الفجر الذي لم يُكتب بعد

اَلْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ: حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ — اَلْمُلْحَقُ الثَّامِنُ
اَلْفَجْرُ الَّذِي لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ
إِلَى سَلْمَى بِنْتِ الْمَخْزُومِيِّ، الَّتِي سَأَلَتِ السُّؤَالَ الْأَوَّلَ.
وَإِلَى كُلِّ مَنْ سَيَسْأَلُهُ بَعْدَهَا.
وَهُمْ كَثِيرُونَ.
وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا.
قَبْلَ الرِّوَايَةِ: مَا هَذَا الْكِتَابُ؟
هَذَا الْكِتَابُ لَيْسَ تَارِيخًا، وَإِنِ احْتَوَى تَارِيخًا.
وَلَيْسَ فِقْهًا، وَإِنْ طَرَحَ أَسْئِلَةَ الْفِقْهِ.
وَلَيْسَ نُبُوءَةً، وَإِنْ نَظَرَ إِلَى الْأَمَامِ.
هُوَ شَهَادَةٌ عَلَى رِحْلَةٍ.
رِحْلَةِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ تَسْأَلُ سُؤَالًا وَاحِدًا كَبِيرًا لَا تَنْتَهِي مِنْهُ:
كَيْفَ نَحْيَا بِمَا أُعْطِينَا؟
وَالْجَوَابُ — فِي كُلِّ جِيلٍ — مُخْتَلِفٌ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ وَاحِدٌ.
اَلْكِتَابُ الْأَوَّلُ: الْأَرْضُ
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّومِ: 30].
اَلْفَصْلُ الْأَوَّلُ: الْأَغْلَبِيَّةُ الصَّامِتَةُ
جِبَالُ الْأَطْلَسِ — سَنَةَ 489 هِجْرِيَّةً.
فِي تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي تَأَخَّرَ فِيهَا ذَوَبَانُ الثَّلْجِ حَتَّى آخِرِ الرَّبِيعِ، كَانَتْ تَافْكَنْتُ تَطْحَنُ الْحُبُوبَ.
لَمْ يَكُنِ الطَّحْنُ مُجَرَّدَ عَمَلٍ.
كَانَ إِيقَاعًا؛ صَوْتَ الْحَجَرِ عَلَى الْحَجَرِ، الَّذِي تَعَلَّمَتْهُ أُذُنُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْكَلَامَ.
وَكَانَتْ تَتْلُو وَهِيَ تَطْحَنُ قُرْآنًا بِلَهْجَةٍ فِيهَا أَثَرُ اللُّغَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ، كَأَنَّ اللِّسَانَ الَّذِي تَعَلَّمَ الْكَلَامَ بِتَمَازِيغْتَ لَا يَسْتَطِيعُ، حَتَّى حِينَ يَتْلُو الْعَرَبِيَّةَ، أَنْ يَنْسَى مِنْ أَيْنَ وُلِدَ.
لَمْ تَذْهَبْ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَلَمْ تَجْلِسْ فِي حَلْقَةِ فِقْهٍ.
وَلَمْ تَقْرَأْ كِتَابًا مَكْتُوبًا.
لَكِنَّهَا كَانَتْ تُعَلِّمُ أَطْفَالَ الْقَرْيَةِ الْقُرْآنَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَعَلَّمَتْهُ بِهَا.
جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
الْكَلِمَةُ تَنْتَقِلُ مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ، لَا مِنْ وَرَقَةٍ إِلَى وَرَقَةٍ.
جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ الْفَاسِيُّ وَهُوَ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
يَحْمِلُ كُتُبًا وَشَهَادَاتٍ، وَذَلِكَ الْحَمَاسَ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ تَعَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرِيدُ أَنْ يَرَى الدُّنْيَا مُنَقَّحَةً عَلَى ضَوْءِ مَا تَعَلَّمَ.
سَمِعَ الْقُرْآنَ يُتْلَى.
فَقَطَّبَ جَبِينَهُ.
قَالَ لِشَيْخِ الْقَرْيَةِ — وَهُوَ رَجُلٌ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِهِ، لَمْ يَتَعَلَّمِ الْفِقْهَ فِي مَدْرَسَةٍ، وَلَكِنَّهُ عَاشَ الْإِسْلَامَ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ حَتَّى صَارَتِ الْخُطْوَةُ نَفْسُهَا عِبَادَةً:
— اَلنُّطْقُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
— غَيْرُ صَحِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَاذَا؟
— بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّجْوِيدِ وَمَخَارِجِ الْحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ نَظْرَةَ مَنْ يَرَى أَنَّ الزَّائِرَ الشَّابَّ يَحْمِلُ عِلْمًا حَقِيقِيًّا، لَكِنَّهُ يَفْتَقِدُ شَيْئًا لَا يُوجَدُ فِي الْكُتُبِ.
فَقَالَ:
— وَهَلْ يَفْهَمُ اللَّهُ مَا يَقُولُونَ؟
تَوَقَّفَ عَبْدُ اللَّهِ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ فِي مَتْنِ أَيِّ كِتَابٍ تَعَلَّمَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ:
— أَنَا لَا أَقُولُ إِنَّ التَّجْوِيدَ غَيْرُ مُهِمٍّ.
أَقُولُ إِنَّ هَؤُلَاءِ النَّاسَ تَعَبَّدُوا لِلَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا.
وَأُمَّهَاتُهُمْ وَجَدَّاتُهُمْ أَسْلَمْنَ فِي جِبَالٍ لَمْ يَصِلْهَا فَقِيهٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ.
فَهَلْ تَقُولُ إِنَّ إِسْلَامَهُمْ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النُّطْقَ نَاقِصٌ؟
قَالَتْ تَافْكَنْتُ — وَكَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ:
— يَا فَقِيهُ، أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا يَقُولُونَهُ فِي فَاسٍ.
لَكِنَّنِي حِينَ أَتْلُو الْقُرْآنَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ.
— مَا هُوَ؟
— أَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا يَسْمَعُنِي.
لَا أُسَمِّيهِ دَائِمًا بِالِاسْمِ الصَّحِيحِ فِي النَّحْوِ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُهُ.
كَمَا يَعْرِفُ الطِّفْلُ صَوْتَ أُمِّهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ اسْمَهَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ.
وَكَانَتْ فِي نَظْرَتِهِ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَتَوَقَّفُ فِيهَا الْعِلْمُ عِنْدَ عَتَبَةٍ لَا يَمْلِكُ لَهَا مِفْتَاحًا.
مَكَثَ فِي الْقَرْيَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَفِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ جَاءَ إِلَى تَافْكَنْتُ وَقَالَ:
— أَنَا سَأُعَلِّمُكِ التَّجْوِيدَ إِذَا أَرَدْتِ.
— وَأَنْتَ؟
— وَأَنَا سَأَتَعَلَّمُ مِنْكِ شَيْئًا لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ.
وَكَانَ هَذَا — مِنْ رَجُلٍ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ، تَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ يُعَلِّمُ دَائِمًا — شَجَاعَةً مِنْ نَوْعٍ قَلِيلٍ فِي الْكُتُبِ، كَثِيرٍ فِي الْحَيَاةِ.
اَلْفَصْلُ الثَّانِي: إِسْلَامُ الْغَابَةِ وَالنَّهْرِ
السِّنِغَالُ — سَنَةَ 978 هِجْرِيَّةً
لِلنَّهْرِ طَرِيقَةٌ فِي الْمَشْيِ لَا تُشْبِهُ الْإِنْسَانَ.
الْإِنْسَانُ يَمْشِي وَعَيْنُهُ عَلَى الْوِجْهَةِ.
وَالنَّهْرُ يَمْشِي وَعَيْنُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
يَمْشِي وَلَا يَسْأَلُ أَيْنَ يَذْهَبُ.
فِي قَرْيَةٍ عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ السِّنِغَالِ، كَانَ عَلِيٌّ — شَيْخُ الْقَرْيَةِ — يُشْرِفُ عَلَى مَرَاسِمِ الْخِتَانِ.
الْمَرَاسِمُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ، وَذِكْرٍ، وَإِيقَاعَاتٍ أَفْرِيقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ؛ كَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَأْتِ لِيَهْدِمَ هَذَا الْبَيْتَ، بَلْ لِيُضِيفَ إِلَيْهِ طَابِقًا مَبْنِيًّا عَلَى نَفْسِ الْأَسَاسِ.
جَاءَ الْفَقِيهُ مِنَ الْمَدِينَةِ.
نَظَرَ بِعَيْنِ مَنْ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُمَيِّزُ الصَّحِيحَ مِنَ الْخَطَإِ، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يَسْمَعُ مَا وَرَاءَ مَا يَرَاهُ.
— هَذَا لَا يَجُوزُ.
الرَّقْصُ وَالْغِنَاءُ…
قَاطَعَهُ عَلِيٌّ بِالرِّفْقِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ يَثِقُ بِأَرْضِهِ:
— أَخِي الْفَقِيهُ، نَحْنُ مُسْلِمُونَ مُنْذُ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
قَبِلْنَا الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدْلِ.
وَلَمْ يَقُلْ لَنَا أَنْ نَتْرُكَ كُلَّ مَا كُنَّا عَلَيْهِ.
لَكِنَّ بَعْضَ مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ…
بَعْضُهُ ذَهَبَ.
وَالَّذِي ذَهَبَ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَذْهَبَ؛ فَقَدْ كَانَ فِيهِ ظُلْمٌ أَوْ شِرْكٌ أَوْ أَذًى لِلنَّاسِ.
وَالَّذِي بَقِيَ، نَحْنُ نَرَى فِيهِ خَيْرًا لَا شَرًّا.
تَوَقَّفَ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ صَبْرُ مَنْ شَرَحَ هَذَا كَثِيرًا، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الشَّرْحِ.
الْأُغْنِيَةُ الَّتِي تَسْمَعُهَا فِيهَا مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَالْإِيقَاعُ الَّذِي تَرَاهُ هُوَ مَا يَجْعَلُ الْقُلُوبَ تَنْفَتِحُ هُنَا.
وَمَا يَفْتَحُ الْقُلُوبَ لِلذِّكْرِ لَيْسَ حَرَامًا فِي دِينِنَا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَا عِنْدَ النَّارِ.
النَّارُ الَّتِي تُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ حِينَ يَجْلِسُونَ حَوْلَهَا.
قَالَ الْفَقِيهُ:
— أَنَا لَمْ أَرَ إِسْلَامًا هَكَذَا مِنْ قَبْلُ.
— لِأَنَّكَ رَأَيْتَ إِسْلَامَ الْمُدُنِ.
— وَنَحْنُ إِسْلَامُ الْغَابَةِ وَالنَّهْرِ.
— وَهَلْ هُمَا الشَّيْءُ نَفْسُهُ؟
فَكَّرَ عَلِيٌّ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— الْجَذْرُ وَاحِدٌ، وَالْأَوْرَاقُ مُخْتَلِفَةٌ.
وَاللَّهُ خَلَقَ الشَّجَرَةَ بِجَذْرِهَا وَأَوْرَاقِهَا مَعًا.
وَلَمْ يَطْلُبْ مِنَّا أَنْ نُقَدِّمَ لَهُ الْجَذْرَ وَحْدَهُ، وَنَحْذِفَ الْأَوْرَاقَ.
— لَكِنَّ بَعْضَ الْأَوْرَاقِ قَدْ يَكُونُ مَرِيضًا.
— وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ أَوْرَاقٍ غَيْرِهَا.
— وَالطَّبِيبُ الَّذِي يُشَخِّصُ مِنْ بَعِيدٍ يُخْطِئُ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَجْلِسُ وَيَفْحَصُ.
غَادَرَ الْفَقِيهُ بَعْدَ أُسْبُوعٍ.
وَحَمَلَ مَعَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِهِ.
لَيْسَ حُكْمًا جَدِيدًا، بَلْ سُؤَالًا جَدِيدًا.
وَكُلُّ مَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يُبَدِّلَ حُكْمًا بِسُؤَالٍ، خَطَا خُطْوَةً فِي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ.
اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ: مَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْسِمِ
جَاوَةُ — سَنَةَ 841 هِجْرِيَّةً
اَلْخُضْرَةُ هُنَا لَا تَنْتَهِي.
كَانَتْ سِيدُوَارْجُو قَرْيَةً فِي حُقُولِ الْأَرُزِّ.
وَكَانَ سُوكَارْنُو الْفَلَّاحُ الْعَادِيُّ يُعِدُّ لِمَرَاسِمِ «السَّلَامَتَانِ»؛ وَهِيَ وَلِيمَةُ السَّلَامَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الْجِيرَانَ عِنْدَ كُلِّ مُنَاسَبَةٍ.
جَاءَ الدَّاعِيَةُ مِنْ سُورَابَايَا.
وَقَدْ تَعَلَّمَ فِي مَكَّةَ سِتَّ سَنَوَاتٍ.
— «السَّلَامَتَانُ» فِيهَا عَنَاصِرُ مِنَ التُّرَاثِ الْجَاوِيِّ الْقَدِيمِ، وَيَجِبُ أَنْ تُنَقَّى مِمَّا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ سُوكَارْنُو بِهُدُوءِ رَجُلٍ وَجَدَ أَنَّ الْهُدُوءَ أَقْوَى مِنَ الِانْفِعَالِ.
— مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تُنَقِّيَ؟
— الطُّقُوسَ غَيْرَ الْإِسْلَامِيَّةِ.
— الْقُرْآنُ يَأْمُرُ بِالتَّعَاوُنِ وَالْكَرَمِ وَالذِّكْرِ.
وَ«السَّلَامَتَانُ» فِيهَا تَعَاوُنٌ؛ فَالْجِيرَانُ يَأْتُونَ وَيُسَاعِدُونَ بِلَا طَلَبٍ.
وَفِيهَا كَرَمٌ؛ فَنُطْعِمُ مَنْ لَا يَجِدُ.
وَفِيهَا ذِكْرٌ؛ فَنَتْلُو الْقُرْآنَ وَنُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ — بِذَلِكَ السُّؤَالِ الدَّقِيقِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّعُهُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى فَلَّاحٍ بَسِيطٍ:
— مَا الَّذِي تُرِيدُ إِزَالَتَهُ بِالتَّحْدِيدِ؟
أَشَارَ الدَّاعِيَةُ إِلَى أَشْيَاءَ؛ مِنْهَا طَرِيقَةُ وَضْعِ الْأَطْبَاقِ، وَبَعْضُ الْأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ، وَبَعْضُ الْإِيمَاءَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ.
قَالَ سُوكَارْنُو:
— هَذِهِ عَادَاتٌ، لَا عِبَادَاتٌ.
وَالتَّوَارُثُ الثَّقَافِيُّ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ عِبَادَةً.
— أَنْتَ تُعَلِّمُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَعَلَّمْتَهَا، وَهَذَا أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ التَّوَارُثِ.
— وَلَكِنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ فِي أَنَّ شَيْئًا يُتَوَارَثُ.
إِنَّمَا الْفَرْقُ فِيمَا يَعْنِيهِ هَذَا التَّوَارُثُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَحْمِلُونَهُ.
قَالَ هَاشِمٌ — الرَّجُلُ الَّذِي حَجَّ إِلَى مَكَّةَ وَعَادَ، فَلَمْ يَعُدْ يَرَى نَفْسَهُ كَمَا كَانَ:
— أَنَا رَأَيْتُ مَكَّةَ.
وَأَحْبَبْتُ إِسْلَامَهَا.
لَكِنَّنِي حِينَ عُدْتُ أَحْبَبْتُ إِسْلَامَنَا هُنَا أَيْضًا.
لَيْسَ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
بَلْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعِيشُ فِي أَرْضِهِ وَزَمَانِهِ.
— لَكِنَّ الْإِسْلَامَ وَاحِدٌ.
— الْإِيمَانُ وَاحِدٌ.
وَالشَّعَائِرُ الْأَسَاسِيَّةُ وَاحِدَةٌ.
وَاللَّهُ وَاحِدٌ.
— لَكِنَّ طَرِيقَةَ الْإِنْسَانِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا الْوَاحِدِ تَتَشَكَّلُ بِمَا حَوْلَهُ؛ بِلُغَتِهِ، وَبِأَرْضِهِ، وَبِتَارِيخِ قَلْبِهِ.
وَهَذَا لَيْسَ ضَعْفًا فِي الْإِيمَانِ.
بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَدْخُلُ الْقُلُوبَ كَمَا هِيَ، لَا كَمَا يُرِيدُ مَنْ يُبَلِّغُهُ.
اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ: الدَّوَرَانُ
قُونِيَةُ — الْأَنَاضُولُ، الْقَرْنُ التَّاسِعُ الْهِجْرِيُّ
قُونِيَةُ مَدِينَةٌ تَعِيشُ الزَّمَنَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
اَلزَّمَنُ فِيهَا لَا يَمْضِي أُفُقِيًّا.
بَلْ يَذْهَبُ نَحْوَ الْأَعْمَقِ.
كَانَ نُعْمَانُ الدَّرْوِيشُ — وَهُوَ رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ، لِحْيَتُهُ بَيْضَاءُ بَيَاضًا نَقِيًّا — يَدُورُ فِي حَلَقَاتِ الذِّكْرِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
فَسَأَلَهُ فَقِيهٌ قَادِمٌ مِنْ إِسْطَنْبُولَ:
— مَاذَا تَشْعُرُ حِينَ تَدُورُ؟
تَوَقَّفَ نُعْمَانُ.
وَكَانَ التَّوَقُّفُ نَفْسُهُ إِجَابَةً.
— أَشْعُرُ أَنَّنِي أَصْغَرُ مِنْ نَفْسِي.
— مَاذَا تَعْنِي؟
— أَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا أَحْمِلُهُ مِنْ أَفْكَارٍ، وَأَحْكَامٍ، وَخَوْفٍ، وَغُرُورٍ يَذْهَبُ.
وَيَبْقَى شَيْءٌ.
لَا أَعْرِفُ اسْمَهُ.
لَكِنَّهُ يُشْبِهُ مَا قَبْلَ الْكَلَامِ.
تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْقَلْبُ حَاضِرًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْكَلَامُ لِيَصِفَهُ وَيُضَيِّقَهُ.
— وَهَلْ هَذَا إِسْلَامٌ؟
— الْإِسْلَامُ يَعْنِي الِاسْتِسْلَامَ.
وَحِينَ تَدُورُ لَا تَسْتَطِيعُ إِلَّا الِاسْتِسْلَامَ.
وَفِي النِّهَايَةِ لِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْكَ، كَانَ هُنَاكَ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ.
قَالَ الْفَقِيهُ:
— أَنَا لَا أَفْهَمُ هَذَا تَمَامًا.
— وَأَنَا لَا أَفْهَمُ كَيْفَ تُنَظَّمُ الصَّلَاةُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ الدَّقِيقِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ.
لَكِنَّنِي أَرَى فِيهَا جَمَالًا لَا أُنْكِرُهُ.
وَإِذَا أَنْكَرْتَ أَنْتَ مَا أَفْعَلُ، فَرُبَّمَا كَانَ السَّبَبُ أَنَّنَا نَصِلُ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى الِاتِّجَاهِ نَفْسِهِ.
وَالِاتِّجَاهُ يَجْمَعُنَا، حَتَّى حِينَ يَخْتَلِفُ الطَّرِيقُ.
اَلْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَقْدَمُ مِنَ السَّجَّادَةِ
مِصْرُ — الرِّيفُ، الْقَرْنُ الثَّانِي عَشَرَ الْهِجْرِيُّ
اَلشَّمْسُ فِي الرِّيفِ الْمِصْرِيِّ ثَقِيلَةٌ.
ثِقَلٌ لَا يُحَسُّ إِلَّا حِينَ يَقِفُ الْإِنْسَانُ تَحْتَهَا فِي الْحَقْلِ.
كَانَ حَمُّودُ الْفَلَّاحُ يَحْصُدُ قَمْحَهُ.
وَحِينَ جَاءَ وَقْتُ الْعَصْرِ، تَوَقَّفَ.
وَضَعَ الْمِنْجَلَ.
وَاتَّجَهَ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.
لَمْ تَكُنْ مَعَهُ سَجَّادَةٌ.
وَلَا مَاءٌ لِلْوُضُوءِ.
فَتَيَمَّمَ بِضَرْبَةٍ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي الْفِقْهِ.
لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّ الدِّينَ لَمْ يَأْتِ لِيُعَسِّرَ، بَلْ لِيُيَسِّرَ.
صَلَّى.
وَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ الرَّطْبَةِ فِي الْحَقْلِ.
مَرَّ بِهِ ابْنُ أَخِيهِ، وَهُوَ طَالِبُ عِلْمٍ عَادَ تَوًّا مِنَ الْأَزْهَرِ.
فَقَالَ:
— يَا عَمِّي، الصَّلَاةُ فِي الطِّينِ…
قَالَ حَمُّودُ، دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْحِصَادِ:
— الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ.
هَذَا مَا عَلَّمَتْنِي إِيَّاهُ أُمِّي.
وَاللَّهُ يَعْرِفُ قَلْبِي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْرِفُهُ أَنَا.
فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِي خَيْرٌ قُبِلَ عَمَلِي.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَنْ تُنْقِذَنِي السَّجَّادَةُ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً.
وَنَظَرَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ.
ثُمَّ قَالَ:
— اذْهَبْ إِلَى الْأَزْهَرِ وَتَعَلَّمِ الْآدَابَ.
وَلَا تَنْسَ أَنَّ الْأَدَبَ الْأَوَّلَ هُوَ أَنْ تَعْرِفَ مَتَى تَتَكَلَّمُ، وَمَتَى تَسْمَعُ.
اَلْفَصْلُ السَّادِسُ: الْمَجْلِسُ الْأَوَّلُ
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ
اجْتَمَعُوا.
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَكْتُبُوا.
الَّذِينَ كَانَ الْإِسْلَامُ فِيهِمْ، لَا فِي كُتُبِهِمْ.
تَافْكَنْتُ الْأَمَازِيغِيَّةُ الَّتِي حَفِظَتِ الْقُرْآنَ بِلَهْجَتِهَا.
وَعَلِيٌّ شَيْخُ الْقَرْيَةِ السِّنِغَالِيَّةِ.
وَسُوكَارْنُو الْفَلَّاحُ الْجَاوِيُّ.
وَنُعْمَانُ الدَّرْوِيشُ الْأَنَاضُولِيُّ.
وَحَمُّودُ الْفَلَّاحُ الْمِصْرِيُّ.
وَأَمِينَةُ الْخَبَّازَةُ، الَّتِي خَبَزَتْ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَلَمْ تَسْأَلْ أَحَدًا عَنْ مَذْهَبِهِ.
وَضِرَارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، الْحَارِسُ الْقَدِيمُ الَّذِي كَانَ يَعِيشُ الْإِسْلَامَ فِي خُطُوَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ.
وَبِجَانِبِهِمْ — لِلْمَرَّةِ الْأُولَى — جَلَسَ الْعُلَمَاءُ يَسْتَمِعُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ.
قَالَتْ تَافْكَنْتُ:
— اللَّهُ قَرِيبٌ.
لَا يَحْتَاجُ وَسِيطًا.
وَهَذَا مَا عَلَّمَنَا إِيَّاهُ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَنَا.
كَانَ الْقُرْبُ هُوَ الرِّسَالَةَ.
قَالَ حَمُّودُ:
— وَالْإِسْلَامُ هُوَ مَا نَعِيشُهُ.
فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَالْحِصَادِ وَالْمَطَرِ.
اللَّهُ حَاضِرٌ فِي الطِّينِ، كَمَا هُوَ حَاضِرٌ فِي الْمَسْجِدِ.
وَمَنْ لَا يَرَاهُ هُنَاكَ، أَشُكُّ أَنَّهُ يَرَاهُ هُنَا.
قَالَ أبو حنيفة النعمان — وَكَانَ يَسْتَمِعُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ:
— أَنَا بَنَيْتُ الْفِقْهَ لِلنَّاسِ.
وَأَظُنُّ أَنَّنِي فَهِمْتُ ذَلِكَ.
لَكِنَّنِي أَرَى الْآنَ أَنَّ بَعْضَ مَا بَنَيْتُهُ لَمْ يَصِلْهُمْ.
وَصَلَتِ الْأَحْكَامُ.
أَمَّا الرُّوحُ الَّتِي بُنِيَتْ بِهَا تِلْكَ الْأَحْكَامُ؛ رُوحُ الْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْوَاقِعِيَّةِ، فَهَذِهِ أَحْيَانًا ضَاعَتْ فِي الطَّرِيقِ.
قَالَتْ تَافْكَنْتُ:
— وَلَمْ تَضِعْ عِنْدَنَا.
لِأَنَّنَا لَمْ نَأْخُذْهَا مِنَ الْكُتُبِ.
أَخَذْنَاهَا مِنَ الْحَيَاةِ.
وَالْحَيَاةُ لَا تُضَيِّعُ رُوحَ مَا تَحْمِلُهُ.
قَدْ تُضَيِّعُ أَحْيَانًا الشَّكْلَ، وَلَكِنَّهَا تَحْفَظُ الْجَوْهَرَ.
اَلْكِتَابُ الثَّانِي: السُّؤَالُ
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فُصِّلَتْ: 53].
اَلْفَصْلُ السَّابِعُ: حِينَ جَاءَ دَارْوِينُ
الْقَاهِرَةُ — سَنَةَ 1300 هِجْرِيَّةً
فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَانَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى يَعِيشُ مُشْكِلَةً لَيْسَتْ فِي الْفِقْهِ.
كَانَتْ مُشْكِلَتُهُ ابْنَهُ.
مَحْمُودٌ — وَعُمْرُهُ تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا — كَانَ يَعُودُ كُلَّ يَوْمٍ بِأَسْئِلَةٍ لَمْ تُطْرَحْ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْبَيْتِ.
فِي مَسَاءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَمْسِيَاتِ، قَالَ:
— يَا أَبِي، قَرَأْنَا الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ اسْمُهُ التَّطَوُّرُ.
لَمْ يُجِبِ الشَّيْخُ فَوْرًا.
وَضَعَ الْكِتَابَ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَمَاذَا قَالُوا لَكُمْ؟
— قَالَ الْمُعَلِّمُ إِنَّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةَ تَطَوَّرَتْ مِنْ أَشْكَالٍ أَبْسَطَ.
وَإِنَّ الْإِنْسَانَ…
تَوَقَّفَ.
فَقَالَ الشَّيْخُ:
— الْإِنْسَانُ لَيْسَ قِرْدًا.
فَذَهَبَ مَحْمُودٌ إِلَى غُرْفَتِهِ.
وَجَلَسَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى وَحْدَهُ.
وَكَانَ يَعْرِفُ — فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ حَتَّى لِنَفْسِهِ — أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي أَعْطَاهُ لَمْ يَكُنْ إِجَابَةً.
بَلْ كَانَ إِغْلَاقًا لِلْبَابِ.
وَإِغْلَاقُ الْبَابِ وَالسُّؤَالُ خَلْفَهُ يَجْعَلُ السُّؤَالَ يَكْبُرُ فِي الظَّلَامِ.
فِي الْمَسَاءِ، أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى جَمِيلِ أَفَنْدِي.
وَهُوَ مُعَلِّمٌ قَرَأَ الْفَرَنْسِيَّةَ، وَعَادَ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَا بِيَقِينٍ جَدِيدٍ يَحِلُّ مَحَلَّ يَقِينِهِ الْقَدِيمِ، بَلْ بِقُدْرَةٍ عَلَى الْجُلُوسِ مَعَ أَكْثَرَ مِنْ يَقِينٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
جَاءَ جَمِيلٌ.
وَجَاءَتْ مَعَهُ نُورٌ — ابْنَةُ أَخِيهِ، وَعُمْرُهَا عِشْرُونَ سَنَةً، تَقْرَأُ كُلَّ مَا تَجِدُهُ.
جَلَسُوا.
قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى:
— هَذِهِ الْفِكْرَةُ.
هَلْ تَتَعَارَضُ مَعَ الْقُرْآنِ؟
قَالَ جَمِيلٌ:
— السُّؤَالُ الْأَدَقُّ هُوَ:
هَلْ «خَلَقَ مِنْ تُرَابٍ» يَعْنِي خَلْقًا فَوْرِيًّا؟
أَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ أَنَّ الْأَصْلَ مِنَ التُّرَابِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ؟
كَمَا أَنَّ الشَّجَرَةَ تَأْتِي مِنَ الْبَذْرَةِ، وَالطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ لَحْظَةً، بَلْ عُمْرًا.
قَالَ الشَّيْخُ:
— أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا بَابًا.
فَحِينَ نَفْتَحُهُ، تَدْخُلُ مِنْهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ.
مَنْ يَضْمَنُ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ؟
قَالَتْ نُورٌ:
— وَأَنَا أَخْشَى عَكْسَ ذَلِكَ.
أَخْشَى أَنْ يُغْلَقَ الْبَابُ، فَيَجِدَ الْمُسْلِمُ الشَّابُّ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى الِاخْتِيَارِ:
إِمَّا الْعِلْمُ وَإِمَّا الْإِيمَانُ.
وَقَدِ اخْتَارَ كَثِيرُونَ الْعِلْمَ وَتَرَكُوا الْإِيمَانَ، لَا لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ.
بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُرِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَايَشَا.
اَلْفَصْلُ الثَّامِنُ: لَيْسَ دَارْوِينَ وَحْدَه
بَعْدَ جِيلٍ، كَانَتْ سَارَةُ تُحَاضِرُ.
أَمَامَهَا طُلَّابٌ مِنْ تَخَصُّصَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: طِبٌّ، وَهَنْدَسَةٌ، وَفَلْسَفَةٌ، وَإِلَهِيَّاتٌ.
كُلُّ وَاحِدٍ يَحْمِلُ سُؤَالًا مِنْ تَخَصُّصِهِ، وَيَبْحَثُ عَنِ الْإِجَابَةِ فِي مَكَانٍ آخَرَ.
قَالَتْ:
— دَعُونَا لَا نَتَكَلَّمْ عَنْ دَارْوِينَ فَقَطْ.
دَعُونَا نَتَكَلَّمْ عَنْ كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الْعِلْمُ الْحَدِيثُ وَطَرَحَهُ أَمَامَ الْمُؤْمِنِ.
التطوّر والخلق
• التَّطَوُّرُ يَصِفُ الْكَيْفِيَّةَ، وَالْإِيمَانُ يَصِفُ الْغَايَةَ وَالْمَصْدَرَ.
• «كَيْفَ» وَ«لِمَاذَا» سُؤَالَانِ مُخْتَلِفَانِ تَمَامًا.
• الْمُشْكِلَةُ حِينَ يَدَّعِي أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالِ الْآخَرِ.
الكون وعمره
• الْقُرْآنُ لَمْ يُحَدِّدْ عُمْرَ الْكَوْنِ.
• وَالَّذِي حَدَّدَهُ، حَدَّدَهُ مِنْ تَفْسِيرَاتٍ بَشَرِيَّةٍ لِلنَّصِّ.
• وَالتَّفْسِيرُ الْبَشَرِيُّ قَابِلٌ لِلْمُرَاجَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَيْسَتْ طَعْنًا فِي النَّصِّ، بَلْ هِيَ أَمَانَةٌ أَمَامَهُ.
اللاوعي وفرويد
• كَوْنُ الْإِيمَانِ لَهُ تَفْسِيرٌ نَفْسِيٌّ لَا يَعْنِي أَنَّهُ وَهْمٌ.
• الْحُبُّ لَهُ تَفْسِيرٌ نَفْسِيٌّ وَبِيُولُوجِيٌّ، وَهَذَا لَا يَجْعَلُهُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.
الذكاء الاصطناعيّ
• مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ إِنْسَانًا؟
• إِذَا اسْتَطَاعَتِ الْآلَةُ أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ، فَمَا الَّذِي يَتَبَقَّى لِلرُّوحِ؟
• هَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ لَهُ جَوَابٌ فِقْهِيٌّ جَاهِزٌ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ كُتِبَتِ الْأَجْوِبَةُ الْجَاهِزَةُ.
الطالب الذي طلب جوابًا
رَفَعَ طَالِبٌ يَدَهُ:
— أُسْتَاذَةُ، أَنْتِ لَا تُجِيبِينَ.
— صَحِيحٌ.
— لِمَاذَا؟
— لِأَنَّ الْإِجَابَةَ السَّرِيعَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ أَخْطَرُ مِنَ الصَّمْتِ.
— الصَّمْتُ يُبْقِيكَ فِي السُّؤَالِ.
— وَالْجَوَابُ السَّرِيعُ يُخْرِجُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ لَمْ تَنْضُجْ فِيهِ.
اَلْفَصْلُ التَّاسِعُ: الطَّبِيبُ
مُسْتَشْفًى جَامِعِيٌّ — زَمَنٌ مُعَاصِرٌ
أَحْمَدُ الطَّبِيبُ لَمْ يَكُنْ يُخَطِّطُ أَنْ يُصْبِحَ فَيْلَسُوفًا.
كَانَ يُخَطِّطُ أَنْ يُصْبِحَ طَبِيبَ أَعْصَابٍ.
وَصَارَ.
لَكِنَّ الدِّمَاغَ لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مُجَرَّدَ كُتْلَةٍ رَمَادِيَّةٍ مِنَ الْخَلَايَا.
أَوْ هَكَذَا شَعَرَ.
وَحِينَ يَشْعُرُ طَبِيبٌ بِشَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُ قِيَاسَهُ بِأَدَوَاتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَجَاهَلَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُ.
وَأَحْمَدُ لَمْ يَسْتَطِعْ تَجَاهُلَهُ.
اَلْمَرِيضُ الْأَوَّلُ الَّذِي زَعْزَعَ يَقِينَهُ كَانَ رَجُلًا فِي الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ، دَخَلَ فِي غِيبُوبَةٍ إِثْرَ حَادِثٍ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَادَ.
وَقَالَ إِنَّهُ رَأَى أُمَّهُ.
كَانَتْ أُمُّهُ قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ إِنَّهَا قَالَتْ لَهُ: ارْجِعْ، لَيْسَ الْوَقْتُ بَعْدُ.
كَتَبَ أَحْمَدُ فِي مَكْتَبِهِ:
مَا الَّذِي حَدَثَ؟ الدِّمَاغُ فِي الْغِيبُوبَةِ يُنْتِجُ أَحْيَانًا تَجَارِبَ، وَهَذَا مُوَثَّقٌ. لَكِنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ رَأَى ضَوْءًا أَوْ شَعَرَ بِسَلَامٍ؛ بَلْ قَالَ إِنَّهُ رَأَى أُمَّهُ بِالتَّحْدِيدِ. الِاحْتِمَالُ الْعِلْمِيُّ مَوْجُودٌ. لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ لَا أَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهُ، وَلَا أَسْتَطِيعُ نَفْيَهُ. وَأَنَا طَبِيبٌ أَمِينٌ، وَأَمَانَتِي تَقْتَضِي أَلَّا أَدَّعِيَ نَفْيًا لَا أَمْلِكُ دَلِيلَهُ.
في الندوة
فِي النَّدْوَةِ تَكَلَّمَ أَحْمَدُ:
— فِي غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ أَرَى الدِّمَاغَ؛ خَلَايَا عَصَبِيَّةً، وَاتِّصَالَاتٍ كَهْرَبَائِيَّةً، وَكِيمْيَاءً دَقِيقَةً.
وَأَرَى مَرِيضًا يَعُودُ إِلَى الْوَعْيِ وَيَقُولُ إِنَّهُ رَأَى شَيْئًا.
وَالْعِلْمُ يَقُولُ: لَا نَعْرِفُ تَمَامًا.
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
وَأَنَا فِي دَاخِلِي أَسْمَعُ شَيْئًا آخَرَ حِينَ أَرَاهُ؛ شَيْئًا لَا يُتَرْجَمُ إِلَى بْرُوتُوكُولٍ عِلْمِيٍّ. أَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا تُحِيطُ بِهِ أَجْهِزَةُ الْقِيَاسِ. وَالطَّبِيبُ الَّذِي يَتَجَاهَلُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ قِيَاسَهُ لَيْسَ أَمِينًا لِمِهْنَتِهِ؛ بَلْ هُوَ يُضَيِّقُ الطِّبَّ لِيُنَاسِبَ أَدَوَاتَهُ.
اَلْفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْمَجْلِسُ الثَّانِي
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ
اجْتَمَعُوا — هَذِهِ الْمَرَّةَ — مِنْ زَمَانَيْنِ.
ابن رشد الَّذِي قَالَ إِنَّ الْعَقْلَ وَالْوَحْيَ لَا يَتَعَارَضَانِ.
وَأبو حامد الغزالي الَّذِي قَالَ إِنَّ الْعَقْلَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، وَقَالَهَا بَعْدَ أَنْ أَتْقَنَ الْعَقْلَ.
وَابن سينا الطَّبِيبُ الْفَيْلَسُوفُ الْمُتَصَوِّفُ.
وَالشَّيْخُ مُصْطَفَى الْفَقِيهُ الَّذِي يَخَافُ، وَخَوْفُهُ صَادِقٌ.
وَجَمِيلُ أَفَنْدِي الْمُعَلِّمُ.
وَنُورٌ الَّتِي تَرْفُضُ الِانْشِقَاقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
وَسَارَةُ الْفَقِيهَةُ.
وَأَحْمَدُ الطَّبِيبُ الَّذِي يَعْرِفُ الدِّمَاغَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ الْأَجْهِزَةَ لَا تُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ سِينَا:
— الطِّبُّ يُرِيكَ الْجَسَدَ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَالْقَانُونُ الَّذِي يَحْكُمُهُ لَا يَعْنِي غِيَابَ الْخَالِقِ.
بَلْ يَعْنِي أَنَّ الْخَالِقَ أَجْرَى الْأَشْيَاءَ عَلَى سُنَنٍ مُنْتَظِمَةٍ.
وَالِانْتِظَامُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْغِيَابِ.
بَلْ هُوَ أَحَدُ وُجُوهِ الْعَظَمَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ مُصْطَفَى:
— لَكِنَّ التَّطَوُّرَ يَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ جَاءَ مُصَادَفَةً.
قَالَ ابْنُ سِينَا:
— لَا.
نَظَرِيَّةُ التَّطَوُّرِ تَصِفُ الْعَمَلِيَّةَ الْبِيُولُوجِيَّةَ.
أَمَّا هَلْ هِيَ مُصَادَفَةٌ أَمْ ذَاتُ غَايَةٍ، فَهَذَا سُؤَالٌ فَلْسَفِيٌّ وَلَاهُوتِيٌّ.
وَلَا تُجِيبُ عَنْهُ النَّظَرِيَّةُ نَفْسُهَا.
وَحِينَ يَدَّعِي عَالِمُ الْأَحْيَاءِ أَنَّهُ يُجِيبُ عَنْهُ، فَهُوَ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ أَدَاتِهِ.
قَالَ جَمِيلُ أَفَنْدِي:
— وَدَارْوِينُ نَفْسُهُ لَمْ يَجْعَلْ نَظَرِيَّتَهُ بُرْهَانًا عَلَى نَفْيِ الْإِلَهِ.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ هَذَا يَعْنِي: «لَا إِلَهَ»، فَقَدْ أَضَافَ عَلَى دَارْوِينِ مَا لَمْ يَقُلْهُ.
قَالَتْ نُورٌ:
— حِينَ وَجَدْتُ التَّعَارُضَ الْأَوَّلَ، شَعَرْتُ بِأَزْمَةٍ.
وَوَقَفْتُ فِي الْمُنْتَصَفِ سَنَوَاتٍ.
حَتَّى وَجَدْتُ أَنَّ الْقُرْآنَ، حِينَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْخَلْقِ، يَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ الْإِعْجَابِ وَالْمَعْنَى، لَا بِلُغَةِ التَّفَاصِيلِ الْعِلْمِيَّةِ.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾.
هَذِهِ جُمْلَةُ مَعْنًى وَجَمَالٍ.
وَلَيْسَتْ مُعَادَلَةً عِلْمِيَّةً.
وَحِينَ أَقْرَؤُهَا هَكَذَا، لَا أَرَى تَعَارُضًا مَعَ أَيِّ عِلْمٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ:
— حُدُودُ الْعَقْلِ لَيْسَتْ إِنْكَارًا لِلْعَقْلِ.
بَلْ هِيَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ أَشْيَاءَ لَا يُحِيطُ بِهَا كُلُّ إِدْرَاكٍ بَشَرِيٍّ.
وَهَذَا الِاعْتِرَافُ أَمَانَةٌ فِكْرِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فَضِيلَةً دِينِيَّةً.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— الْإِيمَانُ الَّذِي يَرَى الدَّلِيلَ وَيَتَجَدَّدُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يُغْلِقُ عَيْنَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَرَى مَا يُزْعِجُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ الطَّبِيبُ:
— فِي الطِّبِّ نَقُولُ: غِيَابُ الدَّلِيلِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْغِيَابِ.
— وَهَذَا لَا يُثْبِتُ وُجُودَ اللَّهِ بِالطَّرِيقَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
وَلَا يَنْفِيهِ بِالطَّرِيقَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
وَالْعِلْمُ، إِذَا كَانَ أَمِينًا، يَعْتَرِفُ بِحُدُودِهِ.
وَاعْتِرَافُهُ هَذَا لَيْسَ ضَعْفًا.
بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ أَمَانَتِهِ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— بَدَلًا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ: هَلِ الْعِلْمُ يَتَعَارَضُ مَعَ الْإِيمَانِ؟
لِنَسْأَلْ: مَاذَا يُضِيفُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ؟
الْعِلْمُ يُضِيفُ إِلَى الْإِيمَانِ التَّوَاضُعَ.
فَكُلَّمَا اكْتَشَفَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ، رَأَى أَنَّ مَا لَا يَعْرِفُهُ أَوْسَعُ مِمَّا يَعْرِفُهُ.
وَالتَّوَاضُعُ أَمَامَ الْمَجْهُولِ قَرِيبٌ مِنَ التَّوَاضُعِ أَمَامَ اللَّهِ.
وَالْإِيمَانُ يُضِيفُ إِلَى الْعِلْمِ السُّؤَالَ الَّذِي لَا يُجِيبُ عَنْهُ الْعِلْمُ بِذَاتِهِ:
لِمَاذَا نَفْعَلُ مَا نَفْعَلُ؟
وَمَا الْغَايَةُ؟
الْعِلْمُ يُرِيكَ كَيْفَ تَصْنَعُ أَدَاةً قَوِيَّةً.
أَمَّا الْقِيَمُ فَتَسْأَلُكَ: كَيْفَ وَفِيمَ تَسْتَعْمِلُهَا؟
اَلْكِتَابُ الثَّالِثُ: الطَّرِيقُ
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: 105].
اَلْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ: تَشْخِيصُ الْجُرْحِ
الْقَاهِرَةُ — فِي زَمَنٍ قَرِيبٍ
اجْتَمَعُوا فِي مُؤْتَمَرٍ لَمْ يُعْلَنْ عَنْهُ فِي الصُّحُفِ.
لَا لِأَنَّهُ سِرِّيٌّ.
بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي تُعْلِنُ عَنْهُ الصُّحُفُ.
كَانُوا سَبْعَةً:
شَيْخٌ أَزْهَرِيٌّ فِي السِّتِّينَ.
وَفَقِيهَةٌ فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
وَمُهَنْدِسٌ فِي الثَّلَاثِينَ يَطْرَحُ أَسْئِلَةً لَا يَجِدُ لَهَا إِجَابَاتٍ.
وَطَبِيبٌ يَعْمَلُ فِي مُسْتَشْفًى لِمَنْ لَا يَمْلِكُونَ تَأْمِينًا.
وَمُعَلِّمَةٌ فِي رِيفِ صَعِيدِ مِصْرَ.
وَشَابٌّ نَشَرَ مَقَالًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، فَقَرَأَهُ مِلْيُونُ شَخْصٍ.
وَفَقِيهٌ مِنْ إندونيسيا لَمْ يَزُرْ مِصْرَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَجِدْ فِيهَا مَا تَوَقَّعَهُ.
قَالَتْ سَارَةُ — وَكَانَتْ تُدِيرُ الْجَلْسَةَ بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ الْإِنْصَاتَ أَكْثَرَ مِمَّا تُشْبِهُ الْإِدَارَةَ:
— قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، يَجِبُ أَنْ نُسَمِّيَ الْجُرْحَ بِدِقَّةٍ.
— فَالْعِلَاجُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى تَشْخِيصٍ خَاطِئٍ يَزِيدُ الْجُرْحَ عُمْقًا.
اَلْجُرْحُ الْأَوَّلُ: الْفَجْوَةُ بَيْنَ النَّصِّ وَالْمُؤَسَّسَةِ
قَالَ الشَّيْخُ الْأَزْهَرِيُّ:
— الْوَحْيُ اكْتَمَلَ.
أَمَّا الْمُؤَسَّسَاتُ الَّتِي تَحْمِلُهُ فَلَمْ تَكْتَمِلْ، وَلَنْ تَكْتَمِلَ أَبَدًا.
لِأَنَّهَا مُؤَسَّسَاتٌ بَشَرِيَّةٌ فِي زَمَانٍ بَشَرِيٍّ.
الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي النَّصِّ.
الْمُشْكِلَةُ فِي الِادِّعَاءِ أَنَّ الْمُؤَسَّسَةَ تُسَاوِي النَّصَّ.
وَحِينَ تُقَدَّسُ الْمُؤَسَّسَةُ، يَصْعُبُ نَقْدُهَا وَمُرَاجَعَتُهَا.
وَمَا لَا يُرَاجَعُ يَتَحَجَّرُ.
وَمَا يَتَحَجَّرُ يَتَكَسَّرُ حِينَ تَضْغَطُ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ.
اَلْجُرْحُ الثَّانِي: الْهُوِيَّةُ كَقَفَصٍ
قَالَتِ الْفَقِيهَةُ:
— الْهُوِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَجَلِّيَاتِهَا الْمُعَاصِرَةِ تَحَوَّلَتْ مِنْ مَصْدَرِ طَاقَةٍ إِلَى مَصْدَرِ دِفَاعٍ.
وَحِينَ تَصِيرُ الْهُوِيَّةُ دِفَاعًا، تُضَيِّقُ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَفْتَحَ.
وَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُ هُوِيَّتَهُ خَوْفًا مِنْ فَقْدَانِهَا يَخْتَلِفُ جَوْهَرِيًّا عَمَّنْ يَحْمِلُهَا ثِقَةً بِمَا تَمْنَحُهُ.
اَلْجُرْحُ الثَّالِثُ: غِيَابُ النَّمُوذَجِ الْحَيِّ
قَالَ الْمُهَنْدِسُ:
— أَنْتَجَ الْإِسْلَامُ فِي تَارِيخِهِ نَمَاذِجَ عَظِيمَةً.
لَكِنَّ النَّمُوذَجَ الْحَيَّ الْمُعَاصِرَ، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْعَمِيقِ وَالْعَقْلِ الْمُنْفَتِحِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفَاعِلَةِ فِي بِنَاءِ عَالَمِهِ، مَوْجُودٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُرَى كَفَايَةً.
وَالْإِعْلَامُ يُظْهِرُ الْمُتَطَرِّفَ.
وَالْأَكَادِيمِيُّ يَدْرُسُ الْأَزْمَةَ.
أَمَّا النَّمُوذَجُ الْحَيُّ الْهَادِئُ فَيَعِيشُ وَيَبْنِي، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَحَدٌ.
اَلْجُرْحُ الرَّابِعُ: التَّعْلِيمُ الَّذِي يُنْتِجُ التَّبَعِيَّةَ
قَالَتِ الْمُعَلِّمَةُ:
— مُعْظَمُ مَا يُسَمَّى تَعْلِيمًا دِينِيًّا الْيَوْمَ يُنْتِجُ مُتَلَقِّينَ لَا مُفَكِّرِينَ.
يُنْتِجُ مَنْ يَحْفَظُ وَيُرَدِّدُ، لَا مَنْ يَسْأَلُ وَيَبْنِي.
وَمَنْ يُعَلَّمْ عَلَى التَّبَعِيَّةِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُوَاطَنَةَ الْحَقِيقِيَّةَ.
لِأَنَّ الْمُوَاطَنَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ يَعْرِفُ لِمَاذَا يَخْتَارُ.
اَلْجُرْحُ الْخَامِسُ: الِانْفِصَالُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْفِعْلِ
قَالَ الطَّبِيبُ:
— كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُعَاصِرِينَ يُؤْمِنُونَ فِي الْخَاصِّ، وَيَعِيشُونَ فِي الْعَامِّ بِمَعَايِيرَ لَا صِلَةَ لَهَا بِإِيمَانِهِمْ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ نِفَاقًا بِالْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ دَائِمًا.
بَلْ قَدْ يَكُونُ نَتِيجَةَ غِيَابِ الْجِسْرِ بَيْنَ مَا يُعْتَقَدُ وَمَا يُبْنَى.
وَالدِّينُ الَّذِي لَا يُتَرْجَمُ إِلَى طَرِيقَةٍ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْجَارِ، وَالْعَمَلِ، وَالطَّبِيعَةِ، وَالْمُخْتَلِفِ، يَصِيرُ طَقْسًا.
وَالطَّقْسُ يُؤَدَّى، وَلَكِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ.
اَلْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ: الْمَبَادِئُ الْخَمْسَةُ
بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ — ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ تَشْخِيصٍ صَعْبٍ — قَالَتْ سَارَةُ:
— الْآنَ نَسْأَلُ:
مَا الَّذِي يُمْكِنُ بِنَاؤُهُ؟
اَلْمَبْدَأُ الْأَوَّلُ: التَّمْيِيزُ — الْفَرِيضَةُ الْمَنْسِيَّةُ
قَالَ الشَّيْخُ الْأَزْهَرِيُّ:
— التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا هُوَ وَحْيٌ، وَمَا هُوَ تَفْسِيرٌ بَشَرِيٌّ لِلْوَحْيِ.
وَبَيْنَ مَا هُوَ ثَابِتٌ، وَمَا هُوَ مُتَغَيِّرٌ بِتَغَيُّرِ السِّيَاقِ.
وَبَيْنَ مَا هُوَ دِينٌ، وَمَا هُوَ ثَقَافَةٌ تَلَبَّسَتْ بِالدِّينِ.
هَذَا التَّمْيِيزُ لَيْسَ تَشْكِيكًا فِي الدِّينِ.
بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ تِجَاهَهُ.
لِأَنَّ الْخَلْطَ بَيْنَ الْوَحْيِ وَالتَّفْسِيرِ يُقَدِّسُ مَا لَا يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيسَ، وَيُهِينُ مَا يَسْتَحِقُّ الِاحْتِرَامَ.
— وَيَعْنِي أَنْ يَسْتَطِيعَ الْمُسْلِمُ الْعَادِيُّ أَنْ يَقُولَ:
«هَذَا الْحُكْمُ اجْتِهَادٌ بَشَرِيٌّ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ».
دُونَ أَنْ يُتَّهَمَ بِالرِّدَّةِ.
وَدُونَ أَنْ يَشْعُرَ هُوَ نَفْسُهُ بِالذَّنْبِ.
اَلْمَبْدَأُ الثَّانِي: الْحُرِّيَّةُ الْمَسْؤُولَةُ — الْهِبَةُ الْأَصْلِيَّةُ
قَالَتِ الْفَقِيهَةُ:
— اللَّهُ لَمْ يُجْبِرِ الْإِنْسَانَ.
هَذِهِ حَقِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ صَرِيحَةٌ:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
وَأَعْطَى الْإِنْسَانَ حُرِّيَّةَ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُ مَسْؤُولِيَّةً حَقِيقِيَّةً.
وَالْمَسْؤُولِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى الْإِكْرَاهِ.
بَلْ تَقُومُ عَلَى الِاخْتِيَارِ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَى الدِّينِ يَتَنَاقَضُ مَعَ غَايَةِ الدِّينِ.
وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَخْتَارُ بِحُرِّيَّةٍ أَعْظَمُ قِيمَةً مِنَ الْمُكْرَهِ عَلَى الطَّاعَةِ.
اَلْمَبْدَأُ الثَّالِثُ: التَّعَدُّدُ الْوَاحِدُ — الْغِنَى الَّذِي نَخْشَاهُ
قَالَ الْفَقِيهُ الْإِنْدُونِيسِيُّ:
— ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
اللَّهُ خَلَقَ التَّعَدُّدَ.
وَلَمْ يَخْلُقْهُ خَطَأً يَجِبُ تَصْحِيحُهُ.
بَلْ خَلَقَهُ غِنًى يَجِبُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الِاخْتِلَافِ.
بَلْ فِي غِيَابِ ثَقَافَةِ الِاخْتِلَافِ الْمُنْتِجِ.
الِاخْتِلَافِ الَّذِي يُثْرِي، لَا الَّذِي يُدَمِّرُ.
اَلْمَبْدَأُ الرَّابِعُ: الْحِوَارُ شَرْطٌ، لَا تَرَفٌ
قَالَ الشَّابُّ:
— الْحَضَارَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، حِينَ كَانَتْ فِي ذُرْوَتِهَا، كَانَتْ فِي حِوَارٍ.
مَعَ الْيُونَانِ، وَالْفُرْسِ، وَالْهِنْدِ، وَالْمَسِيحِيَّةِ، وَالْيَهُودِيَّةِ.
وَحِينَ تَوَقَّفَ الْحِوَارُ، تَرَاجَعَ الْإِبْدَاعُ.
وَالْهُوِيَّةُ الَّتِي لَا تَصْمُدُ فِي الْحِوَارِ لَمْ تَكُنْ قَوِيَّةً أَصْلًا.
وَالْهُوِيَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْحِوَارِ أَكْثَرَ وُضُوحًا وَرُسُوخًا هِيَ الْهُوِيَّةُ الْجَدِيرَةُ بِالْحَمْلِ.
اَلْمَبْدَأُ الْخَامِسُ: الْمُرَاجَعَةُ الدَّائِمَةُ — الْأَمَانَةُ الْأَصْعَبُ
قَالَتِ الْمُعَلِّمَةُ:
— كُلُّ بِنَاءٍ بَشَرِيٍّ قَابِلٌ لِلْمُرَاجَعَةِ.
وَهَذَا لَا يَشْمَلُ الْوَحْيَ.
بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مَا بُنِيَ بِاسْمِهِ.
وَالْمُرَاجَعَةُ الدَّائِمَةُ تَعْنِي السُّؤَالَ الدَّائِمَ:
هَلْ مَا نَفْعَلُهُ يُحَقِّقُ مَقَاصِدَ مَا نُؤْمِنُ بِهِ؟
وَتَعْنِي الشَّجَاعَةَ عَلَى قَوْلِ: «أَخْطَأْنَا»، حِينَ نَكُونُ قَدْ أَخْطَأْنَا.
وَكَانَ محمد بن إدريس الشافعي يُرَاجِعُ اجْتِهَادَاتِهِ.
وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ، حِينَ رَاجَعَ نَفْسَهُ وَتَجْرِبَتَهُ.
فَالْمُرَاجَعَةُ لَيْسَتْ خِيَانَةً.
بَلْ هِيَ الْأَمَانَةُ الْأَصْعَبُ.
اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ: الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ وَسُؤَالُ الرُّوحِ
جَاءَ الشَّابُّ بِسُؤَالِهِ:
— الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ يَسْتَطِيعُ الْيَوْمَ أَنْ يَحْفَظَ الْقُرْآنَ، وَأَنْ يُقَدِّمَ شُرُوحًا وَتَفْسِيرَاتٍ لَهُ، وَأَنْ يُجِيبَ عَنْ مَسَائِلَ فِقْهِيَّةٍ، وَأَنْ يَكْتُبَ الْخُطَبَ.
فَمَا الَّذِي يَتَبَقَّى لِلْإِنْسَانِ؟
صَمْتٌ.
ثُمَّ قَالَتْ سَارَةُ:
— يَتَبَقَّى التَّكْلِيفُ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ.
الْآلَةُ لَا تُحَاسَبُ.
وَالْإِنْسَانُ يُحَاسَبُ.
وَالْمَسْؤُولِيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى حُرِّيَّةٍ.
وَالْحُرِّيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ.
قَالَ الطَّبِيبُ:
— وَيَتَبَقَّى الْمَعْنَى.
الْآلَةُ تُنْتِجُ نَصًّا.
لَكِنَّهَا لَا تَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى.
وَجَوْهَرُ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْمَعْنَى.
قَالَتِ الْفَقِيهَةُ:
— وَيَتَبَقَّى الْحُبُّ.
الْآلَةُ قَدْ تُحَاكِي التَّعْبِيرَ عَنِ الْحُبِّ.
أَمَّا حُبُّ رابعة العدوية، وَحُزْنُ أبو حامد الغزالي، وَثَبَاتُ أحمد بن حنبل، فَهِيَ تَجَارِبُ إِنْسَانِيَّةٌ لَا تَنْشَأُ إِلَّا مِنَ الْأَلَمِ وَالِاخْتِيَارِ وَالتَّضْحِيَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْأَزْهَرِيُّ:
— وَيَتَبَقَّى الدُّعَاءُ.
لَيْسَ كَطَقْسٍ فَقَطْ.
بَلْ كَفِعْلِ إِنْسَانٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ نَاقِصٌ، فَيَتَوَجَّهُ إِلَى مَنْ هُوَ الْكَامِلُ.
وَالْآلَةُ لَا تَعِي نَقْصَهَا.
وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ.
اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَرَ: الْإِنْسَانُ الْمَأْمُولُ
وَفِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الطَّوِيلِ، سَأَلَ الْمُهَنْدِسُ:
— بَعْدَ كُلِّ هَذَا، مَا هُوَ الْإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ؟
قَالَتْ سَارَةُ:
— لَيْسَ مَلَكًا.
وَلَا بَطَلًا رِوَائِيًّا.
هُوَ إِنْسَانٌ عَادِيٌّ يَحْمِلُ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ مَعًا:
إِيمَانًا رَاسِخًا لَا يَخَافُ السُّؤَالَ؛ قَوِيًّا بِمَا يَكْفِي لِمُوَاجَهَةِ الشَّكِّ دُونَ أَنْ يَتَفَكَّكَ.
وَعَقْلًا مُنْفَتِحًا لَا يَخَافُ الْحَقِيقَةَ؛ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَضُرُّ الْإِيمَانَ، وَأَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ خِيَانَةً.
وَهُوِيَّةً وَاثِقَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى عَدَاوَةِ الْآخَرِ لِتَتَعَرَّفَ إِلَى نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ يَثِقُ بِهُوِيَّتِهِ لَا يَخَافُ الْحِوَارَ.
وَمَسْؤُولِيَّةً فِعْلِيَّةً فِي عَالَمِهِ؛ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا جَارَهُ، وَيُؤَدِّي بِهَا عَمَلَهُ، وَيُحَافِظُ بِهَا عَلَى الْبِيئَةِ.
وَقَلْبًا لَا يُغْلَقُ أَمَامَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ».
اَلْخَاتِمَةُ: رِسَالَةٌ إِلَى مَنْ سَيَأْتِي
اَلْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَرَ — الْأَخِيرُ: مَا يَتَبَقَّى بَعْدَ كُلِّ الْكَلَامِ
فِي مَكَانٍ لَا تَعْرِفُهُ خَرِيطَةٌ، وَفِي زَمَانٍ لَا يُقَاسُ؛ اجْتَمَعُوا لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ.
كُلُّ مَنْ مَرَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ مِنْ تَافْكَنْتَ الْأَمَازِيغِيَّةِ إِلَى أَحْمَدَ الطَّبِيبِ.
وَمِنْ حَمُّودَ الْفَلَّاحِ إِلَى ابْنِ رُشْدٍ.
وَمِنْ نُورٍ الشَّابَّةِ إِلَى أبو حنيفة النعمان.
لَمْ يُلْغِ أَحَدٌ أَحَدًا.
وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ امْتِلَاكَ الصُّورَةِ كَامِلَةً.
لَكِنَّهُمْ وَافَقُوا — بِصَمْتٍ أَعْمَقَ مِنَ الْكَلَامِ — عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ:
أَنَّ الْكَوْنَ أَكْبَرُ مِمَّا نَرَى.
وَأَنَّ مَا لَا نَرَاهُ لَيْسَ وَهْمًا بِالضَّرُورَةِ.
وَأَنَّ الْوَحْيَ تَوَقَّفَ لِأَنَّهُ اكْتَمَلَ.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ بَدَأَ رِحْلَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أُعْطِيَ الْحُرِّيَّةَ وَالِاخْتِيَارَ.
وَبَيْنَ الِاكْتِمَالِ وَالْحُرِّيَّةِ تَمْتَدُّ حَيَاةٌ كَامِلَةٌ.
كَتَبَ مَحْمُودٌ — ابْنُ الشَّيْخِ مُصْطَفَى، الَّذِي أُغْلِقَ الْبَابُ فِي وَجْهِ سُؤَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ الْبَعِيدِ — رِسَالَةً إِلَى ابْنِهِ.
كَانَ فِي الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَقَدْ رَأَى فِي حَيَاتِهِ مَا يَكْفِي لِيَفْهَمَ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ أَبُوهُ، وَمَا لَمْ يُرِدْ أَبُوهُ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ أَيْضًا.
كَتَبَ:
«يَا عُمَرُ،
سَتَسْأَلُكَ الْحَيَاةُ أَسْئِلَةً لَيْسَ لَهَا إِجَابَاتٌ جَاهِزَةٌ فِي الْكُتُبِ؛ لَا فِي كُتُبِ الدِّينِ، وَلَا فِي كُتُبِ الْعِلْمِ.
وَسَتَقِفُ يَوْمًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ تُحِبُّهُمَا، وَيَبْدُو لَكَ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ.
فَلَا تُنْكِرِ السُّؤَالَ؛ لِأَنَّ إِنْكَارَهُ يُوَقِّفُكَ.
وَلَا تَظُنَّ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَهُ.
فَالَّذِينَ سَبَقُوكَ حَمَلُوهُ، وَعَاشُوا مَعَهُ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ.
جَدُّكَ أَغْلَقَ الْبَابَ فِي وَجْهِ سُؤَالِي فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ.
وَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ الْأَذَى.
بَلْ كَانَ يَخَافُ.
وَالْخَوْفُ مِنَ السُّؤَالِ لَيْسَ ضَعْفًا دَائِمًا.
أَحْيَانًا يَكُونُ حُبًّا يَتَكَلَّمُ بِالطَّرِيقَةِ الْخَاطِئَةِ.
الْإِيمَانُ لَا يَعْنِي امْتِلَاكَ كُلِّ الْإِجَابَاتِ.
بَلْ يَعْنِي الثِّقَةَ بِمَنْ يَمْلِكُهَا.
وَالثِّقَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَرَى كُلَّ شَيْءٍ.
إِنَّمَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَكُونَ قَدْ رَأَيْتَ مَا يَكْفِي لِتَثِقَ.
وَالْكَوْنُ — بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ نِظَامٍ وَدِقَّةٍ وَجَمَالٍ، لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَوْجُودٌ — لَمْ يَقُلْ لِي قَطُّ إِنَّهُ جَاءَ بِلَا سَبَبٍ.
لَكِنَّهُ أَيْضًا لَمْ يُخْبِرْنِي بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَبَيْنَ هَذَا وَذَاكَ أَعِيشُ.
وَأُصَلِّي.
وَأَتَسَاءَلُ.
وَهَذَا — فِي حُدُودِ مَا وَجَدْتُ — يَكْفِي».
فِي الصَّبَاحِ الْأَخِيرِ، تَلَتْ تَافْكَنْتُ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ بِنُطْقِهَا الْأَمَازِيغِيِّ، وَبِحَرَارَةِ قَلْبٍ تَعَلَّمَ الْإِيمَانَ مِنْ أُمِّهِ.
وَفِي السنغال، أَنْشَدَ عَلِيٌّ الْمَدِيحَ النَّبَوِيَّ عَلَى إِيقَاعَاتِ الطُّبُولِ.
وَفِي جاوة، أَعَدَّ سُوكَارْنُو مَأْدُبَةَ «السَّلَامَتَان».
وَفِي قونية، دَارَ نُعْمَانُ.
وَفِي الْحَقْلِ الْمِصْرِيِّ، رَكَعَ حَمُّودٌ فِي الطِّينِ.
وَفِي مُخْتَبَرِ أَعْصَابٍ فِي القاهرة، وَقَفَ أَحْمَدُ أَمَامَ دِمَاغٍ لَا تَكْفِيهِ أَجْهِزَةُ الْقِيَاسِ.
وَوَقَفَ أَيْضًا أَمَامَ مَا لَا تَكْفِيهِ أَجْهِزَتُهُ.
وَكُلٌّ مِنْهُمْ — بِطَرِيقَتِهِ، وَفِي أَرْضِهِ، وَبِلُغَةِ قَلْبِهِ — كَانَ يَقُولُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.
وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَسْمُوعًا.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٣].
وَقَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَعْدَهَا، مِلْيُونَاتُ الْأَصْوَاتِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ.
وَكَانَتْ هِيَ الْكِتَابَ.
اِنْتَهَتِ الرِّوَايَةُ
مُلَاحَظَةٌ خِتَامِيَّةٌ:
هَذِهِ الرِّوَايَةُ كُتِبَتْ بِثَلَاثَةِ أَصْوَاتٍ:
— صَوْتِ الْأَرْضِ: الَّذِينَ عَاشُوا الْإِيمَانَ وَلَمْ يَكْتُبُوهُ.
— وَصَوْتِ السُّؤَالِ: الَّذِينَ وَاجَهُوا مَا أَزْعَجَ الْيَقِينَ، وَلَمْ يَهْرُبُوا.
— وَصَوْتِ الطَّرِيقِ: الَّذِينَ رَأَوْا مَا كَانَ، وَنَظَرُوا إِلَى مَا سَيَكُونُ.
وَأَيٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ تَسْمَعُهُ أَكْثَرَ، فَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ مِنْ حَيَاتِكَ.

المدرسة التي لم تُبنَ بعد