الصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ

اَلْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ: حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ
— اَلْمُلْحَقُ السَّابِعُ —
الصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ
إِلَى كُلِّ صَوْتٍ كُتِمَ فَلَمْ يَخْتَفِ.
وَإِلَى كُلِّ مَنْ سَأَلَ فَلَمْ يُجَبْ.
وَإِلَى كُلِّ مَنْ أَجَابَ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ.
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
— يُوسُف: ١٠٨.
مَا لَا يُقَالُ بِصَوْتٍ عَالٍ لَا يَخْتَفِي؛ بَلْ يَتَرَاكَمُ.
مَدْخَلٌ — الصَّوْتُ الَّذِي لَا يُقَالُ
هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ صَوْتٍ مَوْجُودٍ فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ مُسْلِمٍ.
لَيْسَ صَوْتَ الْعَدُوِّ الْقَادِمِ مِنَ الْخَارِجِ.
وَلَيْسَ صَوْتَ مَنْ نَظَرَ مِنْ بُعْدٍ فَحَلَّلَ مَا لَمْ يَعِشْهُ.
إِنَّهُ صَوْتُ مَنْ وُلِدَ دَاخِلَ الإِسْلَامِ.
وَنَشَأَ عَلَى رَكَائِزِهِ.
وَحَفِظَ، رُبَّمَا، آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَأَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَائِدَةِ الْعَائِلَةِ، حَيْثُ تَنْبُتُ الذِّكْرَيَاتُ قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ الأَسْئِلَةُ.
ثُمَّ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ بَطِيئَةٍ كَالتَّآكُلِ، فَقَدَ الإِيمَانَ.
أَوْ شَكَّ.
أَوْ رَفَضَ.
أَوْ وَجَدَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ الإِيمَانُ بِهِ.
هَذَا الصَّوْتُ مَوْجُودٌ.
وَهُوَ مَكْتُومٌ فِي مُعْظَمِ الأَحْيَانِ؛ لأَنَّ الاعْتِرَافَ بِهِ يُكَلِّفُ اجْتِمَاعِيًّا، وَعَائِلِيًّا، وَأَحْيَانًا قَانُونِيًّا.
وَالتَّكْلِفَةُ الأَثْقَلُ لَيْسَتْ دَائِمًا مَا يُفْرَضُ مِنَ الْخَارِجِ.
بَلْ هِيَ الاضْطِرَارُ إِلَى الْعَيْشِ بِوَجْهَيْنِ: وَجْهٍ لِلنَّاسِ، وَوَجْهٍ لِلنَّفْسِ.
وَمَا هُوَ مَكْتُومٌ لَا يَخْتَفِي.
بَلْ يَتَرَاكَمُ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُبَرِّرُ الإِلْحَادَ.
وَلَا تُهَاجِمُهُ.
إِنَّهَا تَجْلِسُ عِنْدَهُ، وَتَسْأَلُ:
مَا الَّذِي يَحْدُثُ حَقًّا حِينَ يَفْقِدُ إِنْسَانٌ مُسْلِمُ الأَصْلِ إِيمَانَهُ؟
وَمَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الْمُجْتَمَعُ الْمُؤْمِنُ مِنْ هَذَا، قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؟
الْقِسْمُ الأَوَّلُ
ثَلَاثَةُ أَصْوَاتٍ — ثَلَاثُ رِحَلَاتٍ
الْفَصْلُ الأَوَّلُ
آدَمُ — النَّوْمُ الَّذِي لَا تَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ
بَارِيسُ تَعْرِفُ كَيْفَ تَخْتَلِطُ فِيهَا الأَشْيَاءُ دُونَ أَنْ تَتَنَاقَضَ.
فِي الشَّارِعِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ آدَمُ، فِي الْحَيِّ الْعَاشِرِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ رَائِحَةُ الْخُبْزِ الطَّازَجِ بِدُخَانِ السَّجَائِرِ الرَّخِيصَةِ، وَأَصْوَاتُ عَشْرِ لُغَاتٍ تُتَكَلَّمُ مَعًا دُونَ أَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ الآخَرَ، كَانَ آدَمُ قَدْ وُلِدَ وَنَشَأَ.
وَصَارَ رَجُلًا فِي الرَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَعْمَلُ مُهَنْدِسَ بَرْمَجِيَّاتٍ فِي شَرِكَةٍ صَغِيرَةٍ تَبِيعُ بَرَامِجَ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَتَّى تَتَعَطَّلَ.
أَبُوهُ مَغْرِبِيٌّ جَاءَ إِلَى فَرَنْسَا بِحَقِيبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَلْبٍ مَمْلُوءٍ بِشَيْءٍ كَانَ يُسَمِّيهِ الأَمَلَ، لَكِنَّهُ صَارَ يُسَمِّيهِ الْخَطَأَ حِينَ كَبِرَ.
وَأُمُّهُ مِصْرِيَّةٌ جَاءَتْ عَلَى حُبٍّ، وَبَقِيَتْ عَلَى صَبْرٍ.
وَبَيْنَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، الْحُبِّ وَالصَّبْرِ، نَشَأَ آدَمُ.
وَمَنْ يَعِيشُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرَى مَا لَا يَرَاهُ الآخَرُ.
وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْمُزْدَوَجَةُ نِعْمَةٌ وَعِبْءٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
لَمْ يَكُنْ مُتَشَدِّدًا يَوْمًا.
وَهَذَا كَانَ جُزْءًا مِنَ الْمُشْكِلَةِ.
لأَنَّ الإِيمَانَ الَّذِي لَا يَعْلُو وَلَا يَنْخَفِضُ، بَلْ يَظَلُّ «عَادِيًّا» طَوَالَ الْوَقْتِ، هُوَ إِيمَانٌ لَا تَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ، وَلَا مَتَى اخْتَفَى.
كَانَ يَصُومُ رَمَضَانَ؛ لأَنَّ رَائِحَةَ السُّفْرَةِ كَانَتْ تَعْنِي لَهُ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنَ الْعَقِيدَةِ.
وَكَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فِي الْعِيدِ، وَيَشْعُرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَسْمِيَتِهِ.
لَيْسَ إِيمَانًا رَاسِخًا، وَلَا شَكًّا كَامِلًا.
بَلْ شَيْئًا بَيْنَهُمَا.
شَيْئًا يُشْبِهُ الذَّاكِرَةَ أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ الاعْتِقَادَ.
ثُمَّ، فِي لَيْلَةٍ عَادِيَّةٍ مِنْ لَيَالِي نَيْسَانَ، حِينَ كَانَ يَجْلِسُ وَحِيدًا فِي شَقَّتِهِ، وَالشَّاشَةُ تُضِيءُ وَجْهَهُ بِضَوْءٍ أَزْرَقَ بَارِدٍ، فَكَّرَ فِي اللَّهِ.
لَيْسَ لأَنَّ شَيْئًا اسْتَدْعَى هَذَا التَّفْكِيرَ.
لَكِنَّهُ فَكَّرَ.
وَحِينَ انْتَهَى مِنَ التَّفْكِيرِ، أَدْرَكَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا.
لَيْسَ رَفْضًا.
وَلَيْسَ إِنْكَارًا مُتَعَمَّدًا.
وَلَيْسَ حَتَّى قَرَارًا.
إِنَّهُ غِيَابٌ هَادِئٌ.
كَمَا تَجِدُ فَرَاغًا فِي خِزَانَتِكَ حَيْثُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ تَعْتَقِدُ أَنَّكَ تَذْكُرُهُ، لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَهُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَفْعَلْ آدَمُ شَيْئًا.
لَمْ يُخْبِرْ أَحَدًا.
لَمْ يَكْتُبْ شَيْئًا.
أَغْلَقَ الشَّاشَةَ وَنَامَ.
وَفِي الصَّبَاحِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ كَمَا هُوَ.
وَلَمْ يَكُنْ كَمَا كَانَ.
بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَ آدَمُ مَعَ صَدِيقِهِ كَرِيمٍ فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ مَحَطَّةِ «غَارْ دُو نُورْ».
كَانَ كَرِيمٌ الْوَحِيدَ الَّذِي يَثِقُ بِهِ آدَمُ فِيمَا لَا يُقَالُ.
— أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا.
— قُلْ.
كَانَتِ الْقَهْوَةُ بَارِدَةً فِي الْكُوبِ حِينَ قَالَ آدَمُ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ لَا أَزَالُ أُؤْمِنُ.
صَمَتَ كَرِيمٌ.
وَلَمْ يَكُنْ صَمْتُهُ صَمْتَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَاذَا يَقُولُ.
بَلْ صَمْتَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا سَيَقُولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا.
— مَتَى؟
— لَا أَتَذَكَّرُ.
هَذَا مَا يُزْعِجُنِي.
لَيْسَتْ عِنْدِي لَحْظَةٌ يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ فِيهَا: هُنَا قَرَّرْتُ.
الأَمْرُ كَانَ أَشْبَهَ بِالنَّوْمِ.
لَا تَعْرِفُ مَتَى تَنَامُ بِالضَّبْطِ.
تَعْرِفُ فَقَطْ أَنَّكَ نِمْتَ.
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى كُوبِ قَهْوَتِهِ.
— وَحِينَ «نِمْتَ»، مَاذَا شَعَرْتَ؟
— فِي الْبِدَايَةِ: خَوْفٌ.
لَيْسَ مِنَ اللَّهِ.
بَلْ مِنْ نَفْسِي.
مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدْ قَرَّرْتُ شَيْئًا خَاطِئًا.
ثُمَّ جَاءَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الرَّاحَةَ.
تَوَقَّفَ.
وَفِي تَوَقُّفِهِ كَانَ أَلَمٌ لَا يُشْبِهُ الشَّكَّ.
بَلْ يُشْبِهُ الْفَقْدَ.
— وَهَذِهِ الرَّاحَةُ أَزْعَجَتْنِي أَكْثَرَ مِنَ الْخَوْفِ.
لأَنَّنِي سَأَلْتُ نَفْسِي: مَا مَعْنَى أَنْ أَرْتَاحَ لِغِيَابِ شَيْءٍ كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَهَمُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي؟
ثُمَّ جَاءَتِ الْوَحْدَةُ.
لَيْسَتِ الْوَحْدَةَ الاجْتِمَاعِيَّةَ.
بَلْ شَيْئًا آخَرَ.
كَأَنَّ السَّمَاءَ أُغْلِقَتْ، وَلَا أَحَدَ يَسْمَعُ.
كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَسْمَعُ.
لَكِنَّنِي لَا أَزَالُ أَشْعُرُ بِغِيَابِ السَّامِعِ.
قَالَ كَرِيمٌ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ:
— الشُّعُورُ بِغِيَابِ السَّامِعِ يَعْنِي أَنَّكَ لَمْ تَنْسَهُ تَمَامًا.
لَمْ يُجِبْ آدَمُ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفِ أَيْضًا.
وَبَيْنَ الإِجَابَةِ وَالنَّفْيِ كَانَتْ تِلْكَ الْمَسَافَةُ الضَّيِّقَةُ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا.
الْفَصْلُ الثَّانِي
هِنْدٌ — مَكَانٌ لَا اسْمَ لَهُ
وُلِدَتْ هِنْدٌ بَيْنَ لُغَتَيْنِ، وَعَالَمَيْنِ، وَمَرْجِعِيَّتَيْنِ.
وَمَنْ يُولَدْ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ يَعْرِفْ أَنَّهُ لَيْسَ نِقْمَةً وَلَا نِعْمَةً بِالْكَامِلِ.
إِنَّهُ فَقَطْ أَنْ تَرَى الأَشْيَاءَ مِنْ زَاوِيَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَهَذَا يُعَلِّمُكَ الْكَثِيرَ.
لَكِنَّهُ لَا يُعَلِّمُكَ كَيْفَ تَخْتَارُ.
كَانَ أَبُوهَا التُّونِسِيُّ عِلْمَانِيًّا بِالْمَعْنَى الْفَلْسَفِيِّ.
لَيْسَ بِالْمَعْنَى الْغَاضِبِ.
بَلْ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَرَى فِي الدِّينِ ظَاهِرَةً اجْتِمَاعِيَّةً جَدِيرَةً بِالدِّرَاسَةِ، لَا بِالْعِبَادَةِ.
وَكَانَتْ أُمُّهَا الإِيرَانِيَّةُ مُتَدَيِّنَةً بِالْمَعْنَى الشَّخْصِيِّ الْهَادِئِ.
لَا تُجَادِلُ.
وَلَا تُبَرِّرُ.
تُصَلِّي كَمَا تَتَنَفَّسُ.
وَتَدْعُو كَمَا تَتَكَلَّمُ مَعَ شَخْصٍ تَعْرِفُهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
فِي بَيْتِهِمْ لَمْ تُطْرَحِ الأَسْئِلَةُ الْكُبْرَى.
بَلْ كَانَتْ تَعِيشُ فِيهِ بِلَا إِجَابَاتٍ، وَبِلَا أَسْئِلَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي الْهَوَاءِ.
كَانَتِ الأَسْئِلَةُ تَنَامُ فِي الأَثَاثِ.
فِي صَوْتِ الأُمِّ حِينَ تَدْعُو.
وَفِي نَبْرَةِ الأَبِ حِينَ يَقُولُ: «الدِّينُ أَدَاةٌ».
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودًا.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَسْمَعُهُ.
حِينَ كَبِرَتْ، وَصَارَتْ بَاحِثَةً فِي الْعُلُومِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَجَدَتْ أَنَّهَا تَدْرُسُ فِي الْجَامِعَةِ مَا كَانَتْ تَعِيشُهُ فِي الْبَيْتِ.
كَانَتِ الأُطُرُ النَّظَرِيَّةُ تُعْطِيهَا لُغَةً لِمَا لَا اسْمَ لَهُ.
لَكِنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتِ الإِجَابَةَ.
إِنَّهَا فَقَطْ خَرِيطَةٌ لِمَكَانٍ لَا تَزَالُ تَسِيرُ فِيهِ.
فِي الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا، مَرَّتْ بِتَجْرِبَةٍ لَنْ نُسَمِّيَهَا.
لَيْسَ لأَنَّهَا سِرٌّ.
بَلْ لأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ تَفْقِدُ وَزْنَهَا حِينَ تُسَمَّى.
كَانَ فِيهَا ظُلْمٌ.
ذَلِكَ الظُّلْمُ الَّذِي لَا تَفْهَمُ كَيْفَ يَتَّسِقُ مَعَ إِلَهٍ يُفْتَرَضُ أَنَّهُ عَادِلٌ وَرَحِيمٌ.
وَحِينَ سَأَلَتِ الأُمَّ، وَكَانَ سُؤَالُهَا حَقِيقِيًّا لَا اتِّهَامِيًّا، جَاءَهَا الْجَوَابُ:
— «اللَّهُ يَعْلَمُ، وَأَنْتِ لَا تَعْلَمِينَ».
كَانَ الْجَوَابُ يَحْمِلُ حُبًّا حَقِيقِيًّا.
لَكِنَّهُ كَانَ يُغْلِقُ الْبَابَ.
وَحِينَ سَأَلَتِ الأَبَ، جَاءَهَا جَوَابُهُ:
— «الدِّينُ بُنْيَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ لِلسَّيْطَرَةِ».
كَانَ هَذَا الْجَوَابُ يَفْتَحُ الْبَابَ.
لَكِنَّهُ تَرَكَهَا تَقِفُ خَارِجَهُ فِي الْبَرْدِ.
لَيْسَ لأَنَّهُ خَاطِئٌ.
بَلْ لأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَأْلَمُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَحْلِيلٍ.
إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى يَدٍ تُمْسِكُ بِيَدِهَا.
وَانْهَارَ شَيْءٌ فِي هِنْدٍ.
لَمْ يَنْهَرْ بِصَوْتٍ.
وَلَمْ يَنْهَرْ بِقَرَارٍ.
بَلْ كَمَا يَنْهَارُ جِسْرٌ بُنِيَ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، لَكِنَّ التُّرَابَ الَّذِي تَحْتَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ صَلَابَتِهِ أَحَدٌ يَوْمًا.
وَبَعْدَ ذَلِكَ، صَارَتْ هِنْدٌ تَعِيشُ فِي مَكَانٍ وَصَفَتْهُ لَاحِقًا بِأَنَّهُ «لَا اسْمَ لَهُ».
لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ: «أُؤْمِنُ»، بِالْمَعْنَى الَّذِي تَعْرِفُهُ.
وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ: «لَا أُؤْمِنُ».
لأَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا تَسْتَطِيعُ إِنْكَارَهُ.
لَيْسَ اللَّهُ كَمَا قَدَّمَهُ أَحَدٌ لَهَا.
وَلَكِنَّهُ لَيْسَ الْعَدَمَ أَيْضًا.
وَهَذَا الْمَكَانُ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ لَيْسَ دَائِمًا غِيَابًا.
بَلْ قَدْ يَكُونُ بِدَايَةَ شَيْءٍ لَمْ تَجِدْ لَهُ لُغَتَهُ بَعْدُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
خَالِدٌ — الْجُثَثُ الَّتِي لَا تُجِيبُ
الْحَرْبُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى فَلْسَفَةٍ لِتُدَمِّرَ الإِيمَانَ.
إِنَّهَا تَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ تُرِيَكَ شَيْئًا بِعَيْنَيْكَ.
خَالِدٌ كَاتِبٌ سُورِيٌّ فِي الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
عَاشَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ فِي دِمَشْقَ، ثُمَّ حَلَبَ، ثُمَّ بَيْرُوتَ، ثُمَّ إِسْطَنْبُولَ.
وَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ حَمَلَ مَعَهُ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعْ وَضْعَهُ فِي حَقِيبَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ تَرْكَهُ أَيْضًا.
كَانَ مُسْلِمًا بِالْمَعْنَى الَّذِي يَعْرِفُهُ أَبْنَاءُ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى الدِّمَشْقِيَّةِ.
يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَحْيَانًا.
وَيَحْتَفِلُ بِالأَعْيَادِ دَائِمًا.
وَيَشْعُرُ فِي رَمَضَانَ بِشَيْءٍ حَقِيقِيٍّ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِهِ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْحَرْبُ.
وَمَعَهَا جَاءَتِ الْجُمَلُ:
— «اللَّهُ أَكْبَرُ» وَهُمْ يُفَجِّرُونَ.
— «اللَّهُ مَعَنَا»، وَكُلُّ طَرَفٍ يَقُولُهَا.
— «اللَّهُ يَنْصُرُ الْحَقَّ»، وَالأَطْفَالُ يَمُوتُونَ فِي الأَزِقَّةِ.
إِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ شَرْحَهُ لِمَنْ لَمْ يَرَهُ لَيْسَ الأَلَمَ.
فَالأَلَمُ يُمْكِنُ شَرْحُهُ.
أَمَّا مَا لَا يُشْرَحُ، فَهُوَ ذَلِكَ الاخْتِلَاطُ الْغَرِيبُ.
حِينَ يُصَلِّي الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي الاتِّجَاهِ نَفْسِهِ.
وَحِينَ يَقُولُ الْمُجْرِمُ: «بِسْمِ اللَّهِ» قَبْلَ أَنْ يَضْغَطَ عَلَى الزِّرِّ.
قَالَ خَالِدٌ مَرَّةً لِمَنْ سَأَلَهُ.
وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْغَضَبَ الْهَادِئَ.
ذَلِكَ الْغَضَبُ الَّذِي مَرَّ بِالنَّارِ، فَصَارَ فَحْمًا لَا يَشْتَعِلُ بِسُرْعَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى طَوِيلًا:
— أَنَا لَمْ أَفْقِدِ الإِيمَانَ بِسَبَبِ سُؤَالٍ فَلْسَفِيٍّ.
فَقَدْتُهُ بِسَبَبِ جُثَثٍ.
وَحِينَ قِيلَ لَهُ:
— «الإِسْلَامُ بَرِيءٌ مِمَّا فَعَلُوهُ بِاسْمِهِ».
قَالَ:
— أَعْرِفُ هَذَا نَظَرِيًّا.
لَكِنَّ الْقَلْبَ لَا يُفَكِّرُ نَظَرِيًّا.
وَمَنْ يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أُفَرِّقَ بَيْنَ الدِّينِ وَمَا رَأَيْتُهُ يُفْعَلُ بِاسْمِهِ، يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أُفَكِّرَ بِبُرُودَةٍ فِيمَا لَمْ يَكُنْ بَارِدًا أَصْلًا.
لَمْ يَصِلْ إِلَى إِلْحَادٍ فَلْسَفِيٍّ.
بَلْ وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ أَصْعَبَ: التَّوَقُّفِ.
التَّوَقُّفِ عَنِ الصَّلَاةِ؛ لأَنَّ الْكَلِمَاتِ صَارَتْ تَحْمِلُ وُجُوهًا لَا يُرِيدُ رُؤْيَتَهَا.
وَالتَّوَقُّفِ عَنِ الدُّعَاءِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ مَنْ يَدْعُو.
وَلَمْ يُخْبِرْ أُمَّهُ.
لأَنَّ أُمَّهُ فَقَدَتِ ابْنَهَا الأَوَّلَ فِي الْحَرْبِ.
وَالأُمُّ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنًا لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَفْقِدَ شَيْئًا آخَرَ.
وَهَكَذَا حَمَلَ خَالِدٌ صَمْتَهُ.
وَكَانَ الصَّمْتُ أَثْقَلَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَأَشَدَّ مِنَ الإِنْكَارِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي
الْمُجْتَمَعُ الْمُؤْمِنُ وَهَذَا الصَّوْتُ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ
مَا يَحْدُثُ — أَرْبَعَةُ رُدُودٍ
تَعْمَلُ سَارَةُ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَعَ الشَّبَابِ.
لَيْسَ فِي الْكُتُبِ.
بَلْ فِي الْحَيَاةِ.
وَمَنْ يَعْمَلُ مَعَ الشَّبَابِ فِي الْحَيَاةِ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ لَا تَقُولُهَا الْكُتُبُ.
قَالَتْ فِي اجْتِمَاعٍ صَغِيرٍ مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمُرَبِّينَ.
وَكَانَتْ تَتَكَلَّمُ بِتِلْكَ الصَّرَاحَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا الْفَقِيهَةُ الَّتِي تَعِيشُ فِي الْعَالَمِ الْحَقِيقِيِّ، لَا فِي الْكُتُبِ فَقَطْ:
— دَعُونَا نَتَكَلَّمْ بِصِدْقٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَعَامُلِ مُجْتَمَعَاتِنَا مَعَ الشَّابِّ الَّذِي يَشُكُّ.
لَيْسَ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ.
بَلْ كَمَا هُوَ.
الأَوَّلُ: الإِنْكَارُ
— «هَذَا لَا يَحْدُثُ.
مَنْ يَفْقِدُ الإِيمَانَ، فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا أَصْلًا، وَإِمَّا أَنَّ عِنْدَهُ شُبْهَةً يَجِبُ إِزَالَتُهَا».
هَذَا الرَّدُّ يَبْدُو دِفَاعِيًّا.
وَهُوَ كَذَلِكَ.
لَكِنَّ الْخَطَرَ فِيهِ أَعْمَقُ مِمَّا يَظْهَرُ.
فَحِينَ يَسْمَعُ الشَّابُّ الَّذِي يَشُكُّ هَذَا الرَّدَّ، لَا يَخْتَفِي شَكُّهُ.
بَلْ يَنْزِلُ إِلَى مَا تَحْتَ السَّطْحِ، وَيُصْبِحُ أَعْمَقَ.
وَالشَّكُّ الَّذِي لَا يَجِدُ أَحَدًا يَسْمَعُهُ لَا يَمُوتُ.
بَلْ يَتَرَاكَمُ.
وَمَا يَتَرَاكَمُ دُونَ نِقَاشٍ وَدُونَ تَمْحِيصٍ قَدْ يَصِيرُ أَحْيَانًا يَقِينًا كَاذِبًا مُتَلَبِّسًا بِثِيَابِ الْمَعْرِفَةِ.
الإِنْكَارُ لَا يَحْمِي الْمُجْتَمَعَ.
بَلْ يُؤَجِّلُ أَزْمَتَهُ.
الثَّانِي: الاتِّهَامُ
— «هَذَا شَهْوَةٌ.
أَوْ تَأْثِيرٌ غَرْبِيٌّ.
أَوْ عَدُوٌّ يُرِيدُ إِفْسَادَ الشَّبَابِ».
وَالْمُشْكِلَةُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَشُكُّونَ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِدَافِعِ الشَّهْوَةِ، وَلَا بِسَبَبِ مُؤَثِّرٍ خَارِجِيٍّ.
بَلْ لأَنَّ أَسْئِلَتَهُمْ حَقِيقِيَّةٌ.
وَأَلَمَهُمْ حَقِيقِيٌّ.
وَحِينَ تَتَّهِمُ شَخْصًا بَدَلَ أَنْ تَسْمَعَهُ، فَإِنَّكَ لَا تُسَاعِدُهُ.
بَلْ تُؤَكِّدُ لَهُ أَنَّ مَا يَشُكُّ فِيهِ هُوَ نَفْسُهُ.
الثَّالِثُ: الْخَوْفُ الْفَوْرِيُّ
— «ابْنِي سَيَذْهَبُ إِلَى النَّارِ.
يَجِبُ إِنْقَاذُهُ».
هَذَا الْخَوْفُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ نَابِعٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ، يَجْعَلُ الْحِوَارَ مُسْتَحِيلًا.
لأَنَّ مَنْ يُحَاوِرُ وَهُوَ خَائِفٌ لَا يَسْمَعُ.
بَلْ يُحَاوِلُ الإِقْنَاعَ فَقَطْ.
وَالإِقْنَاعُ الَّذِي لَا يَسْبِقُهُ اسْتِمَاعٌ لَا يَصِلُ.
تَعْرِفُ سَارَةُ أُمَّهَاتٍ ضَرَبْنَ أَبْنَاءَهُنَّ مِنَ الْخَوْفِ.
وَتَعْرِفُ آبَاءً قَطَعُوا الْكَلَامَ مَعَ أَبْنَائِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ.
وَتَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْخَوْفَ صَادِقٌ.
لَكِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نَقِيضِ مَا يُرِيدُ.
الرَّابِعُ — وَهُوَ الأَنْدَرُ — الِاسْتِمَاعُ
حِينَ يَجِدُ الشَّاكُّ شَخْصًا يَسْمَعُهُ دُونَ اتِّهَامٍ، وَدُونَ ذُعْرٍ، وَدُونَ مُحَاوَلَةٍ سَرِيعَةٍ لِلإِقْنَاعِ، يَحْدُثُ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ.
قَالَتْ سَارَةُ.
وَفِي عَيْنَيْهَا ذَلِكَ الْمَزِيجُ الَّذِي تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَأَتِ الْكَثِيرَ وَلَمْ تَكْسِرْهَا التَّجَارِبُ:
— وَهَذَا النَّادِرُ هُوَ الأَكْثَرُ فَاعِلِيَّةً.
لأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعْلِنُونَ الإِلْحَادَ، حِينَ يَجِدُونَ أَحَدًا يَسْمَعُ بِحَقٍّ، يَكْتَشِفُونَ أَنَّ مَا يَرْفُضُونَهُ لَيْسَ اللَّهَ.
بَلْ يَرْفُضُونَ الصُّورَةَ الَّتِي قُدِّمَ بِهَا اللَّهُ إِلَيْهِمْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ لَيْسَ فَرْقًا أَدَبِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا.
إِنَّهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَوَابِ الَّذِي يُغْلِقُ، وَالسُّؤَالِ الَّذِي يَفْتَحُ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ
مَا لَا يُقَالُ — الأَسْئِلَةُ الدَّاخِلِيَّةُ
فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، جَلَسَ آدَمُ وَهِنْدٌ وَخَالِدٌ مَعَ نُورٍ الْبَاحِثَةِ فِي شَقَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي بَرْلِين.
لَمْ يَكُنِ الْمَكَانُ مُخْتَارًا بِعِنَايَةٍ.
بَلْ كَانَتْ شَقَّةَ صَدِيقٍ مُشْتَرَكٍ.
لَكِنَّ بَعْضَ الْمَجَالِسِ يَحْدُثُ بِالصُّدْفَةِ، وَيَبْقَى أَثَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضِ مَا يُقْصَدُ لَهُ وَيُخَطَّطُ.
قَالَتْ نُورٌ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكُمْ شَيْئًا شَخْصِيًّا.
لَيْسَ فَلْسَفِيًّا.
بَلْ شَخْصِيًّا.
— اسْأَلِي.
— حِينَ تَقُولُونَ إِنَّكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ، مَا الَّذِي تَشْعُرُونَ أَنَّكُمْ فَقَدْتُمُوهُ بِالضَّبْطِ؟
صَمَتَتِ الْغُرْفَةُ.
وَلَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ خَجَلًا.
بَلْ كَانَ بَحْثًا عَنِ الْكَلِمَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي مَكَانٍ لَمْ يُرَتِّبْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ آدَمُ بِبُطْءٍ.
وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَةِ الصَّحِيحَةِ فِي مَكَانٍ لَمْ يُرَتِّبْهُ فِي دَاخِلِهِ مِنْ قَبْلُ:
— فَقَدْتُ الشُّعُورَ بِأَنَّ الأُمُورَ سَتَسِيرُ عَلَى مَا يُرَامُ فِي النِّهَايَةِ.
كَانَ الإِيمَانُ يُعْطِينِي نَوْعًا مِنَ الاطْمِئْنَانِ.
لَيْسَ اطْمِئْنَانًا سَاذَجًا.
بَلْ إِحْسَاسًا بِأَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى وَرَاءَ الأَشْيَاءِ.
وَحِينَ ذَهَبَ ذَلِكَ، صَارَ كُلُّ شَيْءٍ أَثْقَلَ.
لَيْسَ أَصْعَبَ فَقَطْ.
بَلْ أَثْقَلَ.
قَالَتْ هِنْدٌ:
— أَنَا فَقَدْتُ الْمُجْتَمَعَ.
لَيْسَ الْمَسْجِدَ فَحَسْبُ.
بَلْ تِلْكَ الْمَشَاعِرَ الْمُشْتَرَكَةَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ؛ لأَنَّ الْجَمِيعَ يَشْعُرُ بِهَا.
حِينَ كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ آخَرِينَ، كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ لَا يُعَوَّضُ فِي أَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْكَ.
أَمَّا الآنَ، فَأَنَا فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ دَاخِلَ نَفْسِي.
قَالَ خَالِدٌ.
وَكَانَ صَادِقًا بِطَرِيقَةٍ يَعْرِفُ أَنَّهَا لَنْ تُعْجِبَ الْجَمِيعَ:
— أَنَا لَمْ أَفْقِدْ شَيْئًا أَشْعُرُ بِفَقْدِهِ.
بَلْ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَفْضَلُ الآنَ.
وَهَذَا يُزْعِجُنِي أَحْيَانًا.
لأَنَّنِي أَسْأَلُ نَفْسِي:
هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّنِي كُنْتُ فِي مَكَانٍ خَاطِئٍ؟
أَمْ أَنَّ مَا كُنْتُ فِيهِ لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامَ الَّذِي كُنْتُ أَظُنُّهُ؟
صَمَتُوا.
وَلَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ فَرَاغًا.
بَلْ كَانَ مَسَافَةً بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ فَقَدُوا شَيْئًا وَاحِدًا بِثَلَاثَةِ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
ثُمَّ قَالَتْ نُورٌ بِهُدُوءٍ:
— مَا تَقُولُهُ يَا آدَمُ عَنِ الثِّقَلِ أَظُنُّ أَنَّهُ يُسَمَّى، فِي بَعْضِ أَدَبِيَّاتِ عِلْمِ النَّفْسِ، «فُقْدَانَ الإِطَارِ الرُّوحِيِّ».
وَمَا تَقُولُهُ هِنْدٌ عَنِ الْغُرْفَةِ الْمُغْلَقَةِ هُوَ مَا يَحْدُثُ حِينَ يَفْقِدُ الإِنْسَانُ انْتِمَاءَهُ دُونَ أَنْ يَجِدَ بَدِيلًا.
أَمَّا مَا تَقُولُهُ يَا خَالِدُ، عَنْ شُعُورِكَ بِأَنَّكَ أَفْضَلُ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَجْلِسَ مَعَهُ.
— لِمَاذَا؟
— لأَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ بَعْدَ تَرْكِ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ قَدْ تَرَكَ شَيْئًا كَانَ يَضْغَطُ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ الضَّاغِطُ دَائِمًا الدِّينَ نَفْسَهُ.
فَقَدْ يَكُونُ تَشْوِيهًا لِلدِّينِ كَانَ يَعِيشُ فِي ظِلِّهِ.
فَكَّرَ خَالِدٌ.
وَكَانَ فِي تَفْكِيرِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحَذَرَ مِنَ الأَمَلِ.
لأَنَّ مَنْ خُذِلَ مَرَّةً يَحْتَاطُ مِنَ الرَّاحَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
الْمَجْلِسُ — خَارِجَ الزَّمَانِ
الْفَصْلُ السَّادِسُ
حَيْثُ يَجْتَمِعُ مَنْ لَا يَجْتَمِعُونَ
هَذَا الْمَجْلِسُ كَانَ الأَصْعَبَ فِي الرِّوَايَةِ كُلِّهَا.
لَيْسَ لأَنَّ الْحُجَجَ فِيهِ أَقْوَى.
بَلْ لأَنَّ الأَلَمَ فِيهِ أَكْثَرُ.
وَالأَلَمُ، حِينَ يَمْلَأُ الْغُرْفَةَ، يُغَيِّرُ كَيْفِيَّةَ سَمَاعِ الْكَلَامِ.
كُلِّ الْكَلَامِ.
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْخَارِجِ عَنِ الزَّمَانِ، حَيْثُ لَا تَعْنِي الْمَسَافَةُ شَيْئًا، وَحَيْثُ تَجْلِسُ الْقُرُونُ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، كَانَ الْمَجْلِسُ قَدْ بَدَأَ.
لَمْ يَكُنِ اجْتِمَاعًا رَسْمِيًّا.
وَلَمْ يَكُنْ مُحَاكَمَةً.
وَلَمْ يَكُنْ جَلْسَةَ فَتْوَى.
بَلْ كَانَ مَكَانًا يَسْتَطِيعُ فِيهِ كُلُّ صَوْتٍ أَنْ يُسْمَعَ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرَّ إِلَى الصُّرَاخِ.
جَلَسَتْ سَلْمَى بِنْتُ الْمَخْزُومِيِّ.
وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْجِيلِ الأَوَّلِ، رَأَتِ الْوَحْيَ، وَرَأَتْ مَا جَاءَ بَعْدَهُ، وَعَاشَتْ طَوِيلًا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِتَرَى مَا يَفْعَلُهُ الْبَشَرُ بِمَا تَرَكَ.
وَجَلَسَ الْغَزَّالِيُّ.
ذَلِكَ الَّذِي شَكَّ حَتَّى انْهَارَ، ثُمَّ عَادَ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ.
وَجَلَسَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ.
الَّذِي ذَهَبَ شَكُّهُ إِلَى نِهَايَتِهِ الْمَنْطِقِيَّةِ، وَدَفَعَ ثَمَنَ ذَلِكَ.
وَجَلَسَ طَارِقٌ الْحَدَّادُ.
الرَّجُلُ الْعَمَلِيُّ الَّذِي يَفْهَمُ الأَشْيَاءَ بِيَدَيْهِ.
وَجَلَسَتْ نُورٌ الْبَاحِثَةُ.
وَسَارَةُ الْفَقِيهَةُ.
وَجَلَسَ أَنَسٌ.
الطِّفْلُ الَّذِي يَسْأَلُ مَا لَا يَجْرُؤُ الْكِبَارُ عَلَى سُؤَالِهِ.
وَجَلَسَ آدَمُ وَهِنْدٌ وَخَالِدٌ.
يَحْمِلُونَ أَسْئِلَتَهُمْ، وَشُكُوكَهُمْ، وَأَوْجَاعَهُمْ، كَمَا يَحْمِلُ الْمُسَافِرُ حَقِيبَتَهُ حِينَ يَصِلُ إِلَى مَكَانٍ لَا يَعْرِفُ أَيُرَحَّبُ بِهِ فِيهِ أَمْ لَا.
وَلَمْ يَبْدَأْ أَحَدٌ بِالْكَلَامِ.
كَانَ الصَّمْتُ أَثْقَلَ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
كَأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ كَانَ يَحْمِلُ شَيْئًا، وَيَنْتَظِرُ مَنْ يَبْدَأُ بِوَضْعِهِ.
ثُمَّ قَالَتْ سَلْمَى.
وَكَانَ فِي عَيْنَيْهَا شَيْءٌ لَا يُشْبِهُ الإِدَانَةَ.
وَلَا يُشْبِهُ الِاسْتِسْلَامَ.
بَلْ شَيْئًا يُشْبِهُ الْحُبَّ الَّذِي يَرَى بِوُضُوحٍ، وَيَبْقَى حُبًّا:
— أَنَا رَأَيْتُ فِي حَيَاتِي مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ يُؤْمِنُ.
وَرَأَيْتُ ذَلِكَ فِي زَمَانِي أَيْضًا.
وَسَأَلْتُ نَفْسِي دَائِمًا:
مَا الَّذِي يَحْدُثُ فِي دَاخِلِ ذَلِكَ الإِنْسَانِ؟
وَلَمْ يُجِبْ أَحَدٌ عَنْ سُؤَالِي.
لأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْأَلْهُمْ.
نَظَرَتْ إِلَى الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَتْ:
— أَنَا لَا أَمْلِكُ الْجَوَابَ.
لَكِنَّنِي أَمْلِكُ شَيْئًا وَاحِدًا.
الْيَقِينَ بِأَنَّ اللَّهَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُحَاسِبَ إِنْسَانًا عَلَى مُجَرَّدِ سُؤَالِهِ.
وَأَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ مَنْ شَكَّ لأَنَّهُ رَأَى ظُلْمًا، وَمَنْ شَكَّ لأَنَّهُ يُرِيدُ الْهُرُوبَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
قَالَ خَالِدٌ.
وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْحَذَرُ مِنَ الْكَلَامِ الْجَمِيلِ:
— هَذَا يُرِيحُ.
لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤْمِنَ بِشَيْءٍ؛ لأَنَّهُ يُرِيحُنِي.
— وَلَمْ أَطْلُبْ مِنْكَ ذَلِكَ.
إِنَّمَا قُلْتُ مَا أَعْتَقِدُهُ أَنَا.
وَأَنْتَ حُرٌّ.
وَكَانَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ: «وَأَنْتَ حُرٌّ» شَيْءٌ جَعَلَ خَالِدًا يَصْمُتُ أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعَ.
لأَنَّ الْحُرِّيَّةَ، حِينَ تُمْنَحُ دُونَ شَرْطٍ، تُغَيِّرُ شَيْئًا فِي الْغُرْفَةِ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ
الْغَزَّالِيُّ — حُدُودُ مَا نَعْرِفُ
لَمْ يَكُنِ الْغَزَّالِيُّ رَجُلًا بَسِيطًا يَقُولُ كَلَامًا بَسِيطًا.
كَانَ رَجُلًا مَرَّ بِالظَّلَامِ، وَخَرَجَ مِنْهُ، وَعَرَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الظَّلَامِ لَا يَعْنِي أَنَّ الظَّلَامَ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
نَظَرَ إِلَى آدَمَ:
— أَنَا عِشْتُ شَكًّا كَادَ يُفْقِدُنِي كُلَّ شَيْءٍ.
وَكَتَبْتُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُكْتَبُ يَبْقَى سِجْنًا.
لَكِنَّ شَكَّكَ يَخْتَلِفُ عَنْ شَكِّي.
شَكِّي كَانَ شَكَّ مَنْ يُؤْمِنُ، لَكِنَّهُ لَا يَرَى الطَّرِيقَ.
وَشَكُّكَ — كَمَا أَفْهَمُهُ — شَكُّ مَنْ لَا يَرَى الْمَضْمُونَ أَصْلًا.
— نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ.
— وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مَا سَاعَدَنِي — رِحْلَةُ الدَّاخِلِ وَالتَّجْرِبَةُ الصُّوفِيَّةُ — رُبَّمَا لَا يَنْفَعُكَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ خَطَأٌ؛ بَلْ لِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكْتُهُ يَبْدَأُ مِنْ إِيمَانٍ مُهَزَّزٍ.
وَطَرِيقُكَ يَبْدَأُ مِنْ نُقْطَةٍ أَبْعَدَ.
وَلَا أَعْرِفُ الطَّرِيقَ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ.
أَنَا أَعْرِفُ طَرِيقِي.
وَهَذَا حَدُّ مَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ آدَمُ.
وَكَانَ فِي هَذَا الِاعْتِرَافِ — «لَا أَعْرِفُ» — شَيْءٌ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ الْغَزَّالِيُّ، مِمَّا لَمْ تُعْطِهِ إِيَّاهُ كَثِيرٌ مِنَ الْخُطَبِ.
لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الَّذِي يَعْرِفُ حُدُودَ مَعْرِفَتِهِ أَجْدَرُ بِالثِّقَةِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ.
قَالَ آدَمُ:
— أَنَا قَرَأْتُ لَكَ.
قَرَأْتُ «الْمُنْقِذَ مِنَ الضَّلَالِ».
وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ.
— بِمَاذَا شَعَرْتَ؟
— شَعَرْتُ بِأَنَّنِي أَقْرَأُ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِصِدْقٍ عَنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ.
لَيْسَ يُقَدِّمُ حُجَجًا؛ بَلْ يَصِفُ تَجْرِبَةً.
وَالتَّجْرِبَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِدْقٍ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنَ الْحُجَجِ الْمُرَتَّبَةِ.
قَالَ الْغَزَّالِيُّ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الِامْتِنَانَ:
— الصِّدْقُ — حِينَ يُقَالُ — يَصِلُ.
حَتَّى لَوْ لَمْ يُقْنِعْ.
لِأَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا فِي الْكَائِنِ الْبَشَرِيِّ يَعْرِفُ الصِّدْقَ حِينَ يَسْمَعُهُ، وَلَوِ اخْتَلَفَ مَعَ مَا يَقُولُهُ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ
ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ — الْأُفُقُ الَّذِي لَيْسَ مَكَانًا
كَانَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَحَّبًا بِهِ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ.
وَكَانَ هَذَا الْمَجْلِسُ، خَارِجَ الزَّمَانِ، يُعِيدُ إِلَيْهِ مَا خَبِرَهُ فِي حَيَاتِهِ: أَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الْأَصْوَاتِ الْأُخْرَى غَالِبًا مَا يَجِدُ نَفْسَهُ وَحِيدًا.
لَكِنَّهُ كَانَ هُنَا.
وَكَانَ هَذَا كَافِيًا لِيَقُولَ مَا لَمْ يَجِدْ فِي زَمَانِهِ مَكَانًا يَقُولُهُ فِيهِ:
— أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لَيْسَ لِأَنَّنِي أَمْلِكُ الْجَوَابَ، بَلْ لِأَنَّنِي مَرَرْتُ بِشَيْءٍ مُشَابِهٍ، وَوَصَلْتُ إِلَى مَا لَمْ أَتَوَقَّعْهُ.
نَظَرُوا إِلَيْهِ.
— الشَّكُّ الْكَامِلُ، الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ عَقْلِي حَتَّى النِّهَايَةِ، أَوْصَلَنِي إِلَى نِهَايَةٍ.
وَكَانَتِ النِّهَايَةُ بَارِدَةً جِدًّا.
لَيْسَتْ مُرِيحَةً، بَلْ فَارِغَةً بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا.
كَأَنَّكَ وَصَلْتَ إِلَى الْأُفُقِ، وَوَجَدْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مَكَانًا؛ إِنَّمَا هُوَ حَدُّ مَا تَرَى.
سَأَلَتْهُ هِنْدٌ:
— وَهَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْعَوْدَةَ إِلَى الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟
— لَا أَقُولُ هَذَا.
لَيْسَ مِنَ الْأَمَانَةِ أَنْ أَقُولَهُ.
أَقُولُ: كُونُوا صَادِقِينَ مَعَ مَا تَجِدُونَهُ.
الِاخْتِيَارُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الصِّدْقِ — حَتَّى الِاخْتِيَارُ الصَّعْبُ — أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ الِاخْتِيَارِ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الْهُرُوبِ.
قَالَ خَالِدٌ:
— وَأَنَا بَنَيْتُ اخْتِيَارِي عَلَى الصِّدْقِ.
— أَعْرِفُ.
وَلِهَذَا لَمْ أُدِنْكَ.
فَقَطْ شَارَكْتُكَ مَا رَأَيْتُ.
وَمَا تَفْعَلُهُ بِهِ — لَيْسَ فِي يَدِي.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَانَ شَيْءٌ نَادِرٌ:
أَنْ يَقُولَ إِنْسَانٌ رَأْيَهُ، وَيَعْتَرِفَ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ بِأَنَّ الْآخَرَ حُرٌّ فِيمَا يَفْعَلُ بِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ الِاسْتِسْلَامَ؛ بَلْ هُوَ الِاحْتِرَامُ الْحَقِيقِيُّ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ
طَارِقٌ وَسَارَةُ: أَسْئِلَةٌ لَمْ تُطْرَحْ بَعْدُ
قَالَتْ هِنْدٌ فِي لَحْظَةِ صِدْقٍ نَادِرَةٍ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ شَيْئًا لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
لِمَاذَا يَهْتَمُّ الْمُؤْمِنُونَ بِإِيمَانِنَا نَحْنُ؟
لَيْسَ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسِنَا؛ إِنَّمَا أَسْأَلُ بِجِدِّيَّةٍ.
مَا الَّذِي يُقْلِقُهُمْ بِالضَّبْطِ؟
قَالَتْ سَارَةُ:
— جَوَابٌ صَادِقٌ؟
— جَوَابٌ صَادِقٌ.
— بَعْضُهُمْ يُقْلِقُهُ وَضْعُكِ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا نَابِعٌ مِنْ مَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
وَبَعْضُهُمْ يُقْلِقُهُ مَا تُمَثِّلُهُ رِحْلَتُكِ لِأَبْنَائِهِمْ؛ فَهُوَ خَوْفٌ يَرْتَدِي لِبَاسَ الْغَيْرَةِ عَلَى الدِّينِ.
وَبَعْضُهُمْ يُقْلِقُهُ أَنَّ وُجُودَكِ يَطْرَحُ أَسْئِلَةً لَا يَعْرِفُ إِجَابَتَهَا؛ وَهَذَا تَهْدِيدٌ لِلرَّاحَةِ الْفِكْرِيَّةِ.
وَبَعْضٌ قَلِيلٌ يُقْلِقُهُ أَنَّكِ تَحْمِلِينَ شَيْئًا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ.
نَظَرَتْ هِنْدٌ إِلَيْهَا، وَقَالَتْ:
— وَأَيُّهُمْ يَتَكَلَّمُ مَعَنَا الْآنَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ؟
قَالَتْ سَارَةُ:
— الْأَخِيرُ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ طَارِقٌ بِتِلْكَ الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي تُمْسِكُ بِهَا يَدُ الْحَدَّادِ الْمِطْرَقَةَ:
— أَنَا لَسْتُ فَيْلَسُوفًا.
لَكِنَّنِي أَفْهَمُ شَيْئًا.
— مَاذَا؟
— حِينَ يَسْقُطُ جُزْءٌ مِنْ بِنَاءٍ، فَإِنَّ الْبَانِيَ الْجَيِّدَ لَا يَهْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَتَجَاهَلُ الْهَدْمَ.
إِنَّهُ يُصْلِحُ مَا سَقَطَ، وَيُبْقِي مَا ثَبَتَ.
نَظَرَ إِلَى الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ:
— وَأَنَا لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَكُمْ، وَمَا الَّذِي سَقَطَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ قَرَارَ الْهَدْمِ الْكَامِلِ، وَالْحُكْمَ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ سَقَطَ، قَرَارٌ يَسْتَحِقُّ التَّمَهُّلَ.
قَالَ خَالِدٌ:
— وَإِذَا كَانَ الْهَدْمُ صَادِقًا؟
قَالَ طَارِقٌ:
— الْهَدْمُ الصَّادِقُ أَحْتَرِمُهُ أَكْثَرَ مِنَ الْبِنَاءِ الْمُزَيَّفِ.
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ:
هَلْ رَأَيْتَ جَمِيعَ الْأَسَاسَاتِ؟
أَمْ رَأَيْتَ جِدَارًا سَقَطَ، فَحَكَمْتَ عَلَى الْكُلِّ؟
لَمْ يُجِبْ خَالِدٌ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ يَسْتَحِقُّ وَقْتًا أَطْوَلَ مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ
أَنَسٌ: الْأَسْئِلَةُ الَّتِي لَا يَجْرُؤُ عَلَيْهَا الْكِبَارُ
الطِّفْلُ يَسْأَلُ مَا لَا يَسْأَلُهُ الْكِبَارُ؛ لَيْسَ لِأَنَّهُ أَجْرَأُ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ مَا الَّذِي لَا يُسْأَلُ.
وَهَذَا الْجَهْلُ أَحْيَانًا هُوَ أَعْمَقُ أَنْوَاعِ الْحِكْمَةِ.
قَالَ أَنَسٌ، وَالْجَمِيعُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَزِيجِ مِنَ الْحَنَانِ وَالْقَلَقِ الَّذِي يَنْظُرُ بِهِ الْكِبَارُ إِلَى طِفْلٍ يَقِفُ عَلَى حَافَّةٍ لَا يَرَاهَا:
— لِمَاذَا يُسَمَّى تَرْكُ الْإِيمَانِ رِدَّةً، وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ؟
صَمَتَ الْمَجْلِسُ.
قَالَتْ سَارَةُ، وَكَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَخْرُجُ بِعِنَايَةٍ، كَمَا يَضَعُ الْحَدَّادُ يَدَهُ عَلَى حَدِيدٍ سَاخِنٍ:
— فِي الْفِقْهِ التَّارِيخِيِّ، كَانَتِ الرِّدَّةُ تُعَامَلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا ارْتِبَاطٌ بِخُرُوجٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالدَّوْلَةِ، فِي سِيَاقٍ كَانَتْ فِيهِ الْهُوِيَّةُ الدِّينِيَّةُ مُتَدَاخِلَةً مَعَ الْهُوِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ تُفْهَمِ الْمَسْأَلَةُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، عَلَى أَنَّهَا شَأْنٌ إِيمَانِيٌّ فَرْدِيٌّ مَحْضٌ.
— وَهَلْ هَذَا مَا يَقُولُهُ الْقُرْآنُ؟
تَوَقَّفَتْ سَارَةُ.
وَكَانَ فِي تَوَقُّفِهَا احْتِرَامٌ لِلسُّؤَالِ، لَا خَوْفٌ مِنْهُ.
— الْقُرْآنُ يَذْكُرُ الرِّدَّةَ، وَيُحَذِّرُ مِنْهَا، وَيَذْكُرُ عَوَاقِبَهَا الدِّينِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةَ.
لَكِنَّهُ لَا يَنْصُّ صَرَاحَةً عَلَى عُقُوبَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ لِلرِّدَّةِ بِذَاتِهَا.
أَمَّا الْعُقُوبَاتُ الَّتِي نَاقَشَهَا الْفُقَهَاءُ، فَقَدْ جَاءَتْ فِي إِطَارِ اجْتِهَادَاتٍ فِقْهِيَّةٍ تَشَكَّلَتْ فِي سِيَاقَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
— وَمَا السِّيَاقُ الْيَوْمَ؟
— هَذَا مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ تُنَاقَشُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ.
وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْبَابَ أُغْلِقَ فِيهَا إِغْلَاقًا نِهَائِيًّا، فَلْيُرَاجِعِ الْأَسْئِلَةَ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَ الْإِجَابَاتِ.
نَظَرَ أَنَسٌ إِلَى آدَمَ وَهِنْدٍ وَخَالِدٍ.
ثُمَّ قَالَ، وَفِي صَوْتِهِ بَرَاءَةُ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ قَدْ يُرْبِكُ الْكِبَارَ:
— هَلْ أَنْتُمْ خَائِفُونَ؟
لَمْ يُجِبِ الثَّلَاثَةُ بِسُرْعَةٍ.
وَكَانَ فِي تَأَخُّرِ إِجَابَتِهِمُ الْجَوَابُ نَفْسُهُ.
قَالَ آدَمُ أَخِيرًا:
— نَعَمْ.
لَكِنَّ الْخَوْفَ لَيْسَ دَائِمًا دَلِيلًا عَلَى الْخَطَإِ.
وَكَانَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ قَالَهَا رَجُلٌ لَا يُؤْمِنُ، شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحِكْمَةَ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ
مَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ بِأَمَانَةٍ
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ
رَسَائِلُ بِلَا مُرْسَلٍ إِلَيْهِ مُحَدَّدٍ
قَالَتْ نُورٌ:
— أُرِيدُ أَنْ نَقُولَ مَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ بِأَمَانَةٍ؛ لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ.
لَيْسَتْ خُطَبًا.
وَلَا فَتَاوَى.
إِنَّمَا هُوَ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ فَقَطْ.
لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَسْمَعُ
الشَّخْصُ الَّذِي فَقَدَ إِيمَانَهُ لَيْسَ عَدُوًّا لَكَ.
هُوَ إِنْسَانٌ عَاشَ تَجْرِبَةً أَوْصَلَتْهُ إِلَى حَيْثُ هُوَ الْآنَ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي رِحْلَتِهِ خَطَأٌ، كَمَا يَكُونُ فِي كُلِّ رِحْلَةٍ بَشَرِيَّةٍ.
لَكِنَّ الْخَطَأَ لَا يُصَحَّحُ بِالْإِدَانَةِ.
إِنَّمَا يُصَحَّحُ بِالْحِوَارِ الصَّادِقِ وَالِاسْتِمَاعِ الْحَقِيقِيِّ.
وَالْخَوْفُ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ خَوْفًا مِنْ تَأْثِيرِهِ فِي أَبْنَائِكَ أَمْ فِي مُجْتَمَعِكَ، لَا يُعَالَجُ بِالْإِسْكَاتِ.
إِنَّمَا يُعَالَجُ بِإِيمَانٍ وَاثِقٍ يَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ السُّؤَالِ دُونَ أَنْ يَنْهَارَ.
وَالْإِيمَانُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ السُّؤَالِ لَيْسَ إِيمَانًا رَاسِخًا.
وَإِسْكَاتُ السُّؤَالِ لَا يُقَوِّي الْإِيمَانَ؛ بَلْ يُؤَجِّلُ مُوَاجَهَةَ الْمُشْكِلَةِ.
لِلشَّاكِّ الَّذِي يَسْمَعُ
أَنْتَ لَسْتَ مُطَالَبًا بِالْعَوْدَةِ إِلَى مَا لَا تَسْتَطِيعُ الْعَوْدَةَ إِلَيْهِ.
فَالْإِيمَانُ، فِي مَعْنَاهُ الدِّينِيِّ، لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ صَادِقًا وَاخْتِيَارِيًّا.
أَمَّا الْإِيمَانُ الْمُكْرَهُ فَلَا يَحْمِلُ الْمَعْنَى نَفْسَهُ.
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ بِصِدْقٍ، لَا بِاتِّهَامٍ:
هَلْ رَأَيْتَ الْإِسْلَامَ فِي أَجْمَلِ صُوَرِهِ أَمْ فِي أَسْوَإِ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ؟
وَهَلْ حَكَمْتَ عَلَى الصُّورَةِ الْكُلِّيَّةِ، أَمْ عَلَى جُزْءٍ مِمَّا وَصَلَكَ مِنْهَا؟
لَا يَعْنِي هَذَا أَنَّ مَا رَأَيْتَهُ كَانَ خَطَأً.
وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الصُّورَةَ الْكَامِلَةَ أَوْسَعُ مِنْ أَيِّ تَجْرِبَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعِ الْعَوْدَةَ، فَتَمَسَّكْ عَلَى الْأَقَلِّ بِالصِّدْقِ.
فَالصِّدْقُ الَّذِي حَمَلْتَهُ حِينَ غَادَرْتَ مَا كُنْتَ تُؤْمِنُ بِهِ، قَدْ يَكُونُ هُوَ نَفْسُ الصِّدْقِ الَّذِي يَقُودُكَ يَوْمًا إِلَى قَنَاعَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَقَدْ لَا يَقُودُكَ إِلَى ذَلِكَ.
لَكِنَّهُ سَيَبْقَى مِنْ أَفْضَلِ مَا تَمْلِكُهُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ.
لِلْجَمِيعِ
الْمُجْتَمَعُ الَّذِي يُسْكِتُ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ يُسْكِتُ أَيْضًا الْأَسْئِلَةَ الَّتِي تُسَاهِمُ فِي نُضْجِهِ.
وَالْأَسْئِلَةُ الْمَكْتُومَةُ تَتَرَاكَمُ.
وَمَعَ التَّرَاكُمِ، قَدْ يَنْشَأُ انْفِجَارٌ فِكْرِيٌّ، أَوْ يَحْدُثُ ضُمُورٌ بَطِيءٌ لِقُدْرَةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى التَّفْكِيرِ.
وَالْمُجْتَمَعُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْمَعَ عِبَارَةَ: «لَا أُؤْمِنُ»، دُونَ أَنْ يَتَفَكَّكَ.
لِأَنَّ ثِقَتَهُ لَيْسَتْ قَائِمَةً عَلَى غِيَابِ الشَّكِّ.
بَلْ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْأَسْئِلَةِ وَتَقْدِيمِ الْإِجَابَاتِ عِنْدَمَا تُطْرَحُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ
سَلْمَى: النِّهَايَةُ الَّتِي لَا تُغْلَقُ
فِي آخِرِ الْمَجْلِسِ، حِينَ بَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ تَخِفُّ، وَالْكَلَامُ يَصِيرُ أَبْطَأَ وَأَعْمَقَ، كَمَا يَصِيرُ النَّهْرُ حِينَ يَقْتَرِبُ مِنَ الْبَحْرِ، قَالَتْ سَلْمَى:
— أَنَا رَأَيْتُ فِي حَيَاتِي مَنْ آمَنَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ.
وَمَنْ آمَنَ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنْ.
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ ثُمَّ آمَنَ.
وَمَنْ بَقِيَ فِي الْمُنْتَصَفِ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَقِفُ.
تَوَقَّفَتْ.
— وَأَنَا لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي حَدَثَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّنِي لَمْ أَصِلْ إِلَيْهَا بَعْدُ.
نَظَرَتْ إِلَى الثَّلَاثَةِ.
— مَا أَعْرِفُهُ أَنَّنِي، حِينَ أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ، لَا أَرَى أَعْدَاءً.
أَرَى أُنَاسًا يَسْأَلُونَ بِطَرِيقَتِهِمْ.
تَوَقَّفَتْ مَرَّةً أُخْرَى.
— وَهَذَا اللَّهُ الَّذِي أُؤْمِنُ بِهِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَضِيقَ بِالسُّؤَالِ.
وَأَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ مَنْ شَكَّ بِصِدْقٍ، وَمَنْ كَذَبَ عَنْ عِلْمٍ أَوْ تَعَمُّدٍ.
قَالَ خَالِدٌ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
لَيْسَ إِيمَانًا.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ جُدْرَانًا أَيْضًا.
— هَذَا أَوَّلُ كَلَامٍ أَسْمَعُهُ مِنْ مُؤْمِنٍ لَا يُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ شَيْئًا مُعَيَّنًا.
— لِأَنَّنِي لَا أُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا مُعَيَّنًا.
أُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ صَادِقًا.
وَمَا بَعْدَ الصِّدْقِ لَيْسَ فِي يَدِي.
وَلَيْسَ فِي يَدِكَ كُلِّهِ أَيْضًا.
وَكَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْعِظَةً، وَلَا خُطْبَةً، وَلَا دِفَاعًا، شَيْءٌ يُشْبِهُ نَافِذَةً فُتِحَتْ فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ.
لَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْغُرْفَةِ قَدْ خَرَجَ.
وَلَكِنَّ الْهَوَاءَ قَدْ تَبَدَّلَ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ
السُّؤَالُ الَّذِي لَا يُجِيبُ عَنْهُ أَحَدٌ
قَالَ أَنَسٌ، لِأَنَّ الطِّفْلَ يَسْأَلُ دَائِمًا مَا يَخْشَاهُ الْكِبَارُ:
— إِذَا مَاتَ شَخْصٌ دُونَ إِيمَانٍ، فَمَاذَا يَحْدُثُ لَهُ؟
صَمَتَ الْمَجْلِسُ صَمْتًا لَيْسَ فِيهِ رَاحَةٌ وَلَا ضِيقٌ.
بَلْ شَيْءٌ أَعْمَقُ مِنْهُمَا.
كَانَ صَمْتَ مَنْ وَقَفَ عَلَى حَافَّةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ.
ثُمَّ قَالَ أبو حامد الغزالي بِبُطْءٍ، وَكَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ بِعِنَايَةٍ، كَمَا يَسِيرُ الْإِنْسَانُ فِي الضَّبَابِ:
— هَذَا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ، فَقَدْ تَجَاوَزَ مَا يَسْتَطِيعُهُ الْبَشَرُ.
— وَهَلْ هَذَا مُرِيحٌ؟
نَظَرَ الْغَزَالِيُّ إِلَى آدَمَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
— لِلْمُؤْمِنِ، قَدْ يَكُونُ مُرِيحًا؛ لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ أَعْدَلُ وَأَرْحَمُ مِمَّا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ وَصْفَهُ.
وَلِلشَّاكِّ، لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ يُرِيحُ.
لِأَنَّهُ إِجَابَةٌ تَنْطَلِقُ مِنْ إِيمَانٍ قَدْ لَا يُشَارِكُنِي فِيهِ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى آدَمَ.
— وَأَنْتَ؟
هَلْ يُرِيحُكَ أَنْ تُقَالَ لَكَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ؟
فَكَّرَ آدَمُ.
وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْإِجَابَةِ.
ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ:
— لَا.
لِأَنَّهَا تَفْتَرِضُ مَرْجِعِيَّةً لَا أَمْلِكُهَا.
لَكِنَّهَا لَا تُزْعِجُنِي.
لِأَنَّهَا، عَلَى الْأَقَلِّ، إِجَابَةٌ صَادِقَةٌ فِي حُدُودِ مَا يَعْتَقِدُهُ قَائِلُهَا.
وَالصَّادِقُ الَّذِي يَعْرِفُ حُدُودَهُ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنَ الْوَاثِقِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهَا.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ، الَّتِي قَالَهَا آدَمُ، وَهُوَ رَجُلٌ لَا يُؤْمِنُ، كَانَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْجِسْرَ.
لَيْسَ جِسْرَ الْعَوْدَةِ.
وَلَكِنَّهُ جِسْرُ الْفَهْمِ.
وَالْفَهْمُ أَحْيَانًا يَسْبِقُ الْعَوْدَةَ بِسِنِينَ.
وَفِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْخَارِجِ عَنِ الزَّمَانِ، لَمْ تُحْسَمْ أَيُّ قَضِيَّةٍ.
آدَمُ لَمْ يَعُدْ مُؤْمِنًا.
وَهِنْدٌ بَقِيَتْ فِي مَكَانٍ لَا اسْمَ لَهُ.
وَخَالِدٌ حَمَلَ أَلَمَهُ مَعَهُ.
وَلَمْ يُدَنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يُبَرَّأْ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
لِأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ الْخَارِجَ عَنِ الزَّمَانِ لَيْسَ مَحْكَمَةً.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ كُلُّهَا لَيْسَتْ مَحْكَمَةً.
إِنَّهَا فَقَطْ فَضَاءٌ يُتَاحُ فِيهِ لِكُلِّ صَوْتٍ أَنْ يُسْمَعَ.
لِأَنَّ الصَّوْتَ الَّذِي لَا يُسْمَعُ لَا يَخْتَفِي.
بَلْ يَتَرَاكَمُ.
وَمَا يَتَرَاكَمُ يَصِيرُ، يَوْمًا مَا، شَيْئًا لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ.
وَكَانَ الْأَفْضَلُ دَائِمًا أَنْ يُسْمَعَ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرَّ إِلَى الصُّرَاخِ.
خَاتِمَةٌ
يَوْمَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ
بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنَ النِّهَايَةِ.
مِنْ مَجْلِسٍ خَارِجِ الزَّمَانِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ مَنْ لَا يَجْتَمِعُونَ، وَكُلٌّ يَحْمِلُ زَمَانَهُ وَسُؤَالَهُ وَمَا وَصَلَ إِلَيْهِ أَوْ لَمْ يَصِلْ.
وَمَشَتِ الرِّوَايَةُ لِلْخَلْفِ عَبْرَ الْقُرُونِ؛ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، إِلَى بَغْدَادَ، إِلَى قُرْطُبَةَ، إِلَى الْقَاهِرَةِ وَدِمَشْقَ، إِلَى إِسْطَنْبُولَ وَتَبْرِيزَ، إِلَى زَمَنِ الْحَدَاثَةِ، ثُمَّ إِلَى الْيَوْمِ.
وَفِي كُلِّ مَحَطَّةٍ كَانَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ، بِاسْمٍ مُخْتَلِفٍ، وَوَجْهٍ مُخْتَلِفٍ، وَزَمَانٍ مُخْتَلِفٍ، يَسْأَلُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ:
كَيْفَ أَحْيَا بِمَا أُعْطِيتُ؟
سَلْمَى سَأَلَتْهُ فِي فَجْرِ الْمَدِينَةِ.
وَآدَمُ يَسْأَلُهُ فِي شَقَّةٍ فِي باريس.
وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الْمُحَاوَلَةِ.
لَمْ تَكُنِ الْمُحَاوَلَةُ كَامِلَةً.
وَلَمْ تَكُنْ نَظِيفَةً دَائِمًا.
وَلَمْ تَخْلُ مِنْ دَمٍ، وَلَا خَطَأٍ، وَلَا ظُلْمٍ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ.
وَعَدَمُ التَّوَقُّفِ، فِي مُوَاجَهَةِ كُلِّ مَا رَأَيْنَاهُ، هُوَ نَفْسُهُ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْإِجَابَةِ.
أَمَّا الْإِجَابَةُ الْكَامِلَةُ فَلَيْسَتْ هُنَا.
بَلْ هِيَ، فِي مَنْطِقِ الرِّوَايَةِ وَإِيمَانِ شَخْصِيَّاتِهَا، هُنَاكَ.
حَيْثُ الْحِسَابُ.
وَحَيْثُ يُرْفَعُ الْغِطَاءُ.
وَحَيْثُ يَلْتَقِي الْوَحْيُ الَّذِي تَوَقَّفَ بِالْإِنْسَانِ الَّذِي بَدَأَ.
وَفِي ذَلِكَ اللِّقَاءِ سَيُعْرَفُ كُلُّ شَيْءٍ.
أَمَّا هُنَا:
فَنَسْأَلُ.
وَنُحَاوِلُ.
وَنُخْطِئُ.
وَنَعُودُ.
وَنَبْنِي.
وَهَذَا، بِكُلِّ مَا فِيهِ، هُوَ مَا أُعْطِينَا.
وَهُوَ يَكْفِي.

الفجر الذي لم يُكتب بعد