النص الكامل للجزء الأول من رواية (الحَبَّةُ السَّابِعَةُ)
الفَصْلُ الأَوَّلُ
كَانَ الصَّبَاحُ فِي تِلْكَ المَدِينَةِ الأَلْمَانِيَّةِ الصَّغِيرَةِ يَبْدَأُ دَائِمًا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا؛ ضَوْءٌ رَمَادِيٌّ رَقِيقٌ يَتَسَلَّلُ مِنْ خَلْفِ السَّتَائِرِ البَيْضَاءِ، وَصَوْتٌ خَفِيفٌ لِآلَةِ القَهْوَةِ فِي المَطْبَخِ، وَصَمْتٌ لَا يُشْبِهُ أَيَّ صَمْتٍ آخَرَ عَرَفَهُ كَنْعَانُ فِي حَيَاتِهِ الطَّوِيلَةِ؛ صَمْتٌ لَا يَحْمِلُ تَهْدِيدًا، وَلَا يُخْفِي وَرَاءَهُ أُذُنًا تُصْغِي، وَلَا خُطُوَاتٍ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً خَلْفَ البَابِ. كَانَ هَذَا الصَّمْتُ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، مَا زَالَ يُشْعِرُهُ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الدَّهْشَةِ مِنْهُ إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ؛ كَأَنَّ جَسَدَهُ لَمْ يُصَدِّقْ بَعْدُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الحَقَّ فِي أَنْ يَسْتَيْقِظَ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ: هَلْ أَنَا بِأَمَانٍ؟
كَانَتْ شَوَارِعُ الحَيِّ، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ المُبَكِّرَةِ مِنْ صَبَاحِ الأَحَدِ، شِبْهَ خَالِيَةٍ، لَا يَقْطَعُهَا سِوَى عَابِرٍ وَحِيدٍ يَمْشِي كَلْبَهُ، أَوْ دَرَّاجَةٍ هَوَائِيَّةٍ تَمُرُّ بِبُطْءٍ عَلَى الرَّصِيفِ المُقَابِلِ، وَكَانَتْ أَشْجَارُ الحَدِيقَةِ الخَلْفِيَّةِ، الَّتِي زَرَعَهَا كَنْعَانُ وَوِدَادُ بِأَيْدِيهِمَا فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنِ انْتِقَالِهِمَا إِلَى هَذَا البَيْتِ، قَدْ بَدَأَتْ تَفْقِدُ أَوْرَاقَهَا الأَخِيرَةَ اسْتِعْدَادًا لِشِتَاءٍ لَمْ يَعُدْ بَعِيدًا.
كَانَ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ مِنْ حَيَاتِهِ، رَجُلًا يَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَ نَفْسَهُ جَيِّدًا، بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ بَعْدَ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ عَامًا مِنَ العَيْشِ، وَمِنَ الكِتَابَةِ، وَمِنْ مُرَاقَبَةِ البَشَرِ مِنْ حَوْلِهِ بِعَيْنِ الرِّوَائِيِّ الَّتِي لَا تَكُفُّ أَبَدًا عَنِ السُّؤَالِ: مَاذَا يُخْفِي هَذَا الإِنْسَانُ تَحْتَ ابْتِسَامَتِهِ؟ وَمَاذَا يُخْفِي ذَلِكَ تَحْتَ صَمْتِهِ؟ كَانَ قَدْ أَمْضَى عُمْرًا كَامِلًا يَسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ عَنْ شَخْصِيَّاتِهِ، عَنْ جِيرَانِهِ، عَنِ الغُرَبَاءِ الَّذِينَ يَلْتَقِيهِمْ فِي القِطَارِ أَوْ فِي المَقْهَى، لَكِنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَوْمًا، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةَ بِالذَّاتِ، أَنْ يُوَجِّهَ السُّؤَالَ نَفْسَهُ إِلَى حَيَاتِهِ هُوَ، إِلَى الأَشْيَاءِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَ يَبْتَلِعُهَا كُلَّ صَبَاحٍ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، إِلَى الثِّقَةِ العَمْيَاءِ الَّتِي بَنَاهَا، عَلَى مَدَى عُقُودٍ، تُجَاهَ كُلِّ مَنْ قَالَ لَهُ: “خُذْ هَذَا، إِنَّهُ لِمَصْلَحَتِكَ.”
فِي الثَّامِنَةِ وَالنِّصْفِ مِنْ صَبَاحِ كُلِّ يَوْمِ أَحَدٍ، كَانَ كَنْعَانُ يَجْلِسُ إِلَى طَاوِلَةِ المَطْبَخِ الصَّغِيرَةِ، أَمَامَ النَّافِذَةِ المُطِلَّةِ عَلَى حَدِيقَةٍ خَلْفِيَّةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، لِيُؤَدِّيَ طَقْسًا لَا يَبْدُو فِي ظَاهِرِهِ سِوَى تَفْصِيلٍ بَسِيطٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ: تَرْتِيبَ عُلْبَةِ الدَّوَاءِ الأُسْبُوعِيَّةِ.
كَانَتِ العُلْبَةُ بِلَاسْتِيكِيَّةً، مُقَسَّمَةً إِلَى سَبْعِ خَانَاتٍ صَغِيرَةٍ، كُلُّ خَانَةٍ تَحْمِلُ حَرْفَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ بِالأَلْمَانِيَّةِ: مُونْتَاغ، دِينْسْتَاغ، مِيتْفُوخ، دُونَرْسْتَاغ، فْرَايْتَاغ، زَامْسْتَاغ، زُونْتَاغ. هَدِيَّةٌ بَسِيطَةٌ قَدَّمَهَا لَهُ طَبِيبُهُ قَبْلَ سِنِينَ حِينَ بَدَأَ يَتَنَاوَلُ دَوَاءَ ضَغْطِ الدَّمِ مَعَ دَوَاءٍ آخَرَ لِتَنْظِيمِ الكُولِسْتِرُولِ، ثُمَّ أُضِيفَتْ إِلَيْهِمَا، مُنْذُ عَامَيْنِ، حَبَّةٌ ثَالِثَةٌ صَغِيرَةُ الحَجْمِ، بَيْضَاوِيَّةُ الشَّكْلِ، بَيْضَاءُ اللَّوْنِ تَقْرِيبًا، تُوصَفُ لَهُ لِحَالَةٍ خَفِيفَةٍ فِي نَظْمِ القَلْبِ لَا تَسْتَدْعِي قَلَقًا، عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ الطَّبِيبِ، “مُجَرَّدُ إِجْرَاءٍ وِقَائِيٍّ، أُسْتَاذُ، لَا أَكْثَرَ”.
كَانَ كَنْعَانُ يُحِبُّ هَذَا الطَّقْسَ الصَّغِيرَ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ لِأَحَدٍ، وَلَا حَتَّى لِزَوْجَتِهِ وِدَادَ الَّتِي تُشَارِكُهُ البَيْتَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا. كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُمْسِكَ بِشَرِيطِ الدَّوَاءِ، أَنْ يَفْتَحَ الأَغْلِفَةَ الفِضِّيَّةَ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ الصَّوْتَ الخَفِيفَ الَّذِي يُشْبِهُ فَرْقَعَةً صَغِيرَةً حِينَ تَنْفَصِلُ الحَبَّةُ عَنْ غِلَافِهَا، أَنْ يُرَتِّبَ الحُبُوبَ فِي خَانَاتِهَا بِتَرْتِيبٍ يُشْبِهُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ فِي الصَّفْحَةِ: كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ، كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّنَبُّؤُ بِهِ، كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ.
وَلَعَلَّ هَذَا بِالذَّاتِ مَا كَانَ يَعْنِيهِ لَهُ هَذَا الطَّقْسُ الصَّغِيرُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْنِيهِ الدَّوَاءُ نَفْسُهُ: الشُّعُورُ بِأَنَّ حَيَاتَهُ، بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ التَّنَقُّلِ وَالاِقْتِلَاعِ وَالبِدَايَاتِ الجَدِيدَةِ، أَصْبَحَتْ أَخِيرًا شَيْئًا يُمْكِنُ تَرْتِيبُهُ فِي عُلْبَةٍ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، مُقَسَّمَةً، مُنَظَّمَةً، لَا مُفَاجَآتٍ فِيهَا.
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ تَحْدِيدًا، صَبَاحَ أَحَدٍ مِنْ أَوَاخِرِ الخَرِيفِ، كَانَتْ وِدَادُ مَا تَزَالُ نَائِمَةً، وَالبَيْتُ هَادِئٌ كَمَا هُوَ فِي كُلِّ صَبَاحِ أَحَدٍ، وَلُبْنَى، ابْنَتُهُمَا الوَحِيدَةُ، كَانَتْ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى تَعِيشُ حَيَاتَهَا المُسْتَقِلَّةَ كَصَحَفِيَّةٍ اسْتِقْصَائِيَّةٍ شَابَّةٍ، تَتَّصِلُ بِهِمَا كُلَّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَحْيَانًا بِصَوْتٍ مُرْهَقٍ يَشِي بِلَيْلَةِ عَمَلٍ طَوِيلَةٍ، وَأَحْيَانًا بِصَوْتٍ مَرِحٍ يُذَكِّرُ كَنْعَانَ بِطُفُولَتِهَا.
جَلَسَ كَنْعَانُ أَمَامَ الطَّاوِلَةِ، وَفَتَحَ دُرْجَ الدَّوَاءِ، وَأَخْرَجَ الأَشْرِطَةَ الثَّلَاثَةَ كَعَادَتِهِ، وَرَتَّبَهَا أَمَامَهُ بِعِنَايَةٍ شِبْهِ طَقْسِيَّةٍ. بَدَأَ بِالشَّرِيطِ الأَوَّلِ، شَرِيطِ الضَّغْطِ، فَوَضَعَ حَبَّةً فِي كُلِّ خَانَةٍ مِنَ الخَانَاتِ السَّبْعِ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّرِيطِ الثَّانِي، شَرِيطِ الكُولِسْتِرُولِ، وَكَرَّرَ الحَرَكَةَ نَفْسَهَا بِيَدٍ لَا تَزَالُ تَحْمِلُ ثَبَاتَ الكَاتِبِ المُعْتَادِ عَلَى مَسْكِ القَلَمِ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ. ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الشَّرِيطِ الثَّالِثِ، شَرِيطِ القَلْبِ.
تَوَقَّفَتْ يَدُهُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ.
لَمْ يَكُنْ تَوَقُّفًا دِرَامِيًّا، وَلَا مُفَاجِئًا بِالمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ القَلْبَ يَقْفِزُ فِي الصَّدْرِ. كَانَ تَوَقُّفًا صَغِيرًا، بِالكَادِ يُلَاحَظُ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَحْدُثُ حِينَ تَلْمَحُ العَيْنُ تَفْصِيلًا غَيْرَ مُتَوَقَّعٍ فَتَطْلُبُ مِنَ اليَدِ أَنْ تَنْتَظِرَ لَحْظَةً رَيْثَمَا يَتَأَكَّدُ الدِّمَاغُ مِنْ أَنَّ مَا رَآهُ صَحِيحٌ.
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى الحَبَّةِ السَّابِعَةِ فِي الشَّرِيطِ، الحَبَّةِ المُخَصَّصَةِ لِيَوْمِ الأَحَدِ، خَانَةِ “زُونْتَاغ”.
كَانَتْ مُخْتَلِفَةً.
لَمْ يَكُنِ الاِخْتِلَافُ صَارِخًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَيُّ إِنْسَانٍ عَادِيٍّ أَنْ يُلَاحِظَهُ مِنَ النَّظْرَةِ الأُولَى. لَكِنَّ كَنْعَانَ، الَّذِي اعْتَادَ طَوَالَ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنَ الكِتَابَةِ الرِّوَائِيَّةِ أَنْ يُلَاحِظَ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يَتَجَاوَزُهَا الآخَرُونَ، أَنْ يَقْرَأَ فِي انْحِنَاءَةِ كَتِفٍ أَوْ نَبْرَةِ صَوْتٍ مَا لَا يُقَالُ، لَاحَظَ الفَرْقَ فَوْرًا.
كَانَتِ الحَبَّاتُ السِّتُّ الأُخْرَى بَيْضَاوِيَّةَ الشَّكْلِ، مُحَدَّبَةً قَلِيلًا مِنَ الوَسَطِ، بَيْضَاءَ اللَّوْنِ تَمَامًا، وَعَلَيْهَا خَطٌّ رَفِيعٌ فِي المُنْتَصَفِ يُقَسِّمُهَا إِلَى نِصْفَيْنِ، كَمَا اعْتَادَ أَنْ يَرَاهَا مُنْذُ عَامَيْنِ.
أَمَّا الحَبَّةُ السَّابِعَةُ، حَبَّةُ يَوْمِ الأَحَدِ، فَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً بِشَكْلٍ طَفِيفٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ لِمَنْ يُدَقِّقُ: أَكْثَرَ اسْتِدَارَةً قَلِيلًا مِنْ أَخَوَاتِهَا، لَوْنُهَا أَمْيَلُ إِلَى البَيَاضِ المُصْفَرِّ الخَفِيفِ بَدَلًا مِنَ البَيَاضِ النَّاصِعِ، وَسَطْحُ الخَطِّ الفَاصِلِ فِي وَسَطِهَا كَانَ أَعْمَقَ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهُ حُفِرَ بِأَدَاةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَوْ بِيَدٍ مُخْتَلِفَةٍ.
جَلَسَ كَنْعَانُ صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ، يَنْظُرُ إِلَى الحَبَّةِ الصَّغِيرَةِ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى كَلِمَةٍ كَتَبَهَا فِي رِوَايَةٍ مُنْذُ سِنِينَ ثُمَّ عَادَ لِيَقْرَأَهَا فَوَجَدَهَا غَرِيبَةً عَنْ سِيَاقِهَا، كَأَنَّ يَدًا أُخْرَى غَيْرَ يَدِهِ هِيَ الَّتِي وَضَعَتْهَا هُنَاكَ.
قَالَ لِنَفْسِهِ، بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ هَادِئٍ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ بِالهُدُوءِ: رُبَّمَا تَغَيَّرَ المُصَنِّعُ. رُبَّمَا هَذِهِ دَفْعَةُ إِنْتَاجٍ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ الشَّرِكَةِ نَفْسِهَا. الأَدْوِيَةُ الجَنِيسَةُ تَتَغَيَّرُ أَشْكَالُهَا أَحْيَانًا بَيْنَ دَفْعَةٍ وَأُخْرَى، هَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ حَدَثَ مِنْ قَبْلُ مَعَ أَدْوِيَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ يَعْنِي شَيْئًا فِي كُلِّ تِلْكَ المَرَّاتِ السَّابِقَةِ.
لَكِنَّ الإِنْسَانَ، كَمَا سَيَكْتُبُ كَنْعَانُ لَاحِقًا فِي مُفَكِّرَتِهِ الخَاصَّةِ بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَا يَخَافُ مِنَ الاِخْتِلَافِ الصَّغِيرِ فِي ذَاتِهِ. إِنَّهُ يَخَافُ حِينَ يَجِدُ فِي دَاخِلِهِ، فِي مَكَانٍ قَدِيمٍ لَا يَزُورُهُ كَثِيرًا، اسْتِعْدَادًا كَامِنًا لِلخَوْفِ، جَاهِزًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، يَنْتَظِرُ فَقَطْ إِشَارَةً صَغِيرَةً كَيْ يَسْتَيْقِظَ.
وَكَانَ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا شَعَرَ بِهِ كَنْعَانُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ: لَيْسَ خَوْفًا مِنْ حَبَّةِ دَوَاءٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ، بَلْ شُعُورًا مُفَاجِئًا بِأَنَّ شَيْئًا مَا، فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِ، قَدِ اسْتَيْقَظَ.
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَذَهَبَ إِلَى الحَمَّامِ، وَأَخْرَجَ عُلْبَةَ الدَّوَاءِ الأَصْلِيَّةَ، الشَّرِيطَ الَّذِي لَمْ يُسْتَخْدَمْ بَعْدُ مِنْ نَفْسِ الدَّفْعَةِ، لِيُقَارِنَ. لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدِ الشَّرِيطَ. تَذَكَّرَ أَنَّهُ رَمَى الغِلَافَ الفَارِغَ بَعْدَ أَنْ أَفْرَغَ الحُبُوبَ الأَخِيرَةَ مِنْهُ فِي الأُسْبُوعِ المَاضِي، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ دَائِمًا، دُونَ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَحْتَاجُ إِلَى الاِحْتِفَاظِ بِغِلَافِ دَوَاءٍ فَارِغٍ كَدَلِيلٍ عَلَى شَيْءٍ مَا.
عَلَى شَيْءٍ مَا.
تَوَقَّفَ عِنْدَ هَذِهِ العِبَارَةِ الَّتِي مَرَّتْ فِي ذِهْنِهِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ: دَلِيلٌ. لِمَاذَا فَكَّرَ بِكَلِمَةِ “دَلِيلٍ”؟ الأَدِلَّةُ تُجْمَعُ حِينَ يَكُونُ هُنَاكَ جَرِيمَةٌ، أَوْ شُبْهَةُ جَرِيمَةٍ، أَوْ تَحْقِيقٌ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَلَى الأَقَلِّ، يَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا ارْتَكَبَ جَرِيمَةً ضِدَّهُ. كَانَتْ مُجَرَّدَ حَبَّةِ دَوَاءٍ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ قَلِيلًا. هَذَا كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ.
عَادَ إِلَى المَطْبَخِ، وَوَضَعَ الحَبَّةَ السَّابِعَةَ جَانِبًا، عَلَى مِنْدِيلٍ وَرَقِيٍّ أَبْيَضَ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي خَانَتِهَا المُعْتَادَةِ، ثُمَّ أَكْمَلَ تَرْتِيبَ بَاقِي الحُبُوبِ فِي الخَانَاتِ المُخَصَّصَةِ لَهَا، بِيَدٍ لَمْ تَعُدْ ثَابِتَةً تَمَامًا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ دَقَائِقَ.
جَلَسَتْ وِدَادُ إِلَى الطَّاوِلَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ، شَعْرُهَا مَا يَزَالُ مُنْسَدِلًا كَمَا يَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ، وَابْتِسَامَةُ الصَّبَاحِ المُعْتَادَةُ عَلَى وَجْهِهَا، ابْتِسَامَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ لِتَقُولَ “صَبَاحُ الخَيْرِ”. لَاحَظَتِ الحَبَّةَ المَوْضُوعَةَ عَلَى المِنْدِيلِ، فَسَأَلَتْ وَهِيَ تَصُبُّ لِنَفْسِهَا كُوبًا مِنَ الشَّايِ:
“مَا هَذَا؟ نَسِيتَ مَكَانَهَا؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ، وَتَرَدَّدَ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَهُوَ تَرَدُّدٌ لَمْ يَعْتَدْهُ فِي حَدِيثِهِ مَعَهَا، فَقَدْ كَانَا، طَوَالَ سَنَوَاتِ زَوَاجِهِمَا، يَتَشَارَكَانِ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ، مِنْ قَرَارِ شِرَاءِ أَثَاثٍ جَدِيدٍ إِلَى أَدَقِّ مَشَاعِرِهِمَا تُجَاهَ أَحْدَاثِ العَالَمِ.
قَالَ أَخِيرًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ صَوْتُهُ عَادِيًّا كَعَادَتِهِ: “لَا، لَيْسَتْ مَنْسِيَّةً. أَظُنُّ… أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الحَبَّةَ مُخْتَلِفَةٌ عَنِ البَقِيَّةِ.”
نَظَرَتْ وِدَادُ إِلَيْهِ بِتَعَجُّبٍ لَطِيفٍ، ثُمَّ مَالَتْ بِرَأْسِهَا لِتَرَى الحَبَّةَ عَنْ قُرْبٍ، بِلَا قَلَقٍ ظَاهِرٍ، بَلْ بِفُضُولٍ عَابِرٍ أَقْرَبَ إِلَى فُضُولِ رَبَّةِ بَيْتٍ تُلَاحِظُ تَفْصِيلًا صَغِيرًا فِي المَطْبَخِ.
قَالَتْ: “مُخْتَلِفَةٌ كَيْفَ؟ أَرِنِي.”
أَخَذَتِ الحَبَّةَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهَا، وَقَلَّبَتْهَا، وَقَارَنَتْهَا بِحَبَّةٍ أُخْرَى مِنَ الشَّرِيطِ نَفْسِهِ أَحْضَرَهَا كَنْعَانُ مِنَ الخَانَةِ المُجَاوِرَةِ. تَفَحَّصَتْهَا لِلَحَظَاتٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ مَزْحَةٍ خَفِيفَةٍ: “رُبَّمَا الشَّرِكَةُ غَيَّرَتْ شَكْلَ العُبُوَّةِ. يَحْدُثُ هَذَا دَائِمًا. أَتَذَكَّرُ حِينَ غَيَّرُوا شَكْلَ حُبُوبِ الفِيتَامِينِ الَّتِي كُنْتُ آخُذُهَا، صِرْتُ أَظُنُّ كُلَّ أُسْبُوعٍ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا لِي دَوَاءً آخَرَ بِالخَطَأِ.”
ابْتَسَمَ كَنْعَانُ ابْتِسَامَةً لَمْ تَصِلْ إِلَى عَيْنَيْهِ تَمَامًا، وَقَالَ: “رُبَّمَا أَنْتِ مُحِقَّةٌ.”
لَكِنَّهُ، حِينَ نَهَضَتْ وِدَادُ لِتَحْضِيرِ الفَطُورِ وَهِيَ تُدَنْدِنُ بِلَحْنٍ قَدِيمٍ كَانَتْ تُحِبُّهُ، أَخَذَ الحَبَّةَ السَّابِعَةَ بِهُدُوءٍ، وَلَفَّهَا فِي المِنْدِيلِ الوَرَقِيِّ، وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ، دُونَ أَنْ يُخْبِرَهَا بِذَلِكَ، وَدُونَ أَنْ يَفْهَمَ تَمَامًا لِمَاذَا شَعَرَ بِحَاجَةٍ إِلَى إِخْفَائِهَا بَدَلًا مِنْ رَمْيِهَا بِبَسَاطَةٍ كَمَا يُوحِي كُلُّ المَنْطِقِ.
بَعْدَ الفَطُورِ، اقْتَرَحَتْ وِدَادُ، كَمَا تَفْعَلُ فِي كُلِّ صَبَاحِ أَحَدٍ لَا يَكُونُ فِيهِ المَطَرُ غَزِيرًا، أَنْ يَخْرُجَا فِي نُزْهَةٍ قَصِيرَةٍ إِلَى الحَدِيقَةِ العَامَّةِ القَرِيبَةِ مِنْ بَيْتِهِمَا، تِلْكَ الحَدِيقَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُحِيطُ بِبُحَيْرَةٍ اصْطِنَاعِيَّةٍ هَادِئَةٍ، وَالَّتِي أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ طُقُوسِ حَيَاتِهِمَا مُنْذُ سِنِينَ، بِقَدْرِ مَا أَصْبَحَتْ عُلْبَةُ الدَّوَاءِ الأُسْبُوعِيَّةُ جُزْءًا مِنْ طُقُوسِهِمَا اليَوْمِيَّةِ.
ارْتَدَيَا مِعْطَفَيْهِمَا، وَخَرَجَا يَمْشِيَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ عَلَى المَمَرِّ الحَصَوِيِّ المُحَاذِي لِلْبُحَيْرَةِ، بَيْنَ أَشْجَارِ البَلُّوطِ وَالزَّانِ الَّتِي بَدَأَتْ أَوْرَاقُهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى دَرَجَاتٍ مِنَ الذَّهَبِيِّ وَالبُرْتُقَالِيِّ وَالبُنِّيِّ، تَتَسَاقَطُ بِبُطْءٍ كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تُفَارِقَ أَغْصَانَهَا، وَكَأَنَّ الخَرِيفَ، فِي هَذِهِ المَدِينَةِ الأَلْمَانِيَّةِ الهَادِئَةِ، لَا يُشْبِهُ الخَرِيفَ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ عَرَفَهُ كَنْعَانُ، فَهُوَ خَرِيفٌ لَا يَحْمِلُ مَعَهُ شُعُورًا بِالنِّهَايَةِ، بَلْ شُعُورًا بِدَوْرَةٍ طَبِيعِيَّةٍ هَادِئَةٍ، مُتَكَرِّرَةٍ، آمِنَةٍ.
مَشَيَا صَامِتَيْنِ لِبَعْضِ الوَقْتِ، كَمَا اعْتَادَا أَنْ يَفْعَلَا أَحْيَانًا، فَالصَّمْتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ أَبَدًا صَمْتَ الغُرَبَاءِ، بَلْ صَمْتَ الأَزْوَاجِ الَّذِينَ قَضَوْا مَعًا وَقْتًا كَافِيًا لِيَعْرِفُوا أَنَّ الكَلَامَ لَيْسَ ضَرُورِيًّا لِكُلِّ لَحْظَةٍ.
ثُمَّ قَالَتْ وِدَادُ فَجْأَةً، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى انْعِكَاسِ الأَشْجَارِ فِي مِيَاهِ البُحَيْرَةِ السَّاكِنَةِ: “كَنْعَانُ، أَنْتَ شَارِدٌ مُنْذُ الصَّبَاحِ. أَعْرِفُ أَنَّكَ تُفَكِّرُ فِي تِلْكَ الحَبَّةِ، رَغْمَ أَنَّكَ تُحَاوِلُ أَلَّا يَظْهَرَ ذَلِكَ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ، غَيْرَ مُتَفَاجِئٍ مِنْ أَنَّهَا لَاحَظَتْ، فَوِدَادُ كَانَتْ دَائِمًا أَكْثَرَ قُدْرَةً مِنْهُ عَلَى قِرَاءَةِ مَا يَدُورُ فِي دَاخِلِهِ، حَتَّى حِينَ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَمِّيَ مَا يَشْعُرُ بِهِ بِدِقَّةٍ.
قَالَ: “رُبَّمَا أَنْتِ مُحِقَّةٌ. لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا، لَكِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ الصَّغِيرَ ظَلَّ يُلِحُّ عَلَيَّ طَوَالَ اللَّيْلِ. رُبَّمَا لِأَنَّنِي كَاتِبٌ، وَالكَاتِبُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمُرَّ بِتَفْصِيلٍ صَغِيرٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ: مَاذَا لَوْ كَانَ هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ بِدَايَةَ شَيْءٍ أَكْبَرَ؟”
ضَحِكَتْ وِدَادُ ضَحِكَةً خَفِيفَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ ضَحِكَةَ اسْتِهْزَاءٍ، بَلْ ضَحِكَةَ الزَّوْجَةِ الَّتِي تَعْرِفُ زَوْجَهَا جَيِّدًا: “أَنْتَ تَتَعَامَلُ مَعَ حَيَاتِكَ كَأَنَّهَا إِحْدَى رِوَايَاتِكَ. لَا كُلُّ التَّفَاصِيلِ تُخْفِي وَرَاءَهَا سِرًّا يَا كَنْعَانُ. أَحْيَانًا الحَبَّةُ المُخْتَلِفَةُ الشَّكْلِ هِيَ فَقَطْ حَبَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الشَّكْلِ.”
قَالَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ رَغْمَ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ لَمْ يَقْتَنِعْ تَمَامًا: “رُبَّمَا. لَكِنْ دَعِينِي أَطْمَئِنَّ فَقَطْ. سَأَلْتُ الدُّكْتُورَ شْتْرَاوْسَ اليَوْمَ، وَسَيُرْسِلُهَا إِلَى المُخْتَبَرِ.”
تَوَقَّفَتْ وِدَادُ عَنِ المَشْيِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَقَالَتْ: “أَخْبَرْتَنِي لِلتَّوِّ أَنَّكَ ذَاهِبٌ إِلَى الطَّبِيبِ لِفَحْصٍ رُوتِينِيٍّ، وَلَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّكَ أَخَذْتَ الحَبَّةَ مَعَكَ لِتَسْأَلَهُ عَنْهَا. لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِذَلِكَ هَذَا الصَّبَاحَ؟”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِارْتِبَاكٍ خَفِيفٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يَجِدَ جَوَابًا لَا يَبْدُو دِفَاعِيًّا: “لَمْ أُرِدْ أَنْ أُقْلِقَكِ مِنْ أَجْلِ أَمْرٍ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ أَيُّ مَعْنًى. رُبَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ خَطَأٍ فِي التَّصْنِيعِ، كَمَا قُلْتِ أَنْتِ بِنَفْسِكِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وِدَادُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، لَمْ تَقُلْ فِيهَا شَيْئًا، لَكِنَّ كَنْعَانَ أَدْرَكَ، مِنْ تِلْكَ النَّظْرَةِ تَحْدِيدًا، أَنَّ جُزْءًا صَغِيرًا مِنَ الثِّقَةِ المُطْلَقَةِ الَّتِي عَاشَا بِهَا طَوَالَ ثَلَاثِينَ عَامًا قَدِ اهْتَزَّ، بِشَكْلٍ بِالكَادِ مَحْسُوسٍ، لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ: فَهُوَ، لِلمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَخْفَى عَنْهَا تَفْصِيلًا، وَلَوْ كَانَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا، قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ مَتَى وَكَيْفَ يُشَارِكُهَا إِيَّاهُ.
أَكْمَلَا المَشْيَ بِصَمْتٍ أَطْوَلَ مِنَ المُعْتَادِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَحِينَ وَصَلَا إِلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ مُطِلٍّ عَلَى البُحَيْرَةِ، جَلَسَا عَلَيْهِ لِلَحَظَاتٍ، يُرَاقِبَانِ بَطَّتَيْنِ تَسْبَحَانِ بِبُطْءٍ فَوْقَ سَطْحِ المَاءِ الهَادِئِ، وَكَنْعَانُ يَشْعُرُ أَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ الَّذِي سَيُرَاوِدُهُ لَاحِقًا أَمَامَ بَابِ بَيْتِهِ، سُؤَالَ “مَنْ كَانَ يَخْتَارُ لِي مَا أَبْتَلِعُهُ”، بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَمَامَ تِلْكَ البُحَيْرَةِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ بَعْدُ أَنَّهُ سَيُلَاحِقُهُ طَوَالَ الأَسَابِيعِ القَادِمَةِ.
عَادَا إِلَى البَيْتِ قُبَيْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَ الغَدَاءِ، رَنَّ هَاتِفُ كَنْعَانَ، وَكَانَ الاِسْمُ الظَّاهِرُ عَلَى الشَّاشَةِ هُوَ “لُبْنَى”، فَابْتَسَمَ كَنْعَانُ ابْتِسَامَةً تِلْقَائِيَّةً، فَمُكَالَمَاتُ ابْنَتِهِ كَانَتْ دَائِمًا مِنَ الأَشْيَاءِ القَلِيلَةِ القَادِرَةِ عَلَى تَبْدِيدِ أَيِّ قَلَقٍ يُخَالِجُهُ.
قَالَتْ لُبْنَى مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، بِصَوْتِهَا المَرِحِ المُعْتَادِ الَّذِي يَحْمِلُ دَائِمًا نَبْرَةً مِنَ الاِسْتِعْجَالِ اللَّطِيفِ: “أَبِي! كَيْفَ حَالُكَ؟ كَيْفَ حَالُ الرِّوَايَةِ؟ هَلِ انْتَهَيْتَ مِنَ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتَ تَشْتَكِي مِنْهُ الأُسْبُوعَ المَاضِيَ؟”
قَالَ كَنْعَانُ: “مَا زِلْتُ أُصَارِعُهُ يَا صَغِيرَتِي. هُنَاكَ فَصْلٌ يَرْفُضُ أَنْ يُكْتَبَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي أُرِيدُهَا. تَعْرِفِينَ كَيْفَ تَكُونُ الشَّخْصِيَّاتُ أَحْيَانًا، تَتَمَرَّدُ عَلَى الكَاتِبِ وَتُقَرِّرُ أَنْ تَسْلُكَ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا عَمَّا خَطَّطَ لَهُ.”
ضَحِكَتْ لُبْنَى، وَقَالَتْ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحِبُّهُ فِي عَمَلِكَ، أَنَّكَ لَا تُسَيْطِرُ عَلَى شَخْصِيَّاتِكَ بِالكَامِلِ. عَلَى أَيَّةِ حَالٍ، اتَّصَلْتُ لِأَطْمَئِنَّ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّي، وَلِأُخْبِرَكُمَا أَنَّنِي قَدْ أَزُورُكُمَا الأُسْبُوعَ القَادِمَ، لَدَيَّ بَحْثٌ صَغِيرٌ أَعْمَلُ عَلَيْهِ هُنَا، لَكِنَّنِي أُفَكِّرُ أَنْ آخُذَ يَوْمَيْنِ إِجَازَةً وَأَزُورَكُمَا.”
قَالَ كَنْعَانُ، وَقَدْ أَشْرَقَ وَجْهُهُ فَرَحًا: “سَنَكُونُ سَعِيدَيْنِ جِدًّا بِرُؤْيَتِكِ. مَا هُوَ هَذَا البَحْثُ الَّذِي تَعْمَلِينَ عَلَيْهِ؟”
قَالَتْ لُبْنَى، وَقَدْ تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهَا قَلِيلًا، أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً، وَإِنْ ظَلَّتْ خَفِيفَةً: “لَا شَيْءَ مُحَدَّدٌ بَعْدُ، مُجَرَّدُ فِكْرَةٍ أُتَابِعُهَا، عَنْ أَرْشِيفَاتٍ قَدِيمَةٍ وَمِلَفَّاتٍ مُسَرَّبَةٍ، تَعْرِفُ طَبِيعَةَ عَمَلِي. سَأُخْبِرُكَ بِالتَّفَاصِيلِ حِينَ أَكُونُ مُتَأَكِّدَةً أَنَّ هُنَاكَ فِعْلًا قِصَّةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى.”
لَمْ يَعْرِفْ كَنْعَانُ، وَهُوَ يُوَدِّعُ ابْنَتَهُ عَلَى الهَاتِفِ بِضَحِكَةٍ أَبَوِيَّةٍ دَافِئَةٍ، أَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ العَابِرَةَ، “أَرْشِيفَاتٌ قَدِيمَةٌ وَمِلَفَّاتٌ مُسَرَّبَةٌ”، سَتَعُودُ لِتَطْرُقَ بَابَ بَيْتِهِ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ بِشَكْلٍ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُهُ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَأَنَّ الاِبْنَةَ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْ “بَحْثٍ صَغِيرٍ” كَانَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أَدْرَكَتْ ذَلِكَ بَعْدُ هِيَ أَيْضًا، تَقِفُ عَلَى أَوَّلِ خَيْطٍ مِنْ خُيُوطِ قِصَّةٍ سَتُغَيِّرُ حَيَاةَ عَائِلَتِهَا بِأَكْمَلِهَا.
أَمْضَى بَقِيَّةَ اليَوْمِ بِشَكْلٍ عَادِيٍّ فِي ظَاهِرِهِ: قِرَاءَةٌ هَادِئَةٌ فِي المَكْتَبَةِ الصَّغِيرَةِ، أُمْسِيَةٌ أَمَامَ التِّلْفَازِ شَاهَدَ فِيهَا مَعَ وِدَادَ فِيلْمًا وَثَائِقِيًّا عَنْ هِجْرَةِ الطُّيُورِ، وَعَشَاءٌ خَفِيفٌ تَحَدَّثَا خِلَالَهُ عَنْ أَشْيَاءَ بَسِيطَةٍ، عَنِ الحَدِيقَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَقْلِيمِ أَشْجَارِهَا قَبْلَ الشِّتَاءِ، وَعَنْ دَعْوَةِ عَشَاءٍ مِنْ صَدِيقَيْنِ أَلْمَانِيَّيْنِ لِلأُسْبُوعِ القَادِمِ.
لَكِنَّ كَنْعَانَ، طَوَالَ ذَلِكَ اليَوْمِ، كَانَ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ حَبَّةَ رَمْلٍ صَغِيرَةً دَخَلَتْ فِي حِذَائِهِ: لَا تُؤْلِمُ بِمَا يَكْفِي لِتَسْتَدْعِيَ التَّوَقُّفَ وَخَلْعَ الحِذَاءِ، لَكِنَّهَا مَوْجُودَةٌ، مَحْسُوسَةٌ، مُزْعِجَةٌ بِطَرِيقَةٍ صَامِتَةٍ، فِي كُلِّ خُطْوَةٍ.
فِي المَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ أَوَتْ وِدَادُ إِلَى الفِرَاشِ، جَلَسَ كَنْعَانُ وَحْدَهُ فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ، الغُرْفَةِ الَّتِي خَصَّصَهَا لِلْكِتَابَةِ مُنْذُ سِنِينَ، وَالَّتِي كَانَتْ جُدْرَانُهَا مُغَطَّاةً بِالكُتُبِ بِلُغَاتٍ ثَلَاثٍ: العَرَبِيَّةِ، وَالأَلْمَانِيَّةِ، وَقَلِيلٍ مِنَ الفَرَنْسِيَّةِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا فِي شَبَابِهِ. أَخْرَجَ الحَبَّةَ مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِهِ، وَوَضَعَهَا عَلَى مَكْتَبِهِ، تَحْتَ ضَوْءِ المِصْبَاحِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا.
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِي تِلْكَ الحَبَّةِ الصَّغِيرَةِ يَسْتَدْعِي فِي دَاخِلِهِ ذِكْرَى لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمْسِكَ بِهَا بِوُضُوحٍ، ذِكْرَى تُشْبِهُ رَائِحَةً قَدِيمَةً تَمُرُّ بِجَانِبِكَ فِي الشَّارِعِ فَتُوقِفُكَ فَجْأَةً دُونَ أَنْ تَعْرِفَ مَصْدَرَهَا بِالضَّبْطِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا مُحَدَّدًا، فَقَطْ ذَلِكَ الإِحْسَاسَ الغَامِضَ بِأَنَّهُ عَاشَ شُعُورًا مُشَابِهًا لِهَذَا مِنْ قَبْلُ، فِي مَكَانٍ آخَرَ، فِي زَمَنٍ آخَرَ: إِحْسَاسٌ أَنَّ شَيْئًا صَغِيرًا، تَفْصِيلًا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ عَادَةً، يُخْفِي وَرَاءَهُ شَيْئًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَبْدُو عَلَيْهِ.
حَاوَلَ أَنْ يُطَارِدَ تِلْكَ الذِّكْرَى إِلَى مَصْدَرِهَا، كَمَا يَفْعَلُ حِينَ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ نَسِيَهَا فِي مُنْتَصَفِ جُمْلَةٍ يَكْتُبُهَا، فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ، وَتَرَكَ ذِهْنَهُ يَهِيمُ بِلَا وِجْهَةٍ مُحَدَّدَةٍ، فَمَرَّتْ أَمَامَهُ صُوَرٌ مُتَقَطِّعَةٌ، بِلَا تَرْتِيبٍ وَاضِحٍ: غُرْفَةٌ ضَيِّقَةٌ لَا نَوَافِذَ فِيهَا، رَائِحَةُ وَرَقٍ قَدِيمٍ مَمْزُوجَةٌ بِرَائِحَةِ تَبْغٍ رَخِيصٍ، صَوْتُ رَجُلٍ يَسْأَلُ سُؤَالًا لَمْ يَعُدْ يَتَذَكَّرُ كَلِمَاتِهِ بِدِقَّةٍ لَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ وَقْعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَوَجْهُ فَتَاةٍ تَبْتَسِمُ لَهُ مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا، بَعِيدٍ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُتَأَكِّدًا إِنْ كَانَ يَتَذَكَّرُهَا فِعْلًا أَمْ يَتَذَكَّرُ فَقَطْ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَجْأَةً، وَكَأَنَّ شَيْئًا أَفْزَعَهُ مِنْ دَاخِلِ ذَاكِرَتِهِ هِيَ نَفْسِهَا، وَهَزَّ رَأْسَهُ قَلِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يُبْعِدَ تِلْكَ الصُّوَرَ المُتَنَاثِرَةَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَدْعَاهَا مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، وَقَالَ لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ حَازِمٍ: أَنْتَ رَجُلٌ فِي السَّادِسَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ تَنْظُرُ إِلَى حَبَّةِ دَوَاءٍ. لَا عَلَاقَةَ لِهَذَا بِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ. لَا عَلَاقَةَ لِهَذَا بِأَيِّ شَيْءٍ انْتَهَى مُنْذُ عُقُودٍ.
لَكِنَّهُ، وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، شَعَرَ أَنَّ الجُمْلَةَ نَفْسَهَا، بِإِصْرَارِهَا عَلَى النَّفْيِ، كَانَتْ أَشْبَهَ بِمَنْ يَطْرُقُ بَابًا مُغْلَقًا لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهُ مُوصَدٌ جَيِّدًا، فَقَطْ لِيَكْتَشِفَ أَنَّ يَدَهُ، دُونَ قَصْدٍ مِنْهُ، قَدْ فَتَحَتِ البَابَ قَلِيلًا.
فَتَحَ دُرْجَ مَكْتَبِهِ، وَأَخْرَجَ دَفْتَرًا صَغِيرًا كَانَ يَسْتَخْدِمُهُ أَحْيَانًا لِتَدْوِينِ مُلَاحَظَاتٍ عَنْ رِوَايَاتِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، بِخَطِّ يَدِهِ الَّذِي بَدَأَ يَتَغَيَّرُ قَلِيلًا مَعَ تَقَدُّمِ السِّنِّ:
*”الحَبَّةُ السَّابِعَةُ مُخْتَلِفَةٌ. لِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ الصَّغِيرَ يَعْنِي أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يَعْنِيَهُ؟”*
ثُمَّ أَضَافَ، بَعْدَ تَفْكِيرٍ:
*”رُبَّمَا لِأَنَّنِي كَاتِبٌ، وَالكَاتِبُ لَا يَثِقُ أَبَدًا بِالتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ. إِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهَا غَالِبًا مَا تَكُونُ البَابَ الخَلْفِيَّ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ الحَقِيقَةُ الكُبْرَى.”*
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَأَطْفَأَ المِصْبَاحَ، لَكِنَّهُ بَقِيَ جَالِسًا فِي العَتْمَةِ لِدَقَائِقَ، يَسْتَمِعُ إِلَى صَمْتِ البَيْتِ مِنْ حَوْلِهِ، ذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي طَالَمَا أَحَبَّهُ، وَالَّذِي بَدَا لَهُ فَجْأَةً، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، صَمْتًا يُخْفِي شَيْئًا.
فِي صَبَاحِ الاِثْنَيْنِ التَّالِي، كَانَ لَدَى كَنْعَانَ مَوْعِدٌ مُسْبَقٌ مَعَ طَبِيبِهِ، الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ، لِفَحْصٍ دَوْرِيٍّ رُوتِينِيٍّ كَانَ قَدْ حُدِّدَ قَبْلَ أَسَابِيعَ، لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِحَادِثَةِ الحَبَّةِ المُخْتَلِفَةِ. لَكِنَّ كَنْعَانَ قَرَّرَ أَنْ يَسْتَغِلَّ المَوْعِدَ لِيَطْرَحَ السُّؤَالَ الَّذِي ظَلَّ يُلِحُّ عَلَيْهِ طَوَالَ اللَّيْلِ المَاضِي.
كَانَتْ عِيَادَةُ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ تَقَعُ فِي مَبْنًى قَدِيمٍ أُعِيدَ تَرْمِيمُهُ بِأَنَاقَةٍ، فِي شَارِعٍ هَادِئٍ يَبْعُدُ بِضْعَ دَقَائِقَ سَيْرًا عَنْ بَيْتِ كَنْعَانَ. عَرَفَ كَنْعَانُ الدُّكْتُورَ شْتْرَاوْسَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، مُنْذُ أَنِ انْتَقَلَ هُوَ وَوِدَادُ إِلَى هَذَا الحَيِّ، وَبَيْنَهُمَا، رَغْمَ فَارِقِ العُمْرِ وَاخْتِلَافِ الخَلْفِيَّةِ، شَيْءٌ مِنَ الاِحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ الهَادِئِ الَّذِي يَنْشَأُ أَحْيَانًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَعْرِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا حُدُودَ مِهْنَةِ الآخَرِ وَيُقَدِّرُهَا.
جَلَسَ كَنْعَانُ فِي غُرْفَةِ الاِنْتِظَارِ الصَّغِيرَةِ، يُقَلِّبُ مَجَلَّةً قَدِيمَةً دُونَ أَنْ يَقْرَأَ فِعْلِيًّا أَيًّا مِنْ صَفَحَاتِهَا، حَتَّى نَادَتْهُ المُمَرِّضَةُ بِاسْمِهِ.
دَخَلَ غُرْفَةَ الفَحْصِ، وَجَلَسَ عَلَى الكُرْسِيِّ المُعْتَادِ أَمَامَ مَكْتَبِ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ، الَّذِي رَفَعَ نَظَرَهُ عَنِ الشَّاشَةِ أَمَامَهُ وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَتَهُ المِهَنِيَّةَ الدَّافِئَةَ.
قَالَ الطَّبِيبُ: “صَبَاحُ الخَيْرِ أُسْتَاذُ كَنْعَانُ. كَيْفَ حَالُكَ اليَوْمَ؟ فَحْصٌ رُوتِينِيٌّ فَقَطْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
أَجَابَ كَنْعَانُ: “صَبَاحُ الخَيْرِ دُكْتُورُ. نَعَمْ، فَحْصٌ رُوتِينِيٌّ. لَكِنْ لَدَيَّ سُؤَالٌ بَسِيطٌ قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ، إِنْ كَانَ لَدَيْكَ وَقْتٌ.”
قَالَ الطَّبِيبُ: “بِالطَّبْعِ، تَفَضَّلْ.”
أَخْرَجَ كَنْعَانُ مِنْ جَيْبِهِ المِنْدِيلَ الوَرَقِيَّ الَّذِي كَانَتِ الحَبَّةُ السَّابِعَةُ مَلْفُوفَةً بِدَاخِلِهِ، وَفَرَدَهُ عَلَى مَكْتَبِ الطَّبِيبِ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ قِطْعَةٍ أَثَرِيَّةٍ نَادِرَةٍ.
قَالَ: “لَاحَظْتُ أَنَّ هَذِهِ الحَبَّةَ، حَبَّةَ الدَّوَاءِ الثَّالِثِ الَّذِي أَتَنَاوَلُهُ لِتَنْظِيمِ نَبْضِ القَلْبِ، مُخْتَلِفَةٌ قَلِيلًا عَنْ بَاقِي الحُبُوبِ فِي الشَّرِيطِ. لَوْنُهَا، وَشَكْلُهَا، وَحَتَّى الخَطُّ الَّذِي يَتَوَسَّطُهَا. أَعْرِفُ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ يَبْدُو تَافِهًا، لَكِنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَطْمَئِنَّ.”
أَخَذَ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوْسُ الحَبَّةَ بِمِلْقَطٍ صَغِيرٍ مِنْ عَلَى طَاوِلَتِهِ، وَقَرَّبَهَا مِنْ عَيْنَيْهِ تَحْتَ ضَوْءِ المِصْبَاحِ المَكْتَبِيِّ، وَقَلَّبَهَا بِبُطْءٍ، بِعِنَايَةِ الطَّبِيبِ الَّذِي اعْتَادَ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ تَفْصِيلٍ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا، عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ.
كَانَ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوْسُ رَجُلًا فِي أَوَاخِرِ الخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، طَوِيلَ القَامَةِ، هَادِئَ الحَرَكَةِ، مَعْرُوفًا بَيْنَ مَرْضَاهُ بِدِقَّتِهِ المُفْرِطَةِ وَبِصَبْرِهِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ عَلَى أَسْئِلَتِهِمْ مَهْمَا تَكَرَّرَتْ. عَمِلَ فِي هَذَا الحَيِّ لِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، وَوَرِثَ عِيَادَتَهُ عَنْ طَبِيبٍ عَائِلِيٍّ سَابِقٍ كَانَ قَدْ أَسَّسَهَا مُنْذُ عُقُودٍ، وَكَانَ كَنْعَانُ يَثِقُ بِهِ ثِقَةً كَامِلَةً، ثِقَةً نَمَتْ مَعَ الوَقْتِ مِنْ خِلَالِ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ: طَرِيقَتِهِ فِي الاِسْتِمَاعِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ، حِرْصِهِ عَلَى أَنْ يَشْرَحَ كُلَّ دَوَاءٍ يَصِفُهُ، رَفْضِهِ أَنْ يَسْتَعْجِلَ أَيَّ فَحْصٍ مَهْمَا كَانَتْ قَائِمَةُ انْتِظَارِهِ طَوِيلَةً.
مَرَّتْ لَحَظَاتُ صَمْتٍ، بَدَتْ لِكَنْعَانَ أَطْوَلَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِعْلًا، لَحَظَاتٌ كَانَ فِيهَا الطَّبِيبُ يُدِيرُ الحَبَّةَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ المَحْمِيَّةِ بِقُفَّازٍ رَفِيعٍ، يُقَرِّبُهَا مِنْ عَيْنَيْهِ ثُمَّ يُبْعِدُهَا، يُقَارِنُهَا بِصُورَةٍ مَرْجِعِيَّةٍ فَتَحَهَا عَلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهِ، وَكَأَنَّهُ يُقَارِنُ تَوْقِيعًا مُزَوَّرًا بِتَوْقِيعٍ أَصْلِيٍّ.
ثُمَّ قَالَ الطَّبِيبُ، وَقَدِ ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ عَلَامَةُ تَرْكِيزٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، أَقْرَبَ إِلَى الحَيْرَةِ مِنْهَا إِلَى القَلَقِ: “غَرِيبٌ.”
سَأَلَ كَنْعَانُ: “غَرِيبٌ؟ مَاذَا تَقْصِدُ؟”
رَفَعَ الطَّبِيبُ عَيْنَيْهِ عَنِ الحَبَّةِ، وَنَظَرَ إِلَى كَنْعَانَ مُبَاشَرَةً، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّهُ صَوْتٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ شَيْئًا لَمْ يَعْتَدْهُ كَنْعَانُ فِي نَبْرَةِ هَذَا الرَّجُلِ الوَاثِقِ دَائِمًا: “لَا أَذْكُرُ أَنَّنِي غَيَّرْتُ هَذَا الدَّوَاءَ، أُسْتَاذَ كَنْعَانُ.”
قَالَ كَنْعَانُ، وَقَدْ شَعَرَ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي صَدْرِهِ بِبُطْءٍ، كَحَجَرٍ يُرْمَى فِي بُحَيْرَةٍ هَادِئَةٍ: “مَاذَا تَقْصِدُ بِـ لَا أَذْكُرُ؟ أَلَمْ تَصِفْ لِي هَذَا الدَّوَاءَ بِنَفْسِكَ قَبْلَ عَامَيْنِ؟”
أَجَابَ الطَّبِيبُ: “بَلَى، وَصَفْتُ لَكَ الدَّوَاءَ نَفْسَهُ، بِالجُرْعَةِ نَفْسِهَا، مُنْذُ عَامَيْنِ، وَلَمْ أُغَيِّرْهُ مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ. الوَصْفَةُ الَّتِي فِي مِلَفِّكَ لَا تَزَالُ كَمَا هِيَ.” تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ: “لَكِنْ هَذِهِ الحَبَّةُ الَّتِي أَمَامِي… لَيْسَتِ الشَّكْلَ الَّذِي أَعْرِفُهُ مِنَ الشَّرِكَةِ المُصَنِّعَةِ نَفْسِهَا. لَقَدْ تَعَامَلْتُ مَعَ هَذَا الدَّوَاءِ بِالذَّاتِ مَعَ عَشَرَاتِ المَرْضَى، وَأَعْرِفُ شَكْلَهُ جَيِّدًا.”
نَظَرَ الطَّبِيبُ إِلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهِ، وَفَتَحَ مِلَفَّ كَنْعَانَ الطِّبِّيَّ، وَبَدَأَ يَتَصَفَّحُهُ بِصَمْتٍ، وَعَيْنَاهُ تَنْتَقِلَانِ بَيْنَ الشَّاشَةِ وَالحَبَّةِ المَوْضُوعَةِ أَمَامَهُ، وَجَبِينُهُ يَزْدَادُ تَجَعُّدًا قَلِيلًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْتَقِلُ فِيهَا نَظْرَتُهُ.
سَأَلَ كَنْعَانُ، وَقَدْ بَدَأَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ تَوَتُّرًا لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ تَمَامًا: “هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الصَّيْدَلِيَّةُ قَدْ أَخْطَأَتْ؟ أَوْ أَنَّ الشَّرِكَةَ المُصَنِّعَةَ غَيَّرَتْ شَكْلَ الإِنْتَاجِ دُونَ أَنْ تُخْبِرَكُمْ؟”
رَفَعَ الطَّبِيبُ عَيْنَيْهِ عَنِ الشَّاشَةِ، وَنَظَرَ إِلَى كَنْعَانَ مُبَاشَرَةً، وَقَالَ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ مُطْمَئِنًّا رَغْمَ أَنَّ نَبْرَتَهُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ تَمَامًا: “هَذَا مُمْكِنٌ، بِالتَّأْكِيدِ، وَهُوَ الاِحْتِمَالُ الأَكْثَرُ مَنْطِقِيَّةً. تَحْدُثُ تَغْيِيرَاتٌ فِي التَّصْنِيعِ أَحْيَانًا. لَكِنَّنِي، بِصَرَاحَةٍ، أُفَضِّلُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مِنَ الأَمْرِ مَعَ الصَّيْدَلِيَّةِ الَّتِي تَتَعَامَلُ مَعَهَا، وَأَنْ أُرْسِلَ هَذِهِ الحَبَّةَ إِلَى المُخْتَبَرِ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ مُكَوِّنَاتِهَا، فَقَطْ لِلاِطْمِئْنَانِ. هَذَا إِجْرَاءٌ وِقَائِيٌّ بَسِيطٌ، لَا أَكْثَرَ.”
قَالَ كَنْعَانُ: “بِالطَّبْعِ، افْعَلْ مَا تَرَاهُ مُنَاسِبًا.”
بَدَأَ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوْسُ يَكْتُبُ مُلَاحَظَةً فِي مِلَفِّ كَنْعَانَ، وَكَنْعَانُ يُرَاقِبُهُ بِصَمْتٍ، ثُمَّ تَوَقَّفَ الطَّبِيبُ فَجْأَةً عَنِ الكِتَابَةِ، وَحَدَّقَ فِي الشَّاشَةِ لِلَحْظَةٍ أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى شَيْئًا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
سَأَلَ كَنْعَانُ: “هَلْ هُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ؟”
نَظَرَ إِلَيْهِ الطَّبِيبُ، وَحَاوَلَ أَنْ يَبْتَسِمَ ابْتِسَامَةً مُطْمَئِنَةً، لَكِنَّهَا بَدَتْ لِكَنْعَانَ مُصْطَنَعَةً قَلِيلًا، وَقَالَ: “لَا، لَا شَيْءَ، فَقَطْ… أَرَى هُنَا فِي المِلَفِّ أَنَّ هُنَاكَ تَعْدِيلًا بَسِيطًا فِي تَارِيخِ آخِرِ تَجْدِيدٍ لِلوَصْفَةِ، تَارِيخٌ يَبْدُو أَنَّهُ أَحْدَثُ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. رُبَّمَا خَطَأٌ إِدَارِيٌّ بَسِيطٌ مِنَ النِّظَامِ. سَأَتَحَقَّقُ مِنْهُ.”
قَالَ ذَلِكَ بِسُرْعَةٍ، بِطَرِيقَةِ مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَمُرَّ عَلَى تَفْصِيلٍ دُونَ أَنْ يُعْطِيَهُ وَزْنًا أَكْبَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ، لَكِنَّ كَنْعَانَ، الَّذِي أَمْضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا يُرَاقِبُ الوُجُوهَ وَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ السُّطُورِ، رَأَى فِي عَيْنَيِ الطَّبِيبِ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُسَمِّيَهُ بِدِقَّةٍ، لَكِنَّهُ عَرَفَهُ جَيِّدًا: شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى القَلَقِ مِنْهُ إِلَى الاِطْمِئْنَانِ.
سَأَلَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ أَخَفَّ مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ فِعْلًا: “أَيَّ تَعْدِيلٍ تَقْصِدُ بِالتَّحْدِيدِ؟”
اسْتَدَارَ الطَّبِيبُ نَحْوَ الشَّاشَةِ مِنْ جَدِيدٍ، وَكَبَّرَ صُورَةَ سِجِلِّ الوَصْفَةِ، ثُمَّ قَالَ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ بِنَفْسِهِ مَا يَقْرَؤُهُ: “هُنَا، تَارِيخُ آخِرِ تَجْدِيدٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ لِلوَصْفَةِ عَبْرَ النِّظَامِ المَرْكَزِيِّ لِلصَّيْدَلِيَّاتِ، قَبْلَ أُسْبُوعَيْنِ فَقَطْ. لَكِنَّنِي لَا أَذْكُرُ أَنَّنِي دَخَلْتُ إِلَى نِظَامِكَ الطِّبِّيِّ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ، وَلَا أَذْكُرُ أَنَّنِي أَجْرَيْتُ أَيَّ تَجْدِيدٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ لِهَذِهِ الوَصْفَةِ بِالذَّاتِ.”
قَالَ كَنْعَانُ: “أَلَيْسَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ التَّجْدِيدُ قَدْ تَمَّ تِلْقَائِيًّا مِنَ النِّظَامِ نَفْسِهِ؟ أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الوَصَفَاتِ طَوِيلَةَ الأَمَدِ تُجَدَّدُ أَحْيَانًا آلِيًّا دُونَ تَدَخُّلٍ مُبَاشِرٍ مِنَ الطَّبِيبِ.”
هَزَّ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوْسُ رَأْسَهُ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ تَمَامًا، وَقَالَ: “هَذَا صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الأَدْوِيَةِ، لَكِنْ لَيْسَ لِهَذَا الدَّوَاءِ تَحْدِيدًا، فَهُوَ مِنْ فِئَةِ الأَدْوِيَةِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ مُرَاجَعَةَ الطَّبِيبِ شَخْصِيًّا فِي كُلِّ تَجْدِيدٍ، بِسَبَبِ حَسَاسِيَّةِ جُرْعَتِهِ. هَذَا هُوَ الإِجْرَاءُ المُعْتَمَدُ، عَلَى الأَقَلِّ حَسَبَ البُرُوتُوكُولِ الَّذِي أَعْرِفُهُ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ كَنْعَانَ: “رُبَّمَا هُنَاكَ تَفْسِيرٌ إِدَارِيٌّ بَسِيطٌ لِكُلِّ هَذَا. الأَنْظِمَةُ الإِلِكْتْرُونِيَّةُ أَحْيَانًا تُحْدِثُ أَخْطَاءً، خُصُوصًا بَعْدَ التَّحْدِيثَاتِ الأَخِيرَةِ الَّتِي أَجْرَتْهَا شَرِكَةُ التَّأْمِينِ الصِّحِّيِّ عَلَى قَوَاعِدِ بَيَانَاتِهَا. سَأَتَوَاصَلُ مَعَهُمْ غَدًا لِلتَّأَكُّدِ.”
لَمْ يَبْدُ كَنْعَانُ مُقْتَنِعًا تَمَامًا بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَا يُضِيفُهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَاكْتَفَى بِالإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ، بَيْنَمَا كَانَ فِي دَاخِلِهِ يَشْعُرُ أَنَّ دَائِرَةَ الأَسْئِلَةِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَضِيقَ كَمَا تَوَقَّعَ حِينَ دَخَلَ هَذِهِ العِيَادَةَ، بَدَأَتْ تَتَّسِعُ أَمَامَهُ، سُؤَالًا بَعْدَ سُؤَالٍ، كَحَلَقَاتٍ دَائِرِيَّةٍ تَتَوَسَّعُ فَوْقَ سَطْحِ مَاءٍ سَاكِنٍ رُمِيَ فِيهِ حَجَرٌ صَغِيرٌ.
أَنْهَيَا الفَحْصَ الرُّوتِينِيَّ كَالمُعْتَادِ، ضَغْطُ الدَّمِ طَبِيعِيٌّ، نَبْضُ القَلْبِ مُنْتَظِمٌ، لَا شَيْءَ يَسْتَدْعِي القَلَقَ مِنَ النَّاحِيَةِ الجَسَدِيَّةِ. لَكِنْ حِينَ نَهَضَ كَنْعَانُ لِيُغَادِرَ، وَأَمْسَكَ بِمِقْبَضِ البَابِ، سَمِعَ صَوْتَ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ خَلْفَهُ، صَوْتًا هَادِئًا لَكِنَّهُ يَحْمِلُ جِدِّيَّةً غَيْرَ مُعْتَادَةٍ:
“أُسْتَاذُ كَنْعَانُ.”
اِلْتَفَتَ كَنْعَانُ.
قَالَ الطَّبِيبُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَمَنْ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ بِعِنَايَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَهَا: “اِحْتَفِظْ بِهَذِهِ الحَبَّةِ مَعِي، سَأُرْسِلُهَا إِلَى المُخْتَبَرِ اليَوْمَ. وَإِنْ لَاحَظْتَ أَيَّ حَبَّةٍ أُخْرَى مُخْتَلِفَةٍ فِي الشَّرَائِحِ القَادِمَةِ، أَيَّ حَبَّةٍ، مَهْمَا بَدَا الاِخْتِلَافُ بَسِيطًا، أَرْجُو أَنْ تُحْضِرَهَا إِلَيَّ فَوْرًا، وَلَا تَنْتَظِرِ المَوْعِدَ الدَّوْرِيَّ القَادِمَ.”
قَالَ كَنْعَانُ: “هَلْ هُنَاكَ مَا يَدْعُو لِلقَلَقِ فِعْلًا، دُكْتُورُ؟”
صَمَتَ الطَّبِيبُ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى المِلَفِّ المَفْتُوحِ أَمَامَهُ عَلَى الشَّاشَةِ، ثُمَّ أَغْلَقَهُ بِحَرَكَةِ يَدٍ بَدَتْ لِكَنْعَانَ أَسْرَعَ مِنَ المُعْتَادِ، وَقَالَ بِابْتِسَامَةٍ حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا مُطْمَئِنَةً: “لَا أَظُنُّ ذَلِكَ. مُجَرَّدُ حِرْصٍ مِهَنِيٍّ. أَنْتَ تَعْرِفُنِي، أُسْتَاذَ كَنْعَانُ، أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ دَقِيقًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.”
خَرَجَ كَنْعَانُ مِنَ العِيَادَةِ إِلَى الشَّارِعِ، حَيْثُ كَانَ الهَوَاءُ بَارِدًا وَصَافِيًا كَعَادَتِهِ فِي هَذَا الوَقْتِ مِنَ السَّنَةِ، وَأَوْرَاقُ الأَشْجَارِ الصَّفْرَاءُ تَتَسَاقَطُ بِبُطْءٍ عَلَى الرَّصِيفِ. سَارَ بِضْعَ خُطُوَاتٍ، ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَالْتَفَتَ لِلَحْظَةٍ نَحْوَ نَافِذَةِ العِيَادَةِ فِي الطَّابِقِ الثَّانِي، فَرَأَى ظِلَّ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ وَاقِفًا خَلْفَ الزُّجَاجِ، هَاتِفًا بِيَدِهِ، يَتَحَدَّثُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّوَتُّرِ الوَاضِحِ حَتَّى مِنْ تِلْكَ المَسَافَةِ، قَبْلَ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ النَّافِذَةِ وَيَخْتَفِيَ.
لَمْ يَكُنْ كَنْعَانُ مُتَأَكِّدًا مِمَّا رَآهُ بِالضَّبْطِ، وَلَا بِمَنْ كَانَ الطَّبِيبُ يَتَحَدَّثُ، لَكِنَّهُ شَعَرَ، لِلمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا تَقْرِيبًا، بِذَلِكَ الإِحْسَاسِ القَدِيمِ يَعُودُ إِلَيْهِ، ذَلِكَ الإِحْسَاسِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ تَرَكَهُ خَلْفَهُ إِلَى الأَبَدِ فِي مَكَانٍ آخَرَ، فِي زَمَنٍ آخَرَ، فِي بَلَدٍ آخَرَ: إِحْسَاسٌ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا لَا يَعْرِفُهُ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ.
سَارَ بَقِيَّةَ الطَّرِيقِ إِلَى بَيْتِهِ بِبُطْءٍ، رَغْمَ بُرُودَةِ الطَّقْسِ، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَمْنَحَ نَفْسَهُ وَقْتًا إِضَافِيًّا لِلتَّفْكِيرِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، قَبْلَ أَنْ يُوَاجِهَ وِدَادَ وَسُؤَالَهَا المُعْتَادَ: “كَيْفَ كَانَ الفَحْصُ؟”
مَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِمَقْهًى صَغِيرٍ اعْتَادَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ أَحْيَانًا بَعْدَ زِيَارَةِ الطَّبِيبِ، لِيَكْتُبَ صَفْحَةً أَوْ صَفْحَتَيْنِ فِي دَفْتَرِهِ قَبْلَ العَوْدَةِ إِلَى البَيْتِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَدْخُلَ، لَيْسَ رَغْبَةً فِي الكِتَابَةِ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ رَغْبَةً فِي أَنْ يَجْلِسَ قَلِيلًا، وَحْدَهُ، بَعِيدًا عَنْ نَظَرَاتِ وِدَادَ الَّتِي كَانَتْ سَتَقْرَأُ فِي وَجْهِهِ كُلَّ مَا يُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ.
طَلَبَ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ، وَجَلَسَ إِلَى طَاوِلَةٍ قُرْبَ النَّافِذَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ الهَادِئِ فِي الخَارِجِ، إِلَى المَارَّةِ القَلَائِلِ الَّذِينَ يَسِيرُونَ بِخُطًى مُتَمَهِّلَةٍ كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ يَسِيرُ بِسُرْعَةٍ أَبْطَأَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ عَرَفَهُ فِي حَيَاتِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يُحَرِّكُ مِلْعَقَتَهُ الصَّغِيرَةَ فِي الفِنْجَانِ، رَنَّ هَاتِفُهُ.
نَظَرَ إِلَى الشَّاشَةِ، فَلَمْ يَجِدِ اسْمًا، بَلْ رَقْمًا غَرِيبًا، طَوِيلًا، يَبْدَأُ بِرَمْزٍ دُوَلِيٍّ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ فَوْرًا. تَرَدَّدَ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَجَابَ، بِفُضُولٍ أَكْثَرَ مِنْهُ بِحَذَرٍ.
قَالَ: “أَلُو؟”
لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ.
كَانَ هُنَاكَ صَمْتٌ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَمْتًا فَارِغًا، بَلْ صَمْتًا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ وُجُودًا؛ تَنَفُّسًا خَفِيفًا بِالكَادِ يُسْمَعُ، وَصَوْتًا بَعِيدًا لِحَرَكَةِ مُرُورٍ خَافِتَةٍ، كَأَنَّ المُتَّصِلَ يَقِفُ فِي مَكَانٍ مَفْتُوحٍ، شَارِعٍ مَا، فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى، يَنْظُرُ رُبَّمَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ إِلَى الاِتِّجَاهِ نَفْسِهِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَيْهِ كَنْعَانُ.
قَالَ كَنْعَانُ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ بَدَأَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ نَبْرَةَ تَحَفُّزٍ خَفِيفٍ: “أَلُو؟ مَنِ المُتَّصِلُ؟”
اسْتَمَرَّ الصَّمْتُ لِثَوَانٍ أُخْرَى، ثَوَانٍ بَدَتْ لَهُ أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ فِعْلًا، ثُمَّ انْقَطَعَ الاِتِّصَالُ فَجْأَةً، دُونَ أَيِّ كَلِمَةٍ، دُونَ أَيِّ صَوْتِ وَدَاعٍ، كَأَنَّ مَنْ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ شَيْئًا سِوَى أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ هَذَا الرَّقْمَ، رَقْمَ كَنْعَانَ، مَا زَالَ يَعْمَلُ، وَأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَحْمِلُهُ مَا زَالَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، فِي المَكَانِ نَفْسِهِ، يُجِيبُ عَلَى الهَاتِفِ نَفْسِهِ، بِالصَّوْتِ نَفْسِهِ.
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى الهَاتِفِ فِي يَدِهِ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ حَاوَلَ أَنْ يُعِيدَ الاِتِّصَالَ بِالرَّقْمِ، فَجَاءَهُ صَوْتٌ آلِيٌّ بَارِدٌ يُخْبِرُهُ، بِالأَلْمَانِيَّةِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالإِنْكِلِيزِيَّةِ، أَنَّ هَذَا الرَّقْمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
جَلَسَ صَامِتًا، يُحَدِّقُ فِي فِنْجَانِ قَهْوَتِهِ البَارِدِ أَمَامَهُ، وَشَعَرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ بِذَلِكَ الإِحْسَاسِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ تَرَكَهُ خَلْفَهُ إِلَى الأَبَدِ: إِحْسَاسٌ أَنَّ هُنَاكَ عَيْنًا تُرَاقِبُهُ مِنْ مَكَانٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَدِّدَهُ، وَأَنَّ هَذِهِ المُكَالَمَةَ الصَّامِتَةَ، مَهْمَا بَدَتْ عَابِرَةً، لَمْ تَكُنْ خَطَأً فِي الاِتِّصَالِ، بَلْ رِسَالَةً، رِسَالَةً لَمْ يَفْهَمْ بَعْدُ مَعْنَاهَا الكَامِلَ، لَكِنَّهُ فَهِمَ، بِشَكْلٍ غَامِضٍ لَا يَقْبَلُ الجَدَلَ، أَنَّهَا مُوَجَّهَةٌ إِلَيْهِ هُوَ، وَحْدَهُ، دُونَ سِوَاهُ.
دَفَعَ ثَمَنَ قَهْوَتِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّارِعِ، وَسَارَ بَقِيَّةَ الطَّرِيقِ إِلَى بَيْتِهِ وَهُوَ يَتَفَقَّدُ مَنْ حَوْلِهِ بِطَرْفِ عَيْنِهِ، بِحَرَكَةٍ لَمْ يَفْعَلْهَا مُنْذُ عُقُودٍ، حَرَكَةٍ اعْتَقَدَ أَنَّهُ نَسِيَهَا تَمَامًا، حَرَكَةِ مَنْ يَتَأَكَّدُ، دُونَ أَنْ يَبْدُوَ الأَمْرُ وَاضِحًا، أَنَّ لَا أَحَدَ يَمْشِي خَلْفَهُ.
وَحِينَ وَصَلَ أَخِيرًا، وَوَقَفَ أَمَامَ بَابِ بَيْتِهِ، وَأَخْرَجَ مِفْتَاحَهُ مِنْ جَيْبِهِ، تَوَقَّفَتْ يَدُهُ لِلَحْظَةٍ فِي الهَوَاءِ، دُونَ أَنْ يَفْتَحَ البَابَ، وَفَكَّرَ فِي شَيْءٍ غَرِيبٍ، فِكْرَةٍ عَابِرَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ أَيْنَ أَتَتْ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِهْنِهِ كَحَجَرٍ صَغِيرٍ رُمِيَ فِي مَاءٍ سَاكِنٍ:
“مَنْ كَانَ يَخْتَارُ لِي، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، مَا أَبْتَلِعُهُ؟”
كَانَتْ فِكْرَةً سَخِيفَةً فِي ظَاهِرِهَا، بَدِيهِيَّةَ الإِجَابَةِ: كَانَ طَبِيبُهُ هُوَ مَنْ يَخْتَارُ، وَهَذَا أَمْرٌ عَادِيٌّ يَفْعَلُهُ مَلَايِينُ البَشَرِ كُلَّ يَوْمٍ، يَثِقُونَ بِمَنْ يَصِفُ لَهُمُ الدَّوَاءَ دُونَ أَنْ يَسْأَلُوا كُلَّ مَرَّةٍ عَنْ مُكَوِّنَاتِهِ بِالتَّفْصِيلِ. لَكِنَّ كَنْعَانَ، بَيْنَمَا كَانَ يَقِفُ أَمَامَ بَابِ بَيْتِهِ فِي ذَلِكَ المَسَاءِ البَارِدِ، شَعَرَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ البَسِيطَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ سُؤَالًا آخَرَ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، سُؤَالًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى صِيَاغَتِهِ بِوُضُوحٍ حَتَّى فِي دَاخِلِ رَأْسِهِ، سُؤَالًا كَانَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ قَبْلُ، مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى، بِصَوْتٍ آخَرَ، لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِيُطَارِدَهُ يَوْمًا فِي هَذَا البَيْتِ الهَادِئِ، فِي هَذِهِ المَدِينَةِ الآمِنَةِ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ مِنَ السَّلَامِ الَّذِي ظَنَّهُ نِهَائِيًّا.
فَتَحَ البَابَ أَخِيرًا، وَدَخَلَ، وَسَمِعَ صَوْتَ وِدَادَ يُنَادِيهِ مِنَ المَطْبَخِ: “كَنْعَانُ؟ كَيْفَ كَانَ الفَحْصُ؟”
وَقَفَ لِلَحْظَةٍ فِي المَدْخَلِ، دُونَ أَنْ يُجِيبَ فَوْرًا، يَنْظُرُ إِلَى الظَّلَامِ الخَفِيفِ المُتَجَمِّعِ فِي زَوَايَا الصَّالَةِ الَّتِي أَنَارَهَا لِلتَّوِّ، وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهَا عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ، ثُمَّ قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ طَبِيعِيًّا كَصَوْتِهِ كُلَّ مَسَاءٍ:
“بِخَيْرٍ يَا وِدَادُ… كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ.”
لَكِنَّهُ، وَهُوَ يَخْلَعُ مِعْطَفَهُ وَيُعَلِّقُهُ عَلَى المِشْجَبِ المُعْتَادِ بِجَانِبِ البَابِ، شَعَرَ أَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ، لِلمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، لَمْ تَكُنْ صَادِقَةً تَمَامًا، لَا مَعَهَا، وَلَا مَعَ نَفْسِهِ.
تَنَاوَلَا العَشَاءَ مَعًا كَعَادَتِهِمَا، وَتَحَدَّثَا عَنْ أُمُورٍ صَغِيرَةٍ، عَنْ دَعْوَةِ العَشَاءِ المُرْتَقَبَةِ، وَعَنْ رِسَالَةٍ إِلِكْتْرُونِيَّةٍ وَصَلَتْ مِنَ النَّاشِرِ الأَلْمَانِيِّ لِكَنْعَانَ بِخُصُوصِ مَوْعِدِ نَشْرِ تَرْجَمَةِ رِوَايَتِهِ الأَخِيرَةِ، وَضَحِكَا مَعًا حِينَ تَذَكَّرَا مَوْقِفًا طَرِيفًا حَدَثَ فِي إِحْدَى أُمْسِيَاتِهِ الأَدَبِيَّةِ قَبْلَ سِنِينَ. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، فِي ظَاهِرِهِ، يَسِيرُ كَمَا اعْتَادَ أَنْ يَسِيرَ فِي هَذَا البَيْتِ الهَادِئِ: عَشَاءٌ بَسِيطٌ، حَدِيثٌ دَافِئٌ، ضَحِكَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَذَلِكَ الشُّعُورُ العَمِيقُ بِالأُلْفَةِ الَّذِي يَبْنِيهِ الزَّوَاجُ الطَّوِيلُ حِينَ يَنْجَحُ.
لَكِنَّ كَنْعَانَ، بَيْنَمَا كَانَ يَجْمَعُ الصُّحُونَ عَنِ الطَّاوِلَةِ بَعْدَ العَشَاءِ كَمَا يَفْعَلُ كُلَّ مَسَاءٍ، شَعَرَ بِيَدِ وِدَادَ تَلْمَسُ كَتِفَهُ مِنَ الخَلْفِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَوَجَدَهَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي عَرَفَهَا مُنْذُ عُقُودٍ، نَظْرَةِ المَرْأَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ لِتَقُولَ مَا تُرِيدُ قَوْلَهُ.
قَالَتْ وِدَادُ بِهُدُوءٍ: “كَنْعَانُ، مَهْمَا كَانَ الأَمْرُ، أَخْبِرْنِي بِهِ. لَا تَحْمِلْ شَيْئًا وَحْدَكَ. لَمْ نَفْعَلْ هَذَا مِنْ قَبْلُ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ نَبْدَأَ الآنَ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ طَوِيلًا، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ تُجَاهَ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي شَارَكَتْهُ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنْ حَيَاتِهِ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ عَنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَشَعَرَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ بِثِقَلِ السُّؤَالِ الَّذِي بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ مُنْذُ الصَّبَاحِ: كَمْ مِنْ نَفْسِهِ، بِالضَّبْطِ، لَمْ يُشَارِكْهُ مَعَهَا قَطُّ؟ وَهَلْ حَانَ الوَقْتُ أَخِيرًا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ، لِيَفْتَحَ ذَلِكَ البَابَ الَّذِي أَوْصَدَهُ بِنَفْسِهِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، أَمْ أَنَّ بَعْضَ الأَبْوَابِ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ تَبْقَى مُوصَدَةً إِلَى الأَبَدِ؟
لَمْ يُجِبْ عَلَى سُؤَالِهَا مُبَاشَرَةً، بَلِ ابْتَسَمَ لَهَا ابْتِسَامَةً حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا كَافِيَةً، وَقَالَ: “أَعِدُكِ يَا وِدَادُ. إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَسْتَحِقُّ القَلَقَ، سَتَكُونِينَ أَوَّلَ مَنْ يَعْرِفُ.”
اِكْتَفَتْ وِدَادُ بِهَذَا الجَوَابِ، أَوْ تَظَاهَرَتْ بِالاِكْتِفَاءِ، وَعَادَا إِلَى صَمْتِهِمَا المُعْتَادِ، ذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي كَانَ حَتَّى الأَمْسِ صَمْتَ الأَمَانِ، وَبَدَأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ يَحْمِلُ ظِلًّا خَفِيفًا مِنْ شَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ كَنْعَانُ مُسْتَعِدًّا بَعْدُ لِتَسْمِيَتِهِ.
وَحِينَ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَاسْتَلْقَى فِي العَتْمَةِ، مُسْتَمِعًا إِلَى أَنْفَاسِ وِدَادَ المُنْتَظِمَةِ بِجَانِبِهِ وَهِيَ تَغْرَقُ فِي نَوْمٍ هَادِئٍ، بَقِيَ هُوَ مُسْتَيْقِظًا وَقْتًا طَوِيلًا، يَنْظُرُ إِلَى سَقْفِ الغُرْفَةِ، وَيَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ، مَرَّةً تِلْوَ مَرَّةٍ، صُورَةَ تِلْكَ الحَبَّةِ البَيْضَاءِ المُصْفَرَّةِ، وَوَجْهَ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ المُرْتَبِكَ أَمَامَ شَاشَتِهِ، وَذَلِكَ الصَّمْتَ الغَرِيبَ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الهَاتِفِ، وَسُؤَالًا وَاحِدًا ظَلَّ يَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِهِ دُونَ تَوَقُّفٍ، كَجَرَسٍ بَعِيدٍ لَا يَكُفُّ عَنِ القَرْعِ:
مَنْ كَانَ يَخْتَارُ لَهُ، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، مَا يَبْتَلِعُهُ؟
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يُغْلِقُ عَيْنَيْهِ أَخِيرًا مُسْتَسْلِمًا لِنَوْمٍ مُضْطَرِبٍ، أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ البَسِيطَ، الَّذِي بَدَأَ بِحَبَّةِ دَوَاءٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ قَلِيلًا فِي صَبَاحِ أَحَدٍ هَادِئٍ، سَيَقُودُهُ، خِلَالَ الأَسَابِيعِ القَادِمَةِ، إِلَى فَتْحِ بَابٍ لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيُفْتَحُ يَوْمًا، بَابٍ ظَلَّ مُوصَدًا بِإِحْكَامٍ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، تَحْتَ شَجَرَةِ تِينٍ قَدِيمَةٍ، فِي مَدِينَةٍ تَرَكَهَا وَرَاءَهُ وَلَمْ يَظُنَّ أَنَّهَا سَتَتْرُكُهُ هِيَ أَيْضًا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، حَلُمَ كَنْعَانُ بِغُرْفَةٍ لَا نَوَافِذَ فِيهَا، وَبِصَوْتِ رَجُلٍ يَسْأَلُهُ سُؤَالًا وَاحِدًا يَتَكَرَّرُ بِلَا نِهَايَةٍ، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ، حَتَّى فِي الحُلْمِ، أَنْ يَجِدَ لَهُ جَوَابًا:
هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ تَعْرِفُ نَفْسَكَ؟
الْفَصْلُ الثَّانِي
لَمْ تَكُنْ وَدَادُ امْرَأَةً تُحِبُّ أَنْ تَصِفَ نَفْسَهَا بِأَنَّهَا “تُرَاقِبُ” زَوْجَهَا، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ كَانَتْ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا شَيْئًا مِنَ الشَّكِّ وَشَيْئًا مِنَ الرِّيبَةِ، وَوَدَادُ لَمْ تَشُكَّ يَوْمًا فِي كَنْعَانَ، وَلَا لَحْظَةً وَاحِدَةً، طَوَالَ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنْ زَوَاجِهِمَا. لَكِنَّهَا كَانَتْ، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، امْرَأَةً تُلَاحِظُ. وَثَمَّةَ فَرْقٌ كَبِيرٌ، كَانَتْ تُكَرِّرُ هَذَا لِنَفْسِهَا كُلَّمَا رَاوَدَهَا شُعُورٌ بِالذَّنْبِ مِنْ كَثْرَةِ مُلَاحَظَتِهَا لِتَفَاصِيلِ زَوْجِهَا الصَّغِيرَةِ، بَيْنَ أَنْ تُرَاقِبَ إِنْسَانًا لِأَنَّكِ لَا تَثِقِينَ بِهِ، وَأَنْ تُلَاحِظِيهِ لِأَنَّكِ تُحِبِّينَهُ بِمَا يَكْفِي لِتَعْرِفِي مَتَى يَتَغَيَّرُ إِيقَاعُ أَنْفَاسِهِ أَثْنَاءَ نَوْمِهِ.
كَانَتْ وَدَادُ امْرَأَةً عَمَلِيَّةً بِطَبْعِهَا، هَذَا مَا عَرَفَهَا بِهِ الْجَمِيعُ: أَصْدِقَاؤُهَا، جِيرَانُهَا، حَتَّى كَنْعَانُ نَفْسُهُ حِينَ وَصَفَهَا مَرَّةً فِي حِوَارٍ صَحَفِيٍّ بِأَنَّهَا “الْعَمُودُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ بَيْتُنَا”. كَانَتْ هِيَ مَنْ تُدِيرُ شُؤُونَ الْبَيْتِ بِدِقَّةٍ، مَنْ تَتَذَكَّرُ مَوَاعِيدَ الْأَطِبَّاءِ، وَمَنْ تَحُلُّ الْمُشْكِلَاتِ الْعَمَلِيَّةَ بِهُدُوءٍ لَا يَكَادُ يَهْتَزُّ. وَكَانَتْ، فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ، الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَفَتْ كَيْفَ تَبْنِي، مِنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ وَصَلَ إِلَى بَلَدٍ لَا يَعْرِفُ لُغَتَهُ جَيِّدًا فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ، بَيْتًا حَقِيقِيًّا، وَأُسْرَةً مُسْتَقِرَّةً، وَحَيَاةً يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَفْخَرَ بِهَا. لَكِنَّ قِلَّةً مِنَ النَّاسِ عَرَفُوا الْوَجْهَ الْآخَرَ لِهَذِهِ المرْأَةِ الْعَمَلِيَّةِ: حَسَاسِيَّتَهَا الْعَمِيقَةَ الَّتِي تَعَلَّمَتْ، مُنْذُ صِغَرِهَا، أَنْ تُخْفِيَهَا خَلْفَ قِشْرَةٍ مِنَ الْهُدُوءِ وَالْكَفَاءَةِ، لِأَنَّ الْعَالَمَ، كَمَا تَعَلَّمَتْ بَاكِرًا فِي حَيَاتِهَا، لَا يَرْحَمُ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي يُظْهِرْنَ ضَعْفَهُنَّ بِسُهُولَةٍ. كَانَتِ الْقُوَّةُ، بِالنِّسْبَةِ لِوَدَادَ، دَائِمًا نَوْعًا مِنَ الدِّرْعِ، لَا غِيَابًا لِلْخَوْفِ، بَلْ طَرِيقَةً لِإِخْفَائِهِ عَنْ أَعْيُنِ مَنْ حَوْلَهَا، وَعَنْ نَفْسِهَا أَحْيَانًا.
وَقَدْ أَحَبَّتْ فِي كَنْعَانَ، مُنْذُ أَنِ الْتَقَتْهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ قَبْلَ ثَلَاثِينَ عَامًا فِي أُمْسِيَةٍ أَدَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ أَقَامَهَا مَرْكَزٌ ثَقَافِيٌّ عَرَبِيٌّ فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَا يَعِيشَانِ فِيهَا آنَذَاكَ، تِلْكَ الْقُدْرَةَ النَّادِرَةَ الَّتِي يَمْلِكُهَا عَلَى الْإِصْغَاءِ الْحَقِيقِيِّ، إِصْغَاءٍ لَا يُشْبِهُ إِصْغَاءَ أَغْلَبِ الرِّجَالِ الَّذِينَ عَرَفَتْهُمْ قَبْلَهُ، إِصْغَاءٍ يَجْعَلُهَا تَشْعُرُ أَنَّهَا مَرْئِيَّةٌ بِالْكَامِلِ، بِكُلِّ تَنَاقُضَاتِهَا، دُونَ أَنْ يُحَاوِلَ أَنْ يُبَسِّطَهَا أَوْ يُفَسِّرَهَا كَمَا تَفْعَلُ الرِّوَايَاتُ أَحْيَانًا بِشَخْصِيَّاتِهَا. لَكِنَّهَا، مَعَ مُرُورِ السِّنِينَ، بَدَأَتْ تُدْرِكُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يُصْغِي بِهَذَا الْعُمْقِ إِلَى الْآخَرِينَ، نَادِرًا مَا يَتَحَدَّثُ بِالْعُمْقِ نَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ هُوَ، وَأَنَّ هُنَاكَ، خَلْفَ عَيْنَيْهِ الْهَادِئَتَيْنِ الدَّافِئَتَيْنِ، بَابًا لَمْ تُدْعَ يَوْمًا لِعُبُورِهِ بِالْكَامِلِ.
لَمْ تَكُنْ تَشُكُّ فِي حُبِّهِ، وَلَا لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ، فِي مَكَانٍ هَادِئٍ مِنْ دَاخِلِهَا، أَنَّ مَعْرِفَتَهَا الْكَامِلَةَ لَهُ كَانَتْ دَائِمًا مَعْرِفَةً جُزْئِيَّةً، مَعْرِفَةَ رَجُلٍ اخْتَارَ، بِوَعْيٍ أَوْ بِغَيْرِ وَعْيٍ، أَنْ يَعِيشَ نِصْفَ حَيَاتِهِ أَمَامَهَا بِوُضُوحٍ كَامِلٍ، وَنِصْفَهَا الْآخَرَ خَلْفَ سِتَارَةٍ لَمْ تُرْفَعْ يَوْمًا بِالْكَامِلِ.
وَكَانَتْ وَدَادُ، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَلَتْ زِيَارَةَ كَنْعَانَ لِلدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ، قَدْ بَدَأَتْ تُلَاحِظُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، أَشْيَاءَ صَغِيرَةً، لَا يَلْحَظُهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ مَعَ إِنْسَانٍ طَوِيلًا بِمَا يَكْفِي لِيَعْرِفَ أَنْمَاطَهُ بِدِقَّةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُ أَنْمَاطَ نَفْسِهِ أَحْيَانًا.
كَانَتِ اللَّيَالِي فِي هَذَا الْبَيْتِ، مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، تَمُرُّ بِإِيقَاعٍ هَادِئٍ وَمُطْمَئِنٍّ، إِيقَاعٍ اعْتَادَتْ عَلَيْهِ وَدَادُ لِدَرَجَةِ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُفَكِّرُ فِيهِ، تَمَامًا كَمَا لَا يُفَكِّرُ الْإِنْسَانُ فِي نَبَضَاتِ قَلْبِهِ الطَّبِيعِيَّةِ. وَكَانَ هَذَا الْإِيقَاعُ الْهَادِئُ نَفْسُهُ، الَّذِي بَدَأَ يَهْتَزُّ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ، مَا جَعَلَهَا تُدْرِكُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى كَمْ كَانَتْ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، دُونَ وَعْيٍ مِنْهَا، لِتَشْعُرَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِهَا فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ.
كَانَ كَنْعَانُ، طَوَالَ سِنِينَ زَوَاجِهِمَا، نَائِمًا هَادِئًا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَنَامُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ، وَقَلَّمَا اسْتَيْقَظَ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، إِلَّا فِي مُنَاسَبَاتٍ نَادِرَةٍ جِدًّا كَانَتْ وَدَادُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعُدَّهَا عَلَى أَصَابِعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ: حِينَ مَرِضَتْ لُبْنَى بِشِدَّةٍ وَهِيَ طِفْلَةٌ، وَحِينَ تُوُفِّيَتْ وَالِدَتُهُ فِي سُورِيَا وَكَانَ بَعِيدًا عَنْهَا آلَافَ الْكِيلُومِتْرَاتِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُوَدِّعَهَا، وَحِينَ نَشَرَتْ لَهُ إِحْدَى الصُّحُفِ مُرَاجَعَةً قَاسِيَةً جِدًّا لِرِوَايَتِهِ الْأُولَى الْمُتَرْجَمَةِ إِلَى الْأَلْمَانِيَّةِ.
لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْأَخِيرَةِ، بَدَأَ كَنْعَانُ يَسْتَيْقِظُ، مَرَّةً، ثُمَّ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ بِشَكْلٍ شِبْهِ يَوْمِيٍّ، فِي سَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، يَجْلِسُ عَلَى حَافَّةِ الْفِرَاشِ لِدَقَائِقَ، صَامِتًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى النَّوْمِ، أَوْ يَخْرُجُ بِهُدُوءٍ إِلَى الْمَطْبَخِ لِيَشْرَبَ كُوبًا مِنَ الْمَاءِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُهُ فِعْلًا، بَلْ كَانَ يَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا وَحْدَهُ، فِي الْعَتْمَةِ، بَعِيدًا عَنْهَا، لِبِضْعِ دَقَائِقَ.
كَانَتْ وَدَادُ تَسْتَيْقِظُ أَحْيَانًا مَعَهُ، دُونَ أَنْ تُظْهِرَ ذَلِكَ، تُرَاقِبُهُ مِنْ تَحْتِ جَفْنَيْهَا نِصْفِ الْمُغْمَضَتَيْنِ وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى حَافَّةِ الْفِرَاشِ، ظَهْرُهُ مُنْحَنٍ قَلِيلًا، وَيَدَاهُ مُتَشَابِكَتَانِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَرَأْسُهُ مُطْرِقٌ كَأَنَّهُ يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتٍ لَا تَسْمَعُهُ هِيَ، ثُمَّ تَرَاهُ يَنْهَضُ بِهُدُوءٍ وَيُغَادِرُ الْغُرْفَةَ، فَتَبْقَى هِيَ مُسْتَلْقِيَةً، عَيْنَاهَا مُغْمَضَتَانِ، تَحْسِبُ دَقَّاتِ قَلْبِهَا، وَتَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُ.
كَانَتِ الصُّوَرُ، بِالنِّسْبَةِ لِوَدَادَ، دَائِمًا أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ وَرَقٍ مَطْبُوعٍ؛ كَانَتْ نَوَافِذَ صَغِيرَةً إِلَى أَزْمِنَةٍ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا بِأَيَّةِ طَرِيقَةٍ أُخْرَى، وَكَانَتْ تُحِبُّ، فِي الْمُنَاسَبَاتِ الْعَائِلِيَّةِ، أَنْ تُخْرِجَ صَنَادِيقَ الصُّوَرِ الْقَدِيمَةِ وَتَتَصَفَّحَهَا مَعَ لُبْنَى، تَحْكِي لَهَا قِصَّةَ كُلِّ صُورَةٍ، أَوْ تُحَاوِلُ أَنْ تَتَذَكَّرَهَا، فَتَضْحَكَانِ مَعًا عَلَى تَسْرِيحَاتِ شَعْرٍ قَدِيمَةٍ أَوْ مَلَابِسَ عَفَا عَلَيْهَا الزَّمَنُ.
كَانَ لَدَيْهِمَا، مِثْلَ كُلِّ عَائِلَةٍ عَاشَتْ عُمْرًا طَوِيلًا مَعًا، صَنَادِيقُ مِنَ الصُّوَرِ الْقَدِيمَةِ، بَعْضُهَا مَطْبُوعٌ عَلَى وَرَقٍ بَدَأَتْ حَوَافُّهُ تَصْفَرُّ، وَبَعْضُهَا مَحْفُوظٌ فِي أَلْبُومَاتٍ جِلْدِيَّةٍ قَدِيمَةٍ جَلَبَهَا كَنْعَانُ مَعَهُ مِنْ سُورِيَا حِينَ هَاجَرَ، أَلْبُومَاتٍ لَمْ يَفْتَحْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سِنِينَ، مَحْفُوظَةً فِي أَسْفَلِ خِزَانَةِ الْكُتُبِ فِي مَكْتَبِهِ، وَنَادِرًا مَا كَانَ كَنْعَانُ يَعُودُ إِلَيْهَا، رُبَّمَا مَرَّةً كُلَّ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ.
لَكِنَّ وَدَادَ لَاحَظَتْ، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، أَنَّ بَابَ خِزَانَةِ الْمَكْتَبِ أَصْبَحَ مَفْتُوحًا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ حِينَ تَدْخُلُ الْغُرْفَةَ لِتَنْظِيفِهَا، وَأَنَّ أَحَدَ الْأَلْبُومَاتِ الْقَدِيمَةِ، ذَلِكَ الَّذِي يَحْمِلُ غِلَافًا جِلْدِيًّا بُنِّيًّا بَدَأَ يَتَشَقَّقُ مِنْ أَطْرَافِهِ، أَصْبَحَ مَوْضُوعًا فَوْقَ الْمَكْتَبِ بَدَلًا مِنْ مَكَانِهِ الْمُعْتَادِ فِي الْخِزَانَةِ، مَرَّةً، ثُمَّ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ.
فَتَحَتْهُ وَدَادُ مَرَّةً، حِينَ كَانَتْ وَحْدَهَا فِي الْبَيْتِ، بِفُضُولٍ لَا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالْخَجَلِ الْخَفِيفِ، وَكَأَنَّهَا تَنْتَهِكُ خُصُوصِيَّةً لَمْ تُدْعَ إِلَيْهَا. تَصَفَّحَتِ الصَّفَحَاتِ بِبُطْءٍ: صُوَرٌ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ لِعَائِلَةِ كَنْعَانَ، لِوَالِدَيْهِ فِي شَبَابِهِمَا، لِكَنْعَانَ طِفْلًا يَقِفُ أَمَامَ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ فِي مَدِينَةٍ سُورِيَّةٍ لَمْ تَزُرْهَا وَدَادُ يَوْمًا، صُوَرٌ لِأَصْدِقَائِهِ فِي الْجَامِعَةِ، وُجُوهٌ شَابَّةٌ ضَاحِكَةٌ لَا تَعْرِفُ وَدَادُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ عِنْدَ صَفْحَةٍ كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهَا مَفْقُودَةً، مَكَانُهَا فَارِغٌ، وَبَقَايَا شَرِيطٍ لَاصِقٍ أَصْفَرَ بَاهِتٍ عَلَى حَوَافِّ الْمَكَانِ الْفَارِغِ.
نَظَرَتْ وَدَادُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَاغِ الصَّغِيرِ فِي مُنْتَصَفِ الصَّفْحَةِ طَوِيلًا، وَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْبُرُودَةَ يَسْرِي فِي يَدِهَا الَّتِي تَحْمِلُ الْأَلْبُومَ، سُؤَالٌ بَسِيطٌ، لَكِنَّهُ ثَقِيلٌ: مَنْ كَانَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ؟ وَمَتَى نُزِعَتْ؟ وَلِمَاذَا؟
لَمْ تَسْأَلْ كَنْعَانَ عَنِ الْأَلْبُومِ مُبَاشَرَةً، لَيْسَ لِأَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ، بَلْ لِأَنَّهَا، بِحِكْمَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَرَفَتْ زَوْجَهَا طَوِيلًا، أَدْرَكَتْ أَنَّ الْأَسْئِلَةَ الْمُبَاشِرَةَ أَحْيَانًا تُغْلِقُ الْأَبْوَابَ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَفْتَحَهَا، فَقَرَّرَتْ أَنْ تَنْتَظِرَ، وَأَنْ تُلَاحِظَ أَكْثَرَ، وَأَنْ تَجْمَعَ الْخُيُوطَ، لَا لِأَنَّهَا تَشُكُّ، بَلْ لِأَنَّهَا تُحِبُّ هَذَا الرَّجُلَ بِمَا يَكْفِي لِتُرِيدَ أَنْ تَفْهَمَ مَا يَمُرُّ بِهِ.
كَانَ ثَمَّةَ مَوْضِعٌ فِي الصَّالَةِ، قُرْبَ النَّافِذَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الشَّارِعِ، حَيْثُ كَانَ كَنْعَانُ يَقِفُ أَحْيَانًا، خُصُوصًا فِي سَاعَاتِ الْمَسَاءِ حِينَ يُخَيِّمُ الظَّلَامُ، يَنْظُرُ إِلَى الْخَارِجِ بِلَا هَدَفٍ وَاضِحٍ، لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، بِيَدَيْهِ فِي جَيْبَيْ بَنْطَالِهِ، وَظَهْرُهُ مُنْتَصِبٌ بِطَرِيقَةٍ لَا تُشْبِهُ اسْتِرْخَاءَهُ الْمُعْتَادَ، بَلْ تُشْبِهُ، كَمَا فَكَّرَتْ وَدَادُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَقْفَةَ رَجُلٍ يَحْرُسُ شَيْئًا، أَوْ يَنْتَظِرُ شَيْئًا.
سَأَلَتْهُ مَرَّةً، وَهِيَ تَمُرُّ خَلْفَهُ حَامِلَةً كُوبَ شَايٍ: “مَاذَا تَنْظُرُ؟”
فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا بِابْتِسَامَةٍ سَرِيعَةٍ، بَدَتْ لَهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، غَيْرَ كَامِلَةٍ تَمَامًا، وَقَالَ: “لَا شَيْءَ، فَقَطْ أَسْتَمْتِعُ بِالْمَنْظَرِ. الشَّارِعُ هَادِئٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ.”
لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ أَنَّ عَيْنَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهَا، كَانَتَا مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى سَيَّارَةٍ رَمَادِيَّةٍ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الشَّارِعِ، سَيَّارَةٍ لَمْ تَكُنْ تَتَذَكَّرُ أَنَّهَا رَأَتْهَا مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْحَيِّ الْهَادِئِ الَّذِي تَعْرِفُ فِيهِ كُلَّ جِيرَانِهَا وَسَيَّارَاتِهِمْ تَقْرِيبًا.
رَابِعًا: الْحَدِيثُ عَنِ الْمَاضِي
وَرُبَّمَا كَانَ الْأَكْثَرَ إِثَارَةً لِقَلَقِهَا مِنْ بَيْنِ كُلِّ مَا سَبَقَ: طَرِيقَةَ حَدِيثِهِ عَنِ الْمَاضِي. فَكَنْعَانُ، طَوَالَ سِنِيِّ مَعْرِفَتِهَا بِهِ، لَمْ يَكُنْ رَجُلًا يَتَجَنَّبُ الْحَدِيثَ عَنْ سُورِيَا بِشَكْلٍ كَامِلٍ، بَلْ كَانَ، عَلَى الْعَكْسِ، يَتَحَدَّثُ عَنْهَا أَحْيَانًا بِحَنِينٍ هَادِئٍ، عَنْ طُفُولَتِهِ، عَنْ مَدِينَتِهِ الْقَدِيمَةِ، عَنْ رَائِحَةِ الْيَاسَمِينِ فِي الصَّيْفِ. لَكِنَّ حَدِيثَهُ عَنْ تِلْكَ الْفَتْرَةِ كَانَ يَتَوَقَّفُ دَائِمًا، بِشَكْلٍ شِبْهِ ثَابِتٍ، عِنْدَ نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ: مَرْحَلَةُ شَبَابِهِ الْجَامِعِيِّ. كَانَ يَتَحَدَّثُ بِإِسْهَابٍ عَنْ طُفُولَتِهِ، لَكِنَّهُ حِينَ تَصِلُ الْأَحَادِيثُ إِلَى فَتْرَةِ مَا قَبْلَ هِجْرَتِهِ مُبَاشَرَةً، كَانَ يَتَحَوَّلُ الْحَدِيثُ فَجْأَةً إِلَى جُمَلٍ مُقْتَضَبَةٍ، عَامَّةٍ، وَكَأَنَّ هُنَاكَ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً مِنْ حَيَاتِهِ، سَنَوَاتٍ مَفْصَلِيَّةً، أُغْلِقَتْ بِإِحْكَامٍ فِي صُنْدُوقٍ لَا يُفْتَحُ.
لَاحَظَتْ وَدَادُ هَذَا النَّمَطَ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تُعِرْهُ اهْتِمَامًا كَبِيرًا حِينَهَا، فَكُلُّ إِنْسَانٍ، كَمَا كَانَتْ تُفَكِّرُ، لَهُ فَتَرَاتٌ فِي حَيَاتِهِ يُفَضِّلُ أَلَّا يَعُودَ إِلَيْهَا كَثِيرًا. لَكِنَّهَا، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ، بَدَأَتْ تُلَاحِظُ أَنَّ هَذَا “الصُّنْدُوقَ الْمُغْلَقَ” بَدَأَ يَهْتَزُّ، بَدَأَ يُفْتَحُ قَلِيلًا، بِشَكْلٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ، فِي لَحَظَاتِ شُرُودٍ، فِي جُمَلٍ نِصْفِ مُكْتَمِلَةٍ يَبْدَؤُهَا كَنْعَانُ ثُمَّ يَتَوَقَّفُ فَجْأَةً.
مَرَّةً، وَهُمَا يَتَنَاوَلَانِ الْعَشَاءَ، بَدَأَ كَنْعَانُ يَتَحَدَّثُ، بِشَكْلٍ عَفْوِيٍّ، عَنْ “أَيَّامِ الْجَامِعَةِ”، وَقَالَ جُمْلَةً بَدَتْ لِوَدَادَ عَابِرَةً فِي الْبِدَايَةِ: “كَانَتْ هُنَاكَ أَوْقَاتٌ صَعْبَةٌ، أَوْقَاتٌ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ فِيهَا مَنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَثِقَ بِهِ حَقًّا…” ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً سَرِيعَةً، وَقَالَ: “عَلَى أَيَّةِ حَالٍ، هَذَا كُلُّهُ مَاضٍ بَعِيدٌ الْآنَ”، وَغَيَّرَ الْمَوْضُوعَ بِسُرْعَةٍ.
لَاحَظَتْ وَدَادُ ذَلِكَ التَّحَوُّلَ السَّرِيعَ، ذَلِكَ الْبَابَ الَّذِي فُتِحَ لِلَحْظَةٍ ثُمَّ أُغْلِقَ بِسُرْعَةٍ، وَاخْتَارَتِ الصَّمْتَ، وَسَجَّلَتِ الْمُلَاحَظَةَ فِي دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ ذَلِكَ الْمَسَاءَ: “الْأَرْبِعَاءُ، جُمْلَةٌ نِصْفُ مُكْتَمِلَةٍ عَنْ أَيَّامِ الْجَامِعَةِ، شَيْءٌ عَنِ الثِّقَةِ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَاتُ، مُجْتَمِعَةً، تُشَكِّلُ فِي ذِهْنِ وَدَادَ صُورَةً لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ: رَجُلٌ تُحِبُّهُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ فَصْلًا كَامِلًا مِنْ حَيَاتِهِ لَمْ يُرْوَ بَعْدُ، فَصْلًا بَدَأَ، لِأَسْبَابٍ لَا تَفْهَمُهَا هِيَ بَعْدُ، يَسْتَيْقِظُ مِنْ سُبَاتِهِ الطَّوِيلِ.
بَدَأَتْ وَدَادُ، دُونَ أَنْ تُخَطِّطَ لِذَلِكَ بِوَعْيٍ كَامِلٍ، تَحْتَفِظُ بِدَفْتَرٍ صَغِيرٍ خَاصٍّ بِهَا، تَكْتُبُ فِيهِ، بِخَطٍّ صَغِيرٍ مُرَتَّبٍ، مُلَاحَظَاتٍ مُتَفَرِّقَةً، بِتَوَارِيخَ: “الثُّلَاثَاءُ، اسْتَيْقَظَ كَنْعَانُ مَرَّتَيْنِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ”، “الْخَمِيسُ، الْأَلْبُومُ الْبُنِّيُّ عَلَى الْمَكْتَبِ مُجَدَّدًا، الصُّورَةُ النَّاقِصَةُ مَا تَزَالُ نَاقِصَةً”، “الْجُمُعَةُ، وَقَفَ أَمَامَ النَّافِذَةِ عِشْرِينَ دَقِيقَةً، لَمْ يُجِبْ حِينَ نَادَيْتُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ.”
لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ هَذَا بِدَافِعِ التَّحْقِيقِ الْبَارِدِ، بَلْ بِدَافِعٍ أَقْرَبَ إِلَى مَا يَفْعَلُهُ طَبِيبٌ يُلَاحِظُ أَعْرَاضًا مُتَفَرِّقَةً عِنْدَ مَرِيضٍ يُحِبُّهُ، مُحَاوَلَةً صَادِقَةً لِفَهْمِ نَمَطٍ يَتَشَكَّلُ، قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ لَا يُمْكِنُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْهِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَتْ تُنَظِّفُ مَكْتَبَ كَنْعَانَ، بِحِرْصٍ شَدِيدٍ عَلَى أَلَّا تُحَرِّكَ أَوْرَاقَهُ مِنْ أَمَاكِنِهَا، لَاحَظَتْ أَنَّ أَحَدَ أَدْرَاجِ الْمَكْتَبِ، الدُّرْجَ السُّفْلِيَّ، الَّذِي كَانَ دَائِمًا مُقْفَلًا بِمِفْتَاحٍ صَغِيرٍ يَحْتَفِظُ بِهِ كَنْعَانُ فِي عُلْبَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ عَلَى رَفِّ الْكُتُبِ، كَانَ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، غَيْرَ مُغْلَقٍ بِالْكَامِلِ.
تَوَقَّفَتْ وَدَادُ أَمَامَ الدُّرْجِ الْمَفْتُوحِ جُزْئِيًّا، وَشَعَرَتْ بِصِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ وَاضِحٍ: مِنْ جِهَةٍ، كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الدُّرْجَ خَاصٌّ، وَأَنَّ احْتِرَامَهَا لِخُصُوصِيَّةِ كَنْعَانَ، حَتَّى بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنَ الزَّوَاجِ، كَانَ أَحَدَ أُسُسِ عَلَاقَتِهِمَا الَّتِي لَمْ تَنْكَسِرْ يَوْمًا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كَانَتِ الْأَيَّامُ الْأَخِيرَةُ، بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ صَمْتٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَأَرَقٍ، وَشُرُودٍ، قَدْ بَدَأَتْ تَتَرَاكَمُ فِي دَاخِلِهَا كَضَغْطٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ أَكْثَرَ.
وَقَفَتْ هُنَاكَ دَقِيقَةً كَامِلَةً، بِيَدِهَا عَلَى مِقْبَضِ الدُّرْجِ، تَسْأَلُ نَفْسَهَا: هَلْ مَا زِلْتُ أَثِقُ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَاحَةَ الْخَاصَّةَ الَّتِي احْتَرَمْتُهَا طَوَالَ ثَلَاثِينَ عَامًا هِيَ فِعْلًا مُجَرَّدُ “خُصُوصِيَّةٍ بَرِيئَةٍ”، أَمْ أَنَّهَا أَصْبَحَتْ، دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ، شَيْئًا آخَرَ؟ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى جِدَارٍ؟
فَتَحَتِ الدُّرْجَ، بِبُطْءٍ، وَبِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ.
لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْكَثِيرُ: أَوْرَاقٌ قَدِيمَةٌ تَخُصُّ وَثَائِقَ الْعَائِلَةِ، جَوَازُ سَفَرٍ مُنْتَهِي الصَّلَاحِيَّةِ، بَعْضُ الْأَقْلَامِ الْقَدِيمَةِ، وَدَفْتَرٌ صَغِيرٌ مُغْلَقٌ بِحِزَامٍ مَطَّاطِيٍّ. لَكِنْ تَحْتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَمِيعًا، فِي زَاوِيَةِ الدُّرْجِ، وَجَدَتْ مُغَلَّفًا أَصْفَرَ بَاهِتًا، قَدِيمًا جِدًّا، عَلَيْهِ طَوَابِعُ بَرِيدِيَّةٌ سُورِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَخَطُّ يَدٍ لَيْسَ خَطَّ كَنْعَانَ، خَطٌّ نِسَائِيٌّ أَنِيقٌ، مَائِلٌ قَلِيلًا، يَكْتُبُ اسْمَ كَنْعَانَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَلَى وَاجِهَةِ الْمُغَلَّفِ، دُونَ عُنْوَانِ مُرْسِلٍ وَاضِحٍ، فَقَطْ اسْمَهُ، وَعُنْوَانًا قَدِيمًا لِبَيْتٍ لَمْ تَعْرِفْهُ وَدَادُ يَوْمًا.
مَدَّتْ وَدَادُ أَصَابِعَهَا لِتَلْمَسَ حَافَّةَ الْمُغَلَّفِ، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَشَعَرَتْ بِمَلْمَسِ الْوَرَقِ الْقَدِيمِ، الْجَافِّ، وَشَمَّتْ، دُونَ أَنْ تَقْصِدَ ذَلِكَ، رَائِحَةً خَفِيفَةً جِدًّا تَفُوحُ مِنْهُ، رَائِحَةَ وَرَقٍ قَدِيمٍ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ تَسْتَطِعْ تَحْدِيدَهُ بِدِقَّةٍ.
وَقَفَتْ وَدَادُ أَمَامَ ذَلِكَ الْمُغَلَّفِ طَوِيلًا، لَا تَجْرُؤُ عَلَى لَمْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. نَظَرَتْ إِلَى الْخَطِّ النِّسَائِيِّ الْأَنِيقِ عَلَى الْغِلَافِ، وَشَعَرَتْ بِسُؤَالٍ يَتَشَكَّلُ فِي صَدْرِهَا بِبُطْءٍ: مَنْ كَتَبَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةَ؟ وَلِمَاذَا احْتَفَظَ بِهَا كَنْعَانُ، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ، فِي دُرْجٍ مُقْفَلٍ، لَمْ يُطْلِعْهَا عَلَيْهِ يَوْمًا؟
فَكَّرَتْ لَحْظَةً أَنْ تَفْتَحَهُ، أَنْ تُخْرِجَ الرِّسَالَةَ مِنْ دَاخِلِهِ وَتَقْرَأَهَا. لَكِنَّهَا، بَعْدَ لَحْظَةِ تَرَدُّدٍ طَوِيلَةٍ، أَعَادَتْ يَدَهَا إِلَى جَانِبِهَا، لَيْسَ لِأَنَّهَا فَقَدَتِ الْفُضُولَ، بَلْ لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ، بِوُضُوحٍ مُفَاجِئٍ، أَنَّ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ لَيْسَ مَضْمُونَ تِلْكَ الرِّسَالَةِ بِالذَّاتِ، بَلْ شَيْءٌ أَعْمَقُ: تُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَهَا كَنْعَانُ بِنَفْسِهِ، أَنْ يَخْتَارَ هُوَ أَنْ يَفْتَحَ ذَلِكَ الْبَابَ، لَا أَنْ تَقْتَحِمَهُ هِيَ مِنْ خَلْفِهِ. كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا جَوْهَرِيًّا، يَمَسُّ جَوْهَرَ الثِّقَةِ بَيْنَهُمَا، بَيْنَ أَنْ تَعْرِفَ حَقِيقَةً عَبْرَ اعْتِرَافٍ، وَأَنْ تَعْرِفَهَا عَبْرَ تَجَسُّسٍ، مَهْمَا كَانَتْ دَوَافِعُهَا نَبِيلَةً.
جَلَسَتْ عَلَى كُرْسِيِّ الْمَكْتَبِ، وَالْمُغَلَّفُ مَا يَزَالُ فِي يَدِهَا، وَسَمَحَتْ لِذِهْنِهَا أَنْ يَنْزَلِقَ، لِلَحَظَاتٍ، إِلَى الْوَرَاءِ، إِلَى ذَلِكَ الْمَسَاءِ الْبَعِيدِ الَّذِي الْتَقَتْ فِيهِ كَنْعَانَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. تَذَكَّرَتْ كَيْفَ وَقَفَ كَنْعَانُ، حِينَهَا شَابًّا فِي الثَّلَاثِينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ، أَمَامَ جُمْهُورٍ صَغِيرٍ، يَقْرَأُ فَصْلًا مِنْ رِوَايَتِهِ الْأُولَى بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَمْ يَكُنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُبْهِرَ أَحَدًا، بَلْ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يُشَارِكُ سِرًّا صَغِيرًا مَعَ كُلِّ مَنْ فِي الْقَاعَةِ.
وَتَذَكَّرَتْ أَيْضًا كَيْفَ سَأَلَتْهُ، فِي إِحْدَى لِقَاءَاتِهِمَا الْأُولَى، عَنْ حَيَاتِهِ فِي سُورِيَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَأَجَابَهَا بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ: “سَأُخْبِرُكِ كُلَّ شَيْءٍ يَوْمًا، حِينَ يَحِينُ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ.” وَكَيْفَ قَبِلَتْ هِيَ، بِثِقَةِ الْحُبِّ الْأَوَّلِ، أَنْ تَنْتَظِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
لَكِنَّ ثَلَاثِينَ عَامًا مَرَّتْ، وَذَلِكَ الْيَوْمُ لَمْ يَأْتِ بِالْكَامِلِ قَطُّ. حَصَلَتْ وَدَادُ عَلَى أَجْزَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنْ قِصَّةِ كَنْعَانَ، أَجْزَاءٍ كَافِيَةٍ لِتَشْعُرَ أَنَّهَا تَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً وَعَمِيقَةً، لَكِنَّهَا، وَهِيَ تَجْلِسُ الْآنَ أَمَامَ هَذَا الْمُغَلَّفِ الْأَصْفَرِ الْقَدِيمِ، أَدْرَكَتْ فَجْأَةً أَنَّ ذَلِكَ الْوَعْدَ الْقَدِيمَ، “سَأُخْبِرُكِ كُلَّ شَيْءٍ يَوْمًا”، ظَلَّ، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، وَعْدًا مُؤَجَّلًا.
أَعَادَتِ الْمُغَلَّفَ إِلَى مَكَانِهِ بِعِنَايَةٍ، بِنَفْسِ الزَّاوِيَةِ الَّتِي وَجَدَتْهُ بِهَا بِالضَّبْطِ، وَأَغْلَقَتِ الدُّرْجَ، وَشَعَرَتْ، وَهِيَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْخِيَانَةَ الصَّغِيرَةَ، رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا سِوَى أَنَّهَا نَظَرَتْ.
جَلَسَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمَكْتَبِ، وَشَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ مُفَاجِئَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِابْنَتِهَا لُبْنَى، لَيْسَ لِتُخْبِرَهَا بِمَا وَجَدَتْهُ، بَلْ لِمُجَرَّدِ سَمَاعِ صَوْتِهَا.
اتَّصَلَتْ بِلُبْنَى، فَأَجَابَتِ الْفَتَاةُ بِصَوْتِهَا الْمَرِحِ الْمُعْتَادِ: “أُمِّي! كَيْفَ حَالُكِ؟ لَمْ أُكَلِّمْكِ مُنْذُ يَوْمَيْنِ.”
قَالَتْ وَدَادُ: “بِخَيْرٍ يَا حَبِيبَتِي، فَقَطْ أَفْتَقِدُكِ. كَيْفَ تَسِيرُ الْأُمُورُ مَعَ بَحْثِكِ؟”
تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ لُبْنَى قَلِيلًا، أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ حَذَرًا، وَقَالَتْ: “لَا أَزَالُ أَجْمَعُ الْخُيُوطَ، لَكِنِّي وَجَدْتُ شَيْئًا غَرِيبًا أُمِّي، لَا أُرِيدُ أَنْ أُقْلِقَكِ، لَكِنِّي وَجَدْتُ اسْمَ أَبِي مَذْكُورًا فِي وَثِيقَةٍ قَدِيمَةٍ، وَثِيقَةٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْأَدَبِ، بَلْ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا مِنْ نَوْعِ الْمِلَفَّاتِ الْأَمْنِيَّةِ الْقَدِيمَةِ.”
شَعَرَتْ وَدَادُ بِقَلْبِهَا يَتَسَارَعُ، وَسَأَلَتْ: “مِلَفَّاتٌ أَمْنِيَّةٌ؟ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ؟ مِنْ أَيَّةِ فَتْرَةٍ؟”
قَالَتْ لُبْنَى: “مِلَفَّاتٌ تَبْدُو أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِسُورِيَا، مِنْ فَتْرَةٍ قَدِيمَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ أَبِي. رُبَّمَا لَا تَعْنِي شَيْئًا، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَأَكَّدَ قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَ أَبِي.”
قَالَتْ وَدَادُ: “كُونِي حَذِرَةً يَا لُبْنَى، اتَّفَقْنَا؟ لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي تَبْحَثِينَ فِيهِ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِي يَقُولُ لِي إِنَّ الْأَمْرَ أَكْبَرُ مِمَّا نَتَخَيَّلُ جَمِيعًا.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَتْ وَدَادُ وَحْدَهَا فِي مَكْتَبِ زَوْجِهَا، وَكَلِمَاتُ ابْنَتِهَا تَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ الْخُيُوطَ الْمُتَفَرِّقَةَ الَّتِي كَانَتْ تُلَاحِظُهَا فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ بَدَأَتْ تَتَجَمَّعُ، بِبُطْءٍ، لَكِنْ بِوُضُوحٍ مُتَزَايِدٍ، فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَعْدُ شَكْلَهُ الْكَامِلَ، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِثِقْلِهِ.
فِي مَسَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، جَلَسَا مَعًا كَعَادَتِهِمَا بَعْدَ الْعَشَاءِ، فِي الصَّالَةِ، كَنْعَانُ يَقْرَأُ كِتَابًا وَوَدَادُ تَحِيكُ شَيْئًا مِنَ الصُّوفِ، وَالتِّلْفَازُ مُطْفَأٌ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ فَتْرَةٍ، فَقَدْ شَعَرَا كِلَاهُمَا، دُونَ أَنْ يَقُولَا ذَلِكَ بِصَرَاحَةٍ، أَنَّ الصَّمْتَ بَيْنَهُمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَحْتَاجُ إِلَى مَسَاحَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَسْمَحُ بِهِ صَوْتُ التِّلْفَازِ.
قَالَتْ وَدَادُ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى إِبْرَتَيْهَا دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ: “كَنْعَانُ، هَلْ تَتَذَكَّرُ الْأَلْبُومَ الْبُنِّيَّ الْقَدِيمَ؟ ذَلِكَ الَّذِي فِيهِ صُوَرُكَ مِنْ سُورِيَا؟”
تَوَقَّفَ كَنْعَانُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ، لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ تَشْكِيلَ وَجْهِهِ إِلَى هُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ، شَيْءٌ يُشْبِهُ الْيَقَظَةَ الْمُفَاجِئَةَ.
قَالَ: “نَعَمْ، بِالطَّبْعِ أَتَذَكَّرُهُ. لِمَاذَا تَسْأَلِينَ؟”
قَالَتْ وَدَادُ: “لَاحَظْتُ أَنَّكَ تَعُودُ إِلَيْهِ كَثِيرًا فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ. وَهَذَا لَيْسَ مُعْتَادًا مِنْكَ.”
صَمَتَ كَنْعَانُ لَحْظَةً، وَأَغْلَقَ كِتَابَهُ بِبُطْءٍ، وَقَالَ: “رُبَّمَا هِيَ فَتْرَةٌ مِنَ الْعُمْرِ يَعُودُ فِيهَا الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ إِلَى ذِكْرَيَاتِهِ. هَذَا كُلُّ مَا فِي الْأَمْرِ.”
قَالَتْ وَدَادُ: “كَنْعَانُ، هُنَاكَ صُورَةٌ نَاقِصَةٌ فِي الْأَلْبُومِ. مَكَانُهَا فَارِغٌ. مَنْ كَانَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ؟”
تَوَقَّفَ كَنْعَانُ تَمَامًا، وَشَعَرَتْ وَدَادُ أَنَّ الْغُرْفَةَ نَفْسَهَا تَوَقَّفَتْ مَعَهُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِهِ الْمُعْتَادِ: “لِمَاذَا كُنْتِ تَنْظُرِينَ فِي الْأَلْبُومِ؟”
لَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ مُتَّهِمًا بِقَدْرِ مَا كَانَ مُدَافِعًا، فَقَالَتْ وَدَادُ: “لَمْ أَكُنْ أَتَجَسَّسُ عَلَيْكَ يَا كَنْعَانُ. لَاحَظْتُ أَنَّكَ تَعُودُ إِلَيْهِ كَثِيرًا، وَفُضُولِي دَفَعَنِي لِأَنْ أُلْقِيَ نَظْرَةً. أَنَا زَوْجَتُكَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا، أَلَيْسَ مِنْ حَقِّي أَنْ أَعْرِفَ مَاضِيَكَ أَيْضًا؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ طَوِيلًا، وَبَدَا عَلَيْهِ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، أَنَّهُ يَخُوضُ صِرَاعًا دَاخِلِيًّا وَاضِحًا، صِرَاعًا بَيْنَ رَغْبَتِهِ فِي حِمَايَةِ شَيْءٍ ظَلَّ مَدْفُونًا لِعُقُودٍ، وَبَيْنَ حُبِّهِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تَطْلُبْ مِنْهُ يَوْمًا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِإِعْطَائِهِ.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَهْدَأَ، لَكِنَّهُ ثَقِيلٌ: “كَانَتْ هُنَاكَ فَتَاةٌ، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا، قَبْلَ أَنْ أَلْتَقِيَكِ بِسِنِينَ طَوِيلَةٍ. اسْمُهَا لَمْ يَعُدْ يُهِمُّ. كَانَتْ جُزْءًا مِنْ حَيَاةٍ أُخْرَى، حَيَاةٍ انْتَهَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ حَيَاتُنَا نَحْنُ. نَزَعْتُ صُورَتَهَا مِنَ الْأَلْبُومِ مُنْذُ سِنِينَ، لَيْسَ لِأَنِّي أُخْفِي شَيْئًا سَيِّئًا، بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ صَفَحَاتِ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ يُفَضِّلُ أَنْ يَطْوِيَهَا وَلَا يَعُودَ إِلَيْهَا.”
سَأَلَتْ وَدَادُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلًا: “لِمَاذَا تَعُودُ إِلَيْهَا الْآنَ إِذَنْ؟ إِنْ كَانَتْ صَفْحَةً مَطْوِيَّةً كَمَا تَقُولُ؟”
لَمْ يُجِبْ كَنْعَانُ مُبَاشَرَةً، بَلْ نَظَرَ بَعِيدًا، نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَقَالَ، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ: “لَا أَعْرِفُ بِصَرَاحَةٍ يَا وَدَادُ. رُبَّمَا لِأَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً بَدَأَتْ تَعُودُ إِلَيَّ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ، أَشْيَاءَ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا مُنْذُ عُقُودٍ. الْحَبَّةُ تِلْكَ، ثُمَّ شُرُودِي، ثُمَّ… لَا أَعْرِفُ. رُبَّمَا الْعُمْرُ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَعُودُ إِلَى بِدَايَاتِ حَيَاتِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ كَيْفَ وَصَلَ إِلَى حَيْثُ هُوَ الْآنَ.”
بَدَا الْجَوَابُ صَادِقًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا، وَشَعَرَتْ وَدَادُ بِذَلِكَ بِوُضُوحٍ، لَكِنَّهَا قَرَّرَتْ أَلَّا تَضْغَطَ أَكْثَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَدْ رَأَتْ فِي عَيْنَيْ زَوْجِهَا تَعَبًا لَمْ تَعْتَدْهُ.
اقْتَرَبَتْ مِنْهُ، وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ عَلَى الْأَرِيكَةِ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى يَدِهِ، وَقَالَتْ: “لَنْ أَضْغَطَ عَلَيْكَ يَا كَنْعَانُ. لَكِنْ أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّنِي هُنَا، مَهْمَا كَانَ مَا تَحْمِلُهُ. لَمْ نَعِشْ هَذَا الْعُمْرَ مَعًا لِأُخْفِيَ عَنْكَ حَيَاتِي، وَلَنْ أَقْبَلَ أَنْ تُخْفِيَ عَنِّي حَيَاتَكَ، لَيْسَ لِأَنَّنِي لَا أَثِقُ بِكَ، بَلْ لِأَنَّنِي أُحِبُّكَ بِمَا يَكْفِي لِأَتَحَمَّلَ مَعَكَ أَيَّ شَيْءٍ، مَهْمَا كَانَ ثَقِيلًا.”
بَقِيَا صَامِتَيْنِ لِلَحْظَةٍ، وَالْمِدْفَأَةُ تُصْدِرُ طَقْطَقَةً خَفِيفَةً فِي الزَّاوِيَةِ، وَشَعَرَتْ وَدَادُ، رَغْمَ كُلِّ الْقَلَقِ الَّذِي يَعْتَمِلُ فِي دَاخِلِهَا، بِشَيْءٍ مِنَ السَّكِينَةِ أَيْضًا، سَكِينَةٍ نَابِعَةٍ مِنْ يَقِينِهَا أَنَّهَا، مَهْمَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا، لَنْ تُوَاجِهَهَا وَحْدَهَا.
ابْتَسَمَ كَنْعَانُ ابْتِسَامَةً حَقِيقِيَّةً، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَيَّامٍ، وَقَبَّلَ يَدَهَا، وَقَالَ: “أَعِدُكِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْقَلَقِ. مُجَرَّدُ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةٍ تَعُودُ لِأَسْبَابٍ لَا أَفْهَمُهَا بَعْدُ.”
سَأَلَتْهُ وَدَادُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ إِصْرَارٍ لَطِيفٍ: “وَهَلْ تُفَكِّرُ أَحْيَانًا فِيهَا؟ فِي تِلْكَ الْفَتَاةِ، أَعْنِي؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ؟”
صَمَتَ كَنْعَانُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ: “لَا أُفَكِّرُ فِيهَا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَتَخَيَّلِينَهَا رُبَّمَا. لَا أُفَكِّرُ فِيهَا كَامْرَأَةٍ أَحْبَبْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ وَفَقَدْتُهَا. أُفَكِّرُ فِيهَا، إِنْ كُنْتُ صَادِقًا مَعَكِ، كَسُؤَالٍ لَمْ أُجِبْ عَنْهُ بَعْدُ، سُؤَالٍ عَنْ قَرَارٍ اتَّخَذْتُهُ حِينَهَا، وَمَا زِلْتُ، حَتَّى الْيَوْمَ، لَا أَعْرِفُ يَقِينًا إِنْ كَانَ قَرَارًا صَائِبًا أَمْ لَا.”
قَالَتْ وَدَادُ: “أَيُّ قَرَارٍ؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ طَوِيلًا، وَبَدَا فِي عَيْنَيْهِ صِرَاعٌ أَعْمَقُ مِمَّا أَظْهَرَهُ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ثُمَّ قَالَ: “لَيْسَ الْآنَ يَا وَدَادُ. أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأُخْبِرُكِ، لَكِنْ لَيْسَ الْآنَ. هُنَاكَ أَشْيَاءُ يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُرَتِّبَهَا فِي دَاخِلِهِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُشَارِكَهَا مَعَ مَنْ يُحِبُّ، وَأَنَا، بِصَرَاحَةٍ، لَسْتُ مُرَتَّبًا بِمَا يَكْفِي بَعْدُ.”
كَانَ فِي صَوْتِهِ صِدْقٌ وَاضِحٌ، صِدْقٌ لَمْ تَسْتَطِعْ وَدَادُ أَنْ تَشُكَّ فِيهِ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ أَيْضًا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَنَّ هَذَا الصِّدْقَ نَفْسَهُ كَانَ يَحْمِلُ حُدُودًا، حُدُودًا رَسَمَهَا كَنْعَانُ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ عَلَيْهَا، شَاءَتْ أَمْ أَبَتْ، أَنْ تَحْتَرِمَ تِلْكَ الْحُدُودَ، عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْوَقْتِ الْحَالِيِّ.
لَكِنَّ وَدَادَ، وَهِيَ تَسْتَنِدُ بِرَأْسِهَا إِلَى كَتِفِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْهَادِئَةِ، شَعَرَتْ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، رَغْمَ كُلِّ دِفْءِ صَوْتِهِ حِينَ قَالَهَا، لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِتَبْدِيدِ ذَلِكَ الشُّعُورِ الْعَمِيقِ الَّذِي بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهَا مُنْذُ أَيَّامٍ: شُعُورٌ بِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تَعْرِفُهُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا كَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ غُرْفَةً مُغْلَقَةً لَمْ تَدْخُلْهَا يَوْمًا، وَأَنَّ بَابَ تِلْكَ الْغُرْفَةِ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ عُقُودٍ، بَدَأَ يَهْتَزُّ مِنَ الدَّاخِلِ.
بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمُحَادَثَةِ، وَفِي مَسَاءٍ هَادِئٍ آخَرَ، كَانَ كَنْعَانُ قَدْ خَرَجَ لِبَعْضِ الْوَقْتِ لِحُضُورِ اجْتِمَاعٍ مَعَ نَاشِرِهِ الْأَلْمَانِيِّ فِي الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ، وَبَقِيَتْ وَدَادُ وَحْدَهَا فِي الْبَيْتِ، تَسْتَمِعُ إِلَى الرَّادْيُو بَيْنَمَا تُعِدُّ الْعَشَاءَ، حِينَ رَنَّ الْهَاتِفُ الْأَرْضِيُّ، ذَلِكَ الْهَاتِفُ الْقَدِيمُ الَّذِي احْتَفَظَا بِهِ فِي الصَّالَةِ رَغْمَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يَسْتَخْدِمُ هَاتِفَهُ الْمَحْمُولَ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا.
مَسَحَتْ وَدَادُ يَدَيْهَا بِمِنْشَفَةِ الْمَطْبَخِ، وَأَسْرَعَتْ لِتَرْفَعَ السَّمَّاعَةَ، وَقَالَتْ بِصَوْتِهَا الْمُعْتَادِ الدَّافِئِ: “أَلُو؟”
لَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ.
انْتَظَرَتْ لِلَحْظَةٍ، وَكَرَّرَتْ: “أَلُو؟ مَنِ الْمُتَّصِلُ؟”
كَانَ هُنَاكَ صَمْتٌ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، لَكِنَّهُ، كَمَا شَعَرَتْ وَدَادُ فَوْرًا، لَمْ يَكُنْ صَمْتَ خَطٍّ مُعَطَّلٍ؛ كَانَ صَمْتًا لَهُ وَزْنٌ، لَهُ حُضُورٌ، صَمْتًا تُسْمَعُ فِيهِ، إِنْ أَصْغَيْتِ جَيِّدًا، نَفَسٌ خَفِيفٌ، مُتَحَكَّمٌ بِهِ، كَأَنَّ شَخْصًا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ يَقِفُ هُنَاكَ، عَمْدًا، صَامِتًا، يَنْتَظِرُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ هِيَ.
قَالَتْ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَقَدْ بَدَأَ صَوْتُهَا يَحْمِلُ تَوَتُّرًا لَمْ تُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ: “مَنْ أَنْتَ؟ لِمَاذَا تَتَّصِلُ وَلَا تَتَكَلَّمُ؟”
اسْتَمَرَّ الصَّمْتُ لِثَوَانٍ إِضَافِيَّةٍ، ثُمَّ، فَجْأَةً، سَمِعَتْ صَوْتًا خَافِتًا جِدًّا، بِالْكَادِ مَسْمُوعًا، صَوْتًا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُحَدِّدَ إِنْ كَانَ صَوْتَ رَجُلٍ أَمِ امْرَأَةٍ، يَهْمِسُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بِالْعَرَبِيَّةِ:
“اسْأَلِيهِ.”
ثُمَّ انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ.
وَقَفَتْ وَدَادُ فِي مَكَانِهَا، وَالسَّمَّاعَةُ مَا تَزَالُ فِي يَدِهَا، تُصْدِرُ صَوْتَ الْخَطِّ الْمُنْقَطِعِ الْمُتَكَرِّرَ، لِدَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، لَا تَتَحَرَّكُ، تَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهَا تِلْكَ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ، بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْغَرِيبِ الْخَافِتِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ مَعْنَاهَا، وَأَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا أَنَّهَا رُبَّمَا أَخْطَأَتِ السَّمْعَ.
لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِهَا، أَنَّهَا لَمْ تَتَخَيَّلْ شَيْئًا.
وَضَعَتِ السَّمَّاعَةَ أَخِيرًا، بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا، وَنَظَرَتْ حَوْلَهَا فِي الصَّالَةِ الْفَارِغَةِ، وَشَعَرَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ انْتِقَالِهَا إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الْهَادِئِ قَبْلَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ، بِكُلِّ هُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ، لَمْ يَعُدْ يُشْعِرُهَا بِالْأَمَانِ الْكَامِلِ الَّذِي اعْتَادَتْهُ.
مَشَتْ بِبُطْءٍ نَحْوَ الْمَطْبَخِ، وَأَغْلَقَتِ النَّافِذَةَ الَّتِي كَانَتْ مَفْتُوحَةً قَلِيلًا لِلتَّهْوِيَةِ، ثُمَّ تَحَقَّقَتْ مِنْ قُفْلِ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ مَرَّتَيْنِ، رَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَكِّدَةً أَنَّهَا أَقْفَلَتْهُ. وَقَفَتْ لِلَحْظَةٍ أَمَامَ الْبَابِ، وَسَأَلَتْ نَفْسَهَا سُؤَالًا لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ يَوْمًا أَنْ تَسْأَلَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ بِالذَّاتِ: هَلْ نَحْنُ بِأَمَانٍ هُنَا فِعْلًا؟
جَلَسَتْ عَلَى الْأَرِيكَةِ، وَانْتَظَرَتْ عَوْدَةَ كَنْعَانَ، وَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِي هَمَسَ بِهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ الْغَرِيبُ مَا تَزَالُ تَتَرَدَّدُ فِي رَأْسِهَا، بِلَا تَوَقُّفٍ، كَجَرَسِ إِنْذَارٍ بَعِيدٍ:
اسْأَلِيهِ.
اسْأَلِيهِ عَنْ مَاذَا؟ عَنِ الْأَلْبُومِ؟ عَنِ الْفَتَاةِ الْمَنْزُوعَةِ صُورَتُهَا؟ عَنِ الْمُغَلَّفِ الْأَصْفَرِ الْمُخَبَّأِ فِي الدُّرْجِ الْمُقْفَلِ؟ أَمْ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَمَامًا، شَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ تَتَخَيَّلُهُ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةَ؟
وَحِينَ سَمِعَتْ أَخِيرًا صَوْتَ سَيَّارَةِ كَنْعَانَ تَدْخُلُ الْمَمَرَّ أَمَامَ الْبَيْتِ، نَهَضَتْ وَدَادُ بِسُرْعَةٍ، وَمَسَحَتْ وَجْهَهَا بِيَدَيْهَا، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَسْتَعِيدَ هُدُوءَهَا الْمُعْتَادَ.
وَقَفَتْ أَمَامَ الْمِرْآةِ الصَّغِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ قُرْبَ الْبَابِ لِلَحْظَةٍ، تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَتَذَكَّرَ كَيْفَ تَبْدُو ابْتِسَامَتُهَا الطَّبِيعِيَّةُ، وَلَاحَظَتْ، بِشَيْءٍ مِنَ الْحُزْنِ الْهَادِئِ، أَنَّهَا اضْطُرَّتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنْ “تَتَدَرَّبَ” عَلَيْهَا، أَنْ تَخْتَبِرَهَا أَمَامَ الْمِرْآةِ قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ الْبَابَ، وَكَأَنَّ الثِّقَةَ التِّلْقَائِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْكُمُ كُلَّ لَحْظَةٍ بَيْنَهُمَا بَدَأَتْ، بِبُطْءٍ لَا يُمْكِنُ إِيقَافُهُ، تُفْسِحُ الْمَجَالَ لِشَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالْحَذَرِ.
فَتَحَتِ الْبَابَ، وَابْتَسَمَتْ لَهُ، وَسَأَلَتْهُ عَنِ اجْتِمَاعِهِ مَعَ النَّاشِرِ، فَأَجَابَهَا بِتَفَاصِيلَ عَادِيَّةٍ، وَتَحَدَّثَا عَنْ ذَلِكَ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ تَمَامًا، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ.
لَكِنَّ وَدَادَ، وَهِيَ تُرَاقِبُ كَنْعَانَ يَخْلَعُ مِعْطَفَهُ وَيُعَلِّقُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ كَعَادَتِهِ، شَعَرَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا، أَنَّهَا تَحْمِلُ سِرًّا عَنْهُ، سِرًّا صَغِيرًا فِي ظَاهِرِهِ: مُكَالَمَةً صَامِتَةً، وَكَلِمَةً وَاحِدَةً هُمِسَتْ بِهَا، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ أَنَّ هَذَا السِّرَّ الصَّغِيرَ كَانَ أَوَّلَ خَيْطٍ فِي شَبَكَةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، شَبَكَةٍ بَدَأَتْ تَلْتَفُّ، بِبُطْءٍ، حَوْلَ بَيْتِهِمَا الْهَادِئِ.
فَكَّرَتْ فِي أَنْ تُخْبِرَهُ فَوْرًا، أَنْ تَقُولَ لَهُ بِبَسَاطَةٍ: “اتَّصَلَ بِنَا أَحَدٌ الْيَوْمَ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً: اسْأَلِيهِ.” لَكِنَّهَا، وَهِيَ تُرَاقِبُ وَجْهَهُ الْمُتْعَبَ وَهُوَ يَجْلِسُ أَخِيرًا عَلَى أَرِيكَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، شَعَرَتْ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، سَيَكُونُ ثَقِيلًا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ رَجُلٌ بَدَأَ أَصْلًا يَتَرَنَّحُ تَحْتَ وَطْأَةِ أَسْئِلَةٍ لَمْ يَجِدْ لَهَا إِجَابَاتٍ بَعْدُ. فَقَرَّرَتْ أَنْ تَنْتَظِرَ، لِيَوْمٍ وَاحِدٍ آخَرَ عَلَى الْأَقَلِّ، أَنْ تَحْمِلَ هَذَا السِّرَّ وَحْدَهَا لِبَعْضِ الْوَقْتِ، تَمَامًا كَمَا كَانَ هُوَ، مُنْذُ أَسَابِيعَ، يَحْمِلُ سِرَّهُ الْخَاصَّ وَحْدَهُ.
وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ، وَهِيَ تَتَّخِذُ ذَلِكَ الْقَرَارَ الصَّغِيرَ فِي ظَاهِرِهِ، أَنَّهَا بِذَلِكَ قَدْ دَخَلَتْ، هِيَ أَيْضًا، إِلَى الدَّائِرَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كَانَتْ تَلُومُ كَنْعَانَ بِصَمْتٍ لِدُخُولِهِ إِلَيْهَا: دَائِرَةَ الصَّمْتِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْحِمَايَةُ، لَكِنَّهُ، فِي النِّهَايَةِ، لَا يَحْمِي أَحَدًا حَقًّا، بَلْ يُؤَجِّلُ فَقَطِ اللَّحْظَةَ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا، اللَّحْظَةَ الَّتِي سَيُضْطَرُّ فِيهَا الْجَمِيعُ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ، أَنْ يُوَاجِهُوا السُّؤَالَ ذَاتَهُ الَّذِي بَدَأَ يُطَارِدُ هَذَا الْبَيْتَ الْهَادِئَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ أَوَى كَنْعَانُ إِلَى فِرَاشِهِ وَنَامَ أَخِيرًا نَوْمًا هَادِئًا لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْهُ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ، بَقِيَتْ وَدَادُ مُسْتَيْقِظَةً وَحْدَهَا فِي الْعَتْمَةِ، تَسْتَمِعُ إِلَى أَنْفَاسِهِ الْمُنْتَظِمَةِ بِجَانِبِهَا، وَتُفَكِّرُ فِي تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي هَمَسَ بِهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ الْغَرِيبُ عَبْرَ الْهَاتِفِ، وَفِي الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ الَّتِي تَشْعُرُ أَنَّهَا سَتَحْمِلُ أَسْئِلَةً لَنْ تَسْتَطِيعَ، مَهْمَا حَاوَلَتْ، أَنْ تُؤَجِّلَهَا إِلَى الْأَبَدِ. وَأَدْرَكَتْ، وَهِيَ تَسْتَسْلِمُ أَخِيرًا لِنَوْمٍ مُضْطَرِبٍ، أَنَّهَا لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَحْمِلَ هَذَا السُّؤَالَ وَحْدَهَا لِوَقْتٍ أَطْوَلَ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
كَانَتْ شُقَّةُ لُبْنَى الصَّغِيرَةُ، فِي الطَّابِقِ الرَّابِعِ مِنْ بِنَايَةٍ قَدِيمَةٍ أُعِيدَ تَرْمِيمُهَا فِي حَيٍّ صَحَفِيٍّ تُعْرَفُ أَزِقَّتُهُ بِمَكَاتِبِ الْإِعْلَامِ وَأَرْشِيفَاتِهِ الرَّقْمِيَّةِ، تُشْبِهُ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنَ اللَّيْلِ خَلِيَّةَ نَحْلٍ هَادِئَةَ الْحَرَكَةِ وَلَكِنَّهَا لَا تَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ: شَاشَتَانِ مُضَاءَتَانِ أَمَامَهَا، وَأَكْوَامٌ مِنَ الْأَوْرَاقِ الْمُرَتَّبَةِ بِعِنَايَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ رَغْمَ فَوْضَاهَا الظَّاهِرَةِ، وَفِنْجَانُ قَهْوَةٍ بَارِدٌ مُنْذُ سَاعَتَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَمُوسِيقَى خَافِتَةٌ جِدًّا تَتَسَرَّبُ مِنْ سَمَّاعَةٍ صَغِيرَةٍ، أَقْرَبُ إِلَى خَلْفِيَّةٍ صَوْتِيَّةٍ تُعِينُهَا عَلَى التَّرْكِيزِ مِنْهَا إِلَى مُوسِيقَى تُسْمَعُ حَقًّا.
كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَاتُ الْمُتَأَخِّرَةُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى لُبْنَى، أَكْثَرَ أَوْقَاتِ يَوْمِهَا خُصُوبَةً، تِلْكَ الْبُرْهَةَ الَّتِي تَهْدَأُ فِيهَا الْمَدِينَةُ فِي الْخَارِجِ فَتَهْدَأُ مَعَهَا كُلُّ الْمُشَتِّتَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَمْلَأُ النَّهَارَ: مُكَالَمَاتُ الْمَصَادِرِ، اجْتِمَاعَاتُ التَّحْرِيرِ، ضَجِيجُ الْمَقْهَى الْقَرِيبِ مِنْ مَكْتَبِهَا. كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ تَصِفَ لِنَفْسِهَا هَذَا الْوَقْتَ بِأَنَّهُ “الْوَقْتُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ فِيهِ الْوَثَائِقُ”، فَكُلُّ مُسْتَنَدٍ قَدِيمٍ، وَكُلُّ صُورَةٍ مَمْسُوحَةٍ ضَوْئِيًّا، وَكُلُّ سَطْرٍ خُطَّ بِيَدٍ بَشَرِيَّةٍ مُنْذُ عُقُودٍ، كَانَ يَبْدُو لَهَا فِي عَتْمَةِ اللَّيْلِ وَصَمْتِهِ أَقْرَبَ إِلَى الْإِفْصَاحِ عَمَّا يُخْفِيهِ، وَكَأَنَّ الْوَثَائِقَ، مِثْلَ الْبَشَرِ، تَحْتَاجُ إِلَى هُدُوءٍ كَافٍ لِتَبُوحَ.
كَانَتْ لُبْنَى، فِي نَحْوِ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا، قَدْ وَرِثَتْ عَنْ وَالِدِهَا، دُونَ أَنْ تَعِيَ ذَلِكَ كَامِلَ الْوَعْيِ، فُضُولًا عَمِيقًا تِجَاهَ دَوَافِعِ الْبَشَرِ الْخَفِيَّةِ، وَإِصْرَارًا عَلَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ الظَّاهِرَةَ نَادِرًا مَا تَكُونُ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا. كَانَتْ تَتَذَكَّرُ كَيْفَ قَالَ لَهَا أَبُوهَا، وَهِيَ طِفْلَةٌ، إِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ قِصَّةً لَمْ يَرْوِهَا بَعْدُ، وَكَيْفَ بَدَتْ لَهَا تِلْكَ الْحِكْمَةُ حِينَهَا مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ أَدَبِيَّةٍ عَابِرَةٍ، لَا نُبُوءَةً عَنْ قِصَّتِهِ هُوَ بِعَيْنِهِ. غَيْرَ أَنَّهَا، خِلَافًا لِأَبِيهَا الَّذِي اخْتَارَ أَنْ يَسْتَكْشِفَ هَذَا الْفُضُولَ عَبْرَ الْخَيَالِ الرِّوَائِيِّ، اخْتَارَتْ هِيَ أَنْ تَسْلُكَ طَرِيقًا آخَرَ إِلَى الْغَايَةِ ذَاتِهَا: فَهْمُ الْإِنْسَانِ، وَمَا يُوَارِيهِ تَحْتَ سَطْحِهِ.
مُنْذُ تَخَرُّجِهَا فِي الصِّحَافَةِ الِاسْتِقْصَائِيَّةِ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، بَنَتْ لِنَفْسِهَا سُمْعَةً صَغِيرَةً لَكِنَّهَا مَتِينَةً بَيْنَ الصَّحَفِيِّينَ الشَّبَابِ الْمُهْتَمِّينَ بِقَضَايَا الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ وَأَرْشِيفَاتِ الْحِقْبَةِ الِاسْتِبْدَادِيَّةِ، سُمْعَةً قَامَتْ عَلَى صَبْرِهَا فِي تَتَبُّعِ الْخُيُوطِ الدَّقِيقَةِ، وَعَلَى قُدْرَتِهَا عَلَى الْغَوْصِ فِي قَوَاعِدِ بَيَانَاتٍ لَا يُطِيقُ أَغْلَبُ زُمَلَائِهَا التَّعَامُلَ مَعَهَا. كَانَ زُمَلَاؤُهَا يُمَازِحُونَهَا أَحْيَانًا بِأَنَّهَا “تَتَحَدَّثُ لُغَةَ الْأَرْشِيفَاتِ” أَكْثَرَ مِمَّا تَتَحَدَّثُ لُغَةَ الْبَشَرِ، وَكَانَتْ تَضْحَكُ لِذَلِكَ، وَإِنْ عَرَفَتْ فِي مَكَانٍ هَادِئٍ مِنْ دَاخِلِهَا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الصِّدْقِ.
بَدَأَتْ مَشْرُوعَهَا الْحَالِيَّ، كَمَا أَخْبَرَتْ وَالِدَيْهَا، بِفِكْرَةٍ بَسِيطَةٍ فِي ظَاهِرِهَا: مَقَالٌ طَوِيلٌ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِهَا الْأَدَبِيَّةِ، بِمُنَاسَبَةِ اقْتِرَابِ صُدُورِ التَّرْجَمَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْجَدِيدَةِ لِإِحْدَى رِوَايَاتِهِ الْمُبَكِّرَةِ، مَقَالٌ أَرَادَتْهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ السِّيرَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالتَّحْلِيلِ الْأَدَبِيِّ، وَأَنْ يُضِيءَ جَانِبًا مِنْ تَجْرِبَةِ الْكُتَّابِ السُّورِيِّينَ فِي الْمَنْفَى الْأُورُوبِّيِّ. حِينَ عَرَضَتِ الْفِكْرَةَ عَلَى مُحَرِّرِهَا، أَثَارَتْ حَمَاسَهُ فَوْرًا، فَـ”كَنْعَانُ مُرَادٍ”، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْمًا وَاسِعَ الشُّهْرَةِ خَارِجَ الْأَوْسَاطِ الْأَدَبِيَّةِ الْمُتَخَصِّصَةِ، كَانَ اسْمًا مُحْتَرَمًا يَسْتَحِقُّ مَقَالًا مُعَمَّقًا.
بَدَأَتْ بَحْثَهَا بِالطَّرِيقَةِ الْمُعْتَادَةِ: مُرَاجَعَةُ أَرْشِيفِ الْمَقَالَاتِ الْقَدِيمَةِ عَنْ وَالِدِهَا، وَمُقَابَلَاتٍ نُشِرَتْ لَهُ فِي مَجَلَّاتٍ ثَقَافِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ وَأَلْمَانِيَّةٍ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ، وَمُرَاجَعَاتٍ نَقْدِيَّةً لِرِوَايَاتِهِ، وَسِيَرًا مُخْتَصَرَةً نُشِرَتْ فِي مُنَاسَبَاتِ تَوْقِيعِهِ كُتُبَهُ. كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى مُمْتِعَةً، إِذْ وَجَدَتْ نَفْسَهَا تَكْتَشِفُ تَفَاصِيلَ مِنْ حَيَاةِ أَبِيهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا بِدِقَّةٍ، رَغْمَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ، فَالْأَبْنَاءُ، كَمَا أَدْرَكَتْ وَهِيَ تَقْرَأُ، نَادِرًا مَا يَعْرِفُونَ آبَاءَهُمْ كُلِّيًّا، كَأَشْخَاصٍ عَامِّينَ لَهُمْ مَسِيرَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ دَوْرِهِمْ آبَاءً.
لَكِنَّ لُبْنَى، وَكَجُزْءٍ مِنْ رُوتِينِهَا الْبَحْثِيِّ الْمُعْتَادِ، قَرَّرَتْ أَنْ تُوَسِّعَ الْبَحْثَ لِيَشْمَلَ قَوَاعِدَ بَيَانَاتٍ أَرْشِيفِيَّةً أَكْبَرَ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ الصَّحَفِيُّونَ الِاسْتِقْصَائِيُّونَ لِلتَّحَقُّقِ مِنْ خَلْفِيَّاتِ الْأَشْخَاصِ، أَرْشِيفَاتٍ تَجْمَعُ وَثَائِقَ مُسَرَّبَةً، وَتَقَارِيرَ مُنَظَّمَاتٍ حُقُوقِيَّةٍ، وَسِجِلَّاتِ مَحَاكِمَ دُوَلِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِجَرَائِمِ الْحَرْبِ فِي مَنَاطِقِ نِزَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ حَوْلَ الْعَالَمِ، مِنْ بَيْنِهَا سُورِيَا. لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ أَنْ تَجِدَ فِيهَا شَيْئًا يَخُصُّ وَالِدَهَا بِعَيْنِهِ، إِذْ كَانَ هَدَفُهَا الْأَصْلِيُّ فَهْمَ السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي شَكَّلَ جِيلَهُ مِنَ الْكُتَّابِ، لَا الْبَحْثَ عَنْهُ شَخْصِيًّا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، بَعْدَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَحْثِ فِي قَاعِدَةِ بَيَانَاتٍ ضَخْمَةٍ تَضُمُّ آلَافَ الْوَثَائِقِ الْمُسَرَّبَةِ مِنْ أَجْهِزَةٍ أَمْنِيَّةٍ سُورِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَثَائِقَ حَصَلَتْ عَلَيْهَا مُنَظَّمَاتٌ حُقُوقِيَّةٌ عَلَى مَدَى سِنِينَ مِنْ مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، بَعْضُهَا مِنْ أَرْشِيفَاتِ فُرُوعٍ أَمْنِيَّةٍ اقْتُحِمَتْ خِلَالَ سَنَوَاتِ الْفَوْضَى الَّتِي أَعْقَبَتِ اندِلَاعَ الثَّوْرَةِ، كَتَبَتْ لُبْنَى، شِبْهَ عَفْوٍ، اسْمَ وَالِدِهَا كَامِلًا فِي مُحَرِّكِ الْبَحْثِ الدَّاخِلِيِّ لِلْأَرْشِيفِ: “كَنْعَانُ مُرَادٍ”، إِجْرَاءً رُوتِينِيًّا لَا أَكْثَرَ، لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ اسْمَهُ لَا يَظْهَرُ فِي سِيَاقٍ قَدْ يُحْرِجُهُ لَوْ نُشِرَ الْمَقَالُ دُونَ تَحَقُّقٍ.
تَوَقَّعَتْ أَلَّا تَجِدَ شَيْئًا، فَاسْمُ “كَنْعَانَ” شَائِعٌ نِسْبِيًّا، وَ”مُرَادٍ” أَكْثَرُ شُيُوعًا، وَقَدْ أَجْرَتْ بَحْثًا مُشَابِهًا عَشَرَاتِ الْمَرَّاتِ مِنْ قَبْلُ لِأَسْمَاءِ أَصْدِقَاءَ وَمَصَادِرَ، وَنَادِرًا مَا حَمَلَتِ النَّتَائِجُ مُفَاجَآتٍ حَقِيقِيَّةً.
لَكِنَّ مَا ظَهَرَ أَمَامَهَا جَعَلَهَا تَتَجَمَّدُ لِلَحْظَةٍ فِي مَكَانِهَا.
مِلَفٌّ وَاحِدٌ، وَثِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، صُورَةٌ مَمْسُوحَةٌ ضَوْئِيًّا لِتَقْرِيرٍ مَخْطُوطٍ بِالْيَدِ، بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ جَافَّةٍ، تَعْلُوهُ خَاتِمٌ رَسْمِيٌّ وَتَرْوِيسَةٌ تُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ أَمْنِيَّةٍ سُورِيَّةٍ، وَتَارِيخٌ يَعُودُ إِلَى مَطْلَعِ الثَّمَانِينَاتِ مِنَ الْقَرْنِ الْمَاضِي، فَتْرَةٌ سَبَقَتْ وِلَادَةَ لُبْنَى نَفْسِهَا بِسِنِينَ طَوِيلَةٍ، وَسَبَقَتْ هِجْرَةَ وَالِدِهَا إِلَى أَلْمَانِيَا أَيْضًا.
نَظَرَتْ لُبْنَى إِلَى الشَّاشَةِ لَحْظَةً، ثُمَّ أَبْعَدَتْ عَيْنَيْهَا، وَأَغْمَضَتْهُمَا، وَتَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ، بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا مِنْ سِنِينَ عَمَلِهَا فِي مُوَاجَهَةِ الْوَثَائِقِ الصَّادِمَةِ، تِلْكَ الْبُرْهَةَ الَّتِي يَمْنَحُهَا الصَّحَفِيُّ الْمُحْتَرِفُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ مَا قَدْ يُغَيِّرُ فَهْمَهُ كُلِّيًّا، ثُمَّ فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَقَرَأَتِ التَّرْوِيسَةَ مَرَّةً أُخْرَى، ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا أَخْطَأَتِ الْقِرَاءَةَ لِتَعَبِ سَاعَاتِ الْعَمَلِ الطَّوِيلَةِ، لَكِنَّ الِاسْمَ كَانَ وَاضِحًا، مَخْطُوطًا بِخَطٍّ رَسْمِيٍّ مُنَمَّقٍ: “كَنْعَانُ مُرَادٍ”. لَمْ يَكُنِ اسْمُ الْأَبِ أَوْ تَارِيخُ الْمِيلَادِ مُرْفَقًا لِتَتَأَكَّدَ فَوْرًا أَنَّهُ وَالِدُهَا بِعَيْنِهِ لَا شَخْصٌ آخَرُ يَحْمِلُ الِاسْمَ نَفْسَهُ، لَكِنَّ السِّيَاقَ، بِغُمُوضٍ مُقْلِقٍ، مَنَحَهَا يَقِينًا دَاخِلِيًّا لَمْ تَسْتَطِعْ تَبْرِيرَهُ مَنْطِقِيًّا بَعْدُ: هَذَا هُوَ وَالِدُهَا.
فَتَحَتِ الْوَثِيقَةَ بِحَجْمِهَا الْكَامِلِ، وَقَرَّبَتِ الصُّورَةَ قَدْرَ الْإِمْكَانِ، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ بِبُطْءٍ، كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَفْهَمَ طَبِيعَةَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْغَامِضِ، وَهِيَ تَشْعُرُ بِأَصَابِعِهَا تَرْتَجِفُ قَلِيلًا فَوْقَ لَوْحَةِ الْمَفَاتِيحِ، ارْتِجَافَةً خَفِيفَةً لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تَشْعُرَ بِهَا مَهْمَا كَانَتِ الْوَثَائِقُ صَادِمَةً.
لَمْ يَكُنِ التَّقْرِيرُ تُهْمَةً رَسْمِيَّةً بِمَعْنَاهَا الْقَانُونِيِّ، وَلَا حُكْمًا قَضَائِيًّا، بَلْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى مُذَكِّرَةٍ دَاخِلِيَّةٍ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي عَرَفَتْهُ لُبْنَى جَيِّدًا مِنْ عَمَلِهَا عَلَى أَرْشِيفَاتٍ مُشَابِهَةٍ: تَقْرِيرُ مُرَاقَبَةٍ، أَعَدَّهُ عَلَى الْأَرْجَحِ ضَابِطٌ أَمْنِيٌّ، يُلَخِّصُ فِيهِ مُلَاحَظَاتِهِ حَوْلَ “نَشَاطٍ مَشْبُوهٍ” لِشَابٍّ جَامِعِيٍّ يُدْعَى كَنْعَانُ مُرَادٍ، طَالِبٌ فِي كُلِّيَّةِ الْآدَابِ، وَيُشِيرُ التَّقْرِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا الشَّابَّ “عَلَى صِلَةٍ” بِعَائِلَةٍ تَخْضَعُ لِلْمُرَاقَبَةِ، وَأَنَّهُ “قَدْ يَمْتَلِكُ مَعْلُومَاتٍ ذَاتَ أَهَمِّيَّةٍ” لَمْ يُوَضِّحِ التَّقْرِيرُ طَبِيعَتَهَا.
تَوَقَّفَتْ لُبْنَى عَنِ الْقِرَاءَةِ لَحْظَةً، وَأَسْنَدَتْ ظَهْرَهَا إِلَى كُرْسِيِّهَا، وَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الدُّوَارَ الْخَفِيفَ، ذَلِكَ الشُّعُورَ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ صَحَفِيٍّ حِينَ يَكْتَشِفُ فَجْأَةً أَنَّ الْخَطَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ “الْقِصَّةِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا” وَ”حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ” بَدَأَ يَتَلَاشَى دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ.
نَهَضَتْ، وَذَهَبَتْ إِلَى الْمَطْبَخِ الصَّغِيرِ، وَسَكَبَتْ لِنَفْسِهَا كَأْسَ مَاءٍ لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُهُ حَقًّا، بِحَرَكَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ أَشْبَهَ بِحَاجَتِهَا إِلَى أَنْ تَفْعَلَ شَيْئًا بِيَدَيْهَا، بَعِيدًا عَنِ الشَّاشَةِ لِبِضْعِ دَقَائِقَ، لِيَمْنَحَ عَقْلُهَا فُرْصَةً لِاسْتِيعَابِ مَا رَأَتْهُ لِتَوِّهَا. وَقَفَتْ أَمَامَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الشَّارِعِ الْهَادِئِ، تُرَاقِبُ أَضْوَاءَ الْمَدِينَةِ الْمُتَنَاثِرَةَ، وَتُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَعِيدَ كُلَّ مَا أَخْبَرَهَا بِهِ وَالِدُهَا عَنْ سِنِيِّ دِرَاسَتِهِ الْجَامِعِيَّةِ، بَاحِثَةً فِيهَا عَمَّا يُنَاقِضُ مَا قَرَأَتْهُ لِتَوِّهَا، أَوْ يُؤَكِّدُهُ.
عَادَتْ إِلَى مَكْتَبِهَا بَعْدَ دَقَائِقَ، وَقَرَأَتِ الْوَثِيقَةَ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِتَمَهُّلٍ أَكْبَرَ، لَعَلَّهَا تَلْتَقِطُ تَفْصِيلًا فَاتَهَا فِي الْقِرَاءَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ الْمُتَعَجِّلَتَيْنِ.
فَكَّرَتْ لَحْظَةً أَنَّ مَا وَجَدَتْهُ قَدْ يَكُونُ مُجَرَّدَ خَطَأٍ، تَشَابُهَ أَسْمَاءٍ، أَوْ حَتَّى وَثِيقَةً مُزَيَّفَةً أُقْحِمَتْ فِي الْأَرْشِيفِ خَطَأً، فَالْأَرْشِيفَاتُ الْمُسَرَّبَةُ، كَمَا تَعْرِفُ جَيِّدًا مِنْ خِبْرَتِهَا، لَيْسَتْ دَائِمًا يَقِينِيَّةً، وَتَحْتَاجُ إِلَى تَدْقِيقٍ مُسْتَقِلٍّ قَبْلَ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا. لَكِنَّ شَيْئًا فِي التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، فِي صِيَاغَةِ التَّقْرِيرِ، فِي التَّارِيخِ الْمُحَدَّدِ، فِي الْإِشَارَةِ إِلَى “كُلِّيَّةِ الْآدَابِ” الَّتِي تَعْرِفُ أَنَّ وَالِدَهَا دَرَسَ فِيهَا حَقًّا فِي شَبَابِهِ، جَعَلَهَا تَشْعُرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ عَابِرٍ.
قَرَأَتِ الْفِقْرَةَ الْأَخِيرَةَ مَرَّةً أُخْرَى، فَشَعَرَتْ بِقَلْبِهَا يَتَسَارَعُ حِينَ وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى اسْمِ ضَابِطٍ، مَذْكُورٍ فِي نِهَايَةِ التَّقْرِيرِ كَمُوَقِّعٍ عَلَيْهِ أَوِ الْمُشْرِفِ عَلَى إِعْدَادِهِ: “الْعَمِيدُ حَيْدَرُ”.
لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ مَأْلُوفًا لَهَا، لَمْ تَسْمَعْ بِهِ مِنْ قَبْلُ، لَا مِنْ وَالِدِهَا وَلَا مِنْ أَيِّ مَصْدَرٍ آخَرَ، لَكِنَّ نِبْرَةَ ذِكْرِهِ فِي التَّقْرِيرِ، السُّلْطَوِيَّةَ الْوَاضِحَةَ، أَنْبَأَتْهَا بِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَانَ يَحْمِلُ، فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَزْنًا كَبِيرًا فِي تِلْكَ الدَّائِرَةِ الْأَمْنِيَّةِ.
بَحَثَتْ فَوْرًا عَنِ اسْمِ “الْعَمِيدِ حَيْدَرَ” فِي قَاعِدَةِ الْبَيَانَاتِ نَفْسِهَا وَفِي قَوَاعِدَ أُخْرَى مُرْتَبِطَةٍ بِهَا، بَحْثًا سَرِيعًا مَحْمُومَ النَّبْرَةِ، يَدْفَعُهُ فُضُولٌ صَحَفِيٌّ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى قَلَقٍ شَخْصِيٍّ عَمِيقٍ. وَجَدَتْ إِشَارَاتٍ مُتَفَرِّقَةً، غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ، إِلَى ضَابِطٍ أَمْنِيٍّ سُورِيٍّ بِرُتْبَةِ عَمِيدٍ، عَمِلَ فِي فُرُوعٍ أَمْنِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ خِلَالَ الثَّمَانِينَاتِ وَالتِّسْعِينَاتِ، وَاسْمُهُ يَظْهَرُ فِي وَثَائِقَ مُتَفَرِّقَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُلَاحَقَةِ نَاشِطِينَ وَمُثَقَّفِينَ، لَكِنَّ الْمَعْلُومَاتِ كَانَتْ مُجَزَّأَةً، لَا تَحْمِلُ صُورَةً وَاضِحَةً عَنْ مَصِيرِهِ: أَعَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ بَعْدُ؟ أَغَادَرَ سُورِيَا؟ أَيَعِيشُ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ أُورُوبَّا كَمَا فَعَلَ كَثِيرُونَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَمْنِيِّينَ السَّابِقِينَ الَّذِينَ وَجَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَلَاذَاتٍ آمِنَةً بَعِيدًا عَنِ الْمُسَاءَلَةِ؟
جَلَسَتْ لُبْنَى، فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ، تَشْعُرُ بِمَزِيجٍ مُعَقَّدٍ مِنَ الْمَشَاعِرِ: فُضُولُ الصَّحَفِيَّةِ الَّتِي تَسْتَشْعِرُ قِصَّةً كَبِيرَةً، وَقَلَقُ الِابْنَةِ الَّتِي اكْتَشَفَتْ لِتَوِّهَا أَنَّ اسْمَ وَالِدِهَا، الرَّجُلَ الَّذِي عَرَفَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهَا كَاتِبًا هَادِئًا مُتَصَالِحًا مَعَ مَاضِيهِ، مُرْتَبِطٌ بِمِلَفٍّ أَمْنِيٍّ لَمْ تَعْرِفْ عَنْهُ شَيْئًا. حَاوَلَتْ أَنْ تَفْصِلَ بَيْنَ الشُّعُورَيْنِ، فَأَدْرَكَتْ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ غَيْرُ مُمْكِنٍ: فَهِيَ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صَحَفِيَّةٍ تَعْمَلُ عَلَى قِصَّةٍ، بَلِ ابْنَةٌ تَكْتَشِفُ فَجْأَةً أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي شَكَّلَ صُورَتَهَا عَنِ الْحُبِّ وَالْأَمَانِ وَالصِّدْقِ، كَانَ يَحْمِلُ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ دَاخِلِهِ فَصْلًا كَامِلًا لَمْ تُتَحْ لَهَا قِرَاءَتُهُ مِنْ قَبْلُ.
فَكَّرَتْ فِي الِاتِّصَالِ بِوَالِدِهَا فَوْرًا، لَكِنَّهَا تَرَدَّدَتْ، فَقَدْ تَجَاوَزَتِ السَّاعَةُ مُنْتَصَفَ اللَّيْلِ، وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تُزْعِجَ وَالِدَيْهَا بِمُكَالَمَةٍ مُفَاجِئَةٍ قَدْ تَبْدُو، دُونَ سِيَاقٍ كَافٍ، مُخِيفَةً أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. وَبِحُكْمِ غَرِيزَتِهَا الْمِهْنِيَّةِ، رَغِبَتْ فِي أَنْ تَجْمَعَ خُيُوطًا إِضَافِيَّةً قَبْلَ أَنْ تَطْرَحَ سُؤَالًا بِهَذَا الثِّقْلِ.
قَضَتْ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَتَّى سَاعَاتِ الْفَجْرِ الْأُولَى، تُحَاوِلُ أَنْ تَجْمَعَ كُلَّ مَا يُتَاحُ عَنِ “الْعَمِيدِ حَيْدَرَ”، وَعَنِ السِّيَاقِ الْأَوْسَعِ لِذَلِكَ التَّقْرِيرِ، فَوَجَدَتْ إِشَارَةً وَاحِدَةً أُخْرَى، غَامِضَةً، فِي وَثِيقَةٍ لَاحِقَةٍ قَلِيلًا، تُشِيرُ إِلَى “مُتَابَعَةِ مِلَفِّ مُرَادٍ” دُونَ تَفَاصِيلَ، وَكَأَنَّ الْقِصَّةَ تَوَقَّفَتْ هُنَاكَ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ مَا كَانَ مَصِيرُ ذَلِكَ الْمِلَفِّ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، بَعْدَ نَوْمٍ قَصِيرٍ مُضْطَرِبٍ، اتَّصَلَتْ لُبْنَى بِصَدِيقَةٍ قَدِيمَةٍ لَهَا مِنْ أَيَّامِ الْجَامِعَةِ، تُدْعَى هِيلْغَا، تَعْمَلُ بَاحِثَةً فِي مَرْكَزٍ أُورُوبِّيٍّ مُتَخَصِّصٍ بِتَوْثِيقِ الِانْتِهَاكَاتِ الْأَمْنِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ، تَمْلِكُ خِبْرَةً أَعْمَقَ فِي تَحْلِيلِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْوَثَائِقِ، فَقَدْ عَمِلَتْ لِسِنِينَ عَلَى تَوْثِيقِ أَرْشِيفَاتِ أَلْمَانِيَا الشَّرْقِيَّةِ السَّابِقَةِ.
بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَتْ لَهَا لُبْنَى صُورَةَ الْوَثِيقَةِ، وَصَمْتٍ طَوِيلٍ اسْتَغْرَقَتْهُ فِي تَفَحُّصِهَا عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو، قَالَتْ هِيلْغَا: “الْوَثِيقَةُ تَبْدُو أَصِيلَةً، عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ حَيْثُ الشَّكْلُ وَالصِّيَاغَةُ. لَكِنْ، لُبْنَى، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا مُبَاشِرًا: أَهَذَا اسْمُ وَالِدِكِ حَقًّا؟”
قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَ تَوَتُّرِهِ كَامِلًا: “لَا أَعْرِفُ يَقِينًا بَعْدُ. لِهَذَا اتَّصَلْتُ بِكِ، أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ كَيْفَ أَتَحَقَّقُ مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ مِهْنِيَّةٍ، دُونَ أَنْ أَفْتَرِضَ شَيْئًا مُتَسَرِّعًا.”
فَكَّرَتْ هِيلْغَا لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ: “مِهْنِيًّا، ثَمَّةَ طُرُقٌ عِدَّةٌ، لَكِنَّ أَفْضَلَهَا وَأَسْرَعَهَا أَنْ تَسْأَلِيهِ مُبَاشَرَةً. لَا تُوجَدُ قَاعِدَةُ بَيَانَاتٍ فِي الْعَالَمِ تُخْبِرُكِ بِمَا يَعْرِفُهُ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ أَفْضَلَ مِمَّا يَعْرِفُهُ هُوَ.”
سَأَلَتْهَا لُبْنَى: “وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا؟ مَاذَا يَعْنِي هَذَا التَّقْرِيرُ بِالضَّبْطِ؟ أَكَانَ أَبِي مُتَّهَمًا بِشَيْءٍ؟”
قَالَتْ هِيلْغَا، بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ وَاضِحٍ: “مِنَ الصَّعْبِ الْجَزْمُ بِذَلِكَ مِنْ وَثِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْزُولَةٍ عَنْ سِيَاقِهَا. هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّقَارِيرِ كُتِبَ عَنْ آلَافِ الْأَشْخَاصِ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، لِمُجَرَّدِ الِاشْتِبَاهِ أَوِ الْمُرَاقَبَةِ الرُّوتِينِيَّةِ. لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ وَالِدَكِ ارْتَكَبَ شَيْئًا، لَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ تَحْتَ أَنْظَارِ الْأَجْهِزَةِ فِي مَرْحَلَةٍ مَا، وَهَذَا بِذَاتِهِ يَسْتَحِقُّ فَهْمًا أَعْمَقَ.”
صَمَتَتْ لُبْنَى، ثُمَّ سَأَلَتْ سُؤَالًا كَانَتْ تَخْشَى طَرْحَهُ: “هِيلْغَا، مِنْ خِبْرَتِكِ، أَيُعْقَلُ أَنْ يَظَلَّ اسْمُ رَجُلٍ مِثْلِ وَالِدِي، لَمْ يَكُنْ قَائِدًا سِيَاسِيًّا وَلَا نَاشِطًا مَعْرُوفًا، فِي مِلَفٍّ أَمْنِيٍّ نَشِطٍ لِعُقُودٍ، وَرُبَّمَا حَتَّى الْيَوْمَ؟”
قَالَتْ هِيلْغَا، بَعْدَ صَمْتٍ بَدَا مَدْرُوسًا: “هَذَا يَتَوَقَّفُ كُلِّيًّا عَلَى مَا فَعَلَهُ، أَوْ عَلَى مَا ظَنُّوا أَنَّهُ فَعَلَهُ. بَعْضُ الْمِلَفَّاتِ تُغْلَقُ بَعْدَ سِنِينَ وَتُنْسَى، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ، خَاصَّةً إِنِ ارْتَبَطَ بِحَادِثَةٍ أَوْ بِشَخْصٍ بَقِيَ مُهِمًّا فِي الْجِهَازِ، يَبْقَى حَيًّا لِعُقُودٍ، يُسْتَحْضَرُ كُلَّمَا دَعَتِ الْحَاجَةُ. الْأَمْرُ أَشْبَهُ بِمِلَفٍّ طِبِّيٍّ مُزْمِنٍ، يَبْقَى فِي الْأَرْشِيفِ وَإِنْ لَمْ يُفْتَحْ لِسِنِينَ، جَاهِزًا لِلْعَوْدَةِ إِلَى السَّطْحِ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ.”
شَعَرَتْ لُبْنَى بِقَشَعْرِيرَةٍ عِنْدَ هَذَا التَّشْبِيهِ، وَفَكَّرَتْ لِلَحْظَةٍ فِي الْحَبَّةِ السَّابِعَةِ، فِي الْوَصْفَةِ الْمُعَدَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا لَهَا وَالِدُهَا بِالتَّفْصِيلِ، وَتَسَاءَلَتْ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِوُضُوحٍ: أَهِيَ خُيُوطٌ مُنْفَصِلَةٌ، أَمْ أَنَّهَا جَمِيعًا تَنْتَمِي إِلَى الْقِصَّةِ نَفْسِهَا؟
كَانَتْ هَذِهِ النَّصِيحَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا، مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ لُبْنَى لِتَحْسِمَ قَرَارَهَا.
قَرَّرَتْ أَلَّا تَطْرَحَ سُؤَالَهَا عَبْرَ الْهَاتِفِ، فَحَجَزَتْ تَذْكِرَةَ قِطَارٍ فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ، لِتَصِلَ إِلَى بَيْتِ وَالِدَيْهَا مَسَاءً، مُسْتَغِلَّةً فُرْصَةَ إِجَازَةٍ قَصِيرَةٍ كَانَتْ قَدْ وَعَدَتْ بِهَا أَبَاهَا، وَإِنْ كَانَتِ الظُّرُوفُ الَّتِي تَدْفَعُهَا لِلْمَجِيءِ الْآنَ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَمَّا تَخَيَّلَتْهُ.
جَلَسَتْ فِي مَقْصُورَةِ الْقِطَارِ، بِجَانِبِ النَّافِذَةِ، تُرَاقِبُ الْحُقُولَ وَالْقُرَى الصَّغِيرَةَ تَمُرُّ أَمَامَهَا، وَوَجَدَتْ نَفْسَهَا تَنْزَلِقُ إِلَى ذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهَا مَعَ وَالِدِهَا، ذِكْرَيَاتٍ بَدَتْ لَهَا فَجْأَةً، فِي ضَوْءِ مَا اكْتَشَفَتْهُ، تَحْمِلُ مَعْنًى مُخْتَلِفًا عَمَّا حَمَلَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهَا.
تَذَكَّرَتْ كَيْفَ كَانَ كَنْعَانُ، فِي طُفُولَتِهَا، يَرْفُضُ دَائِمًا أَنْ يُشَاهِدَ مَعَهَا أَفْلَامًا فِيهَا مَشَاهِدُ اعْتِقَالٍ أَوِ اسْتِجْوَابٍ، وَكَيْفَ كَانَ يُغَادِرُ الْغُرْفَةَ بِهُدُوءٍ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ بِحُجَّةِ إِحْضَارِ شَيْءٍ مِنَ الْمَطْبَخِ، ثُمَّ يَعُودُ حِينَ تَنْتَهِي الْمَشَاهِدُ الْمُزْعِجَةُ. لَمْ تُفَكِّرْ يَوْمًا فِي تَفْسِيرِ هَذَا السُّلُوكِ، بَلِ اعْتَبَرَتْهُ حَسَاسِيَّةً شَخْصِيَّةً عَابِرَةً.
وَتَذَكَّرَتْ كَيْفَ كَانَ، كُلَّمَا سَأَلَتْهُ عَنْ سَبَبِ هِجْرَتِهِ إِلَى أَلْمَانِيَا، يُجِيبُهَا بِعِبَارَاتٍ عَامَّةٍ عَنِ “الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ” وَ”الْبَحْثِ عَنْ حَيَاةٍ أَفْضَلَ”، إِجَابَاتٍ لَمْ تَشْعُرْ يَوْمًا أَنَّهَا كَاذِبَةٌ تَمَامًا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَيْضًا كَامِلَةً.
وَاسْتَعَادَتْ مَشْهَدًا أَقْدَمَ: كَانَتْ فِي السَّابِعَةِ أَوِ الثَّامِنَةِ حِينَ اسْتَيْقَظَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى صَوْتِ أَبِيهَا يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ فِي الصَّالَةِ، مَعَ رَجُلٍ لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَى صَوْتِهِ عَبْرَ الْهَاتِفِ. تَسَلَّلَتْ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجِ لِتُصْغِيَ، فَسَمِعَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَقِيَتْ مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَتِهَا دُونَ أَنْ تَفْهَمَ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ: “أَخْبَرْتُكَ، لَنْ أَعُودَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ، لَا الْآنَ وَلَا أَبَدًا.” ثُمَّ سَمِعَتْ صَوْتَ السَّمَّاعَةِ تُغْلَقُ بِحِدَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ. حِينَ سَأَلَتْهُ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، بِفُضُولٍ طُفُولِيٍّ بَرِيءٍ، أَجَابَهَا بِابْتِسَامَةٍ سَرِيعَةٍ أَنَّ “أَحَدَ النَّاشِرِينَ كَانَ يُزْعِجُهُ بِمَوَاعِيدَ غَيْرِ مَعْقُولَةٍ”، فَصَدَّقَتِ الْإِجَابَةَ، كَمَا يُصَدِّقُ الْأَطْفَالُ كُلَّ مَا يَقُولُهُ آبَاؤُهُمْ.
الْآنَ، وَهِيَ تَجْلِسُ فِي هَذَا الْقِطَارِ، تَحْمِلُ فِي هَاتِفِهَا صُورَةَ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ، بَدَأَتْ تُعِيدُ تَفْسِيرَ كُلِّ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ فِي ضَوْءٍ جَدِيدٍ، وَشَعَرَتْ بِمَزِيجٍ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ الْخَفِيفِ تِجَاهَ نَفْسِهَا: كَيْفَ لَمْ تَنْتَبِهْ مِنْ قَبْلُ؟ لَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ، وَهِيَ تُرَاقِبُ انْعِكَاسَ وَجْهِهَا فِي زُجَاجِ النَّافِذَةِ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَدْلًا تِجَاهَ نَفْسِهَا الْأَصْغَرِ، فَالْأَطْفَالُ لَا يُفْتَرَضُ بِهِمْ أَنْ يَشُكُّوا فِي آبَائِهِمْ، وَالثِّقَةُ الَّتِي مَنَحَتْهَا لِوَالِدِهَا لَمْ تَكُنْ سَذَاجَةً، بَلْ جُزْءًا صَحِّيًّا مِنْ عَلَاقَةِ أَبٍ بِابْنَتِهِ.
وَصَلَ الْقِطَارُ أَخِيرًا، وَتَرَجَّلَتْ لُبْنَى، حَامِلَةً حَقِيبَتَهَا الصَّغِيرَةَ، تَشْعُرُ، وَهِيَ تَسِيرُ نَحْوَ بَيْتِ وَالِدَيْهَا، بِأَنَّ ثِقْلَ السُّؤَالِ الَّذِي تَحْمِلُهُ يَتَضَاعَفُ مَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ.
اسْتَقْبَلَتْهَا وَدَادُ بِحَرَارَةٍ مُعْتَادَةٍ، لَكِنَّ لُبْنَى لَاحَظَتْ فَوْرًا، بِعَيْنِ الصَّحَفِيَّةِ الْمُدَرَّبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ، تَوَتُّرًا خَفِيفًا فِي ابْتِسَامَةِ أُمِّهَا. عَانَقَتْهَا وَدَادُ طَوِيلًا عِنْدَ الْبَابِ، وَقَالَتْ وَهِيَ تَبْتَعِدُ قَلِيلًا: “اشْتَقْتُ إِلَيْكِ يَا حَبِيبَتِي. تَبْدِينَ مُتْعَبَةً، أَكُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ؟”
قَالَتْ لُبْنَى، مُحَاوِلَةً إِخْفَاءَ تَوَتُّرِهَا: “مُجَرَّدُ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ، وَبَحْثٍ مُرْهِقٍ. لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْقَلَقَ.”
لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ، وَهِيَ تَدْخُلُ الْبَيْتَ، أَنَّ أَبَاهَا كَانَ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ الْمُعْتَادِ قُرْبَ النَّافِذَةِ، يَنْظُرُ إِلَى الْخَارِجِ بِذَلِكَ الشُّرُودِ الَّذِي بَدَأَتْ تَلْحَظُهُ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، وَلَمْ يَنْهَضْ فَوْرًا لِاسْتِقْبَالِهَا كَعَادَتِهِ.
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ الصَّغِيرَةُ فِي الصَّالَةِ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أُمُورٍ عَادِيَّةٍ: رِحْلَةَ لُبْنَى، مَشْرُوعَ تَجْدِيدٍ بَسِيطًا كَانَتْ وَدَادُ تُفَكِّرُ فِيهِ لِمَطْبَخِهَا، رِوَايَةَ كَنْعَانَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي مَا زَالَتْ “تُصَارِعُهُ”. حَاوَلَتْ لُبْنَى أَنْ تُشَارِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَادِيِّ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ طَوَالَ الْوَقْتِ بِثِقْلِ السُّؤَالِ الَّذِي تَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِهَا.
لَاحَظَتْ، وَهِيَ تَتَظَاهَرُ بِالْإِصْغَاءِ إِلَى حَدِيثِ أُمِّهَا عَنْ أَلْوَانِ الْبَلَاطِ الْجَدِيدِ، أَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ، فِي تِلْكَ الْأُمْسِيَةِ بِالذَّاتِ، ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ بَيْنَمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ ثِقْلًا مُخْتَلِفًا لَا يَعْرِفُ عَنْهُ الْآخَرَانِ شَيْئًا بَعْدُ: هِيَ تَحْمِلُ صُورَةَ الْوَثِيقَةِ، وَأُمُّهَا تَحْمِلُ، كَمَا بَدَأَتْ تَشُكُّ، شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ النَّظَرَاتِ الْقَلِقَةِ، وَأَبُوهَا يَحْمِلُ، مُنْذُ أَسَابِيعَ، قَلَقًا بَدَأَ بِحَبَّةِ دَوَاءٍ صَغِيرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ. شَعَرَتْ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى السُّخْرِيَةِ الْمُرَّةِ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ: عَائِلَةٌ كَامِلَةٌ، مُتَحَابَّةٌ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أَلْوَانِ الْبَلَاطِ، بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ أَسْرَارٍ مُنْفَصِلَةٍ تَحُومُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ كَطُيُورٍ صَامِتَةٍ، تَنْتَظِرُ لَحْظَةَ الْهُبُوطِ.
خِلَالَ الْعَشَاءِ، لَاحَظَتْ لُبْنَى أَنَّ وَالِدَتَهَا كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى وَالِدِهَا بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ نَظَرَاتٍ سَرِيعَةً مُتَفَحِّصَةً، وَكَأَنَّهَا هِيَ أَيْضًا تُرَاقِبُ شَيْئًا، تَنْتَظِرُ شَيْئًا. تَسَاءَلَتْ: أَتَعْرِفُ أُمُّهَا شَيْئًا عَمَّا اكْتَشَفَتْهُ؟ أَتَنْتَمِي كُلُّ هَذِهِ التَّوَتُّرَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ، إِلَى قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَفْهَمْهَا بَعْدُ كُلِّيًّا؟
حَاوَلَتْ مَرَّةً، بَيْنَ طَبَقَيْنِ، أَنْ تَسْأَلَ وَالِدَهَا سُؤَالًا عَابِرًا عَنْ سِنِيِّ دِرَاسَتِهِ الْجَامِعِيَّةِ، فَقَالَتْ: “أَبِي، أَكَانَتِ الْجَامِعَةُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مُخْتَلِفَةً كَثِيرًا؟ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَجْوَاءِ، الْحُرِّيَّةِ، هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَشْيَاءِ؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ لَحْظَةً، وَبَدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتَحَسَّسُ السُّؤَالَ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ، ثُمَّ أَجَابَ بِجُمْلَةٍ عَامَّةٍ مُقْتَضَبَةٍ: “كَانَتْ أَيَّامًا مُخْتَلِفَةً تَمَامًا يَا صَغِيرَتِي، لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِمَّا تَعْرِفِينَهُ هُنَا. لِنَتَحَدَّثْ عَنْ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ آخَرَ، لَيْسَ اللَّيْلَةَ، أُرِيدُ أَنْ أَسْتَمْتِعَ بِوُجُودِكِ مَعَنَا الْآنَ.” وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً أَرَادَهَا أَنْ تُنْهِيَ الْمَوْضُوعَ، لَكِنَّهَا بَدَتْ لِلُبْنَى تَأْكِيدًا إِضَافِيًّا عَلَى أَنَّ ثَمَّةَ مَا يَسْتَحِقُّ السُّؤَالَ عَنْهُ.
بَعْدَ الْعَشَاءِ، حِينَ جَلَسَ كَنْعَانُ فِي مَكَانِهِ، يَحْتَسِي فِنْجَانَ قَهْوَتِهِ الْأَخِيرَ، وَوَدَادُ مُنْشَغِلَةٌ قَلِيلًا فِي الْمَطْبَخِ، شَعَرَتْ لُبْنَى أَنَّ هَذِهِ أَقْرَبُ لَحْظَةٍ سَتَحْصُلُ عَلَيْهَا لِتَكُونَ وَحْدَهَا مَعَ وَالِدِهَا.
جَلَسَتْ بِجَانِبِهِ، وَقَالَتْ: “أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ وَجَدْتُهُ أَثْنَاءَ بَحْثِي، يَتَعَلَّقُ بِمَقَالِي عَنْكَ. قَدْ يَبْدُو السُّؤَالُ غَرِيبًا، لَكِنِّي أُرِيدُ إِجَابَةً صَادِقَةً.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَتَهُ الْأَبَوِيَّةَ الْمُعْتَادَةَ: “بِالطَّبْعِ يَا صَغِيرَتِي، اسْأَلِينِي مَا شِئْتِ.”
أَخْرَجَتْ لُبْنَى هَاتِفَهَا، وَفَتَحَتْ صُورَةَ الْوَثِيقَةِ، وَقَلَّبَتِ الشَّاشَةَ نَحْوَهُ: “وَجَدْتُ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ فِي أَرْشِيفٍ مُسَرَّبٍ، أَرْشِيفِ وَثَائِقَ أَمْنِيَّةٍ سُورِيَّةٍ قَدِيمَةٍ. الِاسْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا اسْمُكَ، أَبِي، وَتَارِيخُهَا يَعُودُ إِلَى بِدَايَةِ الثَّمَانِينَاتِ، حِينَ كُنْتَ طَالِبًا جَامِعِيًّا. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ: أَهَذِهِ الْوَثِيقَةُ تَخُصُّكَ؟”
أَخَذَ كَنْعَانُ الْهَاتِفَ بِيَدٍ بَدَتْ لَهَا، لِلَحْظَةٍ، أَقَلَّ ثَبَاتًا مِنَ الْمُعْتَادِ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّاشَةِ طَوِيلًا، أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَحْتَاجُهُ أَيُّ إِنْسَانٍ لِقِرَاءَةِ فِقْرَةٍ قَصِيرَةٍ نِسْبِيًّا. تَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِهِ تَدْرِيجِيًّا، فَقَدَ شَيْئًا مِنْ دِفْئِهِ الْمُعْتَادِ، وَبَدَا لِلُبْنَى، وَهِيَ تُرَاقِبُهُ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ تَوَقَّفَ لَحْظَةً فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الْهَادِئَةِ.
سَأَلَتْهُ لُبْنَى، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ هَذِهِ الْمَرَّةَ: “أَبِي؟ أَأَنْتَ بِخَيْرٍ؟”
رَفَعَ كَنْعَانُ عَيْنَيْهِ أَخِيرًا عَنِ الشَّاشَةِ، وَنَظَرَ إِلَى ابْنَتِهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً مُعَقَّدَةً، تَحْمِلُ مَزِيجًا مِنَ الْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ الْقَدِيمِ، لَمْ تَكُنْ لُبْنَى قَدْ رَأَتْهُ فِي عَيْنَيْ وَالِدِهَا مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ ثِقْلًا وَاضِحًا: “نَعَمْ، هَذِهِ تَخُصُّنِي.”
شَعَرَتْ لُبْنَى بِقَلْبِهَا يَهْوِي، رَغْمَ أَنَّهَا، فِي مَكَانٍ عَمِيقٍ مِنْ دَاخِلِهَا، كَانَتْ تَتَوَقَّعُ هَذَا الْجَوَابَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، لَكِنَّ سَمَاعَهُ بِصَوْتِ وَالِدِهَا الْمُبَاشِرِ كَانَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ مُجَرَّدِ تَوَقُّعِهِ.
سَأَلَتْهُ: “لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنَا يَوْمًا؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْ أُمِّي؟ مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ؟”
نَظَرَ كَنْعَانُ بَعِيدًا لَحْظَةً، نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَقَالَ، بِصَوْتٍ بَدَا مُتْعَبًا فَجْأَةً، بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا مِنْهُ: “هَذِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ يَا لُبْنَى، قِصَّةٌ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِأُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا، حَتَّى نَفْسِي فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ. لَيْسَ لِأَنِّي أُخْفِي جَرِيمَةً ارْتَكَبْتُهَا، بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ مَا عِشْتُهُ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ كَانَ… مُعَقَّدًا، بِطَرِيقَةٍ يَصْعُبُ شَرْحُهَا بِبَسَاطَةٍ.”
قَالَتْ لُبْنَى، وَقَدْ شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ فِي أَنْ تَقْتَرِبَ مِنْهُ أَكْثَرَ: “أَنَا لَا أُحَاوِلُ أَنْ أُحَاكِمَكَ يَا أَبِي. أَنَا ابْنَتُكَ، لَسْتُ صَحَفِيَّةً تُحَقِّقُ مَعَكَ. لَكِنِّي وَجَدْتُ اسْمَكَ فِي وَثِيقَةٍ أَمْنِيَّةٍ، وَأُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ، لَيْسَ لِأَنِّي أَشُكُّ بِكَ، بَلْ لِأَنِّي أُحِبُّكَ، وَأَشْعُرُ فَجْأَةً أَنَّ ثَمَّةَ جُزْءًا كَامِلًا مِنْ حَيَاتِكَ لَا أَعْرِفُهُ.”
ابْتَسَمَ كَنْعَانُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً، ابْتِسَامَةَ اعْتِرَافٍ صَامِتٍ: “أَعْرِفُ يَا صَغِيرَتِي. وَأَنَا لَا أَلُومُكِ عَلَى السُّؤَالِ، بَلْ أَلُومُ نَفْسِي لِأَنِّي لَمْ أَجِدِ الشَّجَاعَةَ لِأُخْبِرَكِ بِنَفْسِي، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْكِ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ عَبْرَ طَرِيقٍ بَارِدٍ كَهَذَا، عَبْرَ مِلَفٍّ رَقَمِيٍّ فِي أَرْشِيفٍ لَا رُوحَ فِيهِ.”
قَالَتْ لُبْنَى: “مَنْ هُوَ الْعَمِيدُ حَيْدَرُ، أَبِي؟”
عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا الِاسْمِ، شَعَرَتْ لُبْنَى بِتَغَيُّرٍ وَاضِحٍ فِي مَلَامِحِ وَالِدِهَا، تَغَيُّرٍ سَرِيعٍ، لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، وَكَأَنَّ الِاسْمَ نَفْسَهُ، بِمُجَرَّدِ نُطْقِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ الْهَادِئَةِ، كَانَ كَافِيًا لِاسْتِحْضَارِ مَا ظَلَّ نَائِمًا لِعُقُودٍ. رَأَتْ يَدَيْهِ الْمُتَشَابِكَتَيْنِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَشُدَّانِ قَلِيلًا عَلَى بَعْضِهِمَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ جَسَدَهُ بِأَكْمَلِهِ شَدَّهُ تَوَتُّرٌ لَمْ تَعْرِفْهُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
صَمَتَ كَنْعَانُ طَوِيلًا، حَتَّى شَعَرَتْ لُبْنَى أَنَّ الصَّمْتَ نَفْسَهُ صَارَ إِجَابَةً، أَثْقَلَ مِنْ أَيَّةِ كَلِمَاتٍ مُمْكِنَةٍ. نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ إِلَى ابْنَتِهِ أَخِيرًا، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الِاعْتِذَارَ، وَشَيْءٌ آخَرُ يُشْبِهُ الْخَوْفَ الْقَدِيمَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ، رَغْمَ كُلِّ السِّنِينَ، أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْهُ كُلِّيًّا.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنْ هَمْسٍ: “اسْمٌ لَمْ أَظُنَّ أَنِّي سَأَسْمَعُهُ مُجَدَّدًا فِي هَذَا الْبَيْتِ.”
سَأَلَتْهُ لُبْنَى، وَقَدِ اقْتَرَبَتْ مِنْهُ أَخِيرًا وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ: “أَمَا زَالَ حَيًّا؟ أَتَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ الْآنَ؟”
هَزَّ كَنْعَانُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ: “لَا أَعْرِفُ يَقِينًا. لَمْ أَسْمَعْ عَنْهُ شَيْئًا مُنْذُ عُقُودٍ، وَلَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ، بِصَرَاحَةٍ. كُنْتُ أَظُنُّ، أَوْ رُبَّمَا كُنْتُ أَتَمَنَّى، أَنَّ ذَلِكَ الْفَصْلَ مِنْ حَيَاتِي قَدْ أُغْلِقَ نِهَائِيًّا، أَنَّ الزَّمَنَ كَفِيلٌ بِأَنْ يَطْوِيَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الْأَبَدِ.” تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ: “يَبْدُو أَنِّي كُنْتُ مُخْطِئًا.”
سَأَلَتْهُ لُبْنَى: “مَاذَا كَانَ يُرِيدُ مِنْكَ؟ لِمَاذَا اسْتُدْعِيتَ؟ الْوَثِيقَةُ لَا تَقُولُ الْكَثِيرَ، فَقَطْ أَنَّكَ كُنْتَ ‘عَلَى صِلَةٍ بِعَائِلَةٍ تَحْتَ الْمُرَاقَبَةِ’. أَيَّةُ عَائِلَةٍ، أَبِي؟”
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَيْهَا طَوِيلًا، وَبَدَا وَكَأَنَّهُ يَخُوضُ صِرَاعًا حَقِيقِيًّا بَيْنَ رَغْبَتِهِ فِي حِمَايَةِ ابْنَتِهِ مِنْ ثِقْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَرَغْبَتِهِ، الْأَعْمَقَ رُبَّمَا، فِي أَنْ يَتَحَرَّرَ أَخِيرًا مِنْ عِبْءٍ حَمَلَهُ وَحْدَهُ طَوَالَ هَذِهِ الْعُقُودِ. قَالَ أَخِيرًا: “هَذِهِ قِصَّةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى كَامِلَةً، يَا لُبْنَى، لَا مُجْتَزَأَةً فِي مَسَاءٍ وَاحِدٍ وَأَنْتِ مُتْعَبَةٌ مِنْ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ. أَعِدُكِ أَنِّي سَأُخْبِرُكِ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنْ لَيْسَ اللَّيْلَةَ. أَحْتَاجُ أَنْ أُرَتِّبَ أَفْكَارِي أَوَّلًا.”
قَالَتْ لُبْنَى، وَقَدْ شَعَرَتْ بِإِحْبَاطٍ خَفِيفٍ يَمْتَزِجُ بِتَفَهُّمِهَا: “لَكِنْ أَبِي، هَذَا لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مَاضٍ بَعِيدٍ. إِنْ كَانَ حَيْدَرُ لَا يَزَالُ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمِلَفُّ قَدْ عَادَ إِلَى السَّطْحِ بِطَرِيقَةٍ مَا، أَلَيْسَ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نَعْرِفَ، أَنْ نَحْمِيَ أَنْفُسَنَا؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ بِجِدِّيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ: “أَنْتِ مُحِقَّةٌ تَمَامًا، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ. لَكِنْ دَعِينِي أُفَكِّرْ فِي الطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ لِمُعَالَجَةِ هَذَا، لَا أَنْ نَتَصَرَّفَ بِدَافِعِ الْخَوْفِ وَحْدَهُ.”
وَحِينَ فَتَحَتْ وَدَادُ بَابَ الْمَطْبَخِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، حَامِلَةً صِينِيَّةَ شَايِ الْمَسَاءِ، وَرَأَتِ الْمَشْهَدَ أَمَامَهَا، ابْنَتَهَا تَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ زَوْجِهَا، يَدُهَا عَلَى كَتِفِهِ، وَزَوْجَهَا صَامِتًا شَاحِبًا يَنْظُرُ إِلَى فَرَاغٍ لَا تَرَاهُ هِيَ، أَدْرَكَتْ فَوْرًا، دُونَ أَنْ يُخْبِرَهَا أَحَدٌ بِشَيْءٍ، أَنَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَتْ تَخْشَاهَا وَتَنْتَظِرُهَا فِي آنٍ مَعًا، مُنْذُ تِلْكَ الْمُكَالَمَةِ الْهَاتِفِيَّةِ الْغَامِضَةِ، قَدْ وَصَلَتْ أَخِيرًا، وَأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ الْهَادِئَ لَنْ يَكُونَ هَادِئًا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا بَعْدَ الْآنَ.
وَقَفَتْ وَدَادُ فِي إِطَارِ الْبَابِ لَحْظَةً، الصِّينِيَّةُ مَا تَزَالُ بَيْنَ يَدَيْهَا، تُفَكِّرُ: أَتُخْبِرُهُمَا الْآنَ بِمَا تَحْمِلُهُ هِيَ أَيْضًا مِنْ سِرٍّ صَغِيرٍ، ذَلِكَ الصَّوْتَ الْهَامِسَ عَبْرَ الْهَاتِفِ، تِلْكَ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ الَّتِي ظَلَّتْ تُطَارِدُهَا أَيَّامًا؟ أَمْ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَحِنْ بَعْدُ، وَأَنَّ هَذِهِ الْعَائِلَةَ الصَّغِيرَةَ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، تَحْتَاجُ إِلَى اسْتِيعَابِ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ كَافِيَةٍ، قَبْلَ أَنْ تُثْقَلَ بِحَقِيقَةٍ أُخْرَى؟
جَلَسَتْ لُبْنَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى حَافَّةِ فِرَاشِهَا الْقَدِيمِ فِي غُرْفَتِهَا الَّتِي بَقِيَتْ مُحْتَفِظَةً بِبَعْضِ مَلَامِحِ طُفُولَتِهَا، تَنْظُرُ إِلَى صُورَةِ الْوَثِيقَةِ عَلَى هَاتِفِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَتُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا قَالَهُ وَالِدُهَا، وَفِي كُلِّ مَا لَمْ يَقُلْهُ. كَانَتْ تَعْرِفُ، بِحَدْسِهَا الْمِهْنِيِّ بِقَدْرِ مَا تَعْرِفُ بِحَدْسِهَا كَابْنَةٍ، أَنَّ مَا سَمِعَتْهُ فِي تِلْكَ الْأُمْسِيَةِ لَمْ يَكُنْ سِوَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ قِصَّةٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ، وَأَنَّ عَلَيْهَا، إِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَفْهَمَ حَقًّا، أَنْ تَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ، وَأَنْ تَمْنَحَهُ الْوَقْتَ الَّذِي يَحْتَاجُهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ كُلُّ عَصَبٍ فِي جَسَدِهَا، كَصَحَفِيَّةٍ اعْتَادَتْ أَنْ تَتَتَبَّعَ الْخُيُوطَ حَتَّى نِهَايَتِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ الْآنَ.
نَظَرَتْ حَوْلَهَا فِي الْغُرْفَةِ، إِلَى رُفُوفِ الْكُتُبِ الَّتِي مَا زَالَتْ تَحْمِلُ رِوَايَاتِهَا الْمُفَضَّلَةَ مِنَ الْمُرَاهَقَةِ، إِلَى الصُّوَرِ الْمُعَلَّقَةِ لِرِحَلَاتٍ عَائِلِيَّةٍ سَعِيدَةٍ، وَشَعَرَتْ بِحُزْنٍ غَرِيبٍ، لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ فَقَدَتْهُ بِالضَّبْطِ، بَلْ عَلَى شَيْءٍ أَدْرَكَتْ لِتَوِّهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا كَمَا ظَنَّتْ دَائِمًا: فَالْبَيْتُ الَّذِي نَشَأَتْ فِيهِ، وَالْأُسْرَةُ الَّتِي أَحَبَّتْهَا بِلَا تَحَفُّظٍ، كَانَا يَحْمِلَانِ، طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ، غُرْفَةً مُغْلَقَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بِوُجُودِهَا، غُرْفَةً بَدَأَتْ أَبْوَابُهَا، لِأَسْبَابٍ لَا تَزَالُ غَامِضَةً، تُفْتَحُ أَخِيرًا.
فَكَّرَتْ فِي أُمِّهَا أَيْضًا، فِي تِلْكَ النَّظَرَاتِ الْقَلِقَةِ الَّتِي لَاحَظَتْهَا خِلَالَ الْعَشَاءِ، وَتَسَاءَلَتْ كَمْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ تَعْرِفُ وَدَادُ فِعْلًا، وَكَمْ مِنْهَا مَا زَالَتْ، مِثْلَهَا هِيَ، تَكْتَشِفُهُ لِتَوِّهَا، قِطْعَةً قِطْعَةً، مِنْ رَجُلٍ قَضَتْ مَعَهُ ثَلَاثِينَ عَامًا وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ، حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، أَنَّهُ يَحْمِلُ سِرًّا بِهَذَا الثِّقْلِ.
لَكِنَّهَا فَكَّرَتْ أَيْضًا، وَهِيَ تُطْفِئُ ضَوْءَ غُرْفَتِهَا أَخِيرًا، أَنَّ ثَمَّةَ الْتِزَامًا آخَرَ يُثْقِلُ كَاهِلَهَا الْآنَ: أَنَّهَا، بِمُجَرَّدِ أَنْ فَتَحَتْ هَذَا الْمِلَفَّ، بِمُجَرَّدِ أَنْ نَطَقَتِ اسْمَ “الْعَمِيدِ حَيْدَرَ” بِصَوْتٍ عَالٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ الْهَادِئِ، لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ ابْنَةٍ تَبْحَثُ عَنِ الْفَهْمِ، بَلْ أَصْبَحَتْ، دُونَ أَنْ تُخَطِّطَ لِذَلِكَ، جُزْءًا مِنْ قِصَّةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مَقَالٍ صَحَفِيٍّ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِهَا الْأَدَبِيَّةِ، قِصَّةٍ قَدْ تَحْمِلُ، كَمَا بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِغُمُوضٍ مُتَزَايِدٍ، مَخَاطِرَ حَقِيقِيَّةً لَا تَعْرِفُ بَعْدُ حَجْمَهَا الْكَامِلَ.
اسْتَلْقَتْ عَلَى فِرَاشِهَا، وَالْعَتْمَةُ تُحِيطُ بِهَا، وَأَصْوَاتُ الْبَيْتِ الْهَادِئَةُ تَصِلُ إِلَيْهَا مِنْ بَعِيدٍ: صَرِيرٌ خَفِيفٌ لِبَابِ غُرْفَةِ وَالِدَيْهَا وَهُوَ يُغْلَقُ، خُطُوَاتٌ مُتَمَهِّلَةٌ فِي الْمَمَرِّ، ثُمَّ صَمْتٌ كَامِلٌ. وَفِي تِلْكَ الْعَتْمَةِ، سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا أَخِيرًا، بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ مُرْهِقٍ أَخْفَتْ خِلَالَهُ قَلَقَهَا بِجَهْدٍ كَبِيرٍ، أَنْ تَشْعُرَ بِكُلِّ ثِقْلِ مَا اكْتَشَفَتْهُ: لَمْ تَعُدْ تِلْكَ الْفَتَاةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّهَا تَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْهَادِئُ الَّذِي عَرَفَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهَا هُوَ الصُّورَةَ الْكَامِلَةَ لِمَنْ هُوَ فِعْلًا. كَانَ هُنَاكَ، خَلْفَ تِلْكَ الصُّورَةِ الْمَأْلُوفَةِ، رَجُلٌ آخَرُ، رَجُلٌ شَابٌّ، وَقَفَ يَوْمًا فِي غُرْفَةِ اسْتِمَاعٍ أَمْنِيَّةٍ، وَاتَّخَذَ قَرَارًا لَا تَعْرِفُ بَعْدُ مَاهِيَّتَهُ، قَرَارًا سَيَسْتَغْرِقُ فُصُولًا أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَيْ تَفْهَمَهُ كَامِلًا.
وَقَبْلَ أَنْ يَغْلِبَهَا النُّعَاسُ أَخِيرًا، فَكَّرَتْ لُبْنَى فِي سُؤَالٍ وَاحِدٍ، بَسِيطٍ فِي ظَاهِرِهِ لَكِنَّهُ سَيَبْقَى يُلَاحِقُهَا فِي الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ: إِنْ كَانَ وَالِدُهَا قَدْ نَجَحَ، طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا، فِي إِخْفَاءِ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ حَيَاتِهِ عَنِ الْجَمِيعِ، حَتَّى عَنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي أَحَبَّهَا وَشَارَكَهَا كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، فَمَا الَّذِي جَعَلَهُ يَعُودُ إِلَى السَّطْحِ الْآنَ، بِالضَّبْطِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ مِنَ الصَّمْتِ؟ وَهَلْ كَانَ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ أَنْ يَتَزَامَنَ ذَلِكَ مَعَ حَبَّةِ دَوَاءٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ، وَمُكَالَمَاتٍ هَاتِفِيَّةٍ غَامِضَةٍ، وَشُرُودٍ مُفَاجِئٍ أَمَامَ نَافِذَةِ بَيْتٍ ظَنُّوا جَمِيعًا أَنَّهُ آمِنٌ إِلَى الْأَبَدِ؟
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ، بِكُلِّ بَسَاطَتِهِ الظَّاهِرَةِ، هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي سَيَقُودُهَا، خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْقَادِمَةِ، إِلَى أَعْمَاقٍ لَمْ تَكُنْ تَتَخَيَّلُهَا حِينَ بَدَأَتْ هَذَا الْبَحْثَ بِدَافِعِ مَحَبَّةٍ بَسِيطَةٍ تِجَاهَ وَالِدِهَا الَّذِي أَحَبَّتْهُ دُونَ قَيْدٍ وَلَا شَرْطٍ طَوَالَ حَيَاتِهَا كُلِّهَا.
كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الْأَيَّامَ الْقَادِمَةَ لَنْ تَكُونَ سَهْلَةً، لَا عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى وَالِدَيْهَا، وَأَنَّهَا، بِمُجَرَّدِ أَنْ فَتَحَتْ هَذَا الْبَابَ، لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهَا أَنْ تُغْلِقَهُ مِنْ جَدِيدٍ وَتَتَظَاهَرَ بِأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.
كَانَتِ السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ حِينَ اسْتَسْلَمَتْ أَخِيرًا لِلنُّعَاسِ، وَآخِرُ مَا مَرَّ فِي ذِهْنِهَا قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَهَا النَّوْمُ كَانَ صُورَةَ وَالِدِهَا الشَّابِّ، ذَلِكَ الْوَجْهَ الَّذِي لَمْ تَرَهُ قَطُّ إِلَّا فِي صُوَرٍ قَدِيمَةٍ مُصْفَرَّةٍ، يَقِفُ فِي مَكَانٍ لَا تَعْرِفُهُ، يُوَاجِهُ سُؤَالًا لَا تَعْرِفُ بَعْدُ كُلَّ تَفَاصِيلِهِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَوْتٌ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ.
لَا صَوْتُ مِرْوَحَةٍ سَقْفِيَّةٍ، وَلَا صَوْتُ خُطُوَاتٍ فِي الْمَمَرِّ الْخَارِجِيِّ، وَلَا حَتَّى صَوْتُ تَنَفُّسِ الرَّجُلِ الْجَالِسِ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ، الَّذِي بَدَا وَكَأَنَّهُ تَدَرَّبَ طَوِيلًا عَلَى أَنْ يَتَنَفَّسَ دُونَ أَنْ يُسْمَعَ لِتَنَفُّسِهِ أَيُّ أَثَرٍ. كَانَ كَنْعَانُ، الشَّابُّ الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزِ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ بَعْدُ، يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ صَلْبٍ، يَدَاهُ مُتَشَابِكَتَانِ فَوْقَ رُكْبَتَيْهِ، وَعَيْنَاهُ تُحَاوِلَانِ، بِلَا جَدْوَى، أَنْ تَجِدَا نَافِذَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ صَغِيرَةً، فِي تِلْكَ الْجُدْرَانِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِ مُنْذُ سَاعَتَيْنِ تَقْرِيبًا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ، بِدِقَّةٍ، كَمْ مِنَ الْوَقْتِ مَرَّ فِعْلًا، فَالزَّمَنُ نَفْسُهُ، فِي هَذَا الْمَكَانِ، بَدَا وَكَأَنَّهُ تَوَقَّفَ عِنْدَ حَافَّةِ الْبَابِ حِينَ أُغْلِقَ خَلْفَهُ.
كَانَتِ الْغُرْفَةُ صَغِيرَةً، مُرَبَّعَةً تَقْرِيبًا، جُدْرَانُهَا مَطْلِيَّةٌ بِلَوْنٍ أَخْضَرَ بَاهِتٍ بَدَأَ يَتَقَشَّرُ مِنَ الزَّوَايَا، وَسَقْفُهَا مُنْخَفِضٌ بِمَا يَكْفِي لِيَشْعُرَ كَنْعَانُ، وَهُوَ الطَّوِيلُ نِسْبِيًّا لِعُمْرِهِ، بِثِقْلٍ خَفِيفٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَكَأَنَّ الْجُدْرَانَ وَالسَّقْفَ نَفْسَهَا تَتَضَامَنُ عَلَى خَنْقِهِ بِبُطْءٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ زَخْرَفَةٍ، أَيُّ لَوْحَةٍ، أَيُّ تَقْوِيمٍ عَلَى الْجِدَارِ يُشِيرُ إِلَى التَّارِيخِ، وَكَأَنَّ مَنْ صَمَّمَ هَذَا الْمَكَانَ أَرَادَ أَنْ يُجَرِّدَ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ أَيَّةِ مَرْجِعِيَّةٍ زَمَنِيَّةٍ أَوْ بَصَرِيَّةٍ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّقُ بِهَا. وَفِي وَسَطِ الْغُرْفَةِ، طَاوِلَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ بَارِدَةٌ، وَمِصْبَاحٌ وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ مِنَ السَّقْفِ مُبَاشَرَةً فَوْقَهَا، يُلْقِي ضَوْءًا أَصْفَرَ حَادًّا عَلَى سَطْحِهَا، بَيْنَمَا تَبْقَى زَوَايَا الْغُرْفَةِ، وَخُصُوصًا حَيْثُ يَجْلِسُ كَنْعَانُ، فِي ظِلٍّ خَفِيفٍ، ظِلٍّ بَدَا لَهُ، فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، وَكَأَنَّهُ مُصَمَّمٌ عَمْدًا لِيَجْعَلَهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ مُرَاقَبٌ مِنْ كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ هُوَ أَنْ يَرَى بِوُضُوحٍ مَنْ يُرَاقِبُهُ.
لَاحَظَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يَجْلِسُ هُنَاكَ مُنْتَظِرًا، رَائِحَةً غَرِيبَةً تَمْلَأُ الْمَكَانَ، مَزِيجًا مِنْ رَائِحَةِ الطِّلَاءِ الْقَدِيمِ، وَرَائِحَةِ مَعْدِنٍ بَارِدٍ، وَرَائِحَةٍ أُخْرَى، أَخَفَّ، لَمْ يَسْتَطِعْ تَحْدِيدَهَا بِدِقَّةٍ فِي الْبِدَايَةِ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ، بَعْدَ دَقَائِقَ مِنَ الْجُلُوسِ الصَّامِتِ، أَنَّهَا رَائِحَةُ عَرَقٍ بَشَرِيٍّ مُتَرَاكِمٍ، عَرَقِ أَجْسَادٍ كَثِيرَةٍ جَلَسَتْ، قَبْلَهُ، عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ نَفْسِهِ، فِي ظُرُوفٍ مُشَابِهَةٍ، رَائِحَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ أَيَّةُ مُحَاوَلَةِ تَنْظِيفٍ أَنْ تُزِيلَهَا بِالْكَامِلِ. وَعَلَى الْجِدَارِ الْمُقَابِلِ لَهُ مُبَاشَرَةً، لَاحَظَ خَدْشًا صَغِيرًا فِي الطِّلَاءِ، بِالْكَادِ مَرْئِيًّا، شَكْلُهُ يُشْبِهُ حَرْفًا عَرَبِيًّا غَيْرَ مُكْتَمِلٍ، وَتَسَاءَلَ، بِفُضُولٍ غَرِيبٍ رَغْمَ كُلِّ مَا كَانَ يَشْعُرُ بِهِ مِنْ رُعْبٍ، إِنْ كَانَ شَخْصٌ آخَرُ، فِي جَلْسَةٍ سَابِقَةٍ، قَدْ حَاوَلَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا صَغِيرًا يُثْبِتُ أَنَّهُ كَانَ هُنَا.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ بَدَأَ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، بِطَرْقَةٍ عَلَى بَابِ بَيْتِ الْعَائِلَةِ فِي صَبَاحٍ عَادِيٍّ تَمَامًا، صَبَاحٍ لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ أَيَّةَ عَلَامَةٍ تُنْذِرُ بِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ سَيَكُونُ مُخْتَلِفًا عَنْ أَيِّ يَوْمٍ آخَرَ مِنْ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الْجَامِعِيَّةِ الْهَادِئَةِ. فَتَحَ وَالِدُهُ الْبَابَ، وَوَقَفَ أَمَامَهُ رَجُلَانِ يَرْتَدِيَانِ مَلَابِسَ مَدَنِيَّةً عَادِيَّةً، لَا يَحْمِلَانِ أَيَّةَ شَارَةٍ ظَاهِرَةٍ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي طَرِيقَةِ وُقُوفِهِمَا، فِي نِبْرَةِ أَصْوَاتِهِمَا الْبَارِدَةِ الرَّسْمِيَّةِ، جَعَلَ وَالِدَ كَنْعَانَ يَشْحَبُ فَوْرًا، وَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَرَ كَنْعَانُ وَجْهَهُ يَشْحَبُ مِنْ قَبْلُ، لَا حَتَّى فِي أَصْعَبِ أَزَمَاتِ الْعَائِلَةِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا خِلَالَ سِنِيِّ طُفُولَتِهِ. كَانَ وَالِدُ كَنْعَانَ رَجُلًا عَمِلَ طَوَالَ حَيَاتِهِ مُوَظَّفًا حُكُومِيًّا بَسِيطًا، يَحْتَرِمُ الْقَانُونَ بِدِقَّةٍ تَكَادُ تَكُونُ مُفْرِطَةً، وَلَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنْ يَقِفَ أَمَامَ بَابِهِ رَجُلَانِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ يَسْأَلَانِ عَنِ ابْنِهِ بِالذَّاتِ.
كَانَ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَا يَزَالُ فِي غُرْفَتِهِ فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، يَسْتَعِدُّ لِلْخُرُوجِ إِلَى مُحَاضَرَةٍ صَبَاحِيَّةٍ، حِينَ سَمِعَ أَصْوَاتًا غَرِيبَةً مِنَ الْأَسْفَلِ، وَنَزَلَ الدَّرَجَ بِخُطًى مُتَسَارِعَةٍ لِيَجِدَ وَالِدَهُ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ، جَامِدًا، يَحْمِلُ وَرَقَةً صَغِيرَةً بِيَدٍ بَدَتْ لَهُ، مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ، تَرْتَجِفُ بِوُضُوحٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ. لَمْ يَفْهَمْ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ الثَّوَانِي الْأُولَى، طَبِيعَةَ مَا يَحْدُثُ، لَكِنَّهُ شَعَرَ، بِحَدْسٍ فِطْرِيٍّ، أَنَّ شَيْئًا خَطِيرًا يَتَكَشَّفُ أَمَامَهُ.
قَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ فِي يَدِهِ: “كَنْعَانُ مُرَادٌ؟ مَطْلُوبٌ لِلْحُضُورِ غَدًا صَبَاحًا، السَّاعَةَ الثَّامِنَةَ، إِلَى الْعُنْوَانِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ.”
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَفْسِيرٌ إِضَافِيٌّ، وَلَا سَبَبٌ مَذْكُورٌ، فَقَطْ عُنْوَانٌ مُقْتَضَبٌ، وَاسْمُ فَرْعٍ لَمْ يَكُنْ كَنْعَانُ قَدْ سَمِعَ بِهِ مِنْ قَبْلُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، لَكِنَّهُ، كَطَالِبٍ جَامِعِيٍّ عَاشَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ طَوَالَ حَيَاتِهِ، كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ بِالذَّاتِ يَحْمِلُ وَزْنًا لَا تَحْمِلُهُ أَسْمَاءُ الدَّوَائِرِ الْحُكُومِيَّةِ الْأُخْرَى، وَزْنًا يَجْعَلُ النَّاسَ يُخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ حِينَ يَذْكُرُونَهُ.
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ وَالِدُ كَنْعَانَ الْبَابَ، وَقَفَ فِي الصَّالَةِ صَامِتًا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، مُمْسِكًا بِتِلْكَ الْوَرَقَةِ الصَّغِيرَةِ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ بِوُضُوحٍ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ أَخِيرًا نَحْوَ ابْنِهِ، وَقَدْ فَقَدَ كُلَّ الدِّفْءِ الْأَبَوِيِّ الْمُعْتَادِ فِي نَظْرَتِهِ، لِيَحِلَّ مَحَلَّهُ قَلَقٌ عَمِيقٌ لَمْ يُحَاوِلْ حَتَّى إِخْفَاءَهُ. جَلَسَتْ وَالِدَةُ كَنْعَانَ عَلَى الْأَرِيكَةِ الْقَرِيبَةِ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا، وَبَدَأَتْ تَتَمْتَمُ بِآيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَوْلَ طَاوِلَةِ الْعَشَاءِ الَّتِي لَمْ يَلْمِسْ أَحَدٌ مِنْهُمْ طَعَامَهَا تَقْرِيبًا، يَتَنَاقَشُونَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ جِدًّا، وَكَأَنَّ جُدْرَانَ بَيْتِهِمْ نَفْسَهَا قَدْ تَحْمِلُ آذَانًا، عَنْ كُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُمْكِنَةِ، وَعَنْ كُلِّ خُطْوَةٍ يَجِبُ أَنْ يَتَّخِذَهَا كَنْعَانُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي: أَنْ يُجِيبَ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ، أَنْ لَا يَذْكُرَ أَسْمَاءَ أَصْدِقَائِهِ إِلَّا إِنْ سُئِلَ مُبَاشَرَةً، أَنْ يَبْقَى هَادِئًا مَهْمَا حَدَثَ.
تَذَكَّرَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يَقْرَأُ تِلْكَ الْوَرَقَةَ الصَّغِيرَةَ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا، أَنَّ أُسْتَاذًا جَامِعِيًّا لَهُ، فِي مُحَاضَرَةٍ عَابِرَةٍ عَنِ الْأَدَبِ الرُّوسِيِّ، كَانَ قَدْ قَالَ جُمْلَةً لَمْ يَفْهَمْ كَنْعَانُ آنَذَاكَ عُمْقَهَا الْكَامِلَ: “فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ، لَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لِيُصْبِحَ مُشْتَبَهًا بِهِ. يَكْفِي أَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسَهُ، بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يَخْتَارُهَا.” تَذَكَّرَ كَنْعَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِرَارًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ فِي فِرَاشِهِ، عَاجِزًا عَنِ النَّوْمِ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، سَارَ كَنْعَانُ نَحْوَ الْعُنْوَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْوَرَقَةِ، عَبْرَ شَوَارِعِ مَدِينَتِهِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي عَرَفَهَا مُنْذُ طُفُولَتِهِ، شَوَارِعَ بَدَتْ لَهُ، فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ بِالذَّاتِ، مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَمَّا عَرَفَهُ فِيهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ. مَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِالْمَقْهَى الصَّغِيرِ الَّذِي اعْتَادَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ مَعَ أَصْدِقَائِهِ، فَوَجَدَهُ مَفْتُوحًا كَعَادَتِهِ، وَصَاحِبُهُ يُرَتِّبُ الْكَرَاسِيَّ أَمَامَ الْوَاجِهَةِ اسْتِعْدَادًا لِيَوْمِ عَمَلٍ عَادِيٍّ، وَشَعَرَ كَنْعَانُ بِغَرَابَةٍ عَمِيقَةٍ وَهُوَ يُرَاقِبُ هَذَا الْمَشْهَدَ الْمَأْلُوفَ.
كَانَ الْمَبْنَى الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ أَخِيرًا مَبْنًى حُكُومِيًّا عَادِيًّا فِي مَظْهَرِهِ الْخَارِجِيِّ، لَوْلَا حَاجِزٌ أَمْنِيٌّ عِنْدَ مَدْخَلِهِ، وَجُنْدِيَّانِ مُسَلَّحَانِ يَقِفَانِ بِلَا حَرَاكٍ أَمَامَ بَوَّابَتِهِ الْحَدِيدِيَّةِ، وَشُعُورٌ غَامِضٌ بِأَنَّ الْمَارَّةَ فِي الشَّارِعِ الْمُقَابِلِ كَانُوا يُسْرِعُونَ خُطَاهُمْ قَلِيلًا حِينَ يَمُرُّونَ أَمَامَهُ، دُونَ أَنْ يَنْظُرُوا مُبَاشَرَةً إِلَى وَاجِهَتِهِ.
قَدَّمَ كَنْعَانُ الْوَرَقَةَ عِنْدَ الْمَدْخَلِ، فَتَفَحَّصَهَا الْجُنْدِيُّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَشَارَ لَهُ بِالدُّخُولِ. انْتَظَرَ فِي مَمَرٍّ طَوِيلٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سَاعَةٍ، عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ بِجَانِبِ عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْآخَرِينَ، جَمِيعُهُمْ صَامِتُونَ، جَمِيعُهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى نُقْطَةٍ ثَابِتَةٍ أَمَامَهُمْ. جَلَسَتْ بِجَانِبِهِ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ تَرْتَدِي ثَوْبًا أَسْوَدَ بَسِيطًا، تَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْدِيلًا قُمَاشِيًّا صَغِيرًا تَعْصِرُهُ بَيْنَ أَصَابِعِهَا بِلَا تَوَقُّفٍ. وَعَلَى الْمَقْعَدِ الْمُقَابِلِ، جَلَسَ شَابٌّ فِي مِثْلِ عُمْرِ كَنْعَانَ تَقْرِيبًا، يَرْتَدِي بَدْلَةً رَسْمِيَّةً تَبْدُو أَكْبَرَ مِنْ مَقَاسِهِ قَلِيلًا.
حَاوَلَ كَنْعَانُ، فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ، أَنْ يَتَبَادَلَ نَظْرَةَ تَعَاطُفٍ عَابِرَةً مَعَ ذَلِكَ الشَّابِّ، لَكِنَّ الْأَخِيرَ أَشَاحَ بِنَظَرِهِ فَوْرًا، بِسُرْعَةٍ تَنُمُّ عَنْ خَوْفٍ مُتَجَذِّرٍ. فَهِمَ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَنَّ الْخَوْفَ هُنَا لَمْ يَكُنْ يُصَابُ بِهِ الْأَفْرَادُ فَقَطْ، بَلْ كَانَ مُعْدِيًا، يَنْتَقِلُ بِصَمْتٍ مِنْ إِنْسَانٍ إِلَى آخَرَ.
أَخِيرًا، نَادَى عَلَيْهِ جُنْدِيٌّ شَابٌّ بِاسْمِهِ الْكَامِلِ، بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ لَا تَحْمِلُ أَيَّ انْفِعَالٍ، وَقَادَهُ عَبْرَ مَمَرَّاتٍ ضَيِّقَةٍ مُتَعَرِّجَةٍ، حَتَّى وَصَلَا إِلَى تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ ذَاتِ الْجُدْرَانِ الْخَضْرَاءِ الْبَاهِتَةِ، حَيْثُ تَرَكَهُ الْجُنْدِيُّ وَحْدَهُ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ أُخْرَى، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ، أَخِيرًا، الرَّجُلُ الَّذِي سَيَقْضِي كَنْعَانُ السَّاعَاتِ التَّالِيَةَ فِي مُحَاوَلَةِ فَهْمِ كُلِّ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا.
كَانَ الرَّجُلُ فِي الْأَرْبَعِينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ تَقْرِيبًا، مُتَوَسِّطَ الطُّولِ، أَنِيقَ الْهِنْدَامِ بِطَرِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ بَارِدَةٍ، شَعْرُهُ مُصَفَّفٌ بِدِقَّةٍ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ تَعْبِيرًا ثَابِتًا لَا يَتَغَيَّرُ، تَعْبِيرًا يُشْبِهُ قِنَاعًا أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ وَجْهًا بَشَرِيًّا حَقِيقِيًّا. جَلَسَ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ، وَفَتَحَ مِلَفًّا رَقِيقًا أَمَامَهُ، وَبَدَأَ يَتَصَفَّحُهُ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ، دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى كَنْعَانَ، تَارِكًا الصَّمْتَ يَمْتَدُّ بَيْنَهُمَا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ أُخْرَى.
لَاحَظَ كَنْعَانُ، رَغْمَ تَوَتُّرِهِ الشَّدِيدِ، تَفْصِيلًا صَغِيرًا فِي يَدَيْ حَيْدَرَ وَهُوَ يُقَلِّبُ صَفَحَاتِ الْمِلَفِّ: أَصَابِعُ نَظِيفَةٌ، أَظَافِرُ مُشَذَّبَةٌ بِعِنَايَةٍ، وَخَاتَمٌ فِضِّيٌّ بَسِيطٌ فِي إِصْبَعِهِ الْأَيْسَرِ، تَفَاصِيلُ لَا تَنْتَمِي، فِي ظَاهِرِهَا، إِلَى الصُّورَةِ النَّمَطِيَّةِ الَّتِي كَانَ كَنْعَانُ قَدْ رَسَمَهَا فِي خَيَالِهِ عَنْ ضُبَّاطِ هَذَا الْفَرْعِ.
قَالَ الرَّجُلُ أَخِيرًا، دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ عَنِ الْمِلَفِّ: “كَنْعَانُ مُرَادٌ. طَالِبٌ فِي كُلِّيَّةِ الْآدَابِ. السَّنَةُ الثَّالِثَةُ.”
لَمْ يَكُنْ سُؤَالًا، بَلْ تَأْكِيدًا لِمَعْلُومَةٍ يَعْرِفُهَا مُسْبَقًا، فَلَمْ يُجِبْ كَنْعَانُ، مُنْتَظِرًا أَنْ يُكْمِلَ الرَّجُلُ حَدِيثَهُ.
رَفَعَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ أَخِيرًا، وَنَظَرَ إِلَى كَنْعَانَ نَظْرَةً طَوِيلَةً، بَارِدَةً، مُتَفَحِّصَةً، وَقَالَ: “أَنَا الْعَمِيدُ حَيْدَرُ. سَنَتَحَدَّثُ قَلِيلًا الْيَوْمَ، أَنْتَ وَأَنَا، عَنْ أَشْيَاءَ بَسِيطَةٍ. لَا دَاعِيَ لِلْقَلَقِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ مَا تَقْلَقُ بِشَأْنِهِ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ، بِصِيَاغَتِهَا الْمُلْتَوِيَةِ، أَوَّلَ دَرْسٍ تَلَقَّاهُ كَنْعَانُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ: أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُقَالُ هُنَا تَحْمِلُ مَعْنَيَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ، مَعْنًى ظَاهِرًا مُطَمْئِنًّا، وَمَعْنًى خَفِيًّا يَحْمِلُ تَهْدِيدًا صَامِتًا.
سَأَلَهُ حَيْدَرُ، بِنَبْرَةٍ تَبْدُو عَابِرَةً: “أَخْبِرْنِي عَنْ نَفْسِكَ يَا كَنْعَانُ. مَاذَا تَقْرَأُ هَذِهِ الْأَيَّامَ؟”
تَرَدَّدَ كَنْعَانُ لِلَحْظَةٍ، وَقَالَ أَخِيرًا، بِحَذَرٍ: “رِوَايَاتٌ، بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ. أَدْرُسُ الْأَدَبَ.”
قَالَ حَيْدَرُ، وَهُوَ يُقَلِّبُ صَفْحَةً فِي الْمِلَفِّ أَمَامَهُ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا فِعْلِيًّا: “نَعَمْ، أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي أَسْأَلُكَ عَنْ قِرَاءَاتِكَ الشَّخْصِيَّةِ، خَارِجَ الْمَنْهَجِ الْجَامِعِيِّ. سَمِعْتُ أَنَّكَ مُهْتَمٌّ بِكُتَّابٍ مُعَيَّنِينَ، كُتَّابٍ يَمِيلُونَ إِلَى… كَيْفَ أَصِفُهَا… التَّشْكِيكِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُسَلَّمِ بِهَا.”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي يَدَيْهِ، فَهَذَا السُّؤَالُ بِالذَّاتِ، رَغْمَ صِيَاغَتِهِ الْعَابِرَةِ، كَانَ يَحْمِلُ مَعْلُومَةً لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يَعْرِفَهَا أَحَدٌ خَارِجَ دَائِرَةِ أَصْدِقَائِهِ الْمُقَرَّبِينَ جِدًّا.
قَالَ كَنْعَانُ، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ صَوْتُهُ هَادِئًا: “أَقْرَأُ كُلَّ مَا يَقَعُ تَحْتَ يَدِي، دُونَ تَحَيُّزٍ مُعَيَّنٍ لِاتِّجَاهٍ بِعَيْنِهِ.”
ابْتَسَمَ حَيْدَرُ ابْتِسَامَةً رَقِيقَةً، بَارِدَةً، وَقَالَ: “بِالطَّبْعِ. لَا أَحَدَ يَعْتَرِفُ بِتَحَيُّزِهِ، هَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ.” ثُمَّ أَغْلَقَ الْمِلَفَّ أَمَامَهُ، وَنَظَرَ إِلَى كَنْعَانَ مُبَاشَرَةً، وَقَالَ جُمْلَةً ظَلَّتْ عَالِقَةً فِي ذَاكِرَتِهِ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ:
“هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ تَعْرِفُ نَفْسَكَ، يَا كَنْعَانُ؟”
تَوَقَّفَ كَنْعَانُ، غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْإِجَابَةِ، فَأَضَافَ حَيْدَرُ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ إِجَابَةً فِعْلِيَّةً: “نَحْنُ، هُنَا، نَعْرِفُ عَنِ النَّاسِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَا يَعْرِفُونَهَا هُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. مَنْ يُقَابِلُونَ. مَاذَا يَقْرَؤُونَ. مَاذَا يُفَكِّرُونَ فِيهِ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَجْرُؤُوا عَلَى قَوْلِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ. هَذِهِ هِيَ طَبِيعَةُ عَمَلِنَا. وَلِهَذَا، حِينَ أَسْأَلُكَ سُؤَالًا، أُرِيدُكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّنِي، عَلَى الْأَرْجَحِ، أَعْرِفُ الْإِجَابَةَ مُسْبَقًا. مَا أُرِيدُهُ مِنْكَ هُوَ أَنْ أَرَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا بِمَا يَكْفِي لِتَقُولَهَا أَنْتَ بِنَفْسِكَ.”
انْتَقَلَ حَيْدَرُ بَعْدَهَا إِلَى سِلْسِلَةٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ بَدَتْ لِكَنْعَانَ، فِي الْبِدَايَةِ، مُتَنَاثِرَةً بِلَا رَابِطٍ وَاضِحٍ: عَنْ أَخِيهِ الْأَكْبَرِ، عَنْ جَارِهِمْ، عَنْ أُسْتَاذِ الْأَدَبِ الرُّوسِيِّ الَّذِي سَافَرَ فَجْأَةً إِلَى خَارِجِ الْبِلَادِ. كَانَ كَنْعَانُ يُجِيبُ عَلَى كُلِّ سُؤَالٍ بِحَذَرٍ مُتَزَايِدٍ، لَكِنَّهُ شَعَرَ، مَعَ كُلِّ سُؤَالٍ جَدِيدٍ، أَنَّ حَيْدَرَ لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ مَعْلُومَاتٍ مُحَدَّدَةٍ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَبْنِي، بِبُطْءٍ وَدِقَّةٍ مُرْعِبَةٍ، خَرِيطَةً كَامِلَةً لِعَالَمِ كَنْعَانَ الِاجْتِمَاعِيِّ.
سَأَلَهُ حَيْدَرُ فِي لَحْظَةٍ مَا، بِنَبْرَةٍ بَدَتْ فُضُولِيَّةً أَكْثَرَ مِنْهَا اسْتِجْوَابِيَّةً: “أَخْبِرْنِي، يَا كَنْعَانُ، مَا الَّذِي تَكْتُبُهُ أَنْتَ؟ سَمِعْتُ أَنَّكَ تُحَاوِلُ أَنْ تُصْبِحَ كَاتِبًا.”
فُوجِئَ كَنْعَانُ بِهَذَا السُّؤَالِ، وَأَجَابَ بِجُمْلَةٍ عَامَّةٍ: “لَا أَزَالُ أَتَعَلَّمُ، سَيِّدِي. لَمْ أَنْشُرْ شَيْئًا بَعْدُ.”
قَالَ حَيْدَرُ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً بَدَتْ تَقْرِيبًا صَادِقَةً: “الْكُتَّابُ الْحَقِيقِيُّونَ، يَا كَنْعَانُ، هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يُلَاحِظُونَ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يَتَجَاوَزُهَا الْآخَرُونَ. أَنَا، أَيْضًا، بِحُكْمِ عَمَلِي، أَضْطَرُّ أَنْ أَكُونَ مُلَاحِظًا جَيِّدًا.” تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ عَادَتْ فَجْأَةً إِلَى بَرْدِهَا الْمُعْتَادِ: “لَكِنْ دَعْنَا نَعُدْ إِلَى مَوْضُوعِنَا.”
اسْتَمَرَّ الْحَدِيثُ لِسَاعَتَيْنِ إِضَافِيَّتَيْنِ، تَنَقَّلَ خِلَالَهُمَا حَيْدَرُ بَيْنَ أَسْئِلَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ: عَنْ عَائِلَةِ كَنْعَانَ، عَنْ أَصْدِقَائِهِ فِي الْجَامِعَةِ، عَنْ جِيرَانِهِ، وَعَنْ عَائِلَةٍ بِعَيْنِهَا، ذُكِرَتْ بِشَكْلٍ عَابِرٍ فِي مُنْتَصَفِ الْحَدِيثِ بِطَرِيقَةٍ بَدَتْ لِكَنْعَانَ غَيْرَ عَفْوِيَّةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ: عَائِلَةُ رَجُلٍ لُبْنَانِيِّ الْأَصْلِ، وَصَلَ حَدِيثًا إِلَى الْمَدِينَةِ، يُدْعَى السَّيِّدَ أَحْمَدَ.
سَأَلَهُ حَيْدَرُ، بِنَبْرَةٍ عَابِرَةٍ مُتَعَمَّدَةِ الْإِتْقَانِ: “أَظُنُّكَ تَعْرِفُ هَذِهِ الْعَائِلَةَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ سَمِعْتُ أَنَّ ابْنَتَهُمْ تَدْرُسُ فِي الْجَامِعَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَدْرُسُ فِيهَا.”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِقَلْبِهِ يَتَسَارَعُ، فَهَذَا الِاسْمُ لَمْ يَكُنِ اسْمًا عَابِرًا بِالنِّسْبَةِ لَهُ، فَقَدْ كَانَ قَدِ الْتَقَى، مُنْذُ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، بِابْنَتِهِ، فَتَاةٍ هَادِئَةِ الْمَلَامِحِ، عَمِيقَةِ النَّظَرَاتِ، اسْمُهَا مُنَى، فِي أَرْوِقَةِ الْجَامِعَةِ، وَبَدَأَتْ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ وَجَدَهَا كَنْعَانُ تَتَطَوَّرُ، دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ لِذَلِكَ، إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الصَّدَاقَةِ.
تَذَكَّرَ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، كَيْفَ بَدَأَتْ تِلْكَ الصَّدَاقَةُ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، فِي قَاعَةِ مُحَاضَرَاتٍ مُزْدَحِمَةٍ، حِينَ اسْتَعَارَتْ مِنْهُ مُنَى قَلَمًا نَسِيَتْ قَلَمَهَا فِي الْبَيْتِ، وَكَيْفَ اكْتَشَفَ، خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَكَرِّرَةِ، أَنَّ هَذِهِ الْفَتَاةَ تَمْلِكُ عَقْلًا نَادِرًا، فُضُولِيًّا، لَا يَخْشَى الْأَسْئِلَةَ الصَّعْبَةَ.
كَانَتْ مَكْتَبَةُ وَالِدِهَا، السَّيِّدِ أَحْمَدَ، قَدْ أَصْبَحَتْ، خِلَالَ تِلْكَ الْأَشْهُرِ، مَلَاذًا صَغِيرًا لِكَنْعَانَ وَمَجْمُوعَةٍ مِنْ أَصْدِقَائِهِ الْمُقَرَّبِينَ، مَكَانًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بَعْدَ الْمُحَاضَرَاتِ لِيَقْرَؤُوا، وَيَتَنَاقَشُوا، وَيَسْتَعِيرُوا كُتُبًا لَمْ يَكُونُوا لِيَجِدُوهَا فِي أَيَّةِ مَكْتَبَةٍ أُخْرَى فِي الْمَدِينَةِ. لَمْ يَكُنْ كَنْعَانُ، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ فِي الْغُرْفَةِ بِلَا نَوَافِذَ، قَدْ فَكَّرَ يَوْمًا أَنَّ هَذَا الْكَرَمَ الْبَسِيطَ قَدْ تَحَوَّلَ، فِي أَعْيُنِ جِهَازٍ لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرَاقِبُهُمْ، إِلَى شَيْءٍ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الِاهْتِمَامِ الْمُرْعِبِ.
حَاوَلَ كَنْعَانُ أَنْ يُبْقِيَ صَوْتَهُ هَادِئًا، مُحَايِدًا، وَقَالَ: “نَعَمْ، أَعْرِفُهُمْ بِشَكْلٍ سَطْحِيٍّ. عَائِلَةٌ مُحْتَرَمَةٌ، مِنْ جِيرَانِنَا فِي الْحَيِّ.”
قَالَ حَيْدَرُ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ الْبَارِدَةَ نَفْسَهَا: “بِالطَّبْعِ. لَكِنْ، كَمَا تَعْرِفُ يَا كَنْعَانُ، فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، حَتَّى الْعَائِلَاتُ الْمُحْتَرَمَةُ تَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى مَنْ يَطْمَئِنُّ عَلَى سَلَامَتِهَا، وَيَتَأَكَّدُ مِنْ أَنَّ لَا أَحَدَ يَسْتَغِلُّ حُسْنَ نِيَّتِهَا لِأَغْرَاضٍ قَدْ لَا تَكُونُ فِي مَصْلَحَةِ الْبَلَدِ.”
سَأَلَهُ حَيْدَرُ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، بِنَبْرَةٍ بَدَتْ أَكْثَرَ تَحْدِيدًا هَذِهِ الْمَرَّةَ: “كَمْ مَرَّةً تَزُورُ بَيْتَهُمْ فِي الْأُسْبُوعِ؟ وَمَنْ آخِرُ تَرَاهُ هُنَاكَ عَادَةً، غَيْرَكَ وَغَيْرَ ابْنَتِهِمْ؟”
أَجَابَ كَنْعَانُ، مُحَاوِلًا أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ تَكْرَارِ زِيَارَاتِهِ دُونَ أَنْ يَبْدُوَ كَاذِبًا بِشَكْلٍ صَرِيحٍ: “لَيْسَ بِانْتِظَامٍ، رُبَّمَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ، لِاسْتِعَارَةِ كِتَابٍ أَوْ إِعَادَتِهِ. لَا أَنْتَبِهُ كَثِيرًا لِمَنْ يَكُونُ هُنَاكَ.”
نَظَرَ إِلَيْهِ حَيْدَرُ نَظْرَةً طَوِيلَةً صَامِتَةً، ثُمَّ كَتَبَ شَيْئًا سَرِيعًا فِي الْمِلَفِّ أَمَامَهُ، دُونَ أَنْ يَشْرَحَ مَا كَتَبَهُ.
فِي السَّاعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الطَّوِيلِ، تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ حَيْدَرَ فَجْأَةً، مِنْ نَبْرَةِ الْأَسْئِلَةِ الْعَابِرَةِ إِلَى نَبْرَةٍ أَكْثَرَ مُبَاشَرَةً.
قَالَ، وَهُوَ يَمِيلُ قَلِيلًا إِلَى الْأَمَامِ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ: “كَنْعَانُ، سَأَكُونُ صَرِيحًا مَعَكَ، لِأَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّكَ شَابٌّ ذَكِيٌّ. نَحْنُ نَهْتَمُّ بِسَلَامَةِ الْجَمِيعِ، بِمَنْ فِيهِمْ عَائِلَةُ السَّيِّدِ أَحْمَدَ، خُصُوصًا أَنَّ الرَّجُلَ، كَمَا تَعْلَمُ، جَاءَ مِنْ بِيئَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ وَعَلَاقَاتٌ قَدْ تَجْذِبُ اهْتِمَامَ جِهَاتٍ لَا نَرْغَبُ فِي أَنْ تَتَغَلْغَلَ بَيْنَنَا.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ: “بِمَا أَنَّكَ مُقَرَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ، وَبِمَا أَنَّ ابْنَتَهُمْ تَثِقُ بِكَ، ظَنَنَّا أَنَّكَ قَدْ تَكُونُ قَادِرًا عَلَى مُسَاعَدَتِنَا فِي مُهِمَّةٍ بَسِيطَةٍ جِدًّا، لَا تَتَطَلَّبُ مِنْكَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ… حَاضِرًا. أَنْ تَزُورَهُمْ، كَمَا تَفْعَلُ عَادَةً، وَأَنْ تُصْغِيَ، وَأَنْ تَنْقُلَ لَنَا مَا يُقَالُ فِي تِلْكَ الْبُيُوتِ مِنْ أَحَادِيثَ قَدْ تَبْدُو عَادِيَّةً، لَكِنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ، مِنْ دُونِ أَنْ يُدْرِكَ أَصْحَابُهَا ذَلِكَ، مَعْلُومَاتٍ مُهِمَّةً لِسَلَامَةِ الْجَمِيعِ.”
فَهِمَ كَنْعَانُ الْآنَ، بِوُضُوحٍ كَامِلٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، مَا كَانَ يُطْلَبُ مِنْهُ: أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ زَائِرٍ بَرِيءٍ، مِنْ صَدِيقٍ يَثِقُ بِهِ أَهْلُ مُنَى، إِلَى أَدَاةِ مُرَاقَبَةٍ، عَيْنٍ خَفِيَّةٍ دَاخِلَ بَيْتٍ أَحَبَّهُ، وَأَحَبَّ ابْنَتَهُ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِلِاعْتِرَافِ بِهِ حَتَّى لِنَفْسِهِ.
مَرَّتْ فِي ذِهْنِهِ صُوَرٌ مُتَلَاحِقَةٌ: وَجْهُ مُنَى وَهِيَ تَضْحَكُ عَلَى مِزْحَةٍ عَابِرَةٍ، صَوْتُ السَّيِّدِ أَحْمَدَ وَهُوَ يَشْرَحُ لَهُمْ بِحَمَاسٍ قِصَّةَ أَحَدِ الْكُتُبِ النَّادِرَةِ، دِفْءُ ذَلِكَ الْبَيْتِ الَّذِي لَمْ يَشْعُرْ فِيهِ يَوْمًا أَنَّهُ غَرِيبٌ. وَفَكَّرَ، فِي الْمُقَابِلِ، فِي وَجْهِ وَالِدَتِهِ وَهِيَ تَتَمْتِمُ بِالْقُرْآنِ، وَفِي صَوْتِ وَالِدِهِ الْمُرْتَجِفِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ أَيَّةَ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا الْآنَ قَدْ تُحَدِّدُ مَصِيرَ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
فَكَّرَ كَنْعَانُ أَيْضًا، فِي تِلْكَ الثَّوَانِي الثَّقِيلَةِ، فِي نَفْسِهِ هُوَ، فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُصْبِحَ، فِي تِلْكَ الْأَحْلَامِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ عَنْ أَنْ يَكْتُبَ يَوْمًا رِوَايَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُقْرَأَ، وَتَسَاءَلَ، بِمَرَارَةٍ مُفَاجِئَةٍ، أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الْكُتَّابِ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ إِنْ بَدَأَ حَيَاتَهُ الْمِهْنِيَّةَ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ فِعْلِيًّا، بِخِيَانَةٍ صَغِيرَةٍ كَهَذِهِ.
حَاوَلَ أَنْ يَجِدَ كَلِمَاتٍ تَرْفُضُ هَذَا الطَّلَبَ دُونَ أَنْ تَبْدُوَ رَفْضًا صَرِيحًا، فَقَالَ: “لَسْتُ مُتَأَكِّدًا أَنَّنِي الشَّخْصُ الْمُنَاسِبُ لِهَذَا، سَيِّدِي. أَنَا مُجَرَّدُ طَالِبٍ، لَا خِبْرَةَ لِي فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأُمُورِ.”
ابْتَسَمَ حَيْدَرُ ابْتِسَامَةً أَعْمَقَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَقَالَ: “لَا نَحْتَاجُ مِنْكَ خِبْرَةً يَا كَنْعَانُ. نَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى شَخْصٍ مَوْثُوقٍ، شَخْصٍ لَدَيْهِ سَبَبٌ طَبِيعِيٌّ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ دُونَ أَنْ يُثِيرَ الشَّكَّ. وَأَنْتَ، بِحُكْمِ صَدَاقَتِكَ بِابْنَتِهِمْ، الشَّخْصُ الْمِثَالِيُّ لِهَذَا بِالضَّبْطِ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ شَخْصِيَّةً فَجْأَةً: “أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا يَبْدُو صَعْبًا الْآنَ، يَا كَنْعَانُ. لَكِنْ دَعْنِي أُخْبِرْكَ بِشَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ خِلَالَ سِنِيِّ عَمَلِي الطَّوِيلَةِ: كُلُّ إِنْسَانٍ، فِي لَحْظَةٍ مَا مِنْ حَيَاتِهِ، يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ وَلَائِهِ لِشَخْصٍ يُحِبُّهُ، وَوَلَائِهِ لِسَلَامَتِهِ الْخَاصَّةِ، وَلِسَلَامَةِ عَائِلَتِهِ. هَذَا لَيْسَ شَيْئًا اخْتَرَعْنَاهُ نَحْنُ، يَا بُنَيَّ، هَذَا قَانُونُ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا. نَحْنُ فَقَطْ نَجْعَلُكَ تُوَاجِهُ هَذَا الِاخْتِيَارَ أَبْكَرَ مِمَّا كُنْتَ تَتَوَقَّعُ.”
فَتَحَ دُرْجًا صَغِيرًا فِي الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ جِهَازًا صَغِيرًا، بِحَجْمِ عُلْبَةِ سَجَائِرَ تَقْرِيبًا، أَسْوَدَ اللَّوْنِ، وَوَضَعَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبَيْنَ كَنْعَانَ، وَقَالَ، بِنَبْرَةٍ بَاتَتِ الْآنَ رَسْمِيَّةً تَمَامًا: “هَذَا جِهَازُ تَسْجِيلٍ صَوْتِيٍّ، بَسِيطُ الِاسْتِخْدَامِ. كُلُّ مَا نَطْلُبُهُ مِنْكَ هُوَ أَنْ تَحْمِلَهُ مَعَكَ فِي زِيَارَاتِكَ الْقَادِمَةِ لِبَيْتِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ، وَأَنْ تَتْرُكَهُ يَعْمَلُ، وَأَنْ تُعِيدَهُ إِلَيْنَا بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ. هَذَا كُلُّ مَا فِي الْأَمْرِ.”
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى الْجِهَازِ الصَّغِيرِ الْأَسْوَدِ الْمُلْقَى عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ بَيْنَهُمَا، وَشَعَرَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ حَجْمِهِ الْفِعْلِيِّ.
سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ كَادَ يَخُونُهُ: “وَإِنْ رَفَضْتُ؟ مَاذَا سَيَحْدُثُ لِي؟ وَلَهُمْ؟”
نَظَرَ إِلَيْهِ حَيْدَرُ طَوِيلًا، وَقَالَ أَخِيرًا، بِنَبْرَةٍ لَمْ تَعُدْ وَدُودَةً وَلَا عِدَائِيَّةً، بَلْ بَارِدَةً تَمَامًا: “لَا أَحَدَ يُعَاقَبُ هُنَا لِمُجَرَّدِ الرَّفْضِ، يَا كَنْعَانُ. نَحْنُ لَسْنَا وُحُوشًا كَمَا يُحِبُّ الْبَعْضُ أَنْ يَتَخَيَّلَنَا. لَكِنْ، دَعْنِي أَقُلْ لَكَ بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ: مَنْ يَرْفُضُ التَّعَاوُنَ مَعَنَا، يَفْقِدُ فُرْصَةَ أَنْ يَكُونَ طَرَفًا نَحْمِي مَصَالِحَهُ. وَهَذَا لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّنَا سَنُؤْذِيهِ، لَكِنَّهُ يَعْنِي، عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَّنَا لَنْ نَكُونَ حَرِيصِينَ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ عَلَى حِمَايَتِهِ إِنْ وَجَدَ نَفْسَهُ، لِسَبَبٍ أَوْ لِآخَرَ، فِي مَوْقِفٍ صَعْبٍ مُسْتَقْبَلًا. هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْكَ، وَيَنْطَبِقُ، بِالتَّبَعِيَّةِ، عَلَى مَنْ حَوْلَكَ أَيْضًا.”
سَأَلَهُ، بِجُرْأَةٍ فَاجَأَتْهُ هُوَ نَفْسَهُ: “وَمَاذَا لَوْ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ شَيْئًا فِعْلًا عَنْ أَيِّ نَشَاطٍ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ؟”
نَظَرَ إِلَيْهِ حَيْدَرُ بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ، شِبْهِ مُتَعَاطِفَةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَقَالَ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا نُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَتَأَكَّدَ مِنْهُ، يَا كَنْعَانُ. إِنْ كُنْتَ مُحِقًّا، فَلَنْ تَجِدَ شَيْئًا لِتُخْبِرَنَا بِهِ، وَسَتَنْتَهِي هَذِهِ الْمُهِمَّةُ الصَّغِيرَةُ بِسُرْعَةٍ وَدُونَ أَيِّ تَعْقِيدٍ. لَكِنْ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَيْسَ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَكْتَشِفَهُ مَعًا؟”
قَالَ حَيْدَرُ، وَهُوَ يُلَاحِظُ تَرَدُّدَ كَنْعَانَ الْوَاضِحَ، بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ اكْتَسَبَتْ فَجْأَةً حِدَّةً: “لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا طَلَبٌ صَعْبٌ، يَا كَنْعَانُ. فَكِّرْ فِي الْأَمْرِ بِاعْتِبَارِهِ خِدْمَةً صَغِيرَةً تُقَدِّمُهَا لِبَلَدِكَ، لَا أَكْثَرَ. وَنَحْنُ، بِالْمُقَابِلِ، نَعْرِفُ كَيْفَ نُكَافِئُ مَنْ يُسَاعِدُنَا. تَمَامًا كَمَا نَعْرِفُ كَيْفَ نَتَذَكَّرُ مَنْ يَرْفُضُ التَّعَاوُنَ مَعَنَا، حَتَّى بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ.”
كَانَتْ تِلْكَ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ، بِهُدُوئِهَا الظَّاهِرِيِّ وَثِقْلِهَا الْحَقِيقِيِّ، كَافِيَةً لِتَجْعَلَ كَنْعَانَ يُدْرِكُ أَنَّ هَذَا اللِّقَاءَ لَمْ يَكُنْ، فِي حَقِيقَتِهِ، مُجَرَّدَ “حَدِيثٍ بَسِيطٍ” كَمَا وَصَفَهُ حَيْدَرُ فِي الْبِدَايَةِ، بَلْ كَانَ اخْتِبَارًا، وَرُبَّمَا بِدَايَةَ طَرِيقٍ طَوِيلٍ.
مَدَّ حَيْدَرُ الْجِهَازَ نَحْوَهُ أَكْثَرَ، عَبْرَ سَطْحِ الطَّاوِلَةِ الْمَعْدِنِيَّةِ الْبَارِدَةِ، وَكَانَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ يَدِ كَنْعَانَ وَيَدِ حَيْدَرَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَا تَتَجَاوَزُ بِضْعَةَ سَنْتِيمِتْرَاتٍ، لَكِنَّهَا بَدَتْ لِكَنْعَانَ أَشْبَهَ بِهُوَّةٍ كَامِلَةٍ، هُوَّةٍ سَيَكُونُ عُبُورُهَا، إِنْ حَدَثَ، بِمَثَابَةِ عُبُورٍ مِنْ نُسْخَةٍ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا. سَمِعَ، فِي تِلْكَ الثَّوَانِي الْمُعَلَّقَةِ، صَوْتَ الْمِصْبَاحِ الْمُعَلَّقِ فَوْقَ رَأْسِهِ يُصْدِرُ طَنِينًا خَفِيفًا بِالْكَادِ مَسْمُوعًا، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ الصَّغِيرَ التَّافِهَ سَيَبْقَى، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، مَحْفُورًا فِي ذَاكِرَتِهِ إِلَى جَانِبِ كُلِّ تَفْصِيلٍ آخَرَ مِنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ.
قَالَ حَيْدَرُ، بِابْتِسَامَةٍ أَخِيرَةٍ، هَادِئَةٍ تَمَامًا، لَكِنَّهَا الْأَشَدُّ إِخَافَةً مِنْ بَيْنِ كُلِّ ابْتِسَامَاتِهِ طَوَالَ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الطَّوِيلِ:
“خُذْهُ، يَا كَنْعَانُ. إِنَّهُ مُجَرَّدُ إِجْرَاءٍ وِقَائِيٍّ، لَا أَكْثَرَ.”
كَانَتْ تِلْكَ السَّاعَاتُ، بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي حَفَرَتْ نَفْسَهَا فِي ذَاكِرَتِهِ إِلَى الْأَبَدِ، هِيَ الْبِدَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِكُلِّ مَا سَيَتْبَعُهَا فِي حَيَاةِ كَنْعَانَ مُرَادٍ، بِدَايَةً لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَ، وَهُوَ الشَّابُّ الْجَالِسُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ بِلَا نَوَافِذَ، أَنَّهَا سَتَظَلُّ تُلَاحِقُهُ، بِصَمْتٍ، عَبْرَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الْهِجْرَةِ وَالزَّوَاجِ وَالْكِتَابَةِ وَالْأُبُوَّةِ، حَتَّى تَعُودَ، فَجْأَةً، فِي صَبَاحِ أَحَدٍ هَادِئٍ، عَلَى هَيْئَةِ حَبَّةِ دَوَاءٍ لَا تُشْبِهُ أَخَوَاتِهَا.
الفَصْلُ الخَامِسُ
مَرَّ أُسْبُوعٌ كَامِلٌ مُنْذُ زِيَارَةِ لُبْنَى المُفَاجِئَةِ، أُسْبُوعٌ طَوِيلٌ مَرَّ فِي بَيْتِ كَنْعَانَ وَوِدَادَ جَمِيعًا بِثِقَلٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، ثِقَلٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ صَرَاحَةً، لَكِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ مِنْ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ: فِي طَرِيقَةِ جُلُوسِهِمُ الصَّامِتَةِ عِنْدَ العَشَاءِ، فِي نَظَرَاتِ وِدَادَ المُتَفَحِّصَةِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تُحَاوِلُ إِخْفَاءَهَا، فِي شُرُودِ كَنْعَانَ الَّذِي أَصْبَحَ، مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا ذِكْرَيَاتِهِ حَتَّى الفَجْرِ، أَعْمَقَ وَأَطْوَلَ أَمَدًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي الأَسَابِيعِ الأُولَى مِنْ هَذِهِ القِصَّةِ كُلِّهَا.
كَانَتْ وِدَادُ، طَوَالَ ذَلِكَ الأُسْبُوعِ، تُرَاقِبُ زَوْجَهَا بِصَمْتٍ مُتَزَايِدِ القَلَقِ، تُلَاحِظُ كَيْفَ أَصْبَحَ يَنْهَضُ مِنْ فِرَاشِهِ فِي سَاعَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ذِي قَبْلُ، وَكَيْفَ أَصْبَحَ دَفْتَرُهُ الصَّغِيرُ الَّذِي اعْتَادَ أَنْ يَحْمِلَهُ مَعَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَبْدُو أَثْقَلَ، أَكْثَرَ امْتِلَاءً، وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ بَيْنَ صَفَحَاتِهِ وَزْنًا لَا تَسْتَطِيعُ هِيَ أَنْ تَرَاهُ لَكِنَّهَا تَشْعُرُ بِثِقَلِهِ فِي الهَوَاءِ المُحِيطِ بِزَوْجِهَا. لَمْ تَسْأَلْهُ مُبَاشَرَةً عَمَّا يَكْتُبُهُ، مُحْتَرِمَةً، كَعَادَتِهَا، تِلْكَ المَسَاحَةَ الخَاصَّةَ الَّتِي طَالَمَا احْتَرَمَتْهَا بَيْنَهُمَا، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي ثَلَاثِينَ عَامًا مِنْ زَوَاجِهِمَا، تَشْعُرُ أَنَّ احْتِرَامَ تِلْكَ المَسَاحَةِ أَصْبَحَ، هُوَ نَفْسُهُ، عِبْئًا يُثْقِلُ كَاهِلَهَا بِقَدْرِ مَا يُثْقِلُ كَاهِلَهُ.
كَانَتْ لُبْنَى قَدِ اتَّصَلَتْ مَرَّتَيْنِ خِلَالَ ذَلِكَ الأُسْبُوعِ، بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يَبْدُوَ مُطْمَئِنًّا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، تَسْأَلُ عَنْ حَالِ وَالِدَيْهَا دُونَ أَنْ تَضْغَطَ كَثِيرًا، مُدْرِكَةً أَنَّ وَالِدَهَا يَحْتَاجُ وَقْتًا لَمْ تَسْتَطِعْ هِيَ، رَغْمَ كُلِّ إِلْحَاحِ فُضُولِهَا المِهْنِيِّ، أَنْ تَمْنَحَهُ إِيَّاهُ بِسُهُولَةٍ. أَخْبَرَتْهُمَا، فِي المُكَالَمَةِ الأَخِيرَةِ، أَنَّهَا لَا تَزَالُ تُتَابِعُ الخَيْطَ مَعَ زَمِيلَتِهَا هِيلْغَا، لَكِنْ دُونَ أَنْ تَجِدَ جَدِيدًا مُهِمًّا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُقْلِقَهُمَا بِهِ الآنَ، وَأَنَّهَا سَتَزُورُهُمَا قَرِيبًا مُجَدَّدًا لِمُوَاصَلَةِ الحَدِيثِ الَّذِي بَدَأَتْهُ.
لَمْ يَكُنْ كَنْعَانُ قَدْ شَارَكَ وِدَادَ بَعْدُ كُلَّ مَا كَتَبَهُ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخْبَرَهَا بِاسْمِ حَيْدَرَ، وَلَا بِغُرْفَةِ الاسْتِجْوَابِ، وَلَا بِذَلِكَ الجِهَازِ الأَسْوَدِ الصَّغِيرِ الَّذِي مُدَّ إِلَيْهِ عَبْرَ طَاوِلَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ بَارِدَةٍ قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا. كَانَ قَدْ وَعَدَ لُبْنَى، وَوَعَدَ نَفْسَهُ، أَنَّ “القِصَّةَ الكَامِلَةَ” سَتَأْتِي قَرِيبًا، لَكِنَّهُ، كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنْ لَحْظَةِ البَوْحِ، وَجَدَ نَفْسَهُ يَتَرَاجَعُ، خَائِفًا لَيْسَ مِنْ رَدِّ فِعْلِ وِدَادَ، بَلْ مِنْ فِعْلِ الكَلَامِ نَفْسِهِ، مِنْ تَحْوِيلِ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ مِنْ كَوَابِيسَ صَامِتَةٍ يَعِيشُهَا وَحْدَهُ إِلَى حَقِيقَةٍ مُعْلَنَةٍ لَنْ يَسْتَطِيعَ، بِمُجَرَّدِ نُطْقِهَا، أَنْ يُعِيدَهَا إِلَى صَمْتِهَا القَدِيمِ.
كَانَ يَشْعُرُ، فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالحِدَادِ المُسْبَقِ، حِدَادًا عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ النَّقِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ وِدَادُ تَحْمِلُهَا عَنْهُ طَوَالَ ثَلَاثِينَ عَامًا: صُورَةَ الرَّجُلِ الهَادِئِ، المُتَصَالِحِ مَعَ مَاضِيهِ، الَّذِي لَمْ يُخْطِئْ يَوْمًا خَطَأً أَخْلَاقِيًّا جَسِيمًا يَسْتَحِقُّ الخَجَلَ. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ، مَهْمَا كَانَتْ غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ، كَانَتْ حَقِيقِيَّةً بِقَدْرِ مَا كَانَتْ غَيْرَ كَامِلَةٍ، وَأَنَّهُ، بِمُجَرَّدِ أَنْ يَرْوِيَ لَهَا قِصَّةَ تِلْكَ الغُرْفَةِ بِلَا نَوَافِذَ، وَذَلِكَ الجِهَازِ الأَسْوَدِ الصَّغِيرِ، سَيَضْطَرُّ لِأَنْ يُوَاجِهَ سُؤَالًا لَمْ يَجْرُؤْ حَتَّى عَلَى طَرْحِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ: هَلْ سَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وِدَادُ، بَعْدَ أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي نَظَرَتْ بِهَا إِلَيْهِ طَوَالَ هَذِهِ العُقُودِ؟
فِي صَبَاحِ ذَلِكَ الِاثْنَيْنِ، قَرَّرَ كَنْعَانُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الصَّيْدَلِيَّةِ القَرِيبَةِ مِنْ بَيْتِهِ، تِلْكَ الصَّيْدَلِيَّةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يَتَعَامَلُ مَعَهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، يُدِيرُهَا صَيْدَلَانِيٌّ أَلْمَانِيٌّ وَدُودٌ يُدْعَى هِيرَ فُولْفَ، رَجُلٌ فِي الخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، عَرَفَ كَنْعَانَ وَوِدَادَ جَيِّدًا عَبْرَ السِّنِينَ، وَكَانَ يَسْتَقْبِلُهُمَا دَائِمًا بِابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ وَحَدِيثٍ قَصِيرٍ وَدُودٍ عَنِ الطَّقْسِ أَوْ عَنْ آخِرِ أَخْبَارِ الحَيِّ.
كَانَ الدُّكْتُورُ شِتْرَاوْسُ قَدِ اتَّصَلَ بِكَنْعَانَ قَبْلَ يَوْمَيْنِ، بَعْدَ أَنْ وَصَلَتْهُ نَتَائِجُ المَخْتَبَرِ بِخُصُوصِ الحَبَّةِ السَّابِعَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا لِلْفَحْصِ، وَأَخْبَرَهُ بِنَتِيجَةٍ غَامِضَةٍ، مُقْلِقَةٍ فِي غُمُوضِهَا أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهَا مُقْلِقَةً فِي مُحْتَوَاهَا المُبَاشِرِ: الحَبَّةُ، كَمَا أَكَّدَ المَخْتَبَرُ، كَانَتْ تَحْتَوِي فِعْلًا عَلَى المَادَّةِ الفَعَّالَةِ الصَّحِيحَةِ، بِالجُرْعَةِ الصَّحِيحَةِ تَمَامًا، دُونَ أَيَّةِ إِضَافَةٍ ضَارَّةٍ أَوْ مَادَّةٍ غَرِيبَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُفَسِّرَ القَلَقَ الَّذِي أَثَارَتْهُ مُنْذُ البِدَايَةِ. “مِنَ النَّاحِيَةِ الطِّبِّيَّةِ البَحْتَةِ،” كَمَا قَالَ الدُّكْتُورُ شِتْرَاوْسُ بِصَوْتٍ لَمْ يُخْفِ حَيْرَتَهُ، “لَا يُوجَدُ أَيُّ خَطَرٍ مِنْ هَذِهِ الحَبَّةِ. لَكِنَّ هَذَا لَا يُفَسِّرُ لِمَاذَا وَصَلَتْ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ، وَلَا لِمَاذَا يُظْهِرُ سِجِلُّ النِّظَامِ تَجْدِيدًا إِلِكْتِرُونِيًّا لَمْ أَقُمْ بِهِ أَنَا شَخْصِيًّا.”
كَانَ صَوْتُ الدُّكْتُورِ شِتْرَاوْسَ، خِلَالَ تِلْكَ المُكَالَمَةِ، يَحْمِلُ نَبْرَةً لَمْ يَعْتَدْهَا كَنْعَانُ مِنْهُ طَوَالَ سَنَوَاتِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، نَبْرَةَ رَجُلٍ مُعْتَادٍ عَلَى اليَقِينِ العِلْمِيِّ يَجِدُ نَفْسَهُ، فَجْأَةً، أَمَامَ لُغْزٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ بِأَدَوَاتِهِ المُعْتَادَةِ. أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَوَاصَلَ بِنَفْسِهِ مَعَ شَرِكَةِ التَّأْمِينِ الصِّحِّيِّ لِلِاسْتِفْسَارِ عَنْ هَذَا التَّجْدِيدِ الغَرِيبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ عَلَى إِجَابَةٍ وَاضِحَةٍ، وَأَضَافَ، قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ المُكَالَمَةَ، جُمْلَةً ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِ كَنْعَانَ طَوَالَ اليَوْمَيْنِ التَّالِيَيْنِ: “أُسْتَاذَ مُرَادٍ، فِي كُلِّ سَنَوَاتِ مُمَارَسَتِي لِهَذِهِ المِهْنَةِ، لَمْ أُوَاجِهْ حَالَةً مُشَابِهَةً لِهَذِهِ مِنْ قَبْلُ. عَادَةً، حِينَ يَحْدُثُ خَطَأٌ فِي الوَصْفَاتِ، يَكُونُ خَطَأً بَشَرِيًّا وَاضِحًا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ بِسُهُولَةٍ. لَكِنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ بِالذَّاتِ يَبْدُو… مَدْرُوسًا، بِطَرِيقَةٍ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصِفُهَا بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ. وَكَأَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا يَفْعَلُ، وَلِمَاذَا.”
كَانَ هَذَا الغُمُوضُ بِالذَّاتِ، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ اكْتِشَافٍ مُقْلِقٍ مُبَاشِرٍ، هُوَ مَا دَفَعَ كَنْعَانَ إِلَى الصَّيْدَلِيَّةِ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ.
اسْتَقْبَلَهُ هِيرَ فُولْفَ بِابْتِسَامَتِهِ المُعْتَادَةِ، خَلْفَ طَاوِلَةِ الصَّيْدَلِيَّةِ الرُّخَامِيَّةِ اللَّامِعَةِ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَحَالِ وِدَادَ بِلُطْفٍ اعْتَادَ كَنْعَانُ عَلَيْهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. قَالَ كَنْعَانُ، بَعْدَ التَّحِيَّاتِ المُعْتَادَةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَجْعَلَ سُؤَالَهُ يَبْدُو عَادِيًّا: “هِيرَ فُولْفَ، أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ آخِرِ عَمَلِيَّةِ تَجْدِيدٍ لِوَصْفَتِي الطِّبِّيَّةِ، دَوَاءَ تَنْظِيمِ القَلْبِ تَحْدِيدًا. هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَحَقَّقَ مِنْ تَارِيخِ آخِرِ تَجْدِيدٍ، وَمِنَ الجِهَةِ الَّتِي طَلَبَتْهُ؟”
نَظَرَ إِلَيْهِ هِيرَ فُولْفَ بِفُضُولٍ مِهْنِيٍّ مُعْتَادٍ، وَبَدَأَ يَكْتُبُ عَلَى لَوْحَةِ مَفَاتِيحِ حَاسُوبِهِ. تَوَقَّفَ فَجْأَةً عَنِ الكِتَابَةِ، وَحَدَّقَ فِي الشَّاشَةِ بِتَرْكِيزٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، ثُمَّ قَالَ، بِنَبْرَةٍ تَغَيَّرَتْ قَلِيلًا: “هَذَا غَرِيبٌ. النِّظَامُ يُظْهِرُ أَنَّ الوَصْفَةَ جُدِّدَتْ إِلِكْتِرُونِيًّا قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ تَقْرِيبًا، عَبْرَ بَوَّابَةِ الوَصَفَاتِ الرَّقْمِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِمَكْتَبِ الدُّكْتُورِ شِتْرَاوْسَ. لَكِنَّ الغَرِيبَ هُوَ أَنَّ الجُرْعَةَ المُسَجَّلَةَ فِي هَذَا التَّجْدِيدِ تَخْتَلِفُ قَلِيلًا عَنِ الجُرْعَةِ المُسَجَّلَةِ فِي الوَصْفَةِ الأَصْلِيَّةِ الوَرَقِيَّةِ الَّتِي وَقَّعَهَا الدُّكْتُورُ شِتْرَاوْسُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ عَامَيْنِ.”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ، وَسَأَلَ: “تَخْتَلِفُ كَيْفَ؟”
قَالَ هِيرَ فُولْفَ، وَهُوَ يُدِيرُ الشَّاشَةَ قَلِيلًا نَحْوَ كَنْعَانَ: “لَيْسَتْ جُرْعَةَ الدَّوَاءِ الأَسَاسِيِّ نَفْسَهَا، بَلْ مُكَوِّنٌ إِضَافِيٌّ بَسِيطٌ، مَادَّةٌ مُسَاعِدَةٌ تُسْتَخْدَمُ أَحْيَانًا لِتَغْيِيرِ طَرِيقَةِ امْتِصَاصِ الدَّوَاءِ فِي الجَسَدِ، تُضَافُ عَادَةً لِأَسْبَابٍ طِبِّيَّةٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا، حَالَاتٍ نَادِرَةٍ مُعَيَّنَةٍ. لَا أَرَى فِي مِلَفِّكَ أَيَّ سَبَبٍ طِبِّيٍّ مُسَجَّلٍ يُبَرِّرُ إِضَافَةَ هَذِهِ المَادَّةِ بِالذَّاتِ. عَادَةً، حِينَ يَطْلُبُ الطَّبِيبُ مِثْلَ هَذَا التَّعْدِيلِ، يُرْفَقُ مَعَهُ مُلَاحَظَةٌ تَوْضِيحِيَّةٌ فِي النِّظَامِ، لَكِنَّ هَذَا التَّجْدِيدَ لَمْ يَحْمِلْ أَيَّةَ مُلَاحَظَةٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَكَأَنَّهُ تَعْدِيلٌ تِقْنِيٌّ بَحْتٌ، لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِقَرَارٍ طِبِّيٍّ فِعْلِيٍّ.”
سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا: “هَلْ يُمْكِنُ لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يُعَدِّلَ وَصْفَةً طِبِّيَّةً إِلِكْتِرُونِيَّةً بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟”
فَكَّرَ هِيرَ فُولْفَ قَلِيلًا: “مِنَ النَّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ، هَذَا النِّظَامُ مَحْمِيٌّ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ جِدًّا، يَتَطَلَّبُ دُخُولَ الطَّبِيبِ نَفْسِهِ بِرَمْزٍ خَاصٍّ بِهِ. مِنَ الصَّعْبِ جِدًّا أَنْ يَتَدَخَّلَ طَرَفٌ خَارِجِيٌّ فِي هَذَا النِّظَامِ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا وَاضِحًا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ. لَكِنْ، بِصَرَاحَةٍ يَا أُسْتَاذَ مُرَادٍ، لَسْتُ خَبِيرًا تِقْنِيًّا.” أَضَافَ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ: “أَعْمَلُ فِي هَذِهِ المِهْنَةِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، وَرَأَيْتُ أَخْطَاءً كَثِيرَةً فِي الأَنْظِمَةِ، لَكِنَّ مَا أَرَاهُ فِي مِلَفِّكَ لَا يُشْبِهُ أَيًّا مِنْ هَذِهِ الأَخْطَاءِ المُعْتَادَةِ. يَبْدُو أَكْثَرَ تَحْدِيدًا، أَكْثَرَ… تَعَمُّدًا. لَا أُرِيدُ أَنْ أُخِيفَكَ دُونَ دَاعٍ، لَكِنَّنِي أُفَضِّلُ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا مَعَكَ.”
اقْتَرَحَ هِيرَ فُولْفَ أَنْ يَتَّصِلَ بِشَرِكَةِ التَّأْمِينِ الصِّحِّيِّ مُبَاشَرَةً، فَهُمْ وَحْدَهُمْ مَنْ يَمْلِكُونَ السِّجِلَّاتِ التِّقْنِيَّةَ الكَامِلَةَ.
شَكَرَ كَنْعَانُ هِيرَ فُولْفَ عَلَى وَقْتِهِ وَصَرَاحَتِهِ، وَغَادَرَ الصَّيْدَلِيَّةَ بِخُطًى بَطِيئَةٍ، وَالشَّمْسُ البَاهِتَةُ لِذَلِكَ النَّهَارِ الخَرِيفِيِّ تُلْقِي ظِلَالًا طَوِيلَةً عَلَى الرَّصِيفِ أَمَامَهُ، وَشَعَرَ، وَهُوَ يَمْشِي، أَنَّ الأَرْضَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، تِلْكَ الأَرْضَ الأَلْمَانِيَّةَ الآمِنَةَ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا حَيَاتَهُ الجَدِيدَةَ طَوَالَ أَرْبَعَةِ عُقُودٍ، بَدَأَتْ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى، تُشْعِرُهُ بِعَدَمِ يَقِينٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا.
سَارَ كَنْعَانُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى البَيْتِ عَبْرَ الحَدِيقَةِ العَامَّةِ نَفْسِهَا الَّتِي اعْتَادَ أَنْ يَتَنَزَّهَ فِيهَا مَعَ وِدَادَ كُلَّ صَبَاحِ أَحَدٍ، لَكِنَّهُ، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بِالذَّاتِ، لَمْ يَجِدْ فِيهَا نَفْسَ الطُّمَأْنِينَةِ المُعْتَادَةِ. لَاحَظَ، بِعَيْنٍ لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تُلَاحِظَ مِثْلَ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مِنْ قَبْلُ، كُلَّ سَيَّارَةٍ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، كُلَّ شَخْصٍ يَسِيرُ خَلْفَهُ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ. شَعَرَ بِسُخْرِيَةٍ مَرِيرَةٍ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ يُلَاحِظُ هَذَا التَّحَوُّلَ فِي سُلُوكِهِ: الرَّجُلُ الَّذِي قَضَى أَرْبَعِينَ عَامًا يَبْنِي حَيَاةً هَادِئَةً بَعِيدَةً عَنِ الخَوْفِ، أَصْبَحَ، فِي غُضُونِ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، يَفْحَصُ كُلَّ تَفْصِيلٍ مِنْ مُحِيطِهِ بِحَذَرِ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُرَاقَبٌ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ قُرْبَ البُحَيْرَةِ، المَقْعَدِ نَفْسِهِ الَّذِي جَلَسَ عَلَيْهِ مَعَ وِدَادَ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ البَعِيدِ نِسْبِيًّا الآنَ حِينَ بَدَأَتْ هَذِهِ القِصَّةُ كُلُّهَا بِحَبَّةِ دَوَاءٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ، وَجَلَسَ هُنَاكَ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، يُرَاقِبُ سَطْحَ المَاءِ الهَادِئَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَعِيدَ بَعْضًا مِنَ الهُدُوءِ. لَكِنَّ الهُدُوءَ، كَمَا أَدْرَكَ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ، لَمْ يَعُدْ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ فِي مُتَنَاوَلِهِ، فَقَدْ تَغَيَّرَ شَيْءٌ جَوْهَرِيٌّ فِي دَاخِلِهِ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي فَتَحَ فِيهَا عُلْبَةَ الدَّوَاءِ وَوَجَدَ الحَبَّةَ السَّابِعَةَ مُخْتَلِفَةً عَنْ أَخَوَاتِهَا.
بَيْنَمَا كَانَ كَنْعَانُ فِي الصَّيْدَلِيَّةِ ثُمَّ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ الطَّوِيلِ، كَانَتْ وِدَادُ فِي البَيْتِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَشْغَلَ نَفْسَهَا بِأَعْمَالٍ مَنْزِلِيَّةٍ مُعْتَادَةٍ، لَكِنَّهَا وَجَدَتْ نَفْسَهَا، مِرَارًا، تَتَوَقَّفُ عَمَّا تَفْعَلُهُ لِتَنْظُرَ مِنَ النَّافِذَةِ، تُرَاقِبُ الشَّارِعَ الهَادِئَ فِي الخَارِجِ، وَتَتَسَاءَلُ، بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، عَنِ الوَقْتِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُهُ كَنْعَانُ. كَانَتْ قَدْ بَدَأَتْ، مُنْذُ أَيَّامٍ، تَحْمِلُ هَاتِفَهَا مَعَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي البَيْتِ، بِحَذَرٍ لَمْ تَعْرِفْهُ فِي نَفْسِهَا مِنْ قَبْلُ.
جَلَسَتْ وِدَادُ، فِي إِحْدَى تِلْكَ اللَّحَظَاتِ مِنَ الِانْتِظَارِ القَلِقِ، عَلَى كُرْسِيِّ المَطْبَخِ، وَأَمْسَكَتْ بِفِنْجَانِ قَهْوَتِهَا البَارِدَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا دُونَ أَنْ تَشْرَبَهُ، وَسَمَحَتْ لِنَفْسِهَا، للحظاتٍ قَلِيلَةٍ، أَنْ تَسْتَحْضِرَ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ خِلَالَ الأَسَابِيعِ المَاضِيَةِ: الأَرَقُ، وَالأَلْبُومُ، وَالمُغَلَّفُ الأَصْفَرُ المُخَبَّأُ، وَالمُكَالَمَةُ الصَّامِتَةُ، وَالمِلَفُّ الأَمْنِيُّ الَّذِي وَجَدَتْهُ لُبْنَى، وَالآنَ هَذِهِ الوَصْفَةُ المُعَدَّلَةُ. شَعَرَتْ، وَهِيَ تَجْمَعُ كُلَّ هَذِهِ الخُيُوطِ فِي ذِهْنِهَا، بِيَقِينٍ مُتَزَايِدٍ أَنَّ حَيَاتَهَا، تِلْكَ الحَيَاةَ الهَادِئَةَ المُسْتَقِرَّةَ الَّتِي بَنَتْهَا بِعِنَايَةٍ مَعَ كَنْعَانَ طَوَالَ ثَلَاثِينَ عَامًا، كَانَتْ، طَوَالَ الوَقْتِ، تَقِفُ عَلَى أَسَاسٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَامِلَ صَلَابَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ.
حِينَ عَادَ كَنْعَانُ أَخِيرًا، لَاحَظَتْ وِدَادُ فَوْرًا التَّغَيُّرَ فِي مَلَامِحِ وَجْهِهِ، وَسَأَلَتْهُ: “كَيْفَ سَارَ الأَمْرُ؟ هَلْ وَجَدْتَ إِجَابَةً؟”
جَلَسَا مَعًا فِي المَطْبَخِ، وَأَخْبَرَهَا كَنْعَانُ بِمَا اكْتَشَفَهُ. شَاهَدَ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ، كَيْفَ كَانَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهَا تَتَغَيَّرُ تَدْرِيجِيًّا مِنَ القَلَقِ العَامِّ إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ، أَقْرَبَ إِلَى الخَوْفِ الحَقِيقِيِّ المَكْتُومِ. سَأَلَتْهُ وِدَادُ، حِينَ انْتَهَى مِنْ سَرْدِ التَّفَاصِيلِ: “كَنْعَانُ، هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا مُرْتَبِطٌ بِذَلِكَ المِلَفِّ الَّذِي وَجَدَتْهُ لُبْنَى؟ بِذَلِكَ الِاسْمِ، حَيْدَرَ؟”
تَوَقَّفَ كَنْعَانُ عَنِ الحَدِيثِ لِلَحْظَةٍ، وَشَعَرَ بِمُفَاجَأَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ أَنَّ وِدَادَ، رَغْمَ كُلِّ مَا لَمْ يُخْبِرْهَا بِهِ بَعْدُ بِالتَّفْصِيلِ، كَانَتْ قَدْ بَدَأَتْ تَرْبُطُ الخُيُوطَ بِنَفْسِهَا. قَالَ: “أَعْتَقِدُ ذَلِكَ، نَعَمْ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وِدَادُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَالَتْ: “إِذَنْ، حَانَ الوَقْتُ أَنْ تُخْبِرَنِي مَنْ هُوَ، كَنْعَانُ. لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي التَّخْمِينِ وَحْدِي بَعْدَ الآنَ.”
بَعْدَ ظُهْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَلِيلٍ، رَنَّ هَاتِفُ كَنْعَانَ، وَكَانَ الِاسْمُ الظَّاهِرُ هُوَ “لُبْنَى”. سَأَلَتْهُ فَوْرًا: “أَبِي، صَوْتُكَ غَرِيبٌ. هَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟”
تَرَدَّدَ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِإِيجَازٍ عَنِ اكْتِشَافِهِ فِي الصَّيْدَلِيَّةِ، عَنِ الوَصْفَةِ المُعَدَّلَةِ إِلِكْتِرُونِيًّا مِنْ مَصْدَرٍ مَجْهُولٍ خَارِجَ أَلْمَانِيَا. صَمَتَتْ لُبْنَى لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتٍ أَصْبَحَ فَجْأَةً أَكْثَرَ جِدِّيَّةً: “أَبِي، هَذَا يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. هَذَا لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مِلَفٍّ قَدِيمٍ فِي أَرْشِيفٍ مَنْسِيٍّ، هَذَا تَدَخُّلٌ مُبَاشِرٌ وَحَدِيثٌ فِي حَيَاتِكَ اليَوْمِيَّةِ. هَلْ أَخْبَرْتَ الشُّرْطَةَ؟”
قَالَ كَنْعَانُ: “لَيْسَ بَعْدُ. كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ حَجْمَ الأَمْرِ أَوَّلًا.”
قَالَتْ لُبْنَى، بِإِلْحَاحٍ وَاضِحٍ: “أَبِي، أَرْجُوكَ، لَا تَنْتَظِرْ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. شَخْصٌ مَا، فِي مَكَانٍ مَا، يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى التَّدَخُّلِ فِي أَدَقِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِكَ الطِّبِّيَّةِ.”
سَأَلَهَا كَنْعَانُ، بِقَلَقٍ أَبَوِيٍّ وَاضِحٍ: “وَأَنْتِ؟ هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟”
تَرَدَّدَتْ لُبْنَى: “لَا شَيْءَ مُحَدَّدٌ، أَبِي، فَقَطْ شُعُورٌ غَرِيبٌ أَحْيَانًا أَنَّنِي أُتَابَعُ، لَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُجَرَّدَ تَوَتُّرٍ.” أَضَافَتْ، بِمُحَاوَلَةِ مَزْحَةٍ خَفِيفَةٍ: “رُبَّمَا بَدَأْتُ أَرَى أَشْبَاحًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، عَرَضٌ جَانِبِيٌّ مِنْ مِهْنَةِ الصَّحَافَةِ الِاسْتِقْصَائِيَّةِ.”
لَمْ يَضْحَكْ كَنْعَانُ عَلَى تِلْكَ المَزْحَةِ، بَلْ سَأَلَهَا بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ عَنْ طَبِيعَةِ ذَلِكَ الشُّعُورِ، فَأَجَابَتْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مُحَدَّدٌ بِمَا يَكْفِي لِتَصِفَهُ بِدِقَّةٍ. قَالَتْ لُبْنَى، قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ المُكَالَمَةَ: “سَأَتَّصِلُ بِتُومَاسَ لِأَرَى إِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَحَدًا مُتَخَصِّصًا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّهْدِيدَاتِ الرَّقْمِيَّةِ. وَأَرْجُوكَ، أَخْبِرْ أُمِّي بِكُلِّ شَيْءٍ.”
قَضَى كَنْعَانُ بَقِيَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ فِي مُحَاوَلَاتٍ مُتَكَرِّرَةٍ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ شَرِكَةِ التَّأْمِينِ الصِّحِّيِّ، فَانْتَظَرَ لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ سَاعَةٍ فِي طَابُورِ انْتِظَارٍ مُوسِيقِيٍّ رَتِيبٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَهُ مُوَظَّفٌ أَخْبَرَهُ، بِأُسْلُوبٍ بِيرُوقْرَاطِيٍّ مُهَذَّبٍ، أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِفْسَارَاتِ يَتَطَلَّبُ طَلَبًا خَطِّيًّا رَسْمِيًّا، وَأَنَّ الرَّدَّ قَدْ يَسْتَغْرِقُ أَسْبُوعَيْنِ إِلَى ثَلَاثَةٍ.
عَادَ إِلَى بَيْتِهِ فِي المَسَاءِ، مُرْهَقًا، وَأَخْبَرَ وِدَادَ، أَخِيرًا، بِتَفَاصِيلِ مَا اكْتَشَفَهُ، دُونَ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدُ أَيَّ شَيْءٍ عَنْ حَيْدَرَ أَوْ عَنْ مَاضِيهِ. جَلَسَتْ وِدَادُ أَمَامَهُ عَلَى الأَرِيكَةِ، وَأَصْغَتْ بِصَمْتٍ تَامٍّ. حِينَ انْتَهَى، قَالَتْ لَهُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ: “كَنْعَانُ، حَانَ الوَقْتُ لِتُخْبِرَنِي بِكُلِّ شَيْءٍ. أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ الصُّورَةَ الكَامِلَةَ، مَهْمَا كَانَتْ ثَقِيلَةً.”
مَدَّتْ وِدَادُ يَدَهَا، وَوَضَعَتْهَا عَلَى يَدِهِ البَارِدَةِ، وَقَالَتْ: “لَسْتُ خَائِفَةً مِنَ الحَقِيقَةِ، كَنْعَانُ، مَهْمَا كَانَتْ. أَنَا خَائِفَةٌ فَقَطْ مِنْ أَنْ أَرَاكَ تَحْمِلُهَا وَحْدَكَ.”
لَكِنَّهُ، قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الحَدِيثَ، طَلَبَ مِنْهَا مُهْلَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ إِضَافِيٍّ، لِيَتَأَكَّدَ أَوَّلًا مِنْ نَتِيجَةِ اتِّصَالِهِ بِشَرِكَةِ التَّأْمِينِ. وَافَقَتْ وِدَادُ، بِتَرَدُّدٍ وَاضِحٍ، لَكِنَّهَا أَضَافَتْ: “يَوْمًا وَاحِدًا فَقَطْ، كَنْعَانُ. لَا أَكْثَرَ.”
فِي اليَوْمِ التَّالِي، تَمَكَّنَ كَنْعَانُ أَخِيرًا مِنَ الوُصُولِ إِلَى مُوَظَّفَةٍ فِي قِسْمِ الدَّعْمِ التِّقْنِيِّ، تُدْعَى فْرَاوَ شْمِيتَ، اسْتَمَعَتْ إِلَى تَفَاصِيلِ حَالَتِهِ بِصَبْرٍ، وَبَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ هُوِيَّتِهِ، بَحَثَتْ فِي السِّجِلَّاتِ، وَقَالَتْ، بِنَبْرَةٍ حَذِرَةٍ: “أُسْتَاذَ مُرَادٍ، أَرَى فِي السِّجِلِّ أَنَّ التَّعْدِيلَ تَمَّ مِنْ عُنْوَانِ IP خَارِجَ أَلْمَانِيَا، مِنْ خَادِمٍ يَبْدُو أَنَّهُ مُسَجَّلٌ فِي دَوْلَةٍ أُخْرَى. لَسْتُ مُخَوَّلَةً بِإِخْبَارِكَ بِالتَّفَاصِيلِ الكَامِلَةِ عَبْرَ الهَاتِفِ، لَكِنَّنِي أُؤَكِّدُ لَكَ أَنَّ هَذَا التَّعْدِيلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ عِيَادَةِ الدُّكْتُورِ شِتْرَاوْسَ.”
سَأَلَهَا كَنْعَانُ: “هَلْ يُمْكِنُكُمْ إِخْبَارِي مِنْ أَيَّةِ دَوْلَةٍ تَحْدِيدًا؟”
قَالَتْ، بَعْدَ تَرَدُّدٍ: “لَا أَسْتَطِيعُ تَأْكِيدَ هَذَا رَسْمِيًّا عَبْرَ الهَاتِفِ، لَكِنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَنْصَحَكَ بِتَقْدِيمِ شَكْوَى رَسْمِيَّةٍ، وَرُبَّمَا التَّوَاصُلِ مَعَ الشُّرْطَةِ.”
سَأَلَهَا كَنْعَانُ: “لَكِنْ أَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ يُمْكِنُكِ فِعْلُهُ الآنَ لِحِمَايَةِ مِلَفِّي؟”
قَالَتْ فْرَاوَ شْمِيتَ: “بِالتَّأْكِيدِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَضَعَ عَلَامَةً أَمْنِيَّةً خَاصَّةً عَلَى مِلَفِّكَ الآنَ، تَتَطَلَّبُ تَحَقُّقًا إِضَافِيًّا يَدَوِيًّا مِنْ أَيِّ تَعْدِيلٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ. سَأَقُومُ بِذَلِكَ فَوْرًا.”
شَكَرَهَا كَنْعَانُ بِامْتِنَانٍ صَادِقٍ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مَكْتَبِهِ طَوِيلًا، يُحَدِّقُ فِي الحَائِطِ أَمَامَهُ، مُدْرِكًا أَنَّ مَا كَانَ يَشْعُرُ بِهِ مِنْ قَلَقٍ طَوَالَ الأَسَابِيعِ المَاضِيَةِ لَمْ يَكُنْ مَحْضَ تَخَيُّلَاتٍ، بَلِ اسْتِجَابَةً صَحِيحَةً تَمَامًا لِخَطَرٍ حَقِيقِيٍّ.
فِي ذَلِكَ المَسَاءِ، وَصَلَتْ رِسَالَةٌ إِلَى بَرِيدِ كَنْعَانَ الإِلِكْتُرُونِيِّ، مِنْ عُنْوَانٍ غَرِيبٍ مَجْهُولٍ، مُكَوَّنٍ مِنْ سِلْسِلَةِ أَحْرُفٍ وَأَرْقَامٍ عَشْوَائِيَّةٍ، وَمَوْضُوعُ الرِّسَالَةِ كَانَ فَارِغًا تَمَامًا. فَتَحَهَا كَنْعَانُ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهَا سَطْرًا وَاحِدًا فَقَطْ، بِالعَرَبِيَّةِ الفُصْحَى:
“لَا تَبْحَثْ عَمَّا تَرَكْتَهُ مَدْفُونًا.”
جَلَسَ كَنْعَانُ مُسَمَّرًا أَمَامَ الشَّاشَةِ، يَقْرَأُ تِلْكَ الجُمْلَةَ القَصِيرَةَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا. حَاوَلَ أَنْ يُحَلِّلَ الرِّسَالَةَ بِعَقْلٍ بَارِدٍ: هَلْ كَانَتْ صِيغَةُ الأَمْرِ، “لَا تَبْحَثْ”، تُوحِي بِأَنَّ كَاتِبَ الرِّسَالَةِ يَعْرِفُ أَنَّهُ بَدَأَ بِالفِعْلِ نَوْعًا مِنَ البَحْثِ؟ وَهَلْ كَلِمَةُ “مَدْفُونًا” بِالذَّاتِ كَانَتِ اخْتِيَارًا مَقْصُودًا، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كَاتِبَ الرِّسَالَةِ يَعْرِفُ أَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ذِكْرَى عَادِيَّةٍ، بَلْ شَيْئًا دُفِنَ عَمْدًا؟
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَحَمَلَ حَاسُوبَهُ المَحْمُولَ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّالَةِ حَيْثُ كَانَتْ وِدَادُ تَجْلِسُ، تَحِيكُ شَيْئًا مِنَ الصُّوفِ. جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَفَتَحَ الرِّسَالَةَ مِنْ جَدِيدٍ، وَقَالَ: “وِدَادُ، وَصَلَتْنِي هَذِهِ الرِّسَالَةُ قَبْلَ قَلِيلٍ. أُرِيدُكِ أَنْ تَقْرَئِيهَا بِنَفْسِكِ.”
انْحَنَتْ نَحْوَ الشَّاشَةِ، وَقَرَأَتِ السَّطْرَ الوَحِيدَ بِصَمْتٍ، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى زَوْجِهَا، وَسَأَلَتْ: “مَاذَا تَرَكْتَ مَدْفُونًا، كَنْعَانُ؟”
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ هُوَ نَفْسَهُ الَّذِي كَانَ كَنْعَانُ يَخْشَاهُ مُنْذُ أَسَابِيعَ، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عَيْنَيْ وِدَادَ، أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ أَيُّ مَجَالٍ لِلتَّأْجِيلِ. مَدَّتْ وِدَادُ يَدَهَا، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ بِإِحْكَامٍ، وَقَالَتْ: “أَخْبِرْنِي الآنَ، كَنْعَانُ. لَا غَدًا. الآنَ.”
فَتَحَ فَمَهُ لِيَبْدَأَ الحَدِيثَ أَخِيرًا، لِيَقُولَ لَهَا اسْمَ حَيْدَرَ بِصَوْتٍ عَالٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا. لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، رَنَّ هَاتِفُهُ المَحْمُولُ عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُمَا، بِرَقْمٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ تَمَامًا، تَمَامًا كَالمُكَالَمَةِ الصَّامِتَةِ الَّتِي تَلَقَّتْهَا وِدَادُ قَبْلَ أَسَابِيعَ.
تَبَادَلَ كَنْعَانُ وَوِدَادُ نَظْرَةً سَرِيعَةً، قَبْلَ أَنْ يَمُدَّ كَنْعَانُ يَدَهُ، بِتَرَدُّدٍ وَاضِحٍ، لِيُجِيبَ عَلَى تِلْكَ المُكَالَمَةِ الغَامِضَةِ، وَالصَّالَةُ الهَادِئَةُ مِنْ حَوْلِهِمَا تَحْبِسُ أَنْفَاسَهَا.
الفَصْلُ السَّادِسُ
رَفَعَ كَنْعَانُ الهَاتِفَ إِلَى أُذُنِهِ بِيَدٍ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنِ الِارْتِجَافِ، وَالصَّالَةُ مِنْ حَوْلِهِ صَامِتَةٌ تَمَامًا، حَتَّى إِنَّ وِدَادَ، الجَالِسَةَ بِجَانِبِهِ، حَبَسَتْ أَنْفَاسَهَا دُونَ أَنْ تَشْعُرَ. قَالَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ ثَابِتًا: “أَلُو؟”
كَانَ هُنَاكَ صَمْتٌ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ، صَمْتٌ مَأْلُوفٌ بِشَكْلٍ مُرْعِبٍ، تَمَامًا كَمَا كَانَ الحَالُ فِي تِلْكَ المُكَالَمَةِ الَّتِي تَلَقَّتْهَا وِدَادُ قَبْلَ أَسَابِيعَ. انْتَظَرَ كَنْعَانُ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، حَتَّى سَمِعَ، أَخِيرًا، صَوْتًا خَافِتًا جِدًّا، يَهْمِسُ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بِالعَرَبِيَّةِ:
“لَمْ تَنْتَهِ القِصَّةُ بَعْدُ يَا كَنْعَانُ.”
ثُمَّ انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ.
وَقَفَ كَنْعَانُ جَامِدًا، وَالهَاتِفُ لَا يَزَالُ مُلْتَصِقًا بِأُذُنِهِ. أَنْزَلَ يَدَهُ أَخِيرًا، وَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَقَالَ، بِصَوْتٍ أَجَشَّ: “الصَّوْتُ نَفْسُهُ تَقْرِيبًا. لَا أَعْرِفُ مَنْ هُوَ، لَكِنَّهُ يَعْرِفُنِي، وَيَعْرِفُ أَنَّنِي بَدَأْتُ أَتَذَكَّرُ.”
جَلَسَ عَلَى الأَرِيكَةِ، وَكَأَنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي سَمِعَهَا لِتَوِّهِ قَدْ أَفْرَغَتْهُ مِنْ كُلِّ قُوَّتِهِ. سَأَلَتْهُ وِدَادُ: “مَاذَا تَقْصِدُ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّكَ بَدَأْتَ تَتَذَكَّرُ؟” وَأَدْرَكَ كَنْعَانُ، بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ، أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ كَانَ يَحْمِلُ احْتِمَالًا لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ كَافِيَةٍ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ: أَنَّ المُرَاقَبَةَ ربَّمَا امْتَدَّتْ إِلَى أَعْمَقَ مِنَ الأَجْهِزَةِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ وَالوَصَفَاتِ الطِّبِّيَّةِ.
قَالَتْ وِدَادُ أَخِيرًا: “كَنْعَانُ، لَمْ يَعُدْ هَذَا وَقْتًا لِتَأْجِيلِ أَيِّ شَيْءٍ. أُرِيدُكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِكُلِّ شَيْءٍ الآنَ، فَوْرًا.”
نَهَضَ كَنْعَانُ، وَأَحْضَرَ دَفْتَرَهُ الصَّغِيرَ مِنْ مَكْتَبِهِ، وَعَادَ لِيَجْلِسَ بِجَانِبِ وِدَادَ، مُمْسِكًا بِالدَّفْتَرِ كَأَنَّهُ دِرْعٌ. بَدَأَ يَتَحَدَّثُ، بِبُطْءٍ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ بِتَدَفُّقٍ مُتَزَايِدٍ: أَخْبَرَهَا عَنْ حَيْدَرَ، عَنِ الغُرْفَةِ بِلَا نَوَافِذَ، عَنْ مُنَى وَعَائِلَتِهَا، عَنْ مَكْتَبَةِ وَالِدِهِ الَّتِي أَصْبَحَتْ مَحَطَّ شُبْهَةٍ، عَنْ ذَلِكَ الجِهَازِ الأَسْوَدِ الصَّغِيرِ الَّذِي مُدَّ إِلَيْهِ، وَعَنِ اخْتِفَاءِ مُنَى الَّذِي ظَلَّ لُغْزًا مُؤْلِمًا طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا.
اسْتَمَعَتْ وِدَادُ بِصَمْتٍ تَامٍّ، دُونَ أَنْ تُقَاطِعَهُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَدُمُوعٌ صَامِتَةٌ بَدَأَتْ تَنْحَدِرُ عَلَى وَجْهِهَا فِي مُنْتَصَفِ الحَدِيثِ، لَا دُمُوعَ غَضَبٍ أَوْ خِيَانَةٍ، بَلْ دُمُوعَ تَعَاطُفٍ عَمِيقٍ مَعَ ذَلِكَ الشَّابِّ الَّذِي كَانَهُ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَهُ. حِينَ وَصَلَ كَنْعَانُ إِلَى نِهَايَةِ القِصَّةِ، تَوَقَّفَ، وَقَالَ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: “هَذَا كُلُّ شَيْءٍ، وِدَادُ. هَذَا مَا حَمَلْتُهُ وَحْدِي طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.”
سَأَلَتْهُ وِدَادُ: “وَمَاذَا فَعَلْتَ، كَنْعَانُ؟ هَلْ أَخَذْتَ الجِهَازَ؟”
قَالَ، بِصَوْتٍ بِالكَادِ مَسْمُوعٍ: “لَمْ آخُذْهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. طَلَبْتُ مُهْلَةً لِلتَّفْكِيرِ، وَسَمَحَ لِي حَيْدَرُ بِذَلِكَ، بِابْتِسَامَتِهِ الهَادِئَةِ تِلْكَ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مُسْبَقًا أَنَّنِي سَأَعُودُ. لَكِنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَبَدًا. غَادَرْتُ ذَلِكَ المَبْنَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَدَأْتُ، مِنَ اليَوْمِ التَّالِي، أُخَطِّطُ لِلْهِجْرَةِ. لَمْ أَرَ حَيْدَرَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَهَا.”
مَسَحَتْ وِدَادُ دُمُوعَهَا، وَقَالَتْ: “شُكْرًا لِأَنَّكَ أَخْبَرْتَنِي أَخِيرًا. لَكِنَّ السُّؤَالَ الحَقِيقِيَّ الآنَ: مَاذَا نَفْعَلُ حِيَالَ هَذَا الصَّوْتِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِنَا؟”
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، اتَّصَلَتْ لُبْنَى، فَأَخْبَرَهَا كَنْعَانُ بِكُلِّ مَا حَدَثَ: الرِّسَالَةُ الإِلِكْتُرُونِيَّةُ، وَالمُكَالَمَةُ الغَامِضَةُ، وَاعْتِرَافُهُ الكَامِلُ لِوِدَادَ أَخِيرًا. قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ حَازِمٍ: “أَبِي، أُمِّي، أَنَا قَادِمَةٌ إِلَيْكُمَا اليَوْمَ. وَلْنَبْدَأْ بِخُطْوَةٍ عَمَلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ: تَفَقُّدُ مُحِيطِ البَيْتِ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُرَاقِبُكُمَا فِعْلًا بِهَذَا الشَّكْلِ المُنَظَّمِ، فَقَدْ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ أَثَرًا مَادِّيًّا، كَامِيرَا صَغِيرَةً، أَوْ جِهَازَ تَنَصُّتٍ.”
وَصَلَتْ لُبْنَى بَعْدَ ظُهْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، حَامِلَةً حَقِيبَةً صَغِيرَةً تَضُمُّ، كَمَا أَوْضَحَتْ لِوَالِدَيْهَا، “بَعْضَ الأَدَوَاتِ البَسِيطَةِ الَّتِي تَعَلَّمْتُ اسْتِخْدَامَهَا خِلَالَ عَمَلِي، كَاشِفَ إِشَارَاتٍ لَاسِلْكِيٍّ صَغِيرًا، وَمِصْبَاحًا قَوِيًّا، وَقَلِيلًا مِنَ الصَّبْرِ.” عَانَقَتْ وَالِدَتَهَا طَوِيلًا عِنْدَ البَابِ، ثُمَّ عَانَقَتْ وَالِدَهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّهُ بَدَا أَخَفَّ وَزْنًا، وَكَأَنَّ الِاعْتِرَافَ قَدْ نَزَعَ عَنْ كَتِفَيْهِ جُزْءًا مِنْ عِبْءِ حَمْلِهِ وَحْدَهُ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا.
بَدَأَتِ العَائِلَةُ الصَّغِيرَةُ، فِي ذَلِكَ المَسَاءِ، بَحْثًا مَنْهَجِيًّا حَوْلَ مُحِيطِ البَيْتِ، بِجِهَازِ كَشْفِ الإِشَارَاتِ الَّذِي أَحْضَرَتْهُ لُبْنَى، يُصْدِرُ صَوْتَ تَنْبِيهٍ خَافِتًا كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنْ مَصْدَرِ إِشَارَةٍ لَاسِلْكِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ. مَرَّتِ الدَّقَائِقُ الأُولَى دُونَ أَيَّةِ نَتِيجَةٍ، لَكِنْ حِينَ اقْتَرَبَتْ لُبْنَى مِنَ الجِهَةِ الخَلْفِيَّةِ لِلْبَيْتِ، حَيْثُ تَقَعُ الحَدِيقَةُ الصَّغِيرَةُ المُطِلَّةُ عَلَى غُرْفَةِ مَكْتَبِ كَنْعَانَ، بَدَأَ الجِهَازُ يُصْدِرُ صَوْتَ تَنْبِيهٍ أَكْثَرَ تَكْرَارًا.
قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مُتَوَتِّرٍ: “هُنَا. الإِشَارَةُ أَقْوَى هُنَا بِكَثِيرٍ.”
بَدَأَتْ تَفْحَصُ المِنْطَقَةَ تَحْتَ ضَوْءِ المِصْبَاحِ القَوِيِّ، حَتَّى تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً أَمَامَ شُجَيْرَةٍ صَغِيرَةٍ كَثِيفَةِ الأَوْرَاقِ، قَرِيبَةٍ مِنْ نَافِذَةِ مَكْتَبِ كَنْعَانَ تَحْدِيدًا. مَدَّتْ يَدَهَا بِحَذَرٍ، وَأَخْرَجَتْ، أَخِيرًا، جِهَازًا صَغِيرًا لَا يَتَجَاوَزُ حَجْمُهُ حَجْمَ عُمْلَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، أَسْوَدَ اللَّوْنِ، بِعَدَسَةٍ صَغِيرَةٍ لَامِعَةٍ فِي مُنْتَصَفِهِ.
قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ مَزِيجًا مِنَ الصَّدْمَةِ وَالغَضَبِ: “كَامِيرَا مُرَاقَبَةٍ. صَغِيرَةٌ جِدًّا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ عَادَةً لِأَغْرَاضٍ أَمْنِيَّةٍ دَقِيقَةٍ.”
وَضَعَتْ وِدَادُ يَدَهَا عَلَى فَمِهَا بِصَدْمَةٍ صَامِتَةٍ، وَقَالَتْ: “كُلُّ هَذَا الوَقْتِ… كَانَتْ هُنَاكَ عَيْنٌ تُرَاقِبُنَا، مِنْ هَذِهِ الشُّجَيْرَةِ الَّتِي أَزْرَعُهَا بِيَدَيَّ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.”
جَلَسَتِ العَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ حَوْلَ طَاوِلَةِ المَطْبَخِ، وَالكَامِيرَا الصَّغِيرَةُ مَوْضُوعَةٌ فِي مُنْتَصَفِ الطَّاوِلَةِ. قَالَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تُقَلِّبُ الجِهَازَ بِحَذَرٍ: “هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَجْهِزَةِ لَيْسَ رَخِيصًا وَلَا عَشْوَائِيًّا. هَذِهِ مُعَدَّاتٌ احْتِرَافِيَّةٌ. لَا تُوجَدُ عَلَامَةٌ تِجَارِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ صُنِعَ أَوْ عُدِّلَ خِصِّيصًا لِأَغْرَاضٍ تَتَطَلَّبُ عَدَمَ إِمْكَانِيَّةِ تَتَبُّعِهِ بِسُهُولَةٍ.”
سَأَلَتْ وِدَادُ: “لُبْنَى، هَلْ هَذَا قَانُونِيٌّ حَتَّى؟”
أَجَابَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تُوَاصِلُ العَمَلَ بِحَذَرٍ عَلَى فَتْحِ الجِهَازِ: “بِالتَّأْكِيدِ لَا، هَذَا انْتِهَاكٌ وَاضِحٌ لِلْخُصُوصِيَّةِ، جَرِيمَةٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا القَانُونُ الأَلْمَانِيُّ بِشِدَّةٍ. وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ الأَمْرَ مُقْلِقًا أَكْثَرَ: مَنْ يَفْعَلُ هَذَا يَعْرِفُ أَنَّهُ يُخَاطِرُ بِعُقُوبَةٍ قَانُونِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ إِنِ اكْتُشِفَ.”
عَمِلَتْ لُبْنَى بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ إِخْرَاجِ بِطَاقَةِ ذَاكِرَةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا مِنْ دَاخِلِ الجِهَازِ، وَرَبَطَتْهَا بِحَاسُوبِهَا المَحْمُولِ.
ظَهَرَتْ عَلَى الشَّاشَةِ قَائِمَةٌ مِنَ المِلَفَّاتِ، تَمْتَدُّ لِعِدَّةِ أَسَابِيعَ إِلَى الوَرَاءِ، أَبْعَدَ بِكَثِيرٍ مِنَ اللَّحْظَةِ الَّتِي بَدَأَتْ فِيهَا هَذِهِ القِصَّةُ كُلُّهَا بِحَبَّةِ الدَّوَاءِ المُخْتَلِفَةِ. قَالَتْ لُبْنَى: “هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ مِلَفًّا مُسَجَّلًا. يَبْدُو أَنَّ الجِهَازَ مُبَرْمَجٌ لِيَبْدَأَ التَّسْجِيلَ تِلْقَائِيًّا كُلَّمَا رَصَدَ حَرَكَةً فِي مُحِيطِهِ.”
نَقَرَتْ عَلَى أَقْدَمِ مِلَفٍّ فِي القَائِمَةِ. ظَهَرَ تَسْجِيلُ فِيدِيُو صَامِتٌ، يُظْهِرُ زَاوِيَةً مِنَ الحَدِيقَةِ الخَلْفِيَّةِ، وَنَافِذَةَ مَكْتَبِ كَنْعَانَ فِي الخَلْفِيَّةِ. كَانَ التَّارِيخُ المُسَجَّلُ يَعُودُ إِلَى مَا يُقَارِبُ شَهْرَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، أَيْ قَبْلَ أَسَابِيعَ عَدِيدَةٍ مِنِ اكْتِشَافِ الحَبَّةِ السَّابِعَةِ المُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ.
قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ: “هَذَا يَعْنِي أَنَّ المُرَاقَبَةَ بَدَأَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الحَبَّةِ المُخْتَلِفَةِ فِي الشَّرِيطِ. أَيْ أَنَّ شَخْصًا مَا كَانَ يُرَاقِبُ هَذَا البَيْتَ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ أَيٌّ مِنَّا يَشُكُّ فِي شَيْءٍ عَلَى الإِطْلَاقِ.”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِيَدَيْهِ تَبْرُدَانِ. قَالَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ مَذْهُولٍ: “هَذَا يَعْنِي أَنَّ أَحَدًا كَانَ يُخَطِّطُ لِهَذَا مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ. الحَبَّةُ، وَالمُكَالَمَاتُ، وَهَذِهِ الكَامِيرَا، كُلُّ هَذَا لَمْ يَكُنْ رَدَّةَ فِعْلٍ عَلَى شَيْءٍ فَعَلْنَاهُ، بَلْ كَانَ خُطَّةً مَوْضُوعَةً مُسْبَقًا.”
اسْتَمَرَّتْ لُبْنَى فِي تَصَفُّحِ المِلَفَّاتِ، حَتَّى تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً عِنْدَ مِلَفٍّ مُسَجَّلٍ قَبْلَ حَوَالَيْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ. ظَهَرَ عَلَى الشَّاشَةِ شَكْلُ رَجُلٍ، يَقِفُ بِلَا حَرَاكٍ فِي الظَّلَامِ، عَلَى الجَانِبِ الآخَرِ مِنَ السِّيَاجِ الخَشَبِيِّ، يَنْظُرُ مُبَاشَرَةً نَحْوَ نَافِذَةِ مَكْتَبِ كَنْعَانَ المُضَاءَةِ، لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ أَخِيرًا، وَيَبْتَعِدَ بِبُطْءٍ، وَيَخْتَفِيَ فِي العَتْمَةِ.
جَمَدَ الثَّلَاثَةُ أَمَامَ الشَّاشَةِ، يَنْظُرُونَ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الصَّامِتَةِ لِرَجُلٍ غَامِضِ المَلَامِحِ، يَرْتَدِي مِعْطَفًا دَاكِنًا طَوِيلًا، وَقُبَّعَةً تُخْفِي جُزْءًا مِنْ مَلَامِحِ وَجْهِهِ، وَيَدَاهُ فِي جَيْبَيْهِ، بِوَقْفَةٍ هَادِئَةٍ غَيْرِ مُتَعَجِّلَةٍ.
قَالَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ هَامِسٍ بِالكَادِ مَسْمُوعٍ: “لَقَدْ كَانَ هُنَا. وَاقِفًا هُنَاكَ، خَارِجَ بَيْتِنَا، يَنْظُرُ إِلَيَّ وَأَنَا أَجْلِسُ أَكْتُبُ، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ.”
سَأَلَتْ وِدَادُ: “هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا هُوَ حَيْدَرُ نَفْسُهُ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟”
فَكَّرَ كَنْعَانُ طَوِيلًا، يُقَارِنُ بَيْنَ تِلْكَ الوَقْفَةِ الغَامِضَةِ عَلَى الشَّاشَةِ وَبَيْنَ صُورَةِ حَيْدَرَ الَّتِي حَفَرَتْهَا ذَاكِرَتُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا، رَجُلٌ فِي الأَرْبَعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ آنَذَاكَ، مَا يَعْنِي أَنَّهُ، إِنْ كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا، سَيَكُونُ الآنَ فِي الثَّمَانِينِيَّاتِ تَقْرِيبًا. قَالَ أَخِيرًا: “لَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَيْدَرُ نَفْسُهُ. لَكِنْ قَدْ يَكُونُ أَحَدًا يَعْمَلُ لِصَالِحِهِ، أَوْ لِصَالِحِ مَنْ وَرِثَ مِلَفَّاتِهِ وَشَبَكَتَهُ بَعْدَهُ.”
سَأَلَتْ لُبْنَى: “هَلْ تَعْرِفُ إِنْ كَانَ لِحَيْدَرَ عَائِلَةٌ؟”
هَزَّ كَنْعَانُ رَأْسَهُ: “لَا أَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. كَانَ مُجَرَّدَ اسْمٍ وَرُتْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِي فِي تِلْكَ الجَلْسَةِ الوَحِيدَةِ الَّتِي جَمَعَتْنَا.”
قَالَتْ لُبْنَى: “سَأَطْلُبُ مِنْ تُومَاسَ أَنْ يَبْحَثَ فِي الأَرْشِيفَاتِ عَنْ أَيَّةِ مَعْلُومَاتٍ إِضَافِيَّةٍ حَوْلَ حَيْدَرَ نَفْسِهِ، عَائِلَتِهِ وَحَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.”
كَسَرَتْ لُبْنَى الصَّمْتَ أَخِيرًا: “يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا إِلَى الشُّرْطَةِ فَوْرًا، غَدًا صَبَاحًا عَلَى أَبْعَدِ تَقْدِيرٍ. سَآخُذُ نُسْخَةً احْتِيَاطِيَّةً مِنْ كُلِّ هَذِهِ المِلَفَّاتِ اللَّيْلَةَ.”
سَأَلَ كَنْعَانُ: “وَمَاذَا سَنَقُولُ لَهُمْ؟ هَلْ نُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ، عَنْ حَيْدَرَ، عَنْ سُورِيَا؟”
فَكَّرَتْ لُبْنَى قَلِيلًا: “أَعْتَقِدُ أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ بِمَا لَدَيْنَا مِنْ دَلِيلٍ مَادِّيٍّ فَقَطْ: كَامِيرَا مُرَاقَبَةٍ غَيْرُ قَانُونِيَّةٍ، وَمُكَالَمَاتٌ مَجْهُولَةٌ، وَوَصْفَةٌ طِبِّيَّةٌ مُعَدَّلَةٌ إِلِكْتِرُونِيًّا مِنْ مَصْدَرٍ خَارِجِيٍّ. يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَرِّرَ لَاحِقًا، بِنَاءً عَلَى مَا تَكْتَشِفُهُ الشُّرْطَةُ، إِنْ كَانَ مِنَ الضَّرُورِيِّ الخَوْضُ فِي خَلْفِيَّةِ الأَمْرِ بِالكَامِلِ.”
أَضَافَتْ لُبْنَى، وَهِيَ لَا تَزَالُ تَفْحَصُ الكَامِيرَا: “وَرُبَّمَا يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ أَيْضًا فِي تَغْيِيرِ كَلِمَاتِ المُرُورِ لِجَمِيعِ حِسَابَاتِنَا الإِلِكْتُرُونِيَّةِ المُهِمَّةِ، وَتَغْيِيرِ الأَقْفَالِ.”
اقْتَرَحَتْ لُبْنَى أَنْ تَبْقَى مَعَهُمَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَوَافَقَ كَنْعَانُ وَوِدَادُ فَوْرًا، شَاعِرَيْنِ بِارْتِيَاحٍ عِنْدَ فِكْرَةِ أَلَّا يَكُونَا وَحْدَهُمَا فِي ذَلِكَ البَيْتِ.
حَاوَلَتْ وِدَادُ أَنْ تُعِيدَ لِبَيْتِهَا بَعْضًا مِنْ طَابَعِهِ المُعْتَادِ، فَأَصَرَّتْ عَلَى تَحْضِيرِ عَشَاءٍ بَسِيطٍ، لَكِنَّ العَشَاءَ مَرَّ بِصَمْتٍ أَثْقَلَ مِنَ المُعْتَادِ.
قَبْلَ أَنْ يَأْوِيَ كَنْعَانُ وَوِدَادُ إِلَى فِرَاشِهِمَا، وَقَفَ كَنْعَانُ لَحْظَةً أَمَامَ نَافِذَةِ مَكْتَبِهِ، تِلْكَ النَّافِذَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كَانَتْ مِحْوَرَ كُلِّ هَذَا القَلَقِ، وَنَظَرَ إِلَى الحَدِيقَةِ الخَارِجِيَّةِ المُظْلِمَةِ، إِلَى تِلْكَ الشُّجَيْرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُخْفِي، طَوَالَ أَسَابِيعَ، عَيْنًا صَغِيرَةً تُرَاقِبُهُ.
قَالَتْ وِدَادُ، وَهِيَ تَقِفُ خَلْفَهُ، وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ: “سَنَتَجَاوَزُ هَذَا كُلَّهُ مَعًا، كَنْعَانُ. مَعًا هَذِهِ المَرَّةَ، لَا كَمَا فَعَلْتَ وَحْدَكَ طَوَالَ كُلِّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ الطَّوِيلَةِ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَنْعَانُ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ، وَقَالَ: “أَعْرِفُ ذَلِكَ الآنَ، وِدَادُ. وَهَذَا وَحْدَهُ يَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ أَكْثَرَ احْتِمَالًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَتْ لُبْنَى وَحْدَهَا فِي الصَّالَةِ الهَادِئَةِ، تُرَاجِعُ مَرَّةً أُخْرَى تِلْكَ اللَّقَطَاتِ، تَبْحَثُ عَنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ قَدْ يَكُونُ فَاتَهَا فِي المَرَّةِ الأُولَى. فَكَّرَتْ فِي كُلِّ الطُّرُقِ المُمْكِنَةِ لِتَتَبُّعِ هُوِيَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ: تَحْلِيلِ نَمَطِ مَشْيِهِ، مُقَارَنَةِ طُولِهِ التَّقْرِيبِيِّ بِارْتِفَاعِ السِّيَاجِ، حَتَّى مُحَاوَلَةِ تَحْدِيدِ نَوْعِ السَّاعَةِ الَّتِي بَدَتْ عَلَى مِعْصَمِهِ. أَدْرَكَتْ بِمَرَارَةٍ أَنَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ، رَغْمَ فَائِدَتِهَا لِمُحَقِّقٍ مُحْتَرِفٍ، لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً، بِأَدَوَاتِهَا البَسِيطَةِ، لِتَحْدِيدِ هُوِيَّةٍ قَاطِعَةٍ.
نَظَرَتْ إِلَى النَّافِذَةِ المُظْلِمَةِ أَمَامَهَا، وَتَسَاءَلَتْ، بِقُشَعْرِيرَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ مَنْعَ نَفْسِهَا مِنْهَا، إِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَقِفُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ فِي مَكَانٍ مَا مِنَ الظَّلَامِ خَارِجَ البَيْتِ. نَهَضَتْ، وَأَطْفَأَتِ المِصْبَاحَ، وَجَلَسَتْ فِي العَتْمَةِ الكَامِلَةِ لِبِضْعِ دَقَائِقَ، تُرَاقِبُ الشَّارِعَ مِنْ خَلْفِ السِّتَارَةِ دُونَ أَنْ تُرَى.
فَكَّرَتْ أَيْضًا، وَهِيَ تَجْلِسُ هُنَاكَ وَحْدَهَا فِي عَتْمَةِ البَيْتِ الهَادِئِ، فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ فِي ذِهْنِهَا عَنْ وَالِدِهَا: لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ الأَبِ الحَكِيمِ الهَادِئِ الَّذِي عَرَفَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهَا، بَلْ أَصْبَحَ رَجُلًا حَمَلَ، طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا، ثِقَلًا هَائِلًا مِنَ الذَّنْبِ وَالخَوْفِ وَالحُبِّ المَكْسُورِ تِجَاهَ امْرَأَةٍ اخْتَفَتْ فِي صَمْتٍ لَمْ يُكْسَرْ أَبَدًا. شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ عَمِيقَةٍ فِي أَنْ تُسَاعِدَهُ، لَا بِوَصْفِهَا صَحَافِيَّةً تُلَاحِقُ قِصَّةً فَحَسْبُ، بَلْ بِوَصْفِهَا ابْنَتَهُ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَرَى وَالِدَهَا، أَخِيرًا، مُتَحَرِّرًا مِنْ ذَلِكَ الثِّقَلِ القَدِيمِ.
مَرَّتْ سَاعَاتُ اللَّيْلِ بَطِيئَةً وَثَقِيلَةً، حَتَّى سَمَحَتْ لُبْنَى لِنَفْسِهَا أَخِيرًا، قُبَيْلَ الفَجْرِ، بِالِاسْتِسْلَامِ لِنُعَاسٍ خَفِيفٍ.
فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ البَيْتِ الهَادِئِ، كَانَ كَنْعَانُ أَيْضًا مُسْتَيْقِظًا، يَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ تِلْكَ الصُّورَةَ الصَّامِتَةَ مِرَارًا وَتَكْرَارًا: ذَلِكَ الشَّكْلَ الثَّابِتَ فِي الظَّلَامِ، تِلْكَ الوَقْفَةَ الصَّبُورَةَ الَّتِي ذَكَّرَتْهُ، بِطَرِيقَةٍ مُقْلِقَةٍ، بِابْتِسَامَةِ حَيْدَرَ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْهُ طَوَالَ تِلْكَ الجَلْسَةِ الطَّوِيلَةِ قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ، رَغْمَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ الفَاصِلَةِ، لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا فِي طَبِيعَةِ ذَلِكَ الخَطَرِ القَدِيمِ الَّذِي ظَنَّ كَنْعَانُ، خَطَأً، أَنَّهُ تَرَكَهُ وَرَاءَهُ إِلَى الأَبَدِ.
كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الثَّقِيلَةِ، سَتَبْقَى مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَةِ العَائِلَةِ الثَّلَاثَةِ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ قَادِمٍ: لَيْلَةُ الِاعْتِرَافِ الكَامِلِ، وَلَيْلَةُ اكْتِشَافِ العَيْنِ الصَّغِيرَةِ المُخَبَّأَةِ فِي الحَدِيقَةِ، وَلَيْلَةُ ذَلِكَ الوَجْهِ الغَامِضِ الَّذِي ظَهَرَ أَخِيرًا، دَلِيلًا حَيًّا لَا يَقْبَلُ الجَدَلَ عَلَى أَنَّ شَخْصًا حَقِيقِيًّا، فِي مَكَانٍ مَا، كَانَ يُرَاقِبُهُمْ فِعْلًا.
لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهُمْ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُمْ يُطْفِئُونَ أَضْوَاءَ البَيْتِ أَخِيرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ، أَنَّ ذَلِكَ الوَجْهَ الغَامِضَ الَّذِي رَأَوْهُ عَلَى الشَّاشَةِ سَيَعُودُ، قَرِيبًا جِدًّا، لَيْسَ عَلَى شَاشَةِ تَسْجِيلٍ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ وَجْهًا لِوَجْهٍ، فِي مُوَاجَهَةٍ لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهُمْ مُسْتَعِدًّا لَهَا بِالكَامِلِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ، أَدْرَكَتِ العَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ، أَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي حَكَمَ حَيَاتَهُمْ طَوَالَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ قَدِ انْكَسَرَ أَخِيرًا، وَأَنَّ مَا يَنْتَظِرُهُمُ الآنَ، مَهْمَا كَانَ صَعْبًا، سَيُوَاجَهُ مَعًا، لَا بِمُفْرَدِهِمْ كَمَا اعْتَادَ كَنْعَانُ أَنْ يَفْعَلَ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ العُزْلَةِ الصَّامِتَةِ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، مَشَتِ الْعَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ إِلَى أَقْرَبِ مَرْكَزِ شُرْطَةٍ، تَحْمِلُ فِي كِيسٍ شَفَّافٍ ذَلِكَ الْجِهَازَ الصَّغِيرَ الَّذِي كَشَفَ عَنْ وُجُودِ عَيْنٍ خَفِيَّةٍ تُرَاقِبُهُمْ، وَنُسْخَةً مِنْ رِسَالَةٍ غَامِضَةٍ، وَتَسْجِيلًا لِمُكَالَمَةٍ الْتَقَطَتْهَا لُبْنَى بِغَرِيزَةِ مِهْنَتِهَا دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ أَحَدٌ. كَانَ الطَّرِيقُ صَامِتًا فِي مُعْظَمِهِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يُرَتِّبُ فِي دَاخِلِهِ مَا سَيُقَالُ وَمَا سَيُخْفَى. رَأَتْ وِدَادُ، مِنَ الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، يَدَيْ كَنْعَانَ مُتَشَابِكَتَيْنِ فِي حِجْرِهِ كَعُقْدَةٍ لَا تَنْحَلُّ، فَاخْتَارَتِ الصَّمْتَ عَلَى الْكَلَامِ، عَارِفَةً أَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا حُضُورًا صَامِتًا.
كَانَ الْمَرْكَزُ هَادِئًا بِبُرُودٍ رَسْمِيٍّ لَا صِلَةَ لَهُ بِمَا يَحْمِلُهُ كَنْعَانُ فِي صَدْرِهِ. أَحَسَّ، وَهُوَ يَجْلِسُ فِي غُرْفَةِ الِانْتِظَارِ، بِمُفَارَقَةٍ لَاذِعَةٍ: هَذَا الْمَكَانُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَمْزَ الْأَمَانِ الَّذِي لَجَأَ إِلَيْهِ مُنْذُ هُرُوبِهِ مِنْ سُورِيَا قَبْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهَا هُوَ الْآنَ يُحَاوِلُ أَنْ يَشْرَحَ لِغُرَبَاءَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمَانَ نَفْسَهُ قَدْ صَارَ مُهَدَّدًا.
اسْتَمَعَ إِلَيْهِمُ الضَّابِطُ بَيْكَرُ، رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الْأَرْبَعِينَ، بِجِدِّيَّةٍ لَا تَخْلُو مِنَ التَّعَاطُفِ، يُدَوِّنُ كُلَّ تَفْصِيلٍ: تَارِيخَ اكْتِشَافِ الْحَبَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ، نَصَّ الرَّسَائِلِ، مَوْضِعَ الْكَامِيرَا. سَأَلَ، وَهُوَ يُرَاجِعُ مُلَاحَظَاتِهِ: “أُسْتَاذُ مُرَادُ، أَثَمَّةَ شَيْءٌ فِي مَاضِيكَ، قَبْلَ هِجْرَتِكَ، قَدْ يَكُونُ لَهُ صِلَةٌ بِمَا يَحْدُثُ الْآنَ؟”
تَرَدَّدَ كَنْعَانُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ بِحَذَرٍ: “ثَمَّةَ خَلْفِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ، نَعَمْ، تَعُودُ إِلَى أَرْبَعِينَ عَامًا. أُفَضِّلُ أَنْ أُشَارِكَكُمُ التَّفَاصِيلَ حِينَ أَتَيَقَّنُ مِنْهَا أَكْثَرَ.” أَوْمَأَ الضَّابِطُ مُتَفَهِّمًا، لَكِنَّهُ حَذَّرَهُ بِلُطْفٍ أَلَّا يُطِيلَ الِانْتِظَارَ، فَكُلُّ تَفْصِيلٍ قَدْ يُعَجِّلُ بِفَهْمِ الدَّافِعِ. وَحِينَ سَأَلَهُ كَنْعَانُ إِنْ كَانَ قَدْ صَادَفَ حَالَاتٍ مُشَابِهَةً، أَجَابَ الضَّابِطُ بِصَرَاحَةٍ لَا تُخْفِي شَيْئًا: إِنَّ حَالَاتٍ كَهَذِهِ تَتَصَاعَدُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنَّ قَضِيَّتَهُمْ، بِعُمْقِ خَلْفِيَّتِهَا، تَبْدُو أَشَدَّ تَعْقِيدًا مِنَ الْمُعْتَادِ.
أَخَذَ الْكَامِيرَا دَلِيلًا، وَوَعَدَ بِفَتْحِ تَحْقِيقٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُخْفِ أَنَّ قَضَايَا كَهَذِهِ، حِينَ تَتَقَاطَعُ مَعَ شُبُهَاتِ تَوَرُّطٍ أَجْنَبِيٍّ، تُحَالُ غَالِبًا إِلَى دَوَائِرَ أَعْلَى، وَقَدْ تَسْتَغْرِقُ وَقْتًا طَوِيلًا. شَعَرَ كَنْعَانُ أَنَّ حَمَاسَتَهُ الْأُولَى لِفِكْرَةِ “الْإِبْلَاغِ الرَّسْمِيِّ” تَتَرَاجَعُ أَمَامَ هَذِهِ الْوَاقِعِيَّةِ الْبَارِدَةِ، وَأَنَّ الْحِمَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، فِي الْمَدَى الْقَرِيبِ عَلَى الْأَقَلِّ، سَتَتَّكِئُ عَلَى جُهْدِهِمْ هُمْ لَا عَلَى أَيِّ جِهَازٍ حُكُومِيٍّ.
فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، قَالَتْ لُبْنَى بِصَوْتٍ حَازِمٍ: “لَنْ نَنْتَظِرَ الشُّرْطَةَ وَحْدَهَا. سَأَتَّصِلُ بِكَلَارَا الْيَوْمَ.” وَحِينَ سَأَلَتْهَا وِدَادُ عَنْهَا، أَوْضَحَتْ أَنَّهَا صَحَفِيَّةٌ أَلْمَانِيَّةٌ عَمِلَتْ مَعَهَا فِي تَحْقِيقَاتٍ حَسَّاسَةٍ حَوْلَ اللَّاجِئِينَ وَالتَّزْوِيرِ، وَأَنَّهَا تَثِقُ بِحُكْمِهَا وَشَبَكَةِ مَعَارِفِهَا. تَسَاءَلَ كَنْعَانُ إِنْ كَانَ يَنْبَغِي إِشْرَاكُهَا فِي أَمْرٍ بِهَذِهِ الْخُطُورَةِ، فَأَجَابَتْهُ لُبْنَى، دُونَ تَرَدُّدٍ: “لَمْ تَخْذُلْ مَصْدَرًا يَوْمًا، وَلَنْ تَنْشُرَ شَيْئًا يُعَرِّضُ أَحَدًا لِلْخَطَرِ.”
وَصَلَتْ كَلَارَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ، امْرَأَةٌ فِي الْأَرْبَعِينَ، فِي عَيْنَيْهَا تِلْكَ النَّظْرَةُ الْفَاحِصَةُ الَّتِي يَكْتَسِبُهَا مَنْ أَمْضَوْا عُمْرًا يُصْغُونَ لِقَصَصِ النَّاسِ الْمُتْعَبَةِ. لَاحَظَتْ وِدَادُ كَيْفَ مَسَحَتْ بِنَظَرِهَا مَحِيطَ الْبَيْتِ لَحَظَاتٍ، بِعَادَةٍ مِهْنِيَّةٍ رَاسِخَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَبْتَسِمَ ابْتِسَامَتَهَا الدَّافِئَةَ. جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ مَعَهَا، وَبَدَأَ كَنْعَانُ، بَعْدَ تَرَدُّدٍ يَسِيرٍ، يَرْوِي مَا سَبَقَ أَنِ اعْتَرَفَ بِهِ لِوِدَادَ: اسْتِدْعَاءَهُ إِلَى غُرْفَةٍ بِلَا نَوَافِذَ قَبْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَابْتِسَامَةَ حَيْدَرَ الثَّابِتَةَ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْهُ، وَمُنَى الَّتِي أَحَبَّهَا، وَالطَّلَبَ الَّذِي رَفَضَهُ بِصَمْتِهِ ثُمَّ بِهِجْرَتِهِ، وَاخْتِفَاءَ مُنَى الَّذِي ظَلَّ سُؤَالًا مُعَلَّقًا أَرْبَعِينَ عَامًا.
رَدَّدَ أَمَامَهَا الْجُمْلَةَ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْهُ قَطُّ: “لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا طَلَبٌ صَعْبٌ، يَا كَنْعَانُ. فَكِّرْ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ خِدْمَةٌ صَغِيرَةٌ تُقَدِّمُهَا لِبَلَدِكَ.” اسْتَمَعَتْ كَلَارَا بِصَمْتٍ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا سُؤَالٌ قَصِيرٌ هُنَا وَهُنَاكَ، حَذِرَةً أَلَّا تَكْسِرَ تَدَفُّقَ ذَاكِرَةٍ نَادِرَةِ الصَّرَاحَةِ. أَمَّا وِدَادُ، فَقَدْ لَاحَظَتْ فِي هَذَا السَّرْدِ الثَّانِي تَفَاصِيلَ لَمْ يَذْكُرْهَا لَهَا لَيْلَةَ اعْتِرَافِهِ الْأَوَّلِ، كَأَنَّ كُلَّ رِوَايَةٍ لِلْحِكَايَةِ تَفْتَحُ بَابًا صَغِيرًا آخَرَ فِي ذَاكِرَتِهِ الْمُثْقَلَةِ.
حِينَ انْتَهَى، قَالَتْ كَلَارَا بَعْدَ صَمْتٍ: “أُسْتَاذُ مُرَادُ، مَا تَصِفُهُ يُطَابِقُ نَمَطًا رَأَيْتُهُ فِي حَالَاتٍ أُخْرَى. ثَمَّةَ شَبَكَةٌ غَيْرُ رَسْمِيَّةٍ، لَكِنَّهَا مُنَظَّمَةٌ، تُتَابِعُ سُورِيِّينَ هَاجَرُوا إِلَى أُورُوبَّا، خُصُوصًا مَنْ كَانَتْ لَهُمْ صِلَةٌ قَدِيمَةٌ، وَلَوْ بَعِيدَةً، بِمِلَفَّاتٍ أَمْنِيَّةٍ.” أَوْضَحَتْ أَنَّ بَعْضَ الضُّبَّاطِ الْقُدَامَى، بَعْدَ سُقُوطِ النِّظَامِ وَتَبَدُّلِ الْمَوَازِينِ، لَمْ يَخْتَفُوا، بَلْ هَاجَرَ بَعْضُهُمْ تَحْتَ هُوِيَّاتٍ جَدِيدَةٍ، مُحَافِظًا عَلَى شَبَكَةِ مَعَارِفَ يَسْتَخْدِمُهَا أَحْيَانًا لِلِابْتِزَازِ، وَأَحْيَانًا لِلِانْتِقَامِ. وَذَكَرَتْ أَنَّهَا وَثَّقَتْ نَحْوَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حَالَةً مُمَاثِلَةً فِي خَمْسِ سَنَوَاتٍ.
شَعَرَ كَنْعَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ، وَسَأَلَ إِنْ كَانَ حَيْدَرُ، لَوْ كَانَ حَيًّا، مِنْ هَؤُلَاءِ. أَجَابَتْ كَلَارَا: “مِنَ الْمُبَكِّرِ الْجَزْمُ، لَكِنَّ النَّمَطَ يَتَطَابَقُ بِقَلَقٍ. دَعُونِي أَتَحَقَّقُ.”
مَرَّ يَوْمَانِ ثَقِيلَانِ. حَاوَلَ كَنْعَانُ أَنْ يَعُودَ إِلَى رِوَايَتِهِ الْمُهْمَلَةِ، فَوَجَدَ يَدَهُ تَنْزَلِقُ نَحْوَ كِتَابَةِ مُلَاحَظَاتٍ عَنْ حَيْدَرَ وَمُنَى بَدَلًا مِنْ شَخْصِيَّاتِهِ الْمُتَخَيَّلَةِ، وَأَدْرَكَ، بِعَجَبٍ حَزِينٍ، أَنَّ حَيَاتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ تَجَاوَزَتْ فِي دَرَامِيَّتِهَا كُلَّ مَا كَانَ يَخْتَرِعُهُ لِأَبْطَالِهِ. أَمَّا وِدَادُ فَحَاوَلَتْ أَنْ تُوَازِنَ بَيْنَ الْقَلَقِ الْعَامِّ وَحَيَاةٍ مَنْزِلِيَّةٍ عَادِيَّةٍ، وَبَدَأَتْ تُسَائِلُ نَفْسَهَا عَنْ إِمْكَانِ اضْطِرَارِهِمَا يَوْمًا لِتَغْيِيرِ عُنْوَانِهِمَا وَمُغَادَرَةِ الْمَدِينَةِ الَّتِي أَحَبَّاهَا. وَعَادَتْ لُبْنَى إِلَى مَدِينَتِهَا، لَكِنَّهَا طَلَبَتْ مِنْ تُومَاسَ، الْبَاحِثِ الَّذِي أَعَانَهَا فِي اكْتِشَافِهَا الْأَوَّلِ، أَنْ يَبْحَثَ عَنِ اسْمِ “حَيْدَرَ” فِي سِجِلَّاتِ الْهِجْرَةِ.
اتَّصَلَ بِهَا تُومَاسُ بَعْدَ يَوْمٍ: “لُبْنَى، وَجَدْتُ سِجِلَّ هِجْرَةٍ قَدِيمًا، مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا، يَذْكُرُ اسْمًا يَبْدَأُ بِحَرْفِ الْحَاءِ، بِرُتْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ سَابِقَةٍ، طَلَبَ لُجُوءًا فِي دَوْلَةٍ مُجَاوِرَةٍ بِذَرِيعَةِ الِاضْطِهَادِ.” أَخْبَرَتْ لُبْنَى وَالِدَيْهَا، فَشَعَرَ كَنْعَانُ بِمَزِيجٍ مِنَ الْأَمَلِ وَالْقَلَقِ: أَمَلٌ لِأَنَّ الْخُيُوطَ بَدَأَتْ تَتَقَارَبُ، وَقَلَقٌ لِأَنَّ كُلَّ خَيْطٍ جَدِيدٍ يُقَرِّبُهُمْ مِنْ مُوَاجَهَةٍ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهَا بَعْدُ.
بَعْدَ يَوْمَيْنِ، اتَّصَلَتْ كَلَارَا بِصَوْتٍ أَشَدَّ جِدِّيَّةً، طَالِبَةً لِقَاءً عَاجِلًا. وَحِينَ وَصَلَتْ فِي الْمَسَاءِ، أَخْرَجَتْ مِنْ مُغَلَّفٍ رَقِيقٍ أَوْرَاقًا مِنْ مِلَفٍّ حُقُوقِيٍّ أُورُوبِّيٍّ، وَقَالَتْ: “هُنَا اسْمٌ مُسْتَعَارٌ يَتَكَرَّرُ فِي تَقَارِيرَ مُسْتَقِلَّةٍ، لِرَجُلٍ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ ضَابِطٌ سَابِقٌ بِرُتْبَةِ عَمِيدٍ، يُقِيمُ الْآنَ فِي دَوْلَةٍ مُجَاوِرَةٍ تَحْتَ هُوِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. لَا تَأْكِيدَ قَاطِعًا، لَكِنَّ التَّفَاصِيلَ الْأُخْرَى — الرُّتْبَةَ، الْفَتْرَةَ، حَتَّى بَعْضَ التَّفَاصِيلِ الْجُغْرَافِيَّةَ — تَتَطَابَقُ بِمَا يَصْعُبُ تَفْسِيرُهُ صُدْفَةً.”
تَنَاوَلَ كَنْعَانُ الْأَوْرَاقَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَتَوَقَّفَ عِنْدَ صُورَةٍ قَدِيمَةٍ لِرَجُلٍ فِي الْأَرْبَعِينَ، بِزِيٍّ عَسْكَرِيٍّ، وَابْتِسَامَةٍ ثَابِتَةٍ لَمْ يَنْسَهَا قَطُّ. شَعَرَتْ وِدَادُ بِرَغْبَةٍ فِي أَنْ تَنْتَزِعَ الْوَرَقَةَ مِنْ يَدِهِ، لَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّهَا مُوَاجَهَةٌ لَا بُدَّ أَنْ يَخُوضَهَا وَحْدَهُ، فَاكْتَفَتْ بِأَنْ تَمُدَّ يَدَهَا نَحْوَ يَدِهِ. قَالَ كَنْعَانُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُخْتَنِقٍ: “هَذَا هُوَ. هَذَا حَيْدَرُ.”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ. قَالَتْ كَلَارَا: “إِنْ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ، أُسْتَاذُ مُرَادُ، فَهَذَا يُغَيِّرُ الصُّورَةَ جَذْرِيًّا. الْمِلَفُّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ حَافَظَ عَلَى اتِّصَالَاتٍ مَعَ زُمَلَاءَ قُدَامَى، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ مُتَوَرِّطٌ فِي أَنْشِطَةٍ تَتَجَاوَزُ الْمُرَاقَبَةَ إِلَى الِابْتِزَازِ، بَلْ إِلَى تَهْدِيدَاتٍ مُبَاشِرَةٍ.” سَأَلَتْ وِدَادُ، وَخَوْفٌ يَشُدُّ صَوْتَهَا: “وَلِمَاذَا الْآنَ؟ بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا؟”
فَكَّرَتْ كَلَارَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ: “فِي تَجْرِبَتِي، هَذَا النَّمَطُ مِنَ الْعَوْدَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ يَرْتَبِطُ غَالِبًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّ الْمُسْتَهْدَفَ اقْتَرَبَ، دُونَ قَصْدٍ، مِنْ كَشْفِ شَيْءٍ ظَلَّ مَخْفِيًّا؛ وَإِمَّا أَنَّ الْجَانِيَ نَفْسَهُ بَلَغَ مَرْحَلَةً مِنْ عُمُرِهِ يَشْعُرُ فِيهَا بِالْحَاجَةِ إِلَى تَسْوِيَةِ حِسَابَاتٍ قَدِيمَةٍ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.” ثُمَّ أَضَافَتِ الْجُمْلَةَ الَّتِي سَتَظَلُّ مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَةِ الْعَائِلَةِ: “هَذَا الرَّجُلُ لَا يُرَاقِبُكُمْ بِسَبَبِ الْحَاضِرِ. إِنَّهُ يُرَاقِبُكُمْ بِسَبَبِ شَيْءٍ لَمْ يُغْلَقْ مِلَفُّهُ بَعْدُ، بِالنِّسْبَةِ لَهُ.”
بَعْدَ رَحِيلِ كَلَارَا، جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ صَامِتَةً، تُعِيدُ صِيَاغَةَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ فِي دَاخِلِهَا. قَالَ كَنْعَانُ: “رُبَّمَا لَمْ يَغْفِرْ لِي رَفْضِي يَوْمًا.” رَدَّتْ وِدَادُ بِحَنَانٍ: “أَوْ رُبَّمَا كَانَ رَجُلًا اعْتَادَ أَنْ يُخْضِعَ كُلَّ مَنْ يَقِفُ فِي طَرِيقِهِ، وَبَقِيتَ أَنْتَ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَحِيدَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْضَاعَهُ.” أَمَّا لُبْنَى فَقَالَتْ: “أَوْ رُبَّمَا كَانَ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقًا بِمُنَى نَفْسِهَا، بِشَيْءٍ لَا نَعْرِفُهُ بَعْدُ.”
سَأَلَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ فُضُولًا لَمْ تُخْفِهِ: “كَمْ كَانَتْ عَلَاقَتُكَ بِمُنَى عَمِيقَةً، يَا كَنْعَانُ؟” أَجَابَ، بَعْدَ صَمْتٍ: “كَانَتْ أَعْمَقَ مِنْ صَدَاقَةٍ. كُنْتُ أُحِبُّهَا، بِحُبِّ الْعِشْرِينَ الصَّادِقِ. لَمْ أَقُلْ لَكِ هَذَا بِوُضُوحٍ مِنْ قَبْلُ.” تَنَفَّسَتْ وِدَادُ بِعُمْقٍ، وَقَالَتْ: “شُكْرًا لِصِدْقِكَ. هَذَا يُعِينُنِي عَلَى فَهْمِ كُلِّ مَا تَحْمِلُهُ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَ كَنْعَانُ وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ، فَتَحَ دَفْتَرَهُ، وَكَتَبَ بِخَطٍّ مُرْتَجِفٍ: “أَيْنَ أَنْتِ الْآنَ يَا مُنَى؟ وَهَلْ مَا زِلْتِ تَنْتَظِرِينَ إِجَابَةً لَمْ أَسْتَطِعْ يَوْمًا أَنْ أَمْنَحَكِ إِيَّاهَا؟” شَعَرَ بِثِقَلِ سُؤَالٍ عَاشَ مَعَهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، لَكِنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَمْ يَعُدْ يَخْشَى صِيَاغَتَهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ. تَذَكَّرَ أَنَّهُ أَمْضَى عُمْرَهُ يَكْتُبُ عَنْ شَخْصِيَّاتٍ تُوَاجِهُ أَسْئِلَتَهَا الْوُجُودِيَّةَ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يَتَجَنَّبُ سُؤَالَهُ الْأَعْمَقَ. أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ، وَجَلَسَ فِي الْعَتْمَةِ يُصْغِي إِلَى صَمْتِ الْبَيْتِ، ذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ صَمْتَ الْأَمَانِ، بَلْ صَارَ صَمْتَ انْتِظَارٍ.
وَفِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ أُورُوبَّا، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، كَانَ ثَمَّةَ مَنْ يَنْتَظِرُ أَيْضًا، بِصَبْرٍ لَا يَقِلُّ عَنْ صَبْرِ كَنْعَانَ، لَحْظَةَ اقْتِرَابٍ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْهَادِئِ الَّذِي ظَنَّ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ بِمَنْأًى عَنْ كُلِّ مَا تَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ
فِي الْيَوْمِ التَّالِي لِمُكَالَمَةِ كَلَارَا الثَّقِيلَةِ، جَلَسَ كَنْعَانُ فِي مَكْتَبِهِ يُحَدِّقُ فِي دَفْتَرِهِ الْمَفْتُوحِ عَلَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي كَتَبَهَا لَيْلًا: “أَيْنَ أَنْتِ الْآنَ يَا مُنَى؟” وَشَعَرَ أَنَّ ثَمَّةَ خُطْوَةً عَمَلِيَّةً وَاحِدَةً أَجَّلَهَا طَوِيلًا لِأَسْبَابٍ لَمْ يَعُدْ يَفْهَمُهَا بِوُضُوحٍ: أَنْ يَتَّصِلَ بِأُخْتِهِ الْكُبْرَى، سَلْوَى، الَّتِي كَانَتْ، فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الْبَعِيدَةِ، عَلَى مَعْرِفَةٍ عَابِرَةٍ بِمُنَى وَعَائِلَتِهَا، بِحُكْمِ صَدَاقَةٍ قَدِيمَةٍ جَمَعَتْ وَالِدَتَيْهِمَا.
تَسَاءَلَ لِمَ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا مِنْ قَبْلُ طَوَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ؛ رُبَّمَا لِأَنَّ سَلْوَى، بِمَسَافَتِهَا الطَّوِيلَةِ عَنْ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ، لَمْ تَكُنْ أَبَدًا أَوَّلَ مَنْ يَخْطُرُ بِبَالِهِ، أَوْ رُبَّمَا لِأَنَّهُ كَانَ يَخْشَى، فِي عُمْقِ وَعْيِهِ، أَنْ تَحْمِلَ أُخْتُهُ شَيْئًا يُفَضِّلُ أَلَّا يَعْرِفَهُ.
كَانَتْ سَلْوَى تَكْبُرُهُ بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ، وَكَانَتْ فِي طُفُولَتِهِمَا أَقْرَبَ إِلَى أُمٍّ ثَانِيَةٍ. تَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَتْ تَحْكِي لَهُ الْقَصَصَ قَبْلَ النَّوْمِ، وَكَيْفَ دَافَعَتْ عَنْهُ أَمَامَ أَطْفَالِ الْحَيِّ، وَكَيْفَ بَكَتْ يَوْمَ سَافَرَ إِلَى الْجَامِعَةِ. لَكِنَّ تِلْكَ الْعَلَاقَةَ الْحَمِيمَةَ تَبَاعَدَتْ تَدْرِيجِيًّا مَعَ السِّنِينَ، حَتَّى صَارَتْ أَقْرَبَ إِلَى عَلَاقَةٍ رَسْمِيَّةٍ مُهَذَّبَةٍ. هَاجَرَتْ سَلْوَى هِيَ الْأُخْرَى، إِلَى مَدِينَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ أُخْرَى بَعِيدَةٍ، بَعْدَ زَوَاجِهَا مِنْ رَجُلٍ أَلْمَانِيٍّ، وَبَنَتْ حَيَاةً بَعِيدَةً تَمَامًا عَنْ أَيِّ ذِكْرٍ لِسُورِيَا.
اتَّصَلَ بِهَا كَنْعَانُ، طَالِبًا زِيَارَتَهَا لِبِضْعَةِ أَيَّامٍ، مُوَضِّحًا أَنَّ لَدَيْهِ أَسْئِلَةً عَنِ الْمَاضِي. شَعَرَ، مِنْ صَمْتِهَا الطَّوِيلِ، أَنَّ سُؤَالَهُ فَاجَأَهَا. قَالَتْ أَخِيرًا: “تَعَالَ، كَنْعَانُ. لَكِنْ لَا أَعِدُكَ بِأَنَّنِي أَمْلِكُ الْإِجَابَاتِ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْهَا.” وَحِينَ سَأَلَهَا إِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، أَجَابَتْ بَعْدَ صَمْتٍ: “فُوجِئْتُ بِسُؤَالِكَ، هَذَا كُلُّ شَيْءٍ. لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ عَنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.”
سَافَرَ كَنْعَانُ وَحْدَهُ، بَعْدَ أَنْ طَمْأَنَ وِدَادَ، الَّتِي سَأَلَتْهُ قَبْلَ رَحِيلِهِ: “هَلْ تَظُنُّ أَنَّ سَلْوَى قَدْ تَكُونُ فِي خَطَرٍ هِيَ الْأُخْرَى، لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا أُخْتَكَ؟” أَدْرَكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَحْمِلُ ثِقَلًا لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ كَافِيَةٍ، وَقَالَ: “يَجِبُ أَنْ أَكُونَ حَذِرًا فِي كُلِّ مَا أَقُولُهُ لَهَا.”
خِلَالَ رِحْلَةِ الْقِطَارِ، اسْتَرْجَعَ كَنْعَانُ ذِكْرَيَاتٍ مِنْ طُفُولَتِهِ مَعَ سَلْوَى: غُرْفَتَهُمَا الْمُشْتَرَكَةَ، أَغَانِيَهَا الشَّعْبِيَّةَ، سُهَادَهَا بِجَانِبِ فِرَاشِهِ لَيْلَةَ مَرَضِهِ. بَدَتْ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتُ الدَّافِئَةُ الْآنَ بَعِيدَةً جِدًّا، كَأَنَّهَا تَخُصُّ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَامًا عَنِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اللَّذَيْنِ صَارَاهُمَا الْآنَ.
اسْتَقْبَلَتْهُ سَلْوَى عِنْدَ بَابِ بَيْتِهَا الصَّغِيرِ الْأَنِيقِ، عَانَقَتْهُ عِنَاقًا رَسْمِيًّا نَوْعًا مَا، وَلَاحَظَ كَنْعَانُ بُرُودَةَ يَدَيْهَا رَغْمَ دِفْءِ الْمَنْزِلِ. لَاحَظَ أَيْضًا الدِّقَّةَ الْأَلْمَانِيَّةَ الصَّارِمَةَ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ بَيْتِهَا، وَغِيَابَ أَيِّ أَثَرٍ لِرَوَائِحِ الْمَاضِي الشَّرْقِيِّ الَّتِي كَانَ يَتَذَكَّرُهَا مِنْ بَيْتِ طُفُولَتِهِمَا: الْقَهْوَةَ الْمُحَمَّصَةَ، وَالزَّعْتَرَ، وَالْيَاسَمِينَ. شَعَرَ بِحُزْنٍ خَفِيفٍ أَمَامَ هَذَا الْمَحْوِ الظَّاهِرِ لِكُلِّ مَا يُذَكِّرُ بِذَلِكَ الْمَاضِي الْمُشْتَرَكِ.
بَعْدَ مُقَدِّمَاتٍ قَصِيرَةٍ، شَرَحَ كَنْعَانُ لِأُخْتِهِ سَبَبَ زِيَارَتِهِ: الْحَبَّةَ الْمُخْتَلِفَةَ، الْمِلَفَّ الْأَمْنِيَّ، حَيْدَرَ، وَذَلِكَ السُّؤَالَ: مَاذَا حَدَثَ لِمُنَى فِعْلًا؟ اسْتَمَعَتْ سَلْوَى بِصَمْتٍ تَامٍّ، دُونَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى وَجْهِهَا تَعْبِيرٌ وَاضِحٌ، وَهُوَ مَا أَقْلَقَ كَنْعَانَ، فَأُخْتُهُ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا امْرَأَةً تُخْفِي مَشَاعِرَهَا بِهَذَا الْإِتْقَانِ. لَاحَظَ يَدَيْهَا تَتَشَابَكَانِ بِإِحْكَامٍ مُتَزَايِدٍ. سَأَلَهَا مُبَاشَرَةً: “سَلْوَى، هَلْ تَعْرِفِينَ شَيْئًا لَمْ تُخْبِرِينِي بِهِ مِنْ قَبْلُ؟”
صَمَتَتْ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: “كُنْتُ أَتَمَنَّى بِصِدْقٍ أَلَّا تَأْتِيَ يَوْمًا تَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا بِالذَّاتِ.” نَهَضَتْ فَجْأَةً، وَاتَّجَهَتْ نَحْوَ النَّافِذَةِ، وَقَالَتْ دُونَ أَنْ تَسْتَدِيرَ: “طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، كُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي أَنَّ صَمْتِي كَانَ حِكْمَةً، لَا جُبْنًا. الْآنَ، لَمْ أَعُدْ مُتَأَكِّدَةً مِنْ ذَلِكَ.”
عَادَتْ سَلْوَى إِلَى مَقْعَدِهَا، وَبَدَأَتْ تَتَحَدَّثُ: “كُنْتُ صَدِيقَةً مُقَرَّبَةً لِوَالِدَةِ مُنَى. بَعْدَ اخْتِفَائِهَا بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، جَاءَتْنِي، خَائِفَةً جِدًّا، تَطْلُبُ مِنِّي مُسَاعَدَةً. أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا تَلَقَّتْ رِسَالَةً وَاحِدَةً مِنْ مُنَى نَفْسِهَا، تُخْبِرُهَا فِيهَا أَنَّهَا بِخَيْرٍ، وَأَنَّهَا اضْطُرَّتْ لِلْفِرَارِ، وَطَلَبَتْ أَنْ تُخْفِيَ أَمْرَ الرِّسَالَةِ عَنِ الْجَمِيعِ.” أَضَافَتْ، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ: “احْتَفَظْتُ بِالرِّسَالَةِ لَهَا أَشْهُرًا طَوِيلَةً، فِي مَكَانٍ آمِنٍ.”
سَأَلَهَا كَنْعَانُ: “هَلْ قَرَأْتِهَا؟ مَاذَا كَانَتْ تَقُولُ؟” أَغْمَضَتْ سَلْوَى عَيْنَيْهَا: “قَرَأْتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً. كَانَتْ تَكْتُبُ أَنَّهَا ‘فِي مَكَانٍ آمِنٍ الْآنَ’، وَأَنَّهَا ‘اضْطُرَّتْ لِهَذَا الْقَرَارِ حِمَايَةً لِمَنْ تُحِبُّ’، وَأَنَّهَا تَأْمُلُ أَنْ ‘يَفْهَمَ الْجَمِيعُ يَوْمًا’. كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَحْمِلُ طَابَعَ بَرِيدٍ مِنْ بَلَدٍ أُورُوبِّيٍّ، رُبَّمَا فَرَنْسَا أَوْ سُوِيسْرَا.”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِصَدْمَةٍ عَمِيقَةٍ. “مُنَى كَانَتْ حَيَّةً؟ وَلِمَاذَا لَمْ تُخْبِرِينِي، سَلْوَى؟” نَهَضَ يَسِيرُ جَيْئَةً وَذَهَابًا. أَجَابَتْ سَلْوَى، بِعَيْنَيْنِ دَامِعَتَيْنِ: “لِأَنِّي وَعَدْتُ وَالِدَتَهَا بِالصَّمْتِ الْمُطْلَقِ، وَلِأَنَّكَ كُنْتَ حِينَهَا تُخَطِّطُ لِلْهِجْرَةِ، خَائِفًا، وَشَعَرْتُ أَنَّ إِخْبَارَكَ قَدْ يُعَرِّضُكَ لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ. ثُمَّ مَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَأَصْبَحَ الْحَدِيثُ عَنْ ذَلِكَ أَصْعَبَ فَأَصْعَبَ.”
أَمْسَكَ كَنْعَانُ بِيَدِ أُخْتِهِ الْمُرْتَجِفَةِ: “أَفْهَمُ دَوَافِعَكِ، سَلْوَى. لَكِنْ هَلْ تُدْرِكِينَ مَاذَا يَعْنِي هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِي؟ أَرْبَعُونَ عَامًا وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّنِي تَسَبَّبْتُ فِي مَأْسَاةٍ كَامِلَةٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ هُنَاكَ إِشَارَةٌ، وَلَوْ قَدِيمَةٌ، بِأَنَّهَا نَجَتْ؟”
سَأَلَ كَنْعَانُ إِنْ كَانَتْ تَعْرِفُ شَيْئًا آخَرَ. هَزَّتْ سَلْوَى رَأْسَهَا: “لَا، كَنْعَانُ. تِلْكَ كَانَتِ الْمَرَّةَ الْوَحِيدَةَ. تُوُفِّيَتْ وَالِدَتُهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، دُونَ أَنْ تَتَلَقَّى رِسَالَةً أُخْرَى. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ مُنَى لَا تَزَالُ حَيَّةً، أَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّهَا كَانَتْ حَيَّةً، لِبَعْضِ الْوَقْتِ عَلَى الْأَقَلِّ، بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.”
خَرَجَ كَنْعَانُ إِلَى الْحَدِيقَةِ، وَجَلَسَتْ سَلْوَى بِجَانِبِهِ صَامِتَةً. قَالَ أَخِيرًا: “طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا، بَنَيْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا عَلَى افْتِرَاضِ أَنَّ مُنَى مَاتَتْ. كُلُّ رِوَايَةٍ كَتَبْتُهَا كَانَتْ، بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَعْتَرِفْ بِهَا لِنَفْسِي، مُحَاوَلَةً لِإِحْيَاءِ جُزْءٍ مِنْهَا.” قَالَتْ سَلْوَى بِحَنَانٍ: “رُبَّمَا الْآنَ حَانَ الْوَقْتُ لِتَكْتُبَ لَهَا نِهَايَةً حَقِيقِيَّةً، لَا نِهَايَةً مُتَخَيَّلَةً فَقَطْ.”
سَأَلَتْهُ سَلْوَى، عِنْدَ الْعَشَاءِ: “هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُفَسِّرُ مَا يَحْدُثُ مَعَكَ الْآنَ؟ أَنَّ حَيْدَرَ يَبْحَثُ عَنْكَ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّكَ تَعْرِفُ مَكَانَ مُنَى؟” فَكَّرَ كَنْعَانُ طَوِيلًا: “رُبَّمَا. لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ الْآنَ أَنَّ هُنَاكَ سُؤَالًا جَدِيدًا: أَيْنَ اخْتَفَتْ مُنَى بَعْدَ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الْوَحِيدَةِ؟” حَذَّرَتْهُ سَلْوَى: “مَاذَا لَوْ وَجَدْتَهَا، وَكَانَتْ قَدْ بَنَتْ حَيَاةً جَدِيدَةً لَا تُرِيدُ أَنْ يُعَادَ فَتْحُ هَذَا الْفَصْلِ؟”
غَادَرَ كَنْعَانُ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، بَعْدَ وَدَاعٍ أَكْثَرَ دِفْئًا مِنْ عِنَاقِ الِاسْتِقْبَالِ. قَالَتْ سَلْوَى: “أَعِدُكَ أَنَّنِي سَأُخْبِرُكَ بِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ أَتَذَكَّرُهُ.” سَارَ كَنْعَانُ نَحْوَ مَحَطَّةِ الْقِطَارِ سَيْرًا، وَبَعْدَ دَقَائِقَ شَعَرَ بِذَلِكَ الْإِحْسَاسِ الْقَدِيمِ يَعُودُ: إِحْسَاسٌ بِوُجُودِ عَيْنَيْنِ تُرَاقِبَانِهِ. الْتَفَتَ بِحَذَرٍ، فَلَمَحَ عَلَى بُعْدِ نَحْوِ خَمْسِينَ مِتْرًا رَجُلًا يَمْشِي بِخُطًى مُنْتَظِمَةٍ، بِمِعْطَفٍ دَاكِنٍ وَقُبَّعَةٍ، بِوَقْفَةٍ ذَكَّرَتْهُ بِذَلِكَ الشَّكْلِ الْغَامِضِ فِي تَسْجِيلِ الْكَامِيرَا.
أَسْرَعَ كَنْعَانُ خُطَاهُ نَحْوَ سَاحَةٍ مُزْدَحِمَةٍ قُرْبَ الْمَحَطَّةِ، وَحِينَ الْتَفَتَ مَرَّةً أَخِيرَةً، كَانَ الرَّجُلُ قَدْ تَلَاشَى. دَخَلَ الْمَحَطَّةَ، وَاتَّصَلَ فَوْرًا بِسَلْوَى يُحَذِّرُهَا. أَجَابَتْهُ بِشَجَاعَةٍ فَاجَأَتْهُ: “لَنْ أَدَعَ الْخَوْفَ يُسَيْطِرُ عَلَيَّ، كَنْعَانُ. لَقَدْ عِشْتُ طَوِيلًا جِدًّا أُخْفِي الْحَقِيقَةَ خَوْفًا مِنْ عَوَاقِبِهَا، وَلَنْ أَعُودَ إِلَى ذَلِكَ.”
جَلَسَ كَنْعَانُ طَوَالَ رِحْلَةِ الْعَوْدَةِ، يُفَكِّرُ فِي مُنَى الَّتِي رُبَّمَا لَا تَزَالُ حَيَّةً، وَفِي سَلْوَى الَّتِي صَارَتْ، بِلَا قَصْدٍ مِنْهَا، هَدَفًا مُحْتَمَلًا آخَرَ، وَفِي ذَلِكَ الرَّجُلِ الْغَامِضِ الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُرَاقَبَةَ لَمْ تَعُدْ مُقْتَصِرَةً عَلَى بَيْتِهِ فِي أَلْمَانِيَا وَحْدَهُ، بَلِ امْتَدَّتْ لِتُلَاحِقَهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ
عَادَ كَنْعَانُ إِلَى أَلْمَانْيَا فِي مَسَاءِ الْيَوْمِ التَّالِي، مُرْهَقًا جَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا، فَوَجَدَ فِي اسْتِقْبَالِ وِدَادَ وَلُبْنَى لَهُ عِنْدَ الْمَحَطَّةِ شَيْئًا مِنَ الدِّفْءِ الَّذِي احْتَاجَهُ بِشِدَّةٍ. عَانَقَتْهُ وِدَادُ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ بِجَسَدِهَا أَنَّهُ عَادَ سَالِمًا فِعْلًا. لَاحَظَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يَنْزِلُ مِنَ الْقِطَارِ، مَدَى التَّغَيُّرِ الَّذِي طَرَأَ عَلَى حَيَاتِهِ خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ: مِنْ رَجُلٍ اعْتَادَ حَيَاةً هَادِئَةً، إِلَى رَجُلٍ تُسْتَقْبَلُ عَوْدَتُهُ كَنَجَاةٍ مِنْ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ.
فِي السَّيَّارَةِ، رَوَى لَهُمَا كُلَّ مَا كَشَفَتْهُ سَلْوَى، فَاسْتَمَعَتَا بِصَمْتٍ مَذْهُولٍ. سَأَلَتْ لُبْنَى: “أَبِي، هَلْ تَظُنُّ أَنَّ سَلْوَى قَدْ تَتَحَدَّثُ مَعِي مُبَاشَرَةً، بِصِفَتِي صَحَفِيَّةً؟” أَخْبَرَهُمَا أَيْضًا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي تَبِعَهُ فِي هُولَنْدَا. قَالَتْ وِدَادُ، مُتَوَقِّفَةً عَنِ الْقِيَادَةِ عِنْدَ إِشَارَةٍ حَمْرَاءَ: “كَنْعَانُ، يَجِبُ أَنْ نَتَّصِلَ بِسَلْوَى فَوْرًا.” اتَّصَلَ بِهَا، فَطَمْأَنَتْهُ أَنَّهَا بِخَيْرٍ، وَوَعَدَتْ بِالْحَذَرِ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، اتَّصَلَ الضَّابِطُ بَيْكَرُ لِيُبَلِّغَ كَنْعَانَ بِنَتَائِجَ فَحْصٍ مُخْبَرِيٍّ مُتَخَصِّصٍ أُجْرِيَ عَلَى الْحَبَّةِ السَّابِعَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَحْصٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِنَ التَّحْلِيلِ الْكِيمْيَائِيِّ الْأَوَّلِ. قَالَ الضَّابِطُ، بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ: “أُسْتَاذُ مُرَادُ، أُرِيدُكُمْ أَنْ تَأْتُوا إِلَى الْمَرْكَزِ الْيَوْمَ. النَّتَائِجُ… غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ تَمَامًا.”
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ أَمَامَ الضَّابِطِ بَيْكَرَ وَخَبِيرَةٍ تِقْنِيَّةٍ تُدْعَى الدُّكْتُورَةَ هُوفْمَانَ. عَرَضَتِ الدُّكْتُورَةُ صُوَرًا مُكَبَّرَةً لِلْحَبَّةِ، وَقَالَتْ: “أُسْتَاذُ مُرَادُ، مَا اكْتَشَفْنَاهُ مُذْهِلٌ حَقًّا. الْحَبَّةُ تَحْتَوِي، بِالْفِعْلِ، عَلَى الْمَادَّةِ الدَّوَائِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنَّهَا تَحْتَوِي أَيْضًا، مُدْمَجًا بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ، عَلَى شَرِيحَةٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا، أَصْغَرَ مِنْ رَأْسِ الدَّبُّوسِ، مُصَمَّمَةٍ لِتَعْمَلَ كَجِهَازِ تَتَبُّعٍ بِالْمَوْقِعِ الْجُغْرَافِيِّ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ التِّقْنِيَّةِ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ إِلَّا فِي تَطْبِيقَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ سِرِّيَّةٍ جِدًّا.”
جَلَسَ كَنْعَانُ صَامِتًا، يَسْتَوْعِبُ أَنَّ الْحَبَّةَ لَمْ تَكُنْ سُمًّا، بَلْ أَدَاةَ مُرَاقَبَةٍ. سَأَلَتْ وِدَادُ: “كَيْفَ يَعْمَلُ هَذَا بِالضَّبْطِ؟” أَوْضَحَتِ الدُّكْتُورَةُ: “الشَّرِيحَةُ، حِينَ تَدْخُلُ الْجَسَدَ، تُفَعِّلُ بَثَّ إِشَارَةٍ لَاسِلْكِيَّةٍ ضَعِيفَةٍ جِدًّا، لَا يُمْكِنُ الْتِقَاطُهَا إِلَّا بِمُعَدَّاتٍ مُتَخَصِّصَةٍ قَرِيبَةٍ. تَخَيَّلُوهَا مَنَارَةً صَغِيرَةً جِدًّا، تُرْسِلُ وَمْضَةً خَافِتَةً مِنْ حِينٍ لِآخَرَ.” سَأَلَ كَنْعَانُ: “هَلْ لَا تَزَالُ دَاخِلَ جَسَدِي الْآنَ؟” أَجَابَتْ بِحَذَرٍ: “احْتِمَالٌ حَقِيقِيٌّ، لَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ عَادَةً مَا يُطْرَحُ مِنَ الْجَسَدِ خِلَالَ أَيَّامٍ. أَنْصَحُكَ بِفُحُوصَاتٍ شَامِلَةٍ.”
قَالَتْ لُبْنَى: “هَذَا يُفَسِّرُ الْكَثِيرَ: الْمُرَاقَبَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ، مُتَابَعَتَهُ حَتَّى فِي هُولَنْدَا.” سَأَلَ كَنْعَانُ: “لَكِنْ لِمَاذَا يُرِيدُونَ مَعْرِفَةَ مَكَانِي بِهَذِهِ الدِّقَّةِ؟” أَجَابَتِ الدُّكْتُورَةُ هُوفْمَانُ: “هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّتَبُّعِ عَادَةً مَا يُسْتَخْدَمُ لِسَبَبٍ رَئِيسِيٍّ: مُرَاقَبَةُ تَحَرُّكَاتِ الشَّخْصِ الْمُسْتَهْدَفِ تَحَسُّبًا لِأَنَّهُ قَدْ يَقُودُ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ يُرِيدُونَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ.” سَأَلَ الضَّابِطُ بَيْكَرُ: “هَلْ هُنَاكَ شَخْصٌ فِي حَيَاتِكَ قَدْ يَكُونُ هَدَفًا آخَرَ؟” قَالَ كَنْعَانُ، بِحَذَرٍ: “هُنَاكَ امْرَأَةٌ مِنْ مَاضِيَّ، عَرَفْتُهَا فِي سُورِيَا قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا، رُبَّمَا لَا تَزَالُ حَيَّةً.”
أَدْرَكَ الثَّلَاثَةُ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا الِاسْتِنْتَاجَ الْمُرْعِبَ: كَانَ حَيْدَرُ يُرَاقِبُ كَنْعَانَ لَا لِيُؤْذِيَهُ، بَلْ عَلَى أَمَلِ أَنْ يَقُودَهُ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، إِلَى مُنَى.
نَصَحَ الضَّابِطُ بَيْكَرُ بِتَغْيِيرِ كُلِّ تَفَاصِيلِ الرُّوتِينِ، وَتَرْتِيبِ دَوْرِيَّاتِ مُرَاقَبَةٍ حَوْلَ الْبَيْتِ. أَضَافَتِ الدُّكْتُورَةُ هُوفْمَانُ: “أَنْصَحُكُمْ أَيْضًا بِفَحْصِ هَوَاتِفِكُمْ بَحْثًا عَنْ بَرْمَجِيَّاتِ تَجَسُّسٍ.” سَأَلَتْ وِدَادُ: “هَلْ يَجِبُ أَنْ نُغَيِّرَ أَرْقَامَ هَوَاتِفِنَا، أَوْ نَنْتَقِلَ مُؤَقَّتًا؟” أَجَابَ الضَّابِطُ: “قَرَارَاتٌ صَعْبَةٌ، لَا جَوَابَ وَاحِدَ صَحِيحَ لَهَا. فَكِّرُوا فِيهَا كَعَائِلَةٍ.”
قَرَّرَ كَنْعَانُ أَلَّا يَهْرُبَ مِنْ بَيْتِهِ: “لَقَدْ هَرَبْتُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي حَيَاتِي، مِنْ سُورِيَا. لَكِنَّ الْهُرُوبَ الْآنَ، مِنْ بَيْتٍ بَنَيْتُهُ بِيَدِي مَعَ وَالِدَتِكِ طَوَالَ عُقُودٍ، سَيَكُونُ اسْتِسْلَامًا لَا أُرِيدُهُ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، خَضَعَ كَنْعَانُ لِفُحُوصَاتٍ شَامِلَةٍ فِي مُسْتَشْفًى جَامِعِيٍّ. جَاءَتِ النَّتَائِجُ مُطْمَئِنَّةً نِسْبِيًّا: لَمْ تَظْهَرْ أَيُّ شَرِيحَةٍ نَشِطَةٍ. لَكِنَّ هَذَا الِاطْمِئْنَانَ الْجُزْئِيَّ لَمْ يُخَفِّفْ مِنَ الْقَلَقِ الْعَمِيقِ: فَتَوَقُّفُ هَذِهِ الْوَسِيلَةِ لَا يَعْنِي تَوَقُّفَ الْمُرَاقَبَةِ.
اتَّصَلَتْ لُبْنَى بِتُومَاسَ وَكَلَارَا لِمُشَارَكَتِهِمَا هَذَا الْكَشْفَ. قَالَ تُومَاسُ: “هَذَا يَرْفَعُ الْقَضِيَّةَ إِلَى فِئَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا. تِقْنِيَّاتُ التَّتَبُّعِ الْمُدْمَجَةُ فِي الْأَدْوِيَةِ عَادَةً مَا تَكُونُ مُرْتَبِطَةً بِمَخَابِرَ حُكُومِيَّةٍ كُبْرَى، أَوْ بِشَرِكَاتٍ خَاصَّةٍ تَعْمَلُ بِعُقُودٍ سِرِّيَّةٍ مَعَ تِلْكَ الْحُكُومَاتِ.” أَضَافَ دُكْتُورٌ بْرَانْتُ، خَبِيرٌ أَمْنِيٌّ اقْتَرَحَتْهُ كَلَارَا: “هَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ وَالِدَكِ أَصْبَحَ، لِسَبَبٍ مَا، هَدَفًا يَسْتَحِقُّ تَخْصِيصَ مَوَارِدَ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَهُ.”
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، جَلَسَ كَنْعَانُ فِي مَكْتَبِهِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ: “لَمْ تَكُنِ الْحَبَّةُ تُرِيدُ قَتْلِي. كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ أَيْنَ أَذْهَبُ، وَرُبَّمَا، إِلَى مَنْ.” فَكَّرَ فِي مُفَارَقَةٍ أَعْمَقَ: أَنَّهُ، طَوَالَ حَيَاتِهِ كَكَاتِبٍ، كَانَ دَائِمًا الْمُرَاقِبَ، وَالْآنَ أَصْبَحَ هُوَ نَفْسُهُ مَوْضُوعَ مُرَاقَبَةٍ دَقِيقَةٍ.
بَيْنَمَا كَانَ يَكْتُبُ، وَصَلَتْهُ رِسَالَةٌ نَصِّيَّةٌ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ، بِالْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى، مُقْتَضَبَةً غَامِضَةً: “سَيَحِينُ وَقْتُ اللِّقَاءِ قَرِيبًا. كُنْ مُسْتَعِدًّا.” جَلَسَ كَنْعَانُ يُحَدِّقُ فِيهَا، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ رِسَالَةَ تَهْدِيدٍ مُبَاشِرٍ، بَلْ إِشَارَةً وَاضِحَةً إِلَى شَيْءٍ قَادِمٍ.
نَادَى وِدَادَ وَلُبْنَى، وَأَرَاهُمَا الرِّسَالَةَ. سَأَلَتْ وِدَادُ: “أَيُّ لِقَاءٍ، كَنْعَانُ؟ لِقَاءٌ مَعَ مَنْ؟” هَزَّ رَأْسَهُ: “لَا أَعْرِفُ، وَلَا أَيْنَ، وَلَا مَتَى، وَلَا مَعَ مَنْ. لَكِنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ تَنْتَقِلُ بِنَا مِنْ مَرْحَلَةِ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ تَمَامًا.” قَالَتْ لُبْنَى: “الرِّسَالَةُ لَا تُحَدِّدُ مَكَانًا وَلَا زَمَانًا، وَهَذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ أُسْلُوبٌ مَدْرُوسٌ، يَهْدُفُ إِلَى إِبْقَائِنَا فِي حَالَةِ تَرَقُّبٍ دَائِمٍ.”
اتَّصَلُوا بِالضَّابِطِ بَيْكَرَ، فَوَعَدَ بِحِمَايَةٍ إِضَافِيَّةٍ وَبِمُحَاوَلَةِ تَتَبُّعِ مَصْدَرِ الرِّسَالَةِ. اسْتَلْقَى كَنْعَانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِجَانِبِ وِدَادَ، يُفَكِّرُ فِي كُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي قَدْ يَحْمِلُهَا ذَلِكَ اللِّقَاءُ الْمَوْعُودُ. هَمَسَتْ لَهُ وِدَادُ فِي الْعَتْمَةِ: “كَنْعَانُ، مَهْمَا كَانَ هَذَا اللِّقَاءُ، سَنُوَاجِهُهُ مَعًا. لَنْ أَدَعَكَ تَذْهَبُ إِلَيْهِ وَحْدَكَ.” أَمْسَكَ كَنْعَانُ بِيَدِهَا بِإِحْكَامٍ، شَاعِرًا بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ.
كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ بِدَايَةَ مَرْحَلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا: مَرْحَلَةٍ لَمْ يَعُدْ فِيهَا كَنْعَانُ وَعَائِلَتُهُ أَهْدَافًا سَلْبِيَّةً لِمُرَاقَبَةٍ صَامِتَةٍ، بَلْ أَطْرَافًا فَاعِلَةً فِي مُوَاجَهَةٍ قَادِمَةٍ لَا مَفَرَّ مِنْهَا. وَفِي مَكَانٍ آخَرَ، بَعِيدًا عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْأَلْمَانِيِّ الْهَادِئِ، كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُعِدُّ أَيْضًا، بِصَبْرٍ مُمَاثِلٍ، لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمَوْعُودَةِ.
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ
فِي الْأَيَّامِ الَّتِي أَعْقَبَتِ اكْتِشَافَ الشَّرِيحَةِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ وَوُصُولَ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الْغَامِضَةِ عَنِ “اللِّقَاءِ الْقَادِمِ”، وَجَدَتِ الْعَائِلَةُ نَفْسَهَا فِي حَالَةِ انْتِظَارٍ مَشْحُونٍ، تُحَاوِلُ أَنْ تَعِيشَ حَيَاةً طَبِيعِيَّةً بِقَدْرِ مَا اسْتَطَاعَتْ، وَتَظَلُّ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَقِظَةً لِأَيِّ إِشَارَةٍ جَدِيدَةٍ قَدْ تَكْشِفُ مَزِيدًا مِنَ التَّفَاصِيلِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْعِدِ الْغَامِضِ الَّذِي لَمْ يُحَدَّدْ مَكَانُهُ بَعْدُ. كَانَتْ كُلُّ دَقِيقَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ تَحْمِلُ ثِقَلًا مُضَاعَفًا: ثِقَلَ الِانْتِظَارِ نَفْسِهِ، وَثِقَلَ مُحَاوَلَةِ التَّظَاهُرِ بِأَنَّ الْحَيَاةَ مَا تَزَالُ تَسِيرُ عَلَى طَبِيعَتِهَا، وَإِنْ كَانَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ يَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِهِ، أَنَّ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا قَدْ تَغَيَّرَ إِلَى الْأَبَدِ.
كَانَتْ تِلْكَ الْأَيَّامُ غَرِيبَةً عَلَى طَرِيقَتِهَا، أَيَّامًا تَتَأَرْجَحُ فِيهَا الْعَائِلَةُ بَيْنَ مُحَاوَلَاتٍ يَائِسَةٍ لِاسْتِعَادَةِ شَيْءٍ مِنَ الرُّوتِينِ الْمُعْتَادِ، طَبْخِ الْعَشَاءِ، وَمُشَاهَدَةِ بَرْنَامَجٍ تِلْفَازِيٍّ هَادِئٍ، وَمُحَادَثَةٍ عَابِرَةٍ عَنِ الطَّقْسِ، وَبَيْنَ لَحَظَاتٍ مُفَاجِئَةٍ مِنَ الْقَلَقِ الْحَادِّ كُلَّمَا رَنَّ الْهَاتِفُ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، أَوْ مَرَّتْ سَيَّارَةٌ بِبُطْءٍ أَمَامَ الْبَيْتِ، أَوْ سَمِعَ أَحَدُهُمْ صَوْتًا غَرِيبًا فِي الْخَارِجِ. لَاحَظَ كَنْعَانُ، بِحُزْنٍ صَامِتٍ، أَنَّ وِدَادَ صَارَتْ تَتَفَقَّدُ أَقْفَالَ الْأَبْوَابِ وَالنَّوَافِذِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ النَّوْمِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، حَرَكَةً جَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ يَوْمًا جُزْءًا مِنْ رُوتِينِهَا، وَأَنَّ لُبْنَى، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُحَاوَلَاتِهَا إِخْفَاءَ ذَلِكَ، بَاتَتْ تُحَدِّقُ فِي شَاشَةِ هَاتِفِهَا بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ كُلَّمَا اهْتَزَّتْ، تَظُنُّهَا دَائِمًا تِلْكَ الرِّسَالَةَ الْحَاسِمَةَ الَّتِي تُحَدِّدُ أَخِيرًا مَكَانَ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الْغَامِضِ وَزَمَانَهُ.
لَاحَظَتْ وِدَادُ أَيْضًا، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، أَنَّهَا بَدَأَتْ، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَاعٍ مِنْهَا، تُرَاجِعُ كُلَّ تَفَاعُلٍ يَوْمِيٍّ بَسِيطٍ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ: نَظْرَةَ الْجَارِ الْعَابِرَةَ، وَطَرِيقَةَ وُقُوفِ سَاعِي الْبَرِيدِ أَمَامَ الْبَابِ ثَوَانِيَ أَطْوَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ، حَتَّى صَوْتَ سَيَّارَةٍ تُبْطِئُ سُرْعَتَهَا قُرْبَ بَيْتِهِمْ؛ كُلُّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِتَلْفِتَ انْتِبَاهَهَا يَوْمًا صَارَتْ، فَجْأَةً، مَصْدَرًا مُحْتَمَلًا لِلْقَلَقِ، فَشَعَرَتْ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ أَمَامَ هَذَا التَّحَوُّلِ فِي طَرِيقَةِ رُؤْيَتِهَا لِلْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهَا، ذَلِكَ الْعَالَمُ الَّذِي كَانَ، حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، يَبْدُو لَهَا آمِنًا وَدُودًا بِلَا أَيِّ تَحَفُّظٍ.
حَاوَلَ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، أَنْ يَعُودَ إِلَى كِتَابَتِهِ، أَنْ يُمْسِكَ بِقَلَمِهِ وَيَسْتَأْنِفَ رِوَايَتَهُ الَّتِي هَجَرَهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ، لَكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَجْلِسُ فِيهَا أَمَامَ صَفْحَتِهِ الْبَيْضَاءِ، عَاجِزًا عَنِ التَّرْكِيزِ، وَعَقْلُهُ يَهِيمُ بِلَا تَوَقُّفٍ بَيْنَ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي غَدَتْ أَثْقَلَ وَأَكْثَرَ تَعْقِيدًا مِنْ أَيَّةِ حَبْكَةٍ رِوَائِيَّةٍ تَخَيَّلَهَا يَوْمًا فِي مَسِيرَتِهِ الْأَدَبِيَّةِ الطَّوِيلَةِ الْحَافِلَةِ بِالتَّفَاصِيلِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ. أَحَسَّ بِسُخْرِيَةٍ مُرَّةٍ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ: هُوَ الَّذِي أَفْنَى عُمْرَهُ يَخْتَرِعُ الْمُؤَامَرَاتِ وَالْأَسْرَارَ لِشَخْصِيَّاتِهِ الْخَيَالِيَّةِ، صَارَ الْآنَ عَاجِزًا عَنْ كِتَابَةِ سَطْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَعِيشُ فِعْلِيًّا مُؤَامَرَةً أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ مَا ابْتَكَرَهُ خَيَالُهُ.
جَلَسَ كَنْعَانُ، فِي إِحْدَى تِلْكَ الْمُحَاوَلَاتِ الْفَاشِلَةِ، يُحَدِّقُ فِي الصَّفْحَةِ الْبَيْضَاءِ أَمَامَهُ سَاعَةً كَامِلَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكْتُبَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَتَذَكَّرَ، بِمَرَارَةٍ، نَصِيحَةً قَدِيمَةً كَانَ يُسْدِيهَا دَائِمًا لِطُلَّابِ الْكِتَابَةِ الشُّبَّانِ فِي وَرَشَاتِ الْعَمَلِ الَّتِي شَارَكَ فِيهَا عَبْرَ السِّنِينَ: “اُكْتُبُوا عَمَّا تَعْرِفُونَهُ، عَنِ الْحَقِيقَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُونَهَا.” أَحَسَّ بِسُخْرِيَةٍ إِضَافِيَّةٍ أَمَامَ هَذِهِ النَّصِيحَةِ الْآنَ، وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا الْيَوْمَ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَسْتَطِيعَ تَحْوِيلَهَا إِلَى كَلِمَاتٍ، حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِكَاتِبٍ أَفْنَى عُمْرَهُ كُلَّهُ فِي إِتْقَانِ هَذَا الْفَنِّ بِعَيْنِهِ.
اتَّصَلَ الضَّابِطُ بَيْكَرُ بِكَنْعَانَ فِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ جِدِّيَّةً تَفُوقُ الْمُعْتَادَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَحْضُرَ إِلَى مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ مَرَّةً أُخْرَى، مُوَضِّحًا أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي مَصْدَرِ التَّلَاعُبِ بِالْوَصْفَةِ الطِّبِّيَّةِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ كَشَفَ عَنْ تَطَوُّرٍ مُهِمٍّ يَسْتَحِقُّ مُنَاقَشَتَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ. ذَهَبَ كَنْعَانُ، مَصْحُوبًا بِوِدَادَ وَلُبْنَى كَعَادَتِهِ، يَشْعُرُ بِذَلِكَ الْقَلَقِ الْمَأْلُوفِ الَّذِي غَدَا، خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، رَفِيقًا دَائِمًا لِكُلِّ مُكَالَمَةٍ أَوِ اجْتِمَاعٍ رَسْمِيٍّ.
اسْتَقْبَلَهُمُ الضَّابِطُ بَيْكَرُ فِي مَكْتَبِهِ الْمُعْتَادِ، لَكِنَّهُ كَانَ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرِفْقَةِ رَجُلٍ آخَرَ لَمْ يَرَوْهُ مِنْ قَبْلُ، يَبْدُو فِي عُقْدِهِ الرَّابِعِ، يَرْتَدِي بَدْلَةً رَسْمِيَّةً دَاكِنَةَ اللَّوْنِ، وَقَدَّمَ نَفْسَهُ بِاسْمِ هَيْر كْرُومَرَ، مُحَقِّقًا مُتَخَصِّصًا فِي الْجَرَائِمِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ يَعْمَلُ مَعَ فَرِيقِ الشُّرْطَةِ الْفِدِرَالِيَّةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْمَعْنِيِّ بِهَذَا الضَّرْبِ الْمُعَقَّدِ مِنَ الْقَضَايَا. كَانَ هَيْر كْرُومَرُ رَجُلًا هَادِئَ الْحَرَكَةِ، دَقِيقَ اللُّغَةِ، يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ الْأُسْلُوبِ الْمَنْهَجِيِّ الَّذِي يُمَيِّزُ الْخُبَرَاءَ التِّقْنِيِّينَ الْمُعْتَادِينَ عَلَى شَرْحِ مَفَاهِيمَ مُعَقَّدَةٍ لِجُمْهُورٍ غَيْرِ مُتَخَصِّصٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْدُوَ مُتَعَالِيًا أَوْ مُسْتَعْجِلًا فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ.
لَاحَظَتْ وِدَادُ، وَهِيَ تُصَافِحُ هَيْر كْرُومَرَ عِنْدَ دُخُولِهَا الْمَكْتَبَ، أَنَّ حَقِيبَتَهُ الْجِلْدِيَّةَ تَحْمِلُ شِعَارًا رَسْمِيًّا لِلشُّرْطَةِ الْفِدِرَالِيَّةِ، تَفْصِيلًا صَغِيرًا مَنَحَهَا شُعُورًا غَرِيبًا بِالْجِدِّيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ لِهَذَا الِاجْتِمَاعِ، وَكَأَنَّ قَضِيَّةَ عَائِلَتِهِمْ قَدِ ارْتَقَتْ أَخِيرًا إِلَى مُسْتَوًى يَسْتَحِقُّ اهْتِمَامَ جِهَاتٍ أَمْنِيَّةٍ أَعْلَى مِنْ مُجَرَّدِ مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ الْمَحَلِّيِّ الَّذِي اعْتَادُوا التَّعَامُلَ مَعَهُ خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ.
لَاحَظَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يَجْلِسُ أَمَامَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكْتَبِ الصَّغِيرِ الَّذِي غَدَا مَأْلُوفًا بِشَكْلٍ غَرِيبٍ، أَنَّ حَيَاتَهُ فِي هَذِهِ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ تَحَوَّلَتْ إِلَى سِلْسِلَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ مِنَ الِاجْتِمَاعَاتِ الرَّسْمِيَّةِ مَعَ خُبَرَاءَ وَمُحَقِّقِينَ وَأَطِبَّاءَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ جُزْءًا صَغِيرًا مِنْ لُغْزٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، فَشَعَرَ بِإِرْهَاقٍ عَمِيقٍ مِنْ هَذَا الْإِيقَاعِ الْجَدِيدِ لِحَيَاتِهِ، إِيقَاعٍ بَعِيدٍ كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْهُدُوءِ الَّذِي اعْتَادَ عَلَيْهِ طَوَالَ عُقُودٍ مِنَ الْكِتَابَةِ وَالتَّأَمُّلِ الْهَادِئِ.
قَالَ هَيْر كْرُومَرُ، بَعْدَ التَّحِيَّاتِ الْمُعْتَادَةِ، بِصَوْتٍ مِهْنِيٍّ هَادِئٍ يَحْمِلُ ثِقَلًا وَاضِحًا: “أُسْتَاذُ مُرَادَ، تَتَبَّعْنَا مَصْدَرَ التَّلَاعُبِ بِوَصْفَتِكَ الطِّبِّيَّةِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ، عَبْرَ تَحْلِيلِ السِّجِلَّاتِ التِّقْنِيَّةِ لِنِظَامِ الْوَصَفَاتِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ الْمُرْتَبِطِ بِعِيَادَةِ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ. وَقَدْ خَلَصْنَا إِلَى اسْتِنْتَاجٍ مُهِمٍّ أُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَكَ إِيَّاهُ بِوُضُوحٍ تَامٍّ: الدُّكْتُورُ شْتْرَاوُسُ نَفْسُهُ لَيْسَ مُتَوَرِّطًا فِي هَذَا التَّلَاعُبِ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الْأَشْكَالِ. بَلْ، عَلَى النَّقِيضِ تَمَامًا، كَانَ هُوَ نَفْسُهُ ضَحِيَّةَ اخْتِرَاقٍ تِقْنِيٍّ مُتَطَوِّرٍ اسْتُخْدِمَ لِلْوُصُولِ إِلَى نِظَامِهِ مِنْ دُونِ عِلْمِهِ أَوْ مُوَافَقَتِهِ.”
أَحَسَّ كَنْعَانُ بِارْتِيَاحٍ جُزْئِيٍّ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا الْخَبَرِ، فَقَدْ كَانَ، فِي مَكَانٍ مَا مِنْ عَقْلِهِ، يَحْمِلُ شَكًّا خَفِيًّا تُجَاهَ طَبِيبِهِ الْقَدِيمِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الثِّقَةِ الَّتِي بَنَيَاهَا مَعًا عَبْرَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، شُعُورٌ بِالذَّنْبِ الْخَفِيِّ جَعَلَهُ يَتَسَاءَلُ كَيْفَ سَمَحَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ لِلَحَظَاتٍ عَابِرَةٍ، أَنْ يَشُكَّ فِي رَجُلٍ خَدَمَهُ بِإِخْلَاصٍ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ. سَأَلَ: “كَيْفَ حَدَثَ هَذَا الِاخْتِرَاقُ بِالضَّبْطِ؟”
أَضَافَ الضَّابِطُ بَيْكَرُ، مُشِيرًا نَحْوَ الْبَابِ: “بِالْمُنَاسَبَةِ، أُسْتَاذُ مُرَادَ، طَلَبْنَا مِنَ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْنَا الْيَوْمَ أَيْضًا، بِوَصْفِهِ الطَّرَفَ الْمُتَضَرِّرَ الْآخَرَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. إِنَّهُ فِي غُرْفَةِ الِانْتِظَارِ، إِنْ لَمْ تُمَانِعْ حُضُورَهُ بَعْضَ هَذَا الِاجْتِمَاعِ.”
وَافَقَ كَنْعَانُ عَلَى الْفَوْرِ، وَدَخَلَ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوُسُ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، وَعَلَى وَجْهِهِ إِرْهَاقٌ وَاضِحٌ وَقَلَقٌ لَمْ يُخْفِهِ، وَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ كَنْعَانَ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَأَثِّرٍ: “أُسْتَاذُ مُرَادَ، أُرِيدُ أَنْ أَعْتَذِرَ لَكَ شَخْصِيًّا، مَعَ عِلْمِي الْآنَ أَنِّي لَمْ أَكُنِ السَّبَبَ الْمُبَاشِرَ فِيمَا حَدَثَ. لَكِنَّ نِظَامِي، وَعِيَادَتِي، وَالثِّقَةَ الَّتِي وَضَعْتَهَا فِيَّ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، اسْتُغِلَّتْ عَلَى نَحْوٍ لَمْ أَتَخَيَّلْهُ يَوْمًا، وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ لِيَجْعَلَنِي أَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ مَسْؤُولِيَّةٌ قَانُونِيَّةٌ مُبَاشِرَةٌ.”
لَاحَظَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يُرَاقِبُ طَبِيبَهُ الْقَدِيمَ، أَنَّ الْأَسَابِيعَ الْأَخِيرَةَ تَرَكَتْ أَثَرَهَا الْوَاضِحَ عَلَيْهِ أَيْضًا: تَجَاعِيدَ جَدِيدَةً حَوْلَ عَيْنَيْهِ، وَشُحُوبًا لَمْ يَعْهَدْهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَحَسَّ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ تُجَاهَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي وَجَدَ نَفْسَهُ، مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ حَقِيقِيٍّ مِنْهُ، طَرَفًا فِي قِصَّةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَخَيَّلَهُ يَوْمًا فِي مَسِيرَتِهِ الْمِهَنِيَّةِ الْهَادِئَةِ طَبِيبَ عَائِلَةٍ يُعَالِجُ مَرْضَاهُ بِإِخْلَاصٍ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ.
تَذَكَّرَ كَنْعَانُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كُلَّ سَنَوَاتِ ثِقَتِهِ بِالدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ، مُنْذُ فَحْصِهِ الْأَوَّلِ لَهُ حِينَ انْتَقَلَ إِلَى هَذَا الْحَيِّ، مُرُورًا بِكُلِّ مَوْعِدٍ سَنَوِيٍّ رُوتِينِيٍّ، وَكُلِّ اسْتِشَارَةٍ عَابِرَةٍ، وَكُلِّ نَصِيحَةٍ طِبِّيَّةٍ قَدَّمَهَا لَهُ هَذَا الرَّجُلُ بِإِخْلَاصٍ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، فَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ مُتَجَدِّدٍ لِأَنَّ هَذِهِ الثِّقَةَ، عَلَى الْأَقَلِّ، لَمْ تُخَنْ، وَأَنَّ الرَّابِطَ الْإِنْسَانِيَّ الَّذِي بَنَيَاهُ مَعًا عَبْرَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ ظَلَّ صَادِقًا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا حَاوَلَتْ أَطْرَافٌ أُخْرَى اسْتِغْلَالَهُ مِنْ خِلَالِهِ.
مَدَّ كَنْعَانُ يَدَهُ، وَصَافَحَ طَبِيبَهُ بِحَرَارَةٍ، وَقَالَ: “لَا دَاعِيَ لِلِاعْتِذَارِ، دُكْتُورَ شْتْرَاوُسَ. أَنْتَ أَيْضًا ضَحِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، تَمَامًا مِثْلِي. مَا يَهُمُّنِي الْآنَ أَنْ نَفْهَمَ مَعًا مَا يَحْدُثُ، وَأَنْ نَحْمِيَ أَنْفُسَنَا وَعَائِلَاتِنَا مِنْ أَيِّ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ.”
بَدَا الدُّكْتُورُ شْتْرَاوُسُ مُتَأَثِّرًا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَشَارَكَ بِدَوْرِهِ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ الْإِضَافِيَّةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَعَامُلِهِ مَعَ تِلْكَ الشَّرِكَةِ التِّقْنِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُدِيرُ أَنْظِمَةَ عِيَادَتِهِ: كَيْفَ تَعَاقَدَ مَعَهَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ بِنَاءً عَلَى تَوْصِيَةِ زَمِيلٍ طَبِيبٍ، وَكَيْفَ لَمْ يَشُكَّ يَوْمًا فِي مِصْدَاقِيَّتِهَا أَوْ أَمَانِهَا، مُعْتَقِدًا، كَمَا يَفْعَلُ مُعْظَمُ الْأَطِبَّاءِ الْمَشْغُولِينَ بِمَرْضَاهُمْ أَكْثَرَ مِنَ التَّفَاصِيلِ التِّقْنِيَّةِ، أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تُدَارُ بِكَفَاءَةٍ مِنْ قِبَلِ مُتَخَصِّصِينَ يَثِقُ بِهِمْ.
أَضَافَ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوُسُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا: “أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَنْ يُعِيدَ إِلَيْكَ شُعُورَكَ بِالْأَمَانِ الَّذِي فَقَدْتَهُ، أُسْتَاذُ مُرَادَ، لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي، مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ فَصَاعِدًا، سَأَتَحَقَّقُ شَخْصِيًّا مِنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ يَتَعَلَّقُ بِمَلَفِّكَ الطِّبِّيِّ، مِنْ دُونِ اعْتِمَادٍ عَلَى أَيِّ نِظَامٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ وَسِيطٍ، حَتَّى نَتَأَكَّدَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَنْ يَتَكَرَّرَ.”
أَوْضَحَ هَيْر كْرُومَرُ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهِ مُخَطَّطًا تِقْنِيًّا مُعَقَّدًا يُوَضِّحُ مَسَارَ الِاخْتِرَاقِ، مُخَطَّطًا مِنَ الْأَسْهُمِ وَالْمُرَبَّعَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ بِخُطُوطٍ دَقِيقَةٍ، تُمَثِّلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خُطْوَةً فِي تِلْكَ السِّلْسِلَةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ عَمَلِيَّاتِ الِاخْتِرَاقِ الْمُتَتَالِيَةِ: “اكْتَشَفْنَا أَنَّ الِاخْتِرَاقَ لَمْ يَحْدُثْ مُبَاشَرَةً عَبْرَ أَنْظِمَةِ عِيَادَةِ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ، بَلْ عَبْرَ شَرِكَةٍ صَغِيرَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ فِي الدَّعْمِ التِّقْنِيِّ، تَتَعَاقَدُ مَعَهَا الْعِيَادَةُ، كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْعِيَادَاتِ الصَّغِيرَةِ فِي الْمِنْطَقَةِ، لِصِيَانَةِ أَنْظِمَتِهَا الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ وَتَحْدِيثِهَا دَوْرِيًّا. هَذِهِ الشَّرِكَةُ، بِدَوْرِهَا، تَعَرَّضَتْ لِاخْتِرَاقٍ أَعْمَقَ، رُبَّمَا قَبْلَ أَشْهُرٍ عَدِيدَةٍ مِنْ ظُهُورِ الْحَبَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي شَرِيطِكَ، اخْتِرَاقٍ أَتَاحَ لِلْمُهَاجِمِينَ الْوُصُولَ إِلَى بَيَانَاتِ دُخُولِ مُوَظَّفِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، وَمِنْ خِلَالِهَا، إِلَى أَنْظِمَةِ عِيَادَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَتَعَامَلُ مَعَهَا، مِنْ بَيْنِهَا عِيَادَةُ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ.”
تَوَقَّفَ هَيْر كْرُومَرُ لِبُرْهَةٍ، يُرَاقِبُ رَدَّةَ فِعْلِ الْعَائِلَةِ، قَبْلَ أَنْ يُتَابِعَ شَرْحَهُ بِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيلِ التِّقْنِيِّ: “هَذَا النَّمَطُ مِنَ الِاخْتِرَاقِ، الْمَعْرُوفُ فِي أَوْسَاطِنَا الْمِهَنِيَّةِ بِـ’هُجُومِ سِلْسِلَةِ التَّوْرِيدِ’، غَدَا شَائِعًا عَلَى نَحْوٍ مُتَزَايِدٍ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّهُ يَسْتَهْدِفُ الْحَلْقَةَ الْأَضْعَفَ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الشَّرِكَاتِ الْمُتَرَابِطَةِ، بَدَلًا مِنْ مُحَاوَلَةِ اخْتِرَاقِ الْهَدَفِ النِّهَائِيِّ مُبَاشَرَةً، وَهُوَ غَالِبًا مَا يَكُونُ مَحْمِيًّا بِصُورَةٍ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الشَّرِكَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُقَدِّمُ لَهُ خِدَمَاتٍ فَرْعِيَّةً.”
أَضَافَ هَيْر كْرُومَرُ، مُشِيرًا إِلَى نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الْمُخَطَّطِ: “الْجُزْءُ الْأَكْثَرُ تَعْقِيدًا فِي هَذَا الِاخْتِرَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اخْتِرَاقًا خَامًّا فَجًّا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَتْرُكُ آثَارًا وَاضِحَةً يَسْهُلُ اكْتِشَافُهَا سَرِيعًا. بَلْ كَانَ اخْتِرَاقًا ‘صَامِتًا’، مُصَمَّمًا لِيَبْقَى غَيْرَ مَلْحُوظٍ أَطْوَلَ فَتْرَةٍ مُمْكِنَةٍ، يُسْتَخْدَمُ فَقَطْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، لِتَنْفِيذِ عَمَلِيَّاتٍ مُحَدَّدَةٍ جِدًّا ثُمَّ يَعُودُ إِلَى وَضْعِ الْخُمُولِ، تَارِكًا الْحَدَّ الْأَدْنَى الْمُمْكِنَ مِنَ الْآثَارِ الرَّقْمِيَّةِ الْقَابِلَةِ لِلتَّتَبُّعِ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الدِّقَّةِ، بِصَرَاحَةٍ، يَتَطَلَّبُ مُسْتَوًى عَالِيًا جِدًّا مِنَ الْخِبْرَةِ التِّقْنِيَّةِ، لَيْسَ مُتَاحًا لِأَيِّ مُخْتَرِقٍ هَاوٍ عَادِيٍّ.”
سَأَلَتْ لُبْنَى، بِفُضُولِهَا الْمِهَنِيِّ الْمُعْتَادِ: “هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ ثَمَّةَ مَرْضَى آخَرِينَ، غَيْرَ وَالِدِي، تَعَرَّضُوا لِتَلَاعُبٍ مُشَابِهٍ فِي وَصَفَاتِهِمْ؟”
فَكَّرَ هَيْر كْرُومَرُ فِي هَذَا السُّؤَالِ، وَقَالَ بِحَذَرٍ: “مِنَ النَّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ، هَذَا مُمْكِنٌ، لَكِنَّ تَحْلِيلَنَا الْأَوَّلِيَّ لِسِجِلَّاتِ الشَّرِكَةِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الِاخْتِرَاقَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اتِّسَاعِهِ الْمُحْتَمَلِ، اسْتُخْدِمَ عَلَى نَحْوٍ مُحَدَّدٍ وَاسْتِهْدَافِيٍّ جِدًّا فِي حَالَةِ وَالِدِكَ تَحْدِيدًا. لَمْ نَعْثُرْ عَلَى أَدِلَّةٍ عَلَى اسْتِخْدَامٍ مُشَابِهٍ ضِدَّ مَرْضَى آخَرِينَ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ هُجُومًا عَشْوَائِيًّا وَاسِعَ النِّطَاقِ، بَلْ عَمَلِيَّةً مَدْرُوسَةً بِعِنَايَةٍ، اسْتَغَلَّتْ ثَغْرَةً مَوْجُودَةً أَصْلًا لِتَحْقِيقِ هَدَفٍ مُحَدَّدٍ جِدًّا: الْوُصُولُ إِلَى كَنْعَانَ مُرَادَ تَحْدِيدًا.”
سَأَلَ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوُسُ، بِصَوْتٍ مَا يَزَالُ يَحْمِلُ حَيْرَةً عَمِيقَةً: “لَكِنْ كَيْفَ عَرَفُوا، مِنَ الْأَسَاسِ، أَنَّ عَلَيْهِمُ اسْتِهْدَافَ عِيَادَتِي بِعَيْنِهَا، مِنْ بَيْنِ آلَافِ الْعِيَادَاتِ الْأُخْرَى فِي أَلْمَانْيَا؟”
أَجَابَ هَيْر كْرُومَرُ، بِصَرَاحَةٍ تِقْنِيَّةٍ: “سُؤَالٌ وَجِيهٌ، دُكْتُورَ شْتْرَاوُسَ، وَهُوَ يَقُودُنَا إِلَى اسْتِنْتَاجٍ مُقْلِقٍ آخَرَ: مِنَ الْمُرَجَّحِ جِدًّا أَنَّ مَنْ خَطَّطَ لِهَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ كَانَ يَعْرِفُ سَلَفًا، مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ، أَنَّ أُسْتَاذَ مُرَادَ مَرِيضٌ عِنْدَكَ، وَرُبَّمَا رَاقَبَ تَحَرُّكَاتِهِ فَتْرَةً كَافِيَةً حَتَّى اكْتَشَفَ اسْمَ عِيَادَتِكَ وَطَبِيعَةَ عَلَاقَتِكُمَا الْمِهَنِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْبَحْثِ عَنْ أَضْعَفِ نُقْطَةٍ يُمْكِنُهُ مِنْ خِلَالِهَا الْوُصُولُ إِلَى نِظَامِكَ الطِّبِّيِّ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ أَوِ الْكَشْفِ.”
جَلَسَ الْجَمِيعُ صَامِتِينَ لِلَحْظَةٍ، يَسْتَوْعِبُونَ ثِقَلَ هَذَا الِاسْتِنْتَاجِ: أَنَّ الْمُرَاقَبَةَ، الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا بَدَأَتْ مُبَاشَرَةً بِتِلْكَ الْكَامِيرَا الْمَخْفِيَّةِ فِي الْحَدِيقَةِ، رُبَّمَا كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ قَدْ بَدَأَتْ أَبْكَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، بِمُرَاقَبَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ بَسِيطَةٍ كَافِيَةٍ لِتَحْدِيدِ هُوِيَّةِ طَبِيبِ كَنْعَانَ وَصَيْدَلَانِيِّهِ الْمُعْتَادَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى الْمَرْحَلَةِ التِّقْنِيَّةِ الْأَكْثَرِ تَطَوُّرًا.
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ صَامِتَةً، تَسْتَوْعِبُ ثِقَلَ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْجَدِيدِ: أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ عَمَلٍ انْتِقَامِيٍّ بَسِيطٍ مِنْ فَرْدٍ وَاحِدٍ يَحْمِلُ ضَغِينَةً قَدِيمَةً، بَلْ عَمَلِيَّةً مُعَقَّدَةً، مَدْرُوسَةً بِدِقَّةٍ، اسْتَغَلَّتْ ثَغَرَاتٍ تِقْنِيَّةً حَقِيقِيَّةً فِي نِظَامِ رِعَايَةٍ صِحِّيَّةٍ بِأَكْمَلِهِ، لِتَحْقِيقِ هَدَفٍ وَاحِدٍ مُحَدَّدٍ: الْوُصُولِ إِلَى كَنْعَانَ.
سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَلَقًا مُتَصَاعِدًا لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ: “هَلْ تَعْرِفُونَ بِدِقَّةٍ مَنْ يَقِفُ وَرَاءَ هَذَا الِاخْتِرَاقِ بِعَيْنِهِ؟ هَلْ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ تَتَبُّعِهِ إِلَى مَصْدَرِهِ الْحَقِيقِيِّ؟”
تَبَادَلَ هَيْر كْرُومَرُ وَالضَّابِطُ بَيْكَرُ نَظْرَةً سَرِيعَةً، قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ كْرُومَرُ بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ وَاضِحٍ: “تَتَبَّعْنَا الِاخْتِرَاقَ عَبْرَ عِدَّةِ طَبَقَاتٍ مِنَ الْخَوَادِمِ الْوَسِيطَةِ، مُعْظَمُهَا مُسَجَّلٌ فِي دُوَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَلَى نَحْوٍ مُصَمَّمٍ عَمْدًا لِتَصْعِيبِ أَيَّةِ مُحَاوَلَةِ تَتَبُّعٍ مُبَاشِرَةٍ. لَكِنَّنَا وَصَلْنَا، بَعْدَ جُهْدٍ كَبِيرٍ، إِلَى نُقْطَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَبْدُو أَنَّهَا الْمَصْدَرُ الْأَصْلِيُّ: شَرِكَةُ اسْتِشَارَاتٍ أَمْنِيَّةٍ صَغِيرَةٌ نِسْبِيًّا، مُسَجَّلَةٌ فِي إِحْدَى الدُّوَلِ الْأُورُوبِّيَّةِ، تُقَدِّمُ، رَسْمِيًّا عَلَى الْأَقَلِّ، خَدَمَاتٍ اسْتِشَارِيَّةً فِي مَجَالِ الْأَمْنِ السِّيبِرَانِيِّ لِعُمَلَاءَ مُتَنَوِّعِينَ.”
أَضَافَ هَيْر كْرُومَرُ، بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ: “الْمُثِيرُ لِلْقَلَقِ أَكْثَرَ أَنَّنَا اكْتَشَفْنَا، خِلَالَ تَحْقِيقِنَا فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كِيَانٍ تِقْنِيٍّ مُنْعَزِلٍ، بَلْ تَبْدُو مُرْتَبِطَةً، عَبْرَ شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ الشَّرِكَاتِ الْوَسِيطَةِ وَالْعُقُودِ الِاسْتِشَارِيَّةِ، بِمَصَالِحَ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ، تَشْمَلُ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى، عُمَلَاءَ وَأَفْرَادًا لَهُمْ صِلَاتٌ تَارِيخِيَّةٌ بِأَجْهِزَةٍ أَمْنِيَّةٍ سَابِقَةٍ فِي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ، بَعْضُهُمْ غَادَرَ تِلْكَ الْمَنَاطِقَ بَعْدَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ وَالْفَوْضَى، لَكِنَّهُمْ أَعَادُوا بِنَاءَ شَبَكَاتِ نُفُوذِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ هُنَا فِي أُورُوبَّا، تَحْتَ وَاجِهَاتٍ تِجَارِيَّةٍ وَاسْتِشَارِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فِي ظَاهِرِهَا.”
فَتَحَ هَيْر كْرُومَرُ مِلَفًّا إِضَافِيًّا عَلَى شَاشَتِهِ، يَعْرِضُ فِيهِ مُخَطَّطًا هَرَمِيًّا مُعَقَّدًا مِنَ الشَّرِكَاتِ الْمُتَشَابِكَةِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأُخْرَى عَبْرَ خُطُوطٍ رَفِيعَةٍ تُمَثِّلُ مِلْكِيَّةً جُزْئِيَّةً أَوْ عُقُودًا اسْتِشَارِيَّةً أَوْ مَجَالِسَ إِدَارَةٍ مُشْتَرَكَةً. قَالَ، مُشِيرًا إِلَى هَذَا الْمُخَطَّطِ الْمُعَقَّدِ: “كَمَا تَرَوْنَ، هَذِهِ لَيْسَتْ شَرِكَةً وَاحِدَةً بَسِيطَةً، بَلْ شَبَكَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْكِيَانَاتِ الْقَانُونِيَّةِ الْمُتَشَابِكَةِ، مُسَجَّلَةٌ فِي عِدَّةِ دُوَلٍ أُورُوبِّيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَبْدُو، عَلَى السَّطْحِ، شَرِكَةً اسْتِشَارِيَّةً شَرْعِيَّةً تَمَامًا، تُقَدِّمُ خِدَمَاتٍ مَشْرُوعَةً لِعُمَلَاءَ مُتَنَوِّعِينَ. هَذَا الضَّرْبُ مِنَ التَّعْقِيدِ الْقَانُونِيِّ، بِصَرَاحَةٍ، مُصَمَّمٌ عَادَةً لِغَرَضٍ رَئِيسٍ وَاحِدٍ: تَصْعِيبُ أَيَّةِ مُحَاوَلَةٍ لِتَتَبُّعِ مَنْ يَمْلِكُ السَّيْطَرَةَ الْفِعْلِيَّةَ النِّهَائِيَّةَ عَلَى هَذِهِ الشَّبَكَةِ بِأَكْمَلِهَا.”
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى ذَلِكَ الْمُخَطَّطِ الْمُعَقَّدِ دَقَائِقَ طَوِيلَةً، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ حَجْمَ هَذَا التَّعْقِيدِ، وَأَحَسَّ بِدُوَارٍ خَفِيفٍ أَمَامَ فِكْرَةِ أَنَّ حَيَاتَهُ الشَّخْصِيَّةَ، تِلْكَ الْحَيَاةَ الَّتِي بَنَاهَا بِعِنَايَةٍ بَسِيطَةٍ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الْعَمَلِ وَالْكِتَابَةِ الْهَادِئَةِ، صَارَتِ الْآنَ مَرْبُوطَةً، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، بِشَبَكَةٍ مَالِيَّةٍ وَقَانُونِيَّةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ مِنَ التَّعْقِيدِ، شَبَكَةٍ تَمْتَدُّ عَبْرَ حُدُودِ دُوَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تُدِيرُهَا عُقُولٌ قَانُونِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ مُحْتَرِفَةٌ تَعْمَلُ بِدِقَّةٍ لَا تَقِلُّ عَنْ دِقَّةِ أَيَّةِ مُؤَسَّسَةٍ مَالِيَّةٍ كُبْرَى شَرْعِيَّةٍ.
فَكَّرَ كَنْعَانُ أَيْضًا، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي ذَلِكَ الْمُخَطَّطِ الْهَرَمِيِّ الْمُعَقَّدِ، فِي مَدَى الْمُفَارَقَةِ الْقَاسِيَةِ لِهَذَا الْمَوْقِفِ: أَنَّهُ، الْكَاتِبُ الَّذِي أَفْنَى عُمْرَهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ شَخْصِيَّاتِهِ الرِّوَائِيَّةِ، يَجِدُ نَفْسَهُ الْآنَ عَاجِزًا عَنْ فَهْمِ طَبِيعَةِ هَذَا التَّنْظِيمِ الْبَشَرِيِّ الْمُعَقَّدِ الَّذِي يُهَدِّدُ حَيَاتَهُ، تَنْظِيمٍ لَا يَحْمِلُ وَجْهًا وَاحِدًا وَاضِحًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُوَاجِهَهُ أَوْ يَفْهَمَ دَوَافِعَهُ، بَلْ شَبَكَةً مُجَرَّدَةً مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالشَّرِكَاتِ وَالْعُقُودِ، أَقْرَبَ إِلَى كَابُوسٍ بِيرُوقْرَاطِيٍّ مِنْهُ إِلَى أَيِّ عَدُوٍّ تَقْلِيدِيٍّ يُمْكِنُ تَخَيُّلُهُ بِوُضُوحٍ.
سَأَلَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ حَيْرَةً عَمِيقَةً: “لَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَبَكَةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ أَنْ تَعْمَلَ بِحُرِّيَّةٍ فِي أُورُوبَّا، مِنْ دُونِ أَنْ تَكْتَشِفَهَا السُّلُطَاتُ مِنْ قَبْلُ؟”
أَجَابَ هَيْر كْرُومَرُ، بِصَرَاحَةٍ مِهْنِيَّةٍ لَمْ تَخْلُ مِنْ إِحْبَاطٍ وَاضِحٍ: “هَذَا، لِلْأَسَفِ، وَاقِعٌ أَشْيَعُ مِمَّا يَتَخَيَّلُ مُعْظَمُ النَّاسِ، سَيِّدَةَ مُرَادَ. الشَّرِكَاتُ الِاسْتِشَارِيَّةُ الْأَمْنِيَّةُ وَالتِّقْنِيَّةُ تَعْمَلُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، ضِمْنَ أُطُرٍ قَانُونِيَّةٍ غَامِضَةٍ، تُقَدِّمُ خِدَمَاتٍ مَشْرُوعَةً لِعُمَلَاءَ حُكُومِيِّينَ وَتِجَارِيِّينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَيَصْعُبُ أَحْيَانًا التَّمْيِيزُ بِوُضُوحٍ بَيْنَ النَّشَاطِ الِاسْتِشَارِيِّ الْمَشْرُوعِ وَبَيْنَ الِاسْتِخْدَامِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ لِتِلْكَ الْخِبْرَاتِ وَالْمَوَارِدِ نَفْسِهَا لِأَغْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا. هَذَا بِعَيْنِهِ مَا يَجْعَلُ مُلَاحَقَةَ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الشَّبَكَاتِ قَانُونِيًّا أَمْرًا بَالِغَ الصُّعُوبَةِ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ الْأَدِلَّةُ عَلَى سُوءِ الِاسْتِخْدَامِ وَاضِحَةً نِسْبِيًّا فِي حَالَاتٍ فَرْدِيَّةٍ كَحَالَتِكُمْ.”
أَحَسَّ كَنْعَانُ بِدُوَارٍ خَفِيفٍ وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ حَجْمَ هَذَا الْكَشْفِ: لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَحَسْبُ، حَيْدَرَ، يَحْمِلُ ضَغِينَةً شَخْصِيَّةً قَدِيمَةً، بَلْ بِشَبَكَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُتَشَابِكَةِ، أَفْرَادٍ وَشَرِكَاتٍ وَمَصَادِرِ تَمْوِيلٍ، جَمِيعُهَا مُتَوَرِّطَةٌ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، فِي هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ لِمُرَاقَبَتِهِ وَتَتَبُّعِهِ.
قَالَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ مَصْدُومٍ: “هَذَا أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلْنَاهُ، كَنْعَانُ. هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ رَجُلٍ غَاضِبٍ يَبْحَثُ عَنِ انْتِقَامٍ شَخْصِيٍّ، هَذِهِ شَبَكَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الْمَصَالِحِ، رُبَّمَا مَالِيَّةٌ، رُبَّمَا سِيَاسِيَّةٌ، لَا نَعْرِفُ حَتَّى الْآنَ طَبِيعَتَهَا الْكَامِلَةَ.”
فَكَّرَ هَيْر كْرُومَرُ فِي تَعْلِيقِ وِدَادَ، وَقَالَ بِصِدْقٍ مِهْنِيٍّ: “اسْتِنْتَاجٌ مَعْقُولٌ، سَيِّدَةَ مُرَادَ. مِنْ وَاقِعِ خِبْرَتِنَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الشَّبَكَاتِ، غَالِبًا مَا تَكُونُ الدَّوَافِعُ مَزِيجًا مُعَقَّدًا: بَعْضُ الْأَفْرَادِ يَحْمِلُونَ دَوَافِعَ شَخْصِيَّةً حَقِيقِيَّةً، كَضَغَائِنَ قَدِيمَةٍ أَوْ رَغْبَةٍ فِي إِخْفَاءِ أَسْرَارٍ مِنَ الْمَاضِي، لَكِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ ضِمْنَ هَيَاكِلَ أَوْسَعَ تُوَفِّرُ لَهُمُ الْمَوَارِدَ وَالْحِمَايَةَ الْقَانُونِيَّةَ النِّسْبِيَّةَ، هَيَاكِلَ قَدْ تَكُونُ لَهَا مَصَالِحُهَا الْخَاصَّةُ، الْمَالِيَّةُ أَوْ حَتَّى السِّيَاسِيَّةُ، فِي إِبْقَاءِ بَعْضِ الْحَقَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ مَدْفُونَةً، أَوْ فِي السَّيْطَرَةِ عَلَى مَنْ قَدْ يُهَدِّدُ بِكَشْفِهَا.”
بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ اسْتَوْعَبَتْ خِلَالَهُ الْعَائِلَةُ ثِقَلَ كُلِّ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ الْجَدِيدَةِ، سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ: “مَاذَا تَقْتَرِحُونَ أَنْ نَفْعَلَ الْآنَ؟ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ شَبَكَةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ وَالتَّعْقِيدِ؟”
قَالَ الضَّابِطُ بَيْكَرُ: “مِنَ النَّاحِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ، سَنُوَاصِلُ التَّحْقِيقَ بِكُلِّ الْمَوَارِدِ الْمُتَاحَةِ لَنَا، وَسَنَتَعَاوَنُ مَعَ وَكَالَاتٍ أُورُوبِّيَّةٍ أُخْرَى مُخْتَصَّةٍ إِنِ اقْتَضَى الْأَمْرُ ذَلِكَ، نَظَرًا لِأَنَّ هَذِهِ الشَّبَكَةَ تَتَجَاوَزُ الْحُدُودَ الْأَلْمَانِيَّةَ بِوُضُوحٍ. لَكِنِّي أَنْصَحُكُمْ أَيْضًا، بِصَرَاحَةٍ، أَنْ تَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ قَدْ يَسْتَغْرِقُ وَقْتًا طَوِيلًا، وَأَنَّ بَعْضَ الْأَطْرَافِ الْمُتَوَرِّطَةِ قَدْ لَا تُلَاحَقُ قَانُونِيًّا أَبَدًا عَلَى نَحْوٍ كَامِلٍ، نَظَرًا لِتَعْقِيدِ الْحُدُودِ الْقَضَائِيَّةِ وَالدِّبْلُومَاسِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضَايَا.”
أَضَافَ هَيْر كْرُومَرُ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ تَحْدِيدًا: “أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ ‘اللِّقَاءِ’ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ الرِّسَالَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي وَصَلَتْكُمْ، فَأَنْصَحُكُمْ بِشِدَّةٍ أَلَّا تَذْهَبُوا إِلَيْهِ بِمُفْرَدِكُمْ مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ، وَأَنْ تُبْلِغُونَا فَوْرًا بِأَيَّةِ تَفَاصِيلَ إِضَافِيَّةٍ تَصِلُكُمْ عَنْ مَوْعِدِهِ أَوْ مَكَانِهِ. سَنَعْمَلُ عَلَى تَوْفِيرِ حِمَايَةٍ مُنَاسِبَةٍ، لَكِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى مَعْلُومَاتٍ كَافِيَةٍ سَلَفًا حَتَّى نَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ بِفَعَالِيَّةٍ.”
بَعْدَ مُغَادَرَةِ مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ، جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ فِي مَقْهًى قَرِيبٍ، مَقْهًى صَغِيرٍ هَادِئٍ اخْتَارَتْهُ وِدَادُ عَمْدًا لِبُعْدِهِ النِّسْبِيِّ عَنِ الشَّارِعِ الرَّئِيسِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَسْتَوْعِبَ، بِهُدُوءٍ أَكْبَرَ مِمَّا سَمَحَتْ بِهِ أَجْوَاءُ الْمَرْكَزِ الرَّسْمِيَّةِ، حَجْمَ هَذَا الْكَشْفِ الْجَدِيدِ. طَلَبُوا ثَلَاثَةَ أَكْوَابٍ مِنَ الشَّايِ، لَمْ يَلْمَسْ أَيٌّ مِنْهُمْ كُوبَهُ فِعْلِيًّا، مَشْغُولِينَ تَمَامًا بِمُحَاوَلَةِ اسْتِيعَابِ طَبَقَاتٍ جَدِيدَةٍ مِنَ التَّعْقِيدِ أُضِيفَتْ لِتَوِّهَا إِلَى قِصَّةٍ كَانَتْ، أَصْلًا، مُعَقَّدَةً بِمَا يَكْفِي.
لَاحَظَ كَنْعَانُ، وَهُوَ يَجْلِسُ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقْهَى الْهَادِئِ، أَنَّ الْمَكَانَ نَفْسَهُ، بِكُلِّ بَسَاطَتِهِ الْعَادِيَّةِ، طَاوِلَاتٍ خَشَبِيَّةً بَسِيطَةً وَرَوَائِحَ قَهْوَةٍ طَازَجَةٍ، بَدَا لَهُ فَجْأَةً غَرِيبًا، بَعِيدًا كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْوَاقِعِ الْمُضْطَرِبِ الَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ حَيَاتُهُ خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْهُدُوءَ الْمُحِيطَ بِهِ لَمْ يَكُنْ سِوَى قِنَاعٍ رَقِيقٍ يُخْفِي خَلْفَهُ عَالَمًا آخَرَ تَمَامًا مِنَ الْمُؤَامَرَاتِ وَالشَّبَكَاتِ الْخَفِيَّةِ.
رَاقَبَ كَنْعَانُ الزَّبَائِنَ الْآخَرِينَ فِي الْمَقْهَى بُرْهَةً، عَائِلَةً صَغِيرَةً تَتَنَاوَلُ الْكَعْكَ فِي الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ، وَرَجُلًا مُسِنًّا يَقْرَأُ صَحِيفَتَهُ بِهُدُوءٍ، وَتَسَاءَلَ بِمَرَارَةٍ صَامِتَةٍ: كَمْ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ يَعِيشُونَ حَيَاتَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِمْ يَوْمًا أَنَّ شَبَكَةً خَفِيَّةً مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُتَشَابِكَةِ قَدْ تَتَرَبَّصُ بِهِمْ، تُرَاقِبُ تَحَرُّكَاتِهِمْ، تَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِتَتَدَخَّلَ فِي حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ الْبَسِيطَةِ.
قَالَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تُحَرِّكُ فِنْجَانَ قَهْوَتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْرَبَهُ فِعْلِيًّا: “هَذَا يُفَسِّرُ كَثِيرًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي كَانَتْ عَالِقَةً، لَكِنَّهُ يَفْتَحُ أَيْضًا أَسْئِلَةً أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ: مَنْ يُمَوِّلُ هَذِهِ الشَّبَكَةَ؟ وَمَا مَصَالِحُهَا الْحَقِيقِيَّةُ فِي إِبْقَاءِ قِصَّةِ أَبِي، وَقِصَّةِ مُنَى، مَدْفُونَتَيْنِ؟”
فَكَّرَ كَنْعَانُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: “رُبَّمَا لَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِي أَنَا شَخْصِيًّا بِقَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا أَعْرِفُهُ، أَوْ بِمَا يَظُنُّونَ أَنِّي أَعْرِفُهُ، عَنْ تِلْكَ الْفَتْرَةِ، عَنْ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ رُبَّمَا مَا يَزَالُونَ نَاشِطِينَ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، فِي مَوَاقِعِ نُفُوذٍ الْيَوْمَ. رُبَّمَا مُنَى، إِنْ كَانَتْ حَيَّةً فِعْلًا، تَحْمِلُ هِيَ أَيْضًا مَعْلُومَاتٍ قَدْ تُهَدِّدُ مَصَالِحَ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ.”
قَالَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ قَلَقًا عَمِيقًا: “كَنْعَانُ، أَتَظُنُّ أَنَّ حَيْدَرَ نَفْسَهُ مَا يَزَالُ يَقُودُ هَذِهِ الشَّبَكَةَ، أَمْ أَنَّهُ صَارَ مُجَرَّدَ جُزْءٍ صَغِيرٍ مِنْهَا الْآنَ، وَأَنَّ ثَمَّةَ أَشْخَاصًا آخَرِينَ، أَصْغَرَ سِنًّا وَأَكْثَرَ نُفُوذًا تِقْنِيًّا، تَوَلَّوُا الْقِيَادَةَ الْفِعْلِيَّةَ؟”
فَكَّرَ كَنْعَانُ فِي سُؤَالِ زَوْجَتِهِ، وَقَالَ: “لَا أَعْرِفُ، وِدَادُ. لَكِنَّ التِّقْنِيَّةَ الْمُتَطَوِّرَةَ الَّتِي رَأَيْنَاهَا، الشَّرِيحَةَ، وَالِاخْتِرَاقَ الْمُعَقَّدَ، تَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ أَنَّ حَيْدَرَ، إِنْ كَانَ مَا يَزَالُ حَيًّا فِعْلًا، رُبَّمَا صَارَ الْآنَ مُجَرَّدَ رَمْزٍ، أَوْ رُبَّمَا مُسْتَفِيدًا مِنْ عَمَلِ شَبَكَةٍ أَوْسَعَ تُدِيرُهَا عُقُولٌ أَصْغَرُ سِنًّا وَأَكْثَرُ دِرَايَةً بِهَذَا الضَّرْبِ مِنَ التِّقْنِيَّاتِ الْحَدِيثَةِ.”
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ صَامِتَةً لَحَظَاتٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْتَحْضِرُ، فِي ذِهْنِهِ الْخَاصِّ، صُورَةً مُخْتَلِفَةً لِهَذِهِ الشَّبَكَةِ الْغَامِضَةِ: كَنْعَانُ يَتَخَيَّلُ مَكْتَبًا فَخْمًا فِي مَكَانٍ مَا مِنْ أُورُوبَّا، يَجْلِسُ فِيهِ رِجَالُ أَعْمَالٍ أَنِيقُونَ يُدِيرُونَ مَصَالِحَ لَا عَلَاقَةَ لَهَا فِي الظَّاهِرِ بِالسِّيَاسَةِ أَوِ الْأَمْنِ؛ وِدَادُ تَتَخَيَّلُ غُرْفَةً مُظْلِمَةً مَلِيئَةً بِشَاشَاتِ الْمُرَاقَبَةِ، تَتَتَبَّعُ كُلَّ خُطْوَةٍ مِنْ خُطُوَاتِهِمْ بِصَمْتٍ آلِيٍّ بَارِدٍ؛ وَلُبْنَى، بِعَقْلِهَا الْمِهَنِيِّ الْمُدَرَّبِ عَلَى التَّفْكِيرِ بِالْأَدِلَّةِ الْمَلْمُوسَةِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَرْسُمَ مُخَطَّطًا فِعْلِيًّا لِلْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالشَّرِكَاتِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَكَشَّفُ أَمَامَهَا، قِطْعَةً تِلْوَ الْأُخْرَى.
قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْحَدِيثُ إِلَى الِاتِّصَالِ بِتُومَاسَ، اتَّصَلَتْ لُبْنَى أَوَّلًا بِكْلَارَا، لِتُشَارِكَهَا تَفَاصِيلَ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْجَدِيدِ عَنِ الشَّبَكَةِ الِاسْتِشَارِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ. أَنْصَتَتْ كْلَارَا بِجِدِّيَّةٍ بَالِغَةٍ، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ خِبْرَتَهَا الطَّوِيلَةَ فِي مُتَابَعَةِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الشَّبَكَاتِ عَبْرَ أُورُوبَّا: “لُبْنَى، هَذَا يَتَطَابَقُ تَمَامًا مَعَ نَمَطٍ رَأَيْتُهُ فِي حَالَاتٍ أُخْرَى وَثَّقْتُهَا عَبْرَ السِّنِينَ. هَذِهِ الشَّبَكَاتُ، حِينَ تَتَأَسَّسُ، غَالِبًا مَا تَسْتَمِرُّ فِي الْعَمَلِ عُقُودًا، تَتَكَيَّفُ مَعَ الظُّرُوفِ الْمُتَغَيِّرَةِ، وَتُعِيدُ تَشْكِيلَ وَاجِهَاتِهَا الْقَانُونِيَّةِ بِانْتِظَامٍ، لَكِنَّهَا تَحْتَفِظُ، فِي جَوْهَرِهَا، بِالْمَصَالِحِ وَالْوَلَاءَاتِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي أَسَّسَتْهَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ.”
سَأَلَتْهَا لُبْنَى: “أَتَعْتَقِدِينَ أَنَّ بِإِمْكَانِنَا، بِمُسَاعَدَةِ صَحَفِيِّينَ آخَرِينَ تَعْرِفِينَهُمْ فِي مَجَالِكِ، أَنْ نُحَدِّدَ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ مَنْ يَقِفُ وَرَاءَ هَذِهِ الشَّبَكَةِ بِعَيْنِهَا، لَا طَبِيعَتَهَا الْعَامَّةَ فَحَسْبُ؟”
فَكَّرَتْ كْلَارَا فِي هَذَا السُّؤَالِ طَوِيلًا، وَقَالَتْ: “سَأُحَاوِلُ، لُبْنَى، لَكِنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ التَّحْقِيقَاتِ يَتَطَلَّبُ وَقْتًا وَحَذَرًا شَدِيدَيْنِ، لَا سِيَّمَا أَنَّ مَنْ نَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ يَبْدُو أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مَوَارِدَ كَافِيَةً لِمُلَاحَقَةِ أَيِّ مَنْ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ مِنْ كَشْفِ حَقِيقَتِهِمْ. سَأَتَوَاصَلُ مَعَ بَعْضِ زُمَلَائِي الْمُتَخَصِّصِينَ فِي تَعَقُّبِ الشَّرِكَاتِ الْوَهْمِيَّةِ وَالْمِلْكِيَّاتِ الْمُتَشَابِكَةِ، وَسَأَعُودُ إِلَيْكِ بِأَيِّ تَطَوُّرٍ جَدِيدٍ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ.”
بَعْدَ إِنْهَاءِ تِلْكَ الْمُكَالَمَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ لُبْنَى تُرَاجِعُ، عَلَى حَاسُوبِهَا الْمَحْمُولِ، كُلَّ الْمُلَاحَظَاتِ وَالْوَثَائِقِ الَّتِي جَمَعَتْهَا خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ، حَاوَلَتْ أَنْ تَرْبِطَ بَيْنَ الْخُيُوطِ الْمُتَنَاثِرَةِ: اسْمَ الشَّرِكَةِ الِاسْتِشَارِيَّةِ الْأَمْنِيَّةِ الَّتِي كَشَفَهَا هَيْر كْرُومَرُ، وَأَسْمَاءَ الشَّرِكَاتِ الْوَسِيطَةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِهَا، بَحْثًا عَنْ أَيِّ رَابِطٍ إِضَافِيٍّ قَدْ يُسَاعِدُ فِي فَهْمِ الصُّورَةِ الْكَامِلَةِ.
اتَّصَلَتْ بِتُومَاسَ، ذَلِكَ الْبَاحِثِ الْأَلْمَانِيِّ الَّذِي سَاعَدَهَا سَابِقًا فِي تَتَبُّعِ الْوَثَائِقِ الْأَمْنِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَشَارَكَتْهُ تَفَاصِيلَ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْجَدِيدِ، آمِلَةً أَنْ يَسْتَطِيعَ، بِخِبْرَتِهِ الْوَاسِعَةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ، أَنْ يُسَاعِدَهَا عَلَى فَهْمِ طَبِيعَةِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ. كَانَتِ السَّاعَةُ قَدْ تَجَاوَزَتِ الْعَاشِرَةَ مَسَاءً، لَكِنَّ لُبْنَى عَرَفَتْ، مِنْ خِبْرَتِهَا السَّابِقَةِ مَعَهُ، أَنَّ تُومَاسَ، مِثْلَهَا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يُمَانِعُ مُكَالَمَةَ عَمَلٍ مُتَأَخِّرَةً حِينَ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِتَحْقِيقٍ يُثِيرُ فُضُولَهُ الْمِهَنِيَّ.
أَحَسَّتْ لُبْنَى بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ تُجَاهَ هَذَا الزَّمِيلِ الَّذِي بَدَأَ، عَبْرَ الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ، يَغْدُو أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ مَصْدَرِ مَعْلُومَاتٍ مِهَنِيٍّ، بَلْ شَرِيكًا حَقِيقِيًّا فِي مُحَاوَلَةِ فَهْمِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَقَّدَةِ، شَرِيكًا لَمْ تَكُنْ تَتَخَيَّلُ أَنَّهَا سَتَحْتَاجُهُ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ حِينَ بَدَأَتْ بَحْثَهَا الْبَسِيطَ عَنْ مَقَالٍ احْتِفَالِيٍّ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِهَا الْأَدَبِيَّةِ، أَسَابِيعُ بَدَتِ الْآنَ بَعِيدَةً جِدًّا، وَكَأَنَّهَا تَخُصُّ حَيَاةً أُخْرَى مُخْتَلِفَةً تَمَامًا.
أَنْصَتَ تُومَاسُ بِجِدِّيَّةٍ، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تُمْلِيَ عَلَيْهِ اسْمَ الشَّرِكَةِ بِالتَّفْصِيلِ، حَرْفًا حَرْفًا، ثُمَّ قَالَ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ حَمَلَ شَيْئًا مِنَ التَّرَدُّدِ: “لُبْنَى، اسْمُ هَذِهِ الشَّرِكَةِ الِاسْتِشَارِيَّةِ يَبْدُو مَأْلُوفًا لِي، عَلَى نَحْوٍ غَامِضٍ. دَعِينِي أَتَحَقَّقُ مِنْ أَرْشِيفَاتِي الْخَاصَّةِ، لَدَيَّ بَعْضُ الْمُلَاحَظَاتِ الْقَدِيمَةِ مِنْ تَحْقِيقٍ سَابِقٍ لَمْ أُكْمِلْهُ، قَدْ تَكُونُ ذَاتَ صِلَةٍ. أَعْطِينِي بَعْضَ الْوَقْتِ، سَأُعَاوِدُ الِاتِّصَالَ بِكِ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ.”
جَلَسَتْ لُبْنَى تَنْتَظِرُ، تُحَاوِلُ أَنْ تَشْغَلَ وَقْتَهَا بِمُرَاجَعَةِ مِلَفَّاتٍ أُخْرَى، لَكِنَّ عَقْلَهَا كَانَ مَشْغُولًا بِالْكَامِلِ بِتَرَقُّبِ ذَلِكَ الِاتِّصَالِ الْقَادِمِ، تَرَقُّبٍ لَمْ تَعْتَدِ الشُّعُورَ بِهِ بِهَذِهِ الْحِدَّةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سَنَوَاتِ خِبْرَتِهَا فِي انْتِظَارِ نَتَائِجِ تَحْقِيقَاتٍ صَحَفِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. مَرَّتْ عِشْرُونَ دَقِيقَةً، ثُمَّ ثَلَاثُونَ، وَصَمْتُ هَاتِفِهَا يَزِيدُ مِنْ تَوَتُّرِهَا مَعَ كُلِّ دَقِيقَةٍ إِضَافِيَّةٍ تَمُرُّ.
اتَّصَلَ تُومَاسُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ حَمَلَ جِدِّيَّةً غَيْرَ مُعْتَادَةٍ حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لَهُ، جِدِّيَّةً جَعَلَتْ لُبْنَى تَجْلِسُ مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْفَوْرِ، مُتَيَقِّظَةً تَمَامًا لِكُلِّ كَلِمَةٍ سَيَقُولُهَا: “لُبْنَى، وَجَدْتُ شَيْئًا. هَذِهِ الشَّرِكَةُ الِاسْتِشَارِيَّةُ، وَفْقَ سِجِلَّاتِي الْقَدِيمَةِ، تَأَسَّسَتْ قَبْلَ نَحْوِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، عَلَى يَدِ مَجْمُوعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الْمُسْتَثْمِرِينَ، أَحَدُهُمْ رَجُلُ أَعْمَالٍ أُورُوبِّيٌّ مَعْرُوفٌ نِسْبِيًّا فِي أَوْسَاطِ الِاسْتِشَارَاتِ الْأَمْنِيَّةِ، لَكِنَّ السِّجِلَّ يَذْكُرُ أَيْضًا اسْمًا آخَرَ، شَرِيكًا مُؤَسِّسًا صَامِتًا نِسْبِيًّا، لَمْ يَظْهَرْ كَثِيرًا فِي الْأَخْبَارِ الْعَامَّةِ، لَكِنَّ اسْمَهُ يَبْدُو، مِنْ وَاقِعِ تَدْقِيقِي السَّرِيعِ، مَأْلُوفًا عَلَى نَحْوٍ غَرِيبٍ.”
سَأَلَتْهُ لُبْنَى، بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ: “مَا هُوَ الِاسْمُ، تُومَاسُ؟”
قَالَ تُومَاسُ، بِصَوْتٍ حَمَلَ تَرَدُّدًا وَاضِحًا قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ: “الِاسْمُ الْمُسَجَّلُ هُوَ ‘هِينِينْغ فُولْف’.”
تَوَقَّفَتْ لُبْنَى لِلَحْظَةٍ، تُحَاوِلُ أَنْ تَتَذَكَّرَ أَيْنَ سَمِعَتْ هَذَا الِاسْمَ مِنْ قَبْلُ، وَأَحَسَّتْ، وَهِيَ تُعِيدُ صِيَاغَةَ الِاسْمِ فِي ذِهْنِهَا، أَنَّ شَيْئًا فِي أَعْمَاقِهَا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ وَعْيُهَا الْكَامِلُ إِلَى الِاسْتِنْتَاجِ، قَبْلَ أَنْ تَتَذَكَّرَ فَجْأَةً، بِصَدْمَةٍ مُتَصَاعِدَةٍ تَتَصَاعَدُ كَمَوْجَةٍ بَارِدَةٍ تَجْتَاحُ جَسَدَهَا بِأَكْمَلِهِ: “فُولْف؟ هَذَا اسْمُ عَائِلَةِ الصَّيْدَلَانِيِّ الَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَهُ وَالِدَايَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ! هَيْر فُولْف، صَاحِبُ الصَّيْدَلِيَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ بَيْتِهِمَا!”
جَلَسَتْ لُبْنَى لِلَحْظَةٍ صَامِتَةً تَمَامًا، وَالْهَاتِفُ مَا يَزَالُ مُلْتَصِقًا بِأُذُنِهَا، تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ حَجْمَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْمُرْعِبِ، بَيْنَمَا كَانَ قَلْبُهَا يَخْفِقُ بِعُنْفٍ مُتَزَايِدٍ. تَذَكَّرَتْ فَجْأَةً، بِوُضُوحٍ مُؤْلِمٍ، كُلَّ مَرَّةٍ رَافَقَتْ فِيهَا وَالِدَهَا إِلَى تِلْكَ الصَّيْدَلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، كُلَّ ابْتِسَامَةٍ وَدُودَةٍ اسْتَقْبَلَهُمْ بِهَا هَيْر فُولْف، كُلَّ حَدِيثٍ عَابِرٍ بَدَا، فِي حِينِهِ، مُجَرَّدَ لُطْفٍ إِنْسَانِيٍّ بَسِيطٍ بَيْنَ صَيْدَلَانِيٍّ وَزَبَائِنِهِ الْمُعْتَادِينَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
أَحَسَّتْ لُبْنَى بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا، وَسَأَلَتْ تُومَاسَ، بِصَوْتٍ مُضْطَرِبٍ حَاوَلَتْ أَنْ تُخْفِيَ ارْتِجَافَهُ: “أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُجَرَّدَ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ؟ ‘فُولْف’ اسْمُ عَائِلَةٍ شَائِعٌ نِسْبِيًّا فِي أَلْمَانْيَا، رُبَّمَا يَحْمِلُهُ آلَافُ الْأَشْخَاصِ الْمُخْتَلِفِينَ تَمَامًا.”
أَجَابَ تُومَاسُ، بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ وَاضِحٍ: “مُمْكِنٌ تَمَامًا، لُبْنَى، وَلَا أُرِيدُكِ أَنْ تَتَسَرَّعِي فِي أَيِّ اسْتِنْتَاجٍ قَبْلَ التَّحَقُّقِ الْكَامِلِ. الْأَسْمَاءُ الْأَلْمَانِيَّةُ الشَّائِعَةُ كَهَذَا الِاسْمِ يُمْكِنُ أَنْ تَخْلُقَ تَقَاطُعَاتٍ مُضَلِّلَةً كَثِيرًا فِي هَذَا الضَّرْبِ مِنَ التَّحْقِيقَاتِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا يَحْدُثُ مِنْ قَبْلُ، حِينَ يَتَتَبَّعُ صَحَفِيُّونَ خَيْطًا وَاعِدًا لِيَكْتَشِفُوا لَاحِقًا أَنَّهُ مَحْضُ صُدْفَةٍ لُغَوِيَّةٍ لَا مَعْنَى حَقِيقِيًّا وَرَاءَهَا. لَكِنْ، بِصَرَاحَةٍ، هَذَا الضَّرْبُ مِنَ التَّقَاطُعَاتِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ، يَسْتَحِقُّ تَحْقِيقًا دَقِيقًا إِضَافِيًّا، لَا سِيَّمَا فِي قَضِيَّةٍ بِهَذَا التَّعْقِيدِ وَبِهَذَا الْقُرْبِ الشَّخْصِيِّ مِنْ عَائِلَتِكِ.”
سَأَلَتْهُ لُبْنَى، بِصَوْتٍ مَا يَزَالُ يَحْمِلُ اضْطِرَابًا وَاضِحًا: “أَيُمْكِنُكَ أَنْ تَجِدَ لِيَ الِاسْمَ الْأَوَّلَ الْكَامِلَ لِهَذَا الشَّرِيكِ الْمُؤَسِّسِ؟ رُبَّمَا يُسَاعِدُنَا هَذَا عَلَى التَّأَكُّدِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ صُدْفَةً فِعْلًا أَمْ لَا.”
فَكَّرَ تُومَاسُ قَلِيلًا، وَقَالَ: “سَأُحَاوِلُ، لَكِنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ السِّجِلَّاتِ التَّأْسِيسِيَّةِ الْقَدِيمَةِ قَدْ يَسْتَغْرِقُ وَقْتًا إِضَافِيًّا لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ. سَأَعْمَلُ عَلَى هَذَا فَوْرًا، وَسَأَتَّصِلُ بِكِ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَجِدَ أَيَّ تَفْصِيلٍ إِضَافِيٍّ مُفِيدٍ.”
جَلَسَتْ لُبْنَى صَامِتَةً دَقَائِقَ طَوِيلَةً بَعْدَ إِنْهَاءِ الْمُكَالَمَةِ، تُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ أَمَامَهَا، تُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي كُلِّ تَفَاعُلَاتِ وَالِدَيْهَا مَعَ هَيْر فُولْف عَبْرَ السِّنِينَ، ذَلِكَ الرَّجُلَ الْوَدُودَ الَّذِي بَدَا دَائِمًا صَدِيقًا مَوْثُوقًا، لَا مُجَرَّدَ صَيْدَلَانِيٍّ عَابِرٍ، رَجُلًا حَضَرَ عِيدَ مِيلَادِ وَالِدِهَا السِّتِّينَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، رَجُلًا كَانَ يَسْأَلُ دَائِمًا عَنْهَا هِيَ شَخْصِيًّا كُلَّمَا زَارَتْ وَالِدَيْهَا، فَأَحَسَّتْ بِثِقَلٍ مُرْعِبٍ يَتَشَكَّلُ فِي صَدْرِهَا: مَاذَا لَوْ كَانَ الشَّخْصُ الَّذِي وَثِقَ بِهِ وَالِدَاهَا، طَوَالَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، جُزْءًا، بِطَرِيقَةٍ مَا، مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ الْمُعَقَّدَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تُهَدِّدُ حَيَاتَهُمَا بِأَكْمَلِهَا؟
تَذَكَّرَتْ لُبْنَى، بِأَلَمٍ مُتَزَايِدٍ، تَفَاصِيلَ صَغِيرَةً مِنْ زِيَارَاتِهَا الْمُتَكَرِّرَةِ لِبَيْتِ وَالِدَيْهَا عَبْرَ السِّنِينَ: كَيْفَ كَانَ هَيْر فُولْف يَسْأَلُ وَالِدَهَا دَائِمًا، بِوُدٍّ ظَاهِرِيٍّ، عَنْ تَقَدُّمِ رِوَايَاتِهِ الْجَدِيدَةِ، وَكَيْفَ كَانَ يَحْرِصُ عَلَى مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ رَحَلَاتِهِمِ الْعَائِلِيَّةِ الْقَادِمَةِ، وَكَيْفَ بَدَا، فِي كُلِّ مَرَّةٍ، مُهْتَمًّا اهْتِمَامًا شَخْصِيًّا حَقِيقِيًّا بِحَيَاتِهِمْ، اهْتِمَامًا ظَنَّتْهُ دَائِمًا عَلَامَةً عَلَى صَدَاقَةٍ صَادِقَةٍ، لَا وَسِيلَةً لِجَمْعِ مَعْلُومَاتٍ قَدْ تَكُونُ، فِي الْحَقِيقَةِ، ذَاتَ قِيمَةٍ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٍ لِطَرَفٍ آخَرَ يُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ.
فَكَّرَتْ لُبْنَى، بِمَرَارَةٍ مُتَصَاعِدَةٍ، فِي مَدَى الْمَعْرِفَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا هَيْر فُولْف عَنْ حَيَاةِ وَالِدَيْهَا الْيَوْمِيَّةِ: مَوَاعِيدِ أَدْوِيَتِهِمَا، وَتَفَاصِيلِ حَالَتِهِمَا الصِّحِّيَّةِ، حَتَّى بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْعَابِرَةِ الَّتِي رُبَّمَا دَارَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا عَبْرَ السِّنِينَ عَنْ حَيَاتِهِمَا وَأُسْرَتِهِمَا وَعَادَاتِهِمَا. فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ جُزْءًا فِعْلًا مِنْ تِلْكَ الشَّبَكَةِ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ، طَوَالَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وُصُولًا مُبَاشِرًا وَسَهْلًا إِلَى مَعْلُومَاتٍ حَسَّاسَةٍ لِلْغَايَةِ، مِنْ دُونِ أَنْ يُثِيرَ أَيَّ شَكٍّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مَحْمِيًّا بِثِقَةٍ عَائِلِيَّةٍ بُنِيَتْ بِعِنَايَةٍ عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّعَامُلِ الْوَدُودِ الْيَوْمِيِّ.
وَقَفَتْ لُبْنَى، تَسِيرُ جَيْئَةً وَذَهَابًا فِي غُرْفَتِهَا الصَّغِيرَةِ فِي بَيْتِ وَالِدَيْهَا، تُحَاوِلُ أَنْ تُقَرِّرَ كَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْأَوَّلِيِّ غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ بَعْدُ. جُزْءٌ مِنْهَا أَرَادَ أَنْ تَرْكُضَ فَوْرًا إِلَى غُرْفَةِ وَالِدَيْهَا، أَنْ تُخْبِرَهُمَا بِكُلِّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّ جُزْءًا آخَرَ، الْجُزْءَ الْمِهَنِيَّ الْمُدَرَّبَ عَلَى التَّحَقُّقِ قَبْلَ الْإِعْلَانِ، ذَكَّرَهَا أَنَّ مُجَرَّدَ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ، مَهْمَا بَدَا مُثِيرًا لِلْقَلَقِ، لَا يَرْقَى بَعْدُ إِلَى مُسْتَوَى اتِّهَامٍ حَقِيقِيٍّ لِرَجُلٍ عَرَفَهُ وَالِدَاهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، رَجُلٍ قَدْ يَكُونُ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لَا عَلَاقَةَ لَهُ إِطْلَاقًا بِأَيٍّ مِنْ هَذَا سِوَى الصُّدْفَةِ اللُّغَوِيَّةِ الْمَحْضَةِ.
جَلَسَتْ لُبْنَى عَلَى حَافَّةِ فِرَاشِهَا، تُحَاوِلُ أَنْ تُوَازِنَ بَيْنَ وَاجِبِهَا ابْنَةً، الَّذِي يَدْفَعُهَا إِلَى حِمَايَةِ وَالِدَيْهَا مِنْ أَيِّ قَلَقٍ إِضَافِيٍّ غَيْرِ مُؤَكَّدٍ، وَوَاجِبِهَا صَحَفِيَّةً، الَّذِي يَفْرِضُ عَلَيْهَا التَّحَقُّقَ الْكَامِلَ قَبْلَ أَيِّ إِعْلَانٍ، حَتَّى دَاخِلَ عَائِلَتِهَا نَفْسِهَا. تَذَكَّرَتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كُلَّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا طَوَالَ سَنَوَاتِ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ عَنْ خُطُورَةِ الِاسْتِنْتَاجَاتِ الْمُتَسَرِّعَةِ، عَنْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِصُدْفَةٍ بَسِيطَةٍ أَنْ تُدَمِّرَ سُمْعَةَ إِنْسَانٍ بَرِيءٍ إِنْ لَمْ تُتَحَقَّقْ بِدِقَّةٍ كَافِيَةٍ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ عَنْهَا.
فَكَّرَتْ لُبْنَى أَيْضًا فِي احْتِمَالٍ آخَرَ أَكْثَرَ إِيلَامًا: مَاذَا لَوْ كَانَ وَالِدَاهَا قَدْ لَاحَظَا بِالْفِعْلِ شَيْئًا مَرِيبًا فِي سُلُوكِ هَيْر فُولْف عَبْرَ السِّنِينَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَكِّرَا فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ كَافِيَةٍ، بِبَسَاطَةٍ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَيُّ سَبَبٍ لِلشَّكِّ فِي نَوَايَا رَجُلٍ بَدَا دَائِمًا صَدِيقًا مُخْلِصًا؟ أَحَسَّتْ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ أَمَامَ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَأَمَامَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي بَدَأَتْ بِهَا هَذِهِ الْقِصَّةُ الطَّوِيلَةُ تُعِيدُ تَشْكِيلَ كُلِّ عَلَاقَةِ ثِقَةٍ بَنَتْهَا عَائِلَتُهَا عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ الْهَادِئَةِ.
قَرَّرَتْ لُبْنَى أَخِيرًا، بَعْدَ صِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ طَوِيلٍ، أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى الصَّبَاحِ، حَتَّى تَحْصُلَ مِنْ تُومَاسَ عَلَى تَأْكِيدٍ أَوْ نَفْيٍ أَوْضَحَ، قَبْلَ أَنْ تُثْقِلَ كَاهِلَ وَالِدَيْهَا بِشَكٍّ قَدْ يَتَّضِحُ، فِي النِّهَايَةِ، أَنَّهُ لَا أَسَاسَ حَقِيقِيًّا لَهُ. لَكِنَّهَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا الْقَرَارِ، لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ النَّظَرِ، عَبْرَ نَافِذَةِ غُرْفَتِهَا، إِلَى الشَّارِعِ الْهَادِئِ فِي الْخَارِجِ، مُتَسَائِلَةً إِنْ كَانَ هَيْر فُولْف، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِعَيْنِهَا، يَعْرِفُ أَنَّهُمْ بَدَأُوا يَقْتَرِبُونَ، وَلَوْ عَلَى نَحْوٍ غَامِضٍ غَيْرِ مُؤَكَّدٍ بَعْدُ، مِنِ اسْمِهِ.
اسْتَلْقَتْ لُبْنَى فِي فِرَاشِهَا أَخِيرًا، لَكِنَّ النَّوْمَ أَبَى أَنْ يَأْتِيَهَا بِسُهُولَةٍ، وَعَقْلُهَا مَا يَزَالُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ كُلِّ صُورَةٍ تَذَكَّرَتْهَا عَنْ هَيْر فُولْف: ابْتِسَامَتَهُ الْوَدُودَةَ خَلْفَ طَاوِلَةِ الصَّيْدَلِيَّةِ، وَأَسْئِلَتَهُ الْمُتَكَرِّرَةَ عَنْ أَحْوَالِ الْعَائِلَةِ، حَتَّى تِلْكَ الْهَدِيَّةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي أَرْسَلَهَا لِوَالِدِهَا فِي عِيدِ مِيلَادِهِ الْأَخِيرِ، هَدِيَّةً بَدَتْ آنَذَاكَ لَفْتَةً صَادِقَةً مِنْ صَدِيقٍ قَدِيمٍ، وَبَدَتِ الْآنَ، فِي ضَوْءِ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْمُحْتَمَلِ، وَكَأَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ مَعْنًى مُخْتَلِفًا تَمَامًا، مَعْنًى لَمْ تَكُنْ لِتَتَخَيَّلَهُ يَوْمًا حَتَّى فِي أَسْوَإِ كَوَابِيسِهَا.
فَكَّرَتْ لُبْنَى أَيْضًا، وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي سَقْفِ غُرْفَتِهَا الْمُظْلِمَةِ، فِي كُلِّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ الَّتِي بَنَى خِلَالَهَا وَالِدَاهَا ثِقَتَهُمَا بِهَذَا الرَّجُلِ، ثِقَةً نَمَتْ بِبُطْءٍ عَبْرَ تَفَاعُلَاتٍ يَوْمِيَّةٍ صَغِيرَةٍ بَدَتْ، فِي حِينِهَا، بَرِيئَةً تَمَامًا: نَصِيحَةً طِبِّيَّةً عَابِرَةً، وَسُؤَالًا وَدُودًا عَنِ الصِّحَّةِ، حَتَّى تِلْكَ الْمَرَّةَ الَّتِي أَوْصَى فِيهَا هَيْر فُولْف وَالِدَهَا بِطَبِيبٍ مُتَخَصِّصٍ جَدِيدٍ حِينَ أَحَسَّ بِأَلَمٍ فِي ظَهْرِهِ قَبْلَ سَنَتَيْنِ. كُلُّ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الصَّغِيرَةِ، إِنْ ثَبَتَ تَوَرُّطُ هَيْر فُولْف فِعْلًا، كَانَتْ قَدْ بُنِيَتْ، رُبَّمَا، بِدِقَّةٍ مَدْرُوسَةٍ، طُوبَةً فَوْقَ طُوبَةٍ، لِتَشْيِيدِ جِدَارٍ مِنَ الثِّقَةِ يَسْمَحُ لَهُ، حِينَ يَحِينُ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ، بِالْوُصُولِ إِلَى مَعْلُومَاتٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لِيَتَخَيَّلَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ ذَاتَ قِيمَةٍ لِأَيِّ طَرَفٍ آخَرَ.
تَسَاءَلَتْ لُبْنَى أَيْضًا، بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ، عَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الِاكْتِشَافُ الْمُحْتَمَلُ يَعْنِي أَنَّ هَيْر فُولْف كَانَ، طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، يَعْمَلُ بِوَعْيٍ كَامِلٍ لِصَالِحِ تِلْكَ الشَّبَكَةِ، أَمْ أَنَّهُ، مِثْلَ الدُّكْتُورِ شْتْرَاوُسَ، كَانَ ضَحِيَّةَ اسْتِغْلَالٍ مِنْ دُونِ عِلْمِهِ، مُجَرَّدَ اسْمٍ ظَهَرَ فِي سِجِلَّاتِ تَأْسِيسِ شَرِكَةٍ قَدِيمَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ حَتَّى طَبِيعَةَ الِاسْتِخْدَامَاتِ اللَّاحِقَةِ لِتِلْكَ الشَّرِكَةِ. أَحَسَّتْ أَنَّ هَذَا الْفَارِقَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّتِهِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْجَوْهَرِيَّةِ، لَنْ يَكُونَ وَاضِحًا إِلَّا بَعْدَ تَحْقِيقٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَمْلِكُهُ مِنْ مَعْلُومَاتٍ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، بِكُلِّ ثِقَلِهَا الْجَدِيدِ وَذَلِكَ الِاسْمِ الْغَامِضِ الَّذِي بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي ظَلَامِهَا، بِدَايَةَ مَرْحَلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ: مَرْحَلَةٍ لَمْ تَعُدْ فِيهَا دَائِرَةُ الشَّكِّ مَحْصُورَةً بِغُرَبَاءَ بَعِيدِينَ أَوْ رَجُلٍ غَامِضٍ يَحْمِلُ اسْمَ حَيْدَرَ، بَلْ بَدَأَتْ تَقْتَرِبُ، بِبُطْءٍ لَكِنْ بِثَبَاتٍ مُرْعِبٍ، مِنْ دَاخِلِ الدَّائِرَةِ الْأَقْرَبِ لِعَائِلَةِ كَنْعَانَ نَفْسِهَا، مِنْ رَجُلٍ جَلَسَ عَلَى طَاوِلَتِهِمْ، وَابْتَسَمَ لَهُمْ، وَقَدَّمَ لَهُمُ النَّصَائِحَ الطِّبِّيَّةَ بِإِخْلَاصٍ ظَاهِرِيٍّ طَوَالَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ، وَحْدَهُ، كَافِيًا لِإِبْقَائِهَا مُسْتَيْقِظَةً حَتَّى سَاعَاتٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تُرَاقِبُ الظَّلَامَ خَارِجَ نَافِذَتِهَا، وَتُفَكِّرُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ الْمُمْكِنَةِ الَّتِي قَدْ يَكْتَشِفُ بِهَا هَيْر فُولْف، إِنْ كَانَ مُتَوَرِّطًا فِعْلًا، أَنَّ اسْمَهُ بَدَأَ يَظْهَرُ فِي تَحْقِيقَاتِهِمْ، وَمَا قَدْ يَعْنِيهِ ذَلِكَ مِنْ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ عَلَى عَائِلَتِهَا بِأَكْمَلِهَا.
لَمْ تَكُنْ لُبْنَى تَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ الصَّبَاحَ الْقَادِمَ سَيَحْمِلُ مَعَهُ مَزِيدًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ قَبْلَ أَيَّةِ إِجَابَاتٍ حَاسِمَةٍ، وَأَنَّ اسْمَ هَيْر فُولْف، سَوَاءٌ ثَبَتَتْ صِلَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ بِهَذِهِ الشَّبَكَةِ أَمْ لَمْ تَثْبُتْ، سَيَظَلُّ، مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَصَاعِدًا، حَاضِرًا فِي ذِهْنِهَا كُلَّ مَرَّةٍ تُفَكِّرُ فِيهَا بِأَمَانِ وَالِدَيْهَا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ الْهَادِئِ الَّذِي ظَنَّتْهُ، حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، بِمَنْأًى تَامٍّ عَنْ أَيِّ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ.
كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ الطَّوِيلِ مِنَ الْقِصَّةِ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ حَاسِمَةً أُخْرَى: فَقَدْ أَدْرَكَتْ لُبْنَى، وَهِيَ مُسْتَلْقِيَةٌ فِي الْعَتْمَةِ تُرَاقِبُ سَقْفَ غُرْفَتِهَا، أَنَّ الْحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، لَمْ تَعُدْ تَقْتَصِرُ عَلَى أَشْخَاصٍ غُرَبَاءَ بَعِيدِينَ، بَلْ بَدَأَتْ تَلْمِسُ أَشْخَاصًا عَرَفَتْهُمْ عَائِلَتُهَا وَأَحَبَّتْهُمْ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، وَأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا لِيَجْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ أَثْقَلَ وَأَكْثَرَ إِيلَامًا مِمَّا كَانَتْ تَتَخَيَّلُهُ حِينَ بَدَأَتْ هَذَا الْبَحْثَ بِدَافِعِ مَحَبَّةٍ بَسِيطَةٍ تُجَاهَ وَالِدِهَا.
كَانَتِ الْأَسْئِلَةُ الَّتِي تَرَاكَمَتْ حَتَّى تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْإِجَابَاتِ الَّتِي حَصَلُوا عَلَيْهَا، لَكِنَّهَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ثِقَلِهَا، كَانَتْ أَيْضًا خُطْوَةً أُخْرَى نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِتِلْكَ الشَّبَكَةِ الْمُعَقَّدَةِ الَّتِي بَدَأَتْ، بِبُطْءٍ لَا يَرْحَمُ، تَكْشِفُ عَنْ نَفْسِهَا، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، أَمَامَ عَائِلَةٍ لَمْ تَطْلُبْ يَوْمًا أَنْ تَغْدُوَ جُزْءًا مِنْ قِصَّةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ مِنَ التَّعْقِيدِ وَالْخَطَرِ.
وَفِي مَكَانٍ مَا بَعِيدٍ، حَيْثُ لَا تَسْتَطِيعُ لُبْنَى الْوُصُولَ بَعْدُ، كَانَتْ خُيُوطٌ أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ تَنْتَظِرُ أَنْ تُكْشَفَ، خُيُوطٌ لَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ الظُّهُورِ حَتَّى تَكْتَمِلَ الصُّورَةُ بِأَكْمَلِهَا.
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ
اِسْتَيْقَظَتْ وِدَادُ فِي صَبَاحِ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ أَحَدٌ سِوَاهَا، عَلَى عَادَةٍ رَافَقَتْهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، وَنَزَلَتْ إِلَى الْمَطْبَخِ تَبْحَثُ، بَيْنَ رَائِحَةِ الْقَهْوَةِ وَصَمْتِ الْبَيْتِ النَّائِمِ، عَنْ بَقِيَّةٍ مِنْ طَقْسٍ هَادِئٍ قَدِيمٍ شَعَرَتْ أَنَّهُ يَنْفَلِتُ مِنْهَا، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَسْطَ هَذَا الِاضْطِرَابِ الَّذِي لَا يَكِلُّ. كَانَتِ السَّمَاءُ مِنْ خَلْفِ النَّافِذَةِ رَمَادِيَّةً شَاحِبَةً، وَالشَّارِعُ سَاكِنًا سُكُونَ مَنْ لَمْ يَسْتَفِقْ بَعْدُ، وَمَرَّتْ بِهَا، عَلَى غِرَارِ خُيُوطِ الضَّوْءِ الْأُولَى، لَحْظَةٌ خَاطِفَةٌ مِنْ سَكِينَةٍ ظَنَّتْهَا قَدْ فَقَدَتْهَا إِلَى الْأَبَدِ.
وَقَفَتْ تَسْكُبُ الْمَاءَ فِي آلَةِ الْقَهْوَةِ، تُنْصِتُ إِلَى خَرِيرِهَا الْمَعْهُودِ، ذَاكَ الصَّوْتُ الَّذِي أَلِفَتْهُ عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الطَّقْسِ الصَّبَاحِيِّ الْمُشْتَرَكِ مَعَ كَنْعَانَ، وَالَّذِي غَدَا يَبْدُو لَهَا الْآنَ، كَذِكْرَى قَادِمَةٍ مِنْ حَيَاةٍ أُخْرَى، أَبْسَطَ وَأَكْثَرَ أَمْنًا. أَلْقَتْ نَظَرَةً إِلَى الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ، إِلَى تِلْكَ الشُّجَيْرَةِ الَّتِي أَخْفَتْ يَوْمًا كَامِيرَا مُرَاقَبَةٍ صَغِيرَةً، وَقَدْ أُزِيلَتْ الْآنَ، لَكِنَّ أَثَرَهَا فِي النَّفْسِ لَمْ يَزُلْ، أَثَرًا لَا تَمْحُوهُ الْأَيَّامُ بِسُهُولَةٍ.
فَكَّرَتْ، وَهِيَ تَنْتَظِرُ اكْتِمَالَ الْقَهْوَةِ، فِي طُولِ الْمَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَتْهَا حَيَاتُهُمْ مُنْذُ ذَلِكَ الصَّبَاحِ الْبَعِيدِ الَّذِي بَدَتْ فِيهِ الْأُمُورُ، رَغْمَ كُلِّ مَا فِيهَا، أَبْسَطَ وَأَقَلَّ غُمُوضًا. وَتَسَاءَلَتْ، بِحُزْنٍ هَادِئٍ لَا صَخَبَ فِيهِ، إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْبَسَاطَةُ سَتُعَاوِدُهُمْ يَوْمًا، أَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ، كَيْفَمَا انْتَهَتْ، سَتَتْرُكُ فِي دَاخِلِهِمْ أَثَرًا لَا يُمْحَى، يُعِيدُ صِيَاغَةَ نَظَرِهِمْ إِلَى الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِمْ.
فِي طَرِيقِهَا إِلَى الدَّرَجِ، مَرَّتْ بِبَابِ غُرْفَةِ لُبْنَى، فَلَاحَظَتْ أَنَّهُ مُوَارِبٌ، وَأَنَّ ضَوْءَ الْمِصْبَاحِ الصَّغِيرِ لَمَّا يَخْمُدْ بَعْدُ عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُبَكِّرَةِ، وَسَمِعَتْ، مِنْ خَلْفِ الْبَابِ، صَوْتَ ابْنَتِهَا خَافِتًا عَلَى الْهَاتِفِ، صَوْتًا يُحَاوِلُ أَنْ يَتَوَارَى. تَوَقَّفَتْ وِدَادُ لِلَحْظَةٍ، لَا بِنِيَّةِ التَّجَسُّسِ، بَلْ بِفُضُولٍ أُمُومِيٍّ لَا يَسْتَشِيرُ صَاحِبَهُ، فَبَلَغَ سَمْعَهَا طَرَفٌ مِنْ جُمْلَةٍ كَانَتْ لُبْنَى تَقُولُهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ:
“لَا، تُومَاسَ، لَمْ أُخْبِرْ وَالِدَيَّ بَعْدُ. أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ تَمَامًا قَبْلَ أَنْ أُحَمِّلَهُمَا شَكًّا قَدْ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا أَسَاسَ لَهُ.”
جَمَدَتْ وِدَادُ فِي مَكَانِهَا، وَنُسِيَتِ الْقَهْوَةُ تَمَامًا مِنْ ذِهْنِهَا، وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ مَا سَمِعَتْهُ لِلتَّوِّ. شَعَرَتْ بِبُرُودَةٍ غَرِيبَةٍ تَسْرِي فِي صَدْرِهَا، لَيْسَ غَضَبًا بَعْدُ، بَلْ ذَاكَ الْقَلَقَ الْغَامِضَ الَّذِي يَسْبِقُ الْإِدْرَاكَ الْكَامِلَ لِحَجْمِ مَا يَجْرِي. ابْتَعَدَتْ عَنِ الْبَابِ بِهُدُوءٍ، وَعَادَتْ إِلَى الْمَطْبَخِ، لَكِنَّ ذِهْنَهَا ظَلَّ مُعَلَّقًا حَوْلَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْقَصِيرَةِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ أَيَّ شَكٍّ تَقْصِدُهُ لُبْنَى بِالضَّبْطِ، وَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَتْ تُخْفِيهِ عَنْهُمَا.
جَلَسَتْ وِدَادُ إِلَى طَاوِلَةِ الْمَطْبَخِ، أَمَامَ فِنْجَانِ قَهْوَتِهَا الَّذِي بَدَأَ يَبْرُدُ دُونَ أَنْ تَلْمَسَهُ، تُحَاوِلُ أَنْ تُقَرِّرَ كَيْفَ تَتَصَرَّفُ فِيمَا سَمِعَتْهُ. مَرَّتْ بِذِهْنِهَا فِكْرَةُ التَّجَاهُلِ، أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا بِأَنَّهَا رُبَّمَا أَخْطَأَتِ الْفَهْمَ، وَأَنَّ مَا سَمِعَتْهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ مُحَادَثَةٍ عَابِرَةٍ لَا تَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الِانْشِغَالِ. لَكِنَّ حَدْسَهَا، الَّذِي لَمْ يَخْذُلْهَا كَثِيرًا طَوَالَ عُمُرِهَا، أَخْبَرَهَا أَنَّ الْأَمْرَ أَبْعَدُ مِنْ سُوءِ فَهْمٍ عَابِرٍ.
اسْتَعَادَتْ، فِي صَمْتِ الْمَطْبَخِ الصَّبَاحِيِّ، خَيْطَ الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ بِذَاكِرَةٍ مُتَسَلْسِلَةٍ: كَيْفَ ابْتَدَأَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ كُلُّهَا بِحَبَّةِ دَوَاءٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ، وَكَيْفَ تَحَوَّلَتْ، خُطْوَةً فَخُطْوَةً، إِلَى شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْخَوْفِ. وَأَحَسَّتْ بِمَرَارَةِ الْمُفَارَقَةِ: أَنْ تَجِدَ نَفْسَهَا، بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ نَحْوَ الشَّفَافِيَّةِ الْكَامِلَةِ مَعَ زَوْجِهَا، تُوَاجِهُ احْتِمَالَ أَنَّ ابْنَتَهَا، تِلْكَ الَّتِي رَبَّتْهَا عَلَى الصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ، بَدَأَتْ، بِدَافِعِ الْحُبِّ وَالْحِمَايَةِ، تَسْلُكُ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكَهُ وَالِدُهَا لِعُقُودٍ: طَرِيقَ الصَّمْتِ “لِحِمَايَةِ مَنْ نُحِبُّ”.
تَذَكَّرَتْ أَيْضًا، بِمَرَارَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْبَعِيدَةَ الَّتِي عَثَرَتْ فِيهَا عَلَى الْمُغَلَّفِ الْأَصْفَرِ فِي دُرْجِ كَنْعَانَ الْمُقْفَلِ، وَذَاكَ الشُّعُورَ الْغَامِضَ بِخِيَانَةٍ صَغِيرَةٍ لَازَمَهَا وَقْتَئِذٍ، رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا سِوَى أَنَّهَا نَظَرَتْ. شَعَرَتِ الْآنَ بِمَا يُشْبِهُ ذَاكَ الشُّعُورَ، لَكِنْ مِنْ زَاوِيَةٍ مُغَايِرَةٍ تَمَامًا: لَمْ تَعُدْ هِيَ مَنْ يَكْتَشِفُ سِرًّا مَخْفِيًّا، بَلْ صَارَتْ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، الطَّرَفَ الَّذِي أُبْقِيَ خَارِجَ دَائِرَةِ الْمَعْرِفَةِ، رَغْمَ كُلِّ مَا تَبَادَلُوهُ مِنْ وُعُودٍ بِالصَّرَاحَةِ الْكَامِلَةِ.
حِينَ نَزَلَ كَنْعَانُ إِلَى الْمَطْبَخِ بَعْدَ دَقَائِقَ، لَمَحَ عَلَى الْفَوْرِ تَغَيُّرًا فِي مَلَامِحِ زَوْجَتِهِ، ذَاكَ التَّوَتُّرَ الصَّامِتَ الَّذِي غَدَا، لِلْأَسَفِ، مَلْمَحًا مُعْتَادًا فِي وَجْهِهَا خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، لَكِنَّهُ بَدَا هَذِهِ الْمَرَّةَ أَعْمَقَ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَا إِلَى تَهْدِيدٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ إِلَى شَيْءٍ أَقْرَبَ، أَشَدَّ إِيلَامًا. جَلَسَ مُقَابِلَهَا، وَسَكَبَ لِنَفْسِهِ فِنْجَانًا مِنَ الْقَهْوَةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْتَدِئَ يَوْمَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّبِيعِيَّةِ، وَسَأَلَ: “وِدَادُ، مَا الْأَمْرُ؟ يَبْدُو عَلَيْكِ شَيْءٌ مُغَايِرٌ هَذَا الصَّبَاحَ.”
تَرَدَّدَتْ وِدَادُ لِلَحْظَةٍ، تُحَاوِرُ فِنْجَانَ قَهْوَتِهَا الْبَارِدَ بِعَيْنَيْهَا دُونَ أَنْ تَرْفَعَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتٍ حَاوَلَتْ أَنْ تُبْقِيَهُ هَادِئًا: “سَمِعْتُ لُبْنَى، مُنْذُ قَلِيلٍ، تَتَحَدَّثُ إِلَى تُومَاسَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُخْبِرْنَا بِهِ بَعْدُ. قَالَتْ إِنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ ‘تُحَمِّلَنَا شَكًّا قَدْ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا أَسَاسَ لَهُ’. كَنْعَانُ، مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ تُخْفِيَ ابْنَتُنَا عَنَّا، فِي وَقْتٍ نَحْتَاجُ فِيهِ، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، إِلَى شَفَافِيَّةٍ كَامِلَةٍ بَيْنَنَا؟”
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا أَخِيرًا، وَأَضَافَتْ، بِصَوْتٍ أَهْدَأَ لَكِنَّهُ لَا يَقِلُّ ثِقَلًا: “أَعْلَمُ أَنَّكَ سَتَقُولُ إِنَّهَا رُبَّمَا تُحَاوِلُ حِمَايَتَنَا، وَقَدْ تَكُونُ مُحِقَّةً جُزْئِيًّا فِي ذَلِكَ. لَكِنِّي، بِصَرَاحَةٍ، بَدَأْتُ أَشْعُرُ بِتَعَبٍ عَمِيقٍ مِنْ فِكْرَةِ ‘الْحِمَايَةِ عَبْرَ الصَّمْتِ’ هَذِهِ، مَهْمَا كَانَتْ نَوَايَاهَا طَيِّبَةً. عِشْنَا هَذَا النَّمَطَ طَوِيلًا جِدًّا، كَنْعَانُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ، أَكْثَرَ مِنِّي، كَمِ كَلَّفَنَا ثَمَنًا بَاهِظًا.”
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى زَوْجَتِهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ بِقَلَقٍ مُشَابِهٍ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ، يُضَافُ إِلَى كُلِّ الْأَثْقَالِ الَّتِي يَحْمِلُهَا بِالْفِعْلِ. قَالَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ تَفْسِيرًا مَعْقُولًا: “رُبَّمَا هُوَ تَفْصِيلٌ صَحَفِيٌّ صَغِيرٌ، وِدَادُ، شَيْءٌ تُحَاوِلُ التَّيَقُّنَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تُشَارِكَنَا بِهِ، كَعَادَتِهَا الْمِهْنِيَّةِ.”
قَالَتْ وِدَادُ، بِحِدَّةٍ لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تُخَاطِبَهُ بِهَا: “كَنْعَانُ، بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَرْنَا بِهِ، بَعْدَ أَنْ أَخْبَرْتَنِي أَخِيرًا بِكُلِّ شَيْءٍ عَنْ حَيْدَرَ وَمُنَى، بَعْدَ أَنْ قَرَّرْنَا مَعًا أَنَّنَا لَنْ نَحْمِلَ أَسْرَارًا عَنْ بَعْضِنَا بَعْدَ الْآنَ، لَا أُرِيدُ أَنْ نَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ دَائِرَةَ الْإِخْفَاءِ هَذِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَتِ النَّوَايَا حَسَنَةً. لَا أُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ ‘حِمَايَةُ بَعْضِنَا بَعْضًا’ عُذْرًا جَدِيدًا لِإِخْفَاءِ مَا يَهُمُّ.”
شَعَرَ كَنْعَانُ بِثِقْلِ كَلَامِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهَا مُحِقَّةٌ تَمَامًا: فَبَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ نَحْوَ كَسْرِ الصَّمْتِ، نَحْوَ الْمُشَارَكَةِ الْكَامِلَةِ، كَانَ مُؤْلِمًا أَنْ يَكْتَشِفَا أَنَّ دَائِرَةَ الصَّمْتِ، وَلَوْ بِحُسْنِ نِيَّةٍ، تَتَشَكَّلُ مِنْ جَدِيدٍ، هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي الْجِيلِ الْأَصْغَرِ مِنَ الْعَائِلَةِ.
حِينَ نَزَلَتْ لُبْنَى أَخِيرًا إِلَى الْمَطْبَخِ، مُتَأَخِّرَةً قَلِيلًا بِسَبَبِ سَهَرٍ طَوِيلٍ حَاوَلَتْ فِيهِ أَنْ تَسْتَوْعِبَ اكْتِشَافَهَا الْجَدِيدَ، وَجَدَتْ وَالِدَيْهَا يَنْتَظِرَانِهَا بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، فِي جِلْسَةٍ لَمْ تَعْتَدْ رُؤْيَتَهُمَا عَلَيْهَا، جِلْسَةٍ تُنْبِئُ بِمُحَادَثَةٍ جِدِّيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي انْتِظَارِهَا. أَحَسَّتْ، مِنْ نَظَرَاتِهِمَا وَمِنْ ذَاكَ الصَّمْتِ الَّذِي لَمْ يَعْهَدْهُ الْمَطْبَخُ صَبَاحًا، أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ تَغَيَّرَ جَوْهَرِيًّا مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ اسْتَيْقَظَتْ فِيهَا.
سَأَلَتْ، بِحَذَرٍ وَاضِحٍ فِي صَوْتِهَا، وَهِيَ تَضَعُ حَقِيبَةَ هَاتِفِهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ بِبُطْءٍ مُتَعَمَّدٍ: “مَا الْأَمْرُ؟ هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ؟”
قَالَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ، صَوْتٍ لَمْ تَعْتَدْ لُبْنَى سَمَاعَهُ بِهَذِهِ الْحِدَّةِ مُوَجَّهًا إِلَيْهَا شَخْصِيًّا: “لُبْنَى، سَمِعْتُكِ هَذَا الصَّبَاحَ تَتَحَدَّثِينَ إِلَى تُومَاسَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُخْبِرِينَا بِهِ. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ مَاذَا يَجْرِي، وَأُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَهُ الْآنَ، لَا حِينَ تُقَرِّرِينَ أَنْتِ أَنَّ الْوَقْتَ مُنَاسِبٌ.”
شَحَبَ وَجْهُ لُبْنَى قَلِيلًا، وَجَلَسَتْ بِبُطْءٍ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُقَابِلِ، تُدْرِكُ أَنَّ لَحْظَةَ الْمُوَاجَهَةِ الَّتِي حَاوَلَتْ تَأْجِيلَهَا قَدْ حَلَّتْ أَسْرَعَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ، وَتَنَازَعَ فِي دَاخِلِهَا خَجَلٌ مِنْ أَنَّهَا خَذَلَتْ وَالِدَيْهَا بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَقْصِدْهَا، وَدِفَاعِيَّةٌ عَنْ قَرَارٍ بَدَا لَهَا، فِي لَحْظَتِهِ الْأُولَى، مَنْطِقِيًّا تَمَامًا. قَالَتْ، بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ: “لَمْ أُرِدْ أَنْ أُخْبِرَكُمَا قَبْلَ أَنْ أَتَيَقَّنَ تَمَامًا، أُمِّي. الْأَمْرُ مُعَقَّدٌ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُثِيرَ قَلَقًا لَا حَاجَةَ لَهُ إِنْ تَبَيَّنَ أَنِّي مُخْطِئَةٌ.”
سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ إِلْحَاحًا: “أَخْبِرِينَا الْآنَ، لُبْنَى. تَعَلَّمْنَا، بِثَمَنٍ بَاهِظٍ، أَنَّ الصَّمْتَ، مَهْمَا حَسُنَتْ نِيَّتُهُ، لَا يَحْمِي أَحَدًا فِي النِّهَايَةِ، بَلْ يَزِيدُ الْأُمُورَ تَعْقِيدًا فَقَطْ.”
أَخَذَتْ لُبْنَى نَفَسًا عَمِيقًا، وَنَظَرَتْ إِلَى يَدَيْهَا الْمُتَشَابِكَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا إِلَى وَالِدَيْهَا، وَبَدَأَتْ تَشْرَحُ، بِتَرَدُّدٍ تَحَوَّلَ تَدْرِيجِيًّا إِلَى وُضُوحٍ أَكْبَرَ: أَخْبَرَتْهُمَا عَنِ اكْتِشَافِ اسْمِ “هِينِينْغ فُولْف” فِي سِجِلَّاتِ تَأْسِيسِ الشَّرِكَةِ الِاسْتِشَارِيَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالشَّبَكَةِ الَّتِي تُرَاقِبُ وَالِدَهَا، وَعَنْ شَكِّهَا الْأَوَّلِيِّ، غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ بَعْدُ، أَنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ صِلَةً بِهَيْرِ فُولْفَ، الصَّيْدَلَانِيِّ الَّذِي يَثِقُ بِهِ وَالِدَاهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
أَضَافَتْ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُوَضِّحَ مَنْطِقَهَا الدَّاخِلِيَّ: “فَكَّرْتُ طَوَالَ اللَّيْلِ فِي هَذَا، أَبِي، أُمِّي. مِنْ جِهَةٍ، أَنَا صَحَفِيَّةٌ، تَدَرَّبْتُ سَنَوَاتٍ عَلَى أَلَّا أَتَسَرَّعَ فِي اتِّهَامِ أَحَدٍ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مُؤَكَّدٍ، لَا سِيَّمَا حِينَ يَكُونُ الِاتِّهَامُ بِهَذَا الْحَجْمِ، يَخُصُّ رَجُلًا عَرَفْتُمَاهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً. لَكِنِّي، مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أُدْرِكُ الْآنَ أَنِّي كُنْتُ أُطَبِّقُ قَوَاعِدَ مِهْنَتِي عَلَى مَوْقِفٍ عَائِلِيٍّ بَالِغِ الْحَسَاسِيَّةِ، دُونَ أَنْ أُفَكِّرَ بِمَا يَكْفِي فِي أَثَرِ هَذَا الْقَرَارِ عَلَيْكُمَا تَحْدِيدًا.”
جَلَسَ كَنْعَانُ وَوِدَادُ صَامِتَيْنِ تَمَامًا، يَسْتَوْعِبَانِ ثِقْلَ هَذَا الْكَشْفِ، وَشَعَرَا، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ، بِصَدْمَةٍ مُزْدَوَجَةٍ: صَدْمَةُ الِاحْتِمَالِ نَفْسِهِ، أَنَّ رَجُلًا وَثِقَا بِهِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً قَدْ يَكُونُ ضَلِيعًا بِشَكْلٍ مَا فِي هَذِهِ الشَّبَكَةِ الْخَطِيرَةِ، وَصَدْمَةٌ أُخْرَى، أَعْمَقُ رُبَّمَا، أَنَّ ابْنَتَهُمَا اخْتَارَتْ أَنْ تَحْمِلَ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَحِيدَةً، وَلَوْ لِلَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُشَارِكَهُ مَعَهُمَا فَوْرًا.
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى ابْنَتِهِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ فَهْمِهِ لِمَنْطِقِهَا الْمِهْنِيِّ وَبَيْنَ أَلَمِهِ مِنْ إِدْرَاكِ أَنَّ نَمَطَ “الْحِمَايَةِ عَبْرَ الصَّمْتِ” بَدَأَ يَتَكَرَّرُ حَتَّى فِي هَذَا الْجِيلِ الْجَدِيدِ، رَغْمَ كُلِّ الدُّرُوسِ الْمُؤْلِمَةِ الَّتِي تَعَلَّمُوهَا مَعًا خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ.
قَالَتْ وِدَادُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ أَلَمًا وَاضِحًا: “لُبْنَى، أَفْهَمُ أَنَّكِ أَرَدْتِ التَّيَقُّنَ قَبْلَ إِثَارَةِ قَلَقِنَا، لَكِنْ أَلَا تَرَيْنَ الْمُفَارَقَةَ؟ نَحْنُ، كَعَائِلَةٍ، نُحَاوِلُ جَاهِدَيْنِ أَنْ نَتَعَلَّمَ الشَّفَافِيَّةَ الْكَامِلَةَ بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمُؤْلِمِ، وَهَا أَنْتِ، رَغْمَ حُسْنِ نِيَّتِكِ، تُكَرِّرِينَ النَّمَطَ نَفْسَهُ، وَلَوْ لِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ.”
أَطْرَقَتْ لُبْنَى رَأْسَهَا، مُتَأَثِّرَةً بِكَلَامِ وَالِدَتِهَا، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: “أَنْتِ مُحِقَّةٌ، أُمِّي. لَمْ أُفَكِّرْ فِي الْأَمْرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، صَرَاحَةً. كُنْتُ أُفَكِّرُ فَقَطْ، بِعَقْلِيَّتِي الْمِهْنِيَّةِ، أَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَتَّهِمَ رَجُلًا بَرِيئًا بِتَشَابُهِ أَسْمَاءٍ مُحْتَمَلٍ. لَكِنِّي أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ هَذَا الْقَرَارَ، مَهْمَا بَدَا مَنْطِقِيًّا مِنْ زَاوِيَةٍ مِهْنِيَّةٍ، كَانَ خَطَأً مِنْ زَاوِيَةٍ عَائِلِيَّةٍ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ مَعًا خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ.”
مَسَحَتْ دَمْعَةً بَدَأَتْ تَنْحَدِرُ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَضَافَتْ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ انْكِسَارًا: “أَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ خَائِفَةً أَيْضًا، أُمِّي، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ إِثَارَةِ قَلَقِكُمَا بِلَا دَاعٍ، بَلْ مِنْ أَنْ أَكُونَ أَنَا مَنْ يَحْمِلُ إِلَيْكُمَا خَبَرًا بِهَذَا الثِّقْلِ، أَنْ أَكُونَ أَنَا السَّبَبَ فِي تَحْطِيمِ صُورَتِكُمَا عَنْ رَجُلٍ أَحْبَبْتُمَاهُ وَوَثِقْتُمَا بِهِ. شَعَرْتُ وَكَأَنِّي أَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً ثَقِيلَةً جِدًّا لِأَخْبَارٍ لَمْ أَطْلُبْ يَوْمًا أَنْ أَكُونَ حَامِلَتَهَا.”
مَدَّتْ وِدَادُ يَدَهَا، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ ابْنَتِهَا بِحَنَانٍ، رَغْمَ الْأَلَمِ الَّذِي لَا يَزَالُ يُلَاحِظُ فِي عَيْنَيْهَا، وَقَالَتْ: “أَعْرِفُ أَنَّ نَوَايَاكِ كَانَتْ طَيِّبَةً، لُبْنَى. لَكِنِّي أُرِيدُكِ أَنْ تَفْهَمِي أَمْرًا مُهِمًّا: الْخَوْفُ مِنْ إِثَارَةِ قَلَقِنَا، مَهْمَا بَدَا حِمَائِيًّا، هُوَ، فِي جَوْهَرِهِ، نَوْعٌ مِنَ الْقَرَارِ بِأَنَّنَا لَا نَسْتَحِقُّ أَنْ نَعْرِفَ، أَوْ أَنَّنَا غَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى تَحَمُّلِ الْحَقِيقَةِ. وَهَذَا، بِصَرَاحَةٍ، يُشْبِهُ كَثِيرًا مَا فَعَلَهُ وَالِدُكِ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا، حِينَ ظَنَّ أَنَّ حِمَايَتِي تَعْنِي إِبْقَائِي بَعِيدَةً عَنْ حَقِيقَتِهِ الْكَامِلَةِ.”
وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنَتِهَا بِعَيْنَيْنِ يَمْتَزِجُ فِيهِمَا الْحَزْمُ بِالْحُبِّ الْعَمِيقِ، وَأَضَافَتْ: “لَسْتِ مَسْؤُولَةً عَنْ حِمَايَةِ مَشَاعِرِنَا مِنَ الْحَقَائِقِ الصَّعْبَةِ، لُبْنَى. أَنْتِ مَسْؤُولَةٌ، مِثْلَنَا جَمِيعًا الْآنَ، عَنْ مُشَارَكَةِ كُلِّ مَا نَعْرِفُهُ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا، لِأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبِيلَ الْوَحِيدَ الَّذِي نَتَّخِذُ بِهِ قَرَارَاتٍ صَحِيحَةً مَعًا، كَعَائِلَةٍ وَاحِدَةٍ تُوَاجِهُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا.”
اِحْتَضَنَتْ لُبْنَى وَالِدَتَهَا بِقُوَّةٍ، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ عَزْمًا جَدِيدًا: “أَعِدُكِ، أُمِّي، أَنِّي لَنْ أُكَرِّرَ هَذَا الْخَطَأَ. مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا، سَتَعْرِفَانِ كُلَّ شَيْءٍ فَوْرَ مَعْرِفَتِي بِهِ أَنَا، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا أَوْ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ.”
سَأَلَ كَنْعَانُ، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ اسْتَوْعَبَ خِلَالَهُ ثِقْلَ هَذَا الْحِوَارِ: “هَلْ تَيَقَّنَ تُومَاسُ مِنْ هَذَا الرَّابِطِ؟ هَلْ هُنَاكَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى تَوَرُّطِ هَيْرِ فُولْفَ حَقًّا؟”
هَزَّتْ لُبْنَى رَأْسَهَا: “لَيْسَ بَعْدُ، أَبِي. لَا يَزَالُ تُومَاسُ يَبْحَثُ عَنِ الِاسْمِ الْأَوَّلِ الْكَامِلِ لِذَلِكَ الشَّرِيكِ الْمُؤَسِّسِ، لِيَتَيَقَّنَ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ أَمْ رَابِطًا حَقِيقِيًّا. قَالَ إِنَّهُ سَيَتَّصِلُ بِي حَالَ عُثُورِهِ عَلَى مَا يُثْبِتُ الْأَمْرَ.”
جَلَسَ كَنْعَانُ صَامِتًا، يُفَكِّرُ فِي هَيْرِ فُولْفَ، فِي سَنَوَاتِ التَّعَامُلِ الْوَدِّيِّ، فِي تِلْكَ الزِّيَارَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ إِلَى الصَّيْدَلِيَّةِ، فِي الْأَحَادِيثِ الْعَابِرَةِ عَنِ الطَّقْسِ وَالْأَخْبَارِ الْمَحَلِّيَّةِ وَالْعَائِلَةِ، وَشَعَرَ بِغَثَيَانٍ خَفِيفٍ حِينَ فَكَّرَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ، طَوَالَ الْوَقْتِ، مُجَرَّدَ وَاجِهَةٍ مَدْرُوسَةٍ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ لِجَمْعِ الْمَعْلُومَاتِ عَنْهُ وَعَنْ عَائِلَتِهِ.
اسْتَحْضَرَ، بِذَاكِرَةٍ مُؤْلِمَةٍ بَدَأَتْ تُعِيدُ تَفْسِيرَ كُلِّ شَيْءٍ فِي ضَوْءٍ جَدِيدٍ، مَشْهَدًا مِنْ قَبْلِ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ: حِينَ كَسَرَ ذِرَاعَهُ فِي حَادِثٍ بَسِيطٍ أَثْنَاءَ النُّزُولِ عَنْ سُلَّمٍ فِي حَدِيقَتِهِ، وَكَيْفَ أَصَرَّ هَيْرُ فُولْفَ عَلَى أَنْ يُوَاصِلَهُ إِلَى الْمُسْتَشْفَى بِنَفْسِهِ حِينَ لَاحَظَ حَالَتَهُ أَثْنَاءَ زِيَارَتِهِ لِلصَّيْدَلِيَّةِ بَحْثًا عَنْ مُسَكِّنٍ بَسِيطٍ، مُتَجَاوِزًا وَاجِبَاتِهِ الْمِهْنِيَّةَ الْعَادِيَّةَ بِلُطْفٍ بَدَا، فِي حِينِهِ، إِنْسَانِيًّا صَادِقًا تَمَامًا. وَتَذَكَّرَ كَيْفَ سَأَلَهُ، فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ الْقَصِيرَةِ، عَنْ رِوَايَتِهِ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا آنَذَاكَ، وَكَيْفَ بَدَا اهْتِمَامُهُ الْأَدَبِيُّ صَادِقًا، حَتَّى إِنَّهُ اشْتَرَى نُسْخَةً مِنْ إِحْدَى رِوَايَاتِهِ الْمُتَرْجَمَةِ لِيُوقِّعَهَا لَهُ بِابْتِسَامَةٍ فَخُورَةٍ.
فَكَّرَ، بِمَرَارَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، فِي كُلِّ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ الدَّافِئَةِ ظَاهِرِيًّا: هَلْ كَانَتْ كُلُّهَا مُجَرَّدَ أَدَاءٍ مُتْقَنٍ، جُزْءًا مِنْ خُطَّةٍ طَوِيلَةِ الْأَمَدِ لِبِنَاءِ ثِقَةٍ يُمْكِنُ اسْتِغْلَالُهَا لَاحِقًا؟ أَمْ أَنَّ ثَمَّةَ احْتِمَالًا آخَرَ، أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، أَنَّ هَيْرَ فُولْفَ نَفْسَهُ كَانَ، كَالدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ، ضَحِيَّةَ اسْتِغْلَالٍ مِنْ شَبَكَةٍ أَوْسَعَ، دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِوَعْيٍ كَامِلٍ الِاسْتِخْدَامَاتَ الْحَقِيقِيَّةَ لِمَا شَارَكَهُ، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، مَعَ أَطْرَافٍ أُخْرَى؟
تَذَكَّرَ أَيْضًا، بِتَفْصِيلٍ إِضَافِيٍّ يَسْتَحْضِرُهُ الْآنَ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ، مُحَادَثَةً عَابِرَةً دَارَتْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَشْهُرٍ، حِينَ سَأَلَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ، بِفُضُولٍ بَدَا بَرِيئًا تَمَامًا، عَنْ خُطَّةِ الْعَائِلَةِ لِلْإِجَازَةِ الصَّيْفِيَّةِ الْقَادِمَةِ، وَعَنِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُفَكِّرُونَ فِي زِيَارَتِهَا. وَتَسَاءَلَ الْآنَ، بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ مُقْلِقٍ، إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةُ الْعَابِرَةُ، وَأَمْثَالُهَا الْكَثِيرَةُ عَبْرَ السِّنِينَ، جُزْءًا مِنْ جَمْعٍ مَنْهَجِيٍّ مَدْرُوسٍ، لَا مُجَرَّدَ فُضُولٍ اجْتِمَاعِيٍّ عَادِيٍّ كَمَا بَدَا لَهُ حِينَهَا.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ: “أَعْرِفُ هَيْرَ فُولْفَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ. حَضَرَ حَفْلَةَ عِيدِ مِيلَادِي السِّتِّينَ. سَأَلَنِي دَائِمًا عَنْ رِوَايَاتِي الْجَدِيدَةِ بِاهْتِمَامٍ بَدَا صَادِقًا. إِنْ كَانَ كُلُّ هَذَا مُجَرَّدَ تَمْثِيلٍ مَدْرُوسٍ، فَهَذَا يَعْنِي أَنِّي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ مِنْ مُحَاوَلَةِ قِرَاءَةِ النَّاسِ وَفَهْمِ دَوَافِعِهِمِ الْخَفِيَّةِ كَكَاتِبٍ، فَشِلْتُ تَمَامًا فِي رُؤْيَةِ الْحَقِيقَةِ أَمَامَ عَيْنَيَّ مُبَاشَرَةً.”
قَالَتْ وِدَادُ، تُحَاوِلُ أَنْ تُخَفِّفَ ثِقْلَ اللَّحْظَةِ: “كَنْعَانُ، لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَلُومَ نَفْسَكَ عَلَى الثِّقَةِ بِمَنْ عَامَلْتَهُ بِلُطْفٍ وَاحْتِرَامٍ طَوَالَ سَنَوَاتٍ. هَذَا لَيْسَ فَشَلًا فِي فَهْمِ النَّاسِ، بَلْ، إِنْ ثَبَتَ تَوَرُّطُهُ فِعْلًا، دَلِيلٌ عَلَى مِهْنِيَّةِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ فِي التَّمْوِيهِ، لَا عَلَى نَقْصٍ فِيكَ أَنْتَ.”
تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، تَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَضَافَتْ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ تَأَمُّلًا: “فَكَّرْتُ فِي هَذَا كَثِيرًا وَأَنَا أَسْتَمِعُ إِلَيْكُمَا. أَظُنُّ أَنَّ مَا يَجْعَلُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْخِدَاعِ فَعَّالًا بِهَذَا الشَّكْلِ الْمُرْعِبِ لَيْسَ ضَعْفًا فِي مَنْ يُخْدَعُ، بَلْ قُوَّةً فِي الثِّقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا. نَثِقُ بِبَعْضِنَا لِأَنَّ هَذَا مَا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ مُمْكِنَةً أَصْلًا، لِأَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعِيشَ وَكَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ حَوْلَنَا عَدُوٌّ مُحْتَمَلٌ. مَنْ يَسْتَغِلُّ هَذِهِ الثِّقَةَ، مَنْ يَبْنِي عَلَاقَةً زَائِفَةً عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ لِيُحَقِّقَ هَدَفًا خَفِيًّا، هُوَ مَنْ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ، لَا الضَّحِيَّةُ الَّتِي وَثِقَتْ بِصِدْقِ طَبِيعَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ سَلِيمَةٍ.”
لَكِنَّ كَنْعَانَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَخَلَّصَ بِسُهُولَةٍ مِنْ ذَلِكَ الشُّعُورِ بِالِانْتِهَاكِ الْمُتَجَدِّدِ، لَا مِنْ احْتِمَالِ تَوَرُّطِ هَيْرِ فُولْفَ نَفْسِهِ فَحَسْبُ، بَلْ مِنْ إِدْرَاكٍ أَوْسَعَ بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي ذِهْنِهِ: أَنَّ دَائِرَةَ الثِّقَةِ الَّتِي بَنَاهَا بِعِنَايَةٍ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا فِي هَذَا الْبَلَدِ، أَصْدِقَاءَ وَجِيرَانًا وَحَتَّى أَفْرَادًا مِنْ عَائِلَتِهِ الْخَاصَّةِ، بَدَأَتْ، وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، تَتَعَرَّضُ لِلتَّسَاؤُلِ وَالشَّكِّ.
قَالَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ حُزْنًا عَمِيقًا: “أَشْعُرُ، وِدَادُ، أَنَّ دَائِرَةَ مَنْ أَثِقُ بِهِمْ تَضِيقُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. أَوَّلًا حَيْدَرُ، ثُمَّ مَنْ يَعْمَلُ لِصَالِحِهِ، ثُمَّ احْتِمَالُ أَنَّ أُخْتَهُ الْوَحِيدَةَ تَحْمِلُ سِرًّا عَنِّي، وَالْآنَ رَجُلٌ أَثِقُ بِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، رُبَّمَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ. أَبْدَأُ أَتَسَاءَلُ، بِصِدْقٍ مُخِيفٍ، مَنْ بَقِيَ، حَقًّا، خَارِجَ دَائِرَةِ الشَّكِّ هَذِهِ؟”
نَظَرَتْ لُبْنَى إِلَى وَالِدِهَا بِقَلَقٍ عَمِيقٍ، وَقَالَتْ: “أَبِي، أَنَا وَأُمِّي هُنَا، إِلَى جَانِبِكَ، مَهْمَا حَدَثَ. أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَا يَبْدُو كَافِيًا وَسْطَ كُلِّ هَذَا الِاضْطِرَابِ، لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ.”
اِبْتَسَمَ كَنْعَانُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ، وَقَالَ: “أَعْرِفُ ذَلِكَ، لُبْنَى، وَأَنَا أَكْثَرُ امْتِنَانًا لَهُ مِمَّا تَتَخَيَّلِينَ. لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي الثِّقَةِ بِكُمَا أَنْتُمَا الِاثْنَتَيْنِ، بَلْ فِي إِدْرَاكِي الْمُتَزَايِدِ أَنَّ أَيَّ إِنْسَانٍ آخَرَ، مَهْمَا بَدَا قَرِيبًا وَجَدِيرًا بِالثِّقَةِ، قَدْ يَحْمِلُ، دُونَ عِلْمِي، صِلَةً بِهَذِهِ الشَّبَكَةِ الْمُتَشَعِّبَةِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الشَّكِّ، بِصَرَاحَةٍ، يَبْدَأُ يَغْمُرُنِي بِعُزْلَةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ، حَتَّى فِي أَصْعَبِ سَنَوَاتِ هِجْرَتِي الْأُولَى.”
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ صَامِتَةً بَعْضَ الْوَقْتِ، كُلٌّ يَسْتَوْعِبُ ثِقْلَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الْأَخِيرِ، إِدْرَاكَ أَنَّ الْخَطَرَ، الَّذِي ظَنُّوهُ فِي الْبِدَايَةِ قَادِمًا مِنَ الْخَارِجِ فَقَطْ، مِنْ رَسَائِلَ مَجْهُولَةٍ وَمُكَالَمَاتٍ غَامِضَةٍ وَكَامِيرَا مَخْفِيَّةٍ، بَدَأَ يَتَسَلَّلُ، بِبُطْءٍ لَكِنْ بِثَبَاتٍ مُوجِعٍ، إِلَى دَاخِلِ دَائِرَةِ الْعَلَاقَاتِ الْأَقْرَبِ، مُزَعْزِعًا يَقِينًا بَنَوْهُ بِعِنَايَةٍ طَوَالَ عُقُودٍ مِنَ الْعَيْشِ الْهَادِئِ.
فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْعَائِلَةُ تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَعِيدَ بَعْضًا مِنْ تَوَازُنِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحِوَارِ الصَّعْبِ، اتَّصَلَ تُومَاسُ بِلُبْنَى مِنْ جَدِيدٍ، وَهَذِهِ الْمَرَّةَ أَصَرَّتْ، بِحُضُورِ وَالِدَيْهَا، أَنْ تَضَعَ الْمُكَالَمَةَ عَلَى مُكَبِّرِ الصَّوْتِ، مُصَمِّمَةً أَلَّا تُكَرِّرَ خَطَأَ الصَّبَاحِ.
جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ حَوْلَ طَاوِلَةِ الْمَطْبَخِ مِنْ جَدِيدٍ، وَهَاتِفُ لُبْنَى فِي وَسَطِهَا، وَانْتَظَرُوا بِصَمْتٍ مُتَوَتِّرٍ أَنْ يَبْدَأَ تُومَاسُ حَدِيثَهُ، شَاعِرِينَ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ، أَنَّ هَذِهِ الْمُكَالَمَةَ قَدْ تَحْمِلُ تَأْكِيدًا حَاسِمًا لَنْ يَسْتَطِيعُوا التَّرَاجُعَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ.
قَالَ تُومَاسُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ جِدِّيَّةً إِضَافِيَّةً: “لُبْنَى، وَجَدْتُ الِاسْمَ الْأَوَّلَ الْكَامِلَ لِذَلِكَ الشَّرِيكِ الْمُؤَسِّسِ: ‘أَنْدْرِيَاسُ هِينِينْغ فُولْفَ’. تَحَقَّقْتُ مِنْ سِجِلَّاتِهِ الْعَامَّةِ، وَقَارَنْتُهَا بِمَا اسْتَطَعْتُ جَمْعَهُ بِسُرْعَةٍ عَنْ هَيْرِ فُولْفَ الَّذِي وَصَفْتِهِ لِي، الصَّيْدَلَانِيِّ فِي حَيِّ وَالِدَيْكِ. الْعُمْرُ يَتَطَابَقُ تَقْرِيبًا، وَمَكَانُ الْمِيلَادِ الْمُسَجَّلُ فِي وَثَائِقِ الشَّرِكَةِ يُشِيرُ إِلَى مَدِينَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ قَرِيبَةٍ نِسْبِيًّا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَخْبَرَتْنِي أَنَّ عَائِلَةَ هَيْرِ فُولْفَ تَنْحَدِرُ مِنْهُ أَصْلًا.”
سَأَلَتْ لُبْنَى بِإِلْحَاحٍ، بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ: “هَلْ وَجَدْتَ صُورَةً حَدِيثَةً لَهُ؟ أَيَّ شَيْءٍ يُؤَكِّدُ الْهُوِيَّةَ بِصْرِيًّا؟”
قَالَ تُومَاسُ: “لِسُوءِ الْحَظِّ، لَا. سِجِلَّاتُ الشَّرِكَةِ قَدِيمَةٌ نِسْبِيًّا، وَلَا تَتَضَمَّنُ صُوَرًا شَخْصِيَّةً، فَقَطْ بَيَانَاتٍ إِدَارِيَّةً أَسَاسِيَّةً. لَكِنِّي وَجَدْتُ شَيْئًا آخَرَ مُثِيرًا لِلِاهْتِمَامِ: يَبْدُو أَنَّ أَنْدْرِيَاسَ هِينِينْغ فُولْفَ انْسَحَبَ رَسْمِيًّا مِنْ إِدَارَةِ الشَّرِكَةِ قَبْلَ نَحْوِ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، مُحْتَفِظًا فَقَطْ بِحِصَّةٍ مَالِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، دُونَ أَيِّ دَوْرٍ تَنْفِيذِيٍّ ظَاهِرٍ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ. هَذَا يَتَّسِقُ، بِطَرِيقَةٍ مُقْلِقَةٍ، مَعَ فِكْرَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا اخْتَارَ أَنْ يَعِيشَ حَيَاةً ‘عَادِيَّةً’ كَصَيْدَلَانِيٍّ مَحَلِّيٍّ هَادِئٍ، بَعِيدًا عَنْ أَيِّ نَشَاطٍ ظَاهِرٍ قَدْ يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ إِلَيْهِ.”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْمَطْبَخِ، وَسَأَلَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَلَقًا لَمْ تُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ: “هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّهُ هُوَ، تُومَاسُ؟ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ؟”
أَجَابَ تُومَاسُ، بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ: “التَّطَابُقَاتُ كَثِيرَةٌ بِمَا يَكْفِي لِتَسْتَدْعِيَ قَلَقًا حَقِيقِيًّا، سَيِّدَةَ مُرَادَ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ دَلِيلًا قَاطِعًا مِئَةً بِالْمِئَةِ بَعْدُ. أَنْصَحُكُمْ بِشِدَّةٍ، حَتَّى نَحْصُلَ عَلَى تَأْكِيدٍ كَامِلٍ، أَلَّا تُوَاجِهُوا هَيْرَ فُولْفَ مُبَاشَرَةً، وَأَلَّا تَتَصَرَّفُوا مَعَهُ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ عَنِ الْمُعْتَادِ، حَتَّى لَا نُخَاطِرَ بِفَهْمِ الصُّورَةِ الْكَامِلَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ هُوَ، إِنْ كَانَ مُتَوَرِّطًا فِعْلًا، إِلَى أَنَّنَا بَدَأْنَا نَقْتَرِبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ.”
سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ: “مَا الْخُطْوَةُ التَّالِيَةُ إِذَنْ؟ كَيْفَ نَتَيَقَّنُ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ دُونَ أَنْ نُعَرِّضَ أَنْفُسَنَا لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ؟”
فَكَّرَ تُومَاسُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ: “سَأُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَى سِجِلَّاتٍ ضَرِيبِيَّةٍ أَوْ مَصْرِفِيَّةٍ إِضَافِيَّةٍ قَدْ تَحْوِي مَعْلُومَاتٍ أَكْثَرَ تَفْصِيلًا، رُبَّمَا حَتَّى صُورَةً حَدِيثَةً نِسْبِيًّا. سَيَسْتَغْرِقُ هَذَا بَعْضَ الْوَقْتِ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ أَمَانًا مِنْ أَيِّ مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْمُبَكِّرَةِ. فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، أَنْصَحُكُمْ بِشِدَّةٍ أَنْ تُفَكِّرُوا فِي تَغْيِيرِ صَيْدَلِيَّتِكُمْ بِهُدُوءٍ، دُونَ إِثَارَةِ أَيِّ شُكُوكٍ، كَإِجْرَاءٍ احْتِرَازِيٍّ بَسِيطٍ.”
سَأَلَتْ وِدَادُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَلَقًا عَمَلِيًّا: “لَكِنْ كَيْفَ نُغَيِّرُ الصَّيْدَلِيَّةَ دُونَ أَنْ نُثِيرَ شُكُوكَهُ، إِنْ كَانَ يُرَاقِبُ فِعْلًا كُلَّ تَحَرُّكَاتِنَا الصَّغِيرَةَ؟ أَلَنْ يُلَاحِظَ فَوْرًا أَنَّنَا تَوَقَّفْنَا عَنِ التَّعَامُلِ مَعَهُ؟”
فَكَّرَ تُومَاسُ فِي هَذَا السُّؤَالِ الْعَمَلِيِّ، ثُمَّ اقْتَرَحَ: “يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَسْتَخْدِمُوا حُجَّةً بَسِيطَةً وَمَعْقُولَةً، كَالِانْتِقَالِ إِلَى صَيْدَلِيَّةٍ أَقْرَبَ تَوْفِيرًا لِلْوَقْتِ، أَوِ التَّبْدِيلِ لِتَغْطِيَةِ التَّأْمِينِ. أَيُّ عُذْرٍ مَنْطِقِيٍّ يَبْدُو طَبِيعِيًّا تَمَامًا وَلَا يُثِيرُ الشُّبْهَاتِ.”
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُكَالَمَةِ، تَبَادَلَتِ الْعَائِلَةُ نَظَرَاتٍ صَامِتَةً مُثْقَلَةً، تُدْرِكُ أَنَّ حَيَاتَهَا الْيَوْمِيَّةَ، حَتَّى أَبْسَطَ تَفَاصِيلِهَا كَزِيَارَةِ الصَّيْدَلِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ، صَارَتِ الْآنَ سَاحَةَ حِسَابَاتٍ دَقِيقَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِالْمَخَاطِرِ، حَيْثُ كُلُّ قَرَارٍ، مَهْمَا بَدَا بَسِيطًا فِي الظَّاهِرِ، يَحْمِلُ احْتِمَالَاتٍ وَتَدَاعِيَاتٍ لَمْ يَكُونُوا لِيَتَخَيَّلُوهَا قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُكَالَمَةِ، جَلَسَ كَنْعَانُ صَامِتًا وَقْتًا طَوِيلًا، يُفَكِّرُ فِي مُفَارَقَةِ هَذَا الْمَوْقِفِ الْقَاسِيَةِ: أَنَّهُ سَيُضْطَرُّ، رُبَّمَا فِي الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ، أَنْ يَزُورَ تِلْكَ الصَّيْدَلِيَّةَ نَفْسَهَا، أَنْ يَقِفَ أَمَامَ هَيْرِ فُولْفَ، يَبْتَسِمُ لَهُ كَالْمُعْتَادِ، يَتَحَدَّثُ مَعَهُ بِلُطْفٍ كَالْمُعْتَادِ، بَيْنَمَا يَحْمِلُ، فِي دَاخِلِهِ، هَذَا الشَّكَّ الثَّقِيلَ الَّذِي قَدْ يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا إِلَى الْأَبَدِ.
نَهَضَ كَنْعَانُ، وَاسْتَأْذَنَ زَوْجَتَهُ وَابْنَتَهُ، طَالِبًا بَعْضَ الْوَقْتِ وَحْدَهُ، وَمَضَى إِلَى مَكْتَبِهِ، ذَاكَ الْمَكَانَ الَّذِي غَدَا، خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، شَاهِدًا صَامِتًا عَلَى كُلِّ تَحَوُّلَاتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ الْكُبْرَى. جَلَسَ أَمَامَ دَفْتَرِهِ الصَّغِيرِ، وَفَتَحَهُ عَلَى صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ، وَبَدَأَ يَكْتُبُ، لَا لِتَوْثِيقِ حَدَثٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ لِيَفْهَمَ شَيْئًا أَعْمَقَ يَعْتَمِلُ فِي دَاخِلِهِ.
كَتَبَ: “طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا، بَنَيْتُ حَيَاتِي عَلَى افْتِرَاضٍ بَسِيطٍ: أَنَّ الْأَمَانَ يَعْنِي الِابْتِعَادَ عَنِ الْمَاضِي، عَنْ سُورِيَّا، عَنْ كُلِّ مَا يُذَكِّرُنِي بِتِلْكَ الْغُرْفَةِ بِلَا نَوَافِذَ. ظَنَنْتُ أَنَّ الْأَمَانَ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي بِنَاءِ دَائِرَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الثِّقَةِ، هُنَا، فِي هَذَا الْبَلَدِ الْبَعِيدِ، مَعَ أُنَاسٍ لَا صِلَةَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْمَاضِي الْمُظْلِمِ. لَكِنِّي أُدْرِكُ الْآنَ، بِأَلَمٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ، أَنَّ هَذِهِ الدَّائِرَةَ نَفْسَهَا، الَّتِي ظَنَنْتُهَا حِصْنِي الْأَخِيرَ، بَدَأَتْ تَتَكَشَّفُ عَنْ ثُغَرَاتٍ لَمْ أَتَخَيَّلْهَا يَوْمًا.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، يَنْظُرُ إِلَى مَا خَطَّهُ لِلتَّوِّ، ثُمَّ أَضَافَ: “رُبَّمَا الْحَقِيقَةُ الْمُؤْلِمَةُ أَنَّهُ لَا تُوجَدُ دَائِرَةُ ثِقَةٍ مُطْلَقَةُ الْأَمَانِ، لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ، لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْحَاضِرِ. رُبَّمَا كُلُّ مَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ أَنْ يَخْتَارَ، بِوَعْيٍ كَامِلٍ، مَنْ يَثِقُ بِهِمْ رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْغُمُوضِ، وَأَنْ يَقْبَلَ أَنَّ هَذِهِ الثِّقَةَ، رَغْمَ كَوْنِهَا ضَرُورِيَّةً لِلْحَيَاةِ، تَحْمِلُ دَائِمًا مُخَاطَرَةً لَا يُمْكِنُ إِلْغَاؤُهَا تَمَامًا.”
جَلَسَ يَتَأَمَّلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، شَاعِرًا بِثِقْلٍ فَلْسَفِيٍّ جَدِيدٍ يُضَافُ إِلَى كُلِّ الْأَثْقَالِ الْعَاطِفِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا بِالْفِعْلِ. فَكَّرَ فِي وِدَادَ وَلُبْنَى، فِي سَلْوَى، فِي الدُّكْتُورِ شْتْرَاوْسَ الْبَرِيءِ الَّذِي اسْتُغِلَّ دُونَ عِلْمِهِ، وَفِي هَيْرِ فُولْفَ الَّذِي قَدْ يَكُونُ، أَوْ لَا يَكُونُ، جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ الْمُظْلِمَةِ. وَشَعَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُمَثِّلُ، بِطَرِيقَتِهِ، اخْتِبَارًا لِتِلْكَ الْفَلْسَفَةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي بَدَأَ يَصُوغُهَا لِنَفْسِهِ: أَنَّ الثِّقَةَ، رَغْمَ كُلِّ مَخَاطِرِهَا، تَبْقَى ضَرُورِيَّةً، وَأَنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْخِيَانَةِ الْمُحْتَمَلَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الِانْعِزَالِ الْكَامِلِ عَنْ كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ.
دَخَلَتْ وِدَادُ الْمَكْتَبَ بَعْدَ دَقَائِقَ، دُونَ طَرْقِ الْبَابِ، بِحُرِّيَّةٍ اعْتَادَتْهَا مُنْذُ أَنْ كَسَرَا مَعًا حَاجِزَ الصَّمْتِ الْقَدِيمَ بَيْنَهُمَا. جَلَسَتْ بِهُدُوءٍ إِلَى جَانِبِهِ، وَنَظَرَتْ بِحَذَرٍ إِلَى الدَّفْتَرِ الْمَفْتُوحِ أَمَامَهُ، دُونَ أَنْ تَقْرَأَ مَا كَتَبَهُ بِالتَّفْصِيلِ، مُحْتَرِمَةً تِلْكَ الْمَسَاحَةَ الْأَخِيرَةَ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي لَا يَزَالُ يَحْتَاجُهَا.
قَالَتْ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ: “كَنْعَانُ، أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ ثَقِيلٌ جِدًّا عَلَيْكَ، أَثْقَلُ مِمَّا يُمْكِنُ لِأَيِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ بِسُهُولَةٍ. لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا: مَهْمَا ضَاقَتْ دَائِرَةُ مَنْ تَثِقُ بِهِمْ، سَتَبْقَى أَنَا وَلُبْنَى فِيهَا، بِثَبَاتٍ لَا يَتَزَعْزَعُ. هَذَا لَيْسَ وَعْدًا سَهْلًا أَقْطَعُهُ، بَلْ حَقِيقَةٌ عِشْتُهَا مَعَكَ خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ الصَّعْبَةِ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ يَصْعُبُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، وَقَالَ: “أَعْرِفُ ذَلِكَ، وِدَادُ، وَهُوَ مَا يَمْنَحُنِي الْقُوَّةَ لِلِاسْتِمْرَارِ وَسْطَ كُلِّ هَذَا الِاضْطِرَابِ. لَكِنِ اسْمَحِي لِي أَنْ أَعْتَرِفَ بِشَيْءٍ آخَرَ: أَشْعُرُ أَحْيَانًا بِالْخَوْفِ، لَا مِنَ الْخَطَرِ الْخَارِجِيِّ فَقَطْ، بَلْ مِنْ فِكْرَةِ أَنِّي، بِسَبَبِ هَذَا الْمَاضِي الَّذِي حَمَلْتُهُ صَامِتًا لِعُقُودٍ، جَلَبْتُ هَذَا الِاضْطِرَابَ كُلَّهُ إِلَى حَيَاتِكُمَا أَنْتُمَا الِاثْنَتَيْنِ، اللَّتَيْنِ لَمْ تَطْلُبَا يَوْمًا أَنْ تَكُونَا جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ.”
هَزَّتْ وِدَادُ رَأْسَهَا بِحَزْمٍ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى يَدِهِ: “كَنْعَانُ، كُفَّ عَنْ حَمْلِ هَذَا الذَّنْبِ الْإِضَافِيِّ. أَنْتَ لَمْ تَخْتَرِعْ هَذَا الْخَطَرَ، وَلَمْ تَدْعُ حَيْدَرَ وَلَا مَنْ يَعْمَلُ لِصَالِحِهِ إِلَى حَيَاتِنَا. أَنْتَ، بِبَسَاطَةٍ، إِنْسَانٌ عَاشَ تَجْرِبَةً مُؤْلِمَةً فِي شَبَابِهِ، وَحَاوَلَ، بِأَفْضَلِ مَا اسْتَطَاعَ، أَنْ يَبْنِيَ حَيَاةً جَدِيدَةً بَعْدَهَا. الْمَسْؤُولِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَقَعُ عَلَى مَنِ اخْتَارَ أَنْ يُطَارِدَ إِنْسَانًا بَرِيئًا عُقُودًا طَوِيلَةً، لَا عَلَيْكَ أَنْتَ.”
قَالَ كَنْعَانُ، بِمَرَارَةٍ عَمِيقَةٍ: “أَشْعُرُ أَنِّي صِرْتُ مُمَثِّلًا فِي مَسْرَحِيَّةٍ لَمْ أَخْتَرْ أَنْ أَكُونَ جُزْءًا مِنْهَا، أُضْطَرُّ أَنْ أَتَظَاهَرَ بِالطَّبِيعِيَّةِ أَمَامَ رَجُلٍ رُبَّمَا خَانَنِي بِأَبْشَعِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحَنَانٍ، وَقَالَتْ: “لَنْ تَكُونَ وَحِيدًا فِي هَذَا، كَنْعَانُ. سَنُوَاجِهُ كُلَّ هَذَا مَعًا، خُطْوَةً فَخُطْوَةً، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا.”
لَكِنَّ كَنْعَانَ، وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى كَلَامِ زَوْجَتِهِ الْمُطَمْئِنِّ، شَعَرَ، فِي مَكَانٍ عَمِيقٍ مِنْ دَاخِلِهِ، أَنَّ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا قَدْ تَغَيَّرَ فِي نَظَرَتِهِ إِلَى الْعَالَمِ: فَبَعْدَ أَنْ قَضَى أَرْبَعِينَ عَامًا يَبْنِي حَيَاةً عَلَى الثِّقَةِ الْهَادِئَةِ بِمَنْ حَوْلَهُ، بَدَأَ يُدْرِكُ، بِأَلَمٍ مُتَزَايِدٍ، أَنَّ هَذِهِ الثِّقَةَ، مَهْمَا بَدَتْ صُلْبَةً، يُمْكِنُ أَنْ تَتَفَكَّكَ، قِطْعَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، أَمَامَ شَبَكَةٍ صَبُورَةٍ، مُحَكَّمَةِ التَّخْطِيطِ، لَا تَعْرِفُ حُدُودًا لِصَبْرِهَا وَلَا لِقُدْرَتِهَا عَلَى التَّسَلُّلِ إِلَى أَقْرَبِ دَوَائِرِ حَيَاتِهِ.
فِي غُرْفَتِهَا فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، جَلَسَتْ لُبْنَى وَحِيدَةً ذَاكَ الْمَسَاءَ، تُرَاجِعُ فِي ذِهْنِهَا أَحْدَاثَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الْمُرْهِقِ، وَشَعَرَتْ بِثِقْلٍ مُزْدَوَجٍ: ثِقْلُ اكْتِشَافِهَا الْجَدِيدِ عَنْ هَيْرِ فُولْفَ، وَثِقْلُ إِدْرَاكِهَا أَنَّ قَرَارَهَا بِالصَّمْتِ الْمُؤَقَّتِ، مَهْمَا كَانَتْ دَوَافِعُهُ الْمِهْنِيَّةُ مَعْقُولَةً، أَضَافَ جُرْحًا صَغِيرًا إِلَى ثِقَةِ عَائِلَتِهَا الْمُتَزَعْزِعَةِ أَصْلًا.
فَتَحَتْ حَاسُوبَهَا الْمَحْمُولَ، وَبَدَأَتْ تُرَاجِعُ مُلَاحَظَاتِهَا الْمُتَرَاكِمَةَ طَوَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُنَظِّمَ أَفْكَارَهَا بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ: قَائِمَةٌ بِالْأَشْخَاصِ الَّذِينَ صَارُوا، بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ، جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَقَّدَةِ: حَيْدَرُ، الَّذِي لَا تَزَالُ هَوِيَّتُهُ الْحَالِيَّةُ غَامِضَةً؛ مُنَى، الَّتِي رُبَّمَا لَا تَزَالُ حَيَّةً فِي مَكَانٍ مَا؛ سَلْوَى، الَّتِي حَمَلَتْ سِرًّا عُقُودًا؛ الدُّكْتُورُ شْتْرَاوْسُ، الَّذِي اسْتُغِلَّ دُونَ عِلْمِهِ؛ وَأَخِيرًا هَيْرُ فُولْفَ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ، أَوْ لَا يَكُونُ، خَائِنًا صَامِتًا لِثِقَةِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ.
فَكَّرَتْ، وَهِيَ تُرَاقِبُ هَذِهِ الْقَائِمَةَ الْمُتَزَايِدَةَ الطُّولِ، فِي مَدَى تَعَقُّدِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الَّتِي ابْتَدَأَتْ، قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، بِمَقَالٍ احْتِفَالِيٍّ بَسِيطٍ أَرَادَتْ أَنْ تَكْتُبَهُ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِهَا الْأَدَبِيَّةِ. شَعَرَتْ بِدُوَارٍ خَفِيفٍ أَمَامَ حَجْمِ التَّحَوُّلِ الَّذِي طَرَأَ عَلَى حَيَاتِهَا الشَّخْصِيَّةِ وَالْمِهْنِيَّةِ مَعًا، وَتَسَاءَلَتْ، بِصِدْقٍ مَعَ نَفْسِهَا، إِنْ كَانَتْ سَتَسْتَطِيعُ يَوْمًا الْعَوْدَةَ إِلَى تِلْكَ الْحَيَاةِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي عَاشَتْهَا قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ ذَلِكَ الْأَرْشِيفَ الرَّقْمِيَّ فِي لَيْلَةٍ عَادِيَّةٍ بَدَتْ، حِينَهَا، بَحْثًا رُوتِينِيًّا آخَرَ لَا غَيْرَ.
تَذَكَّرَتْ كَلِمَاتَ وَالِدَتِهَا فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، تِلْكَ الْعِبَارَةَ الَّتِي لَا تَزَالُ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهَا: “الْخَوْفُ مِنْ إِثَارَةِ قَلَقِنَا نَوْعٌ مِنَ الْقَرَارِ بِأَنَّنَا لَا نَسْتَحِقُّ أَنْ نَعْرِفَ.” شَعَرَتْ بِالْخَجَلِ مِنْ جَدِيدٍ وَهِيَ تَسْتَعِيدُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ أَيْضًا بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِأُمِّهَا، لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْهَادِئَةِ الَّتِي عَلَّمَتْهَا دَرْسًا لَنْ تَنْسَاهُ بِسُهُولَةٍ، دَرْسًا يَتَجَاوَزُ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْمُحَدَّدَةَ لِيَبْلُغَ جَوْهَرًا أَعْمَقَ حَوْلَ مَعْنَى الثِّقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَيْنَ مَنْ يُحِبُّونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ أَوَتْ وِدَادُ إِلَى فِرَاشِهَا، وَبَعْدَ أَنْ أَطْفَأَتْ لُبْنَى مِصْبَاحَ غُرْفَتِهَا أَخِيرًا مُحَاوِلَةً أَنْ تَنَالَ قِسْطًا مِنَ النَّوْمِ رَغْمَ الْأَفْكَارِ الْمُتَزَاحِمَةِ فِي ذِهْنِهَا، بَقِيَ كَنْعَانُ مُسْتَيْقِظًا وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ وَقْتًا إِضَافِيًّا، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى مُغَادَرَةِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ التَّأَمُّلِ الْعَمِيقِ الَّتِي ابْتَدَأَهَا فِي وَقْتٍ سَابِقٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
نَظَرَ حَوْلَهُ فِي مَكْتَبِهِ الْهَادِئِ، إِلَى الْكُتُبِ الْمُصْطَفَّةِ عَلَى الرُّفُوفِ، رُفُوفٍ جَمَعَهَا بِعِنَايَةٍ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ، كُتُبٍ بِلُغَاتٍ ثَلَاثٍ تُمَثِّلُ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، مَرْحَلَةً مُخْتَلِفَةً مِنْ رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ بَيْنَ الْهُوِيَّاتِ وَالْأَوْطَانِ. فَكَّرَ فِي كُلِّ الْأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ عَرَفَهُمْ عَبْرَ هَذِهِ الْعُقُودِ، فِي النَّاشِرِينَ الَّذِينَ تَعَامَلَ مَعَهُمْ، فِي الْقُرَّاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا لَهُ رَسَائِلَ إِعْجَابٍ صَادِقَةٍ، فِي الْجِيرَانِ الَّذِينَ حَيَّوْهُ كُلَّ صَبَاحٍ بِابْتِسَامَةٍ وَدُودَةٍ، وَتَسَاءَلَ، بِقَلَقٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَجَاهُلَهُ، كَمْ مِنْهُمْ، لَوْ تَعَمَّقَ فِيهِمْ بِمَا يَكْفِي، قَدْ يَحْمِلُ، هُوَ أَيْضًا، صِلَةً خَفِيَّةً بِذَلِكَ الْمَاضِي الَّذِي ظَنَّهُ مَدْفُونًا إِلَى الْأَبَدِ.
شَعَرَ بِوَحْدَةٍ غَرِيبَةٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَحْدَةٍ لَمْ تَنْتُجْ عَنْ غِيَابِ الْحُبِّ مِنْ حَوْلِهِ، فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ، بِيَقِينٍ كَامِلٍ، أَنَّ وِدَادَ وَلُبْنَى تُحِبَّانِهِ بِصِدْقٍ لَا يَتَزَعْزَعُ، بَلْ وَحْدَةٍ نَاتِجَةٍ عَنْ ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ الْجَدِيدِ الْمُؤْلِمِ: أَنَّ حَتَّى أَكْثَرَ الْعَلَاقَاتِ دِفْئًا وَطُولًا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَغَلَّ، أَنْ يُسَاءَ اسْتِخْدَامُ ثِقَةٍ مُنِحَتْ بِصِدْقٍ لِأَغْرَاضٍ لَمْ يَتَخَيَّلْهَا الطَّرَفُ الْوَاثِقُ يَوْمًا.
فَكَّرَ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ “الْخِيَانَةِ”، وَحَاوَلَ أَنْ يَفْهَمَ أَبْعَادَهَا الْمُخْتَلِفَةَ فِي ضَوْءِ كُلِّ مَا عَاشَهُ خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ: خِيَانَتُهُ هُوَ، وَلَوِ الصَّغِيرَةُ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ، لِمُنَى حِينَ ابْتَعَدَ عَنْهَا خَوْفًا؛ خِيَانَةُ سَلْوَى الْمُحْتَمَلَةُ، وَلَوْ بِدَافِعِ الْحِمَايَةِ، حِينَ أَخْفَتْ عَنْهُ سِرًّا عُقُودًا؛ خِيَانَةُ لُبْنَى الصَّغِيرَةُ هَذَا الصَّبَاحَ، حِينَ أَخَّرَتْ مُشَارَكَةَ مَعْلُومَةٍ مُهِمَّةٍ؛ وَأَخِيرًا، الْخِيَانَةُ الْأَكْبَرُ وَالْأَشَدُّ إِيلَامًا، خِيَانَةُ هَيْرِ فُولْفَ الْمُحْتَمَلَةُ، إِنْ ثَبَتَتْ، تِلْكَ الَّتِي سَتُمَثِّلُ انْهِيَارًا كَامِلًا لِثِقَةٍ بُنِيَتْ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّفَاعُلِ الْإِنْسَانِيِّ الصَّادِقِ ظَاهِرِيًّا.
أَدْرَكَ، وَهُوَ يَجْلِسُ فِي عَتْمَةِ مَكْتَبِهِ شِبْهِ الْكَامِلَةِ، أَنَّ كُلَّ هَذِهِ “الْخِيَانَاتِ الصَّغِيرَةَ”، مَهْمَا اخْتَلَفَتْ دَوَافِعُهَا وَأَحْجَامُهَا، تَتَشَارَكُ خَيْطًا وَاحِدًا مُشْتَرَكًا: أَنَّهَا جَمِيعًا نَبَعَتْ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، مِنْ مُحَاوَلَةِ حِمَايَةِ شَخْصٍ مَحْبُوبٍ مِنْ ثِقْلِ حَقِيقَةٍ مُؤْلِمَةٍ، مُحَاوَلَةٍ قَدْ تَكُونُ نَبِيلَةَ النِّيَّةِ لَكِنَّهَا، فِي النِّهَايَةِ، تَحْرِمُ الطَّرَفَ الْآخَرَ مِنْ حَقِّهِ الْأَسَاسِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ الْكَامِلَةِ، فِي أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارَاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِنَادًا إِلَى كُلِّ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَاحَةِ، لَا إِلَى نُسْخَةٍ مُنَقَّحَةٍ مِنْهَا اخْتَارَهَا شَخْصٌ آخَرُ لِحِمَايَتِهِ.
جَلَسَ حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ جِدًّا مِنَ اللَّيْلِ، يُرَاقِبُ الظَّلَامَ خَارِجَ نَافِذَتِهِ، تِلْكَ النَّافِذَةَ الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا مَصْدَرَ سَكِينَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، وَالَّتِي صَارَتِ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفُوهُ فِيهَا وَحَوْلَهَا، رَمْزًا لِتِلْكَ الْحُدُودِ الْهَشَّةِ بَيْنَ الْأَمَانِ وَالْخَطَرِ الَّتِي لَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ رَسْمَهَا بِوُضُوحٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ قَبْلُ. وَشَعَرَ أَنَّ دَائِرَةَ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ ثِقَةً مُطْلَقَةً، تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تَشْمَلُ، حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، جِيرَانَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ وَحَتَّى مَعَارِفَهُ الْعَابِرِينَ، بَدَأَتْ تَنْكَمِشُ، بِبُطْءٍ لَكِنْ بِثَبَاتٍ، لِتَقْتَصِرَ، فِي النِّهَايَةِ، عَلَى وِدَادَ وَلُبْنَى وَسَلْوَى فَقَطْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَبَرَ وَلَاءَهُمْ بِنَفْسِهِ عَبْرَ أَزَمَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا مُجَرَّدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّعَامُلِ الْوَدِّيِّ السَّطْحِيِّ.
وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَسْلِمَ أَخِيرًا لِلنُّعَاسِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَكَّرَ فِي سُؤَالٍ أَخِيرٍ، سُؤَالٍ سَيَظَلُّ يُرَافِقُهُ فِي الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ كَظِلٍّ لَا يُفَارِقُهُ: إِنْ كَانَتْ دَائِرَةُ ثِقَتِهِ قَدْ ضَاقَتْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، فَكَيْفَ سَيُوَاجِهُ ذَلِكَ اللِّقَاءَ الْغَامِضَ الْقَادِمَ، ذَاكَ الْمَوْعِدَ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ بَعْدُ مَكَانَهُ أَوْ هُوِيَّةَ مَنْ سَيُقَابِلُهُ فِيهِ بِالضَّبْطِ؟ وَهَلْ سَيَكُونُ قَادِرًا، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ، عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ ثِقَتَهُ حَقًّا وَمَنْ يُخْفِي، خَلْفَ قِنَاعٍ وَدُودٍ، نَوَايَا أَعْمَقَ وَأَشَدَّ ظَلَامًا مِمَّا يَسْتَطِيعُ تَخَيُّلَهُ؟
كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، بِكُلِّ ثِقْلِهَا الْعَاطِفِيِّ الْجَدِيدِ، مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ اللَّيَالِي الْمُضْطَرِبَةِ الَّتِي سَبَقَتْهَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ: فَلِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَمْ يَكُنِ الْخَوْفُ مُوَجَّهًا نَحْوَ تَهْدِيدٍ خَارِجِيٍّ وَاضِحِ الْمَعَالِمِ، بَلْ نَحْوَ شَيْءٍ أَكْثَرَ غُمُوضًا وَإِيلَامًا، شَيْءٍ يَمَسُّ جَوْهَرَ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ نَفْسِهَا الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا حَيَاةُ كَنْعَانَ بِأَكْمَلِهَا. وَفِي تِلْكَ الْعَتْمَةِ الْهَادِئَةِ، بَيْنَمَا كَانَ الْبَيْتُ بِأَكْمَلِهِ غَارِقًا فِي نَوْمٍ مُضْطَرِبٍ، بَدَأَ سُؤَالٌ جَدِيدٌ يَتَشَكَّلُ بِوُضُوحٍ مُتَزَايِدٍ فِي ذِهْنِ كَنْعَانَ، سُؤَالٌ لَنْ يَجِدَ لَهُ إِجَابَةً سَهْلَةً قَرِيبًا: هَلِ الْخَطَرُ الْحَقِيقِيُّ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، يَقْتَصِرُ عَلَى تِلْكَ الْقُوَى الْخَارِجِيَّةِ الْغَامِضَةِ الَّتِي تُلَاحِقُهُ مُنْذُ أَسَابِيعَ، أَمْ أَنَّ جُزْءًا مِنْهُ، وَلَوْ صَغِيرًا، يَكْمُنُ أَيْضًا فِي طَبِيعَةِ الثِّقَةِ الْبَشَرِيَّةِ نَفْسِهَا، تِلْكَ الثِّقَةِ الَّتِي يَمْنَحُهَا الْإِنْسَانُ لِمَنْ حَوْلَهُ دُونَ أَنْ يَمْلِكَ يَوْمًا ضَمَانًا كَامِلًا بِأَنَّهَا لَنْ تُسْتَغَلَّ يَوْمًا مَا؟
كَانَ الْغَدُ سَيَحْمِلُ مَعَهُ، لَا مَحَالَةَ، مَزِيدًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ قَبْلَ أَيِّ إِجَابَاتٍ حَاسِمَةٍ، لَكِنَّ كَنْعَانَ، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْإِرْهَاقِ النَّفْسِيِّ الْمُتَرَاكِمِ، شَعَرَ أَيْضًا بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْوُضُوحَ الْجَدِيدَ: أَنَّ مُوَاجَهَةَ هَذَا الْخَوْفِ مِنَ الْخِيَانَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، خَيْرٌ بِكَثِيرٍ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى ذَلِكَ الصَّمْتِ الْقَدِيمِ الَّذِي حَمَلَهُ وَحِيدًا أَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً.
وَمَعَ كُلِّ هَذَا الثِّقْلِ، بَقِيَتْ شُعْلَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الْأَمَلِ حَاضِرَةً فِي دَاخِلِهِ: أَمَلٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمِحْنَةُ، رَغْمَ كُلِّ قَسْوَتِهَا، فُرْصَةً أَخِيرَةً لِبِنَاءِ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الْعَائِلَةِ، عَائِلَةٍ لَا تَخْشَى الْحَقِيقَةَ مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، عَائِلَةٍ تُوَاجِهُ كُلَّ شَيْءٍ مَعًا، بِلَا أَسْرَارٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ، مَهْمَا كَلَّفَ ذَلِكَ مِنْ أَلَمٍ مُؤَقَّتٍ فِي سَبِيلِ قُوَّةٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ صِدْقًا عَلَى الْمَدَى الطَّوِيلِ.
كَانَ هَذَا الْأَمَلُ، مَهْمَا بَدَا هَشًّا وَسْطَ كُلِّ هَذَا الْقَلَقِ، كَافِيًا لِيَمْنَحَ كَنْعَانَ الْقُوَّةَ اللَّازِمَةَ لِمُوَاجَهَةِ يَوْمٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ الْمُعَقَّدَةِ.
وَفِي مَكَانٍ مَا بَعِيدٍ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْهَادِئِ، كَانَتْ خُيُوطٌ أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَقَّدَةِ تَتَحَرَّكُ بِصَمْتٍ، تَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مِنْ لَحْظَةِ الْكَشْفِ الْكَامِلِ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا.
كَانَتْ هَذِهِ فَقَطْ بِدَايَةَ فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَيَّ شَكْلٍ سَتَأْخُذُهُ تِلْكَ اللَّحْظَةُ، وَلَا مَتَى سَتَأْتِي بِالضَّبْطِ.
لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا شَعَرُوا، بِيَقِينٍ صَامِتٍ مُشْتَرَكٍ، أَنَّهَا لَنْ تَتَأَخَّرَ كَثِيرًا.
اِنْتَهَى ذَلِكَ الْيَوْمُ الطَّوِيلُ، تَارِكًا وَرَاءَهُ أَسْئِلَةً أَكْثَرَ مِنَ الْإِجَابَاتِ، وَثِقَةً أَضْيَقَ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّبَاحِ، لَكِنْ أَيْضًا رَابِطَةً عَائِلِيَّةً أَعْمَقَ، اُخْتُبِرَتْ وَصَمَدَتْ أَمَامَ أَوَّلِ اخْتِبَارٍ حَقِيقِيٍّ لَهَا مُنْذُ بَدْءِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ
بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْمُوَاجَهَةِ الْعَائِلِيَّةِ الشَّائِكَةِ حَوْلَ “هِيرْ فُولْف”، رَنَّ هَاتِفُ لُبْنَى، وَعَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ صَوْتُ كْلَارَا يَحْمِلُ حَمَاسًا مِهَنِيًّا لَمْ تُفْلِحْ فِي كَتْمِهِ تَمَامًا: “لُبْنَى، وَجَدْتُ شَيْئًا فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ. ثَمَّةَ أَرْشِيفٌ أُورُوبِّيٌّ مُتَخَصِّصٌ، مَرْكَزُ تَوْثِيقٍ دُوَلِيٌّ مَقَرُّهُ بُرُوكْسِل، يَحْتَفِظُ بِنُسَخٍ رَقْمِيَّةٍ مِنْ مِلَفَّاتٍ أَمْنِيَّةٍ سُورِيَّةٍ وَاسِعَةِ النِّطَاقِ، حَصَلَ عَلَيْهَا عَبْرَ تَعَاوُنٍ طَوِيلِ الْأَمَدِ مَعَ مُنَظَّمَاتٍ حُقُوقِيَّةٍ وَمَصَادِرَ مُنْشَقَّةٍ مَوْثُوقَةٍ. أَظُنُّ أَنَّ ثَمَّةَ احْتِمَالًا حَقِيقِيًّا أَنْ نَعْثُرَ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ اكْتِمَالًا عَنْ مِلَفِّ وَالِدِكِ تَحْدِيدًا.”
كَانَتْ لُبْنَى، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جَالِسَةً فِي شَقَّتِهَا، مُحَاطَةً بِأَكْوَامٍ مِنَ الْمُلَاحَظَاتِ وَالْوَثَائِقِ الَّتِي جَمَعَتْهَا عَلَى مَدَى الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَنْظِمَ هَذِهِ الْخُيُوطَ الْمُتَشَعِّبَةَ فِي صُورَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ يُمْكِنُ فَهْمُهَا. شَعَرَتْ، وَهِيَ تُصْغِي إِلَى كْلَارَا، بِمَوْجَةٍ مِنَ الْأَمَلِ الْحَذِرِ تَتَدَاخَلُ مَعَ إِرْهَاقٍ مُتَرَاكِمٍ مِنْ أَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَحْثِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ التَّوَقُّفَ.
سَأَلَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ حَمَاسًا رَغْمَ الْإِرْهَاقِ: “هَلْ يُمْكِنُنَا الْوُصُولُ إِلَى هَذَا الْأَرْشِيفِ؟ أَلَيْسَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَرَاكِزِ عَادَةً مُقَيَّدَ الدُّخُولِ بِشِدَّةٍ؟”
أَجَابَتْ كْلَارَا: “لَدَيَّ تَصْرِيحُ دُخُولٍ مَحْدُودٌ، بِوَصْفِي صَحَافِيَّةً مُعْتَمَدَةً تَعْمَلُ عَلَى تَقْرِيرٍ حُقُوقِيٍّ مُوَثَّقٍ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَطْلُبَ مَوْعِدًا، وَأَنْ أَصْطَحِبَكِ مَعِي بِصِفَةِ مُسَاعِدَةِ بَحْثٍ. سَيَتَطَلَّبُ الْأَمْرُ بَعْضَ الْإِجْرَاءَاتِ الرَّسْمِيَّةِ، لَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَنَاءَ، لَا سِيَّمَا الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفْنَاهُ عَنْ “هِيرْ فُولْف” وَتِلْكَ الرِّسَالَةِ الْغَامِضَةِ عَنِ اللِّقَاءِ الْقَادِمِ.”
ثُمَّ أَضَافَتْ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً: “لُبْنَى، أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْأَرْشِيفَاتِ قَدْ يُخَبِّئُ تَفَاصِيلَ ثَقِيلَةً، رُبَّمَا أَثْقَلَ مِمَّا تَخَيَّلْتِهِ حَتَّى الْآنَ. فَهَلْ أَنْتِ مُسْتَعِدَّةٌ نَفْسِيًّا لِهَذَا؟”
تَأَمَّلَتْ لُبْنَى فِي سُؤَالِ كْلَارَا طَوِيلًا، قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصَوْتٍ حَازِمٍ رَغْمَ كُلِّ ذَلِكَ التَّعَبِ: “بَعْدَ كُلِّ مَا اكْتَشَفْنَاهُ حَتَّى الْآنَ، كْلَارَا، لَا أَظُنُّ أَنَّ ثَمَّةَ سَبِيلًا لِلتَّرَاجُعِ. أُفَضِّلُ أَنْ أَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً، مَهْمَا كَانَتْ ثَقِيلَةً، عَلَى أَنْ أَبْقَى فِي هَذَا الْغُمُوضِ الَّذِي يُنْهِكُ الرُّوحَ.”
ثُمَّ أَرْدَفَتْ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ تَأَمُّلًا: “أَظُنُّنِي تَعَلَّمْتُ، خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ، دَرْسًا مِنْ أَبِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَلْقِينِي إِيَّاهُ مُبَاشَرَةً: أَنَّ الْهُرُوبَ مِنَ الْحَقِيقَةِ، مَهْمَا بَدَا حَلًّا مُؤَقَّتًا مُرِيحًا، يَتْرُكُ دَائِمًا أَثَرًا أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُوَاجَهَتِهَا بِشَجَاعَةٍ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.”
أَصْغَتْ كْلَارَا إِلَى كَلَامِ لُبْنَى بِإِعْجَابٍ صَامِتٍ، ثُمَّ قَالَتْ: “أَنْتِ مُحِقَّةٌ تَمَامًا، لُبْنَى. هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا أَيْضًا خِلَالَ سِنِي عَمَلِي فِي هَذَا الْمَجَالِ: أَنَّ الْحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ مُؤْلِمَةً، تَبْقَى دَائِمًا أَفْضَلَ مِنْ جَهْلٍ مُرِيحٍ، لِأَنَّ الْجَهْلَ لَا يَحْمِي أَحَدًا فِي الْوَاقِعِ، بَلْ يُؤَجِّلُ فَحَسْبُ اللَّحْظَةَ الْحَتْمِيَّةَ الَّتِي سَيُوَاجِهُ فِيهَا الْإِنْسَانُ مَا كَانَ يُحَاوِلُ الْفِرَارَ مِنْهُ.”
سَافَرَتْ لُبْنَى إِلَى بُرُوكْسِل بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِلِقَاءِ كْلَارَا هُنَاكَ، وَشَعَرَتْ، وَهِيَ تَهْبِطُ مِنَ الطَّائِرَةِ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْأُورُوبِّيَّةِ الْكَبِيرَةِ، بِمَزِيجٍ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالْقَلَقِ: تَرَقُّبٌ أَنْ تَجِدَ أَخِيرًا إِجَابَاتٍ حَاسِمَةً تُعِينُ عَائِلَتَهَا عَلَى فَهْمِ حَجْمِ الْخَطَرِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُوَاجِهُونَهُ، وَقَلَقٌ مِنْ أَنَّ مَا سَتَجِدُهُ قَدْ يَكُونُ أَثْقَلَ وَأَشَدَّ تَعْقِيدًا مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
كَانَتْ هَذِهِ، فِي الْوَاقِعِ، رِحْلَتَهَا الْأُولَى إِلَى بُرُوكْسِل، وَشَعَرَتْ، وَهِيَ تَسِيرُ عَبْرَ مَمَرَّاتِ الْمَطَارِ الْمُزْدَحِمَةِ نِسْبِيًّا فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، بِغَرَابَةِ أَنْ تَجِدَ نَفْسَهَا فِي مَدِينَةٍ أُورُوبِّيَّةٍ جَدِيدَةٍ كُلِّيًّا، بَحْثًا عَنْ أَرْشِيفٍ قَدْ يَحْمِلُ مِفْتَاحَ فَهْمِ كُلِّ مَا يَحْدُثُ لِعَائِلَتِهَا، لَا فِي زِيَارَةٍ سِيَاحِيَّةٍ عَادِيَّةٍ كَتِلْكَ الَّتِي طَالَمَا حَلُمَتْ بِهَا مُنْذُ طُفُولَتِهَا. تَذَكَّرَتْ، بِحَنِينٍ عَابِرٍ وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّوَتُّرِ، رِحَلَاتٍ عَائِلِيَّةً بَسِيطَةً قَامَتْ بِهَا مَعَ وَالِدَيْهَا فِي سِنِينَ مَضَتْ، رِحَلَاتٍ كَانَتْ تَحْمِلُ فَرَحًا بَسِيطًا خَالِيًا مِنْ أَيِّ ثِقَلٍ أَوْ خَوْفٍ، فَاعْتَصَرَهَا شَيْءٌ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى تِلْكَ الْبَسَاطَةِ الْمَفْقُودَةِ.
انْتَظَرَتْ لُبْنَى كْلَارَا عِنْدَ بَوَّابَةِ الْوُصُولِ، وَحِينَ وَصَلَتِ الصَّحَافِيَّةُ الْأَلْمَانِيَّةُ أَخِيرًا، ابْتَسَمَتْ لَهَا ابْتِسَامَةً دَافِئَةً رَغْمَ الْجِدِّيَّةِ الَّتِي تَمْلَأُ عَيْنَيْهَا، وَقَالَتْ: “أَنَا سَعِيدَةٌ أَنَّكِ اسْتَطَعْتِ الْمَجِيءَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، لُبْنَى. أَظُنُّ أَنَّ مَا سَنَجِدُهُ الْيَوْمَ سَيُغَيِّرُ كَثِيرًا مِنْ فَهْمِنَا لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا.”
سَارَتِ الِاثْنَتَانِ عَبْرَ مَمَرَّاتِ الْمَطَارِ الطَّوِيلَةِ، وَشَعَرَتْ لُبْنَى، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتِ رَحَلَاتِهَا الصَّحَفِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ، بِذَلِكَ الْقَلَقِ الْغَرِيبِ الَّذِي بَدَأَ يُرَافِقُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ جَدِيدٍ تَذْهَبُ إِلَيْهِ: تَتَفَحَّصُ كُلَّ وَجْهٍ غَرِيبٍ يَمُرُّ بِجِوَارِهَا، كُلَّ شَخْصٍ يَبْدُو أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي، بِحَذَرٍ لَمْ تَعْرِفْهُ فِي نَفْسِهَا مِنْ قَبْلُ، حَذَرٍ اكْتَسَبَتْهُ، رَغْمًا عَنْهَا، خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ مِنَ التَّحْقِيقِ الْمُرْهِقِ.
اسْتَقَلَّتِ الِاثْنَتَانِ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ مِنَ الْمَطَارِ إِلَى وَسَطِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ تَلْتَقِيَا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قَرِيبٍ مِنْ مَرْكَزِ التَّوْثِيقِ، وَرَاقَبَتْ لُبْنَى، مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ، شَوَارِعَ بُرُوكْسِل الْعَرِيقَةَ تَمُرُّ أَمَامَهَا، مَبَانِيَهَا التَّارِيخِيَّةَ الْجَمِيلَةَ الْمَمْزُوجَةَ بِهَنْدَسَةٍ أُورُوبِّيَّةٍ حَدِيثَةٍ، وَفَكَّرَتْ، بِمَرَارَةٍ خَفِيَّةٍ، فِي مَبْلَغِ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ جَمَالِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الظَّاهِرِيِّ وَبَيْنَ الْحَقَائِقِ الْمُظْلِمَةِ الَّتِي تَحْتَفِظُ بِهَا أَرْشِيفَاتُهَا الرَّسْمِيَّةُ.
كَانَ مَرْكَزُ التَّوْثِيقِ الدُّوَلِيُّ يَقَعُ فِي مَبْنًى زُجَاجِيٍّ حَدِيثٍ وَسْطَ الْحَيِّ الْأُورُوبِّيِّ فِي بُرُوكْسِل، مَبْنًى يَجْمَعُ بَيْنَ الطَّابَعِ الْمُؤَسَّسِيِّ الرَّسْمِيِّ وَبَيْنَ شُعُورٍ غَرِيبٍ بِالثِّقَلِ التَّارِيخِيِّ، وَكَأَنَّ جُدْرَانَهُ الزُّجَاجِيَّةَ اللَّامِعَةَ تُخَبِّئُ، خَلْفَهَا، طَبَقَاتٍ مِنَ الْحَقَائِقِ الْمُؤْلِمَةِ الَّتِي وَثَّقَتْهَا عَبْرَ السِّنِينَ. لَاحَظَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمَبْنَى، لَافِتَةً صَغِيرَةً عِنْدَ الْمَدْخَلِ تَحْمِلُ شِعَارَاتِ عِدَّةِ مُنَظَّمَاتٍ دُوَلِيَّةٍ شَرِيكَةٍ، فَاعْتَرَاهَا شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالرَّهْبَةِ أَمَامَ حَجْمِ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ الَّتِي كَرَّسَتْ جُهُودًا هَائِلَةً لِتَوْثِيقِ مُعَانَاةِ مَلَايِينِ الْبَشَرِ عَبْرَ عُقُودٍ مِنَ الصِّرَاعَاتِ وَالِانْتِهَاكَاتِ.
اسْتَقْبَلَتْهُمَا مُوَظَّفَةُ اسْتِقْبَالٍ رَسْمِيَّةٌ، تَحَقَّقَتْ مِنْ هُوِيَّتَيْهِمَا وَتَصْرِيحَيْهِمَا بِدِقَّةٍ بِيرُوقْرَاطِيَّةٍ مُعْتَادَةٍ، قَبْلَ أَنْ تُرَافِقَهُمَا إِلَى قَاعَةِ قِرَاءَةٍ صَغِيرَةٍ مُخَصَّصَةٍ لِلْبَاحِثِينَ الْمُعْتَمَدِينَ، قَاعَةٍ هَادِئَةٍ تَمَامًا، مُحَاطَةٍ بِرُفُوفٍ مِنَ الْمِلَفَّاتِ الْمُؤَرْشَفَةِ وَشَاشَاتِ حَاسُوبٍ مُخَصَّصَةٍ لِلْبَحْثِ فِي قَوَاعِدِ الْبَيَانَاتِ الرَّقْمِيَّةِ. لَاحَظَتْ لُبْنَى أَنَّ الْقَاعَةَ كَانَتْ شِبْهَ فَارِغَةٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْيَوْمِ، بِاسْتِثْنَاءِ بَاحِثٍ آخَرَ يَجْلِسُ فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ، مُنْكَبًّا عَلَى أَوْرَاقِهِ بِتَرْكِيزٍ تَامٍّ، لَمْ يَرْفَعْ عَيْنَيْهِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً طَوَالَ الْوَقْتِ الَّذِي قَضَتَاهُ هُنَاكَ.
جَلَسَتِ الِاثْنَتَانِ أَمَامَ إِحْدَى تِلْكَ الشَّاشَاتِ، وَبَدَأَتْ كْلَارَا، بِخِبْرَتِهَا الْمُعْتَادَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَرْشِيفَاتِ، تَكْتُبُ مَعَايِيرَ بَحْثٍ دَقِيقَةً: اسْمُ كَنْعَانَ مُرَادٍ كَامِلًا، تَارِيخُ مِيلَادِهِ، اسْمُ الْمَدِينَةِ السُّورِيَّةِ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا، فِي مُحَاوَلَةٍ لِتَضْيِيقِ نِطَاقِ الْبَحْثِ فِي قَاعِدَةِ بَيَانَاتٍ ضَخْمَةٍ تَضُمُّ آلَافَ الْمِلَفَّاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ مِنْ عُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ. شَرَحَتْ كْلَارَا لِلُبْنَى، بِصَوْتٍ خَافِتٍ، طَبِيعَةَ النِّظَامِ الَّذِي تَعْمَلَانِ عَلَيْهِ: “هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَبْنِيَّةٌ مِنْ مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، بَعْضُهَا مِنْ أَرْشِيفَاتٍ رَسْمِيَّةٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مُنْشَقُّونَ، وَبَعْضُهَا مِنْ شَهَادَاتٍ وُثِّقَتْ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَمَلِ الْمَيْدَانِيِّ الشَّاقِّ. كُلُّ نَتِيجَةٍ تَظْهَرُ هُنَا خَضَعَتْ لِتَدْقِيقٍ مُضَاعَفٍ قَبْلَ إِدْرَاجِهَا.”
بَعْدَ دَقَائِقَ مِنَ الْبَحْثِ الْمُتَأَنِّي، ظَهَرَتْ عَلَى الشَّاشَةِ نَتِيجَةٌ وَاحِدَةٌ، تَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنْ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ الْمُجَزَّأَةِ الَّتِي عَثَرَتْ عَلَيْهَا لُبْنَى فِي وَقْتٍ سَابِقٍ مِنْ رِحْلَتِهَا الْبَحْثِيَّةِ: مِلَفٌّ كَامِلٌ نِسْبِيًّا، يَحْمِلُ رَقْمًا مَرْجِعِيًّا رَسْمِيًّا، وَعُنْوَانًا مَطْبُوعًا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْإِنْكِلِيزِيَّةِ مَعًا: “مِلَفُّ مُرَاقَبَةٍ نَشِطٍ – كَنْعَانُ مُرَادٍ”.
شَعَرَتْ لُبْنَى بِقَشْعَرِيرَةٍ بَارِدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا عِنْدَ رُؤْيَةِ كَلِمَةِ “نَشِطٍ” تَحْدِيدًا، مَطْبُوعَةً بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ فِي عُنْوَانِ ذَلِكَ الْمِلَفِّ. تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، تُحَدِّقُ فِي تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّهَا تَقْرَؤُهَا عَلَى نَحْوٍ صَحِيحٍ، قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ كْلَارَا، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: “هَلْ يَعْنِي هَذَا مَا أَظُنُّهُ؟ أَنَّ مِلَفَّ أَبِي لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ؟”
فَتَحَتْ كْلَارَا الْمِلَفَّ بِحَذَرٍ، وَأَخَذَتْ تَتَصَفَّحُ صَفَحَاتِهِ بِبُطْءٍ، تُتَرْجِمُ لِلُبْنَى أَهَمَّ التَّفَاصِيلِ أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ حَرِيصٍ عَلَى أَلَّا يُسْمَعَ فِي تِلْكَ الْقَاعَةِ الْهَادِئَةِ: “يَبْدُو أَنَّ هَذَا الْمِلَفَّ فُتِحَ أَصْلًا فِي أَوَائِلِ الثَّمَانِينِيَّاتِ، بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِدْعَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخْبَرْتِنِي عَنْهُ، ثُمَّ أُعِيدَ فَتْحُهُ وَتَحْدِيثُهُ مِرَارًا عَبْرَ الْعُقُودِ التَّالِيَةِ، آخِرُهَا، وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، قَبْلَ أَقَلَّ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ.”
مَرَّرَتْ لُبْنَى إِصْبَعَهَا عَلَى الشَّاشَةِ، تُتَابِعُ التَّوَارِيخَ الْمُتَسَلْسِلَةَ: 1982، 1985، 1991، 1998، 2003، ثُمَّ فَجْوَةٌ طَوِيلَةٌ نِسْبِيًّا، ثُمَّ تَحْدِيثٌ آخَرُ قَبْلَ عَامٍ تَقْرِيبًا. سَأَلَتْ، بِصَوْتٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ هَذَا النَّمَطَ الزَّمَنِيَّ الْغَرِيبَ: “لِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ الْفَجْوَةِ الطَّوِيلَةِ بَيْنَ التَّحْدِيثَاتِ، ثُمَّ عَوْدَةٌ مُفَاجِئَةٌ لِلنَّشَاطِ قَبْلَ عَامٍ فَقَطْ؟”
قَالَتْ كْلَارَا، وَهِيَ تُقَلِّبُ صَفَحَاتٍ إِضَافِيَّةً بَحْثًا عَنْ تَفْسِيرٍ: “رُبَّمَا يَعْنِي هَذَا أَنَّ مَنْ يُتَابِعُ هَذَا الْمِلَفَّ فَقَدَ الِاهْتِمَامَ أَوِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فَتْرَةً طَوِيلَةً، رُبَّمَا لِظُرُوفٍ شَخْصِيَّةٍ، تَقَاعُدٍ، أَوْ حَتَّى مَرَضٍ، ثُمَّ اسْتَعَادَ النَّشَاطَ لِسَبَبٍ مَا قَبْلَ عَامٍ. هَذَا يَتَوَافَقُ تَمَامًا مَعَ الْجَدْوَلِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي وَصَفْتِهِ لِي عَنْ بِدَايَةِ اهْتِمَامِكِ بِبَحْثِكِ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِكِ الْأَدَبِيَّةِ.”
جَلَسَتْ لُبْنَى صَامِتَةً، تَسْتَوْعِبُ ثِقَلَ هَذَا الِاكْتِشَافِ: أَنَّ مِلَفَّ وَالِدِهَا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ أَثَرٍ تَارِيخِيٍّ مَنْسِيٍّ، بَلْ وَثِيقَةً حَيَّةً، تُحَدَّثُ بِانْتِظَامٍ، تُتَابِعُ تَحَرُّكَاتِهِ وَتَفَاصِيلَ حَيَاتِهِ حَتَّى فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ مِنْ هِجْرَتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ فِي أَلْمَانْيَا. اعْتَرَاهَا دُوَارٌ خَفِيفٌ وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ الَّتِي عَاشَهَا وَالِدُهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ تَرَكَ مَاضِيَهُ وَرَاءَهُ بِالْكَامِلِ، كَانَ هُنَاكَ، طَوَالَ الْوَقْتِ، مِلَفٌّ رَسْمِيٌّ يَحْمِلُ اسْمَهُ، يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ أَنْ يُفَعَّلَ مِنْ جَدِيدٍ.
سَأَلَتْ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ خَوْفًا مُتَزَايِدًا: “مَنْ يُحَدِّثُ هَذَا الْمِلَفَّ؟ مَنْ لَا يَزَالُ يُتَابِعُهُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ؟”
قَلَّبَتْ كْلَارَا صَفَحَاتٍ إِضَافِيَّةً، وَقَالَتْ: “الْمِلَفُّ يُشِيرُ إِلَى ‘جِهَةِ مُتَابَعَةٍ’ دُونَ تَحْدِيدِ اسْمٍ وَاضِحٍ، لَكِنَّ ثَمَّةَ رَمْزًا مَرْجِعِيًّا مُتَكَرِّرًا يَظْهَرُ فِي كُلِّ تَحْدِيثٍ: ‘HD-7’. يَبْدُو هَذَا وَكَأَنَّهُ رَمْزٌ دَاخِلِيٌّ لِضَابِطٍ أَوْ وَحْدَةٍ مَسْؤُولَةٍ عَنْ هَذَا الْمِلَفِّ تَحْدِيدًا.”
تَوَقَّفَتْ لُبْنَى فَجْأَةً، وَسَرَتِ ارْتِجَافَةٌ فِي جَسَدِهَا كُلِّهِ: “HD… حَيْدَر؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّمْزُ إِشَارَةً إِلَى حَيْدَرَ نَفْسِهِ؟”
نَظَرَتْ كْلَارَا إِلَى الرَّمْزِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ، بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ: “هَذَا احْتِمَالٌ مَنْطِقِيٌّ جِدًّا، لُبْنَى، لَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ تَأْكِيدَهُ عَلَى نَحْوٍ قَاطِعٍ مِنْ هَذَا الْمُسْتَنَدِ وَحْدَهُ. فَالرَّقْمُ ‘7’ قَدْ يُشِيرُ إِلَى رَقْمٍ تَسَلْسُلِيٍّ لِلْوَحْدَةِ، أَوْ حَتَّى، عَلَى نَحْوٍ غَرِيبٍ وَمُقْلِقٍ، إِلَى رَقْمِ مِلَفٍّ فَرْعِيٍّ مُرْتَبِطٍ بِشَيْءٍ آخَرَ تَمَامًا.” ثُمَّ تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَأَضَافَتْ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حَذَرًا: “أَوْ، وَهَذَا احْتِمَالٌ آخَرُ يَجِبُ أَلَّا نَسْتَبْعِدَهُ، قَدْ يَكُونُ الرَّقْمُ ‘7’ إِشَارَةً رَمْزِيَّةً مُتَعَمَّدَةً، طَرِيقَةً لِرَبْطِ هَذَا الْمِلَفِّ بِشَيْءٍ يَعْرِفُهُ مَنْ يَقْرَؤُهُ، رُبَّمَا حَتَّى إِشَارَةً سَاخِرَةً إِلَى تِلْكَ الْحَبَّةِ السَّابِعَةِ الَّتِي بَدَأَتْ بِهَا كُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةِ.”
اعْتَرَتْ لُبْنَى قَشْعَرِيرَةٌ إِضَافِيَّةٌ عِنْدَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ: أَنْ يَكُونَ الرَّمْزُ نَفْسُهُ رِسَالَةً مُبَطَّنَةً، دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ يَقِفُ وَرَاءَ هَذَا الْمِلَفِّ كَانَ يُتَابِعُ، بِدِقَّةٍ سَاخِرَةٍ، كُلَّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، حَتَّى تِلْكَ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي ظَنَّتِ الْعَائِلَةُ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِهِمْ وَحْدَهُمْ.
بَحَثَتْ كْلَارَا فِي قَاعِدَةِ الْبَيَانَاتِ عَنْ أَيَّةِ إِشَارَاتٍ أُخْرَى مُرْتَبِطَةٍ بِرَمْزِ “HD-7” تَحْدِيدًا، سَاعِيَةً إِلَى الْعُثُورِ عَلَى مِلَفَّاتٍ أُخْرَى قَدْ يَكُونُ هَذَا الرَّمْزُ نَفْسُهُ مَسْؤُولًا عَنْهَا، وَقَالَتْ، بَعْدَ دَقَائِقَ مِنَ الْبَحْثِ الْمُكَثَّفِ: “وَجَدْتُ إِشَارَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، لُبْنَى، مِلَفَّيْنِ آخَرَيْنِ يَحْمِلَانِ الرَّمْزَ نَفْسَهُ فِي قَائِمَةِ الْمَسْؤُولِينَ، لَكِنَّ أَسْمَاءَ الْأَهْدَافِ فِيهِمَا مَحْجُوبَةٌ تَمَامًا، غَيْرُ مُتَاحَةٍ لِمُسْتَوَى تَصْرِيحِنَا الْحَالِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ حَيْدَرَ، أَوْ مَنْ يَسْتَخْدِمُ هَذَا الرَّمْزَ، لَمْ يَكُنْ يُتَابِعُ وَالِدَكِ وَحْدَهُ، بَلْ عَدَدًا آخَرَ مِنَ الْأَهْدَافِ، لَا نَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا حَتَّى الْآنَ.”
شَعَرَتْ لُبْنَى بِثِقَلِ هَذَا الِاكْتِشَافِ الْإِضَافِيِّ: أَنَّ قِصَّةَ وَالِدِهَا، مَهْمَا بَدَتْ شَخْصِيَّةً مُحَدَّدَةً، كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ جُزْءًا مِنْ نَمَطٍ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ، شَبَكَةٍ تَمْتَدُّ لِتَشْمَلَ ضَحَايَا آخَرِينَ، رُبَّمَا فِي بُلْدَانٍ أُخْرَى، رُبَّمَا بِقِصَصٍ مُشَابِهَةٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْهُرُوبِ وَالْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ الطَّوِيلَةِ.
اسْتَمَرَّتِ الِاثْنَتَانِ فِي تَصَفُّحِ الْمِلَفِّ لِسَاعَاتٍ، تَجْمَعَانِ كُلَّ تَفْصِيلٍ مُمْكِنٍ: تَوَارِيخَ مُرَاقَبَةٍ سَابِقَةٍ تَعُودُ إِلَى فَتَرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَيَاةِ كَنْعَانَ، حَتَّى قَبْلَ هِجْرَتِهِ مِنْ سُورِيَا؛ إِشَارَاتٍ مُقْتَضَبَةً إِلَى “أَهْدَافٍ مُرْتَبِطَةٍ” لَمْ تُذْكَرْ أَسْمَاؤُهَا بِوُضُوحٍ كَامِلٍ، لَكِنَّ إِحْدَاهَا بَدَتْ، مِنَ السِّيَاقِ، مُرْتَبِطَةً بِامْرَأَةٍ، دُونَ ذِكْرِ اسْمِهَا صَرَاحَةً، بَلْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ فَقَطْ: “م.”؛ وَأَخِيرًا، إِشَارَةً حَدِيثَةً نِسْبِيًّا، مُؤَرَّخَةً قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، تَتَضَمَّنُ عِبَارَةً غَامِضَةً: “اسْتِئْنَافُ الْمُرَاقَبَةِ النَّشِطَةِ بَعْدَ فَتْرَةِ سُكُونٍ طَوِيلَةٍ، إِثْرَ مُؤَشِّرَاتٍ عَلَى نَشَاطٍ بَحْثِيٍّ مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي.”
تَوَقَّفَتْ لُبْنَى طَوِيلًا عِنْدَ تِلْكَ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَرْفِ “م”، وَتَسَارَعَ قَلْبُهَا: “كْلَارَا، هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ يُشِيرُ إِلَى مُنَى؟ ‘الْهَدَفُ الْمُرْتَبِطُ’ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ هَذَا الْمِلَفُّ؟”
قَلَّبَتْ كْلَارَا إِلَى الصَّفَحَاتِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ لِتِلْكَ الْإِشَارَةِ، بَحْثًا عَنْ سِيَاقٍ إِضَافِيٍّ يُوَضِّحُ الْمَقْصُودَ، ثُمَّ قَالَتْ، بِحَذَرٍ: “ثَمَّةَ إِشَارَةٌ أُخْرَى، هُنَا، إِلَى ‘مُحَاوَلَاتِ تَتَبُّعِ الْهَدَفِ الْمُرْتَبِطِ عَبْرَ عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ دُونَ نَتِيجَةٍ قَاطِعَةٍ’. هَذَا يَتَوَافَقُ تَمَامًا مَعَ فَرَضِيَّتِكُمْ أَنَّ مُنَى نَجَحَتْ فِي الِاخْتِفَاءِ عَنْ أَنْظَارِهِمْ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، رَغْمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِهِمْ.”
اعْتَرَى لُبْنَى مَزِيجٌ غَرِيبٌ مِنَ الِارْتِيَاحِ وَالْقَلَقِ عِنْدَ هَذَا التَّأْكِيدِ الْإِضَافِيِّ: ارْتِيَاحٌ لِأَنَّ هَذَا يُعَزِّزُ احْتِمَالَ أَنَّ مُنَى لَا تَزَالُ حُرَّةً آمِنَةً، بَعِيدَةً عَنْ قَبْضَةِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَقَلَقٌ لِأَنَّ هَذَا يَعْنِي أَيْضًا أَنَّ أَبَاهَا، بِطَرِيقَةٍ مَا، أَصْبَحَ، فِي نَظَرِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ، آخِرَ خَيْطٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقُودَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْهَدَفِ الَّذِي فَشِلُوا فِي الْعُثُورِ عَلَيْهِ بِأَنْفُسِهِمْ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً.
جَلَسَتْ لُبْنَى صَامِتَةً لَحْظَةً، تُحَاوِلُ أَنْ تُرَتِّبَ كُلَّ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَرَاكِمَةَ فِي نَسَقٍ مَنْطِقِيٍّ وَاضِحٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ: “إِذَنْ، الصُّورَةُ الْآنَ أَصْبَحَتْ أَوْضَحَ نَوْعًا مَا: هَذِهِ الشَّبَكَةُ، سَوَاءٌ كَانَ حَيْدَرُ نَفْسُهُ يُدِيرُهَا أَمْ أَشْخَاصٌ آخَرُونَ وَرِثُوا نُفُوذَهُ، مَا زَالَتْ تَبْحَثُ عَنْ مُنَى، وَتَظُنُّ أَنَّ أَبِي، إِنِ اسْتَطَاعَتِ الِاقْتِرَابَ مِنْهُ بِمَا يَكْفِي، قَدْ يَقُودُهَا إِلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ يَعْرِفُ مَكَانَهَا فِعْلِيًّا أَمْ لَا.”
أَوْمَأَتْ كْلَارَا بِرَأْسِهَا مُوَافِقَةً عَلَى هَذَا التَّحْلِيلِ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُفَسِّرُ كُلَّ الْأَحْدَاثِ الْأَخِيرَةِ: الْمُرَاقَبَةُ الْمُكَثَّفَةُ، الرُّقَاقَةُ الْإِلِكْتُرُونِيَّةُ لِتَحْدِيدِ الْمَوْقِعِ، وَحَتَّى ذَلِكَ اللِّقَاءُ الْغَامِضُ الَّذِي حُدِّدَ أَخِيرًا. يَبْدُو أَنَّهُمْ قَرَّرُوا، بَعْدَ سِنِينَ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ السَّلْبِيَّةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ، أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِمُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ، رُبَّمَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الضَّغْطَ النَّفْسِيَّ الْمُبَاشِرَ قَدْ يَنْجَحُ حَيْثُ فَشِلَتِ الْمُرَاقَبَةُ الصَّامِتَةُ الطَّوِيلَةُ.”
سَأَلَتْ لُبْنَى، تُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ، سَاعِيَةً إِلَى مَنْطِقٍ فِي هَذِهِ الْخُطَّةِ الْغَامِضَةِ: “لَكِنْ لِمَاذَا الْآنَ بِالذَّاتِ؟ لِمَاذَا انْتَظَرُوا كُلَّ هَذِهِ السِّنِينَ، ثُمَّ قَرَّرُوا التَّحَرُّكَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ؟”
فَكَّرَتْ كْلَارَا فِي هَذَا السُّؤَالِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ، بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهَا تَصُوغُ فَرَضِيَّةً جَدِيدَةً أَمَامَهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى: “رُبَّمَا، لُبْنَى، لِأَنَّ الْوَقْتَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ عَامِلًا ضَاغِطًا عَلَيْهِمْ. فَإِنْ كَانَ حَيْدَرُ لَا يَزَالُ حَيًّا، فَهُوَ الْآنَ فِي الثَّمَانِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ تَقْرِيبًا، عُمْرٌ مُتَقَدِّمٌ جِدًّا يَجْعَلُ أَيَّ مَشْرُوعٍ طَالَ انْتِظَارُهُ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا مَعَ كُلِّ سَنَةٍ تَمُرُّ. رُبَّمَا هَذَا الرَّجُلُ، أَيًّا كَانَ، يَشْعُرُ أَنَّ الْوَقْتَ يَنْفَدُ أَمَامَهُ لِإِغْلَاقِ هَذَا الْمِلَفِّ الَّذِي ظَلَّ مَفْتُوحًا طَوَالَ حَيَاتِهِ الْمِهَنِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، وَأَنَّ بَحْثَكِ أَنْتِ، مَهْمَا كَانَ بَرِيئًا، مَنَحَهُ أَخِيرًا الْفُرْصَةَ الَّتِي كَانَ يَنْتَظِرُهَا لِيُعِيدَ تَنْشِيطَ هَذَا الْمَسْعَى الْقَدِيمَ.”
قَرَأَتْ لُبْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةَ الْأَخِيرَةَ مِرَارًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَفْهَمَ دَلَالَتَهَا الْكَامِلَةَ، حَتَّى أَدْرَكَتْ، بِصَدْمَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، أَنَّ “نَشَاطًا بَحْثِيًّا مِنَ الْجِيلِ الثَّانِي” رُبَّمَا كَانَ يُشِيرُ إِلَيْهَا هِيَ بِالذَّاتِ، إِلَى بَحْثِهَا الصَّحَفِيِّ الْأَوَّلِيِّ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِهَا الْأَدَبِيَّةِ، ذَلِكَ الْبَحْثِ الْبَرِيءِ الَّذِي أَطْلَقَ، دُونَ أَنْ تُدْرِكَ، سِلْسِلَةً كَامِلَةً مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمُتَلَاحِقَةِ.
قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ مَصْدُومٍ: “كْلَارَا، أَظُنُّ أَنَّ بَحْثِي أَنَا، ذَلِكَ الْمَقَالَ الْبَسِيطَ الَّذِي أَرَدْتُ كِتَابَتَهُ عَنْ أَبِي، هُوَ مَا أَعَادَ تَفْعِيلَ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ مِنْ جَدِيدٍ. كُنْتُ أَظُنُّنِي أَكْتَشِفُ الْقِصَّةَ فَحَسْبُ، لَكِنِّي، دُونَ قَصْدٍ، رُبَّمَا كُنْتُ أَنَا مَنْ أَعَادَ فَتْحَ هَذَا الْمِلَفِّ الْقَدِيمِ.”
حَاوَلَتْ كْلَارَا أَنْ تُطَمْئِنَ لُبْنَى، رَغْمَ أَنَّ نَبْرَةَ صَوْتِهَا حَمَلَتْ هِيَ أَيْضًا قَلَقًا لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ بِالْكَامِلِ: “لُبْنَى، لَا يُمْكِنُكِ أَنْ تَلُومِي نَفْسَكِ عَلَى هَذَا. أَنْتِ لَمْ تَفْعَلِي شَيْئًا خَاطِئًا، بَلْ مَارَسْتِ حَقَّكِ الْمَشْرُوعَ فِي الْبَحْثِ عَنْ تَارِيخِ عَائِلَتِكِ. الْمَسْؤُولِيَّةُ تَقَعُ بِالْكَامِلِ عَلَى مَنِ اخْتَارَ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ، أَنْ يَحْتَفِظَ بِمِلَفٍّ كَهَذَا عُقُودًا، لَا عَلَى مَنِ اكْتَشَفَهُ بِالصُّدْفَةِ.”
وَضَعَتْ كْلَارَا يَدَهَا عَلَى كَتِفِ لُبْنَى بِحَنَانٍ، وَأَضَافَتْ: “فَكِّرِي فِي الْأَمْرِ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، لُبْنَى: لَوْلَا بَحْثُكِ، لَبَقِيَ وَالِدُكِ يَعِيشُ فِي جَهْلٍ تَامٍّ بِهَذَا الْخَطَرِ الْمُحْدِقِ، عُرْضَةً لَهُ دُونَ أَيِّ دِفَاعٍ أَوِ اسْتِعْدَادٍ. مَا اكْتَشَفْتِهِ، رَغْمَ كُلِّ ثِقَلِهِ، مَنَحَكُمْ جَمِيعًا فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِمُوَاجَهَةِ هَذَا الْخَطَرِ بِوَعْيٍ كَامِلٍ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُفَاجَأَ بِهِ وَالِدُكِ يَوْمًا دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ.”
لَكِنَّ لُبْنَى، رَغْمَ كَلِمَاتِ كْلَارَا الْمُطَمْئِنَةِ، شَعَرَتْ بِثِقَلِ ذَنْبٍ جَدِيدٍ يُضَافُ إِلَى كُلِّ الْأَثْقَالِ الْأُخْرَى الَّتِي بَدَأَتْ تَتَرَاكَمُ عَلَى عَائِلَتِهَا: ذَنْبٌ أَنَّهَا، بِفُضُولِهَا الصَّحَفِيِّ الْبَرِيءِ، رُبَّمَا أَعَادَتْ تَنْشِيطَ خَطَرٍ ظَنَّ وَالِدُهَا أَنَّهُ نَائِمٌ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ أَقَلُّ إِلْحَاحًا مِمَّا اتَّضَحَ أَنَّهُ عَلَيْهِ فِعْلِيًّا. جَلَسَتْ صَامِتَةً دَقَائِقَ، تُحَاوِلُ أَنْ تُوَازِنَ بَيْنَ مَنْطِقِ كْلَارَا الْمُقْنِعِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشُّعُورِ الْعَاطِفِيِّ الْعَمِيقِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ الَّذِي لَا يُمْحَى بِسُهُولَةٍ بِمُجَرَّدِ الْحُجَجِ الْمَنْطِقِيَّةِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ لُبْنَى غَارِقَةً فِي هَذِهِ الْأَفْكَارِ الثَّقِيلَةِ، وَاصَلَتْ كْلَارَا تَصَفُّحَ آخِرِ صَفَحَاتِ الْمِلَفِّ، حَتَّى تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ تَحَوَّلَ فَجْأَةً إِلَى جِدِّيَّةٍ حَادَّةٍ: “لُبْنَى، انْظُرِي إِلَى هَذَا. آخِرُ إِدْخَالٍ فِي الْمِلَفِّ، مُؤَرَّخٌ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ.”
انْحَنَتْ لُبْنَى نَحْوَ الشَّاشَةِ، وَقَرَأَتْ، بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، ذَلِكَ الْإِدْخَالَ الْأَخِيرَ، مَكْتُوبًا بِلُغَةٍ رَسْمِيَّةٍ بَارِدَةٍ تَتَنَاقَضُ عَلَى نَحْوٍ مُرَوِّعٍ مَعَ ثِقَلِ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَلَالَةٍ: “تَحْدِيدُ مَوْعِدِ اللِّقَاءِ الْمُبَاشِرِ. الْهَدَفُ: كَنْعَانُ مُرَادٍ. الْمَوْقِعُ: سَيُبَلَّغُ لَاحِقًا عَبْرَ الْقَنَاةِ الْمُعْتَادَةِ. الْحَالَةُ: نَشِطٌ، أَوْلَوِيَّةٌ عَالِيَةٌ.”
جَلَسَتْ لُبْنَى صَامِتَةً تَمَامًا، تُحَدِّقُ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَتَشَكَّلَ فِي دَاخِلِهَا يَقِينٌ مُرَوِّعٌ: أَنَّ ذَلِكَ “اللِّقَاءَ” الْغَامِضَ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ الرِّسَالَةُ النَّصِّيَّةُ الَّتِي وَصَلَتْ لِوَالِدِهَا قَبْلَ أَيَّامٍ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَهْدِيدٍ فَارِغٍ، بَلْ جُزْءًا مِنْ خُطَّةٍ مُوَثَّقَةٍ رَسْمِيًّا، مُسَجَّلَةٍ فِي نِظَامٍ بِيرُوقْرَاطِيٍّ حَقِيقِيٍّ، بِمُصْطَلَحَاتٍ بَارِدَةٍ تَجْعَلُهَا أَشَدَّ رُعْبًا بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ تَهْدِيدٍ شَفَهِيٍّ أَوْ مُكَالَمَةٍ غَامِضَةٍ.
قَرَأَتْ لُبْنَى تِلْكَ الْعِبَارَةَ الْأَخِيرَةَ، “أَوْلَوِيَّةٌ عَالِيَةٌ”، مِرَارًا وَتِكْرَارًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَفْهَمَ مَا يَعْنِيهِ هَذَا التَّصْنِيفُ بِالضَّبْطِ فِي سِيَاقِ هَذَا النِّظَامِ الْبِيرُوقْرَاطِيِّ الْمُظْلِمِ. سَأَلَتْ كْلَارَا: “مَاذَا يَعْنِي هَذَا التَّصْنِيفُ عَادَةً، مِنْ وَاقِعِ خِبْرَتِكِ؟ ‘أَوْلَوِيَّةٌ عَالِيَةٌ’؟”
فَكَّرَتْ كْلَارَا فِي هَذَا السُّؤَالِ بِجِدِّيَّةٍ، تَسْتَحْضِرُ مَعْرِفَتَهَا الْمُتَرَاكِمَةَ مِنْ سَنَوَاتِ دِرَاسَةِ أَنْظِمَةٍ مُشَابِهَةٍ، وَقَالَتْ: “فِي الْأَنْظِمَةِ الْأَمْنِيَّةِ الْمُمَاثِلَةِ الَّتِي دَرَسْتُهَا، هَذَا التَّصْنِيفُ عَادَةً مَا يَعْنِي أَنَّ الْجِهَةَ الْمَسْؤُولَةَ قَرَّرَتْ تَخْصِيصَ مَوَارِدَ فَوْرِيَّةٍ وَمَلْمُوسَةٍ لِتَنْفِيذِ هَدَفٍ مُحَدَّدٍ، بَدَلًا مِنْ مُجَرَّدِ الْمُرَاقَبَةِ السَّلْبِيَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ. وَهَذَا يَعْنِي، لُبْنَى، أَنَّ وَالِدَكِ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ هَدَفِ مُرَاقَبَةٍ بَعِيدِ الْمَدَى، بَلْ أَصْبَحَ، مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، هَدَفًا لِعَمَلٍ مُبَاشِرٍ وَوَشِيكٍ.”
أَرْدَفَتْ، بِصَوْتٍ حَاوَلَتْ أَنْ تُبْقِيَهُ هَادِئًا رَغْمَ كُلِّ مَا تَشْعُرُ بِهِ: “لُبْنَى، يَجِبُ أَنْ نَتَّصِلَ بِوَالِدَيْكِ فَوْرًا، وَنُخْبِرَهُمَا بِهَذَا. هَذَا لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ بَحْثٍ أَكَادِيمِيٍّ عَنِ الْمَاضِي، هَذَا تَهْدِيدٌ مُوَثَّقٌ وَنَشِطٌ، بِأَوْلَوِيَّةٍ عَالِيَةٍ، بِحَسَبِ تَوْصِيفِهِمْ أَنْفُسِهِمْ.”
بَيْنَمَا كَانَتْ لُبْنَى تُخْرِجُ هَاتِفَهَا لِتَتَّصِلَ بِوَالِدَيْهَا، شَعَرَتْ بِهَاتِفِهَا يَهْتَزُّ فَجْأَةً، إِشْعَارًا بِرِسَالَةٍ نَصِّيَّةٍ جَدِيدَةٍ، مِنْ رَقْمٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ تَمَامًا، بِصِيغَةٍ دُوَلِيَّةٍ لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا فَوْرًا. تَوَقَّفَتْ يَدُهَا فِي الْهَوَاءِ لِلَحْظَةٍ، وَسَرَى فِي جَسَدِهَا نَذِيرُ شُؤْمٍ قَبْلَ أَنْ تَفْتَحَ الرِّسَالَةَ حَتَّى، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْهَا كَانَ يَعْرِفُ، بِحَدْسٍ مُرَوِّعٍ، أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لَنْ تَحْمِلَ أَخْبَارًا عَادِيَّةً.
فَتَحَتِ الرِّسَالَةَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَقَرَأَتْ سَطْرًا وَاحِدًا فَقَطْ، مَكْتُوبًا بِالْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى، مُوَجَّهًا إِلَيْهَا هِيَ بِالذَّاتِ، لَا إِلَى وَالِدِهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ:
“تَوَقَّفِي عَنِ الْبَحْثِ، يَا لُبْنَى، أَوْ سَتَدْفَعِينَ ثَمَنًا لَا تَتَخَيَّلِينَهُ.”
جَمَدَتْ لُبْنَى فِي مَكَانِهَا، وَالْهَاتِفُ يَرْتَجِفُ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَشَعَرَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ، أَنَّ الْخَطَرَ لَمْ يَعُدْ يَقْتَصِرُ عَلَى وَالِدِهَا وَحْدَهُ، بَلِ امْتَدَّ، عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ وَصَرِيحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، لِيَطَالَهَا هِيَ شَخْصِيًّا، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، فِي هَذَا الْمَبْنَى الْأُورُوبِّيِّ الرَّسْمِيِّ الَّذِي ظَنَّتْهُ، حَتَّى قَبْلَ ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ، مَكَانًا آمِنًا تَمَامًا.
نَظَرَتْ لُبْنَى حَوْلَهَا فِي تِلْكَ الْقَاعَةِ الْهَادِئَةِ، إِلَى ذَلِكَ الْبَاحِثِ الْآخَرِ الْجَالِسِ فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ، الَّذِي لَمْ يَرْفَعْ عَيْنَيْهِ بَعْدُ طَوَالَ الْوَقْتِ الَّذِي قَضَتْهُ هُنَاكَ، وَتَسَاءَلَتْ، بِذُعْرٍ مُفَاجِئٍ، إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ، الَّذِي بَدَا غَارِقًا فِي أَوْرَاقِهِ بِتَرْكِيزٍ تَامٍّ، يُرَاقِبُهَا فِعْلِيًّا طَوَالَ الْوَقْتِ، مُنْتَظِرًا اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهَا اسْتَلَمَتْ تِلْكَ الرِّسَالَةَ، أَوْ حَتَّى، وَهَذَا احْتِمَالٌ أَثْقَلُ بِكَثِيرٍ، أَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ أَرْسَلَهَا، مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ جِدًّا دَاخِلَ هَذَا الْمَبْنَى بِالذَّاتِ.
نَظَرَتْ إِلَى كْلَارَا بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالصَّدْمَةِ، وَأَدَارَتْ شَاشَةَ هَاتِفِهَا نَحْوَهَا لِتُرِيَهَا الرِّسَالَةَ، فَشَحَبَ وَجْهُ كْلَارَا فَوْرًا، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ حَازِمٍ رَغْمَ الْقَلَقِ الْوَاضِحِ فِيهِ: “لُبْنَى، يَجِبُ أَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْمَبْنَى الْآنَ، بِهُدُوءٍ لَكِنْ بِسُرْعَةٍ، وَأَنْ نَتَّصِلَ بِالسُّلُطَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ هُنَا فِي بُرُوكْسِل فَوْرًا. هَذَا تَهْدِيدٌ مُبَاشِرٌ وَمُوَثَّقٌ، وَلَنْ أَسْمَحَ لَكِ بِمُوَاجَهَتِهِ وَحْدَكِ.”
أَضَافَتْ، وَهِيَ تَجْمَعُ أَوْرَاقَهَا بِسُرْعَةٍ مَحْسُوبَةٍ، مُحَاوِلَةً أَلَّا تُظْهِرَ أَيَّةَ عَلَامَةِ ذُعْرٍ وَاضِحَةٍ قَدْ تَلْفِتُ انْتِبَاهَ أَيِّ مُرَاقِبٍ مُحْتَمَلٍ: “لَا تَنْظُرِي حَوْلَكِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، لُبْنَى. تَصَرَّفِي بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ قَدْرَ الْإِمْكَانِ، كَأَنَّنَا نُنْهِي بَحْثَنَا فَحَسْبُ، ثُمَّ نَخْرُجُ بِهُدُوءٍ تَامٍّ.”
جَمَعَتْ لُبْنَى أَوْرَاقَهَا بِيَدٍ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَسْتَوْعِبَ سُرْعَةَ تَحَوُّلِ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ رِحْلَةٍ بَحْثِيَّةٍ مُثِيرَةٍ إِلَى مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ يُهَدِّدُهَا شَخْصِيًّا. شَكَرَتَا مُوَظَّفَةَ الِاسْتِقْبَالِ بِابْتِسَامَةٍ مُصْطَنَعَةٍ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِمَا، وَسَلَّمَتَا بِطَاقَتَيِ الزِّيَارَةِ الْمُؤَقَّتَتَيْنِ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَيْنَا لُبْنَى تَتَحَرَّكَانِ بِلَا تَوَقُّفٍ، تَتَفَحَّصَانِ كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الرَّدْهَةِ الْوَاسِعَةِ، كُلَّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْعَابِرَةِ، بَحْثًا عَنْ أَيَّةِ إِشَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا يُرَاقِبُهَا فِعْلِيًّا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
فَكَّرَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تَسِيرُ خَلْفَ كْلَارَا نَحْوَ مَخْرَجِ الْمَبْنَى، فِي وَالِدَيْهَا، فِي مَبْلَغِ الرُّعْبِ الَّذِي سَيَشْعُرَانِ بِهِ حِينَ تُخْبِرُهُمَا بِهَذَا التَّطَوُّرِ الْجَدِيدِ، وَفِي نَفْسِهَا هِيَ أَيْضًا، فِي ذَلِكَ الشُّعُورِ الْغَرِيبِ بِعَدَمِ الْيَقِينِ الَّذِي بَدَأَ يَجْتَاحُهَا: أَنَّهَا، الَّتِي اعْتَادَتْ أَنْ تَكُونَ الطَّرَفَ الَّذِي يُلَاحِقُ الْقِصَصَ، أَصْبَحَتِ الْآنَ، هِيَ نَفْسُهَا، جُزْءًا مِنْ قِصَّةٍ تُلَاحِقُهَا.
خَرَجَتِ الِاثْنَتَانِ إِلَى الشَّارِعِ الْأُورُوبِّيِّ الْمُزْدَحِمِ نِسْبِيًّا فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، وَشَعَرَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تَمْشِي بِخُطًى سَرِيعَةٍ بِجَانِبِ كْلَارَا، بِذَلِكَ الْإِحْسَاسِ الْمَأْلُوفِ الْمُرَوِّعِ يَعُودُ إِلَيْهَا مِنْ جَدِيدٍ: إِحْسَاسٌ أَنَّ عُيُونًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ تُرَاقِبُهَا مِنْ مَكَانٍ مَا، مِنْ بَيْنِ حَشْدِ الْمَارَّةِ الْعَادِيِّينَ الَّذِينَ لَا يَبْدُو أَنَّ أَيًّا مِنْهُمْ يَشُكُّ فِي شَيْءٍ، بَيْنَمَا هِيَ، فِي دَاخِلِهَا، تَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا الْآنَ قَدْ تَكُونُ مُرَاقَبَةً، مُسَجَّلَةً، مَحْسُوبَةً بِدِقَّةٍ مِنْ طَرَفٍ لَا يَعْرِفُ حُدُودًا لِصَبْرِهِ أَوْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَنْ يُرِيدُ الْوُصُولَ إِلَيْهِمْ، أَيْنَمَا كَانُوا، مَهْمَا بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْأَلْمَانِيِّ الْهَادِئِ الَّذِي بَدَأَتْ مِنْهُ كُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ الْمُرَوِّعَةُ.
اقْتَرَحَتْ كْلَارَا أَنْ تَسْتَقِلَّا سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ فَوْرًا، بَدَلًا مِنَ السَّيْرِ مَسَافَةً طَوِيلَةً كَمَا كَانَتَا تُخَطِّطَانِ فِي الْأَصْلِ، حِرْصًا عَلَى تَقْلِيلِ الْوَقْتِ الَّذِي تَقْضِيَانِهِ فِي الشَّارِعِ الْمَفْتُوحِ. وَقَفَتَا عِنْدَ حَافَّةِ الرَّصِيفِ، وَأَشَارَتْ كْلَارَا لِسَيَّارَةِ أُجْرَةٍ مَارَّةٍ بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ حَازِمَةٍ، وَلَمْ تَتَنَفَّسَا الصُّعَدَاءَ إِلَّا بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتَا دَاخِلَ السَّيَّارَةِ وَأَغْلَقَتَا الْبَابَ خَلْفَهُمَا بِإِحْكَامٍ.
بِمُجَرَّدِ أَنِ انْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ، اتَّصَلَتْ كْلَارَا بِرَقْمِ طَوَارِئَ مَحَلِّيٍّ تَعْرِفُهُ مِنْ خِبْرَتِهَا الصَّحَفِيَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي بُرُوكْسِل، رَقْمٍ مُخَصَّصٍ لِلصَّحَافِيِّينَ الَّذِينَ يُوَاجِهُونَ تَهْدِيدَاتٍ مُرْتَبِطَةً بِعَمَلِهِمْ، وَشَرَحَتْ لِلْمُوَظَّفِ الَّذِي أَجَابَ، بِإِيجَازٍ مِهَنِيٍّ سَرِيعٍ، طَبِيعَةَ التَّهْدِيدِ الَّذِي وَصَلَ لِلتَّوِّ، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقٍ صَحَفِيٍّ حَسَّاسٍ يَخُصُّ شَبَكَةَ مُرَاقَبَةٍ دُوَلِيَّةً.
أَصْغَتْ لُبْنَى إِلَى كْلَارَا وَهِيَ تَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ سَرِيعَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ فَهْمَ كُلِّ تَفَاصِيلِهَا، لَكِنَّهَا فَهِمَتْ، مِنْ نَبْرَةِ صَوْتِ كْلَارَا الْحَازِمَةِ وَالْمِهَنِيَّةِ، أَنَّ الْأَمْرَ يُؤْخَذُ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ. أَنْهَتْ كْلَارَا الْمُكَالَمَةَ أَخِيرًا، وَقَالَتْ: “سَيُرْسِلُونَ فَرِيقًا لِمُقَابَلَتِنَا فِي الْفُنْدُقِ الَّذِي سَنُقِيمُ فِيهِ اللَّيْلَةَ، لِأَخْذِ إِفَادَةٍ رَسْمِيَّةٍ وَتَقْيِيمِ مُسْتَوَى الْخَطَرِ. أَنْصَحُكِ بِشِدَّةٍ، لُبْنَى، أَلَّا تَعُودِي إِلَى شَقَّتِكِ فِي أَلْمَانْيَا مُبَاشَرَةً، عَلَى الْأَقَلِّ لَيْسَ دُونَ تَرْتِيبَاتٍ أَمْنِيَّةٍ إِضَافِيَّةٍ.”
شَعَرَتْ لُبْنَى بِثِقَلِ هَذَا الِاقْتِرَاحِ، إِدْرَاكًا أَنَّ حَيَاتَهَا الْيَوْمِيَّةَ الْعَادِيَّةَ، شَقَّتَهَا الْمَأْلُوفَةَ، رُوتِينَهَا الْمُعْتَادَ، أَصْبَحَتِ الْآنَ، هِيَ أَيْضًا، جُزْءًا مِنْ مُعَادَلَةٍ أَمْنِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ يَجِبُ التَّفْكِيرُ فِيهَا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ قَبْلَ اتِّخَاذِ أَيَّةِ خُطْوَةٍ.
اتَّصَلَتْ لُبْنَى بِوَالِدَيْهَا مِنْ سَيَّارَةِ الْأُجْرَةِ، بِصَوْتٍ حَاوَلَتْ أَنْ تُبْقِيَهُ مُتَمَاسِكًا رَغْمَ كُلِّ الِاضْطِرَابِ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ، وَأَخْبَرَتْهُمَا بِكُلِّ مَا اكْتَشَفَتْهُ: الْمِلَفُّ النَّشِطُ، ذَلِكَ الرَّمْزُ الْغَامِضُ “HD-7″، إِشَارَةُ الِاسْتِئْنَافِ الْمُرْتَبِطَةُ بِبَحْثِهَا هِيَ، وَالتَّهْدِيدُ الْمُبَاشِرُ الَّذِي وَصَلَهَا لِلتَّوِّ.
جَلَسَ كَنْعَانُ وَوِدَادُ فِي الْمَطْبَخِ، وَالْهَاتِفُ مَوْضُوعٌ عَلَى مُكَبِّرِ الصَّوْتِ بَيْنَهُمَا، يُصْغِيَانِ بِصَمْتٍ مُتَزَايِدِ الرُّعْبِ إِلَى تَفَاصِيلِ مَا تُخْبِرُهُمَا بِهِ ابْنَتُهُمَا، وَشَعَرَ كَنْعَانُ، مَعَ كُلِّ جُمْلَةٍ تَقُولُهَا لُبْنَى، بِذَلِكَ الشُّعُورِ الْمَأْلُوفِ بِالذَّنْبِ يَعُودُ وَيَتَصَاعَدُ مِنْ جَدِيدٍ، ذَنْبِ أَنَّ تِلْكَ الْقِصَّةَ الَّتِي حَمَلَهَا وَحْدَهُ عُقُودًا بَدَأَتِ الْآنَ، عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، تُهَدِّدُ حَيَاةَ ابْنَتِهِ الْوَحِيدَةِ.
سَمِعَتْ لُبْنَى، عَبْرَ الْهَاتِفِ، صَمْتَ وَالِدِهَا الثَّقِيلَ، ثُمَّ صَوْتَهُ أَخِيرًا، مُتَهَدِّجًا بِقَلَقٍ أَبَوِيٍّ عَمِيقٍ لَمْ تَسْمَعْهُ بِهَذِهِ الْحِدَّةِ مِنْ قَبْلُ: “لُبْنَى، أُرِيدُكِ أَنْ تَعُودِي إِلَى أَلْمَانْيَا فَوْرًا، اللَّيْلَةَ إِنْ أَمْكَنَ. لَنْ أُسَامِحَ نَفْسِي أَبَدًا إِنْ حَدَثَ لَكِ مَكْرُوهٌ بِسَبَبِ كُلِّ هَذَا.”
قَالَتْ لُبْنَى، تُحَاوِلُ أَنْ تُهَدِّئَ مِنْ رَوْعِ وَالِدِهَا رَغْمَ أَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا لَمْ تَكُنْ مُتَأَكِّدَةً تَمَامًا مِنْ هُدُوئِهَا الْخَاصِّ: “أَبِي، كْلَارَا اتَّصَلَتْ بِالْفِعْلِ بِالسُّلُطَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ هُنَا، وَسَيُقَابِلُونَنَا اللَّيْلَةَ لِأَخْذِ إِفَادَةٍ رَسْمِيَّةٍ. أَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَتَّبِعَ نَصِيحَتَهُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَّخِذَ أَيَّ قَرَارٍ مُتَسَرِّعٍ بِشَأْنِ السَّفَرِ.”
سَمِعَ كَنْعَانُ، عَبْرَ الْهَاتِفِ، خَيْطَ تَوَتُّرٍ وَاضِحٍ فِي صَوْتِ ابْنَتِهِ رَغْمَ مُحَاوَلَتِهَا إِخْفَاءَهُ، فَاعْتَرَاهُ أَلَمٌ أَبَوِيٌّ عَمِيقٌ يَتَخَلَّلُ صَدْرَهُ: أَلَمُ أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ حِمَايَةِ ابْنَتِهِ مُبَاشَرَةً، وَهِيَ عَلَى بُعْدِ مِئَاتِ الْكِيلُومِتْرَاتِ، تُوَاجِهُ خَطَرًا نَشَأَ أَصْلًا مِنْ قِصَّةٍ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ بَدَأَهَا قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: “لُبْنَى، أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّنِي، إِنْ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ بَيْنَ حِمَايَةِ هَذَا الْمِلَفِّ الْقَدِيمِ وَبَيْنَ سَلَامَتِكِ، فَلَنْ أَتَرَدَّدَ لَحْظَةً وَاحِدَةً. تَوَقَّفِي عَنْ هَذَا الْبَحْثِ إِنْ شَعَرْتِ بِأَدْنَى خَطَرٍ إِضَافِيٍّ، أَعِدُكِ أَنَّنَا سَنَجِدُ طَرِيقَةً أُخْرَى لِفَهْمِ مَا يَحْدُثُ.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَى كَنْعَانُ الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَ صَامِتًا وَقْتًا طَوِيلًا، يُحَدِّقُ فِي الْهَاتِفِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ، وَشَعَرَ بِثِقَلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَجْتَاحُهُ بِالْكَامِلِ: لَيْسَ فَقَطْ ثِقَلَ مَعْرِفَةِ أَنَّ مِلَفَّهُ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا، بَلْ ثِقَلًا أَعْمَقَ وَأَشَدَّ إِيلَامًا، إِدْرَاكَ أَنَّ ابْنَتَهُ، الَّتِي أَرَادَتْ فَقَطْ أَنْ تَكْتُبَ مَقَالًا بَسِيطًا عَنْ مَسِيرَتِهِ الْأَدَبِيَّةِ، أَصْبَحَتِ الْآنَ هَدَفًا مُبَاشِرًا لِتَهْدِيدٍ حَقِيقِيٍّ، بِسَبَبِ حُبِّهَا لَهُ وَفُضُولِهَا الصَّادِقِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وِدَادُ، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ رَغْمَ كُلِّ الْقَلَقِ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ: “كَنْعَانُ، لُبْنَى قَوِيَّةٌ، أَقْوَى مِمَّا نَتَخَيَّلُ أَحْيَانًا. سَتَكُونُ بِخَيْرٍ، وَسَتَعُودُ إِلَيْنَا سَالِمَةً.”
هَزَّ كَنْعَانُ رَأْسَهُ، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْتَنِعَ بِكَلِمَاتِ زَوْجَتِهِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ، فِي مَكَانٍ عَمِيقٍ مِنْ دَاخِلِهِ، أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ، الَّتِي بَدَأَتْ بِحَبَّةِ دَوَاءٍ صَغِيرَةٍ قَبْلَ أَسَابِيعَ، تَجَاوَزَتِ الْآنَ كُلَّ الْحُدُودِ الَّتِي كَانَ يَتَخَيَّلُهَا، لِتَطَالَ، عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ وَمُرَوِّعٍ، الْجِيلَ الْجَدِيدَ مِنْ عَائِلَتِهِ، ذَلِكَ الْجِيلَ الَّذِي كَانَ يَأْمَلُ، بِصِدْقٍ عَمِيقٍ، أَنْ يَبْقَى بِمَنْأًى تَامٍّ عَنْ ذَلِكَ الْمَاضِي الْمُظْلِمِ الَّذِي حَمَلَهُ هُوَ وَحْدَهُ عُقُودًا طَوِيلَةً.
قَالَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: “وِدَادُ، أَشْعُرُ أَنَّنِي، مَهْمَا فَعَلْتُ، لَا أَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ مَنْ أُحِبُّهُمْ مِنْ هَذَا الْمَاضِي. لَقَدْ حَاوَلْتُ الْهُرُوبَ مِنْهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، ثُمَّ حَاوَلْتُ مُوَاجَهَتَهُ بِشَجَاعَةٍ حِينَ عُدْتُ وَأَخْبَرْتُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ، رَغْمَ كُلِّ ذَلِكَ، يَسْتَمِرُّ فِي الْوُصُولِ إِلَى مَنْ أُحِبُّ، وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ.”
أَمْسَكَتْ وِدَادُ بِيَدِ زَوْجِهَا بِإِحْكَامٍ، وَقَالَتْ: “هَذَا لَيْسَ فَشَلًا مِنْكَ، كَنْعَانُ. هَذَا فَقَطْ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرَكَةَ أَكْبَرُ مِمَّا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ أَنْ يَخُوضَهَا بِمُفْرَدِهِ، مَهْمَا بَلَغَتْ شَجَاعَتُهُ. لَكِنَّنَا، كَعَائِلَةٍ، أَقْوَى مِنْ أَيِّ تَهْدِيدٍ يُحَاوِلُ أَنْ يُفَرِّقَنَا أَوْ يُخِيفَنَا.”
سَمِعَتْ لُبْنَى صَوْتَ وَالِدَتِهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ، مُتَوَتِّرًا لَكِنَّهُ أَكْثَرُ تَمَاسُكًا نِسْبِيًّا مِنْ صَوْتِ وَالِدِهَا: “لُبْنَى، اسْمَعِي، مَهْمَا قَرَّرْتِ، أَخْبِرِينَا بِكُلِّ خُطْوَةٍ، فَوْرًا، لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ. لَا مَزِيدَ مِنَ الصَّمْتِ، وَلَوْ لِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، بَيْنَنَا بَعْدَ الْآنِ. اتَّفَقْنَا؟”
قَالَتْ لُبْنَى، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ الْتِزَامًا صَادِقًا: “اتَّفَقْنَا، أُمِّي. لَنْ أُخْفِيَ عَنْكُمَا شَيْئًا بَعْدَ الْآنِ، مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا.”
سَأَلَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ قَلَقًا عَمِيقًا: “وَمَاذَا عَنْ كْلَارَا؟ هَلْ هِيَ بِأَمَانٍ أَيْضًا؟ أَلَنْ تُصْبِحَ هِيَ أَيْضًا هَدَفًا مُحْتَمَلًا لِهَذِهِ الشَّبَكَةِ، بِسَبَبِ مُسَاعَدَتِهَا لَنَا؟”
سَمِعَتْ لُبْنَى صَوْتَ كْلَارَا مِنَ الْمَقْعَدِ الْمُجَاوِرِ، تُجِيبُ مُبَاشَرَةً عَلَى سُؤَالِ كَنْعَانَ الَّذِي وَصَلَهَا عَبْرَ مُكَبِّرِ الصَّوْتِ: “أُسْتَاذُ مُرَادٍ، أَنَا مُعْتَادَةٌ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَخَاطِرِ فِي عَمَلِي، وَلَدَيَّ شَبَكَةُ حِمَايَةٍ مِهَنِيَّةٌ رَاسِخَةٌ أَتَعَامَلُ بِهَا مَعَ مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ. قَلَقِي الْأَكْبَرُ الْآنَ يَنْصَبُّ عَلَى سَلَامَةِ لُبْنَى، لَا سَلَامَتِي أَنَا.”
أَنْهَتِ الْعَائِلَةُ الْمُكَالَمَةَ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ تَبْقَى لُبْنَى فِي بُرُوكْسِل تِلْكَ اللَّيْلَةَ، تَحْتَ حِمَايَةِ التَّرْتِيبَاتِ الْأَمْنِيَّةِ الَّتِي وَعَدَتْ بِهَا كْلَارَا، عَلَى أَنْ يُقَرِّرُوا مَعًا فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، بَعْدَ لِقَاءِ الشُّرْطَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، الْخُطْوَةَ التَّالِيَةَ الْأَنْسَبَ.
جَلَسَ كَنْعَانُ وَوِدَادُ فِي مَطْبَخِهِمَا الْهَادِئِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُكَالَمَةِ، صَامِتَيْنِ تَمَامًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَارِقٌ فِي مَخَاوِفِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْتَطِعْ التَّعْبِيرَ عَنْهَا بِالْكَامِلِ حَتَّى لِشَرِيكِ حَيَاتِهِ. نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى زَوْجَتِهِ أَخِيرًا، وَقَالَ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ يَأْسًا لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ: “وِدَادُ، رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأُفَكِّرَ جِدِّيًّا فِي تَسْلِيمِ نَفْسِي لِهَذَا اللِّقَاءِ الْغَامِضِ، مَهْمَا كَانَتِ الْمَخَاطِرُ، إِنْ كَانَ هَذَا سَيُوقِفُ كُلَّ هَذَا الْخَطَرَ عَنْ لُبْنَى، عَنْكِ، عَنْ سَلْوَى.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وِدَادُ بِصَدْمَةٍ، وَقَالَتْ، بِصَوْتٍ حَازِمٍ رَفَضَ هَذَا الِاقْتِرَاحَ فَوْرًا: “كَنْعَانُ، لَا! لَنْ أَسْمَحَ لَكَ بِالتَّضْحِيَةِ بِنَفْسِكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، دُونَ أَنْ نَعْرِفَ حَتَّى مَا يَنْتَظِرُكَ فِي ذَلِكَ اللِّقَاءِ. هَذَا لَيْسَ حَلًّا، بَلِ اسْتِسْلَامٌ أَعْمَى قَدْ يُكَلِّفُنَا إِيَّاكَ أَنْتَ أَيْضًا، دُونَ أَنْ يَضْمَنَ سَلَامَةَ أَيِّ أَحَدٍ آخَرَ.”
قَالَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ: “لَكِنْ مَاذَا لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ السَّبِيلَ الْوَحِيدَ؟ مَاذَا لَوْ كَانُوا لَنْ يَتَوَقَّفُوا أَبَدًا حَتَّى أُوَاجِهَهُمْ مُبَاشَرَةً؟”
فَكَّرَتْ وِدَادُ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ زَوْجِهَا، ثُمَّ قَالَتْ، بِحَزْمٍ مُتَجَدِّدٍ: “إِذَنْ سَنُوَاجِهُهُمْ مَعًا، بِذَكَاءٍ وَحَذَرٍ، لَا بِتَضْحِيَةٍ عَمْيَاءَ. سَنَنْتَظِرُ مَا تَكْتَشِفُهُ لُبْنَى وَكْلَارَا مِنَ الشُّرْطَةِ الْبِلْجِيكِيَّةِ، وَسَنُخَطِّطُ، كَعَائِلَةٍ، لِلْخُطْوَةِ الْأَفْضَلِ، لَا أَنْ تَتَّخِذَ أَنْتَ وَحْدَكَ قَرَارًا بِهَذَا الْحَجْمِ دُونَ اسْتِشَارَتِنَا.”
جَلَسَا مَعًا فِي صَمْتٍ طَوِيلٍ بَعْدَ ذَلِكَ، يُصْغِيَانِ إِلَى صَوْتِ السَّاعَةِ الْجِدَارِيَّةِ تَدُقُّ بِإِيقَاعٍ رَتِيبٍ فِي الصَّالَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَشَعَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِثِقَلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ: عَائِلَةٌ كَامِلَةٌ، مُمَزَّقَةٌ بَيْنَ بَلَدَيْنِ، تُوَاجِهُ خَطَرًا لَا تَعْرِفُ حُدُودَهُ الْكَامِلَةَ بَعْدُ، لَكِنَّهَا، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْخَوْفِ، بَدَأَتْ تَتَعَلَّمُ، بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ، أَنْ تُوَاجِهَهُ مَعًا، لَا كُلُّ فَرْدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا كَانَ الْحَالُ فِي الْمَاضِي الْبَعِيدِ.
فِي بُرُوكْسِل، وَصَلَ فَرِيقٌ مِنَ الشُّرْطَةِ الْمَحَلِّيَّةِ إِلَى فُنْدُقِ لُبْنَى وَكْلَارَا فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، ضَابِطَانِ تَعَامَلَا مَعَ الْمَوْقِفِ بِجِدِّيَّةٍ مِهَنِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، دَوَّنَا كُلَّ التَّفَاصِيلِ بِدِقَّةٍ، وَطَلَبَا نُسْخَةً مِنَ الرِّسَالَةِ التَّهْدِيدِيَّةِ الَّتِي وَصَلَتْ لِلُبْنَى، وَوَعَدَا بِالتَّحْقِيقِ فِي مَصْدَرِهَا بِالتَّعَاوُنِ مَعَ الْجِهَاتِ الدُّوَلِيَّةِ الْمُخْتَصَّةِ، نَظَرًا لِلطَّابَعِ الْعَابِرِ لِلْحُدُودِ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ.
جَلَسَتْ لُبْنَى فِي غُرْفَةِ الْفُنْدُقِ الصَّغِيرَةِ، مُحَاطَةً بِأَثَاثٍ عَمَلِيٍّ بَسِيطٍ، تُرَاقِبُ الضَّابِطَيْنِ وَهُمَا يَعْمَلَانِ بِمَنْهَجِيَّةٍ هَادِئَةٍ، وَشَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ غَرِيبٍ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاحْتِرَافِيَّةِ الْبَارِدَةِ الَّتِي بَدَتْ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَكْثَرَ طُمَأْنِينَةً مِنْ أَيَّةِ كَلِمَاتِ تَعَاطُفٍ دَافِئَةٍ كَانَتْ لِتَسْمَعَهَا مِنْ أَشْخَاصٍ أَقَلَّ خِبْرَةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ الْمُعَقَّدَةِ.
كَانَ الضَّابِطُ الْأَوَّلُ شَابًّا نِسْبِيًّا، يَبْدُو عَلَيْهِ الْحَمَاسُ الْمِهَنِيُّ الْوَاضِحُ تِجَاهَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقَضَايَا الْمُعَقَّدَةِ، بَيْنَمَا كَانَ الضَّابِطُ الثَّانِي أَكْبَرَ سِنًّا، أَكْثَرَ هُدُوءً وَخِبْرَةً، يَطْرَحُ أَسْئِلَةً دَقِيقَةً مَحْسُوبَةً بِعِنَايَةٍ، أَسْئِلَةً تَكْشِفُ عَنْ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ حَالَاتٍ مُشَابِهَةٍ تَتَعَلَّقُ بِشَبَكَاتِ مُرَاقَبَةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ. طَلَبَ الضَّابِطُ الْأَكْبَرُ سِنًّا مِنْ لُبْنَى أَنْ تَصِفَ بِالتَّفْصِيلِ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ مُنْذُ بِدَايَةِ اكْتِشَافِهَا لِلْمِلَفِّ الْأَمْنِيِّ الْقَدِيمِ، وَسَجَّلَ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقُولُهَا بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ.
سَأَلَتْ لُبْنَى الضَّابِطَ الْأَكْبَرَ سِنًّا، بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ قَلَقًا: “هَلْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّهْدِيدَاتِ شَائِعٌ؟ هَلْ تَتَعَامَلُونَ مَعَ حَالَاتٍ مُشَابِهَةٍ كَثِيرًا؟”
أَجَابَ الضَّابِطُ، بِصَرَاحَةٍ مِهَنِيَّةٍ حَذِرَةٍ: “لِلْأَسَفِ، مَعَ تَزَايُدِ عَدَدِ الصَّحَافِيِّينَ وَالْبَاحِثِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَلَى قَضَايَا حَسَّاسَةٍ تَتَعَلَّقُ بِأَنْظِمَةٍ اسْتِبْدَادِيَّةٍ سَابِقَةٍ، أَصْبَحْنَا نَرَى الْمَزِيدَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَاتِ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِدَكِ بِحَلٍّ سَرِيعٍ، لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَكِّدَ لَكِ أَنَّنَا سَنَأْخُذُ هَذَا التَّهْدِيدَ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ الْكَامِلِ.”
أَضَافَ الضَّابِطُ، قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، نَصِيحَةً عَمَلِيَّةً أَخِيرَةً: “أَنْصَحُكُمَا، أَنْتِ وَالصَّحَافِيَّةُ فُوغِل، أَنْ تُغَيِّرَا مَكَانَ إِقَامَتِكُمَا اللَّيْلَةَ، وَأَنْ تَتَجَنَّبَا اسْتِخْدَامَ أَيَّةِ وَسِيلَةِ اتِّصَالٍ يُمْكِنُ تَتَبُّعُهَا بِسُهُولَةٍ، عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى نَحْصُلَ عَلَى صُورَةٍ أَوْضَحَ لِمَصْدَرِ هَذَا التَّهْدِيدِ. سَنَبْقَى عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَكُمَا عَبْرَ قَنَاةٍ آمِنَةٍ سَنُرَتِّبُهَا لَكُمَا.”
بَعْدَ مُغَادَرَةِ الضَّابِطَيْنِ، جَلَسَتِ الِاثْنَتَانِ وَحْدَهُمَا فِي غُرْفَةِ الْفُنْدُقِ، مُرْهَقَتَيْنِ تَمَامًا مِنْ ثِقَلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الطَّوِيلِ، وَقَالَتْ كْلَارَا، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَكِنَّهُ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ عَزِيمَةً: “لُبْنَى، غَدًا سَنُوَاصِلُ الْبَحْثَ، بِحَذَرٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَكِنْ دُونَ تَوَقُّفٍ. هَذَا التَّهْدِيدُ نَفْسُهُ، بِقَدْرِ مَا هُوَ مُخِيفٌ، يُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّنَا نَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ وَمُهِمٍّ.”
جَلَسَتْ لُبْنَى فِي تِلْكَ السَّيَّارَةِ، تُصْغِي إِلَى صَوْتِ وَالِدِهَا الْمُضْطَرِبِ، وَأَدْرَكَتْ، بِيَقِينٍ جَدِيدٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ، أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ، الَّتِي بَدَأَتْ بِحَبَّةِ دَوَاءٍ صَغِيرَةٍ مُخْتَلِفَةِ الشَّكْلِ فِي صَبَاحِ أَحَدٍ هَادِئٍ، تَوَسَّعَتِ الْآنَ لِتَشْمَلَ بُلْدَانًا وَأَرْشِيفَاتٍ وَمُؤَسَّسَاتٍ دُوَلِيَّةً كَامِلَةً، وَلِتَطَالَ، عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ وَمُرَوِّعٍ، ابْنَةَ الْكَاتِبِ الَّذِي ظَنَّ يَوْمًا أَنَّهُ تَرَكَ كُلَّ ذَلِكَ الْمَاضِيَ الْمُظْلِمَ وَرَاءَهُ، إِلَى الْأَبَدِ، فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ لَنْ يَلْحَقَ بِهِ يَوْمًا.
نَظَرَتْ لُبْنَى مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ إِلَى أَضْوَاءِ بُرُوكْسِل تَتَلَأْلَأُ فِي الظَّلَامِ، تِلْكَ الْمَدِينَةَ الْأُورُوبِّيَّةَ الْعَرِيقَةَ الَّتِي تَحْتَضِنُ، بَيْنَ مَبَانِيهَا الْأَنِيقَةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا الدُّوَلِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ، أَرْشِيفَاتٍ مُظْلِمَةً تُوَثِّقُ أَسْوَأَ مَا ارْتَكَبَتْهُ الْأَنْظِمَةُ الِاسْتِبْدَادِيَّةُ عَبْرَ الْعُقُودِ، وَفَكَّرَتْ فِي الْمُفَارَقَةِ الْغَرِيبَةِ لِهَذَا الْمَكَانِ: مَدِينَةُ السَّلَامِ وَالدِّبْلُومَاسِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا، خَلْفَ وَاجِهَاتِهَا اللَّامِعَةِ، حَقَائِقَ مُؤْلِمَةً عَنْ عَالَمٍ لَا يَزَالُ، رَغْمَ كُلِّ التَّقَدُّمِ الْحَضَارِيِّ الظَّاهِرِ، يَحْتَفِظُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى مُلَاحَقَةِ ضَحَايَاهُ عَبْرَ الْحُدُودِ وَالْعُقُودِ بِلَا هَوَادَةٍ.
فَكَّرَتْ لُبْنَى أَيْضًا، وَهِيَ تُرَاقِبُ أَضْوَاءَ الْمَدِينَةِ تَمُرُّ أَمَامَهَا، فِي الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ الَّذِي قَطَعَتْهُ هِيَ شَخْصِيًّا خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ: مِنْ صَحَافِيَّةٍ شَابَّةٍ طَمُوحَةٍ تَبْحَثُ عَنْ قِصَّةٍ احْتِفَالِيَّةٍ بَسِيطَةٍ عَنْ مَسِيرَةِ وَالِدِهَا الْأَدَبِيَّةِ، إِلَى امْرَأَةٍ تَجِدُ نَفْسَهَا الْآنَ فِي قَلْبِ مُوَاجَهَةٍ دُوَلِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ، مُهَدَّدَةً شَخْصِيًّا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا الْمِهَنِيَّةِ بِهَذَا الشَّكْلِ الْمُبَاشِرِ وَالصَّرِيحِ. شَعَرَتْ بِمَزِيجٍ غَرِيبٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْفَخْرِ: خَوْفٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ هَذَا التَّهْدِيدِ الْجَدِيدِ، وَفَخْرٌ خَفِيٌّ بِأَنَّهَا، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْخَوْفِ، لَمْ تُفَكِّرْ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّرَاجُعِ عَنْ هَذَا الْبَحْثِ الَّذِي أَصْبَحَ، بِالنِّسْبَةِ لَهَا، أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ مُهِمَّةٍ صَحَفِيَّةٍ عَابِرَةٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّيَّارَةُ تَقْتَرِبُ أَخِيرًا مِنَ الْفُنْدُقِ حَيْثُ سَتَقْضِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ الطَّوِيلَةَ، فَكَّرَتْ لُبْنَى فِي ذَلِكَ الْمَوْعِدِ الْغَامِضِ الَّذِي لَا يَزَالُ مُعَلَّقًا فَوْقَ رَأْسِ وَالِدِهَا، ذَلِكَ اللِّقَاءِ الَّذِي حُدِّدَ الْآنَ، بِحَسَبِ الْمِلَفِّ الرَّسْمِيِّ نَفْسِهِ، بِأَوْلَوِيَّةٍ عَالِيَةٍ، وَتَسَاءَلَتْ، بِقَلَقٍ عَمِيقٍ لَمْ يُفَارِقْهَا طَوَالَ بَقِيَّةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، مَتَى وَأَيْنَ سَيَحْدُثُ هَذَا اللِّقَاءُ بِالضَّبْطِ، وَمَا إِذَا كَانَتْ عَائِلَتُهَا، رَغْمَ كُلِّ مَا اكْتَشَفُوهُ وَاسْتَعَدُّوا لَهُ حَتَّى الْآنَ، سَتَكُونُ مُسْتَعِدَّةً فِعْلًا لِمُوَاجَهَةِ اللَّحْظَةِ الَّتِي طَالَمَا خَشِيَهَا كَنْعَانُ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ تَمَامًا، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةَ، كَيْفَ سَتَبْدُو فِعْلِيًّا حِينَ تَصِلُ أَخِيرًا.
كَانَ ذَلِكَ الْمَوْعِدُ الْغَامِضُ، بِكُلِّ ثِقَلِهِ الْمُتَصَاعِدِ وَأَوْلَوِيَّتِهِ الْعَالِيَةِ الْمُوَثَّقَةِ رَسْمِيًّا، يَقْتَرِبُ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، لَا يَفْصِلُهُ عَنِ الْوُصُولِ سِوَى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ رُبَّمَا، أَوْ حَتَّى سَاعَاتٍ، وَفَكَّرَتْ لُبْنَى، وَهِيَ تَسْتَسْلِمُ أَخِيرًا لِنُعَاسٍ مُضْطَرِبٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ فِي بُرُوكْسِل، أَنَّ كُلَّ مَا اكْتَشَفَتْهُ هِيَ وَكْلَارَا فِي ذَلِكَ الْأَرْشِيفِ الْبَعِيدِ لَمْ يَكُنْ نِهَايَةَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، بَلْ مُجَرَّدَ حَلْقَةٍ أُخْرَى فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْكُشُوفَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ، سِلْسِلَةٍ تَقْتَرِبُ، بِثَبَاتٍ لَا يَرْحَمُ، مِنْ ذُرْوَتِهَا الْحَتْمِيَّةِ.
كَانَتْ تِلْكَ الْمُكَالَمَةُ الْهَاتِفِيَّةُ، بِكُلِّ ثِقَلِهَا الْعَاطِفِيِّ، بِدَايَةَ لَيْلَةٍ طَوِيلَةٍ أُخْرَى مِنَ الْقَلَقِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ طَرَفَيْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ، طَرَفٍ يُقِيمُ فِي بَيْتٍ أَلْمَانِيٍّ هَادِئٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ طَرِيقَةً لِحِمَايَةِ مَنْ يُحِبُّ مِنْ بَعِيدٍ، وَطَرَفٍ آخَرَ يَقِفُ فِي مَدِينَةٍ أُورُوبِّيَّةٍ غَرِيبَةٍ، يُوَاجِهُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ وَشَخْصِيٍّ، ثِقَلَ مَاضٍ لَمْ يَخْتَرْ يَوْمًا أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْهُ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمَا يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ الْأَيَّامَ الْقَلِيلَةَ الْقَادِمَةَ سَتَحْمِلُ مَعَهَا تَطَوُّرَاتٍ أَسْرَعَ وَأَخْطَرَ مِمَّا تَوَقَّعَهُ أَيٌّ مِنْهُمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ.
الفصل الثالث عشر
فِي الْيَوْمِ التَّالِي لِعَوْدَةِ لُبْنَى الْمُفَاجِئَةِ مِنْ بْرُوكْسِل، جَلَسَ أَفرادُ الْعَائِلَةِ الثَّلَاثَةُ، مَعَ كْلَارَا الَّتِي أَصَرَّتْ عَلَى الْحُضُورِ شَخْصِيًّا هَذِهِ الْمَرَّةَ، حَوْلَ طَاوِلَةِ الْمَطْبَخِ، يُحَاوِلُونَ أَنْ يَفْهَمُوا مَعًا مَعْنَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْغَامِضَةِ الَّتِي وَصَلَتْ فِي الرِّسَالَةِ الْأَخِيرَةِ:
«الْجُمُعَةُ الْقَادِمَةُ، السَّاعَةُ السَّابِعَةُ مَسَاءً، فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَعْرِفُهُ جَيِّدًا.»
كَانَتِ الْأَجْوَاءُ فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ مَشْحُونَةً بِتَوَتُّرٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ كُلِّ التَّوَتُّرَاتِ السَّابِقَةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا الْعَائِلَةُ خِلَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ الطَّوِيلَةِ:
تَوَتُّرٌ يَحْمِلُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، شُعُورًا بِأَنَّ نِهَايَةَ مَا، مَهْمَا كَانَتْ طَبِيعَتُهَا، أَصْبَحَتْ وَشِيكَةً وَحَتْمِيَّةً. لَاحَظَتْ وِدَادُ أَنَّ يَدَيْ كَنْعَانَ كَانَتَا مُتَشَابِكَتَيْنِ بِإِحْكَامٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تُحَدِّقَانِ فِي نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذِكْرَيَاتٍ لَمْ يُشَارِكْهَا بَعْدُ مَعَ أَحَدٍ.
كَانَتْ طَاوِلَةُ الْمَطْبَخِ، تِلْكَ الَّتِي شَهِدَتْ طَوَالَ هَذِهِ الْأَسَابِيعِ كُلَّ اكْتِشَافٍ جَدِيدٍ وَكُلَّ مُوَاجَهَةٍ صَعْبَةٍ بَيْنَ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ، تَحْمِلُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ ثِقْلًا مُضَاعَفًا، وَكَأَنَّ كُلَّ مَنْ حَوْلَهَا يُدْرِكُ، دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ، أَنَّ هَذَا الِاجْتِمَاعَ قَدْ يَكُونُ الْأَخِيرَ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ حَيَاتُهُمْ جَمِيعًا بِشَكْلٍ جِذْرِيٍّ، نَحْوَ الْأَفْضَلِ أَوْ نَحْوَ الْأَسْوَإِ، لَا أَحَدَ مِنْهُمْ يَعْرِفُ بِيَقِينٍ كَامِلٍ أَيَّ اتِّجَاهٍ سَتَتَّخِذُهُ الْأُمُورُ.
كَانَتْ لُبْنَى، رَغْمَ إِرْهَاقِهَا الشَّدِيدِ مِنْ رِحْلَةِ بْرُوكْسِل الْمُضْطَرِبَةِ، مُصِرَّةً عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا النِّقَاشِ، مَحْمُولَةً بِشُعُورٍ مُزْدَوَجٍ مِنَ الْقَلَقِ عَلَى وَالِدِهَا وَالْإِصْرَارِ الْمِهَنِيِّ عَلَى أَلَّا تُفَوِّتَ أَيَّ تَفْصِيلٍ قَدْ يَكُونُ مُهِمًّا لِفَهْمِ مَا يَنْتَظِرُهُمْ. جَلَسَتْ بِجَانِبِ وَالِدَتِهَا، وَدَفْتَرُهَا الصَّغِيرُ مَفْتُوحٌ أَمَامَهَا، تُدَوِّنُ كُلَّ احْتِمَالٍ يُطْرَحُ، بِعَادَةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ سِنِي عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ، وَلَمْ تَسْتَطِعِ التَّخَلِّيَ عَنْهَا حَتَّى فِي أَحْلَكِ لَحَظَاتِ الْقَلَقِ الْعَائِلِيِّ.
نَظَرَتْ كْلَارَا حَوْلَهَا فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ، إِلَى هَذِهِ الْعَائِلَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ، خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنْ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ مَعَهَا، أَقْرَبَ إِلَيْهَا مِنْ مُجَرَّدِ مَوْضُوعِ تَحْقِيقٍ مِهَنِيٍّ، وَشَعَرَتْ بِمَسْؤُولِيَّةٍ إِضَافِيَّةٍ تُجَاهَ سَلَامَتِهِمْ، مَسْؤُولِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ عَمَلِهَا الْمُعْتَادِ. قَالَتْ، بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يَحْمِلَ طُمَأْنِينَةً مِهَنِيَّةً: «مَهْمَا كَانَ هَذَا اللِّقَاءُ، سَنَكُونُ جَمِيعًا مُسْتَعِدِّينَ لَهُ بِأَفْضَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ. لَنْ نَتْرُكَ شَيْئًا لِلصُّدْفَةِ.»
سَأَلَ كَنْعَانُ نَفْسَهُ، لِلْمَرَّةِ الْعِشْرِينَ عَلَى الْأَقَلِّ خِلَالَ ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ، أَيُّ مَكَانٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقْصِدَهُ تِلْكَ الْجُمْلَةُ بِالضَّبْطِ. فَكَّرَ فِي الْمَقْهَى الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا، وَفِي الْحَدِيقَةِ الْعَامَّةِ قُرْبَ الْبُحَيْرَةِ، وَفِي مَكْتَبَةِ الْمَدِينَةِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ اعْتَادَ ارْتِيَادَهُ طَوَالَ سَنَوَاتِ إِقَامَتِهِ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْهَادِئَةِ. لَكِنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ، حَدْسًا غَامِضًا لَمْ يَسْتَطِعْ تَفْسِيرَهُ بِالْكَامِلِ، ظَلَّ يَشُدُّهُ نَحْوَ مَكَانٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ، مَكَانٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ بِجِدِّيَةٍ كَافِيَةٍ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
قَالَ كَنْعَانُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ يَقِينًا مُتَزَايِدًا: «أَعْتَقِدُ أَنَّنِي أَعْرِفُ الْمَكَانَ. الْحَدِيقَةُ الْخَلْفِيَّةُ لِبَيْتِنَا، تَحْدِيدًا تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ الَّتِي زَرَعْتُهَا بِيَدِي مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ وِدَادُ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: «شَجَرَةُ التِّينِ؟ لِمَاذَا تَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ بِالذَّاتِ؟»
تَوَقَّفَ كَنْعَانُ لِلَحْظَةٍ صَامِتَةٍ، يَسْتَحْضِرُ ذِكْرَى قَدِيمَةً لَمْ يُشَارِكْهَا مَعَ أَحَدٍ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى مَعَ وِدَادٍ نَفْسِهَا، رَغْمَ كُلِّ السَّنَوَاتِ الَّتِي عَاشَاهَا مَعًا. قَالَ، بِصَوْتٍ أَصْبَحَ فَجْأَةً أَكْثَرَ بُعْدًا، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ شَرِيطًا مِنَ الذِّكْرَيَاتِ:
«حِينَ زَرَعْتُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، وِدَادُ، لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ رَغْبَةٍ عَابِرَةٍ فِي تَزْيِينِ الْحَدِيقَةِ. كَانَتْ شَجَرَةُ التِّينِ، فِي بَيْتِ طُفُولَتِي فِي سُورِيَا، أَيْضَاً تِلْكَ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَنْمُو فِي الفِنَاءِ الخَلْفِيِّ لِبَيْتِ عَائِلَةِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ. كُنْتُ أَجْلِسُ تَحْتَهَا مَعَ مُنَى، نَقْرَأُ مَعًا، وَنَتَحَدَّثُ لِسَاعَاتٍ. حِينَ زَرَعْتُ شَجَرَتِي هُنَا، فِي هَذِهِ الْحَدِيقَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، كُنْتُ، دُونَ أَنْ أَعْتَرِفَ بِذَلِكَ حَتَّى لِنَفْسِي، أُحَاوِلُ أَنْ أُعِيدَ خَلْقَ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَلَوْ رَمْزِيًّا، فِي حَيَاتِي الْجَدِيدَةِ.»
أَغْمَضَ كَنْعَانُ عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ، يَسْتَحْضِرُ تَفَاصِيلَ تِلْكَ الذِّكْرَى الْقَدِيمَةِ بِوُضُوحٍ مُفَاجِئٍ: رَائِحَةَ التِّينِ النَّاضِجِ فِي أَوَاخِرِ الصَّيْفِ، وَصَوْتَ أَوْرَاقِ الشَّجَرَةِ تَتَمَايَلُ مَعَ نَسِيمٍ خَفِيفٍ، وَضَحِكَةَ مُنَى وَهِيَ تَقْرَأُ لَهُ فِقْرَةً مِنْ كِتَابٍ أَحَبَّتْهُ، وَظِلَّ الشَّجَرَةِ الْكَثِيفَ الَّذِي كَانَ يَحْمِيهِمَا مِنْ شَمْسِ الظَّهِيرَةِ الْحَارِقَةِ. فَتَحَ عَيْنَيْهِ أَخِيرًا، وَقَالَ، بِصَوْتٍ مُتَأَثِّرٍ:
«لَمْ أُخْبِرْ أَحَدًا بِهَذَا مِنْ قَبْلُ، وِدَادُ، لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدًّا، حَتَّى لِنَفْسِي، لِلِاعْتِرَافِ بِمَدَى تَعَلُّقِي بِتِلْكَ الذِّكْرَى، وَبِمَدَى الْحَنِينِ الَّذِي حَمَلْتُهُ لِتِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي بَدَتْ لِي، آنَذَاكَ، أَنَّهَا سَتَسْتَمِرُّ إِلَى الْأَبَدِ.»
جَلَسَتْ وِدَادُ صَامِتَةً تَمَامًا، تَسْتَوْعِبُ هَذَا الْكَشْفَ الْجَدِيدَ، ذَلِكَ التَّفْصِيلَ الصَّغِيرَ الَّذِي حَمَلَ، طَوَالَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، مَعْنًى عَمِيقًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ. شَعَرَتْ بِمَزِيجٍ مِنَ التَّأَثُّرِ وَالْحُزْنِ الْخَفِيفِ، حُزْنٍ عَلَى تِلْكَ السَّنَوَاتِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي زَرَعَ فِيهَا زَوْجُهَا هَذَا الرَّمْزَ الْحَيَّ لِحُبِّهِ الْأَوَّلِ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ، وَتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ بِصِدْقِهِ الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ، وَهُوَ يُشَارِكُهَا أَخِيرًا هَذَا الْجُزْءَ الْحَمِيمَ مِنْ تَارِيخِهِ. سَأَلَتْ، بِصَوْتٍ رَقِيقٍ:
«هَلْ تَظُنُّ أَنَّ حَيْدَرًا يَعْرِفُ بِهَذَا؟ أَنْ شَخْصًا مَا رَاقَبَكَ بِدِقَّةٍ كَافِيَةٍ لِيَعْرِفَ السَّبَبَ الْحَقِيقِيَّ وَرَاءَ زِرَاعَتِكَ لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ بِالذَّاتِ؟»
قَالَ كَنْعَانُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَشْعَرِيرَةً وَاضِحَةً:
«إِنْ كَانَ يَعْرِفُ هَذَا، وِدَادُ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مُرَاقَبَتَهُمْ لِي لَمْ تَقْتَصِرْ فَقَطْ عَلَى السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ، بَلِ امْتَدَّتْ، بِطَرِيقَةٍ مَا، إِلَى فَهْمٍ عَمِيقٍ لِأَدَقِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِي الْعَاطِفِيَّةِ وَالرَّمْزِيَّةِ، حَتَّى تِلْكَ الَّتِي ظَنَنْتُهَا سِرًّا شَخْصِيًّا خَاصًّا بِي وَحْدِي.»
قَرَّرَتِ الْعَائِلَةُ، بَعْدَ نِقَاشٍ طَوِيلٍ وَمُتَوَتِّرٍ، أَنَّ كَنْعَانَ سَيَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ اللِّقَاءِ، لَكِنْ لَيْسَ وَحْدَهُ تَمَامًا. أَصَرَّتْ وِدَادُ عَلَى أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً أَيْضًا، دَاخِلَ الْبَيْتِ، تُرَاقِبُ مِنْ نَافِذَةِ غُرْفَةِ النَّوْمِ الْعُلْوِيَّةِ الَّتِي تُطِلُّ مُبَاشَرَةً عَلَى تِلْكَ الزَّاوِيَةِ مِنَ الْحَدِيقَةِ.
اقْتَرَحَتْ لُبْنَى، بِحَمَاسِهَا الْمِهَنِيِّ الْمُعْتَادِ، أَنْ تَحْمِلَ هِيَ جِهَازَ تَسْجِيلٍ صَغِيرًا مُخْفًى بِعِنَايَةٍ، لِتَوْثِيقِ أَيِّ مُحَادَثَةٍ قَدْ تَحْدُثُ، لَكِنَّ كَنْعَانَ رَفَضَ هَذَا الِاقْتِرَاحَ بِحَزْمٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، قَائِلًا، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ حِكْمَةً مُتَأَخِّرَةً:
«لَا، لُبْنَى. لَا أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ هَذَا اللِّقَاءَ وَأَنَا أَحْمِلُ أَيَّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الْخِدَاعِ أَوِ التَّسْجِيلِ السِّرِّيِّ. إِنْ كَانَ لِهَذِهِ الْمُوَاجَهَةِ أَنْ تَحْمِلَ أَيَّ مَعْنًى حَقِيقِيٍّ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً تَمَامًا مِنْ جَانِبِي، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ.»
قَالَتْ كْلَارَا، بِصَوْتٍ مِهَنِيٍّ حَذِرٍ:
«أُسْتَاذُ مُرَادٍ، أَفْهَمُ مَوْقِفَكَ الْأَخْلَاقِيَّ، لَكِنْ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ، قَدْ يَكُونُ التَّوْثِيقُ مُفِيدًا جِدًّا إِنِ احْتَجْنَا لَاحِقًا إِلَى دَلِيلٍ قَانُونِيٍّ. هَلْ يُمْكِنُنَا، عَلَى الْأَقَلِّ، أَنْ نَضَعَ جِهَازَ تَسْجِيلٍ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ، خَارِجَ نِطَاقِ رُؤْيَتِكَ الْمُبَاشِرَةِ، دُونَ أَنْ تَحْمِلَهُ أَنْتَ شَخْصِيًّا؟»
فَكَّرَ كَنْعَانُ فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ الْوَسَطِ، وَوَافَقَ أَخِيرًا، شَاعِرًا أَنَّ هَذَا الْحَلَّ يُحَافِظُ عَلَى نَزَاهَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ حَيْدَرَ رُبَّمَا أَوْ أَيِّ شخصٍ آخرَ، بَيْنَمَا يُوَفِّرُ أَيْضًا حِمَايَةً عَمَلِيَّةً ضَرُورِيَّةً لِعَائِلَتِهِ.
جَاءَ مَسَاءُ الْجُمُعَةِ أَخِيرًا، بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ التَّوَتُّرِ الْمُتَصَاعِدِ وَالِاسْتِعْدَادَاتِ الدَّقِيقَةِ، وَجَلَسَ كَنْعَانُ فِي مَكْتَبِهِ قَبْلَ الْمَوْعِدِ بِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ أَفْكَارَهُ، وَأَنْ يَسْتَعِدَّ نَفْسِيًّا لِمُوَاجَهَةٍ قَدْ تَكُونُ الْأَصْعَبَ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا.
فَتَحَ دَفْتَرَهُ الصَّغِيرَ، وَكَتَبَ فِيهِ سَطْرًا أَخِيرًا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ:
«بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الْهُرُوبِ، هَا أَنَا أَخِيرًا أَخْتَارُ أَنْ أُوَاجِهَ، لَا لِأَنِّي أَصْبَحْتُ شُجَاعًا فَجْأَةً، بَلْ لِأَنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّ الْهُرُوبَ نَفْسَهُ لَمْ يَعُدْ خِيَارًا مُتَاحًا.»
خَرَجَ كَنْعَانُ إِلَى الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ عِنْدَ السَّادِسَةِ وَالنِّصْفِ مَسَاءً، قَبْلَ نِصْفِ سَاعَةٍ مِنَ الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ، وَوَقَفَ بِجَانِبِ شَجَرَةِ التِّينِ الَّتِي زَرَعَهَا بِيَدِهِ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَالَّتِي نَمَتِ الْآنَ لِتُصْبِحَ شَجَرَةً مُتَوَسِّطَةَ الْحَجْمِ، أَوْرَاقُهَا الْكَبِيرَةُ تَتَمَايَلُ بِهُدُوءٍ مَعَ نَسِيمٍ خَفِيفٍ بَارِدٍ، يُنْذِرُ بِاقْتِرَابِ الشِّتَاءِ.
مَدَّ كَنْعَانُ يَدَهُ، وَلَمَسَ لِحَاءَ الشَّجَرَةِ الْخَشِنَ بِأَصَابِعِهِ، بِحَرَكَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ اعْتَادَهَا عَبْرَ السِّنِينَ، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالطُّمَأْنِينَةِ الْغَرِيبَةِ فِي ذَلِكَ التَّوَاصُلِ الصَّامِتِ مَعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي زَرَعَهَا بِيَدَيْهِ، تِلْكَ الشَّجَرَةُ الَّتِي حَمَلَتْ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ، ثِقْلَ كُلِّ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ الْمَكْبُوتَةِ لِأَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ وَنِصْفٍ. نَظَرَ إِلَى أَغْصَانِهَا شِبْهِ الْعَارِيَةِ تَقْرِيبًا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ السَّنَةِ، وَتَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَتْ، فِي الصَّيْفِ الْمَاضِي، مُثْقَلَةً بِثِمَارٍ صَغِيرَةٍ لَمْ تَنْضُجْ بَعْدُ بِالْكَامِلِ، ثِمَارٍ حَاوَلَ أَنْ يَتَذَوَّقَهَا كُلَّ عَامٍ بِأَمَلٍ مُتَجَدِّدٍ أَنْ تَحْمِلَ، وَلَوْ قَلِيلًا، مِنْ نَكْهَةِ ذَلِكَ التِّينِ الْبَعِيدِ الَّذِي عَرَفَهُ فِي طُفُولَتِهِ وَفِي شَبَابِهِ.
تَذَكَّرَ كَنْعَانُ، وَهُوَ وَاقِفٌ هُنَاكَ فِي الْعَتَمَةِ الْمُتَزَايِدَةِ، كَيْفَ كَانَتْ وِدَادُ تَسْأَلُهُ أَحْيَانًا، بِفُضُولٍ عَابِرٍ لَمْ تُدْرِكْ خَلْفَهُ ذَلِكَ السِّرَّ الْعَمِيقَ، عَنْ سَبَبِ اهْتِمَامِهِ الْخَاصِّ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ بِالذَّاتِ، وَعَنْ حِرْصِهِ الدَّائِمِ عَلَى تَقْلِيمِهَا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَعَلَى حِمَايَتِهَا مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ الْقَارِسِ بِأَغْطِيَةٍ خَاصَّةٍ كَانَ يَصْنَعُهَا بِنَفْسِهِ كُلَّ عَامٍ. كَانَ يُجِيبُهَا دَائِمًا بِابْتِسَامَةٍ غَامِضَةٍ، وَبِجُمْلَةٍ عَامَّةٍ عَنْ «حَنِينِ الْكَاتِبِ إِلَى جُذُورِهِ»، دُونَ أَنْ يَكْشِفَ لَهَا يَوْمًا الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ وَرَاءَ ذَلِكَ الْحَنِينِ.
انْتَظَرَ كَنْعَانُ، فِي ذَلِكَ الْهُدُوءِ الْمَشْحُونِ بِالتَّرَقُّبِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَحْضِرَ كُلَّ الشَّجَاعَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَشَعَرَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بَدْءِ هَذِهِ الْقِصَّةِ كُلِّهَا، بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالسَّكِينَةِ الْغَرِيبَةِ، سَكِينَةِ مَنْ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يُوَاجِهَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَهْرُبَ، مَهْمَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ. رَاقَبَ الظَّلَامَ يَزْحَفُ تَدْرِيجِيًّا عَلَى الْحَدِيقَةِ، وَأَضْوَاءَ الشَّارِعِ الْبَعِيدَةَ تَبْدَأُ بِالْإِضَاءَةِ، وَفَكَّرَ، بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، فِي كُلِّ الطُّرُقِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَسِيرَ بِهَا حَيَاتُهُ لَوِ اتَّخَذَ قَرَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا.
اسْتَحْضَرَ كَنْعَانُ، وَهُوَ وَاقِفٌ هُنَاكَ فِي الْعَتَمَةِ الْمُتَزَايِدَةِ، صُوَرًا مُتَلَاحِقَةً مِنْ حَيَاتِهِ كُلِّهَا: وَجْهَ وَالِدَتِهِ الْقَلِقَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، وَعَيْنَيْ وِدَادٍ يَوْمَ زَفَافِهِمَا، وَابْتِسَامَةَ لُبْنَى الْأُولَى وَهِيَ طِفْلَةٌ رَضِيعَةٌ، وَأَخِيرًا، وَجْهَ مُنَى، ذَلِكَ الْوَجْهَ الَّذِي حَاوَلَ لِعُقُودٍ أَنْ يَنْسَاهُ وَلَمْ يَنْجَحْ أَبَدًا. شَعَرَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الصُّوَرِ، رَغْمَ تَبَاعُدِهَا الزَّمَنِيِّ الْهَائِلِ، كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِبَعْضِهَا بِخَيْطٍ وَاحِدٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ، خَيْطٍ قَادَهُ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بِالذَّاتِ.
نَظَرَ كَنْعَانُ إِلَى سَاعَتِهِ، فَوَجَدَ أَنَّ الْوَقْتَ اقْتَرَبَ مِنَ السَّابِعَةِ، وَشَعَرَ بِقَلْبِهِ يَتَسَارَعُ مِنْ جَدِيدٍ، لَيْسَ مِنَ الْخَوْفِ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِقَدْرِ مَا هُوَ مِنْ ذَلِكَ التَّرَقُّبِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَسْبِقُ أَيَّ لَحْظَةٍ مَصِيرِيَّةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا. تَذَكَّرَ نَصِيحَةَ وِدَادٍ الْأَخِيرَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ:
«كُنْ أَنْتَ نَفْسَكَ، كَنْعَانُ. الرَّجُلُ الَّذِي أَصْبَحْتَهُ، لَا الشَّابُّ الْخَائِفُ الَّذِي كُنْتَهُ.»
حَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا دِرْعًا يَحْمِيهِ مِنَ الْخَوْفِ الْقَدِيمِ الَّذِي بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ مِنْ جَدِيدٍ.
عِنْدَ السَّاعَةِ السَّابِعَةِ إِلَّا قَلِيلٍ مِنَ الدَّقائِقِ، سَمِعَ كَنْعَانُ صَوْتَ خُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْ خَلْفِ السِّيَاجِ الْخَشَبِيِّ.
لَمْ يَلْتَفِتْ.
بَقِيَ جَالِسًا عَلَى مَقعدٍ خَشَبِيٍ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ، كَمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَسَاءٍ، وَعَيْنَاهُ مُعَلَّقَتَانِ بِالصَوتِ الْقَادِمِ.
خُطْوَةٌ.
ثُمَّ خُطْوَةٌ أُخْرَى.
كَانَتِ الْأَرْضُ قَدْ جَفَّتْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ بَدَا لَهُ أَنَّ صَوْتَ الْقَدَمَيْنِ يَأْتِي مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ مَكَانٍ لَا تَصِلُهُ الرِّيحُ.
مَدَّ كَنْعَانُ يَدَهُ إِلَى جَانِبِهِ. تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ.
ابْتَسَمَ كَنْعَانُ.
لَمْ يَعْرِفْ أحدٌ لِمَاذَا ابْتَسَمَ.
نَظَرَتْ وِدَادُ مِنْ نَافِذَتِهَا إِلَى يَدَيْهِ.
كَانَتْ شَفَّافَةً قَلِيلًا عِنْدَ أَطْرَافِهَا، كَأَنَّ ضَوْءَ الْمَسَاءِ يَمُرُّ مِنْ خِلَالِهَا.
أَمَّا لُبْنَى فَقَد رَاقَبَتْ مَلَامِحَ وَجْهٍ يَنسَدِلُ فَجأةً.
كَانَ قَد أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِي.
وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ كَنْعَانُ يَجْلِسُ فِيهِ، كَانَتْ هُنَاكَ حُفْرَةٌ صَغِيرَةٌ فِي التُّرَابِ.
حُفْرَةٌ قَدِيمَةٌ.
كَانَتْ حَوْلَهَا أَوْرَاقُ تِينٍ يَابِسَةٌ، وَفَوْقَهَا وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ أَكبَرُ؛ أَصْبَحَتْ خَضْرَاءَ؛ كَأنَّمَا لَمْ تَسْقُطْ بَعْدُ.
مِنَ الْبَيْتِ الْقَرِيبِ، دَقَّتِ السَّاعَةُ سَبْعَ دَقَّاتٍ.
ثُمَّ سَادَ الصَّمْتُ.
وَلَمْ يَبْقَ تَحْتَ شَجَرَةِ التِّينِ إِلَّا شَيْئٌ وَاحِدٌ.
ظِلٌّ لِشَجَرَةِ مَا زَالَتْ وَاقِفَةً بِشُمُوخٍ، وَحُفْرَةٌ قَدِيمَةٌ.
نعمان البربري
باكنانغ – بادن فورتمبيرغ – ألمانيا
الأربعاء
الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1446 للهجرة
الموافق للحادي والعشرين من شهر مايو/أيار عام 2025 للميلاد
