَ بِالْإِيمَانِ بِدَوْرَةٍ كَوْنِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، وَإِنَّمَا يَضَعُهُ أَمَامَ تَجْرِبَةٍ فِكْرِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ. فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: أَسَيَحْدُثُ التَّكْرَارُ فِعْلًا؟ بَلْ: أَعِشْتَ حَيَاتَكَ بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُكَ تَقْبَلُ تَكْرَارَهَا لَوْ حَدَثَ؟ وَلِهَذَا لَا يَقِيسُ نِيتْشَهْ الْإِنْسَانَ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ بِمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَمِلَهُ مِنْ حَيَاتِهِ نَفْسِهَا. إِنَّهَا، فِي رَأْيِي، أَكْثَرُ أَفْكَارِهِ امْتِحَانًا لِلصِّدْقِ الْوُجُودِيِّ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
شَدَّنِي فِي الْفَصْلِ جَانِبٌ آخَرُ.
فَنِيتْشَهْ لَا يُخْفِي أَلَمَهُ الْجَسَدِيَّ وَلَا وَحْدَتَهُ النَّفْسِيَّةَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْمَحُ لِلْأَلَمِ بِأَنْ يَحْتَكِرَ تَعْرِيفَ حَيَاتِهِ كُلِّهَا. وَمِنْ مَنْظُورِ عِلْمِ النَّفْسِ السَّرِيرِيِّ، هَذَا يَقْتَرِبُ مِمَّا نُسَمِّيهِ الْيَوْمَ الْقُدْرَةَ عَلَى بِنَاءِ مَعْنًى لِلْحَيَاةِ رَغْمَ اسْتِمْرَارِ الْمُعَانَاةِ، لَا بَعْدَ انْتِهَائِهَا. وَلِذَلِكَ لَمْ أَقْرَأِ الْفَصْلَ بِوَصْفِهِ دَعْوَةً إِلَى التَّفَاؤُلِ، بَلْ بِوَصْفِهِ مُقَاوَمَةً لِهَيْمَنَةِ الْأَلَمِ عَلَى هُوِيَّةِ الْإِنْسَانِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
أَعْجَبَنِي الْبِنَاءُ الْمَنْطِقِيُّ لِلسُّؤَالِ.
فَرِيَاضِيًّا، فَرَضِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ اخْتِبَارُهَا تَجْرِيبِيًّا لَا تُنْتِجُ مَعْرِفَةً مُبَاشِرَةً. لَكِنَّ نِيتْشَهْ يُحَوِّلُهَا إِلَى مِعْيَارِ قَرَارٍ؛ إِنَّهُ يَسْتَخْدِمُ فَرَضِيَّةً مُسْتَحِيلَةَ الْبُرْهَنَةِ لِيَخْتَبِرَ سُلُوكًا يُمْكِنُ مُلَاحَظَتُهُ الْيَوْمَ. وَكَأَنَّ السُّؤَالَ الرِّيَاضِيَّ يَتَحَوَّلُ فَجْأَةً إِلَى بُوصَلَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ. وَهَذِهِ قَفْزَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ ذَكِيَّةٌ لِلْغَايَةِ.
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ (الْفَلَكُ):
أَثَارَ اهْتِمَامِي أَنَّ الرِّوَايَةَ تَضَعُ فِكْرَةَ الْعَوْدِ الْأَبَدِيِّ فِي مُقَابِلِ الزَّمَنِ الَّذِي عَرَفْنَاهُ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ.
فَفِي الْفَلَكِ نُفَرِّقُ بَيْنَ الزَّمَنِ الْفِيزْيَائِيِّ وَالزَّمَنِ الَّذِي يَعِيشُهُ الْإِنْسَانُ. فَالْكَوْنُ يَعْرِفُ دَوْرَاتٍ كَثِيرَةً؛ دَوَرَانَ الْأَرْضِ، وَتَعَاقُبَ الْفُصُولِ، وَدَوْرَاتِ النُّجُومِ وَالْمَجَرَّاتِ. لَكِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ لَا تَعُودُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا. لِذَلِكَ فَإِنَّ نِيتْشَهْ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ دَوَرَانِ الْكَوْنِ، بَلْ عَنْ دَوَرَانِ السُّؤَالِ دَاخِلَ الْإِنْسَانِ. فَالزَّمَنُ هُنَا لَيْسَ حَرَكَةَ الْكَوَاكِبِ، بَلْ حَرَكَةَ الضَّمِيرِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
لَفَتَ انْتِبَاهِي تَكْرَارُ كَلِمَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا فِي الْحِوَارِ: “نَعَمْ”.
فَفِي ظَاهِرِهَا كَلِمَةُ جَوَابٍ. لَكِنَّهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَوْقِفٍ وُجُودِيٍّ كَامِلٍ. فَـ”نَعَمْ” عِنْدَ نِيتْشَهْ لَا تَعْنِي الْمُوَافَقَةَ عَلَى حَدَثٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قَبُولَ الْحَيَاةِ بِوَصْفِهَا نَصًّا وَاحِدًا لَا يَسْمَحُ بِحَذْفِ أَيِّ فِقْرَةٍ مِنْهُ. وَهَكَذَا يَنْتَقِلُ اللَّفْظُ مِنْ دَلَالَةٍ لُغَوِيَّةٍ بَسِيطَةٍ إِلَى رَمْزٍ فَلْسَفِيٍّ شَامِلٍ، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ الْقَارِئُ بِأَنَّهُ انْتَقَلَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ الْكَاتِبَ اتَّخَذَ قَرَارًا رِوَائِيًّا مُوَفَّقًا جِدًّا.
فَلَمْ يَجْعَلْ نِيتْشَهْ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالِهِ؛ بَلْ جَعَلَهُ يَصْمُتُ. وَهَذَا الصَّمْتُ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْحِوَارِ، بَلْ ذُرْوَتَهُ. لِأَنَّ الشَّخْصِيَّةَ الَّتِي تَمْلِكُ جَوَابًا نِهَائِيًّا تَفْقِدُ إِنْسَانِيَّتَهَا. أَمَّا نِيتْشَهْ الَّذِي يَصْمُتُ أَمَامَ امْتِحَانِ فَلْسَفَتِهِ، فَيَتَحَوَّلُ مِنْ صَاحِبِ نَظَرِيَّةٍ إِلَى إِنْسَانٍ يَعِيشُهَا كُلَّ يَوْمٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… فِي هَذَا الْبَابِ، لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ نِيتْشَهْ يُحَاوِلُ إِقْنَاعَ سَامِرٍ بِفِكْرَتِهِ، بَلْ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَخْتَبِرُ نَفْسَهُ أَمَامَ سَامِرٍ. أَأَرَدْتَ أَنْ تَجْعَلَ الْحِوَارَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ امْتِحَانًا مُتَبَادَلًا، لَا دَرْسًا مِنْ مُعَلِّمٍ إِلَى تِلْمِيذٍ؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، وَهَذَا مَا كُنْتُ أُرِيدُهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.
لَمْ أُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ سَامِرٌ عَلَى فَيْلَسُوفٍ يَمْلِكُ الْإِجَابَاتِ، بَلْ عَلَى إِنْسَانٍ لَا يَزَالُ يَعِيشُ أَسْئِلَتَهُ. كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّ نِيتْشَهْ، لَوْ بَدَا وَاثِقًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لَخَانَ نِيتْشَهْ الْحَقِيقِيَّ. وَأَكْثَرُ مَا جَذَبَنِي إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ أَفْكَارَهُ وَكَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَخْضَعُ لَهَا، لَا أَوَّلُ مَنْ يُعَلِّمُهَا. وَلِذَلِكَ كَانَ صَمْتُهُ فِي نِهَايَةِ الْفَصْلِ، بِالنِّسْبَةِ لِي، أَهَمَّ مِنْ كُلِّ مَا قَالَهُ قَبْلَهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ … لَكِنَّنَا نَخْرُجُ وَنَحْنُ نَحْمِلُ سُؤَالًا لَمْ يَعُدْ يَخُصُّ نِيتْشَهْ وَحْدَهُ، بَلْ صَارَ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا: لَوْ عَادَتْ حَيَاتُكَ كَمَا هِيَ… أَفَسَتَسْتَقْبِلُهَا بِالتَّرْحِيبِ نَفْسِهِ، أَمْ سَتَتَمَنَّى أَنْ تَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ؟
وَعَلَى الْبَابِ التَّالِي، يَظْهَرُ رَجُلٌ لَا يَبْدَأُ بِالسُّؤَالِ، بَلْ بِالاِحْتِجَاجِ. إِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحَيَاةَ نَفْسَهَا لَيْسَتْ نِعْمَةً يَنْبَغِي تَكْرَارُهَا، بَلْ مُعَانَاةً يَنْبَغِي التَّحَرُّرُ مِنْهَا.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
يَنْتَمِي مَفْهُومُ “أُوبُونْتُو” فِعْلًا إِلَى التُّرَاثِ الْفَلْسَفِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ فِي جَنُوبِ أَفْرِيقِيَا، وَلَا سِيَّمَا لَدَى الزُّولُو وَالْخُوسَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلِ الْوَعْيَ الْعَالَمِيَّ إِلَّا فِي الْعُقُودِ الْأَخِيرَةِ، حِينَ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ خِطَابِ الْمُصَالَحَةِ الَّذِي تَبَنَّاهُ شَخْصِيَّاتٌ مِثْلَ نِيلْسُونَ مَانْدِيلَا وَدِيزْمُونْدَ تُوتُو بَعْدَ انْتِهَاءِ نِظَامِ الْفَصْلِ الْعُنْصُرِيِّ.
وَمَا يَلْفِتُنِي فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا تُقَدِّمُ “أُوبُونْتُو” بِاعْتِبَارِهِ فِكْرَةً مَحَلِّيَّةً، بَلْ بِاعْتِبَارِهِ رُؤْيَةً إِنْسَانِيَّةً قَادِرَةً عَلَى مُحَاوَرَةِ أَكْثَرِ الْفَلْسَفَاتِ الْأُورُوبِّيَّةِ رُسُوخًا. وَهَذَا لَيْسَ تَوْثِيقًا لِحِوَارٍ تَارِيخِيٍّ، وَإِنَّمَا بِنَاءٌ فَلْسَفِيٌّ مَقْصُودٌ يُتِيحُهُ الْأَدَبُ وَلَا تُتِيحُهُ كُتُبُ التَّارِيخِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَتَّفِقُ مَعَكِ تَمَامًا، وَأُضِيفُ أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُنَاقِضُ دِيكَارْتَ بِقَدْرِ مَا يُكْمِلُ مَا تَرَكَهُ نَاقِصًا.
Section 8
فَدِيكَارْتُ يَبْدَأُ مِنَ الذَّاتِ لِيَصِلَ إِلَى الْعَالَمِ. أَمَّا “أُوبُونْتُو” فَتَبْدَأُ مِنَ الْعَلَاقَةِ لِتُفَسِّرَ الذَّاتَ. إِنَّهَا لَا تُنْكِرُ الْفَرْدَ، لَكِنَّهَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُصْبِحُ إِنْسَانًا إِلَّا دَاخِلَ شَبَكَةٍ مِنَ الاِعْتِرَافِ الْمُتَبَادَلِ. وَلِذَلِكَ يُصْبِحُ سُؤَالُ سَامِرٍ عَنْ ذَاكِرَتِهِ الْفَرْدِيَّةِ سُؤَالًا نَاقِصًا مِنَ الْبِدَايَةِ؛ لِأَنَّ جُزْءًا مِنْ ذَاكِرَتِهِ مَحْفُوظٌ أَصْلًا فِي ذَاكِرَةِ الْآخَرِينَ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
وَمِنَ النَّاحِيَةِ السَّرِيرِيَّةِ، هَذَا الطَّرْحُ يَنْسَجِمُ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ نَتَائِجِ عِلْمِ النَّفْسِ الْحَدِيثِ.
فَالْهُوِيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ لَا تُبْنَى دَاخِلَ الدِّمَاغِ وَحْدَهُ، بَلْ تَتَشَكَّلُ أَيْضًا عَبْرَ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَلِهَذَا نَجِدُ أَنَّ الْعِلَاجَ الْجَمَاعِيَّ، وَمَجْمُوعَاتِ الدَّعْمِ، وَإِعَادَةَ بِنَاءِ السِّيرَةِ مَعَ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ، تُسَاعِدُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى عَلَى اسْتِعَادَةِ تَوَازُنِهِمْ بَعْدَ الصَّدَمَاتِ. فَمَا تُسَمِّيهِ الْفَيْلَسُوفَةُ “الذَّاكِرَةَ الْمُشْتَرَكَةَ” لَيْسَ صُورَةً شِعْرِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ آلِيَّةً عِلَاجِيَّةً مَعْرُوفَةً.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
شَدَّنِي اسْتِخْدَامُ الْفَيْلَسُوفَةِ لِفِكْرَةِ التَّرَابُطِ.
فَفِي نَظَرِيَّةِ الشَّبَكَاتِ لَا تُفْهَمُ قِيمَةُ الْعُقْدَةِ مِنْ خَصَائِصِهَا وَحْدَهَا، بَلْ مِنَ الْعَلَاقَاتِ الَّتِي تَرْبِطُهَا بِبَقِيَّةِ الشَّبَكَةِ. فَقَدْ تَبْدُو عُقْدَةٌ صَغِيرَةً جِدًّا، لَكِنَّهَا تُصْبِحُ مَرْكَزِيَّةً إِذَا كَانَتْ تَرْبِطُ أَجْزَاءً كَثِيرَةً مِنَ النِّظَامِ. وَالْإِنْسَانُ يُشْبِهُ ذَلِكَ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ؛ فَهُوِيَّتُهُ لَيْسَتْ مَجْمُوعَ صِفَاتِهِ فَقَطْ، بَلْ مَجْمُوعَ الْعَلَاقَاتِ الَّتِي تَمْنَحُهُ مَعْنَاهُ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أَكْثَرُ مَا أَعْجَبَنِي قَوْلُهَا إِنَّ اللُّغَةَ نَفْسَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّنَا لَسْنَا أَفْرَادًا مَعْزُولِينَ. وَهَذَا صَحِيحٌ دَلَالِيًّا.
فَالْمَعْنَى لَا يَنْشَأُ دَاخِلَ عَقْلِ فَرْدٍ وَاحِدٍ، بَلْ دَاخِلَ مُجْتَمَعٍ يَتَّفِقُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَلَامَاتِ. حَتَّى كَلِمَةُ “أَنَا” لَا يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ مَعْنَاهَا إِلَّا لِأَنَّهَا تُقَابِلُ “أَنْتَ” وَ”نَحْنُ”. وَلِذَلِكَ تَبْدُو عِبَارَةُ “أُوبُونْتُو” امْتِدَادًا طَبِيعِيًّا لِطَبِيعَةِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا، لَا مُجَرَّدَ شِعَارٍ أَخْلَاقِيٍّ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ الْكَاتِبَ اتَّخَذَ قَرَارًا بِنْيَوِيًّا جَمِيلًا بِوَضْعِ هَذَا الْفَصْلِ بَعْدَ دِيكَارْتَ مُبَاشَرَةً.
فَالْقَارِئُ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ فَلْسَفَةٍ إِلَى أُخْرَى، بَلْ مِنْ زَاوِيَةِ نَظَرٍ إِلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى. فَالْأُولَى تَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى الْخَارِجِ، وَالثَّانِيَةُ تَبْدَأُ مِنَ الْخَارِجِ لِتَكْتَشِفَ الدَّاخِلَ. وَالرِّوَايَةُ لَا تَطْلُبُ مِنَّا اخْتِيَارَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، بَلْ أَنْ نَرَى الْإِنْسَانَ كَامِلًا بَيْنَهُمَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ… وَأَنْتَ تَعْمَلُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ مَعَ فَرِيقٍ مِنَ الْمُتَرْجِمِينَ وَالْمُرَاجِعِينَ وَالْقُرَّاءِ، أَتَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُعَبِّرُ عَنْ تَجْرِبَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ أَيْضًا؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، وَرُبَّمَا أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أَتَصَوَّرُ وَأَنَا أَكْتُبُهُ.
كُنْتُ أَظُنُّ طَوِيلًا أَنَّ الْكِتَابَةَ أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ فَرْدِيَّةً، لَكِنَّ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةَ عَلَّمَتْنِي أَنَّ النَّصَّ لَا يَكْتَمِلُ حِينَ أَضَعُ النُّقْطَةَ الْأَخِيرَةَ، بَلْ حِينَ يَبْدَأُ الْآخَرُونَ قِرَاءَتَهُ، وَمُرَاجَعَتَهُ، وَتَرْجَمَتَهُ، وَالاِعْتِرَاضَ عَلَيْهِ أَحْيَانًا. عِنْدَهَا فَقَطْ يَكْتَشِفُ الْكَاتِبُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ عَمَلِهِ لَمْ يَعُدْ مِلْكَهُ وَحْدَهُ. وَرُبَّمَا لِهَذَا شَعَرْتُ بِقُرْبٍ خَاصٍّ مِنْ فِكْرَةِ “أُوبُونْتُو”؛ لِأَنِّي رَأَيْتُهَا تَصِفُ رِحْلَةَ الْكِتَابِ نَفْسِهِ، لَا رِحْلَةَ سَامِرٍ وَحْدَهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ … وَقَدْ أَصْبَحَ سُؤَالُ سَامِرٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْسَعَ قَلِيلًا. فَلَمْ يَعُدْ يَسْأَلُ: “مَنْ أَنَا؟” بَلْ أَصْبَحَ يَسْأَلُ: “مَنْ نَحْنُ… حَتَّى أُصْبِحَ أَنَا مَا أَنَا عَلَيْهِ؟”
وَعَلَى الْبَابِ التَّالِي، لَا نَجِدُ وَجْهًا، بَلْ عِبَارَةً قَصِيرَةً مَنْقُوشَةً عَلَى الْحَجَرِ: “حُدُودُ لُغَتِي هِيَ حُدُودُ عَالَمِي.” هُنَاكَ يَنْتَظِرُ لُودْفِيغُ فِتْغِنْشْتَايْنُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هُنَا لَا يُسْأَلُ سَامِرٌ فَقَطْ: “مَاذَا تَتَذَكَّرُ؟” بَلْ يُطْرَحُ سُؤَالٌ أَكْثَرُ صُعُوبَةً: إِذَا عَجَزَتِ اللُّغَةُ عَنْ حَمْلِ التَّجْرِبَةِ كَامِلَةً، أَفَيَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ مَا نَفْقِدُهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ مَهْمَا حَاوَلْنَا؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
يَصْعُبُ الْحَدِيثُ عَنْ فِتْغِنْشْتَايْنَ دُونَ الْوُقُوفِ أَمَامَ التَّحَوُّلِ الْكَبِيرِ فِي فِكْرِهِ.
فَفِي مَرْحَلَتِهِ الْأُولَى، وَخُصُوصًا فِي كِتَابِهِ “الرِّسَالَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ الْفَلْسَفِيَّةُ”، حَاوَلَ رَسْمَ حُدُودٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ بِوُضُوحٍ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ لِلصَّمْتِ. أَمَّا فِي مَرْحَلَتِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ، فَقَدْ أَعَادَ النَّظَرَ فِي طَبِيعَةِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا، فَلَمْ يَعُدْ يَرَاهَا مِرْآةً ثَابِتَةً لِلْعَالَمِ، بَلْ شَبَكَةً مِنَ الاِسْتِخْدَامَاتِ وَالسِّيَاقَاتِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ الْحَيَاةِ الَّتِي نُمَارِسُهَا.
وَمَا يُثِيرُنِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَسْتَخْدِمُ فِتْغِنْشْتَايْنَ لِتَقُولَ إِنَّ اللُّغَةَ عَاجِزَةٌ، بَلْ لِتَقُولَ شَيْئًا أَكْثَرَ دِقَّةً: اللُّغَةُ قَادِرَةٌ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ كُلَّ شَيْءٍ. فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تَعْجِزَ الْكَلِمَةُ عَنْ نَقْلِ التَّجْرِبَةِ كَامِلَةً، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ التَّجْرِبَةُ بِلَا مَعْنًى.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَجِدُ فِي هَذَا الْفَصْلِ نُقْطَةَ اتِّصَالٍ عَمِيقَةً مَعَ عِلْمِ الذَّاكِرَةِ. فَالْمِثَالُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ فِتْغِنْشْتَايْنُ عَنْ رُكُوبِ الدَّرَّاجَةِ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَفْعَلُ شَيْئًا دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ شَرْحَ كُلِّ تَفَاصِيلِهِ بِالْكَلِمَاتِ.
فَفِي الطِّبِّ نُمَيِّزُ فِعْلًا بَيْنَ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ: هُنَاكَ ذَاكِرَةٌ صَرِيحَةٌ نَسْتَطِيعُ الْحَدِيثَ عَنْهَا وَوَصْفَهَا، وَهُنَاكَ ذَاكِرَةٌ إِجْرَائِيَّةٌ تَظْهَرُ فِي الْمَهَارَاتِ وَالْعَادَاتِ وَالاِسْتِجَابَاتِ التِّلْقَائِيَّةِ. وَهَذَا يَجْعَلُ سُؤَالَ سَامِرٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا: رُبَّمَا لَمْ يَفْقِدْ يَوْمَهُ بِالْكَامِلِ، رُبَّمَا فَقَدَ فَقَطِ الْجُزْءَ الْقَابِلَ لِلسَّرْدِ مِنْهُ، أَمَّا بَعْضُ الْآثَارِ فَقَدْ تَكُونُ بَقِيَتْ فِي طَبَقَاتٍ أُخْرَى مِنْ وُجُودِهِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أُوَافِقُ عَلَى هَذَا التَّفْرِيقِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُضِيفَ أَنَّ فِتْغِنْشْتَايْنَ يَطْرَحُ تَحَدِّيًا مُبَاشِرًا لِعِلْمِ الدَّلَالَةِ نَفْسِهِ.
فَنَحْنُ نَمِيلُ عَادَةً إِلَى الاِعْتِقَادِ بِأَنَّ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ دَاخِلَ الْكَلِمَاتِ، وَأَنَّ وَظِيفَةَ اللُّغَةِ هِيَ نَقْلُهُ. لَكِنَّ فِتْغِنْشْتَايْنَ الْمُتَأَخِّرَ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَشَكَّلُ دَاخِلَ الاِسْتِخْدَامِ، دَاخِلَ الْمُمَارَسَةِ، دَاخِلَ الْحَيَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَهَذَا يُفَسِّرُ لِمَ تَعْجِزُ أَحْيَانًا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ نَقْلِ ذِكْرَى عَاشَهَا شَخْصٌ آخَرُ؛ فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي نَقْصِ الْكَلِمَاتِ، بَلْ فِي غِيَابِ الْعَالَمِ الَّذِي كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَعْمَلُ دَاخِلَهُ.
فَقَدْ يَعْرِفُ شَخْصٌ مَعْنَى كَلِمَةِ “بَيْتٍ”، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَ فِي ذِهْنِهِ مَعْنَى بَيْتِ شَخْصٍ آخَرَ عَاشَ فِيهِ طُفُولَتَهُ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
Section 9
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَمْنَحُ تَفْسِيرًا جَدِيدًا لِطَرِيقَةِ بِنَاءِ الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا.
فَمُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَمْ تَكُنِ الرِّوَايَةُ تَبْحَثُ عَنِ اسْتِعَادَةِ يَوْمِ سَامِرٍ الْمَفْقُودِ كَأَنَّ الذَّاكِرَةَ صُنْدُوقٌ مُغْلَقٌ نَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى فَتْحِهِ؛ كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْ حُدُودِ الاِسْتِعَادَةِ نَفْسِهَا. وَلِهَذَا نَجِدُ أَنَّ بَعْضَ الشَّخْصِيَّاتِ السَّابِقَةِ تَرَكَتْ فَرَاغَاتٍ مَقْصُودَةً: قَصِيدَةَ سَافُو النَّاقِصَةَ، وَأُغْنِيَةَ الْأُمِّ الَّتِي رَفَضَتِ الْحَارِسَةُ الْعَمْيَاءُ حِفْظَهَا، وَصَمْتَ كِيَانِ الْحُلْمِ.
وَمَعَ فِتْغِنْشْتَايْنَ نَفْهَمُ أَنَّ هَذِهِ الْفَرَاغَاتِ لَيْسَتْ نَقْصًا فِي النَّصِّ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ مَعْنَاهُ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أُرِيدُ أَنْ أَلْفِتَ الاِنْتِبَاهَ إِلَى مُفَارَقَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُهِمَّةٍ: كَثِيرٌ مِنَ الْحَضَارَاتِ حَفِظَتْ أَعْمَقَ تَجَارِبِهَا، لَا عَبْرَ النُّصُوصِ الْمَكْتُوبَةِ فَحَسْبُ، بَلْ عَبْرَ الطُّقُوسِ، وَالْأَغَانِي، وَالْحَرَكَاتِ، وَالصُّوَرِ الرَّمْزِيَّةِ.
فَالتَّارِيخُ نَفْسُهُ لَا يُحْفَظُ بِالْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا؛ ثَمَّةَ ذَاكِرَةٌ جَمَاعِيَّةٌ تَعِيشُ فِي الْمُمَارَسَةِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى وَثِيقَةٍ. وَهَذَا يَجْعَلُ لِقَاءَ سَامِرٍ بِفِتْغِنْشْتَايْنَ امْتِدَادًا طَبِيعِيًّا لِكُلِّ الرِّحْلَةِ السَّابِقَةِ: مِنَ الْحَضَارَاتِ الَّتِي حَفِظَتْ ذَاكِرَتَهَا فِي الْحَجَرِ، إِلَى الشُّعُوبِ الَّتِي حَفِظَتْهَا فِي الْحِكَايَةِ، إِلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي يَحْمِلُ بَعْضَهَا دَاخِلَ جَسَدِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، هَذَا الْبَابُ يَبْدُو كَأَنَّهُ يَضَعُ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا أَمَامَ سُؤَالٍ صَعْبٍ: أَنْتَ تَكْتُبُ رِوَايَةً كَامِلَةً عَنْ شَيْءٍ قَدْ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ كَامِلًا. أَشَعَرْتَ بِأَنَّكَ تَصْطَدِمُ بِهَذَا التَّنَاقُضِ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَكْثَرِ التَّوَتُّرَاتِ الَّتِي رَافَقَتْنِي أَثْنَاءَ كِتَابَةِ الرِّوَايَةِ.
كُنْتُ أَعْلَمُ أَنِّي أَسْتَخْدِمُ الْكَلِمَاتِ لِلْبَحْثِ عَنْ شَيْءٍ يَتَجَاوَزُ الْكَلِمَاتِ. لَكِنِّي لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضًا، بَلْ رَأَيْتُ فِيهِ جَوْهَرَ الْأَدَبِ نَفْسِهِ. فَالْأَدَبُ لَا يَنْجَحُ لِأَنَّهُ يَقُولُ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَحْيَانًا كَيْفَ يُشِيرُ إِلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ امْتِلَاكَهُ.
وَلِهَذَا لَمْ أُرِدْ أَنْ يَسْتَعِيدَ سَامِرٌ يَوْمَهُ الْمَفْقُودَ فِي النِّهَايَةِ بِطَرِيقَةٍ كَامِلَةٍ وَمُرِيحَةٍ. فَلَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، لَكُنْتُ قَدْ خَالَفْتُ الْفِكْرَةَ الَّتِي بَنَيْتُ عَلَيْهَا الرِّوَايَةَ كُلَّهَا. فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ لَا تُسْتَعَادُ كَصُوَرٍ وَاضِحَةٍ، لَكِنَّهَا تَبْقَى كَأَثَرٍ، كَتَحَوُّلٍ، كَإِنْسَانٍ جَدِيدٍ خَرَجَ مِنْ مُوَاجَهَتِهِ مَعَ الْفَرَاغِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ أَمَامَ بَابٍ بِلَا كِتَابَةٍ، دَائِرَةٍ فَارِغَةٍ لَا تَحْمِلُ اسْمًا وَلَا تَفْسِيرًا.
رُبَّمَا لَيْسَ لِأَنَّهَا لَا تَعْنِي شَيْئًا… بَلْ لِأَنَّهَا تَتْرُكُ مَسَاحَةً لِكُلِّ مَعْنًى مُمْكِنٍ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
يَلْفِتُنِي أَوَّلًا حُسْنُ اخْتِيَارِ الْبِيئَةِ الثَّقَافِيَّةِ لِهَذَا الْبَابِ. فَالْفِكْرُ الْيَابَانِيُّ، سَوَاءٌ فِي الْفَلْسَفَةِ أَوِ الْفُنُونِ أَوِ الْعِمَارَةِ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الْفَرَاغِ بِوَصْفِهِ نَقْصًا يَنْبَغِي مَلْؤُهُ، بَلْ بِوَصْفِهِ عُنْصُرًا أَصِيلًا فِي الْبِنَاءِ.
وَلِهَذَا تَبْدُو الْحَدِيقَةُ الْيَابَانِيَّةُ مِثَالًا مُنَاسِبًا جِدًّا؛ فَمَا يَمْنَحُهَا جَمَالَهَا لَيْسَ كَثْرَةَ الْعَنَاصِرِ، وَإِنَّمَا الْعَلَاقَةُ الدَّقِيقَةُ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَمَا تُرِكَ عَمْدًا بِلَا إِشْغَالٍ. وَهَذَا يَنْسَجِمُ تَمَامًا مَعَ الْفِكْرَةِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا الْفَصْلُ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَعْجَبَنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَتَعَامَلْ مَعَ الْفَرَاغِ بِوَصْفِهِ مَفْهُومًا سَلْبِيًّا.
فَفِي كَثِيرٍ مِنَ التَّقَالِيدِ الْفَلْسَفِيَّةِ، لَا يُفْهَمُ الْحُضُورُ إِلَّا بِوُجُودِ مَا يَحُدُّهُ. فَالصَّمْتُ يَمْنَحُ الْكَلَامَ وَزْنَهُ، وَالْبَيَاضُ يَمْنَحُ الْخَطَّ مَعْنَاهُ، وَالزَّمَنُ بَيْنَ حَدَثَيْنِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنَةً.
وَلِهَذَا أَظُنُّ أَنَّ الْفَيْلَسُوفَةَ لَا تَدْعُو سَامِرًا إِلَى نِسْيَانِ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ، بَلْ إِلَى التَّوَقُّفِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ بِاعْتِبَارِهِ ثُقْبًا أَسْوَدَ يَجِبُ رَدْمُهُ. رُبَّمَا يَكُونُ هَذَا الْفَرَاغُ نَفْسُهُ قَدْ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِ الْجَدِيدَةِ.
الدُّكْتُورَةُ :
اسْتَوْقَفَتْنِي هَذِهِ الْفِكْرَةُ مِنْ زَاوِيَةٍ هَنْدَسِيَّةٍ.
فَفِي التَّصْمِيمِ الْمِعْمَارِيِّ لَا يُقَاسُ نَجَاحُ الْمَبْنَى بِعَدَدِ الْجُدْرَانِ الَّتِي شُيِّدَتْ، بَلْ أَيْضًا بِطَرِيقَةِ اسْتِخْدَامِ الْفَرَاغَاتِ بَيْنَهَا. فَالْمَمَرُّ، وَالْفِنَاءُ، وَالنُّورُ الدَّاخِلُ مِنْ فَتْحَةٍ صَغِيرَةٍ… كُلُّهَا عَنَاصِرُ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الْكُتْلَةِ الْمَبْنِيَّةِ.
وَلِهَذَا شَعَرْتُ أَنَّ الْفَيْلَسُوفَةَ تَنْظُرُ إِلَى الذَّاكِرَةِ كَمَا يَنْظُرُ الْمُهَنْدِسُ إِلَى الْبِنَاءِ؛ فَلَيْسَتْ كُلُّ مِسَاحَةٍ فَارِغَةٍ خَطَأً فِي التَّصْمِيمِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
وَأَنَا وَجَدْتُ صَدًى مُشَابِهًا فِي الرِّيَاضِيَّاتِ.
فَالصِّفْرُ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ رَمْزٍ لِعَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ؛ بَلْ أَصْبَحَ أَحَدَ أَعْظَمِ الاِكْتِشَافَاتِ الَّتِي غَيَّرَتْ تَارِيخَ الرِّيَاضِيَّاتِ. وَكَذَلِكَ الْمَجْمُوعَةُ الْخَالِيَةُ لَيْسَتْ غِيَابًا لِلْفِكْرِ الرِّيَاضِيِّ، وَإِنَّمَا عُنْصُرٌ مُؤَسِّسٌ فِي بِنَائِهِ.
لِذَلِكَ أَعْجَبَتْنِي الْفِكْرَةُ الضِّمْنِيَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَحْيَانًا يَكُونُ مَا يَبْدُو فَارِغًا هُوَ الَّذِي يَسْمَحُ لِلنِّظَامِ كُلِّهِ بِأَنْ يَكْتَمِلَ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أَكْثَرُ مَا اسْتَوْقَفَنِي هُوَ كَلِمَةُ “مَا” نَفْسُهَا.
فَبَعْضُ الْكَلِمَاتِ لَا تَحْمِلُ مَعْنَاهَا فِي الْقَامُوسِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي الثَّقَافَةِ الَّتِي أَنْجَبَتْهَا. وَلِهَذَا يَصْعُبُ إِيجَادُ مُقَابِلٍ عَرَبِيٍّ أَوْ أُورُوبِّيٍّ يُؤَدِّي جَمِيعَ ظِلَالِ هَذَا الْمَفْهُومِ.
لَكِنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تُحَاوِلْ أَنْ تُخْفِيَ هَذِهِ الصُّعُوبَةَ، بَلْ جَعَلَتْهَا جُزْءًا مِنَ التَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا. وَهَذَا، فِي رَأْيِي، اخْتِيَارٌ دَلَالِيٌّ مُوَفَّقٌ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَا يَتَلَقَّى تَعْرِيفًا نِهَائِيًّا، بَلْ يَدْخُلُ فِي خِبْرَةِ الْبَحْثِ عَنِ الْمَعْنَى.
الدُّكْتُورُ فَادِي:
Section 10
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُفَسِّرُ شَيْئًا فِي بِنْيَةِ الرِّوَايَةِ كُلِّهَا.
فَمُنْذُ الْبِدَايَةِ تَرَكَ الْكَاتِبُ مَسَاحَاتٍ لَا يُجِيبُ عَنْهَا: الْيَوْمَ الْمَفْقُودَ، وَأَحْلَامَ سَامِرٍ، وَالصَّمْتَ بَيْنَ الشَّخْصِيَّاتِ، وَحَتَّى بَعْضَ النِّهَايَاتِ الْمَفْتُوحَةِ.
بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ لَمْ أَعُدْ أَرَى تِلْكَ الْفَرَاغَاتِ نَقْصًا فِي السَّرْدِ، بَلْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ لُغَتِهِ الْفَنِّيَّةِ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَقُولُ لِلْقَارِئِ: لَيْسَ كُلُّ مَا يُتْرَكُ نَاقِصًا؛ فَبَعْضُ الْفَرَاغَاتِ هِيَ الَّتِي تَمْنَحُ النَّصَّ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّنَفُّسِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، بَعْدَ هَذَا النِّقَاشِ أَوَدُّ أَنْ أَطْرَحَ عَلَيْكَ سُؤَالًا مُخْتَلِفًا. فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ فِي الرِّوَايَةِ، تَرَكْتَ لِلْقَارِئِ فَرَاغَاتٍ مَقْصُودَةً دُونَ تَفْسِيرٍ مُبَاشِرٍ. أَكُنْتَ تَرَى مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنَّ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يُشَارِكَ فِي بِنَاءِ الْمَعْنَى، أَمْ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْفَرَاغَاتِ وُلِدَ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ وَلَمْ تُكْتَشَفْ ضَرُورَتُهَا إِلَّا لَاحِقًا؟
الأستاذ نعمان:
أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ اجْتَمَعَا مَعًا.
فَبَعْضُ الْفَرَاغَاتِ خَطَّطْتُ لَهَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لِأَنِّي كُنْتُ مُؤْمِنًا أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي تُفَسِّرُ كُلَّ شَيْءٍ تُنْهِي عَلَاقَتَهَا بِالْقَارِئِ عِنْدَ الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ. لَكِنِّي اكْتَشَفْتُ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ فَرَاغَاتٍ أُخْرَى لَمْ أَكُنْ أَنْوِي تَرْكَهَا، ثُمَّ شَعَرْتُ أَنَّ مَلْأَهَا سَيُضْعِفُ النَّصَّ بَدَلَ أَنْ يُقَوِّيَهُ.
تَعَلَّمْتُ مَعَ الزَّمَنِ أَنَّ الْكَاتِبَ لَا يَكْتُبُ الْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ يَكْتُبُ أَيْضًا الْمَسَاحَاتِ الَّتِي يَخْتَارُ أَلَّا يَمْلَأَهَا. وَرُبَّمَا لِهَذَا شَعَرْتُ بِقُرْبٍ خَاصٍّ مِنْ فَيْلَسُوفَةِ كِيُوتُو؛ لِأَنَّهَا جَعَلَتْنِي أَرَى أَنَّ الْفَرَاغَ لَيْسَ دَائِمًا دَلِيلَ نَقْصٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَصْدَقَ أَشْكَالِ الْحُضُورِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ ، وَقَدْ بَدَا لِسَامِرٍ أَنَّ الْحَدِيقَةَ الْيَابَانِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَمْلَأُ الْفَرَاغَ… بَلْ كَيْفَ يُصْغِي إِلَيْهِ.
وَخَلْفَ الْبَابِ التَّالِي يَنْتَظِرُ صَوْتٌ جَدِيدٌ، سَيُعِيدُ قِرَاءَةَ التَّارِيخِ مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ يُتَحْ لَهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ طَوِيلًا فِي كُتُبِ الرِّجَالِ. أُسْتَاذَةُ الْفَلْسَفَةِ النِّسْوِيَّةِ تَدْخُلُ الرِّحْلَةَ فِي فَصْلٍ جَدِيدٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَارِيسُ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. أَمَامَ سَامِرٍ امْرَأَةٌ لَا تَبْدَأُ بِالْإِجَابَةِ، بَلْ بِقَلْبِ السُّؤَالِ كُلِّهِ. فَسِيمُونُ دُو بُوفْوَارَ لَا تَسْأَلُهُ: مَاذَا نَسِيتَ؟ بَلْ: مَنِ الَّذِي يَسْتَفِيدُ مِنْ هَذَا النِّسْيَانِ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
يَسْتَنِدُ هَذَا الْبَابُ إِلَى سِيَاقٍ تَارِيخِيٍّ وَفِكْرِيٍّ دَقِيقٍ. فَبَعْدَ صُدُورِ “الْجِنْسِ الْآخَرِ” عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، أَصْبَحَتْ سِيمُونُ دُو بُوفْوَارَ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الْأَصْوَاتِ تَأْثِيرًا فِي إِعَادَةِ قِرَاءَةِ التَّارِيخِ مِنْ زَاوِيَةِ الْمُهَمَّشِينَ، وَلَا سِيَّمَا النِّسَاءِ.
لَكِنَّ مَا يَلْفِتُنِي فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَا تَسْتَدْعِيهَا لِتَتَحَدَّثَ عَنِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ، بَلْ عَنِ الذَّاكِرَةِ نَفْسِهَا. وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالٌ تَارِيخِيٌّ مُهِمٌّ: مَنِ الَّذِي يَكْتُبُ التَّارِيخَ؟ وَمَنِ الَّذِي يُقَرِّرُ أَيُّ الْأَحْدَاثِ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَبْقَى وَأَيُّهَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَى؟ فَالتَّارِيخُ لَيْسَ سِجِلًّا مُحَايِدًا دَائِمًا، بَلْ هُوَ أَيْضًا عَمَلِيَّةُ اخْتِيَارٍ وَانْتِقَاءٍ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ الْحِوَارَ يَتَجَاوَزُ النِّسْوِيَّةَ بِوَصْفِهَا قَضِيَّةً خَاصَّةً.
فَدُو بُوفْوَارَ لَا تَطْلُبُ مِنْ سَامِرٍ أَنْ يُقَارِنَ نَفْسَهُ بِالْمَرْأَةِ، وَلَا أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ التَّجْرِبَتَيْنِ، بَلْ تَكْشِفُ لَهُ آلِيَّةً فَلْسَفِيَّةً أَعْمَقَ: أَنَّ السُّلْطَةَ لَا تَكْتَفِي بِالتَّحَكُّمِ فِي الْحَاضِرِ، بَلْ تُحَاوِلُ أَحْيَانًا التَّحَكُّمَ فِي الذَّاكِرَةِ أَيْضًا. وَلِهَذَا يُصْبِحُ سُؤَالُهَا: “مَنْ يَسْتَفِيدُ مِنْ نِسْيَانِكَ؟” سُؤَالًا عَنِ السُّلْطَةِ وَالْمَعْرِفَةِ مَعًا، لَا عَنِ الذَّاكِرَةِ وَحْدَهَا.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَعْجَبَنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تُحَوِّلْ هَذَا السُّؤَالَ إِلَى نَظَرِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ أَبْقَتْهُ قَرِيبًا مِنَ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
وَفِي عِلْمِ النَّفْسِ، قَدْ يَتَجَنَّبُ الْإِنْسَانُ أَحْيَانًا تَذَكُّرَ بَعْضِ الْخِبْرَاتِ لِأَنَّهَا مُؤْلِمَةٌ، لَكِنَّ الْبِيئَةَ الاِجْتِمَاعِيَّةَ قَدْ تُشَارِكُ أَيْضًا فِي تَعْزِيزِ هَذَا النِّسْيَانِ أَوْ تَشْجِيعِهِ. وَلِذَلِكَ فَالْفَصْلُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ عَمَلِيَّةً عَصَبِيَّةً خَالِصَةً، بَلْ تَتَأَثَّرُ بِمَا يَسْمَحُ الْمُجْتَمَعُ لِلْفَرْدِ أَنْ يَقُولَهُ أَوْ يُخْفِيَهُ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
مِنَ النَّاحِيَةِ السَّرْدِيَّةِ أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُعِيدُ إِحْيَاءَ خَيْطٍ قَدِيمٍ بَدَأَ مَعَ الْمَرْأَةِ الْإِغْرِيقِيَّةِ الْمَنْسِيَّةِ.
فَهُنَاكَ كَانَ السُّؤَالُ: لِمَ اخْتَفَى اسْمُهَا مِنَ التَّارِيخِ؟ أَمَّا هُنَا فَقَدِ اتَّسَعَ السُّؤَالُ: مَنْ يَمْلِكُ أَصْلًا سُلْطَةَ الْحَذْفِ؟ وَهَذَا يَمْنَحُ الرِّوَايَةَ تَرَابُطًا دَاخِلِيًّا جَمِيلًا؛ فَالْأَبْوَابُ لَا تَتَجَاوَرُ زَمَنِيًّا فَقَطْ، بَلْ تَتَحَاوَرُ فِيمَا بَيْنَهَا وَتُكْمِلُ أَسْئِلَةَ بَعْضِهَا بَعْضًا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
يَلْفِتُنِي اخْتِيَارُ دُو بُوفْوَارَ لِفِعْلِ “يَسْتَفِيدُ” بَدَلَ أَفْعَالٍ مِثْلِ “يَتَسَبَّبُ” أَوْ “يَصْنَعُ”.
فَدَلَالِيًّا، لَا يَبْحَثُ السُّؤَالُ عَنِ الْفَاعِلِ الْمُبَاشِرِ، بَلْ عَنِ الْمُسْتَفِيدِ النِّهَائِيِّ مِنَ النِّسْيَانِ. وَهَذَا يُحَوِّلُ مَرْكَزَ التَّفْكِيرِ مِنَ الْحَدَثِ نَفْسِهِ إِلَى شَبَكَةِ الْمَصَالِحِ الَّتِي قَدْ تُعِيدُ تَشْكِيلَ مَعْنَاهُ. فَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ هُنَا تُغَيِّرُ اتِّجَاهَ الْقِرَاءَةِ كُلَّهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، دُو بُوفْوَارَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا تُقَدِّمُ لِسَامِرٍ جَوَابًا، بَلْ تَتْرُكُهُ مَعَ سُؤَالَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ. أَكُنْتَ تَرَى أَنَّ وَظِيفَةَ الْأَدَبِ أَحْيَانًا أَنْ يَزْرَعَ السُّؤَالَ لَا أَنْ يُقَدِّمَ الْحَلَّ؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ إِذَا أَجَبْنَا عَنْهَا انْتَهَتْ، بَيْنَمَا أَرَدْتُ لِهَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ أَنْ يَبْدَآ حَيَاةً جَدِيدَةً دَاخِلَ الْقَارِئِ.
فَقَدْ يَنْسَى الْقَارِئُ تَفَاصِيلَ الْفَصْلِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ، لَكِنِّي أَتَمَنَّى أَنْ يَبْقَى السُّؤَالُ يُرَافِقُهُ كُلَّمَا قَرَأَ تَارِيخًا، أَوْ شَاهَدَ خَبَرًا، أَوْ حَتَّى اسْتَعَادَ ذِكْرَى شَخْصِيَّةً: مَنِ الَّذِي يَسْتَفِيدُ مِنْ أَنْ أَتَذَكَّرَ؟ وَمَنِ الَّذِي قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَنْ أَنْسَى؟ عِنْدَهَا يُصْبِحُ السُّؤَالُ جُزْءًا مِنْ طَرِيقَةِ التَّفْكِيرِ، لَا مُجَرَّدَ جُمْلَةٍ فِي رِوَايَةٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
Section 11
نَتَوَقَفُ وَمَعَنَا سُؤَالَانِ لَا يُقَدِّمَانِ اتِّهَامًا جَاهِزًا، بَلْ يَفْتَحَانِ بَابًا جَدِيدًا لِلنَّظَرِ فِي الذَّاكِرَةِ وَالتَّارِيخِ مَعًا.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالِي تَمْتَدُّ سُهُولٌ وَاسِعَةٌ، يَجْلِسُ عِنْدَ أَطْرَافِهَا شَيْخٌ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ الْأَوَائِلِ، يَحْمِلُ ذَاكِرَةً لَا تَحْفَظُهَا الْكُتُبُ وَحْدَهَا.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
لَفَتَ انْتِبَاهِي أَنَّ الرِّوَايَةَ تَتَجَنَّبُ تَسْمِيَةَ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْأَرْضِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا الْحَكِيمُ. هَذَا اخْتِيَارٌ أَدَبِيٌّ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّهُ يُثِيرُ سُؤَالًا تَارِيخِيًّا مُهِمًّا: أَيُؤَدِّي تَعْمِيمُ تَجْرِبَةِ الاِقْتِلَاعِ إِلَى جَعْلِهَا أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً، أَمْ إِنَّهُ قَدْ يُضْعِفُ خُصُوصِيَّةَ التَّجَارِبِ التَّارِيخِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي عَانَتْ مِنْهَا شُعُوبٌ بِعَيْنِهَا؟ فَالْمُؤَرِّخُ يُحَاوِلُ دَائِمًا الْمُوَازَنَةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِيِّ الْعَامِّ وَالْحَدَثِ التَّارِيخِيِّ الْمُحَدَّدِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَظُنُّ أَنَّ النَّصَّ يُحَاوِلُ السَّيْرَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ.
فَالْحَكِيمُ لَا يَقُولُ إِنَّ جَمِيعَ الْمَآسِي مُتَسَاوِيَةٌ، بَلْ يَقُولُ إِنَّ فُقْدَانَ الْمَكَانِ يَمَسُّ شَيْئًا مُشْتَرَكًا فِي التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. هُنَا لَا تُصْبِحُ الْأَرْضُ مُجَرَّدَ مِسَاحَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى شَرِيكٍ فِي تَشْكِيلِ الْهُوِيَّةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ فُقْدَانَهَا لَيْسَ انْتِقَالًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، بَلِ انْقِطَاعٌ فِي اسْتِمْرَارِيَّةِ الذَّاتِ نَفْسِهَا.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَعْجَبَتْنِي النَّصِيحَةُ الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْحَكِيمُ لِسَامِرٍ: أَنْ يَعُودَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ يَوْمُهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فِي الْبِدَايَةِ.
فَهَذِهِ الْفِكْرَةُ تَجِدُ مَا يَدْعَمُهَا فِي دِرَاسَاتِ الذَّاكِرَةِ؛ إِذْ إِنَّ السِّيَاقَ الْمَكَانِيَّ قَدْ يُسَاعِدُ أَحْيَانًا عَلَى اسْتِدْعَاءِ تَفَاصِيلَ يَصْعُبُ اسْتِرْجَاعُهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ. وَالرِّوَايَةُ لَا تُقَدِّمُ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ عِلَاجًا مَضْمُونًا، بَلْ بِوَصْفِهِ مُحَاوَلَةً تَمْنَحُ الذَّاكِرَةَ فُرْصَةً أُخْرَى لِلْكَلَامِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أَوَدُّ أَنْ أَتَوَقَّفَ عِنْدَ التَّحَوُّلِ الدَّلَالِيِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّصُّ.
فَنَحْنُ اعْتَدْنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَسْكُنُ الْمَكَانَ، بَيْنَمَا الْحَكِيمُ يَقْلِبُ الْعَلَاقَةَ كُلَّهَا حِينَ يُوحِي بِأَنَّ الْمَكَانَ هُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْإِنْسَانَ. هَذَا الاِنْقِلَابُ الْبَسِيطُ فِي زَاوِيَةِ التَّعْبِيرِ يَنْقُلُ الْمَكَانَ مِنْ كَوْنِهِ خَلْفِيَّةً لِلْأَحْدَاثِ إِلَى كَوْنِهِ وِعَاءً لِلذَّاكِرَةِ وَالْمَعْنَى. وَهُنَا تَتَجَاوَزُ كَلِمَةُ “الْمَكَانِ” مَعْنَاهَا الْمُعْجَمِيَّ لِتُصْبِحَ رَمْزًا لِلِانْتِمَاءِ وَالْهُوِيَّةِ وَالاِسْتِمْرَارِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
مِنَ النَّاحِيَةِ الْفَنِّيَّةِ، يُمَثِّلُ هَذَا الْبَابُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ وَاضِحَةً فِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ.
فَحَتَّى الْآنَ كَانَ سَامِرٌ يُغَادِرُ كُلَّ شَخْصِيَّةٍ حَامِلًا فِكْرَةً أَوْ سُؤَالًا، أَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ يُغَادِرُ حَامِلًا فِعْلًا مُؤَجَّلًا. فَقَدْ أَصْبَحَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، لَا أَنْ يَتَأَمَّلَ فَقَطْ. وَهَذَا يُغَيِّرُ إِيقَاعَ السَّرْدِ؛ إِذْ تَبْدَأُ الْحِكْمَةُ بِالتَّحَوُّلِ إِلَى مُمَارَسَةٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، لَمْ تُسَمِّ الْقَبِيلَةَ وَلَا الْأَرْضَ، رَغْمَ أَنَّ التَّارِيخَ مَلِيءٌ بِأَسْمَاءَ وَتَجَارِبَ مُحَدَّدَةٍ. أَكَانَ ذَلِكَ قَرَارًا أَدَبِيًّا أَمْ شَخْصِيًّا؟
الأستاذ نعمان:
كَانَ قَرَارًا يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يُؤَدِّيَ تَحْدِيدُ شَعْبٍ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ الْبَابَ بِوَصْفِهِ قِصَّةَ ذَلِكَ الشَّعْبِ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى أَوْسَعَ: أَنَّ اقْتِلَاعَ الْإِنْسَانِ مِنْ أَرْضِهِ يَتْرُكُ أَثَرًا يَتَجَاوَزُ الْجُغْرَافْيَا.
وَرُبَّمَا لِهَذَا تَسَرَّبَ شَيْءٌ مِنْ تَجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةِ إِلَى هَذَا الْفَصْلِ دُونَ قَصْدٍ مُبَاشِرٍ؛ فَأَنَا لَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْتُبَ عَنْ نَفْسِي، لَكِنِّي اكْتَشَفْتُ بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنْهُ أَنَّ شَيْئًا مِنِّي كَانَ حَاضِرًا فِيهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
رُبَّمَا لِهَذَا بَدَا صَوْتُ الْحَكِيمِ هَادِئًا إِلَى هَذَا الْحَدِّ؛ فَالْأَلَمُ الَّذِي طَالَ بِهِ الزَّمَنُ لَا يَعُودُ يَصْرُخُ، بَلْ يُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ نَبْرَةِ الْكَلَامِ نَفْسِهَا.
نَتَوَقَفُ عَلَى بَابٍ يَحْمِلُ عَيْنًا تَنْظُرُ مِنْ خَلْفِ قُضْبَانٍ رَمْزِيَّةٍ، كَأَنَّهَا تُرَاقِبُ مَنْ يَكْتُبُ الذَّاكِرَةَ وَمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ الاِحْتِفَاظِ بِهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَارِيسُ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَمَانِينَ. لَا يَبْدَأُ فُوكُو بِالسُّؤَالِ عَنْ يَوْمِ سَامِرٍ الْمَفْقُودِ، بَلْ عَنِ السُّؤَالِ نَفْسِهِ: مَنِ الَّذِي أَقْنَعَكَ أَصْلًا أَنَّ هَذَا الْفَقْدَ يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَفْهَمُهُ بِهَا؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
يَلْتَقِطُ هَذَا الْبَابُ جَوْهَرَ الْمَشْرُوعِ الْفَلْسَفِيِّ لِفُوكُو بِدِقَّةٍ.
فَهُوَ لَا يَبْدَأُ بِتَقْدِيمِ إِجَابَةٍ، بَلْ بِتَفْكِيكِ السُّؤَالِ نَفْسِهِ. فَفِي أَعْمَالِهِ، وَلَا سِيَّمَا “تَارِيخُ الْجُنُونِ”، لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُ: مَا الْجُنُونُ؟ بَلْ: كَيْفَ أَصْبَحَ هَذَا السُّلُوكُ يُعَرَّفُ بِوَصْفِهِ جُنُونًا؟ وَمَنِ الَّذِي امْتَلَكَ سُلْطَةَ هَذَا التَّعْرِيفِ؟ وَالرِّوَايَةُ تَسْتَثْمِرُ هَذَا الْمَنْهَجَ حِينَ تَجْعَلُ فُوكُو يَسْأَلُ سَامِرًا: مَنِ الَّذِي قَرَّرَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ الْمُتَّصِلَةَ هِيَ الصُّورَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الْوَحِيدَةُ لِلذَّاكِرَةِ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
وَأَهَمِّيَّةُ هَذَا الطَّرْحِ تَارِيخِيًّا أَنَّهُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي تَبْدُو لَنَا الْيَوْمَ بَدِيهِيَّةً مَرَّتْ بِتَحَوُّلَاتٍ طَوِيلَةٍ.
فَطَرِيقَةُ الْمُجْتَمَعَاتِ فِي فَهْمِ الْمَرَضِ، أَوِ الْعَقْلِ، أَوِ السُّلُوكِ الْإِنْسَانِيِّ، لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً عَبْرَ الْعُصُورِ. لِذَلِكَ يَلْفِتُنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَسْتَحْضِرُ فُوكُو لِيَهْدِمَ الْحَقِيقَةَ، بَلْ لِيُذَكِّرَ الْقَارِئَ بِأَنَّ مَا نَعُدُّهُ حَقِيقَةً مُسْتَقِرَّةً قَدْ يَكُونُ لَهُ تَارِيخٌ طَوِيلٌ مِنَ التَّشَكُّلِ وَالتَّغَيُّرِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مِنْ جِهَتِي أَرَى أَنَّ الْفَصْلَ يُحَافِظُ عَلَى تَوَازُنٍ مُهِمٍّ.
Section 12
فَالنَّقْدُ الَّذِي يُوَجِّهُهُ فُوكُو إِلَى الْمُؤَسَّسَاتِ لَا يُلْغِي حَقِيقَةَ الْأَلَمِ الْإِنْسَانِيِّ. فَسَامِرٌ يُعَانِي فِعْلًا، وَهَذِهِ الْمُعَانَاةُ لَا تُصْبِحُ أَقَلَّ وَاقِعِيَّةً لِأَنَّنَا نُعِيدُ النَّظَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَصِفُهَا بِهَا. وَهُنَا تَكْمُنُ قِيمَةُ الْحِوَارِ؛ فَهُوَ يَدْعُونَا إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا، وَبَيْنَ الْأُطُرِ الَّتِي نَسْتَخْدِمُهَا لِفَهْمِهَا وَتَصْنِيفِهَا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
عُنْوَانُ الْفَصْلِ نَفْسُهُ يَلْفِتُ النَّظَرَ: “مَنْ يَمْلِكُ سُلْطَةَ تَعْرِيفِ مَا هُوَ مَفْقُودٌ؟”
فَدَلَالِيًّا، كَلِمَةُ “مَفْقُودٍ” لَيْسَتْ وَصْفًا مُحَايِدًا، بَلْ حُكْمًا يَفْتَرِضُ وُجُودَ مِعْيَارٍ سَابِقٍ لِلِاكْتِمَالِ. وَكَأَنَّ فُوكُو يَدْعُونَا إِلَى مُرَاجَعَةِ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ مُرَاجَعَةِ الْوَقَائِعِ. فَحِينَ يَتَغَيَّرُ تَعْرِيفُ الْكَلِمَةِ، قَدْ يَتَغَيَّرُ فَهْمُنَا لِلتَّجْرِبَةِ كُلِّهَا، دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْحَدَثُ نَفْسُهُ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُمَثِّلُ ذُرْوَةَ الْمِحْوَرِ الْفَلْسَفِيِّ كُلِّهِ.
فَمُنْذُ هِيرَاقْلِيطُسَ كَانَتِ الشَّخْصِيَّاتُ تُقَدِّمُ لِسَامِرٍ رُؤًى مُخْتَلِفَةً لِفَهْمِ نَفْسِهِ، أَمَّا فُوكُو فَلَا يُقَدِّمُ رُؤْيَةً بَدِيلَةً، بَلْ يُرَاجِعُ أَدَوَاتِ الرُّؤْيَةِ نَفْسَهَا. وَلِهَذَا يَبْدُو الْفَصْلُ أَكْثَرَ إِرْبَاكًا مِنْ سَابِقَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضِيفُ فِكْرَةً جَدِيدَةً بِقَدْرِ مَا يُعِيدُ مُسَاءَلَةَ الْأَفْكَارِ الَّتِي جَمَعَهَا سَامِرٌ طَوَالَ رِحْلَتِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، جَاءَ فُوكُو بَعْدَ حَكِيمِ الْقَبِيلَةِ مُبَاشَرَةً. الْأَوَّلُ بَنَى أَرْضِيَّةً وِجْدَانِيَّةً، وَالثَّانِي بَدَأَ بِتَفْكِيكِ الْمُسَلَّمَاتِ. أَكَانَ تَرْتِيبُ الْبَابَيْنِ مَقْصُودًا؟
الأستاذ نعمان:
نَعَمْ، كَانَ مَقْصُودًا.
كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّ الْقَارِئَ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى شَيْءٍ يَقِفُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ أَدْعُوَهُ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْأَرْضِ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْهَا. فَحَكِيمُ الْقَبِيلَةِ يَمْنَحُ سَامِرًا شُعُورًا بِالاِنْتِمَاءِ، أَمَّا فُوكُو فَيَمْنَحُهُ الشَّجَاعَةَ لِمُسَاءَلَةِ الْمُسَلَّمَاتِ. وَلَوْ عَكَسْتُ التَّرْتِيبَ، لَرُبَّمَا تَحَوَّلَ التَّفْكِيكُ إِلَى هَدْمٍ خَالِصٍ، بَيْنَمَا أَرَدْتُهُ أَنْ يَكُونَ بِدَايَةَ بِنَاءٍ أَعْمَقَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ ، وَلَا يَحْمِلُ سَامِرٌ جَوَابًا جَدِيدًا، بَلْ يَحْمِلُ سُؤَالًا مُخْتَلِفًا: أَيُمْكِنُ أَنْ يَبْدَأَ طَرِيقُ اسْتِعَادَةِ الذَّاكِرَةِ مِنْ إِعَادَةِ تَعْرِيفِ مَعْنَى الْفَقْدِ نَفْسِهِ؟
وَخَلْفَ الْبَابِ التَّالِي يُضِيءُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْمُتْحَفِ نُورُ شَاشَةٍ رَقْمِيَّةٍ صَغِيرَةٍ؛ فَهَا هِيَ الذَّاكِرَةُ تَدْخُلُ عَصْرًا جَدِيدًا، لَمْ يَعُدِ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ مَنْ يَحْتَفِظُ فِيهِ بِالْأَيَّامِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُيُولُ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. آخِرُ أَبْوَابِ مِحْوَرِ الْفَلْسَفَةِ. لَا تَبْدَأُ الْبَاحِثَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا سَجَّلَتْهُ الْأَجْهِزَةُ، بَلْ إِلَى مَا لَمْ تُسَجِّلْهُ. وَتَسْأَلُ سَامِرًا سُؤَالًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ: مَاذَا لَوْ كَانَ غِيَابُ الْأَثَرِ هُوَ الْأَثَرَ الْأَهَمَّ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَا يُقَدِّمُ فِكْرَةً فَلْسَفِيَّةً جَدِيدَةً بِقَدْرِ مَا يُعِيدُ قِرَاءَةَ الْمِحْوَرِ كُلِّهِ مِنْ زَاوِيَةٍ مُعَاصِرَةٍ.
فَمُنْذُ هِيرَاقْلِيطُسَ كَانَ السُّؤَالُ يَدُورُ حَوْلَ طَبِيعَةِ الذَّاكِرَةِ، أَمَّا هُنَا فَيُصْبِحُ السُّؤَالُ: مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ تَنْتَقِلُ الذَّاكِرَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَى أَجْهِزَتِهِ؟ وَالرِّوَايَةُ لَا تُدِينُ التِّقْنِيَّةَ وَلَا تُمَجِّدُهَا، بَلْ تَطْرَحُ سُؤَالًا أَكْثَرَ عُمْقًا: أَكُلُّ مَا لَا يَتْرُكُ أَثَرًا رَقْمِيًّا يُعَدُّ أَقَلَّ حَقِيقَةً؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَعْجَبَنِي أَنَّ النَّصَّ لَا يُبَالِغُ فِي تَصْوِيرِ الذَّاكِرَةِ الرَّقْمِيَّةِ بِوَصْفِهَا خَطَرًا مُطْلَقًا.
فَالْإِنْسَانُ اسْتَعَانَ دَائِمًا بِوَسَائِلَ خَارِجِيَّةٍ لِحِفْظِ الْمَعْرِفَةِ، مِنَ النَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ إِلَى الْكِتَابَةِ ثُمَّ الْأَرْشَفَةِ الرَّقْمِيَّةِ. لَكِنَّ الْبَاحِثَةَ تُشِيرُ إِلَى فَرْقٍ مُهِمٍّ: مَا تَحْفَظُهُ الْأَجْهِزَةُ هُوَ الْمَعْلُومَاتُ، أَمَّا التَّجْرِبَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ بِكُلِّ أَبْعَادِهَا الْحِسِّيَّةِ وَالاِنْفِعَالِيَّةِ فَلَا تَزَالُ تُبْنَى دَاخِلَ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ. وَهَذِهِ مُلَاحَظَةٌ تَنْسَجِمُ مَعَ جَانِبٍ مِنَ الْبَحْثِ الْمُعَاصِرِ فِي الذَّاكِرَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْعَلَ الْوَسَائِطَ الرَّقْمِيَّةَ بَدِيلًا عَنِ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
يَلْفِتُنِي عُنْوَانُ الْبَابِ: “غِيَابُ الْأَثَرِ قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ أَثَرٍ”.
فَدَلَالِيًّا، يَقُومُ الْعُنْوَانُ عَلَى مُفَارَقَةٍ؛ إِذْ يَجْعَلُ الْغِيَابَ عَلَامَةً، لَا نَقِيضًا لِلْعَلَامَةِ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَدْعُو الْقَارِئَ إِلَى قِرَاءَةِ الصَّمْتِ كَمَا يَقْرَأُ الْكَلَامَ، وَإِلَى اعْتِبَارِ مَا لَمْ يُوَثَّقْ جُزْءًا مِنَ النَّصِّ، لَا فَرَاغًا خَارِجَهُ. وَهَذِهِ الْفِكْرَةُ تَمْتَدُّ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الرِّوَايَةِ كُلِّهَا، الَّتِي بَنَتْ كَثِيرًا مِنْ مَعْنَاهَا عَلَى مَا تُرِكَ غَيْرَ مُكْتَمِلٍ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
فِي عُلُومِ الْمَعْلُومَاتِ كَثِيرًا مَا يَكُونُ غِيَابُ الْبَيَانَاتِ نَفْسُهُ مَعْلُومَةً ذَاتَ قِيمَةٍ.
فَعَدَمُ ظُهُورِ إِشَارَةٍ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ لَيْسَ فَرَاغًا، بَلْ نَمَطًا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ. وَلِذَلِكَ وَجَدْتُ مَنْطِقَ الْبَاحِثَةِ قَرِيبًا مِنَ التَّفْكِيرِ الْعِلْمِيِّ أَيْضًا؛ فَهِيَ لَا تَنْظُرُ إِلَى الْبَيَانَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ إِلَى الْفَجَوَاتِ دَاخِلَهَا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
مِنَ النَّاحِيَةِ السَّرْدِيَّةِ، أَرَى أَنَّ اخْتِيَارَ شَخْصِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ جِدًّا لِخَتْمِ الْمِحْوَرِ لَمْ يَكُنْ مُصَادَفَةً.
فَالرِّوَايَةُ بَدَأَتْ هَذَا الْقِسْمَ مَعَ هِيرَاقْلِيطُسَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِئَةِ عَامٍ، وَتُنْهِيهِ عِنْدَ سُؤَالٍ يُولَدُ الْيَوْمَ. وَهَذَا يَمْنَحُ الْقَارِئَ إِحْسَاسًا بِأَنَّ الْفَلْسَفَةَ لَيْسَتْ تَارِيخًا مُنْتَهِيًا، بَلْ حِوَارًا مُسْتَمِرًّا يُعِيدُ طَرْحَ الْأَسْئِلَةِ نَفْسِهَا بِأَدَوَاتِ كُلِّ عَصْرٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُسْتَاذُ نُعْمَانُ، بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا مِنَ الْحِوَارِ الْفَلْسَفِيِّ، لِمَ اخْتَرْتَ أَنْ تَكُونَ الْخَاتِمَةُ مَعَ بَاحِثَةٍ شَابَّةٍ لَا مَعَ اسْمٍ فَلْسَفِيٍّ عَالَمِيٍّ جَدِيدٍ؟
الأستاذ نعمان:
لِأَنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ يَبْدُوَ الْمِحْوَرُ وَكَأَنَّهُ انْتَهَى مَعَ آخِرِ فَيْلَسُوفٍ كَبِيرٍ فِي التَّارِيخِ.
فَالْفَلْسَفَةُ لَا تَعِيشُ فِي أَسْمَاءِ الْمَاضِي وَحْدَهَا، بَلْ فِي الْأَسْئِلَةِ الَّتِي يُولَدُ بِهَا كُلُّ جِيلٍ. لِذَلِكَ اخْتَرْتُ شَخْصِيَّةً لَمْ تَدْخُلْ كُتُبَ تَارِيخِ الْفَلْسَفَةِ بَعْدُ، لِتَقُولَ لِلْقَارِئِ إِنَّ الْحِوَارَ لَمْ يُغْلَقْ، وَإِنَّ الْبَابَ التَّالِيَ سَيَكْتُبُهُ أُنَاسٌ يَعِيشُونَ بَيْنَنَا الْآنَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بِهَذَا يَكْتَمِلُ مِحْوَرُ الْفَلْسَفَةِ. اثْنَا عَشَرَ صَوْتًا، لَمْ يَتَّفِقِ اثْنَانِ مِنْهَا عَلَى الطَّرِيقِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ جَمِيعَهَا دَفَعَ سَامِرًا خُطْوَةً إِضَافِيَّةً نَحْوَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ: كَيْفَ يَفْهَمُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ؟
وَخَلْفَ الْبَابِ التَّالِي تَتَغَيَّرُ اللُّغَةُ كُلُّهَا؛ فَلَا يَبْدَأُ الْحَدِيثُ عَنِ الْحِكْمَةِ، بَلْ عَنِ الْقِيَاسِ، وَالتَّجْرِبَةِ، وَالْمُعَادَلَةِ، وَالصُّورَةِ الْمِجْهَرِيَّةِ.
