الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ» — الْمُلْحَقُ التَّاسِعُ
الْمَدْرَسَةُ الَّتِي لَمْ تُبْنَ بَعْدُ
إِلَى كُلِّ مُعَلِّمٍ قَالَ:
«لَا أَعْرِفُ، دَعْنَا نَبْحَثْ مَعًا».
وَإِلَى كُلِّ طَالِبٍ سَأَلَ سُؤَالًا فَعُوقِبَ عَلَيْهِ.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الْعَلَقُ: ١
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: الرَّجُلُ الَّذِي أَحْرَقَ كُرَّاسَتَهُ
الْكُوفَةُ — نَحْوَ عَامِ ١٤٨ هِجْرِيَّةً
فِي السَّاعَةِ الَّتِي يَنَامُ فِيهَا سُوقُ الْكُوفَةِ، حِينَ تَنْطَفِئُ السُّرُجُ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَتَصِيرُ الْمَدِينَةُ نُجُومًا وَصَمْتًا، كَانَ الصَّبِيُّ يَجْلِسُ عَلَى حَجَرٍ أَمَامَ بَابٍ مُغْلَقٍ وَيَبْكِي.
لَمْ يَكُنْ يَبْكِي لِأَنَّهُ جَائِعٌ.
وَلَا لِأَنَّهُ خَائِفٌ.
كَانَ يَبْكِي لِأَنَّهُ سَأَلَ سُؤَالًا.
اسْمُهُ يُوسُفُ.
اثْنَا عَشَرَ عَامًا.
ابْنُ حَائِكِ نَسِيجٍ يَكْسِبُ بِيَدِهِ، وَيُؤَدِّي فَرِيضَتَهُ، وَيُغْلِقُ بَابَهُ مَعَ اللَّيْلِ.
أَرْسَلَهُ هَذَا الصَّيْفَ إِلَى مَجْلِسِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ، شَيْخِ الْحَيِّ الَّذِي يُحَفِّظُ الْأَطْفَالَ، وَيُعْطِي الْفَتَاوَى، وَيَقْبَلُ الْهَدَايَا بِيَدٍ، وَالْيَدُ الْأُخْرَى دَائِمًا مَرْفُوعَةٌ كَأَنَّهَا تُبَارِكُ.
الْيَوْمَ، فِي الْمَجْلِسِ، حِينَ قَرَأَ الشَّيْخُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَانْتَهَى، رَفَعَ يُوسُفُ يَدَهُ وَسَأَلَ:
«شَيْخَنَا، إِذَا كَانَ اللَّهُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، فَهَلْ يَتْعَبُ؟»
كَانَ يَقْصِدُ بِالسُّؤَالِ مَا قَصَدَهُ كُلُّ طِفْلٍ:
الدَّهْشَةَ، وَالرَّغْبَةَ فِي الْفَهْمِ، وَالْإِعْجَابَ بِشَيْءٍ لَا يَتْعَبُ حِينَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ يَتْعَبُ.
لَكِنَّ الشَّيْخَ رَأَى شَيْئًا آخَرَ.
«تَسْأَلُ إِنْ كَانَ اللَّهُ يَتْعَبُ؟!»
وَقَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ يُوسُفُ:
«لَا، أَقْصِدُ…»،
كَانَتْ يَدُ الشَّيْخِ قَدِ انْتَزَعَتْ كُرَّاسَتَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، تِلْكَ الْكُرَّاسَةَ الَّتِي نَسَخَ فِيهَا الْآيَاتِ بِخَطٍّ مُحْتَشِمٍ، وَرَمَتْ بِهَا فِي الزَّاوِيَةِ.
«مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا السُّؤَالَ؟»
«لَمْ يُعَلِّمْنِي أَحَدٌ.
فَكَّرْتُ…»
«التَّفْكِيرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ زَنْدَقَةٌ.
اخْرُجْ!»
جَلَسَ يُوسُفُ عَلَى الْحَجَرِ.
الْكُرَّاسَةُ لَا تَزَالُ فِي الدَّاخِلِ.
السَّمَاءُ فَوْقَهُ مَلِيئَةٌ بِالنُّجُومِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا.
فَكَّرَ:
إِذَا كَانَ التَّفْكِيرُ زَنْدَقَةً، فَلِمَاذَا أَعْطَاهُ اللَّهُ هَذَا الشَّيْءَ فِي رَأْسِهِ الَّذِي لَا يَكُفُّ؟
لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ، سُؤَالَ:
«لِمَاذَا أَعْطَانِي اللَّهُ عَقْلًا إِذَا كَانَ يُعَاقِبُنِي عَلَى اسْتِخْدَامِهِ؟»، سَيُصَاحِبُهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ كَظِلٍّ لَا يُفَارِقُ.
وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، فِي حَيٍّ لَا يَبْعُدُ كَثِيرًا، كَانَ رَجُلٌ آخَرُ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ وَيَقُولُ لِطُلَّابِهِ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا.
صَوْتٌ مِنَ الظَّلَامِ:
«مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا وَلَدُ؟»
رَجُلٌ طَوِيلٌ يَمْشِي بِعَصًا، لَيْسَتْ لِإِعَاقَةٍ بَلْ لِعَادَةٍ، عِمَامَتُهُ بَيْضَاءُ وَجِلْبَابُهُ أَزْرَقُ بَاهِتٌ.
عَيْنَاهُ لَافِتَتَانِ:
فِيهِمَا شَيْءٌ مِنَ الضَّحِكِ وَمِنَ الْحُزْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَعَيْنَيْ مَنْ رَأَى الْكَثِيرَ وَمَا زَالَ مُشْتَاقًا لِأَنْ يَرَى أَكْثَرَ.
«طَرَدَنِي الشَّيْخُ.»
«لِمَاذَا؟»
«لِأَنَّنِي سَأَلْتُ.»
جَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى الْحَجَرِ الْمُجَاوِرِ بِهُدُوءِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ يَحْتَاجُ أَنْ تَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ تَقُولَهُ.
«وَمَاذَا سَأَلْتَ؟»
أَخْبَرَهُ يُوسُفُ.
وَالرَّجُلُ سَمِعَ.
وَحِينَ انْتَهَى يُوسُفُ، لَمْ يَقُلِ الرَّجُلُ:
«مَا أَسْوَأَ سُؤَالَكَ»،
وَلَمْ يَقُلْ:
«مَا أَرْوَعَ سُؤَالَكَ».
قَالَ:
«سُؤَالُكَ يُشْبِهُ سُؤَالًا سَأَلْتُهُ أَنَا فِي عُمْرِكَ تَقْرِيبًا.»
«وَمَا الْجَوَابُ؟»
«الْجَوَابُ طَوِيلٌ.
لَكِنَّ الْبِدَايَةَ هِيَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ مَفَاهِيمَنَا عَنِ التَّعَبِ وَالرَّاحَةِ لَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ، هَذَا الذُّهُولَ أَمَامَ صِفَاتِ اللَّهِ، هُوَ بِالضَّبْطِ مَا يَعْنِيهِ:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾.»
صَمَتَ يُوسُفُ، ثُمَّ:
«فَلِمَاذَا عَاقَبَنِي الشَّيْخُ؟»
«لِأَنَّ الشَّيْخَ يَخَافُ.»
«مِنْ مَاذَا؟»
«مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ جَوَابَهُ.
النَّاسُ يَخَافُونَ مِنْ هَذَا أَحْيَانًا أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنَ الْجَوَابِ الْخَاطِئِ.»
قَامَ الرَّجُلُ وَمَدَّ يَدَهُ:
«اسْمِي النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْ طُلَّابٍ يَسْأَلُونَ.
أَسْئِلَتُهُمْ، لَا إِجَابَاتُهُمْ، هِيَ مَا يَبْدَأُ بِهِ التَّعَلُّمُ.»
الْفَصْلُ الثَّانِي:
حَلْقَةٌ لَا تُشْبِهُ الْحَلَقَاتِ
الْمَسْجِدُ الْكَبِيرُ فِي الْكُوفَةِ — بَعْدَ أَيَّامٍ
لَمْ يَكُنِ الْمَجْلِسُ كَمَا تَخَيَّلَهُ يُوسُفُ.
تَخَيَّلَ صُفُوفًا، وَشَيْخًا يُلْقِي، وَطُلَّابًا يَكْتُبُونَ.
هَذَا مَا عَرَفَهُ.
هَذَا مَا قَرَأَهُ فِي وُجُوهِ كُلِّ مَنْ سَمِعَ كَلِمَةَ «مَجْلِسِ عِلْمٍ».
لَكِنَّ حَلْقَةَ أَبِي حَنِيفَةَ كَانَتْ شَيْئًا آخَرَ.
كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي دَائِرَةٍ.
الشَّيْخُ بَيْنَهُمْ، لَيْسَ أَمَامَهُمْ.
وَالْكَلَامُ يَدُورُ، وَيُرَدُّ، وَيُعَارَضُ.
وَرَأَى يُوسُفُ بِعَيْنَيْهِ طَالِبًا نَاضِجًا، رَجُلًا فِي الثَّلَاثِينَ، يَقُولُ لِأَبِي حَنِيفَةَ:
«لَكِنَّ مَا قُلْتَهُ يَا شَيْخَنَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَا رَوَى فُلَانٌ…»
وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُصَعِّرْ خَدَّهُ، وَلَمْ يَتَجَهَّمْ، قَالَ:
«أَرِنِي الرِّوَايَةَ.»
وَحِينَ رَآهَا، فَكَّرَ، وَقَالَ:
«رُبَّمَا أَنْتَ عَلَى حَقٍّ.
لِنُعِدِ النَّظَرَ.»
يُوسُفُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُغْلِقَ فَاهُ.
جَلَسَ إِلَى جِوَارِهِ طَالِبٌ فِي عُمْرِهِ تَقْرِيبًا، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَبِيعًا، أَسْمَرُ، مِنْ عَائِلَةٍ فَارِسِيَّةٍ أَسْلَمَتْ مُنْذُ جِيلٍ.
اسْمُهُ زِيَادٌ.
«أَعْرِفُ مَا تَشْعُرُ بِهِ»،
هَمَسَ زِيَادٌ.
«أَنَا أَيْضًا جِئْتُ وَأَنَا أَنْتَظِرُ أَنْ يَصْرُخَ أَحَدٌ.»
«هَلْ يَصْرُخُ أَحْيَانًا؟»
«أَبُو حَنِيفَةَ؟ لَا.
لَكِنَّهُ يُصَحِّحُ.
وَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يُصَحِّحُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ خَطَأَكَ، وَمَنْ يُصَحِّحُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ تَصِلَ إِلَى الصَّوَابِ.»
بَعْدَ الْمَجْلِسِ، مَشَى يُوسُفُ مَعَ زِيَادٍ فِي أَزِقَّةِ الْكُوفَةِ.
«كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّ هَذِهِ الْحَلْقَةَ بِالذَّاتِ؟» سَأَلَ يُوسُفُ.
«أَبِي أَخْبَرَنِي.
قَالَ:
ابْحَثْ عَمَّنْ يَحْتَرِمُ سُؤَالَكَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَرِمَ إِجَابَتَهُ.»
«حَكِيمٌ أَبُوكَ.»
«كَانَ.
مَاتَ الْعَامَ الْمَاضِي.»
صَمَتَ، ثُمَّ تَابَعَ زِيَادٌ:
«قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، قَالَ لِي شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ جَيِّدًا حِينَهَا.
قَالَ:
الدِّينُ الَّذِي يَخَافُ مِنْ سُؤَالِكَ لَيْسَ دِينًا، هُوَ قَفَصٌ.
وَالدِّينُ الَّذِي يَصْمُدُ أَمَامَ أَصْعَبِ أَسْئِلَتِكَ، هُوَ وَحْدَهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَعِيشَ لَهُ.»
تَوَقَّفَ يُوسُفُ.
هَذِهِ الْجُمْلَةُ، هَذِهِ بِالذَّاتِ، وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ مَا بِدَاخِلِهِ بِثِقْلِ الْحِجَارَةِ.
«لَكِنْ»،
قَالَ يُوسُفُ بِبُطْءٍ،
«أَلَا يُؤَدِّي هَذَا إِلَى أَنْ يَشُكَّ النَّاسُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟»
«أَمْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا فَهِمُوا؟ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يُؤْمِنُ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْأَلَ، وَمَنْ يُؤْمِنُ لِأَنَّهُ سَأَلَ وَفَهِمَ.»
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: الْمَسْأَلَةُ
الْكُوفَةُ — ذَلِكَ الصَّيْفُ
مَضَتْ أَسَابِيعُ، وَصَارَ يُوسُفُ يَحْضُرُ الْمَجْلِسَ كُلَّ يَوْمٍ.
فِي الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ نَفْسِ الشَّهْرِ، حِينَ كَانَتِ الْكُوفَةُ تَخْتَنِقُ بِحَرِّ تَمُّوزَ، طُرِحَتْ فِي الْمَجْلِسِ مَسْأَلَةٌ.
كَانَ تَاجِرٌ قَدْ جَاءَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِسُؤَالٍ عَمَلِيٍّ: اشْتَرَى بِضَاعَةً مِنْ رَجُلٍ، اكْتَشَفَ لَاحِقًا أَنَّهُ سَرَقَهَا، وَالْبِضَاعَةُ الْآنَ عِنْدَهُ، فَمَا الْحُكْمُ؟
الْمَسْأَلَةُ بَسِيطَةٌ فِي ظَاهِرِهَا، لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُجِبْ فَوْرًا، قَالَ:
«مَنْ يَرَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوْجُهًا مُخْتَلِفَةً؟»
وَبَدَأَتِ الْحَلْقَةُ.
طَالِبٌ قَالَ:
«يَرُدُّهَا لِصَاحِبِهَا الْأَصْلِيِّ.»
وَآخَرُ قَالَ:
«لَكِنَّهُ دَفَعَ ثَمَنًا، فَمَاذَا عَنْ ثَمَنِهِ؟»
وَثَالِثٌ:
«صَاحِبُهُ الْأَصْلِيُّ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ بِضَاعَتُهُ، فَمَنِ الْمَسْؤُولُ عَنْ إِيجَادِهِ؟»
وَرَابِعٌ:
«وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْبِضَاعَةِ الْأَصْلِيُّ مَيِّتًا؟»
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ طُرِحَ وَجْهٌ جَدِيدٌ، لَمْ يُسْكِتْهُ أَحَدٌ، بَلْ كَانَ كُلُّ وَجْهٍ يَفْتَحُ الْبَابَ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أُخْرَى.
يُوسُفُ كَانَ يَتَابِعُ وَيُدَوِّنُ.
ثُمَّ، وَدُونَ أَنْ يُخَطِّطَ، رَفَعَ يَدَهُ وَقَالَ:
«شَيْخَنَا، أَلَا يَتَوَقَّفُ الْجَوَابُ عَلَى نِيَّةِ التَّاجِرِ؟ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْبِضَاعَةَ مَسْرُوقَةٌ، فَالْأَمْرُ مُخْتَلِفٌ عَنْ أَنْ لَا يَكُونَ يَعْلَمُ.»
تَوَقَّفَتِ الْحَلْقَةُ.
أَبُو حَنِيفَةَ نَظَرَ إِلَيْهِ.
«مُنْذُ مَتَى تَحْضُرُ؟»
«ثَلَاثَةُ أَسَابِيعَ.»
«وَهَذَا أَوَّلُ مَا تَقُولُهُ.»
«كُنْتُ أَسْتَمِعُ.»
نَظْرَةٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ:
«اسْتَمِرَّ، وَوَسِّعْ مَا قَالَهُ الصَّبِيُّ، إِنْ كَانَ يُرِيدُ.»
يُوسُفُ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يُدْعَى.
ارْتَجَفَ قَلِيلًا، ثُمَّ تَكَلَّمَ.
وَحِينَ انْتَهَى، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
«هَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ.
وَالْفِقْهُ الَّذِي لَا يَأْخُذُ النِّيَّةَ فِي حِسْبَانِهِ لَيْسَ فِقْهًا، هُوَ حِسَابٌ.»
فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، سَأَلَ زِيَادٌ:
«كَيْفَ فَكَّرْتَ فِي النِّيَّةِ؟»
«لَا أَعْرِفُ.
رُبَّمَا لِأَنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ دَائِمًا:
قَبْلَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَى إِنْسَانٍ، اسْأَلْ نَفْسَكَ مَاذَا أَرَادَ.»
«أَبُوكَ أَيْضًا حَكِيمٌ.»
«أَبِي حَائِكُ نَسِيجٍ.»
«وَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ تَاجِرًا.»
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَيْهِ.
«الْحِكْمَةُ»، قَالَ زِيَادٌ، «لَا تَأْتِي مِنَ الْمِهْنَةِ، تَأْتِي مِمَّنْ يَرَى فِي مِهْنَتِهِ سُؤَالًا لَا إِجَابَةً.»
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: اللَّيْلَةُ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الشَّيْخَانِ
دَارُ أَبِي حَنِيفَةَ — خَرِيفُ ذَلِكَ الْعَامِ
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَانَ يُوسُفُ يَسْمَعُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ صَبِيٌّ مِنْ قَبْلِهِ.
دَعَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ، مَعَ ثَلَاثَةٍ مِنْ طُلَّابِهِ الْكِبَارِ، إِلَى دَارِهِ. وَالسَّبَبُ:
زِيَارَةُ شَيْخٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، رَجُلٍ عَالِمٍ بِالْحَدِيثِ، يَخْتَلِفُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْتَرِمُهُ، وَيَحْتَرِمُهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَكَانَ اللِّقَاءُ دَرْسًا لَمْ يَجْرُؤْ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى تَصْمِيمِهِ، جَاءَ وَحْدَهُ مِنْ طَبِيعَةِ الْأَشْيَاءِ.
الشَّيْخَانِ اخْتَلَفَا فِي مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْقِيَاسِ وَالْأَثَرِ.
أَبُو حَنِيفَةَ يَرَى الْقِيَاسَ أَدَاةً أَسَاسِيَّةً حِينَ يَغِيبُ النَّصُّ.
وَشَيْخُ الْبَصْرَةِ يَرَى أَنَّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَثَرًا لِمَنْ يَبْحَثُ جَيِّدًا.
تَكَلَّمَا، وَرَفَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّتَهُ، وَلَمْ يَتَّفِقَا.
وَفِي نِهَايَةِ السَّهْرَةِ، حِينَ قَامَ شَيْخُ الْبَصْرَةِ لِيُوَدِّعَ، قَالَ:
«اخْتَلَفْنَا كَمَا كُنَّا نَخْتَلِفُ، لَكِنَّنِي كُلَّمَا خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِكَ، أُغَادِرُ بِفَهْمٍ أَعْمَقَ، حَتَّى وَأَنَا لَا أُوَافِقُكَ.»
وَأَجَابَهُ أَبُو حَنِيفَةَ:
«وَأَنَا أَيْضًا.
لِأَنَّنِي مَعَ مَنْ يَخْتَلِفُ مَعِي، أُجْبَرُ عَلَى أَنْ أَعْرِفَ لِمَاذَا أُصِرُّ عَلَى مَا أُصِرُّ عَلَيْهِ.
وَمَنْ يَخْتَلِفُ مَعَهُ أَحَدٌ، يَفْهَمُ رَأْيَهُ أَعْمَقَ مِمَّنْ يُوَافِقُهُ الْجَمِيعُ.»
فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتِ، مَشَى يُوسُفُ وَحْدَهُ.
التَّجْرِبَةُ كَانَتْ مُحَيِّرَةً.
رَأَى عَالِمَيْنِ كَبِيرَيْنِ يَخْتَلِفَانِ، وَلَمْ يَخْتَصِمْ أَحَدُهُمَا.
رَأَى الرَّأْيَ وَالرَّأْيَ الْمُضَادَّ، وَلَمْ يَحْتَقِرْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَلِلْمَرَّةِ الْأُولَى فَهِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ وَالْعَدَاءِ.
الشَّيْخُ الَّذِي طَرَدَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ، حِينَ رَأَى اخْتِلَافًا فِي سُؤَالِ يُوسُفَ، رَأَى تَهْدِيدًا.
وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ، حِينَ اخْتَلَفَا فِي مَسَائِلَ جَوْهَرِيَّةٍ، رَأَيَا فُرْصَةً.
مَا الَّذِي يَجْعَلُ إِنْسَانًا يَرَى فِي الِاخْتِلَافِ تَهْدِيدًا، وَآخَرَ يَرَى فِيهِ فُرْصَةً؟
لَمْ يَجِدِ الْجَوَابَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ كَانَ جُزْءًا مِمَّا يُعَلِّمُهُ أَبُو حَنِيفَةَ دُونَ أَنْ يُعَلِّمَهُ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: بِنْتُ الْحَدَّادِ
حَيُّ النَّخَّاسِينَ — الْكُوفَةُ
اسْمُهَا مَرْيَمُ، بِنْتُ الْحَدَّادِ الْأَرْمَلِ الَّذِي يَعْمَلُ مِنَ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ، وَيُرَبِّي بَنَاتِهِ الْأَرْبَعَ بِيَدَيْنِ سَوَّدَتْهُمَا النَّارُ.
يُوسُفُ قَابَلَهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى حِينَ أَوْصَلَ رِسَالَةً مِنْ أَبِيهِ إِلَى الْحَدَّادِ، مُعَامَلَةَ نَسِيجٍ.
كَانَتْ تَجْلِسُ خَارِجَ الْوَرْشَةِ وَتَقْرَأُ.
كِتَابٌ فِي يَدِهَا، وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ لَافِتًا.
لَمْ تَكُنِ النِّسَاءُ فِي حَيِّ النَّخَّاسِينَ يَقْرَأْنَ كَثِيرًا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ لَمْ يَكُنَّ يَقْرَأْنَ خَارِجَ الْبُيُوتِ.
«مَا هَذَا الْكِتَابُ؟»
سَأَلَ يُوسُفُ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ السُّؤَالَ قَدْ يَبْدُو وَقَاحًا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْ مَنْ قَرَّرَ أَنْ يُجِيبَ، وَلَيْسَ مَنْ قَرَّرَ أَنْ يُسْكِتَ.
«كِتَابٌ فِي النُّجُومِ.
أَبِي أَحْضَرَهُ مِنْ بَغْدَادَ.»
«تَقْرَئِينَ عَنِ النُّجُومِ؟»
«أَرَاهَا كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ السَّطْحِ.
أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ أَسْمَاءَهَا.»
جَلَسَ يُوسُفُ، دُونَ أَنْ يُدْعَى، لَكِنْ دُونَ أَنْ يُطْرَدَ أَيْضًا.
«وَهَلْ يُعَلِّمُكِ الْكِتَابُ؟»
«لَا.
أُعَلِّمُ نَفْسِي.»
«كَيْفَ؟»
«بِبُطْءٍ، وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأَخْطَاءِ، لَكِنْ حِينَ أَفْهَمُ شَيْئًا لِوَحْدِي، يَبْقَى.»
أَصْبَحَ لِقَاءُ يُوسُفَ وَمَرْيَمَ عَادَةً.
لَيْسَتْ مَوْعِدًا مَرْسُومًا، بَلْ تَقَاطُعَ مَسَارَيْنِ فِي حَيٍّ وَاحِدٍ.
يَمْشِي هُوَ مِنَ الْمَجْلِسِ، تَجْلِسُ هِيَ بِكِتَابِهَا أَوْ بِعَمَلِهَا، وَيَتَوَقَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْآخَرِ.
وَفِي تِلْكَ اللِّقَاءَاتِ الصَّغِيرَةِ، تَعَلَّمَ يُوسُفُ شَيْئًا لَمْ يَتَعَلَّمْهُ فِي مَجْلِسِ أَبِي حَنِيفَةَ:
مَرْيَمُ تُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
حِينَ حَكَى لَهَا عَنْ مَسْأَلَةِ النِّيَّةِ الَّتِي طَرَحَهَا فِي الْمَجْلِسِ، قَالَتْ:
«لَكِنْ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُزَيَّفَةً؟ إِنْسَانٌ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، كَيْفَ يَتَحَقَّقُ؟»
سُؤَالٌ لَمْ يُطْرَحْ فِي الْمَجْلِسِ.
«لَا أَعْرِفُ»، قَالَ يُوسُفُ.
«رُبَّمَا لِأَنَّ مَجْلِسَكُمْ كُلَّهُ رِجَالٌ. وَالرِّجَالُ أَحْيَانًا يُصَدِّقُونَ مَا يَقُولُهُ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ رَجُلٌ.»
صَمَتَ يُوسُفُ طَوِيلًا، ثُمَّ:
«هَذَا… وَجِيهٌ.»
«سَأَكْتُبُهُ فِي لَا مَكَانٍ»، قَالَتْ بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَرَارَةِ وَشَيْءٌ مِنَ السُّخْرِيَةِ.
«لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَجْلِسٌ أَذْهَبُ إِلَيْهِ.»
وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَا فِي خُطْبَةٍ، وَلَا فِي مُحَاضَرَةٍ، وَلَا فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ، بَدَأَ يُوسُفُ يَرَى نَقْصًا لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ.
نِصْفُ الْعُقُولِ خَارِجَ الْحَلْقَةِ.
نِصْفُ الْأَسْئِلَةِ لَا تُطْرَحُ.
نِصْفُ الْفَهْمِ لَا يُسْمَعُ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: الْغَرِيبُ مِنَ الْأَنْدَلُسِ
الْكُوفَةُ — شِتَاءُ ذَلِكَ الْعَامِ
جَاءَ إِلَى الْمَجْلِسِ ذَاتَ صَبَاحٍ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكُوفَةِ، وَلَا مِنَ الْعِرَاقِ.
مَلَامِحُهُ مُخْتَلِفَةٌ، لَهْجَتُهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَيْرَةِ الذَّكِيَّةِ الَّتِي تَخُصُّ مَنْ رَحَلَ كَثِيرًا وَلَا يَزَالُ يَرْحَلُ.
اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، مِنْ مَدِينَةِ قُرْطُبَةَ فِي الْأَنْدَلُسِ.
رَحَلَ شَرْقًا، كَمَا يَرْحَلُ طُلَّابُ الْعِلْمِ، يَبْحَثُ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ.
جَلَسَ فِي الْحَلْقَةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أُسْبُوعًا.
اسْتَمَعَ فَقَطْ.
وَفِي نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ، قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ:
«شَيْخَنَا، فِي بِلَادِنَا يَتَحَدَّثُ الْعُلَمَاءُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
هَلْ تَسْمَحُ لِي أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا مِنْ هُنَاكَ؟»
«الْعِلْمُ لَا يَعْرِفُ الْحُدُودَ.»
«عِنْدَنَا فِي الْأَنْدَلُسِ، نُلَاقِي مَسِيحِيِّينَ وَيَهُودًا فِي الْمُدُنِ ذَاتِهَا، وَنَتَعَايَشُ مَعَهُمْ، وَأَحْيَانًا نَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ.
هَلْ هَذَا جَائِزٌ؟»
الْحَلْقَةُ هَدَأَتْ.
لَيْسَ لِأَنَّ السُّؤَالَ يُزْعِجُ، بَلْ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ عَنِ السِّيَاقِ.
يُوسُفُ لَاحَظَ أَنَّ بَعْضَ الطُّلَّابِ تَصَلَّبُوا بِخِفَّةٍ.
أَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ:
«الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، أَنَّى وَجَدَهَا أَخَذَهَا.»
ثُمَّ أَضَافَ:
«لَكِنَّ السُّؤَالَ الْأَعْمَقَ مِنْ هَذَا:
هَلْ تَعَلَّمْنَا مِنْهُمْ، أَمْ تَعَلَّمْنَا مَعَهُمْ؟ الْفَرْقُ كَبِيرٌ.»
«مَا الْفَرْقُ؟»
«مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنَ الْآخَرِ، يَرَى نَفْسَهُ أَعْلَى، وَيَأْخُذُ مَا يَنْفَعُهُ وَيَرْمِي الْبَاقِيَ.
وَمَنْ يَتَعَلَّمُ مَعَ الْآخَرِ، يَجْلِسُ مَعَهُ نِدًّا، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ وَقْفًا عَلَى أَحَدٍ.»
وَفِي الصَّمْتِ الَّذِي تَلَا هَذَا الْجَوَابَ، رَأَى يُوسُفُ عَلَى وَجْهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْئًا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ:
الِارْتِيَاحَ.
كَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ جَاءَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ لِيَسْمَعَ بِالضَّبْطِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ.
بَعْدَ الْمَجْلِسِ، مَشَى يُوسُفُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
«لِمَاذَا جِئْتَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ حَتَّى الْكُوفَةِ؟»
سَأَلَهُ.
«لِأَنَّنِي كُنْتُ أُحَدَّثُ أَنَّ الْعِلْمَ كُلَّ الْعِلْمِ هُنَا، وَأَنَّ مَا فِي بِلَادِنَا هَامِشٌ.»
«وَمَا الَّذِي وَجَدْتَ؟»
تَوَقَّفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَظَرَ إِلَى الْأُفُقِ:
«وَجَدْتُ عَظَمَةً حَقِيقِيَّةً، وَوَجَدْتُ أَيْضًا أَنَّ الْعُظَمَاءَ هُنَا أَكْثَرُ تَوَاضُعًا مِمَّا تَوَقَّعْتُ، وَأَقَلَّ مِنَ الصِّغَارِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِاسْمِهِمْ.»
ثُمَّ:
«وَوَجَدْتُ أَنَّ مَا فِي بِلَادِنَا لَيْسَ هَامِشًا.
هُوَ فَصْلٌ لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ مِنْ نَفْسِ الْكِتَابِ.»
الْفَصْلُ السَّابِعُ: الْمِحْنَةُ
الْكُوفَةُ — بَعْدَ سَنَتَيْنِ
مَضَتِ السُّنُونَ كَمَا يَمْضِي النَّهْرُ، لَا يَتَوَقَّفُ لِيُعْلِمَكَ أَنَّهُ يَمْضِي.
يُوسُفُ صَارَ شَابًّا فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ، وَزِيَادٌ فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَكَانَا يَتَعَلَّمَانِ مَعًا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُحَادَثَاتِ مَا يُمْلَأُ بِهِ سِفْرٌ.
لَكِنَّ ذَلِكَ الْخَرِيفَ حَدَثَ شَيْءٌ.
جَاءَ إِلَى الْكُوفَةِ وَالٍ جَدِيدٌ مِنْ قِبَلِ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَالٍ لَا يُحِبُّ الْمَسَائِلَ الْمَفْتُوحَةَ، وَلَا الْحَلَقَاتِ الَّتِي تَسْمَحُ بِالِاعْتِرَاضِ، وَلَا الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ لَا يُوَقِّعُونَ عَلَى مَا يُرِيدُهُ.
وَطَلَبَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ شَيْئًا.
طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ، أَنْ يَكُونَ قَاضِيَ الْمَدِينَةِ، مَنْصِبٌ رَفِيعٌ، وَرَاتِبٌ كَبِيرٌ، وَسُلْطَةٌ وَاسِعَةٌ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ رَفَضَ.
لَمْ يَرْفُضْ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْقَضَاءَ.
رَفَضَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي يُعَيِّنُهُ الْوَالِي، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، يَقْضِي لِلْوَالِي.
وَكَانَ هَذَا قَدْ يُكَلِّفُهُ ثَمَنًا بَاهِظًا. وَكَلَّفَهُ.
حِينَ أُغْلِقَتِ الْحَلْقَةُ أَسَابِيعَ، بِأَمْرِ الْوَالِي، جَلَسَ يُوسُفُ وَزِيَادٌ فِي بَيْتِ يُوسُفَ وَلَمْ يَتَكَلَّمَا كَثِيرًا.
«هَلْ تَخَافُ عَلَيْهِ؟» سَأَلَ يُوسُفُ.
«نَعَمْ.»
«وَلِمَاذَا رَفَضَ؟»
«لِأَنَّهُ يَعْرِفُ شَيْئًا لَا يَعْرِفُهُ الْوَالِي.»
«مَا هُوَ؟»
«أَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي يُصْبِحُ أَدَاةً لِلسُّلْطَةِ يَفْقِدُ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الَّذِي يَجْعَلُهُ عَالِمًا:
الِاسْتِقْلَالِيَّةَ.
حِينَ يَخَافُ الْعَالِمُ مِنَ السُّلْطَانِ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُ مِنَ الْحَقِّ، يُصْبِحُ مِنْبَرًا لَا عَالِمًا.»
يُوسُفُ فَكَّرَ فِي هَذَا.
«لَكِنَّ الِاسْتِقْلَالِيَّةَ قَدْ تُكَلِّفُهُ حُرِّيَّتَهُ.»
«نَعَمْ.
وَهَذَا بِالضَّبْطِ لِمَاذَا هِيَ عَزِيزَةٌ.
الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تُكَلِّفُ شَيْئًا، لَا تُسَاوِي شَيْئًا.»
فِي تِلْكَ الْأَسَابِيعِ، حِينَ كَانَتِ الْحَلْقَةُ مُغْلَقَةً، أَدْرَكَ يُوسُفُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ مِنْ قَبْلُ:
أَنَّ التَّعْلِيمَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ فَقَطْ مَا يُقَالُ فِي الْحَلْقَةِ، بَلْ كَيْفَ يَتَصَرَّفُ الْمُعَلِّمُ خَارِجَهَا.
أَبُو حَنِيفَةَ فِي رَفْضِهِ كَانَ يُعَلِّمُ، لَيْسَ بِكَلَامٍ، بَلْ بِمَوْقِفٍ.
وَأَدْرَكَ أَنَّ الْمُعَلِّمَ الَّذِي يَعِيشُ مَا يَقُولُهُ، يُعَلِّمُ بِحُضُورِهِ قَبْلَ كَلَامِهِ، وَغِيَابُهُ أَيْضًا دَرْسٌ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: الْمَدْرَسَةُ الَّتِي لَمْ تُبْنَ
قُرْبَ مَسْجِدِ الْحَيِّ — الْكُوفَةُ
فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ، كَانَ يُوسُفُ يَمُرُّ يَوْمِيًّا أَمَامَ أَرْضٍ فَضَاءٍ فِي حَيِّ الصَّبَّاغِينَ. أَرْضٌ وَاسِعَةٌ، مُسَوَّرَةٌ بِجِدَارٍ قَصِيرٍ، يَنْبُتُ فِيهَا حَشِيشُ الصَّيْفِ وَلَا شَيْءَ آخَرَ.
أَخْبَرَهُ جَارٌ قَدِيمٌ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَغْدَادَ أَوْصَى بِبِنَاءِ مَدْرَسَةٍ فِيهَا. مَاتَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ تُنَفَّذَ الْوَصِيَّةُ. وَالْوَرَثَةُ اخْتَلَفُوا. وَالْأَرْضُ بَقِيَتْ فَضَاءً.
كُلَّ يَوْمٍ حِينَ يَمُرُّ يُوسُفُ، يَتَوَقَّفُ لَحْظَةً.
يَرَى فِي تِلْكَ الْأَرْضِ شَيْئًا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ: الْإِمْكَانِيَّةَ.
لَيْسَ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ، بَلْ طَرِيقَةً مُخْتَلِفَةً لِكُلِّ مَا رَآهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ.
حَلْقَةٌ لَا سُلْطَةَ فِيهَا.
مَجْلِسٌ يَسْمَحُ بِالسُّؤَالِ.
غُرْفَةٌ تَتَعَلَّمُ فِيهَا مَرْيَمُ جَانِبًا، وَزِيَادٌ جَانِبًا، وَيُوسُفُ فِي الْمُنْتَصَفِ.
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ يَجْلِبُ سُؤَالًا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ أَحَدٍ.
وَفِي يَوْمٍ، دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ، أَخْرَجَ كُرَّاسَتَهُ وَبَدَأَ يَرْسُمُ.
لَيْسَ مُخَطَّطًا هَنْدَسِيًّا، بَلْ أَفْكَارًا.
الْمَدْرَسَةُ الَّتِي أُرِيدُ:
• لَا يُعَاقَبُ فِيهَا طَالِبٌ عَلَى سُؤَالٍ، أَيِّ سُؤَالٍ.
• يَعْرِفُ الطَّالِبُ لَيْسَ فَقَطْ «مَاذَا»، بَلْ «لِمَاذَا».
• يُتَعَلَّمُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ كَأَدَاةٍ، لَا كَخَطَرٍ.
• يَجْلِسُ فِيهَا الْمُعَلِّمُ فِي وَسَطِ الدَّائِرَةِ، لَا فِي أَعْلَاهَا.
• يُسْمَحُ فِيهَا لِلنِّسَاءِ بِالتَّعَلُّمِ، لِأَنَّ نِصْفَ الْعُقُولِ خَارِجَ الْحَلْقَةِ لَيْسَ رَفَاهِيَةً، هُوَ خَسَارَةٌ.
• يُقْرَأُ فِيهَا التَّارِيخُ كَمَا جَرَى، بِانْتِصَارَاتِهِ وَأَخْطَائِهِ، لِأَنَّ التَّارِيخَ الْمُجَمَّلَ لَا يُعَلِّمُ، يُنَوِّمُ.
• يُعَلَّمُ فِيهَا الطِّفْلُ أَلَّا يُصَدِّقَ كُلَّ مَا يَقُولُهُ أَيُّ شَيْخٍ، حَتَّى مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، بَلْ يَبْحَثُ.
قَرَأَ مَا كَتَبَهُ، ثُمَّ أَغْلَقَ الْكُرَّاسَةَ.
ثُمَّ فَتَحَهَا وَأَضَافَ سَطْرًا أَخِيرًا:
• وَأَنْ يَكُونَ فِيهَا مُعَلِّمٌ يَعِيشُ مَا يُعَلِّمُهُ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: حِينَ يُغْلَقُ الْكِتَابُ وَيَبْدَأُ الْمُعَلِّمُ
خَارِجَ الْكُوفَةِ — رَبِيعٌ آخَرُ
فِي آخِرِ لِقَاءٍ وَثَّقَهُ يُوسُفُ فِي كُرَّاسَتِهِ، وَقَدْ صَارَتْ كُرَّاسَتَهُ الثَّالِثَةَ بَعْدَ أَنِ امْتَلَأَتِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَمْشِي فِي بُسْتَانٍ قُرْبَ النَّهْرِ، وَالطُّلَّابُ مَعَهُ.
وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ عَادَاتِهِ:
حِينَ يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا، يُغَادِرُ الْمَجْلِسَ.
«لِمَاذَا نَخْرُجُ؟»
سَأَلَ أَحَدُ الطُّلَّابِ.
«لِأَنَّ بَعْضَ الدُّرُوسِ لَا تُعْطَى فِي السَّقْفِ الْمُغْلَقِ.»
وَفِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ، وَقَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَمَامَ شَجَرَةِ نَخِيلٍ عَجُوزٍ لَا تُثْمِرُ بَعْدُ.
«هَلْ تَعْرِفُونَ لِمَاذَا لَا تُثْمِرُ؟»
صَمْتٌ.
ثُمَّ أَحَدُ الطُّلَّابِ:
«رُبَّمَا تُرْوَى بِالْكَمِّيَّةِ الْخَاطِئَةِ.»
«رُبَّمَا.
وَرُبَّمَا جُذُورُهَا تَصْطَدِمُ بِصَخْرَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ.
وَرُبَّمَا احْتَاجَتْ وَقْتًا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْنَاهَا. نَخْلَةٌ لَا تُثْمِرُ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ نَخْلَةً فَاشِلَةً، تَعْنِي أَنَّنَا لَمْ نَفْهَمْ مَا تَحْتَاجُهُ بَعْدُ.»
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى طُلَّابِهِ:
«حِينَ يَأْتِيكُمْ طَالِبٌ لَا يَفْهَمُ، مَا الَّذِي تَفْعَلُونَهُ؟»
أَجْوِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ:
أَعْطَاهُ وَقْتًا أَطْوَلَ، شَرَحَتْ لَهُ مِنْ جَدِيدٍ، طَلَبَتْ مِنْ زَمِيلِهِ أَنْ يُعِينَهُ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
«كُلُّ هَذَا صَوَابٌ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الْأَهَمَّ قَبْلَ هَذَا كُلِّهِ:
هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ لِمَاذَا لَا يَفْهَمُ؟ أَمِ افْتَرَضْتُمْ أَنَّ الطَّرِيقَةَ صَحِيحَةٌ، وَأَنَّ فِيهِ الْخَلَلَ؟»
فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، مَشَى يُوسُفُ وَحْدَهُ خَلْفَ الْجَمِيعِ.
فَكَّرَ فِي كُلِّ مَا تَعَلَّمَهُ فِي السَّنَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
تَعَلَّمَ الْفِقْهَ، وَتَعَلَّمَ أَنَّ الْفِقْهَ لَيْسَ الدِّينَ، هُوَ فَهْمُ الْإِنْسَانِ لِلدِّينِ، وَأَنَّ الْفَهْمَ يَتَطَوَّرُ.
تَعَلَّمَ أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ عَدُوًّا لِلْإِيمَانِ، هُوَ أَدَاةُ الْإِيمَانِ الْأُولَى.
تَعَلَّمَ، مِنْ مَرْيَمَ، أَنَّ الْحَلْقَةَ حِينَ تُغْلَقُ أَمَامَ نِصْفِ النَّاسِ، تَنْقُصُ إِلَى النِّصْفِ أَيْضًا.
تَعَلَّمَ، مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ جُغْرَافِيَا وَاحِدَةً وَلَا عَقْلًا وَاحِدًا.
تَعَلَّمَ، مِنْ مَوْقِفِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ الْوَالِي، أَنَّ الْعَالِمَ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ رَفْضَ السُّلْطَةِ لَا قِيمَةَ لِعِلْمِهِ.
وَتَعَلَّمَ، مِنَ الْأَرْضِ الْفَضَاءِ فِي حَيِّ الصَّبَّاغِينَ، أَنَّ أَعْظَمَ الْمَدَارِسِ هِيَ الَّتِي لَمْ تُبْنَ بَعْدُ.
كَتَبَ فِي كُرَّاسَتِهِ:
«أَوَّلُ كَلِمَةٍ فِي الْوَحْيِ كَانَتْ:
اقْرَأْ.
لَمْ تَكُنْ:
أَطِعْ.
وَلَا:
خَفْ.
وَلَا:
امْتَثِلْ.
كَانَتِ:
اقْرَأْ.
وَكُلُّ تَعْلِيمٍ لَا يُفْضِي إِلَى الْقِرَاءَةِ، قِرَاءَةِ الْعَالَمِ وَقِرَاءَةِ النَّفْسِ، يَخُونُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْأُولَى.»
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْكُرَّاسَةُ تُكْمِلُ نَفْسَهَا
الْكُوفَةُ — بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا
الرَّاوِي:
حَفِيدُ يُوسُفَ
جَدِّي مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئَيْنِ.
بَيْتًا مُتَوَسِّطًا فِي حَيٍّ كَانَ يُسَمَّى الصَّبَّاغِينَ، وَلَا يُسَمَّى الْآنَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْمَدِينَةَ تَغَيَّرَتْ وَأَحْيَاءَهَا تَغَيَّرَتْ. وَكَرَارِيسَ.
سِتَّ كَرَارِيسَ بِخَطٍّ مُحْكَمٍ، دَقِيقٍ، يَمِيلُ قَلِيلًا نَاحِيَةَ الْيَمِينِ، كَأَنَّهُ يَتُوقُ إِلَى شَيْءٍ.
قَرَأْتُ الْكَرَارِيسَ كُلَّهَا.
فِيهَا مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ، وَأَفْكَارٌ، وَرَحَلَاتٌ، وَحِوَارَاتٌ، وَكَثِيرٌ مِمَّا كَتَبَهُ عَنْ رَجُلٍ اسْمُهُ أَبُو حَنِيفَةَ. لَكِنَّ الْأَهَمَّ مِمَّا كَتَبَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، هُوَ مَا كَتَبَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
كَتَبَ عَنْ لَيْلَةٍ جَلَسَ فِيهَا عَلَى حَجَرٍ أَمَامَ بَابٍ مُغْلَقٍ، وَبَكَى لِأَنَّهُ سَأَلَ سُؤَالًا.
وَكَتَبَ عَنْ أَرْضٍ فَضَاءٍ رَأَى فِيهَا مَدْرَسَةً.
وَكَتَبَ فِي آخِرِ كُرَّاسَةٍ، بِخَطٍّ يَخْتَلِفُ عَنْ بَقِيَّةِ الْكِتَابَةِ كَأَنَّهُ كَتَبَهُ فِي يَوْمٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ، هَذِهِ الْكَلِمَاتِ:
«لَمْ أَبْنِ الْمَدْرَسَةَ الَّتِي رَسَمْتُهَا عَلَى وَرَقَةٍ وَأَنَا فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ.
الْحَيَاةُ أَخَذَتْنِي فِي اتِّجَاهَاتٍ أُخْرَى. وَتَزَوَّجْتُ، وَأَنْجَبْتُ، وَعَمِلْتُ، وَمَاتَ مَنْ أَحْبَبْتُ.
لَكِنَّنِي الْآنَ، وَأَنَا فِي الْخَامِسَةِ وَالسِّتِّينَ، أَرَى أَنَّنِي بَنَيْتُهَا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى.
بَنَيْتُهَا فِي كُلِّ طَالِبٍ جَلَسْتُ مَعَهُ وَسَمِعْتُ سُؤَالَهُ.
وَفِي كُلِّ طِفْلٍ عَلَّمْتُهُ أَنْ يَقُولَ:
لَا أَعْرِفُ، دَعْنَا نَبْحَثْ مَعًا.
وَفِي كُلِّ نِقَاشٍ فَتَحْتُهُ وَلَمْ أُغْلِقْهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَمْلِكَ جَوَابًا.
الْمَدْرَسَةُ الَّتِي لَمْ تُبْنَ فِي الصَّبَّاغِينَ، بُنِيَتْ فِي أَمَاكِنَ لَا عَدَدَ لَهَا.
لِأَنَّ الْمَدْرَسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَحْتَاجُ حِجَارَةً.
تَحْتَاجُ مُعَلِّمًا يَعِيشُ مَا يَقُولُهُ.
وَطَالِبًا يُسْمَحُ لَهُ بِالسُّؤَالِ.
هَذَانِ الِاثْنَانِ، فِي أَيِّ مَكَانٍ وَفِي أَيِّ زَمَانٍ، هُمَا الْمَدْرَسَةُ.»
أَغْلَقْتُ الْكُرَّاسَةَ.
وَنَظَرْتُ إِلَى النَّافِذَةِ.
وَسَأَلْتُ نَفْسِي:
هَلْ أَنَا طَالِبٌ يُسْمَحُ لَهُ بِالسُّؤَالِ؟
أَمْ أَنَّنِي أَجْلِسُ عَلَى حَجَرٍ أَمَامَ بَابٍ مُغْلَقٍ وَأَبْكِي وَأَنَا لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا؟
خَاتِمَةٌ: الْكَلِمَةُ الْأُولَى
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طَهَ: ١١٤
مَا زَالَتِ الْكَلِمَةُ الْأُولَى هِيَ نَفْسَهَا.
اقْرَأْ.
لَيْسَ:
احْفَظْ.
وَلَيْسَ:
خَفْ.
وَلَيْسَ:
امْتَثِلْ.
اقْرَأْ.
اقْرَأِ الْعَالَمَ كَمَا تَقْرَأُ الْكِتَابَ.
اقْرَأِ الْآخَرَ كَمَا تَقْرَأُ النَّصَّ.
اقْرَأْ نَفْسَكَ كَمَا تَقْرَأُ الْآيَةَ.
وَحِينَ تَجِدُ مَا لَا تَفْهَمُهُ، لَا تُغْلِقِ الْكِتَابَ.
ابْحَثْ عَمَّنْ يَجْلِسُ مَعَكَ فِي الرِّحْلَةِ.
لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُعْطِيكَ الْجَوَابَ.
يُعْطِيكَ الشَّجَاعَةَ عَلَى السُّؤَالِ.
وَهَذَا، فِي كُلِّ زَمَانٍ، هُوَ كُلُّ شَيْءٍ.
