الجَلْسَةُ الأَخِيرَة
الفَصلُ الأَوَّل
فِي بَاكْنَانْغ، تِلكَ البَلدَةِ الصَّغِيرَةِ الهَادِئَةِ فِي جَنُوبِ أَلمَانِيَا، حَيثُ تَتَسَاوَى السَّاعَاتُ فِي رَتَابَتِهَا وَلَا يُقَاطِعُ صَمتَهَا سِوَى قَطَرَاتِ مَطَرٍ خَفِيفَة، كَانَت سُلَافَةُ تَجلِسُ أَمَامَ شَاشَتِهَا فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةَ عَشرَةَ لَيلًا، تُرَاجِعُ تَرجَمَةَ قَصِيدَةٍ لِشَاعِرٍ عَرَبِيٍّ رَاحِل، حِينَ رَنَّ هَاتِفُهَا رَنَّةً لَم تَكُن تَتَوَقَّعُهَا فِي هَذَا الوَقتِ مِنَ اللَّيل.
كَانَ الِاسمُ الظَّاهِرُ عَلَى الشَّاشَةِ غَرِيبًا:
رَقمٌ دِمَشقِيّ، بِلَا اسم.
تَرَدَّدَت لَحظَةً قَبلَ أَن تَرفَع، وَكَأَنَّ جُزءًا مِنهَا كَانَ يَعرِفُ أَنَّ هَذِهِ المُكَالَمَةَ سَتَقسِمُ لَيلَهَا إِلَى نِصفَين:
نِصفٍ قَبلَهَا، وَنِصفٍ لَن يُشبِهَ أَيَّ لَيلٍ عَاشَتهُ مِن قَبل.
“سُلَافَة؟” قَالَ صَوتٌ رَجُلِيٌّ مُتعَب، تَعرِفُهُ جَيِّدًا:
صَوتُ أَبِي فِرَاس، صَدِيقُ جَدِّهَا العُمُرِ وَجَارُهُ فِي حَيِّ سَاروجَة الدِّمَشقِيّ.
“أُرِيدُ أَن أُخبِرَكِ بِشَيءٍ صَعب.
جَدُّكِ كَمَال…
رَحَلَ هَذَا المَسَاء.
بِهُدُوء، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى كُرسِيِّهِ الَّذِي لَم يَترُكهُ مُنذُ سَنَوَات، أَمَامَ مَكتَبَتِهِ.”
لَم تَبكِ سُلَافَةُ فِي تِلكَ اللَّحظَة.
جَلَسَت صَامِتَةً طَوِيلًا، تُحَدِّقُ فِي انعِكَاسِهَا عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَةِ المُبَلَّلِ بِالمَطَر، وَتَستَعِيدُ صُورَةَ جَدِّهَا: رَجُلٌ نَحِيلٌ، هَادِئُ الصَّوت، لَا يَتَحَدَّثُ عَن نَفسِهِ أَبَدًا، لَكِنَّهُ كَانَ يَعرِفُ عَن الشِّعرِ العَرَبِيِّ مَا لَا يَعرِفُهُ أَستَاذٌ جَامِعِيٌّ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا.
وَكَانَ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَأَلَتهُ فِيهَا عَن مَاضِيهِ قَبلَ التَّقَاعُد، يَبتَسِمُ ابتِسَامَتَهُ الغَامِضَةَ وَيَقُول:
“بَعضُ الحَيَاةِ لَا تُروَى، يَا صَغِيرَتِي، بَل تُورَث.”
لَم تَفهَم يَومَهَا مَاذَا كَانَ يَعنِي.
سَتَفهَمُ بَعدَ أَربَعَةِ أَيَّام، حِينَ يَصِلُهَا صُندُوقٌ خَشَبِيٌّ عَتِيقٌ، أَرسَلَهُ أَبُو فِرَاس بِنَفسِهِ عَبرَ رِحلَةٍ طَوِيلَةٍ مِن دِمَشقَ إِلَى شُتُوتغَارت، حَامِلًا إِيَّاهُ عَلَى رُكبَتَيهِ طَوَالَ الطَّرِيق، وَكَأَنَّهُ لَا يَثِقُ بِهِ إِلَّا بَينَ يَدَيه.
كَانَ الصُّندُوقُ أَصغَرَ مِمَّا تَخَيَّلَت
خَشَبُ جَوزٍ دَاكِن، بِزَخرَفَةٍ دِمَشقِيَّةٍ قَدِيمَة، وَقُفلٌ نُحَاسِيٌّ صَغِيرٌ لَا مِفتَاحَ لَه.
عَلَى غِطَائِهِ، مَحفُورَةً بِخَطِّ يَدٍ لَا تُخطِئُهُ عَينَاهَا، عِبَارَةٌ وَاحِدَة:
“لِمَن يَأتِي بَعدِي.”
“لَم يُعطِنِي مِفتَاحًا،” قَالَ أَبُو فِرَاس وَهُوَ يَضَعُ الصُّندُوقَ عَلَى طَاوِلَةِ المَطبَخ، صَوتُهُ يَختَلِطُ فِيهِ التَّعَبُ بِشَيءٍ يُشبِهُ الخَوف.
“قَالَ لِي، قَبلَ شَهرٍ وَاحِد، حِينَ كُنتُ أَزُورُهُ:
إِن حَدَثَ لِي شَيء، خُذ هَذَا الصُّندُوقَ إِلَى سُلَافَة، وَلَا تَفتَحهُ أَنتَ، وَلَا تُخبِر أَحَدًا أَنَّهُ مَوجُودٌ عِندَك.
وَقَد سَأَلتُهُ:
مِمَّن أُخفِيه؟ فَابتَسَمَ وَلَم يُجِب.”
نَظَرَت سُلَافَةُ إِلَى القُفلِ طَوِيلًا.
ثُمَّ تَذَكَّرَت شَيئًا:
خَاتَمَ جَدِّهَا الفِضِّيَّ الَّذِي كَانَ لَا يُفَارِقُ إِصبَعَهُ، وَالَّذِي وَصَلَهَا مَعَ أَغرَاضِهِ الشَّخصِيَّةِ قَبلَ يَومَين.
أَخرَجَتهُ مِن جَيبِهَا، وَوَجَدَت فِي بَاطِنِهِ نقشًا صَغِيرًا لَم تَنتَبِه إِلَيهِ مِن قَبل:
رَمزٌ هِلَالِيٌّ يُشبِهُ تِلكَ الحَفرَةَ الصَّغِيرَةَ فِي مَركَزِ القُفل.
أَدخَلَتهُ بِحَذَر، فَاستَدَارَ القُفلُ بِنَقرَةٍ خَافِتَة.
فِي دَاخِلِ الصُّندُوقِ، وَجَدَت رِسَالَةً مَطوِيَّةً بِعِنَايَة، وَتَحتَهَا اثنَتَا عَشرَةَ حَافِظَةً وَرَقِيَّة، مَربُوطَةً بِخُيُوطٍ جِلدِيَّة، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهَا تَحمِلُ اسمًا.
إِحدَى عَشرَةَ حَافِظَةً مَختُومَةً بِشَمعٍ أَحمَر، وَوَاحِدَةٌ فَقَط، فِي آخِرِ الصَّفّ، بِلَا خَتم، وَبِلَا اسم، فَارِغَةٌ تَقرِيبًا، إِلَّا مِن وَرَقَةٍ وَاحِدَةٍ بَيضَاء.
فَتَحَت الرِّسَالَة.
كَانَ خَطُّ جَدِّهَا، ذَاكَ الخَطُّ الأَنِيقُ المَائِلُ الَّذِي حَفِظَتهُ عَن ظَهرِ قَلب:
“يَا سُلَافَة،
إِن كُنتِ تَقرَئِينَ هَذَا، فَهَذَا يَعنِي أَنَّنِي لَم أَعُد قَادِرًا عَلَى حِمَايَةِ مَا حَمَيتُهُ طَوَالَ سَبعَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا.
سَأَكُونُ مُوجَزًا، لِأَنَّ الوَقتَ الَّذِي مَنَحَتنِيهِ الحَيَاةُ لِأَشرَحَ لَكِ كُلَّ شَيءٍ لَم يَكُن كَافِيًا.
فِي عَامِ ألف وثمانمئة وثمانية وستين، حِينَ تَأَسَّسَت فِي بَيرُوت وَدِمَشقَ “الجَمعِيَّةُ العِلمِيَّةُ السُّورِيَّة” الَّتِي ضَمَّت نُخبَةً مِن رِجَالِ النَّهضَة، تَشَكَّلَت دَاخِلَهَا، بِصَمتٍ تَامّ، حَلقَةٌ صَغِيرَةٌ لَم يُدَوِّنهَا التَّارِيخُ الرَّسمِيّ، أَطلَقَ أَعضَاؤُهَا عَلَى أَنفُسِهِم اسمًا وَاحِدًا:
“مَجلِسُ الظِّلّ.”
لَم يَكُن هَدَفُ هَذَا المَجلِسِ نَشرَ الأَدَبِ وَلَا الدِّفَاعَ عَنه، بَل مُسَاءَلَتُه. اتَّفَقَ الأَعضَاءُ الأَوَائِلُ عَلَى قَاعِدَةٍ وَاحِدَة:
أَن يُستَدعَى، فِي كُلِّ جِيل، أَعظَمُ شَاعِرٍ عَرَبِيٍّ حَيّ، إِلَى جَلسَةٍ سِرِّيَّةٍ وَاحِدَة، لَا يَعرِفُ بِهَا أَحَدٌ غَيرَهُ وَغَيرُ أَعضَاءِ المَجلِس، تُطرَحُ فِيهَا عَلَيهِ أَسئِلَةٌ لَا يُطرَحُ مِثلُهَا عَلَيهِ فِي مِنبَرٍ وَلَا صَحِيفَةٍ وَلَا حَتَّى فِي خَلوَتِهِ مَعَ نَفسِه.
وَيُدَوَّنُ كُلُّ مَا يُقَالُ فِي تِلكَ الجَلسَة، ثُمَّ يُختَمُ وَيُحفَظ، عَلَى أَن لَا يُفتَحَ إِلَّا حِينَ يَرَى “حَامِلُ المَجلِس” فِي زَمَانِهِ أَنَّ الوَقتَ قَد حَان.
كُنتُ، يَا صَغِيرَتِي، آخِرَ حَامِلٍ لِهَذَا المَجلِس.
وَلَم أُخبِركِ، لِأَنَّ حَملَ هَذَا السِّرِّ ثَقِيلٌ، وَلِأَنَّنِي كُنتُ أَتَمَنَّى، بِأَنَانِيَّةِ الجَدِّ، أَن تَنَامِي لَيَالِيَكِ الأُولَى بِلَا كَوَابِيسَ لَيسَت لَكِ.
فِي هَذَا الصُّندُوقِ، سَتَجِدِينَ إِحدَى عَشرَةَ حَافِظَةً مَختُومَة، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهَا محضَرُ جَلسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ شَاعِرٍ حَقِيقِيّ، مِن أَحمَد شَوقِي إِلَى مَحمُود دَروِيش.
مَا فِيهَا لَيسَ خَيَالًا، وَلَيسَ نَمِيمَة.
إِنَّهُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العِظَامُ حِينَ ظَنُّوا أَنَّ لَا أَحَدَ يَسمَعُهُم سِوَى أَربَعَةِ جُدرَان.
وَسَتَجِدِينَ حَافِظَةً ثَانِيَةَ عَشرَة، فَارِغَةً.
تِلكَ هِيَ جَلسَتُكِ أَنتِ.
فَالمَجلِسُ لَم يَتَوَقَّف عَامَ رَحِيلِ دَروِيش، بَل يَنتَظِرُ، مُنذُ ثَمَانِيَةَ عَشرَ عَامًا، شَاعِرًا وَاحِدًا لَم يُحسَم أَمرُهُ بَعد، وَحَامِلًا جَدِيدًا يُقَرِّرُ مَتَى يُستَدعَى.
لَستِ مُجبَرَةً عَلَى شَيء.
يُمكِنُكِ أَن تُغلِقِي الصُّندُوقَ الآن، وَتَعِيشِي حَيَاتَكِ بِلَا هَذَا الثِّقَل.
لَكِنِّي أَعرِفُكِ، يَا سُلَافَة، وَأَعرِفُ أَنَّكِ لَن تَفعَلِي.
احذَرِي فَقَط مِن بَعضِهِم.
لَقَد حَاوَلُوا، مُنذُ سَنَوَات، إِقنَاعِي بِبَيعِ هَذَا الأَرشِيفِ، ثُمَّ حَاوَلُوا أَخذَهُ بِطُرُقٍ أُخرَى حِينَ رَفَضت.
لَا أَعرِفُ كَم يَعرِفُونَ عَنكِ.
كُونِي حَذِرَة.
بِكُلِّ مَا فِيَّ مِن حُبّ،
جَدُّكِ كَمَال.”
بَقِيَت سُلَافَةُ سَاكِنَةً دَقَائِقَ طَوِيلَة، وَالرِّسَالَةُ بَينَ أَصَابِعِهَا تَرتَجِف.
ثُمَّ مَدَّت يَدَهَا نَحوَ الحَافِظَةِ الأُولَى، فَقَرَأَت عَلَى غِلَافِهَا اسمًا وَحيدًا، بِخَطِّ جَدِّهَا نَفسِه:
“الجَلسَةُ الأُولَى:
أَحمَد شَوقِي — القَاهِرَة، ١٩٢٧.”
وَتَحتَ الِاسمِ، سَطرٌ صَغِيرٌ أَضَافَهُ جَدُّهَا فِيمَا يَبدُو مُتَأَخِّرًا، بِحِبرٍ أَغمَقَ قَلِيلًا:
“الجَلسَةُ الَّتِي جَعَلَتهُ يُمَزِّقُ خِطَابَ تَنَازُلِهِ عَنِ الإِمَارَة، قَبلَ أَن يَكتُبَهُ مِن جَدِيدٍ فِي صَبَاحِ اليَومِ التَّالِي.”
لَم تَفهَم سُلَافَةُ المَعنَى بَعد.
لَم تَكُن تَعرِفُ أَنَّ “إِمَارَةَ الشِّعرِ” الَّتِي بَايَعَ بِهَا العَرَبُ أَحمَد شَوقِي فِي مُؤتَمَرِ القَاهِرَةِ عَامَ ١٩٢٧ كَادَت أَن تَتَحَوَّلَ، فِي لَيلَةٍ وَاحِدَة، إِلَى تَنَازُلٍ عَلَنِيّ.
لَكِنَّهَا فَهِمَت شَيئًا آخَر:
أَنَّ مَا بَينَ يَدَيهَا لَيسَ أَورَاقًا قَدِيمَةً فَحَسب، بَل مِفتَاحًا لِتَارِيخٍ كَامِلٍ أُعِيدَ تَرتِيبُهُ فِي الظَّلَام.
أَغلَقَت الصُّندُوقَ بِهُدُوء، وَقَرَّرَت أَن تَبدَأَ بِقِرَاءَةِ الحَافِظَةِ الأُولَى فِي صَبَاحِ الغَد، حِينَ يَكُونُ عَقلُهَا أَصفَى.
لَكِنَّهَا، وَهِيَ تَقُومُ لِتُطفِئَ النُّور، سَمِعَت طَرقًا خَفِيفًا عَلَى بَابِ الشُّقَّة.
نَظَرَت إِلَى السَّاعَة:
مُنتَصَفُ اللَّيلِ تَقرِيبًا.
لَا أَحَدَ يَعرِفُ أَنَّهَا فِي المَنزِلِ هَذِهِ اللَّيلَة، وَلَا أَحَدَ يَعرِفُ، عَلَى الإِطلَاق، أَنَّ صُندُوقًا خَشَبِيًّا وَصَلَهَا قَبلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَة.
تَقَدَّمَت نَحوَ البَابِ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَة.
مِن خِلَالِ ثَقبِ العَينِ الصَّغِير، رَأَت رَجُلًا فِي مُنتَصَفِ العُمر، أَنِيقَ المَظهَر، يَحمِلُ فِي يَدِهِ بِطَاقَةً صَغِيرَةً يَرفَعُهَا نَحوَ البَاب، وَكَأَنَّهُ يَعرِفُ أَنَّهَا تُرَاقِبُهُ مِن خَلفِه.
عَلَى البِطَاقَةِ، بِخَطٍّ وَاضِح، اسمٌ عَائِلِيٌّ وَاحِد، هُوَ الِاسمُ نَفسُهُ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنهُ جَدُّهَا مُنذُ دَقَائِق: بعضهم.
قَالَ أَحَدُ شُعَرَاءِ الحَدَاثَةِ العَرَب، فِي عِبَارَةٍ لَا تَزَالُ تُرَدَّدُ حَتَّى اليَوم، إِنَّ الصَّمتَ أَحيَانًا أَبلَغُ مِنَ الكَلَام. وَقَفَت سُلَافَةُ خَلفَ البَابِ صَامِتَة، تُدرِكُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ الصَّمتَ الَّذِي وَرِثَتهُ عَن جَدِّهَا لَم يَكُن طِبَاعًا، بَل تَدرِيبًا عَلَى مَا يَنتَظِرُهَا. وَقَبلَ أَن تُقَرِّرَ هَل تَفتَحُ البَابَ أَم لَا، رَنَّ هَاتِفُهَا مِن جَدِيد، بِرَقمٍ دِمَشقِيٍّ آخَر، مَجهُولٍ تَمَامًا هَذِهِ المَرَّة.
الفَصلُ الثَّانِي
لَم تَفتَح سُلَافَةُ البَاب.
وَقَفَت خَلفَهُ صَامِتَةً، تَتَنَفَّسُ بِهُدُوءٍ مُصطَنَع، حَتَّى سَمِعَت صَوتَ الرَّجُلِ يَقُولُ مِن وَرَاءِ الخَشَب:
“لَا دَاعِيَ لِلقَلَق، يَا آنِسَة.
أَنَا لَا أَطلُبُ شَيئًا اللَّيلَة.
أُرِيدُ فَقَط أَن تَعرِفِي أَنَّنَا نَعرِفُ بِوُصُولِ الصُّندُوق، وَأَنَّنَا نَحتَرِمُ رَغبَةَ جَدِّكِ، رَحِمَهُ الله، فِي أَلَّا يُبَاعَ هَذَا الأَرشِيفُ. لَكِنَّنَا نَطلُبُ فَقَط أَن يُدرَسَ بِعِنَايَة، لَا أَن يُنشَرَ بِتَسَرُّع. سَأَعُودُ غَدًا فِي العَاشِرَة.”
سَمِعَت خَشخَشَةَ وَرَقَةٍ تُدَسُّ تَحتَ البَاب، ثُمَّ خُطُوَاتٍ تَبتَعِدُ فِي المَمَرّ.
انحَنَت وَالتَقَطَتهَا:
بِطَاقَةٌ أَنِيقَةٌ تَحمِلُ اسمَ “مُؤَسَّسَةِ بعضهم”، وَاسمَ رَجُلٍ:
“نَبِيل، رَئِيسُ مَجلِسِ الأُمَنَاء.”
لَا رَقمَ هَاتِفٍ عَلَيهَا، وَلَا عُنوَانَ بَرِيدٍ إِلِكتُرُونِيّ.
بِطَاقَةٌ صُمِّمَت لِتَبدُوَ رَسمِيَّةً وَغَامِضَةً فِي آنٍ وَاحِد.
وَقَفَت سُلَافَةُ طَوِيلًا خَلفَ البَاب المُغلَق، ثُمَّ عَادَت إِلَى طَاوِلَةِ المَطبَخ حَيثُ يَنتَظِرُهَا الصُّندُوق.
أَبعَدَت الهَاتِفَ عَن بَصَرِهَا حِينَ رَأَت أَنَّ الِاتِّصَالَ الثَّانِيَ الدِّمَشقِيَّ المَجهُولَ لَم يَترُك رِسَالَة، وَقَرَّرَت أَنَّ الجَوَابَ الوَحِيدَ عَلَى كُلِّ هَذَا الغُمُوضِ لَيسَ فِي الِانتِظَار، بَل فِي الأَورَاق.
فَتَحَت الحَافِظَةَ الأُولَى بِيَدَينِ لَا تَزَالَانِ تَرتَجِفَانِ قَلِيلًا، وَبَدَأَت القِرَاءَة.
مِن مَحضَرِ مَجلِسِ الظِّلّ — الجَلسَةُ الأُولَى
أَحمَد شَوقِي، القَاهِرَة، رَبِيعُ عَامِ ١٩٢٧
كَانَ الحَفلُ فِي دَارِ الأُوبرَا قَد انتَهَى مُنذُ سَاعَات.
تَفَرَّقَت الوُفُودُ الَّتِي أَتَت مِن كُلِّ أَقطَارِ الشَّرقِ لِتُبَايِعَ الشَّاعِرَ بِإِمَارَةِ الشِّعر، وَخَفَتَ صَدَى الأَبيَاتِ الَّتِي أَلقَاهَا حَافِظ إِبرَاهِيم مُعلِنًا بَاسمِ الشُّعَرَاءِ قَبُولَهُمُ الطَّوعِيَّ بِإِمَارَةِ صَدِيقِهِ عَلَى عَرشِ القَصِيدَة.
وَحدَهُ أَحمَد شَوقِي بَقِيَ سَاهِرًا فِي مَكتَبَتِهِ بِفِيلَّا “كَرمَةِ ابنِ هَانِئ” فِي الجِيزَة، يَنظُرُ إِلَى تَاجٍ رَمزِيٍّ وُضِعَ عَلَى طَاوِلَتِهِ، دُونَ أَن يَلمِسَه.
دَخَلَ عَلَيهِ زَائِرٌ لَم يَستَأذِن بِاسمِهِ الحَقِيقِيّ، كَعَادَةِ مَن يَحمِلُونَ صِفَةَ “الكَاتِب” فِي مَجلِسِ الظِّلّ.
رَحَّبَ بِهِ شَوقِي بِابتِسَامَةٍ مُتعَبَة، وَأَشَارَ إِلَى المَقعَدِ المُقَابِل.
“أَظُنُّكَ الوَحِيدَ اللَّيلَةَ الَّذِي لَم يَأتِ لِيُهَنِّئَنِي،”
قَالَ شَوقِي وَهُوَ يَصُبُّ الشَّاي بِيَدَينِ لَا تَزَالَانِ مُتَعَبَتَينِ مِن طُولِ المُصَافَحَة.
“أَتَيتُ لِأَسأَلَك، لَا لِأُهَنِّئَك،”
أَجَابَ الكَاتِب.
“هَل تَستَحِقُّ، فِي قَرَارَةِ نَفسِك، هَذَا التَّاجَ الَّذِي وَضَعُوهُ أَمَامَك؟”
ضَحِكَ شَوقِي ضَحكَةً قَصِيرَةً، ثُمَّ صَمَتَ طَوِيلًا قَبلَ أَن يُجِيب:
“مُنذُ ثَلَاثِينَ عَامًا، وَأَنَا أَكتُبُ فِي بَلَاطِ الخَدِيوِيّ، مَدحًا يُقَالُ عَنهُ إِنَّهُ خِدمَةٌ لِلوَطَن، وَيُقَالُ عَنهُ أَيضًا إِنَّهُ تَزَلُّفٌ لِلسُّلطَة.
وَالحَقُّ أَنَّ الِاثنَينِ كَانَا صَحِيحَين مَعًا، فِي أَوقَاتٍ مُختَلِفَة، وَأَحيَانًا فِي القَصِيدَةِ الوَاحِدَة.”
“حِينَ خَلَعَ الإِنكِلِيزُ الخَدِيوِيَّ عَبَّاسَ حِلمِي، وَاتَّهَمُوكَ بِالقُربِ مِنه، نَفَوكَ إِلَى إِسبَانِيَا خَمسَ سَنَوَات،”
قَالَ الكَاتِب.
“أَلَم يَكُن ذَلِكَ ثَمَنًا لِوَلَاءٍ اختَرتَهُ بِنَفسِك؟”
“كَانَ ثَمَنًا لِبَلَاطٍ لَم أَخترهُ أَنَا، بَل وُلِدتُ فِي كَنَفِه،”
قَالَ شَوقِي بِصَوتٍ خَفَتَ فَجأَة.
“جَدَّتِي لِأُمِّي كَانَت وَصِيفَةً فِي قَصرِ إِسمَاعِيل.
تَرَبَّيتُ عَلَى مَرأَى مِنَ التِّيجَان، فَظَنَنتُ طَوِيلًا أَنَّ العَظَمَةَ تُشبِهُهَا.
وَحِينَ نَفَونِي إِلَى بَرشَلُونَة، ظَنَنتُ أَنَّ حَيَاتِيَ انتَهَت.
لَكِنَّ الغَرِيبَ أَنَّ الأَندَلُسَ هِيَ الَّتِي عَلَّمَتنِي كَيفَ أُصبِحُ شَاعِرَ شَعبٍ لَا شَاعِرَ بَلَاط.
مَشَيتُ بَينَ أَعمِدَةِ قُرطُبَة، وَوَقَفتُ فِي بَاحَةِ الأُسُودِ فِي الحَمرَاء، وَفَهِمتُ أَنَّ كُلَّ مَجدٍ يَنتَهِي، حَتَّى مَجدَ مَن ظَنَنتُ أَنَّنِي أَخدُمُهُم بِقَصَائِدِي.”
سَأَلَ الكَاتِب:
“وَحِينَ عُدتَ عَامَ ١٩٢٠، هَل عُدتَ شَاعِرَ القَصرِ نَفسَهُ، أَم شَاعِرًا آخَر؟”
“عُدتُ رَجُلًا يَكتُبُ لِلنَّاسِ لَا لِلعَرش،”
أَجَابَ شَوقِي.
“وَلِهَذَا، حِينَ بَايَعُونِي اللَّيلَةَ، لَم أَشعُر بِالفَخرِ الَّذِي تَخَيَّلتُه. شَعَرتُ بِثِقَلٍ غَرِيب، وَكَأَنَّهُم يُتَوِّجُونَ رَجُلًا مَاتَ وَعَادَ رَجُلًا آخَر، وَلَم يُخبِرهُم أَحَد.”
مِن هُنَا، يُثبِتُ مُحَرِّرُ المَحضَرِ فِي مَجلِسِ الظِّلِّ فِي هَامِشِ الصَّفحَةِ مَا يَلِي:
“فِي تِلكَ اللَّحظَةِ، طَلَبَ الأَمِيرُ مِنَ الكَاتِبِ أَن يُغَادِرَ لِدَقَائِق، فَخَرَجتُ إِلَى الشُّرفَة.
وَحِينَ عُدت، وَجَدتُهُ يُمَزِّقُ وَرَقَةً كَانَ قَد بَدَأَ يَكتُبُ عَلَيهَا خِطَابًا يَعتَذِرُ فِيهِ عَنِ الإِمَارَة، وَاصِفًا نَفسَهُ فِيهِ بِأَنَّهُ “لَا يَستَحِقُّ تَاجًا لَم يَصنَعهُ الشِّعرُ وَحدَهُ، بَل صَنَعَتهُ أَيضًا سَنَوَاتٌ مِنَ القُربِ مِنَ السُّلطَة.”
طَلَبَ مِنِّي أَلَّا أُدَوِّنَ هَذَا فِي المَحضَرِ الرَّسمِيّ، فَاحتَفَظتُ بِهِ فِي هَذَا الهَامِشِ وَحدَه، أَمَانَةً لِمَن يَأتِي بَعدِي.”
عَادَ شَوقِي إِلَى المَقعَد، وَبَدَا أَهدَأَ مِمَّا كَان.
سَأَلَهُ الكَاتِبُ سُؤَالَهُ الأَخِير:
“إِذَن، مَاذَا كُنتَ لِتُصبِح، لَو لَم يَنثُر الخَدِيوِيُّ إِسمَاعِيل الذَّهَبَ أَمَامَكَ ذَاتَ يَومٍ فِي طُفُولَتِك؟”
ابتَسَمَ شَوقِي ابتِسَامَةً بَعِيدَة، وَكَأَنَّ السُّؤَالَ أَعَادَهُ إِلَى حَدِيقَةِ القَصرِ قَبلَ نِصفِ قَرن.
“أَتَعرِفُ هَذِهِ الحِكَايَة؟ كُنتُ طِفلًا، فَنَثَرَ الخَدِيوِيُّ جُنَيهَاتٍ ذَهَبِيَّةً أَمَامَ عَينَيَّ لِيَرَى إِلَى أَينَ يَتَّجِهُ نَظَرِي.
وَبَدَلَ أَن أَنحَنِيَ لِأَلتَقِطَهَا، رَفَعتُ رَأسِي إِلَى السَّمَاء. فَابتَسَمَ، وَنَصَحَ جَدَّتِي أَن تُكرِّرَ إِحضَارِي إِلَى القَصر، لِيَتَعَلَّقَ قَلبِي بِهِ.
وَقَد نَجَحَت خُطَّتُهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَة.
لَكِنَّ عَينَيَّ، يَا صَدِيقِي، ظَلَّتَا -فِي مَكَانٍ مَا مِنِّي- تَنظُرَانِ إِلَى السَّمَاءِ، لَا إِلَى الذَّهَب.
وَرُبَّمَا كَانَ كُلُّ شِعرِي، فِي النِّهَايَة، مُحَاوَلَةً لِلعَودَةِ إِلَى تِلكَ النَّظرَةِ الأُولَى.”
كَتَبَ الكَاتِبُ فِي خِتَامِ المَحضَر:
“أَغلَقتُ دَفتَرِي وَخَرَجتُ مِنَ الفِيلَّا قَبلَ الفَجرِ بِقَلِيل. تَرَكتُ أَمِيرَ الشُّعَرَاءِ وَحدَهُ فِي مَكتَبَتِهِ، بَينَ تَاجٍ لَم يَلمِسهُ، وَوَرَقَةٍ مُمَزَّقَةٍ لَم يَرَهَا أَحَدٌ غَيرِي.”
رَفَعَت سُلَافَةُ عَينَيهَا عَنِ الصَّفحَةِ الأَخِيرَةِ فِي الحَافِظَة، وَشَعَرَت بِبُرُودَةٍ تَسرِي فِي أَصَابِعِهَا لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِبَردِ اللَّيلِ الأَلمَانِيّ.
لَم تَكُن تَعرِفُ، حَتَّى تِلكَ اللَّحظَة، حِكَايَةَ الذَّهَبِ وَالسَّمَاء، وَلَا أَنَّ
“أَمِيرَ الشُّعَرَاء”
كَادَ يَرفُضُ إِمَارَتَهُ فِي اللَّيلَةِ الَّتِي مُنِحَهَا فِيهَا.
بَحَثَت بِسُرعَةٍ فِي هَاتِفِهَا عَن حِكَايَةِ الذَّهَب، فَوَجَدَتهَا فِعلًا فِي أَكثَرَ مِن مَصدَرٍ مُوَثَّق:
تَفصِيلٌ صَغِيرٌ مِن طُفُولَةِ شَوقِي، مَعرُوفٌ لَدَى البَاحِثِينَ، لَكِنَّهُ نَادِرًا مَا يُروَى لِلقُرَّاءِ خَارِجَ الدَّوَائِرِ الأَكَادِيمِيَّة.
أَمَّا الوَرَقَةُ المُمَزَّقَة، فَلَم تَجِد لَهَا أَثَرًا فِي أَيِّ كِتَاب.
فِي أَسفَلِ آخِرِ صَفحَةٍ فِي الحَافِظَة، وَجَدَت سُلَافَةُ سَطرًا أَضَافَهُ جَدُّهَا بِخَطِّهِ الحَدِيث، وَكَأَنَّهُ كَتَبَهُ قَبلَ أَيَّامٍ مِن رَحِيلِهِ لَا قَبلَ عُقُود:
“الوَرَقَةُ المُمَزَّقَةُ لَم تُحرَق.
لِمَن أَرَادَ أَن يَبحَثَ عَنهَا يَومًا:
فَتِّشِي عَن الأَدرَاجِ السُّفلَى فِي مَكتَبَةِ كَرمَةِ ابنِ هَانِئ، حَيثُ لَا يَبحَثُ أَحَد.”
أَغلَقَت سُلَافَةُ الحَافِظَة، وَأَحَسَّت لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّ مَا وَرِثَتهُ لَيسَ فَقَط قِصَصًا عَنِ المَاضِي، بَل خُيُوطًا لَا تَزَالُ حَيَّةً، تَمتَدُّ مِن مَكتَبَةٍ فِي الجِيزَةِ إِلَى صُندُوقٍ عَلَى طَاوِلَةِ مَطبَخِهَا فِي أَلمَانِيَا.
وَقَبلَ أَن تَنَامَ تِلكَ اللَّيلَة، دَوَّنَت عَلَى هَاتِفِهَا رِسَالَةً وَاحِدَةً لِنَفسِهَا:
“الجَلسَةُ الثَّانِيَةُ غَدًا.
وَقَبلَهَا، مَوعِدٌ مَعَ رَجُلٍ لَا أَعرِفُ حَقًّا مَاذَا يُرِيد.”
