الميراث
الجزء الأول
الفَصْلُ الأَوَّلُ
كَانَ الْهَاتِفُ يَرِنُّ فَوْقَ الرُّخَامِ الْبَارِدِ رَنِينًا مُتَقَطِّعًا، وَيَدَاهَا غَارِقَتَانِ فِي عَجِينَةِ الْخُبْزِ حَتَّى الْمِرْفَقَيْنِ، وَصَوْتُ يُوسُفَ يَتَسَرَّبُ مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ وَهُوَ يُمْلِي أَرْقَامًا عَلَى أَحَدِهِمْ فِي الْعَمَلِ، بَيْنَمَا كَانَتْ لِينَا فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ تُشَغِّلُ أُغْنِيَةً لَا تَفْقَهُ سَلْمَى مِنْ كَلِمَاتِهَا حَرْفًا وَاحِدًا.
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى الشَّاشَةِ. اسْمُ أُمِّهَا يُضِيءُ عَلَيْهَا. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ مِنَ الْمَسَاءِ، لَمْ تَكُنْ أُمُّهَا تَتَّصِلُ أَبَدًا إِلَّا لِأَمْرٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْطَعَ مِنْ أَجْلِهِ الْعَجِينُ، وَالْعَشَاءُ، وَالْمَسَاءُ كُلُّهُ.
مَسَحَتْ يَدَيْهَا بِسُرْعَةٍ لَمْ تَكْفِ لِتَنْظِيفِهِمَا، وَأَمْسَكَتِ الْهَاتِفَ بِأَصَابِعَ مَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَثَرُ الدَّقِيقِ الْأَبْيَضِ.
“أُمِّي؟”
“سَلْمَى… أَبُوكِ.”
كَلِمَتَانِ لَا غَيْرُ. غَيْرَ أَنَّ سَلْمَى أَدْرَكَتْ، مِنْ نَبْرَةِ الصَّمْتِ الَّذِي أَعْقَبَ الْكَلِمَةَ الثَّانِيَةَ، أَنَّ الْعَالَمَ قَدْ أَزَاحَ شَيْئًا مِنْ مَكَانِهِ، فِي صَمْتٍ، دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَهَا.
“مَاذَا بِهِ؟ أُمِّي، تَكَلَّمِي.”
“جَلْطَةٌ. فِي الدِّمَاغِ. هُوَ الْآنَ فِي الْمُسْتَشْفَى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاعٍ، لَكِنَّهُ… يَسْأَلُ عَنْكِ. يَسْأَلُ عَنْكِ بِاسْمِكِ، يَا سَلْمَى، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحَدٍ سِوَاكِ.”
أَغْمَضَتْ سَلْمَى عَيْنَيْهَا. وَقَفَتْ أَمَامَ حَوْضِ الْمَطْبَخِ وَكَأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَهَا قَدْ تَحَوَّلَتْ فَجْأَةً إِلَى سَطْحٍ مَائِلٍ، وَالدَّقِيقُ الَّذِي عَلَقَ بِيَدَيْهَا يَتَسَاقَطُ كَالثَّلْجِ عَلَى بَلَاطٍ لَمْ يَعُدْ بَلَاطَهَا هِيَ.
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي يَرِنُّ فِيهَا هَاتِفُهَا بِخَبَرٍ يَقْتَلِعُهَا مِنْ مَكَانِهَا. كَانَتْ هُنَاكَ مَرَّةٌ أُولَى، قَبْلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، حِينَ رَنَّ هَاتِفٌ آخَرُ، فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى، وَقَالَ لَهَا صَوْتٌ آخَرُ: “احْزِمِي حَقِيبَةً وَاحِدَةً لَا غَيْرَ، فَالطَّرِيقُ لَنْ يَحْتَمِلَ أَكْثَرَ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ، لَمْ تَكُنْ سَلْمَى تَعْلَمُ أَنَّ حَزْمَ “حَقِيبَةٍ وَاحِدَةٍ لَا غَيْرُ” يَعْنِي أَيْضًا أَنْ تَخْتَارَ، مِنْ بَيْنِ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الْعُمْرِ، مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَلَ، وَمَا سَيُتْرَكُ إِلَى الْأَبَدِ. اخْتَارَتْ يَوْمَهَا ثَلَاثَ صُوَرٍ، وَدَفْتَرًا كَتَبَتْ فِيهِ مُنْذُ الْمُرَاهَقَةِ، وَسِوَارًا مِنْ فِضَّةٍ أَهْدَتْهَا إِيَّاهُ جَدَّتُهَا. تَرَكَتْ كُلَّ مَا سِوَى ذَلِكَ. تَرَكَتْ غُرْفَتَهَا، وَشَجَرَةَ اللَّيْمُونِ فِي الْفِنَاءِ، وَصَوْتَ الْمُؤَذِّنِ الَّذِي أَلِفَتْهُ أُذُنَاهَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ، وَصَدِيقَاتٍ ظَنَّتْ أَنَّهَا سَتَرَاهُنَّ فِي الْأُسْبُوعِ الْقَادِمِ.
لَمْ تَكُنْ قَدِ اخْتَارَتِ الرَّحِيلَ. الرَّحِيلُ هُوَ مَنِ اخْتَارَهَا، كَمَا تَخْتَارُ الْحَرْبُ مَنْ تُرِيدُ أَنْ تَقْتَلِعَهُ مِنْ جُذُورِهِ دُونَ اسْتِشَارَتِهِ. تَذَكَّرَتِ الطَّرِيقَ، وَالْحَافِلَةَ الْمُكْتَظَّةَ، وَوُجُوهَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ صَارُوا، فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ، أَقْرَبَ إِلَيْهَا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ عَرَفَتْهُمْ طَوَالَ عُمُرِهَا؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ الْمُشْتَرَكَ يَصْنَعُ أُلْفَةً لَا تَصْنَعُهَا سَنَوَاتُ الْجِوَارِ الطَّوِيلَةُ. تَذَكَّرَتْ كَيْفَ بَكَتْ أُمُّهَا عِنْدَ الْبَابِ دُونَ أَنْ تُصْدِرَ صَوْتًا، خَشْيَةَ أَنْ يُوقِظَ بُكَاؤُهَا الْجِيرَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْحَرِجَةِ، وَكَيْفَ احْتَضَنَهَا أَبُوهَا احْتِضَانًا قَصِيرًا وَقَالَ: “اذْهَبِي، وَابْقَيْ كَمَا أَنْتِ، لَا تَدَعِي الْغُرْبَةَ تُغَيِّرُ جَوْهَرَكِ”، وَهِيَ جُمْلَةٌ ظَلَّتْ تَتَرَدَّدُ فِي ذَاكِرَتِهَا كُلَّ مَرَّةٍ شَعَرَتْ فِيهَا أَنَّ الْغُرْبَةَ بَدَأَتْ فِعْلًا تُغَيِّرُ شَيْئًا فِيهَا.
غَيْرَ أَنَّهَا، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ هَذَا إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ، قَدِ اخْتَارَتْ شَيْئًا آخَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ: اخْتَارَتْ أَلَّا تَتَحَوَّلَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ إِلَى نِهَايَةِ قِصَّتِهَا، بَلْ إِلَى بِدَايَةٍ لِقِصَّةٍ أُخْرَى. لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ حِينَهَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْوَحِيدُ الَّذِي سَيَبْقَى بَيْنَ يَدَيْهَا فِي كُلِّ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ: لَا تَمْلِكُ أَنْ تَخْتَارَ مَا يَحْدُثُ، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ أَنْ تَخْتَارَ مَنْ تَكُونُ بَعْدَ أَنْ يَحْدُثَ.
الْآنَ، بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، هَا هُوَ الْهَاتِفُ يَرِنُّ مِنْ جَدِيدٍ، لِيُخْبِرَهَا أَنَّ الرَّحِيلَ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ. أَنَّ ثَمَّةَ بَابًا ظَنَّتْهُ مُوصَدًا خَلْفَهَا إِلَى الْأَبَدِ، وَهُوَ الْآنَ يُفْتَحُ مِنْ جَدِيدٍ، وَيُنَادِيهَا اسْمًا بِاسْمٍ.
دَخَلَ يُوسُفُ الْمَطْبَخَ، فَرَآهَا وَاقِفَةً، وَالْهَاتِفُ مَا يَزَالُ فِي يَدِهَا، وَوَجْهُهَا بِلَوْنٍ لَمْ يَعْهَدْهُ فِيهَا مِنْ قَبْلُ.
“مَا بِكِ؟ سَلْمَى؟”
“أَبِي… عِنْدَهُ جَلْطَةٌ.”
جَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْقَرِيبِ مِنْهَا، لَا لِيَحْتَضِنَهَا، بَلْ لِيَسْأَلَهَا، بِنَبْرَةٍ حَذِرَةٍ كَأَنَّهُ يَفْحَصُ خَبَرًا فِي نَشْرَةِ أَخْبَارٍ:
“مَتَى؟ أَيْنَ؟ مَنْ أَخْبَرَكِ؟ هَلِ الْوَضْعُ خَطِيرٌ؟”
أَجَابَتْهُ سَلْمَى بِإِيجَازٍ، وَهِيَ مَا تَزَالُ تَشْعُرُ أَنَّ جَسَدَهَا لَمْ يَلْحَقْ بَعْدُ بِمَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهَا.
فَقَالَ يُوسُفُ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، الْجُمْلَةَ الَّتِي عَرَفَتْ سَلْمَى أَنَّهَا آتِيَةٌ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّهَا سَمِعَتْ نُسَخًا مِنْهَا مِئَةَ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلُ:
“لَنْ تُسَافِرِي وَحْدَكِ.”
لَمْ يَقُلْهَا سُؤَالًا. قَالَهَا قَرَارًا.
“لَمْ أَقُلْ إِنِّي سَأُسَافِرُ، يَا يُوسُفُ. أُخْبِرُكَ فَقَطْ بِمَا حَدَثَ.”
“أَعْرِفُ كَيْفَ تُفَكِّرِينَ. تُرَتِّبِينَ حَقِيبَةً فِي رَأْسِكِ الْآنَ وَأَنْتِ تُكَلِّمِينَنِي. لَكِنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ آمِنًا. أَنْتِ تَعْلَمِينَ مَاذَا يَعْنِي السَّفَرُ الْآنَ، الْحُدُودُ، التَّصَارِيحُ، كُلُّ شَيْءٍ. لَنْ أَسْمَحَ لَكِ أَنْ تَذْهَبِي وَحْدَكِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا أَكْثَرُ مِنَ الْجُرْحِ الَّذِي فِي قَلْبِهَا مِنْ أَجْلِ أَبِيهَا. فِيهَا سُؤَالٌ آخَرُ، أَقْدَمُ، لَمْ تَجْرُؤْ يَوْمًا أَنْ تُصَرِّحَ بِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْوُضُوحِ:
“لِمَاذَا حِينَ أَتَأَلَّمُ، يَا يُوسُفُ، تَتَحَوَّلُ أَنْتَ إِلَى حَارِسِ أَمْنٍ؟ لِمَاذَا لَا تَسْأَلُنِي كَيْفَ أَشْعُرُ، قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي مَاذَا سَأَفْعَلُ؟”
بَدَا عَلَيْهِ الِارْتِبَاكُ. لَمْ يَكُنْ هَذَا سُؤَالًا اعْتَادَ أَنْ يُسْأَلَهُ.
“أَنَا فَقَطْ أُحَاوِلُ حِمَايَتَكِ.”
“أَعْرِفُ. وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُؤْلِمُنِي. أَنَّكَ تُرَاقِبُ كُلَّ خُطْوَةٍ سَأَخْطُوهَا، وَكُلَّ قَرَارٍ سَأَتَّخِذُهُ، تُحْصِي عَلَيَّ كُلَّ تَفْصِيلٍ — لَكِنَّكَ لَا تَسْأَلُنِي، مُنْذُ مَتَى، كَيْفَ أَشْعُرُ وَأَنَا أَسْمَعُ أَنَّ أَبِي بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَأَنَا هُنَا، عَلَى بُعْدِ آلَافِ الْكِيلُومِتْرَاتِ، عَاجِزَةً حَتَّى عَنْ أَنْ أَحْزِمَ حَقِيبَةً تُشْبِهُ تِلْكَ الَّتِي حَزَمْتُهَا قَبْلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.”
قَالَ يُوسُفُ، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
“أَنْتِ تَعْلَمِينَ أَنِّي لَا أُحْسِنُ التَّعْبِيرَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.”
“أَعْلَمُ. وَأَنَا أَيْضًا لَمْ أَكُنْ أُحْسِنُهُ. لَكِنَّنَا، يَا يُوسُفُ، نَعِيشُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، نَنْتَبِهُ فِيهِ لِكُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ — الطَّعَامِ، وَالْمَوَاعِيدِ، وَالْفَوَاتِيرِ، حَتَّى نَبْرَةِ صَوْتِي حِينَ أَتَكَلَّمُ فِي الْهَاتِفِ — لَكِنَّنَا نَنْسَى، كِلَانَا، أَنْ نَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَا يُرَى.”
خَرَجَ يُوسُفُ مِنَ الْمَطْبَخِ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى غُرْفَةِ النَّوْمِ، بَلْ إِلَى الشُّرْفَةِ الصَّغِيرَةِ، حَيْثُ اعْتَادَ أَنْ يَقِفَ حِينَ يُثْقِلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَحْمِلُهُ. أَشْعَلَ سِيجَارَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقْلَعَ عَنِ التَّدْخِينِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَتِلْكَ كَانَتْ إِحْدَى الْمَرَّاتِ النَّادِرَةِ الَّتِي يَعُودُ فِيهَا إِلَى الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ حِينَ يَعْجِزُ عَنْ إِيجَادِ كَلِمَاتٍ.
لَمْ يَكُنْ يُوسُفُ رَجُلًا قَاسِيًا، وَإِنْ بَدَا كَذَلِكَ فِي عَيْنَيْ سَلْمَى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ. كَانَ ابْنَ رَجُلٍ سَافَرَ يَوْمًا “لِأَمْرٍ عَاجِلٍ”، عَلَى حَدِّ قَوْلِ أُمِّهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهِ، وَلَمْ يَعُدْ. لَمْ يَمُتْ أَبُوهُ فِي حَادِثٍ مَأْسَاوِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُرْوَى فِي قِصَّةٍ، بَلْ، بِبَسَاطَةٍ، اخْتَفَى فِي رِحْلَةِ عَمَلٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ، وَبَنَى حَيَاةً جَدِيدَةً، وَكَانَ يُرْسِلُ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ مَبْلَغًا مِنَ الْمَالِ، وَكَأَنَّ الْمَالَ يُمْكِنُ أَنْ يَسُدَّ فَرَاغَ أَبٍ غَائِبٍ.
مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، تَعَلَّمَ يُوسُفُ الصَّغِيرُ، دُونَ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَحَدٌ بِالْكَلَامِ، أَنَّ “السَّفَرَ” مُرَادِفٌ لِكَلِمَةِ “الْفُقْدَانِ”، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يَحْزِمُ حَقِيبَةً وَيُغَادِرُ الْبَابَ، قَدْ لَا يَعُودُ أَبَدًا بِالشَّكْلِ الَّذِي غَادَرَ بِهِ. كَبِرَ يُوسُفُ، وَصَارَ رَجُلًا يَحْسُبُ كُلَّ خُطْوَةٍ، وَيُرَاقِبُ كُلَّ تَفْصِيلٍ، لَا لِأَنَّهُ لَا يَثِقُ بِمَنْ يُحِبُّ، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَثِقُ بِالْعَالَمِ نَفْسِهِ، وَلَا بِالطَّرِيقِ نَفْسِهِ، وَلَا بِفِكْرَةِ أَنَّ شَيْئًا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَائِرَةِ يَدِهِ وَلَا يَعُودَ.
لَمْ يَكُنْ قَدْ قَالَ هَذَا لِسَلْمَى مِنْ قَبْلُ، لَا بِمِثْلِ هَذَا الْوُضُوحِ. كَانَ يَخْجَلُ مِنْ أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ “الْحِمَايَةَ” الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ، لَيْسَتْ فِي جَوْهَرِهَا عَنْ سَلْمَى، بَلْ عَنْ طِفْلٍ فِي الثَّامِنَةِ، مَا يَزَالُ يَقِفُ عِنْدَ الْبَابِ، يَنْتَظِرُ أَبًا لَمْ يَعُدْ قَطُّ.
اتَّصَلَ بِهِ كَرِيمٌ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَكَأَنَّ الْأَقْدَارَ أَرَادَتْ أَنْ تَمْنَحَهُ صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَهُ الدَّاخِلِيَّ، لِيَتَكَلَّمَ بَدَلًا مِنْهُ.
“سَمِعْتُ الْخَبَرَ مِنْ زَوْجَتِي، سَمِعْتُ مِنْ رِيمَ. أَبُو سَلْمَى، اللَّهُ يَشْفِيهِ. كَيْفَ حَالُهَا؟”
“مُتَمَاسِكَةٌ أَكْثَرُ مِنِّي، بِصَرَاحَةٍ.”
ضَحِكَ كَرِيمٌ ضَحِكَةً فِيهَا مَرَارَةٌ يَعْرِفُهَا يُوسُفُ جَيِّدًا.
“طَبْعًا. النِّسَاءُ عِنْدَهُنَّ قُوَّةٌ لَا نَفْقَهُهَا نَحْنُ. لَكِنِ اسْمَعْنِي يَا يُوسُفُ، لَا تَدَعْهَا تُسَافِرُ وَحْدَهَا. الْأَوْضَاعُ هُنَاكَ مُتَقَلِّبَةٌ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَتَغَيَّرُ الْأُمُورُ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا. نَحْنُ، فِي النِّهَايَةِ، لَا نَتَحَكَّمُ بِشَيْءٍ. كُلُّ مَا يُمْكِنُنَا فِعْلُهُ هُوَ أَنْ نَحْمِيَ مَنْ نُحِبُّ مِنْ عَوَاقِبِ عَالَمٍ لَا يَرْحَمُ.”
“وَإِنْ كَانَتْ هِيَ لَا تُرِيدُ حِمَايَةً بِهَذَا الشَّكْلِ، يَا كَرِيمُ؟ وَإِنْ كَانَتْ تُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَسْأَلَهَا كَيْفَ تَشْعُرُ؟”
صَمَتَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِنَبْرَةِ مَنْ لَا يَفْهَمُ السُّؤَالَ أَصْلًا:
“هَذِهِ تَرَفٌ، يَا صَدِيقِي. حِينَ يَكُونُ الْعَالَمُ هَادِئًا، نَسْأَلُ: ‘كَيْفَ تَشْعُرِينَ؟’. حِينَ يَكُونُ الْعَالَمُ كَمَا هُوَ الْآنَ، نَسْأَلُ فَقَطْ: ‘كَيْفَ نَحْمِيكِ؟’. هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ عَاشَ مَا عِشْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ يَعِشْهُ.”
أَغْلَقَ يُوسُفُ الْهَاتِفَ، وَوَقَفَ طَوِيلًا يَنْظُرُ إِلَى الْأُفُقِ الرَّمَادِيِّ فَوْقَ أَسْطُحِ الْمَدِينَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْهَادِئَةِ، يُقَارِنُ، دُونَ أَنْ يَقْصِدَ، بَيْنَ صَوْتِ كَرِيمٍ فِي أُذُنِهِ، وَصَوْتِ سَلْمَى فِي قَلْبِهِ، وَصَوْتِ طِفْلٍ صَغِيرٍ، بِدَاخِلِهِ، مَا يَزَالُ يَسْأَلُ: لِمَاذَا لَمْ يَعُدْ أَبِي؟
صَعِدَتْ لِينَا، بَعْدَ أَنْ غَادَرَ أَبَوَاهَا إِلَى الْمَطْبَخِ، إِلَى غُرْفَتِهَا، وَاتَّصَلَتْ بِصَدِيقَتِهَا فَرَحَ، ابْنَةِ عَمِّهَا الَّتِي تَصْغُرُهَا بِعَامٍ وَاحِدٍ، وَالَّتِي تُشَارِكُهَا هَذَا الشُّعُورَ الْغَرِيبَ بِالِانْتِمَاءِ إِلَى مَكَانَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، دُونَ أَنْ تَشْعُرَ بِالِانْتِمَاءِ الْكَامِلِ إِلَى أَيٍّ مِنْهُمَا.
“جَدِّي مَرِيضٌ، يَا فَرَحُ.”
“اللَّهُ يَشْفِيهِ. أَنْتِ بِخَيْرٍ؟”
“لَا أَعْلَمُ. أَشْعُرُ أَنِّي أُرَاقِبُ حِكَايَةً لَيْسَتْ حِكَايَتِي، لَكِنَّهَا تَتَكَرَّرُ أَمَامِي كَأَنَّهَا سَتَصِيرُ حِكَايَتِي أَنَا أَيْضًا يَوْمًا مَا.”
“مَاذَا تَقْصِدِينَ؟”
“أُمِّي وَأَبِي، مُنْذُ الصَّبَاحِ، يَتَصَارَعَانِ بِصَمْتٍ حَوْلَ مَنْ يُقَرِّرُ مَاذَا. أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَحْمِيَهَا، وَأُمِّي تُرِيدُ أَنْ تُسْأَلَ قَبْلَ أَنْ يُقَرَّرَ عَنْهَا أَيُّ شَيْءٍ. وَأَنَا أُفَكِّرُ: هَلْ سَأَعِيشُ أَنَا، يَوْمًا مَا، النِّقَاشَ نَفْسَهُ، مَعَ رَجُلٍ يُحِبُّنِي بِطَرِيقَتِهِ النَّاقِصَةِ، أَمْ سَأَجِدُ طَرِيقَةً مُخْتَلِفَةً؟”
قَالَتْ فَرَحُ، بِصَوْتٍ فِيهِ حِكْمَةٌ تَفُوقُ سِنَّهَا:
“أَظُنُّ أَنَّ جِيلَنَا، يَا لِينَا، لَمْ يَعُدْ يُرِيدُ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ ‘أَنْ يُحْمَى’ أَوْ ‘أَنْ يُهْمَلَ’. نَحْنُ نُرِيدُ شَيْئًا ثَالِثًا لَمْ يَخْتَرِعْهُ أَهْلُنَا بَعْدُ: أَنْ نُرَافَقَ.”
أُعْجِبَتْ لِينَا بِالْكَلِمَةِ. كَتَبَتْهَا فِي دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتِ هَاتِفِهَا: “أَنْ نُرَافَقَ، لَا أَنْ نُحْمَى، وَلَا أَنْ نُتْرَكَ.”
صَعِدَتْ سَلْمَى إِلَى غُرْفَتِهَا. جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، وَالْهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْهَا صَامِتًا الْآنَ، وَكَأَنَّهُ اسْتَنْفَدَ كُلَّ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ مِنْ صَدْمَةٍ.
اتَّصَلَتْ بِرِيمَ.
“يَا رِيمُ، أَبِي…”
لَمْ تَحْتَجْ أَنْ تُكْمِلَ. سَمِعَتْ رِيمُ النَّبْرَةَ، وَفَهِمَتْ.
“أَنَا آتِيَةٌ إِلَيْكِ الْآنَ.”
بَعْدَ نِصْفِ سَاعَةٍ، كَانَتْ رِيمُ تَجْلِسُ أَمَامَهَا، وَبَيْنَهُمَا فِنْجَانَا شَايٍ لَمْ يُشْرَبْ مِنْهُمَا شَيْءٌ.
“سَلْمَى، اسْمَعِينِي. أَعْرِفُ يُوسُفَ، وَأَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ الْأَذَى. لَكِنْ هَلِ انْتَبَهْتِ إِلَى شَيْءٍ؟ مُنْذُ مَتَى وَأَنْتِ تَرْوِينَ لِي كُلَّ تَفْصِيلٍ عَمَّا يَفْعَلُهُ هُوَ مِنْ أَجْلِكِ ظَاهِرِيًّا — يُذَكِّرُكِ بِمَوْعِدِ الطَّبِيبِ، وَيُتَابِعُ أَوْرَاقَ لِينَا الْمَدْرَسِيَّةَ، وَيَعْرِفُ كُلَّ صَدِيقَةٍ تُكَلِّمِينَهَا فِي الْهَاتِفِ — لَكِنْ حِينَ أَسْأَلُكِ: كَيْفَ حَالُكِ أَنْتِ، أَنْتِ بِالذَّاتِ، لَا كَزَوْجَةٍ وَلَا كَأُمٍّ، تَصْمُتِينَ؟”
ضَحِكَتْ سَلْمَى ضَحِكَةً مُرَّةً.
“لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ الْجَوَابَ، يَا رِيمُ. لَا أَعْرِفُ مُنْذُ مَتَى تَوَقَّفْتُ عَنْ سُؤَالِ نَفْسِي هَذَا السُّؤَالَ.”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَخَافُ مِنْهُ عَلَيْكِ. أَنْتِ تَعِيشِينَ فِي بَيْتٍ يُرَاقِبُ كُلَّ شَيْءٍ فِيكِ، وَلَا يَرَى شَيْئًا مِنْكِ. أَتَعْرِفِينَ هِيلْغَا؟ جَارَتَكُمْ؟”
“نَعَمْ؟”
“حَدَّثَتْنِي مَرَّةً عَنْ زَوَاجِهَا مِنْ هَانْزَ. قَالَتْ لِي كَلِمَةً لَمْ أَنْسَهَا: قَالَتْ إِنَّهُمَا، حِينَ يَخْتَلِفَانِ، لَا يَسْأَلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ: ‘مَاذَا فَعَلْتِ؟’، بَلْ يَسْأَلُ: ‘كَيْفَ تَشْعُرِينَ تُجَاهَ مَا فَعَلْتِهِ؟’. الْفَرْقُ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ، يَا سَلْمَى، هُوَ نَفْسُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرَاقَبَةِ وَالرِّعَايَةِ.”
صَمَتَتْ سَلْمَى طَوِيلًا. كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ رِيمَ لَا تُبَالِغُ. رَأَتْ هِيَ نَفْسُهَا، فِي زِيَارَاتٍ قَلِيلَةٍ إِلَى بَيْتِ هِيلْغَا، شَيْئًا مِنْ هَذَا التَّوَازُنِ الَّذِي لَمْ تَعْرِفْهُ فِي بَيْتِهَا: لَا أَحَدَ يُحْصِي عَلَى أَحَدٍ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ حَاضِرُونَ حِينَ يَلْزَمُ الْحُضُورُ.
“لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ أَهْلِي أَوْ مُجْتَمَعِي شَرٌّ كُلُّهُ، يَا رِيمُ. أَبِي، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ يُحِبُّنِي بِطَرِيقَتِهِ.”
“لَمْ أَقُلْ إِنَّهُ شَرٌّ. أَقُولُ إِنَّ ثَمَّةَ طَرِيقَةً فِي الْمَحَبَّةِ تَخْنُقُ، وَطَرِيقَةً أُخْرَى تُنْبِتُ. وَأَنْتِ الْيَوْمَ أَمَامَ اخْتِيَارٍ: هَلْ سَتَذْهَبِينَ إِلَى أَبِيكِ مُحَمَّلَةً بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الْقَدِيمَةِ فِي الْحُبِّ — الطَّرِيقَةِ الَّتِي تُرَاقِبُ وَلَا تَسْأَلُ — أَمْ سَتَذْهَبِينَ وَقَدْ قَرَّرْتِ أَنْ تَكُونِي، أَنْتِ، شَيْئًا مُخْتَلِفًا؟”
قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ رِيمُ، مَرَّتْ نَجَاةُ، أُمُّ يُوسُفَ، لِتَطْمَئِنَّ عَلَى سَلْمَى، كَمَا اعْتَادَتْ أَنْ تَفْعَلَ كُلَّمَا سَمِعَتْ خَبَرًا يَخُصُّ الْعَائِلَةَ، وَلَوْ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ. كَانَتْ نَجَاةُ امْرَأَةً فِي أَوَاخِرِ السِّتِّينِيَّاتِ، مَا تَزَالُ تَحْمِلُ فِي يَدَيْهَا أَثَرَ عَمَلٍ لَا يَتَوَقَّفُ: تَطْبُخُ لِابْنِهَا وَزَوْجَتِهِ وَحَفِيدَتِهَا كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، وَتُتَابِعُ مَوَاعِيدَ الْأَطِبَّاءِ، وَتُذَكِّرُ الْجَمِيعَ بِمَا نَسُوهُ، وَتَظُنُّ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ هُوَ الْحُبُّ فِي أَوْضَحِ صُوَرِهِ.
جَلَسَتْ إِلَى جَانِبِ سَلْمَى، وَأَمْسَكَتْ يَدَهَا، وَقَالَتْ:
“سَلِمْتِ يَا بِنْتِي. اطْمَئِنِّي، اللَّهُ كَرِيمٌ. وَأَنَا هُنَا، سَأَطْبُخُ لَكُمْ طَوَالَ الْأُسْبُوعِ، لَا تَشْغَلِي بَالَكِ بِشَيْءٍ سِوَى أَبِيكِ.”
شَكَرَتْهَا سَلْمَى، لَكِنَّهَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، نَظَرَتْ إِلَى نَجَاةَ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَكَّرَتْ فِي يُوسُفَ، الطِّفْلِ الَّذِي انْتَظَرَ أَبَاهُ عِنْدَ الْبَابِ، وَتَسَاءَلَتْ: أَيْنَ كَانَتْ نَجَاةُ، فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، حِينَ كَانَ ابْنُهَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لَا لِتَطْبُخَ لَهُ، بَلْ لِتَجْلِسَ مَعَهُ وَتَسْأَلَهُ: كَيْفَ تَشْعُرُ وَأَنْتَ بِلَا أَبٍ؟
كَأَنَّ رِيمَ قَرَأَتْ مَا يَدُورُ فِي ذِهْنِ سَلْمَى، فَقَالَتْ بِلُطْفٍ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ نَجَاةُ:
“أُمُّهُ أَحَبَّتْهُ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ، لَكِنَّهَا أَحَبَّتْهُ بِالطَّرِيقَةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي تَعْرِفُهَا: الْعَمَلُ، وَالطَّعَامُ، وَالرِّعَايَةُ الْجَسَدِيَّةُ. لَمْ يُعَلِّمْهَا أَحَدٌ كَيْفَ تَجْلِسُ مَعَ طِفْلٍ حَزِينٍ وَتَسْأَلُهُ عَنْ مَشَاعِرِهِ. هِيَ أَيْضًا، يَا سَلْمَى، لَمْ تُسْأَلْ يَوْمًا هَذَا السُّؤَالَ حِينَ كَانَتْ صَغِيرَةً.”
“إِذَنْ كُلُّنَا نُوَرِّثُ مَا لَمْ نُسْأَلْ عَنْهُ.”
“وَكُلُّنَا نَمْلِكُ، رَغْمَ ذَلِكَ، أَنْ نَبْدَأَ السُّؤَالَ مِنْ عِنْدِنَا.”
نَهَضَتْ سَلْمَى، وَاحْتَضَنَتْ رِيمَ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ وَقَفَتْ عِنْدَ نَافِذَةِ الْمَطْبَخِ تَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ، حَيْثُ كَانَتْ أَضْوَاءُ الْبُيُوتِ الْمُجَاوِرَةِ تُضَاءُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى مَعَ حُلُولِ الْمَسَاءِ، وَفِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَا، بِلَا شَكٍّ، حِكَايَةٌ مُشَابِهَةٌ عَنْ حُبٍّ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَصْحَابُهُ كَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِغَيْرِ الْمُرَاقَبَةِ أَوِ الصَّمْتِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ رِيمُ، جَلَسَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا فِي الْمَطْبَخِ، أَمَامَ الْعَجِينَةِ الَّتِي تَرَكَتْهَا مُنْذُ سَاعَاتٍ، وَالَّتِي جَفَّتِ الْآنَ عَلَى السَّطْحِ وَتَشَقَّقَتْ.
فَكَّرَتْ فِي أَبِيهَا، الرَّجُلِ الَّذِي أَحَبَّهَا بِطَرِيقَتِهِ، وَالَّذِي، حِينَ كَانَتْ فِي السَّادِسَةِ عَشْرَةَ، مَنَعَهَا مِنَ السَّفَرِ مَعَ صَدِيقَاتِهَا إِلَى مَدِينَةٍ مُجَاوِرَةٍ “خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ”، دُونَ أَنْ يَسْأَلَهَا يَوْمًا مَاذَا تُرِيدُ هِيَ أَنْ تَفْعَلَ بِحَيَاتِهَا. تَذَكَّرَتْ كَيْفَ بَكَتْ يَوْمَهَا، وَكَيْفَ قَالَ لَهَا: “يَوْمًا مَا سَتَفْهَمِينَ أَنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِكِ.”
وَفَكَّرَتْ فِي نَفْسِهَا، الْآنَ، فِي هَذَا الْبَيْتِ الْجَدِيدِ، عَلَى بُعْدِ آلَافِ الْكِيلُومِتْرَاتِ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَكَيْفَ وَجَدَتْ نَفْسَهَا، دُونَ أَنْ تَنْتَبِهَ، تَعِيشُ الْحِكَايَةَ ذَاتَهَا مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ: يُوسُفُ يَمْنَعُهَا، وَيُقَرِّرُ مِنْ أَجْلِهَا، “خَوْفًا عَلَيْهَا”، دُونَ أَنْ يَسْأَلَهَا مَاذَا تُرِيدُ هِيَ أَنْ تَفْعَلَ بِحَيَاتِهَا.
أَهَذَا هُوَ الْقَدَرُ؟ أَنْ تَتَكَرَّرَ الْحِكَايَةُ نَفْسُهَا، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، بَيْتًا بَعْدَ بَيْتٍ؟ أَمْ أَنَّ ثَمَّةَ، فِي مَكَانٍ مَا بَيْنَ وُقُوعِ الْحَدَثِ وَتَشَكُّلِ الْمَصِيرِ، مَسَاحَةً صَغِيرَةً يُمْكِنُهَا أَنْ تَخْتَارَ فِيهَا أَلَّا تُوَرِّثَ لِلِينَا مَا وُرِّثَتْهُ هِيَ؟
فَتَحَتْ دَفْتَرَهَا الْقَدِيمَ — الدَّفْتَرَ نَفْسَهُ الَّذِي حَمَلَتْهُ فِي تِلْكَ الْحَقِيبَةِ الْوَاحِدَةِ قَبْلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً — وَكَتَبَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، جُمْلَةً وَاحِدَةً:
“لَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَبِي بِصِفَتِي ضَحِيَّةَ قَرَارٍ قَدِيمٍ، وَلَا بِصِفَتِي غَاضِبَةً مِنْ رَجُلٍ أَحَبَّنِي بِطَرِيقَتِهِ النَّاقِصَةِ. سَأَذْهَبُ لِأَصْنَعَ، أَنَا، مَعْنَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ.”
فِي الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، سَمِعَتْ خُطُوَاتِ يُوسُفَ، مُتَرَدِّدَةً، تَقْتَرِبُ مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَتَوَقَّفُ، ثُمَّ تَعُودُ. عَرَفَتْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ. لَمْ تَفْتَحِ الْبَابَ لَهُ. لَكِنَّهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، لَمْ تَشْعُرْ بِالْغَضَبِ مِنْ صَمْتِهِ، بَلْ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الرِّثَاءِ لَهُ، وَلِنَفْسِهَا، وَلِكُلِّ مَنْ وَرِثَ حُبًّا يَعْرِفُ كَيْفَ يُرَاقِبُ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْأَلُ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ الثَّلَاثَةُ — سَلْمَى وَيُوسُفُ وَلِينَا — حَوْلَ طَاوِلَةِ الْفُطُورِ، فِي صَمْتٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ.
كَسَرَتْ لِينَا الصَّمْتَ، بِصَوْتِهَا الْمُرَاهِقِ الْجَرِيءِ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ الْخَوْفَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ:
“أُمِّي، هَلْ سَتُسَافِرِينَ؟”
“نَعَمْ يَا حَبِيبَتِي.”
“وَحْدَكِ؟”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى يُوسُفَ، ثُمَّ إِلَى ابْنَتِهَا، وَقَالَتْ جُمْلَةً فَاجَأَتِ الْجَمِيعَ، بِمَنْ فِيهِمْ هِيَ نَفْسُهَا:
“سَأُقَرِّرُ أَنَا كَيْفَ أُسَافِرُ، وَمَتَى، وَمَعَ مَنْ. لَكِنِّي أُرِيدُكُمَا، أَنْتُمَا الِاثْنَيْنِ، أَنْ تَعْرِفَا شَيْئًا: لَسْتُ خَائِفَةً مِنَ الطَّرِيقِ. أَنَا خَائِفَةٌ فَقَطْ مِنْ أَنْ أَعُودَ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، وَأَنَا لَمْ أَتَغَيَّرْ بِشَيْءٍ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَيْهَا طَوِيلًا. لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُقَدِّمَ لَهَا حَلًّا، وَلَا أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارًا نِيَابَةً عَنْهَا. قَالَ فَقَطْ:
“أَخْبِرِينِي كَيْفَ أُسَاعِدُكِ، لَا كَيْفَ أَحْمِيكِ. ثَمَّةَ فَرْقٌ، أَظُنُّنِي بَدَأْتُ أَفْهَمُهُ الْآنَ.”
قَالَتْ لِينَا، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهَا بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِأَمَلٍ لَمْ تَعْتَدْ عَلَيْهِ عَلَى هَذِهِ الْمَائِدَةِ:
“هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّكُمَا سَتَتَغَيَّرَانِ؟”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ:
“لَا أَعْلَمُ يَا حَبِيبَتِي إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَغَيَّرُ دَفْعَةً وَاحِدَةً. لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَبْدَأَ. الْيَوْمَ، أَنَا وَأَبُوكِ بَدَأْنَا نَسْأَلُ سُؤَالًا لَمْ نَكُنْ نَسْأَلُهُ مِنْ قَبْلُ. هَذَا لَيْسَ تَغْيِيرًا كَامِلًا، لَكِنَّهُ بِدَايَةٌ.”
“وَجَدِّي؟ هَلْ سَيَتَغَيَّرُ هُوَ أَيْضًا، وَهُوَ فِي الْمُسْتَشْفَى الْآنَ؟”
صَمَتَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ لَا يَخْلُو مِنَ الْحُزْنِ:
“رُبَّمَا لَا. رُبَّمَا سَيَبْقَى أَبِي، حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهِ، رَجُلًا يَظُنُّ أَنَّ الْحُبَّ هُوَ الْمَنْعُ وَالْحِمَايَةُ وَحْدَهُمَا. لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُنِي أَنَا مِنْ أَنْ أَذْهَبَ إِلَيْهِ، لَا لِأُغَيِّرَهُ، بَلْ لِأَفْهَمَهُ، وَلِأُسَامِحَهُ، وَلِأَخْتَارَ، أَنَا، كَيْفَ أُحِبُّهُ دُونَ أَنْ أُكَرِّرَ خَطَأَهُ مَعَكِ.”
نَهَضَتْ مِنْ مَكَانِهَا، وَاقْتَرَبَتْ مِنْ يُوسُفَ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ، بِحَرَكَةٍ بَسِيطَةٍ لَمْ تَفْعَلْهَا مُنْذُ زَمَنٍ.
“شُكْرًا لِأَنَّكَ سَأَلْتَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا.”
“وَأَنَا أَعْتَذِرُ لِأَنِّي لَمْ أَسْأَلْ مِنْ قَبْلُ.”
خَرَجَتْ سَلْمَى بَعْدَ قَلِيلٍ إِلَى الشُّرْفَةِ، وَحْدَهَا، تَحْمِلُ فِنْجَانَ قَهْوَتِهَا، تَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ الْهَادِئِ فِي الصَّبَاحِ الْأَلْمَانِيِّ الْبَارِدِ، وَتُفَكِّرُ فِي الْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ بَيْنَ بَيْتٍ فِي مَدِينَةٍ سُورِيَّةٍ تَرَكَتْهُ قَبْلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبَيْتٍ آخَرَ بَنَتْهُ هُنَا بِيَدَيْهَا، حَجَرًا حَجَرًا، وَخَطَأً خَطَأً، وَحِوَارًا حِوَارًا.
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ نِهَايَةَ الْحِكَايَةِ. لَمْ تَكُنْ حَتَّى بِدَايَتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ. لَكِنَّهَا كَانَتِ اللَّحْظَةَ الَّتِي فِيهَا، وَسْطَ الْأَسَى عَلَى أَبٍ يَرْقُدُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، بَدَأَتْ سَلْمَى تَكْتُبُ، بِيَدِهَا هِيَ، أَوَّلَ سَطْرٍ فِي مَعْنَى حَدَثِهَا الْخَاصِّ، تَارِكَةً الْبَابَ مُوَارَبًا خَلْفَهَا، لَا لِتَهْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي بَنَتْهُ، بَلْ لِتَدْخُلَ إِلَيْهِ مِنْ جَدِيدٍ، بِعَيْنَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَقَلْبٍ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
فِي مَسَاءِ الْيَوْمِ نَفْسِهِ، اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا حَوْلَ مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَسَابِيعَ: سَلْمَى وَيُوسُفُ وَلِينَا، وَنَجَاةُ الَّتِي أَصَرَّتْ أَنْ “تَطْبُخَ لَهُمْ طَوَالَ الْأُسْبُوعِ” فَانْتَهَى بِهَا الْمَطَافُ جَالِسَةً مَعَهُمْ كُلَّ مَسَاءٍ، وَكَرِيمٌ وَزَوْجَتُهُ سُهَى اللَّذَانِ مَرَّا “لِيَطْمَئِنَّا فَقَطْ”، فَبَقِيَا حَتَّى الْعَشَاءِ.
كَانَتِ الْمَائِدَةُ مَلِيئَةً: صُحُونُ الْمُلُوخِيَّةِ الَّتِي أَعَدَّتْهَا نَجَاةُ مُنْذُ الصَّبَاحِ، وَخُبْزٌ مَا يَزَالُ دَافِئًا، وَأَطْبَاقُ سَلَطَةٍ رَتَّبَتْهَا لِينَا بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَكَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَشْغَلَ يَدَيْهَا بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بَيْنَمَا رَأْسُهَا مَشْغُولٌ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى لَا تُرَى.
لَكِنْ، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الِامْتِلَاءِ الظَّاهِرِ، كَانَتِ الْمَائِدَةُ، فِي جَوْهَرِهَا، فَارِغَةً مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُهِمُّ فِعْلًا.
كَانَتْ هَذِهِ طَبِيعَةَ مَوَائِدَ كَثِيرَةٍ عَرَفَتْهَا سَلْمَى فِي حَيَاتِهَا: مَوَائِدَ تَمْتَلِئُ بِالْأَطْبَاقِ وَالْأَصْوَاتِ وَالضَّحِكَاتِ الْمُجَامِلَةِ، بَيْنَمَا يَجْلِسُ عَلَى أَطْرَافِهَا، دُونَ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ، سُؤَالٌ ثَقِيلٌ يَخَافُ الْجَمِيعُ أَنْ يَلْمَسُوهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَنْكَشِفَ تَحْتَهُ سُؤَالٌ أَثْقَلُ. كَانَتْ تَتَذَكَّرُ مَوَائِدَ طُفُولَتِهَا فِي دِمَشْقَ، حِينَ كَانَ يُعْقَدُ اجْتِمَاعٌ عَائِلِيٌّ كَامِلٌ حَوْلَ قَرَارٍ مَصِيرِيٍّ يَخُصُّ أَحَدَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَيَتَحَدَّثُ فِيهِ الْجَمِيعُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا عَنْ جَوْهَرِ الْقَرَارِ نَفْسِهِ، حَتَّى يَصِلَ الْحَدِيثُ، بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ الدَّوَرَانِ، إِلَى نَتِيجَةٍ يَبْدُو وَكَأَنَّهَا اتُّخِذَتْ بِالْإِجْمَاعِ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُسْتَشَرْ فِعْلِيًّا.
كَانَتْ تَخْشَى، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى مَائِدَتِهَا الْجَدِيدَةِ هُنَا فِي أَلْمَانْيَا، أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّمَطُ قَدْ هَاجَرَ مَعَهَا، فِي تِلْكَ الْحَقِيبَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي حَمَلَتْهَا قَبْلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، دُونَ أَنْ تَنْتَبِهَ أَنَّهَا حَمَلَتْهُ أَصْلًا.
“الْمُلُوخِيَّةُ طَيِّبَةٌ جِدًّا يَا خَالَتِي نَجَاةُ، اللَّهُ يُعْطِيكِ الْعَافِيَةَ،” قَالَتْ سُهَى، وَهِيَ تَمُدُّ يَدَهَا لِصَحْنٍ ثَانٍ.
“صِحَّتَيْنِ وَعَافِيَةً. يُوسُفُ كَانَ يُحِبُّهَا مُنْذُ صِغَرِهِ، أَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُهَا كُلَّ أُسْبُوعَيْنِ.”
ابْتَسَمَ يُوسُفُ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً، وَنَظَرَ إِلَى سَلْمَى، الَّتِي كَانَتْ تُقَلِّبُ الطَّعَامَ فِي صَحْنِهَا دُونَ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا يُذْكَرُ.
“سَلْمَى، كُلِي شَيْئًا، يَا بِنْتِي، لَنْ يُفِيدَكِ الْجُوعُ،” قَالَتْ نَجَاةُ بِحَنَانٍ صَادِقٍ، لَكِنَّهُ حَنَانٌ مُوَجَّهٌ نَحْوَ الْجَسَدِ وَحْدَهُ.
“سَآكُلُ، لَا تَقْلَقِي.”
صَمْتٌ قَصِيرٌ. ثُمَّ عَادَ كَرِيمٌ إِلَى الْحَدِيثِ، بِنَبْرَةٍ مِنْ يُرِيدُ أَنْ يَمْلَأَ الْفَرَاغَ بِأَيِّ شَيْءٍ:
“سَمِعْتُ أَنَّ الطَّقْسَ سَيَكُونُ بَارِدًا جِدًّا هَذَا الْأُسْبُوعَ. لِينَا، كَيْفَ الْمَدْرَسَةُ؟”
“بِخَيْرٍ،” أَجَابَتْ لِينَا بِإِيجَازٍ، دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنْ صَحْنِهَا.
كَانَتْ هَذِهِ طَبِيعَةَ الْحِوَارِ عَلَى تِلْكَ الْمَائِدَةِ: أَسْئِلَةٌ عَنِ الطَّقْسِ، وَالطَّعَامِ، وَالْمَدْرَسَةِ، بَيْنَمَا السُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ — مَاذَا سَيَحْدُثُ لِأَبِي سَلْمَى؟ هَلْ سَتُسَافِرُ؟ مَتَى؟ مَعَ مَنْ؟ وَمَاذَا يَعْنِي هَذَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا؟ — يَبْقَى مُعَلَّقًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، كَسَحَابَةٍ يَرْفُضُ الْجَمِيعُ النَّظَرَ إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً.
كَسَرَتْ سُهَى الصَّمْتَ أَخِيرًا، بِجَرَاءَةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا سَلْمَى مِنْهَا:
“سَلْمَى، لَا تُؤَاخِذِينِي، لَكِنْ هَلْ قَرَّرْتِ مَتَى سَتُسَافِرِينَ؟”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى سَلْمَى بِتَرَقُّبٍ، وَكَأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي طُرِحَ بِصَوْتِ سُهَى كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ سُؤَالَهُ هُوَ، الْمَكْتُومَ مُنْذُ الصَّبَاحِ.
“لَمْ أَحْسِمْ بَعْدُ. أَنْتَظِرُ خَبَرَ الطَّبِيبِ عَنْ حَالَةِ أَبِي، هَلْ يَحْتَاجُ عَمَلِيَّةً أَمْ لَا. إِنِ احْتَاجَهَا، سَأُسَافِرُ فَوْرَ اسْتِقْرَارِ وَضْعِهِ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ.”
“وَحْدَكِ؟” سَأَلَتْ سُهَى، وَنَظَرَتْ خُلْسَةً إِلَى يُوسُفَ.
كَانَ هَذَا هُوَ السُّؤَالَ الَّذِي حَاوَلَ الْجَمِيعُ تَجَنُّبَهُ طَوَالَ الْمَسَاءِ، وَالْآنَ، وَقَدْ طُرِحَ بِصَرَاحَةٍ، شَعَرَتْ سَلْمَى أَنَّ كُلَّ الْأَعْيُنِ تَحَوَّلَتْ إِلَيْهَا، تَنْتَظِرُ إِجَابَةً تُرْضِي الْجَمِيعَ.
“لَمْ أُقَرِّرْ بَعْدُ. لَكِنْ مَهْمَا قَرَّرْتُ، سَأُقَرِّرُهُ أَنَا.”
قَالَتْ نَجَاةُ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا قَلَقٌ حَقِيقِيٌّ، لَا افْتِعَالَ:
“يَا بِنْتِي، الطَّرِيقُ لَيْسَ كَمَا كَانَ. حَتَّى لَوِ اسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ قَلِيلًا، هُنَاكَ دَائِمًا مُفَاجَآتٌ. أَنَا أَقُولُ هَذَا لِأَنِّي أُحِبُّكِ، لَا لِأَزِيدَ هَمَّكِ.”
“أَعْرِفُ يَا خَالَتِي، وَأُقَدِّرُ قَلَقَكِ. لَكِنِ اسْمَحِي لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا: كُلُّ مَنْ حَوْلِي، مُنْذُ الصَّبَاحِ، يَقُولُ لِي ‘أَنَا أُحِبُّكِ، لِذَلِكَ لَنْ أَدَعَكِ تَذْهَبِينَ وَحْدَكِ’. لَكِنْ لَا أَحَدَ سَأَلَنِي: مَاذَا تُرِيدِينَ أَنْتِ؟ هَلْ تُرِيدِينَ أَنْ تَذْهَبِي وَحْدَكِ أَمْ بِرُفْقَةِ أَحَدٍ؟ مَا الَّذِي يَجْعَلُكِ تَشْعُرِينَ بِالْأَمَانِ؟”
سَادَ الْمَائِدَةَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْ قَبْلُ.
كَسَرَ كَرِيمٌ الصَّمْتَ، مُحَاوِلًا الْعَوْدَةَ إِلَى مَنْطِقِهِ الْمُعْتَادِ:
“سَلْمَى، افْهَمِينَا. نَحْنُ لَا نُحَاوِلُ التَّحَكُّمَ بِكِ. نَحْنُ فَقَطْ قَلِقُونَ. هَذَا طَبِيعِيٌّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا يُوسُفُ؟”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى صَحْنِهِ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ. كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ يَتَغَيَّرُ، بِبُطْءٍ، مُنْذُ حَدِيثِ الصَّبَاحِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ الْآنَ: هَلْ يَعُودُ إِلَى الدَّوْرِ الْقَدِيمِ — دَوْرِ “الرَّجُلِ الَّذِي يَحْمِي وَيُقَرِّرُ” — أَمْ يُجَرِّبُ شَيْئًا جَدِيدًا لَمْ يَتَدَرَّبْ عَلَيْهِ قَطُّ؟
“أَظُنُّ… أَظُنُّ أَنَّ الْقَلَقَ شَيْءٌ، وَالتَّحَكُّمَ شَيْءٌ آخَرُ، يَا كَرِيمُ. نَحْنُ، كَعَائِلَةٍ، لَطَالَمَا خَلَطْنَا بَيْنَهُمَا. اعْتَقَدْنَا أَنَّ قَلَقَنَا عَلَى مَنْ نُحِبُّ يَمْنَحُنَا الْحَقَّ فِي أَنْ نُقَرِّرَ عَنْهُمْ. لَكِنَّ سَلْمَى عَلَّمَتْنِي الْيَوْمَ شَيْئًا: يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ قَلِقًا، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، أَسْأَلَهَا مَاذَا تُرِيدُ، بَدَلَ أَنْ أَفْرِضَ عَلَيْهَا مَا أَظُنُّ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ لَهَا.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ صَادِقَةٍ. لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَمَامَ الْجَمِيعِ، بِمِثْلِ هَذَا الْوُضُوحِ.
اعْتَرَضَتْ سُهَى، بِنَبْرَةٍ فِيهَا حِرْصٌ لَا عَدَاوَةَ:
“لَكِنْ يَا يُوسُفُ، أَلَيْسَ هَذَا خَطِيرًا؟ مَاذَا لَوْ حَدَثَ لَهَا مَكْرُوهٌ وَأَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ كُلَّ مَا بِوُسْعِكَ لِمَنْعِهِ؟”
“وَمَاذَا لَوْ حَدَثَ لَهَا مَكْرُوهٌ وَهِيَ تَشْعُرُ، طَوَالَ الطَّرِيقِ، أَنَّهَا لَمْ تُسْتَشَرْ فِي قَرَارِهَا الْخَاصِّ؟ أَيُّ الْخَطَرَيْنِ أَعْظَمُ، يَا سُهَى؟”
فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَتْ لِينَا تُرَاقِبُ الْحِوَارَ بِصَمْتٍ، تَنْقُلُ عَيْنَيْهَا بَيْنَ وَالِدَيْهَا، وَتَشْعُرُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الِاكْتِشَافَ: أَنَّ الْكِبَارَ، الَّذِينَ ظَنَّتْهُمْ دَائِمًا يَعْرِفُونَ الْإِجَابَاتِ، يَتَخَبَّطُونَ هُمْ أَيْضًا فِي أَسْئِلَةٍ لَا يَعْرِفُونَ حَلَّهَا.
“أُمِّي،” قَالَتْ فَجْأَةً، بِصَوْتٍ أَعْلَى قَلِيلًا مِنْ هَمْسِهَا الْمُعْتَادِ، “أَنَا أَيْضًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا.”
الْتَفَتَتْ جَمِيعُ الْأَعْيُنِ إِلَيْهَا.
“طَوَالَ هَذَا الْيَوْمِ، كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ عَنِ الْخَوْفِ. خَوْفُ جَدِّي مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ، خَوْفُ أَبِي مِنَ الطَّرِيقِ، خَوْفُ كَرِيمَ عَمُّو مِنَ الْعَالَمِ. وَلَا أَحَدَ تَكَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ: أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَرِثَ هَذَا الْخَوْفَ. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أَكُونُ جَرِيئَةً، لَا لِأَنِّي لَا أَخَافُ، بَلْ لِأَنِّي أَخْتَارُ أَلَّا يَقُودَنِي خَوْفِي.”
قَالَتْ نَجَاةُ، بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِإِعْجَابٍ:
“مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الْكَلَامُ يَا بُنَيَّتِي، وَأَنْتِ بَعْدُ فِي الْمَدْرَسَةِ؟”
“مِنْ فَرَحَ، وَمِنْ أَشْيَاءَ أَقْرَؤُهَا، وَمِنْ أَنِّي أَرَى، كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، كَيْفَ يَخَافُ أَهْلِي مِنْ أَشْيَاءَ لَا أَفْهَمُ لِمَاذَا يَخَافُونَ مِنْهَا. أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّكُمْ تُرَاقِبُونَ كُلَّ حَرَكَةٍ أَفْعَلُهَا، تَسْأَلُونَنِي مَعَ مَنْ تَكَلَّمْتُ، أَيْنَ ذَهَبْتُ، مَاذَا أَكَلْتُ. لَكِنْ لَا أَحَدَ يَسْأَلُنِي، حَقًّا، كَيْفَ أَشْعُرُ وَأَنَا أَعِيشُ بَيْنَ لُغَتَيْنِ وَبَلَدَيْنِ وَهُوِيَّتَيْنِ، وَلَا أَعْرِفُ أَيَّهُمَا أَنَا فِعْلًا.”
اقْتَرَبَتْ سَلْمَى مِنْهَا، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى يَدِ ابْنَتِهَا.
“أَعْتَذِرُ يَا حَبِيبَتِي، إِنْ كُنَّا قَصَّرْنَا فِي هَذَا السُّؤَالِ.”
“لَا أُرِيدُ اعْتِذَارًا يَا أُمِّي. أُرِيدُ أَنْ يَبْدَأَ هَذَا السُّؤَالُ يُطْرَحُ فِعْلًا، لَا أَنْ يُقَالَ مَرَّةً ثُمَّ يُنْسَى.”
بَعْدَ أَنْ نَهَضَتْ سُهَى لِمُسَاعَدَةِ نَجَاةَ فِي تَقْدِيمِ الشَّايِ، بَقِيَتْ نَجَاةُ لَحْظَةً صَامِتَةً، تَنْظُرُ إِلَى الْفَنَاجِينِ وَهِيَ تُمْلَأُ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتٍ خَفِيضٍ لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا سَلْمَى، الَّتِي كَانَتْ أَقْرَبَ الْجَالِسِينَ إِلَيْهَا:
“أَتَعْرِفِينَ يَا سَلْمَى، أَنَا أَيْضًا كَانَ عِنْدِي أَبٌ مَرِيضٌ، حِينَ كُنْتُ فِي سِنِّ لِينَا تَقْرِيبًا. لَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ، فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، يَسْأَلُ فَتَاةً فِي السَّادِسَةِ عَشْرَةَ: كَيْفَ تَشْعُرِينَ وَأَنْتِ تَرَيْنَ أَبَاكِ يَذْبُلُ أَمَامَ عَيْنَيْكِ؟ كُنَّا فَقَطْ نُطَالَبُ بِأَنْ نُسَاعِدَ فِي الْبَيْتِ، أَنْ نَطْبُخَ، أَنْ نَغْسِلَ، أَنْ نَصْمُتَ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُتَّسَعٌ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَشَاعِرِ، كَانَ هُنَاكَ فَقَطْ مُتَّسَعٌ لِلْوَاجِبِ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهَا بِدَهْشَةٍ. لَمْ تَكُنْ نَجَاةُ قَدْ تَحَدَّثَتْ عَنْ مَاضِيهَا بِهَذَا الشَّكْلِ مِنْ قَبْلُ.
“وَلَمْ يَسْأَلْكِ أَحَدٌ، يَا خَالَتِي، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ؟”
“لَا. وَحِينَ تَزَوَّجْتُ، وَأَنْجَبْتُ يُوسُفَ، ظَنَنْتُ أَنَّ الْحُبَّ هُوَ أَنْ أَفْعَلَ لَهُ كُلَّ مَا لَمْ يُفْعَلْ لِي: أَنْ أَطْبُخَ لَهُ، أَنْ أُرَتِّبَ لَهُ غُرْفَتَهُ، أَنْ أَحْمِيَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةً أُخْرَى لِلْحُبِّ، طَرِيقَةً تَسْأَلُ بَدَلَ أَنْ تَخْدُمَ فَقَطْ. الْيَوْمَ، وَأَنَا أَسْمَعُكُمْ تَتَكَلَّمُونَ، أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَسَى عَلَى نَفْسِي الصَّغِيرَةِ تِلْكَ، وَعَلَى يُوسُفَ الصَّغِيرِ الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ، لَكِنْ بِلُغَةٍ نَاقِصَةٍ.”
أَمْسَكَتْ سَلْمَى يَدَ نَجَاةَ بِحَنَانٍ.
“لُغَتُكِ لَمْ تَكُنْ نَاقِصَةً يَا خَالَتِي، كَانَتِ اللُّغَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي عَرَفْتِهَا. لَكِنْ يُمْكِنُنَا، مَعًا، أَنْ نَتَعَلَّمَ لُغَةً جَدِيدَةً، دُونَ أَنْ نُلْغِيَ الْقَدِيمَةَ.”
ابْتَسَمَتْ نَجَاةُ، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِدَمْعٍ لَمْ يَسْقُطْ.
“هَذَا أَجْمَلُ مَا سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، يَا بِنْتِي.”
جَلَسَتْ نَجَاةُ صَامِتَةً لِلَحْظَةٍ، تَتَأَمَّلُ الْفَنَاجِينَ الْمُصَفَّفَةَ أَمَامَهَا، ثُمَّ أَضَافَتْ، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
“أَتَعْرِفِينَ، لَمْ أُخْبِرْ يُوسُفَ بِهَذَا مِنْ قَبْلُ، لَكِنِّي أُخْبِرُكِ أَنْتِ، لِأَنَّكِ صِرْتِ ابْنَتِي أَيْضًا: كُنْتُ أَظُنُّ، طَوَالَ حَيَاتِي، أَنَّ حُبِّي لَهُ سَيَكُونُ كَافِيًا وَحْدَهُ، دُونَ كَلَامٍ، دُونَ سُؤَالٍ، دُونَ اعْتِرَافٍ. الْيَوْمَ فَقَطْ بَدَأْتُ أَفْهَمُ أَنَّ الْحُبَّ الَّذِي لَا يُقَالُ، مَهْمَا كَانَ عَمِيقًا، يَبْقَى نَاقِصًا فِي يَدِ مَنْ يَتَلَقَّاهُ.”
سَادَ صَمْتٌ بَيْنَ كَرِيمٍ وَسُهَى لِدَقَائِقَ، قَبْلَ أَنْ تَكْسِرَهُ سُهَى، بِصَوْتٍ لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تَسْتَخْدِمَهُ مَعَهُ:
“لَاحَظْتُ كَيْفَ تَكَلَّمَ يُوسُفُ اللَّيْلَةَ.”
“نَعَمْ، غَرِيبٌ عَلَيْهِ. لَمْ أَعْرِفْهُ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ مِنْ قَبْلُ.”
“أَتَعْرِفُ؟ أَنَا أَحْسِدُهُ عَلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ. تَمَنَّيْتُ، أَنَا أَيْضًا، أَنْ أَسْمَعَكَ يَوْمًا تَقُولُ شَيْئًا كَهَذَا.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَرِيمٌ بِارْتِبَاكٍ:
“مَاذَا تَقْصِدِينَ؟ أَلَا أَهْتَمُّ بِكِ؟”
“لَا أَقْصِدُ هَذَا. أَقْصِدُ أَنَّكَ، مِثْلَ يُوسُفَ تَمَامًا، تُرَاقِبُ كُلَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي — أَيْنَ أَذْهَبُ، مَعَ مَنْ أَتَكَلَّمُ، كَمْ أُنْفِقُ — لَكِنَّكَ لَمْ تَسْأَلْنِي، مُنْذُ سَنَتَيْنِ، عَنْ حُلْمِي الْقَدِيمِ فِي أَنْ أَفْتَحَ مَشْرُوعِي الْخَاصَّ. تُرَاقِبُنِي، يَا كَرِيمُ، لَكِنَّكَ لَا تَرَانِي.”
تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ عِنْدَ إِشَارَةٍ حَمْرَاءَ، وَبَقِيَ كَرِيمٌ صَامِتًا طَوِيلًا، حَتَّى تَحَوَّلَ الضَّوْءُ إِلَى الْأَخْضَرِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ.
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الْأَمْرَ وَصَلَ بِكِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ مِنَ الشُّعُورِ بِالْإِهْمَالِ.”
“لِأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْ، يَا كَرِيمُ. تَمَامًا كَمَا قَالَتْ سَلْمَى اللَّيْلَةَ.”
“وَأَنَا… أَخَافُ، إِنْ سَمَحْتُ لَكِ بِمَشْرُوعِكِ، أَنْ تَنْشَغِلِي عَنِّي، عَنِ الْبَيْتِ، عَنِ الْأَوْلَادِ. أَخَافُ أَنْ أَفْقِدَ السَّيْطَرَةَ عَلَى شَيْءٍ بَنَيْتُهُ بِيَدِي طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.”
“السَّيْطَرَةَ عَلَى مَاذَا، يَا كَرِيمُ؟ عَلَى بَيْتٍ، أَمْ عَلَيَّ أَنَا؟”
لَمْ يُجِبْ فَوْرًا. نَظَرَ إِلَى الطَّرِيقِ أَمَامَهُ، وَإِلَى أَضْوَاءِ الْمَدِينَةِ الْمُتَنَاثِرَةِ، وَتَذَكَّرَ، دُونَ أَنْ يَشَاءَ، صُورَةً قَدِيمَةً لِأُمِّهِ، وَهِيَ تَعْمَلُ فِي مَتْجَرٍ صَغِيرٍ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَبُوهُ، ثُمَّ تَتْرُكُهُ، بِطَلَبٍ مِنْ أَبِيهِ، لِتَتَفَرَّغَ “لِرِعَايَةِ الْبَيْتِ”. لَمْ يَسْأَلْ نَفْسَهُ يَوْمًا إِنْ كَانَتْ أُمُّهُ سَعِيدَةً بِهَذَا الْقَرَارِ، أَمْ أَنَّهَا، هِيَ أَيْضًا، حَمَلَتْ طَوَالَ حَيَاتِهَا حُلْمًا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ أَحَدٌ.
“رُبَّمَا أَنَا أُكَرِّرُ شَيْئًا لَمْ أَنْتَبِهْ أَنَّنِي أَحْمِلُهُ، يَا سُهَى. سَأُفَكِّرُ فِيمَا قُلْتِهِ، بِجِدِّيَّةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا كَمَا أَفْعَلُ عَادَةً حِينَ أَعِدُكِ بِالتَّفْكِيرِ ثُمَّ أَنْسَى.”
“هَذَا كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ الْآنَ: أَنْ تُفَكِّرَ، لَا أَنْ تُقَرِّرَ فَوْرًا.”
بَعْدَ أَنْ غَادَرَ كَرِيمٌ وَسُهَى، وَبَعْدَ أَنْ أَوَتْ نَجَاةُ إِلَى غُرْفَتِهَا الْمُؤَقَّتَةِ فِي الْبَيْتِ، بَقِيَتْ سَلْمَى وَيُوسُفُ وَلِينَا وَحْدَهُمْ حَوْلَ الْمَائِدَةِ الَّتِي لَمْ تُرْفَعْ صُحُونُهَا بَعْدُ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَكَأَنَّهَا تُفَكِّرُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ:
“أَتَعْرِفَانِ؟ طَوَالَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ بَيْتِنَا هُنَا وَبَيْتِي هُنَاكَ هُوَ فَارِقُ جُغْرَافِيَا فَقَطْ. لَكِنِّي أَكْتَشِفُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، أَنَّ الْفَارِقَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ فِي نَوْعِ الْحُبِّ الَّذِي نُمَارِسُهُ. هُنَاكَ، كَانَ الْحُبُّ يَعْنِي: أَنَا أُرَاقِبُكَ لِأَحْمِيَكَ. وَهُنَا، حَاوَلْنَا أَنْ نَبْنِيَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا، لَكِنَّنَا، دُونَ أَنْ نَدْرِيَ، أَعَدْنَا إِنْتَاجَ النَّمُوذَجِ الْقَدِيمِ نَفْسِهِ، بِلُغَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ.”
قَالَ يُوسُفُ:
“وَمَا الْحُبُّ الَّذِي تُرِيدِينَهُ أَنْتِ؟ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَبْنِيَهُ؟”
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“حُبٌّ يَسْأَلُ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ. حُبٌّ يَنْتَبِهُ إِلَى مَا بِدَاخِلِنَا لَا إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنَّا فَقَطْ. حُبٌّ لَا يَخْلِطُ بَيْنَ الْحِمَايَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَلَا بَيْنَ الرِّعَايَةِ وَالتَّحَكُّمِ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ مَا رَأَيْتُهُ عِنْدَ هِيلْغَا وَهَانْزَ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ اسْمَهُ حَتَّى تَحَدَّثَتْ مَعِي رِيمُ عَنْهُ بِوُضُوحٍ.”
قَالَتْ لِينَا، بِابْتِسَامَةٍ خَجُولَةٍ:
“أَنْ نُرَافَقَ، لَا أَنْ نُحْمَى وَلَا أَنْ نُتْرَكَ. هَذَا مَا قَالَتْهُ فَرَحُ الْيَوْمَ.”
ضَحِكَتْ سَلْمَى، ضَحِكَةً حَقِيقِيَّةً لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ الصَّبَاحِ.
“جُمْلَةٌ جَمِيلَةٌ. أَظُنُّ أَنَّنَا سَنَحْتَاجُ أَنْ نَتَعَلَّمَهَا، نَحْنُ الثَّلَاثَةُ، مِنْ جَدِيدٍ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَتْ لِينَا، جَلَسَ يُوسُفُ وَسَلْمَى فِي الصَّالَةِ، وَحْدَهُمَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ دُونَ أَنْ يَشْغَلَ أَحَدُهُمَا هَاتِفَهُ أَوِ التِّلْفَازَ.
“سَلْمَى، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ لَمْ أُخْبِرْكِ بِهِ مِنْ قَبْلُ.”
“أَنَا أَسْتَمِعُ.”
“حِينَ كُنْتُ أُصِرُّ عَلَى مُرَافَقَتِكِ، لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَنْ عَدَمِ ثِقَتِي بِكِ. كَانَ عَنْ خَوْفِي أَنَا. أَبِي غَادَرَ يَوْمًا، وَلَمْ يَعُدْ. وَأَنَا، مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَعِيشُ بِخَوْفٍ دَفِينٍ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُحِبُّهُ، إِنْ سَافَرَ بَعِيدًا عَنِّي، فَقَدْ لَا يَعُودُ بِالشَّكْلِ نَفْسِهِ، أَوْ قَدْ لَا يَعُودُ أَصْلًا.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ، وَأَمْسَكَتْ يَدَهُ.
“لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِهَذَا مِنْ قَبْلُ، يَا يُوسُفُ؟”
“لِأَنِّي كُنْتُ أَخْجَلُ. رَجُلٌ يَخَافُ؟ هَذَا مَا لَمْ أَتَعَلَّمْ كَيْفَ أَقُولُهُ بِصَوْتٍ عَالٍ.”
“الْخَوْفُ لَيْسَ عَيْبًا. الْعَيْبُ أَنْ نَجْعَلَ مِنْ خَوْفِنَا قَرَارًا نَفْرِضُهُ عَلَى مَنْ نُحِبُّ دُونَ أَنْ نُخْبِرَهُمْ بِمَصْدَرِهِ.”
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، يَسْتَمِعَانِ إِلَى صَوْتِ السَّاعَةِ الْحَائِطِيَّةِ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْوَحِيدُ الَّذِي بَقِيَ فِي الْبَيْتِ الْهَادِئِ.
ثُمَّ قَالَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ هَادِئٍ حَازِمٍ:
“سَأُسَافِرُ، يَا يُوسُفُ. وَسَأُسَافِرُ وَحْدِي، فِي الْبِدَايَةِ عَلَى الْأَقَلِّ، لِأَرَى أَبِي، وَلِأَفْهَمَ، أَنَا، مَا الَّذِي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَهُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ. لَكِنِّي أَعِدُكَ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ: سَأَتَّصِلُ بِكَ كُلَّ يَوْمٍ، لَا لِأَنَّكَ تُرَاقِبُنِي، بَلْ لِأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَكَ مَا أَشْعُرُ بِهِ، لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ، كَمَا لَمْ أَفْعَلْ مِنْ قَبْلُ.”
أَطْرَقَ يُوسُفُ رَأْسَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ:
“اتَّفَقْنَا. وَأَنَا سَأُحَاوِلُ، كُلَّ يَوْمٍ، أَنْ أَسْأَلَكِ ‘كَيْفَ تَشْعُرِينَ’ قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَكِ ‘مَاذَا فَعَلْتِ’.”
لَمْ يَكُنْ هَذَا حَلًّا كَامِلًا لِكُلِّ مَا بَيْنَهُمَا. لَمْ تَكُنْ مَائِدَةُ الْعَشَاءِ تِلْكَ قَدْ قَالَتْ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدُ. لَكِنَّهَا كَانَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، مَائِدَةً بَدَأَ فِيهَا مَا لَمْ يُقَلْ يَتَسَلَّلُ، بِبُطْءٍ، إِلَى الْكَلَامِ.
فِي غُرْفَتِهَا، قَبْلَ أَنْ تَنَامَ، فَتَحَتْ لِينَا دَفْتَرًا صَغِيرًا أَهْدَتْهَا إِيَّاهُ مُعَلِّمَةُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَكَتَبَتْ فِيهِ، بِخَطِّ يَدٍ مُتَعَثِّرٍ بَعْضَ الشَّيْءِ لِأَنَّهَا اعْتَادَتْ أَكْثَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ بِالْأَلْمَانِيَّةِ:
“اللَّيْلَةَ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ أُمِّي وَأَبِي، وَعَمِّي كَرِيمَ وَزَوْجَتَهُ، وَحَتَّى جَدَّتِي نَجَاةَ، كُلَّهُمْ يَحْمِلُونَ خَوْفًا لَمْ يَخْتَرِعُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ، بَلْ وَرِثُوهُ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، كَمَا نَرِثُ لَوْنَ الْعُيُونِ أَوْ شَكْلَ الِابْتِسَامَةِ. وَأَنَا، الْآنَ، أَقِفُ عِنْدَ مُفْتَرَقٍ: هَلْ سَأَرِثُ أَنَا أَيْضًا هَذَا الْخَوْفَ دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ، أَمْ سَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَكْسِرُ السِّلْسِلَةَ؟”
تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَتْ:
“أَظُنُّ أَنَّ الْجَرَاءَةَ لَيْسَتْ غِيَابَ الْخَوْفِ. أَظُنُّ أَنَّ الْجَرَاءَةَ هِيَ أَنْ أَرَى خَوْفِي، أَنْ أَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ أَتَى، ثُمَّ أَخْتَارَ، رَغْمَ ذَلِكَ، أَنْ أَمُدَّ يَدِي نَحْوَ الْجَدِيدِ وَالْغَرِيبِ وَالْمَجْهُولِ. تَمَامًا كَمَا فَعَلَتْ أُمِّي حِينَ قَرَّرَتْ، الْيَوْمَ، أَنَّهَا سَتُسَافِرُ.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَأَطْفَأَتِ النُّورَ، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ مُسْتَيْقِظَةً لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، تَسْتَمِعُ إِلَى أَصْوَاتِ هَمْسٍ خَافِتَةٍ تَصِلُهَا مِنَ الصَّالَةِ، حَيْثُ كَانَ وَالِدَاهَا مَا يَزَالَانِ يَتَحَدَّثَانِ، بِصَوْتٍ لَمْ تَعْرِفْهُ بَيْنَهُمَا مِنْ قَبْلُ: صَوْتٌ هَادِئٌ، بَطِيءٌ، بِلَا اتِّهَامٍ، بِلَا دِفَاعٍ، وَكَأَنَّهُمَا يُعِيدَانِ تَعَلُّمَ لُغَةٍ نَسِيَاهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
فِي الصَّالَةِ، كَانَ يُوسُفُ وَسَلْمَى مَا يَزَالَانِ جَالِسَيْنِ، وَقَدْ ضَاقَ بَيْنَهُمَا الْمَكَانُ قَلِيلًا، لَا بِمَعْنَى الِازْدِحَامِ، بَلْ بِمَعْنَى الْأُلْفَةِ الَّتِي عَادَتْ تَتَسَلَّلُ إِلَى الْغُرْفَةِ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ.
قَالَتْ سَلْمَى، بَعْدَ صَمْتٍ:
“أَتَعْرِفُ يَا يُوسُفُ؟ أَعْتَقِدُ أَنَّ مَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ، عَلَى هَذِهِ الْمَائِدَةِ، هُوَ أَهَمُّ مِمَّا حَدَثَ بَيْنَنَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. لَمْ نَحُلَّ شَيْئًا كَامِلًا، لَكِنَّنَا بَدَأْنَا نَقُولُ أَشْيَاءَ كُنَّا نَحْتَفِظُ بِهَا فِي صُدُورِنَا كَالْأَمَانَاتِ الثَّقِيلَةِ.”
“أُوَافِقُكِ. وَأَشْعُرُ، بِصَرَاحَةٍ، بِخِفَّةٍ غَرِيبَةٍ، وَكَأَنَّ جُزْءًا مِنْ حِمْلٍ قَدِيمٍ بَدَأَ يَخِفُّ عَنْ كَتِفِي، فَقَطْ لِأَنِّي قُلْتُ أَخِيرًا لِمَاذَا أَخَافُ.”
“وَأَنَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مُشَابِهٍ. طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ بَيْنَ أَنْ أَكُونَ الْبِنْتَ الْمُطِيعَةَ الَّتِي لَا تُخَيِّبُ ظَنَّ أَهْلِهَا، أَوِ الْمَرْأَةَ الْمُتَمَرِّدَةَ الَّتِي تَقْطَعُ كُلَّ جِسْرٍ مَعَ مَاضِيهَا. اللَّيْلَةَ، أَدْرَكْتُ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا ثَالِثًا: أَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَبِي، بِكُلِّ حُبِّي لَهُ، وَبِكُلِّ اخْتِلَافِي عَنْهُ، دُونَ أَنْ أُلْغِيَ أَحَدَهُمَا مِنْ أَجْلِ الْآخَرِ.”
“وَأَنَا سَأُحَاوِلُ، بَيْنَمَا أَنْتِ هُنَاكَ، أَنْ أَتَعَلَّمَ كَيْفَ أَكُونُ سَنَدًا لَكِ مِنْ بَعِيدٍ، لَا حَارِسًا يُرَاقِبُ مِنْ قَرِيبٍ.”
ضَحِكَتْ سَلْمَى ضَحِكَةً هَادِئَةً، مَلِيئَةً بِتَعَبٍ جَمِيلٍ.
“هَذَا كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ.”
جَلَسَا صَامِتَيْنِ، يَسْتَمِعَانِ إِلَى صَوْتِ السَّاعَةِ الْحَائِطِيَّةِ، وَالرِّيحِ الْخَفِيفَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تُحَرِّكُ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ خَارِجَ النَّافِذَةِ، وَشَعَرَ كِلَاهُمَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَنَّ الْبَيْتَ، بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ صَمْتٍ وَمُرَاقَبَةٍ وَإِهْمَالٍ مُتَرَاكِمٍ، بَدَأَ يَتَعَلَّمُ لُغَةً جَدِيدَةً: لُغَةَ السُّؤَالِ قَبْلَ الْقَرَارِ، وَالْإِصْغَاءِ قَبْلَ الْحُكْمِ.
فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، كَانَتْ لِينَا قَدْ غَفَتْ أَخِيرًا، وَدَفْتَرُهَا الصَّغِيرُ مَفْتُوحٌ عَلَى صَدْرِهَا عِنْدَ الصَّفْحَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كَتَبَتْ فِيهَا سَطْرَهَا الْأَخِيرَ، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي خَطَّتْهَا بِيَدِهَا الْمُتَعَثِّرَةِ قَدْ أَصْبَحَتْ، هِيَ الْأُخْرَى، جُزْءًا مِنَ الصَّمْتِ الْجَدِيدِ الَّذِي بَدَأَ يَمْلَأُ الْبَيْتَ، صَمْتًا مُخْتَلِفًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا يُخْفِي شَيْئًا، بَلْ يَسْتَرِيحُ بَعْدَ أَنْ قَالَ أَخِيرًا مَا كَانَ مُؤَجَّلًا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
وَفِي الْخَارِجِ، كَانَتِ الْمَدِينَةُ الْأَلْمَانِيَّةُ الْهَادِئَةُ تَغْرَقُ فِي لَيْلِهَا الْمُعْتَادِ، لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَمَّا دَارَ عَلَى تِلْكَ الْمَائِدَةِ الصَّغِيرَةِ، وَلَا عَنِ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَفَتَّحُ، بِبُطْءٍ، كَأَزْهَارٍ مُتَأَخِّرَةٍ، فِي بَيْتٍ ظَنَّ أَهْلُهُ طَوِيلًا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بَيْنَمَا كَانُوا، فِي الْحَقِيقَةِ، يَعْرِفُونَ فَقَطْ مَا يَظْهَرُ عَلَى السَّطْحِ، وَيَتَجَاهَلُونَ، بِأُلْفَةٍ مُرِيحَةٍ، كُلَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ.
غَدًا، سَتَبْدَأُ سَلْمَى بِتَرْتِيبِ أَوْرَاقِ سَفَرِهَا، وَسَيَبْدَأُ يُوسُفُ بِتَعَلُّمِ سُؤَالٍ جَدِيدٍ كُلَّ صَبَاحٍ، وَسَتَكْتُبُ لِينَا سَطْرًا آخَرَ فِي دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ. لَكِنَّ اللَّيْلَةَ، كَانَ يَكْفِي أَنَّ الْمَائِدَةَ، الَّتِي جَلَسُوا حَوْلَهَا صَامِتِينَ لِأَشْهُرٍ، قَدْ نَطَقَتْ أَخِيرًا بِبَعْضِ مَا كَانَتْ تُخْفِيهِ، وَأَنَّ الصَّمْتَ الْقَادِمَ، إِنْ جَاءَ، لَنْ يَكُونَ الصَّمْتَ الْقَدِيمَ نَفْسَهُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، بَعْدَ أَنْ وَدَّعَتْ سَلْمَى نَجَاةَ الَّتِي عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا، وَبَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ لِينَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ، بَقِيَ يُوسُفُ وَحْدَهُ فِي الْبَيْتِ لِسَاعَتَيْنِ قَبْلَ مَوْعِدِ عَمَلِهِ. لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْمَطْبَخِ لِيُعِدَّ قَهْوَتَهُ الْمُعْتَادَةَ، بَلْ صَعِدَ إِلَى الْعِلِّيَّةِ الصَّغِيرَةِ فَوْقَ السَّقْفِ، حَيْثُ تُحْفَظُ الصَّنَادِيقُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي لَا يَفْتَحُهَا أَحَدٌ إِلَّا حِينَ يَنْتَقِلُونَ مِنْ بَيْتٍ إِلَى آخَرَ.
بَحَثَ بَيْنَ الصَّنَادِيقِ حَتَّى وَجَدَ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ: دَفْتَرًا جِلْدِيًّا بُنِّيَّ اللَّوْنِ، بِغِلَافٍ تَآكَلَتْ أَطْرَافُهُ، مَرْبُوطًا بِشَرِيطٍ جِلْدِيٍّ رَفِيعٍ لَمْ يُفَكَّ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، بَيْنَ الْغُبَارِ وَصَنَادِيقِ الذِّكْرَيَاتِ، وَأَمْسَكَ الدَّفْتَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَوِيلًا، دُونَ أَنْ يَفْتَحَهُ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَجْمِعُ شَجَاعَةً كَانَ يَفْتَقِدُهَا مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ بِالتَّمَامِ.
كَانَ يَعْرِفُ، مُنْذُ أَنِ اسْتَيْقَظَ صَبَاحَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ قَدْ تَغَيَّرَ بَعْدَ حَدِيثِهِ مَعَ سَلْمَى اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ. لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا الْوَزْنَ وَحْدَهُ، ذَلِكَ الْوَزْنَ الَّذِي لَمْ يُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا سِوَى كَرِيمٍ، وَحَتَّى مَعَهُ، لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ مُجَدَّدًا مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَأَنَّ الصَّمْتَ الْمُتَبَادَلَ بَيْنَهُمَا كَانَ طَرِيقَةً غَيْرَ مُعْلَنَةٍ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَحْدُثْ أَبَدًا.
فَكَّرَ فِي سَلْمَى، وَفِي كَيْفَ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ دَائِمًا نَظْرَةَ ثِقَةٍ كَامِلَةٍ، نَظْرَةَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّ زَوْجَهَا صَخْرَةٌ لَا تَتَزَعْزَعُ. وَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ، الرَّجُلِ الَّذِي بَنَى، طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، صُورَةً لِذَاتِهِ أَمَامَ عَائِلَتِهِ، صُورَةَ “الْحَامِي الْقَوِيِّ الَّذِي لَا يَخَافُ”، بَيْنَمَا كَانَ فِي دَاخِلِهِ، طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ، يُخْفِي طِفْلًا مَرْعُوبًا لَمْ يَكْبَرْ يَوْمًا، مَا يَزَالُ يَقِفُ عِنْدَ بَابٍ يَنْتَظِرُ أَبًا لَنْ يَعُودَ.
تَذَكَّرَ أَيْضًا كَلِمَاتِ سَلْمَى، قَبْلَ يَوْمَيْنِ، حِينَ سَأَلَتْهُ: “لِمَاذَا حِينَ أَتَأَلَّمُ، تَتَحَوَّلُ أَنْتَ إِلَى حَارِسِ أَمْنٍ؟” لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حِينَهَا الْجَوَابَ الْكَامِلَ. الْآنَ، وَهُوَ يَجْلِسُ أَمَامَ هَذَا الدَّفْتَرِ، بَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّ الْجَوَابَ كَانَ مَكْتُوبًا هُنَا، مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، بِانْتِظَارِ أَنْ يَجْرُؤَ يَوْمًا عَلَى قِرَاءَتِهِ مِنْ جَدِيدٍ.
كَتَبَ عَلَى الصَّفْحَةِ الْأُولَى، بِخَطِّ يَدٍ شَابٍّ لَمْ يَعْرِفْ بَعْدُ كَمْ سَيَتَغَيَّرُ: “دَفْتَرُ السَّنَةِ الصَّعْبَةِ”. لَا شَيْءَ آخَرَ. لَا تَارِيخَ. لَا إِهْدَاءَ. فَقَطْ هَذَا الْعُنْوَانُ، الَّذِي بَدَا لَهُ الْآنَ، بَعْدَ عَقْدٍ كَامِلٍ، غَامِضًا بِقَدْرِ مَا كَانَ وَاضِحًا حِينَ كَتَبَهُ.
فَتَحَ الصَّفْحَةَ الْأُولَى، وَبَدَأَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَمِعُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ يَتَكَلَّمُ:
“الْيَوْمَ أَكْمَلَتْ لِينَا شَهْرَهَا الثَّالِثَ. سَلْمَى نَائِمَةٌ أَخِيرًا، بَعْدَ لَيْلَةٍ لَمْ تَنَمْ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ. أَنَا أَكْتُبُ هَذَا فِي الْمَطْبَخِ، السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَجْرًا، لِأَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ النَّوْمَ أَيْضًا، لَكِنْ لِسَبَبٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ سَبَبِهَا. هِيَ مُتْعَبَةٌ مِنَ الْأُمُومَةِ. أَنَا مُتْعَبٌ مِنْ خَوْفٍ لَا اسْمَ لَهُ.”
تَوَقَّفَ يُوسُفُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ. تَذَكَّرَ تِلْكَ اللَّيَالِيَ جَيِّدًا: أَوْرَاقَ الْإِقَامَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ قَدِ اسْتُكْمِلَتْ بَعْدُ، وَالْعَمَلَ الْمُؤَقَّتَ الَّذِي كَانَ يَخْشَى أَنْ يَفْقِدَهُ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ، وَالدُّيُونَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَرَاكَمُ، وَطِفْلَةً حَدِيثَةَ الْوِلَادَةِ تَحْتَاجُ كُلَّ شَيْءٍ، وَزَوْجَةً أَنْهَكَهَا الْمَخَاضُ وَالْغُرْبَةُ مَعًا.
عَادَ إِلَى الْقِرَاءَةِ:
“أَشْعُرُ أَنَّنِي أَغْرَقُ، وَأَنَّ لَا أَحَدَ يَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِاعْتِبَارِي ‘الرَّجُلَ الْقَوِيَّ الَّذِي سَيَتَوَلَّى كُلَّ شَيْءٍ’. سَلْمَى تَثِقُ بِي ثِقَةً عَمْيَاءَ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ أُخَيِّبَ ظَنَّهَا. أُمِّي تَتَّصِلُ كُلَّ يَوْمٍ لِتَسْأَلَ: ‘هَلْ رَتَّبْتَ أَوْرَاقَ الْإِقَامَةِ؟ هَلْ دَفَعْتَ الْإِيجَارَ؟ هَلْ، هَلْ، هَلْ؟’ — كَأَنَّنِي آلَةٌ تُدَارُ مِنْ بَعِيدٍ، لَا رَجُلًا لَهُ دَاخِلٌ يَتَصَدَّعُ.”
قَرَأَ يُوسُفُ صَفَحَاتٍ أُخْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تُعِيدُهُ إِلَى تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي حَاوَلَ، طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، أَلَّا يَتَذَكَّرَهَا بِتَفَاصِيلِهَا. وَصَلَ أَخِيرًا إِلَى الصَّفْحَةِ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِهِ، أَنَّهُ صَعِدَ إِلَى هُنَا مِنْ أَجْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ حَتَّى لِنَفْسِهِ حِينَ بَدَأَ الْقِرَاءَةَ.
“اللَّيْلَةَ، فَعَلْتُ شَيْئًا لَمْ أَظُنَّ يَوْمًا أَنِّي قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهِ. بَعْدَ أَنْ نَامَ الْجَمِيعُ، خَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ، رَكِبْتُ السَّيَّارَةَ، وَقُدْتُ دُونَ وِجْهَةٍ. قُدْتُ لِسَاعَتَيْنِ، ثَلَاثٍ، لَا أَذْكُرُ بِالضَّبْطِ. فِي لَحْظَةٍ مَا، وَأَنَا عَلَى الطَّرِيقِ السَّرِيعِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَكَّرْتُ: مَاذَا لَوِ اسْتَمْرَرْتُ فِي الْقِيَادَةِ؟ مَاذَا لَوْ لَمْ أَعُدْ؟ لَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مُخْتَلِفًا كَثِيرًا عَمَّا فَعَلَهُ أَبِي بِي. سَأَكُونُ فَقَطْ قَدْ أَكْمَلْتُ الدَّائِرَةَ الَّتِي بَدَأَهَا هُوَ.”
ارْتَجَفَتْ يَدُ يُوسُفَ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، الَّتِي كَتَبَهَا بِيَدِهِ هُوَ، قَبْلَ عَشْرِ سِنِينَ، وَنَسِيَ — أَوْ تَظَاهَرَ أَنَّهُ نَسِيَ — أَنَّهُ كَتَبَهَا أَصْلًا.
“لَمْ أَفْعَلْهَا. تَوَقَّفْتُ عِنْدَ مَحَطَّةِ وَقُودٍ، وَاتَّصَلْتُ بِكَرِيمٍ، لِأَنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَّصِلَ بِسَلْمَى، خَشْيَةَ أَنْ تَسْمَعَ فِي صَوْتِي مَا لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ. جَاءَ كَرِيمٌ، بِلَا أَسْئِلَةٍ، وَجَلَسَ مَعِي فِي السَّيَّارَةِ حَتَّى الْفَجْرِ. لَمْ يَقُلْ لِي ‘أَنْتَ مُخْطِئٌ’ وَلَمْ يَقُلْ ‘أَنْتَ مُحِقٌّ’. قَالَ فَقَطْ: ‘أَنَا هُنَا’. وَهَذَا كَانَ كَافِيًا لِأَعُودَ.”
نَزَلَ يُوسُفُ مِنَ الْعِلِّيَّةِ، وَالدَّفْتَرُ فِي يَدِهِ، وَجَلَسَ فِي الصَّالَةِ، وَحِيدًا، لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، يُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ إِخْبَارِ سَلْمَى بِهَذَا، بَعْدَ أَنْ كَذَبَ عَلَيْهَا طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ حِينَ سَأَلَتْهُ، فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ، لِمَاذَا عَادَ مُتَأَخِّرًا، فَقَالَ لَهَا: “طَارِئٌ فِي الْعَمَلِ، مُشْكِلَةٌ فِي الْمُسْتَوْدَعِ.”
كَانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ كَذِبَةٍ كَبِيرَةٍ يَقُولُهَا لَهَا، وَآخِرَ كَذِبَةٍ أَيْضًا، لَكِنَّهَا كَذِبَةٌ ظَلَّتْ تَسْكُنُ بَيْنَهُمَا، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ هِيَ بِوُجُودِهَا، كَجِدَارٍ خَفِيٍّ بُنِيَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَقِيَ قَائِمًا لِعَقْدٍ كَامِلٍ.
فِي الْمَسَاءِ، حِينَ عَادَتْ سَلْمَى مِنْ عَمَلِهَا، وَجَدَتْ يُوسُفَ جَالِسًا فِي الصَّالَةِ، وَالدَّفْتَرُ أَمَامَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ مَلَامِحَ رَجُلٍ اتَّخَذَ قَرَارًا صَعْبًا.
“يُوسُفُ؟ مَا هَذَا؟”
“اجْلِسِي، أَرْجُوكِ. أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ، كَانَ يَجِبُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِهِ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ.”
جَلَسَتْ سَلْمَى، وَقَلْبُهَا بَدَأَ يَخْفِقُ بِقَلَقٍ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ بِالضَّبْطِ سَبَبَ هَذَا الْقَلَقِ.
“أَتَذْكُرِينَ حِينَ كَانَتْ لِينَا فِي شَهْرِهَا الثَّالِثِ، وَعُدْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُتَأَخِّرًا جِدًّا، وَقُلْتُ لَكِ إِنَّ هُنَاكَ طَارِئًا فِي الْعَمَلِ؟”
“أَتَذَكَّرُ. كُنْتَ شَاحِبًا جِدًّا فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ.”
“لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَارِئٌ فِي الْعَمَلِ، يَا سَلْمَى. تِلْكَ اللَّيْلَةَ، خَرَجْتُ بِالسَّيَّارَةِ، وَقُدْتُ دُونَ وِجْهَةٍ، وَفَكَّرْتُ… فَكَّرْتُ فِي أَلَّا أَعُودَ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِصَدْمَةٍ، وَشَعَرَتْ لِلَحْظَةٍ أَنَّ الْأَرْضَ تَمِيلُ تَحْتَهَا، كَمَا مَالَتْ حِينَ سَمِعَتْ خَبَرَ أَبِيهَا قَبْلَ يَوْمَيْنِ.
“مَاذَا تَقْصِدُ، ‘أَلَّا تَعُودَ’؟”
“أَقْصِدُ أَنِّي، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَصَلْتُ إِلَى نُقْطَةٍ لَمْ أَظُنَّ أَنِّي سَأَصِلُهَا يَوْمًا. كُنْتُ خَائِفًا جِدًّا، مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، مِنَ الْفَقْرِ الْمُحْتَمَلِ، مِنْ فِكْرَةِ أَنَّنِي قَدْ أَفْشَلُ فِي حِمَايَةِ عَائِلَتِي، حَتَّى فَكَّرْتُ أَنْ أَهْرُبَ، كَمَا فَعَلَ أَبِي بِالضَّبْطِ. لَمْ أُكْمِلِ الْفِكْرَةَ. تَوَقَّفْتُ عِنْدَ مَحَطَّةِ وَقُودٍ، وَاتَّصَلْتُ بِكَرِيمٍ، وَعَادَ بِي إِلَى الْبَيْتِ. لَكِنِّي، طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، لَمْ أُخْبِرْكِ بِالْحَقِيقَةِ، لِأَنِّي كُنْتُ أَخْجَلُ، وَلِأَنِّي خِفْتُ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيَّ نَظْرَةً مُخْتَلِفَةً إِنْ عَرَفْتِ أَنِّي كِدْتُ أَكُونُ مِثْلَ أَبِي تَمَامًا.”
بَكَتْ سَلْمَى، لَا غَضَبًا، بَلْ مِنْ ثِقَلِ الِاكْتِشَافِ: أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي عَاشَتْ مَعَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَظَنَّتْهُ دَائِمًا الطَّرَفَ الثَّابِتَ فِي الْعَلَاقَةِ، كَانَ يَحْمِلُ، طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ، جُرْحًا لَمْ تَعْرِفْ بِوُجُودِهِ.
“لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي حِينَ حَدَثَ الْأَمْرُ؟”
“لِأَنِّي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ دَوْرِي هُوَ أَنْ أَكُونَ الْقَوِيَّ، لَا أَنْ أَعْتَرِفَ بِضَعْفِي. ظَنَنْتُ أَنَّ اعْتِرَافِي سَيَجْعَلُكِ تَفْقِدِينَ الثِّقَةَ بِي. الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ بَيْنَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ إِخْفَاءَ هَذَا عَنْكِ كَانَ هُوَ مَا جَعَلَنِي، طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أُرَاقِبُكِ بِهَذَا الشَّكْلِ الْمُفْرِطِ. كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أَفْقِدَ السَّيْطَرَةَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ، لِأَنِّي ذَاتَ مَرَّةٍ، كِدْتُ أَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ عَلَى نَفْسِي بِالْكَامِلِ.”
قَالَتْ سَلْمَى، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ، وَهِيَ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا:
“أَنَا لَسْتُ غَاضِبَةً مِنْكَ، يَا يُوسُفُ، لِأَنَّكَ خِفْتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. أَنَا حَزِينَةٌ لِأَنَّكَ حَمَلْتَ هَذَا الْخَوْفَ وَحْدَكَ، طَوَالَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَظَنَنْتَ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تُخْفِيَهُ عَنِّي لِتَبْقَى ‘الرَّجُلَ الْقَوِيَّ’. أَلَا تَرَى؟ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ: أَنَّنَا نُرَاقِبُ بَعْضَنَا فِي كُلِّ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ، لَكِنَّنَا نُخْفِي عَنْ بَعْضِنَا أَعْمَقَ مَخَاوِفِنَا.”
اتَّصَلَ يُوسُفُ بِكَرِيمٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بِحُضُورِ سَلْمَى هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا سِرًّا كَمَا اعْتَادَ.
“كَرِيمُ، أَخْبَرْتُ سَلْمَى بِمَا حَدَثَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.”
صَمَتَ كَرِيمٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَ:
“أَخِيرًا. كُنْتُ أَنْتَظِرُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا، يَا يُوسُفُ. كُنْتُ أَحْمِلُ هَذَا السِّرَّ مَعَكَ، وَكَانَ ثَقِيلًا عَلَيَّ أَيْضًا، أَنْ أَرَى سَلْمَى تَثِقُ بِكَ ثِقَةً كَامِلَةً، وَأَنْتَ تُخْفِي عَنْهَا جُزْءًا مِنْ نَفْسِكَ.”
“لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْهَا أَنْتَ، إِذَنْ؟”
“لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِرِّي لِأَبُوحَ بِهِ. كَانَ سِرَّكَ، وَكَانَ عَلَيْكَ أَنْتَ أَنْ تُقَرِّرَ مَتَى تَكُونُ جَاهِزًا لِمُشَارَكَتِهِ.”
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِلَحْظَةٍ عَلَى الْهَاتِفِ، ثُمَّ أَضَافَ كَرِيمٌ:
“أَتَعْرِفُ يَا يُوسُفُ، أَنَا أَيْضًا فَكَّرْتُ كَثِيرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ، حِينَ وَجَدْتُكَ عِنْدَ مَحَطَّةِ الْوَقُودِ، إِنْ كُنْتَ سَتَعُودُ إِلَى بَيْتِكَ سَالِمًا لَوْ لَمْ أَصِلْ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ. كَانَ هَذَا الْخَوْفُ يَزُورُنِي أَحْيَانًا فِي كَوَابِيسِي. أَشْعُرُ الْآنَ بِرَاحَةٍ أَنَّكَ أَخْبَرْتَ سَلْمَى، لِأَنَّ هَذَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْعِبْءَ لَنْ يَبْقَى بَيْنَنَا وَحْدَنَا بَعْدَ الْيَوْمِ.”
“شُكْرًا لَكَ، يَا كَرِيمُ. لَوْلَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَا أَعْرِفُ أَيْنَ كُنْتُ سَأَكُونُ الْآنَ.”
اسْتَمَرَّا فِي الْحَدِيثِ بِضْعَ دَقَائِقَ أُخْرَى، يَتَذَكَّرَانِ تَفَاصِيلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ: كَيْفَ كَانَ الطَّرِيقُ شِبْهَ خَالٍ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَكَيْفَ وَصَلَ كَرِيمٌ إِلَى مَحَطَّةِ الْوَقُودِ مُرْتَدِيًا مِعْطَفَهُ فَوْقَ مَلَابِسِ النَّوْمِ، وَكَيْفَ جَلَسَا فِي السَّيَّارَةِ، صَامِتَيْنِ مُعْظَمَ الْوَقْتِ، حَتَّى بَزَغَ الْفَجْرُ وَقَرَّرَ يُوسُفُ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ. كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنَ التَّطَهُّرِ فِي تَذَكُّرِ تِلْكَ التَّفَاصِيلِ بِصَوْتٍ عَالٍ، بَعْدَ أَنْ ظَلَّتْ حَبِيسَةَ الصَّمْتِ طَوَالَ عَقْدٍ كَامِلٍ.
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ يُوسُفُ الْهَاتِفَ، نَظَرَ إِلَى سَلْمَى، وَقَالَ:
“أَظُنُّ أَنِّي فَهِمْتُ الْآنَ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ الْمُرَاقَبَةَ الَّتِي كُنْتُ أُمَارِسُهَا عَلَيْكِ، لَمْ تَكُنْ حُبًّا زَائِدًا، بَلْ كَانَتْ مُحَاوَلَةً يَائِسَةً لِأَمْنَعَ نَفْسِي مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْخَوْفِ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى. كُنْتُ أُرَاقِبُكِ لِأُطَمْئِنَ نَفْسِي، لَا لِأَحْمِيَكِ أَنْتِ فِعْلًا.”
فَتَحَتْ سَلْمَى الدَّفْتَرَ، وَقَرَأَتْ صَفَحَاتٍ أُخْرَى، بِصَمْتٍ، وَيُوسُفُ يُرَاقِبُ وَجْهَهَا يَتَنَقَّلُ بَيْنَ التَّأَثُّرِ وَالْفَهْمِ وَالْحُزْنِ. وَصَلَتْ إِلَى صَفْحَةٍ كَتَبَ فِيهَا يُوسُفُ، بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ:
“عُدْتُ إِلَى الْبَيْتِ، وَاحْتَضَنْتُ لِينَا النَّائِمَةَ، وَقَرَّرْتُ أَنْ أَكُونَ لَهَا أَبًا مُخْتَلِفًا عَنْ أَبِي، مَهْمَا كَلَّفَنِي ذَلِكَ. لَكِنِّي أَخْطَأْتُ الطَّرِيقَ: ظَنَنْتُ أَنَّ ‘الِاخْتِلَافَ’ يَعْنِي أَلَّا أُغَادِرَ أَبَدًا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْغِيَابُ مَعْنَوِيًّا لَا جَسَدِيًّا. لَمْ أَفْهَمْ، حِينَهَا، أَنَّ هُنَاكَ غِيَابًا أَسْوَأَ مِنْ غِيَابِ الْجَسَدِ: غِيَابَ الصِّدْقِ.”
أَغْلَقَتْ سَلْمَى الدَّفْتَرَ بِرِفْقٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى يُوسُفَ.
“أَعْتَقِدُ أَنَّكَ، الْآنَ فَقَطْ، بَدَأْتَ تَفْهَمُ الْفَارِقَ.”
“وَأَعْتَقِدُ أَنَّ سَفَرَكِ الْقَادِمَ، إِلَى أَبِيكِ، سَيَكُونُ فُرْصَةً لِي أَيْضًا: أَنْ أَتَدَرَّبَ، فِي غِيَابِكِ، عَلَى أَلَّا أَخَافَ مِنَ الْفَرَاغِ الَّذِي سَتَتْرُكِينَهُ، بَلْ أَنْ أَثِقَ أَنَّكِ سَتَعُودِينَ، لَا لِأَنِّي رَاقَبْتُكِ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ لِأَنَّنَا، أَنْتِ وَأَنَا، بَنَيْنَا شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْعَوْدَةَ إِلَيْهِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَضَعَ يُوسُفُ الدَّفْتَرَ الْقَدِيمَ فِي دُرْجِ مَكْتَبِهِ، لَا فِي الْعِلِّيَّةِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ فِي مَكَانٍ يَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ، تَذْكِيرًا بِأَلَّا يَعُودَ إِلَى الصَّمْتِ الَّذِي كَلَّفَهُ عَشْرَ سِنِينَ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ بَدَلَ الصِّدْقِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَنَامَ، كَتَبَ عَلَى الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الدَّفْتَرِ، بِخَطِّ يَدٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ خَطِّ الشَّابِّ الْخَائِفِ الَّذِي بَدَأَهُ:
“الْيَوْمَ، أَعَدْتُ فَتْحَ هَذَا الدَّفْتَرِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مِنَ الصَّمْتِ. لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَتَذَكَّرَ خَوْفِي، بَلْ لِأَتَذَكَّرَ أَنَّنِي نَجَوْتُ مِنْهُ، وَأَنَّ النَّجَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي إِخْفَاءِ اللَّحْظَةِ الَّتِي كِدْنَا نَسْقُطُ فِيهَا، بَلْ فِي مُشَارَكَتِهَا مَعَ مَنْ نُحِبُّ، حَتَّى تَتَحَوَّلَ مِنْ عِبْءٍ نَحْمِلُهُ وَحْدَنَا، إِلَى قِصَّةٍ نَرْوِيهَا مَعًا.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَقَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ يُوسُفُ إِلَى عَمَلِهِ، جَلَسَ مَعَ لِينَا لِدَقَائِقَ قَصِيرَةٍ عَلَى مَائِدَةِ الْفُطُورِ، وَحْدَهُمَا هَذِهِ الْمَرَّةَ، لِأَنَّ سَلْمَى كَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ بَاكِرًا لِتَرْتِيبِ أَوْرَاقِ سَفَرِهَا.
“أَبِي، أَشْعُرُ أَنَّكَ تَغَيَّرْتَ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. مَا الَّذِي حَدَثَ؟”
فَكَّرَ يُوسُفُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يُشَارِكَ ابْنَتَهُ، وَلَوْ جُزْءًا صَغِيرًا، مِمَّا اكْتَشَفَهُ عَنْ نَفْسِهِ.
“اكْتَشَفْتُ، يَا لِينَا، أَنَّنِي حَمَلْتُ خَوْفًا قَدِيمًا طَوَالَ سَنَوَاتٍ، دُونَ أَنْ أُشَارِكَ أَحَدًا بِهِ، حَتَّى أُمَّكِ. وَهَذَا الْخَوْفُ كَانَ يَجْعَلُنِي أُرَاقِبُكُمَا، أَنْتِ وَأُمَّكِ، بَدَلَ أَنْ أَثِقَ بِكُمَا وَبِنَفْسِي.”
“وَهَلْ شَعَرْتَ بِتَحَسُّنٍ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرْتَ أُمِّي؟”
“شَعَرْتُ بِخِفَّةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. أَظُنُّ أَنَّ الْأَسْرَارَ الثَّقِيلَةَ، يَا حَبِيبَتِي، تَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ نُخْفِيهَا، وَتَصْغُرُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي نَجْرُؤُ فِيهَا عَلَى قَوْلِهَا.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا، وَقَالَتْ بِجَرَاءَةٍ فَاجَأَتْهُ:
“إِذَنْ، رُبَّمَا يَجِبُ أَنْ نَتَعَلَّمَ، نَحْنُ الثَّلَاثَةُ، أَلَّا نَنْتَظِرَ عَشْرَ سِنِينَ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ.”
ضَحِكَ يُوسُفُ ضَحِكَةً صَافِيَةً، لَمْ يَضْحَكْهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَشَعَرَ أَنَّ شَيْئًا فِي بَيْتِهِ، بَعْدَ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ مِنَ الصِّدْقِ الْمُتَأَخِّرِ، بَدَأَ يَتَنَفَّسُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَخَفَّ وَأَصْدَقَ مِمَّا عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ.
قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ لِينَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ، تَوَقَّفَتْ عِنْدَ الْبَابِ، وَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ:
“أَبِي، شُكْرًا لِأَنَّكَ أَخْبَرْتَنِي وَلَوْ بِجُزْءٍ صَغِيرٍ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَجْعَلُنِي أَثِقُ بِكَ أَكْثَرَ، لَا أَقَلَّ، عَكْسَ مَا كُنْتَ تَخَافُهُ.”
خَرَجَتْ لِينَا، وَبَقِيَ يُوسُفُ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ لَحْظَةً، يَتَأَمَّلُ الشَّارِعَ الْهَادِئَ فِي صَبَاحِ أَلْمَانْيَا الْبَارِدِ، وَيُفَكِّرُ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَهَا فِي يَوْمَيْنِ فَقَطْ: مِنْ رَجُلٍ يُخْفِي أَعْمَقَ مَخَاوِفِهِ خَلْفَ قِنَاعِ الْحِمَايَةِ، إِلَى رَجُلٍ بَدَأَ، بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ، يَتَعَلَّمُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي أَلَّا نَخَافَ أَبَدًا، بَلْ فِي أَنْ نَجْرُؤَ عَلَى قَوْلِ خَوْفِنَا لِمَنْ نُحِبُّ، قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْخَوْفُ إِلَى جِدَارٍ صَامِتٍ يَفْصِلُنَا عَنْهُمْ لِسَنَوَاتٍ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ
كَانَتْ رِيمُ قَدِ اعْتَادَتْ، مُنْذُ سَنَوَاتِ صَدَاقَتِهَا بِسَلْمَى، أَنْ تَكُونَ الصَّوْتَ الَّذِي يَقُولُ مَا لَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْجَرَاءَةُ صِفَةً وُلِدَتْ بِهَا، بَلْ صِفَةً بَنَتْهَا بِنَفْسِهَا، حَجَرًا فَوْقَ حَجَرٍ، بَعْدَ حَيَاةٍ عَلَّمَتْهَا أَنَّ الصَّمْتَ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الصَّعْبَةِ لَا يَجْعَلُهَا تَخْتَفِي، بَلْ يَجْعَلُهَا تَكْبُرُ فِي الظَّلَامِ حَتَّى تَنْفَجِرَ يَوْمًا فِي أَسْوَأِ وَقْتٍ.
عَرَفَتْ سَلْمَى رِيمَ مُنْذُ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ لَهَا فِي أَلْمَانْيَا، حِينَ الْتَقَتَا فِي دَوْرَةٍ لِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ، وَكَانَتْ رِيمُ، حِينَهَا، قَدْ سَبَقَتْهَا بِأَرْبَعِ سَنَوَاتٍ فِي رِحْلَةِ الِاغْتِرَابِ، فَأَصْبَحَتْ لَهَا بِمَثَابَةِ الْأُخْتِ الْكُبْرَى الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُهَا. عَبْرَ السَّنَوَاتِ، تَبَادَلَتِ الْمَرْأَتَانِ أَدْوَارًا كَثِيرَةً: أَحْيَانًا كَانَتْ رِيمُ الْمُسْتَمِعَةَ، وَأَحْيَانًا سَلْمَى، لَكِنَّ هُنَاكَ أَسْئِلَةً مُعَيَّنَةً، أَسْئِلَةً تَمَسُّ جَوْهَرَ الِاخْتِيَارِ وَالرِّضَا، ظَلَّتْ، لِسَبَبٍ مَا، خَارِجَ دَائِرَةِ حَدِيثِهِمَا، وَكَأَنَّ كِلْتَيْهِمَا تَخْشَى أَنْ تَفْتَحَ بَابًا لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُغْلِقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنِ اعْتِرَافِ يُوسُفَ، دَعَتْ رِيمُ سَلْمَى لِتَنَاوُلِ الْقَهْوَةِ فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ الْبَيْتِ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْأُسْرَةِ وَأَسْمَاعِهَا.
“كَيْفَ حَالُكِ بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ؟”
“مُتْعَبَةٌ، لَكِنْ نَوْعًا مُخْتَلِفًا مِنَ التَّعَبِ. تَعَبٌ يُشْبِهُ مَنْ يَخْرُجُ أَخِيرًا مِنْ غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ، وَيَكْتَشِفُ أَنَّ الْهَوَاءَ بِالْخَارِجِ أَثْقَلُ مِمَّا تَوَقَّعَ، لَكِنَّهُ هَوَاءٌ حَقِيقِيٌّ عَلَى الْأَقَلِّ.”
ابْتَسَمَتْ رِيمُ، وَأَمْسَكَتْ فِنْجَانَهَا بِيَدَيْهَا، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ فِيهَا تَرَدُّدٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ مِنْهَا:
“سَلْمَى، سَأَسْأَلُكِ سُؤَالًا، وَأُرِيدُكِ أَنْ تَعِدِينِي بِأَنْ تُجِيبِي بِصِدْقٍ، لَا بِمَا تَظُنِّينَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابَ.”
“تَفَضَّلِي.”
“هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ فِي هَذَا الزَّوَاجِ؟ لَيْسَ ‘هَلْ تُحِبِّينَ يُوسُفَ’، فَهَذَا سُؤَالٌ أَعْرِفُ جَوَابَهُ. أَسْأَلُكِ: هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ؟”
صَمَتَتْ سَلْمَى طَوِيلًا. لَمْ يَكُنْ هَذَا السُّؤَالُ جَدِيدًا عَلَيْهَا، لَكِنَّهُ كَانَ جَدِيدًا بِهَذَا الْوُضُوحِ، بِهَذِهِ الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي لَا تَسْمَحُ بِالْهُرُوبِ إِلَى إِجَابَاتٍ جَاهِزَةٍ.
“لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُجِيبُ، يَا رِيمُ. أُحِبُّ يُوسُفَ، هَذَا أَكِيدٌ. لَكِنْ هَلْ هَذَا يَعْنِي السَّعَادَةَ؟ لَا أَعْرِفُ. أَظُنُّ أَنِّي، طَوَالَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، كُنْتُ مَشْغُولَةً بِالْبَقَاءِ، لَا بِالسَّعَادَةِ. الْبَقَاءِ فِي هَذَا الْبَلَدِ، الْبَقَاءِ فِي هَذَا الزَّوَاجِ، الْبَقَاءِ أُمًّا صَالِحَةً، ابْنَةً صَالِحَةً، زَوْجَةً صَالِحَةً. لَمْ أَسْأَلْ نَفْسِي يَوْمًا: هَلْ أَنَا سَعِيدَةٌ، لِأَنَّ السُّؤَالَ بَدَا لِي تَرَفًا لَا أَمْلِكُ وَقْتًا لَهُ.”
“وَهَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ هَذَا سَيَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ؟”
“أَظُنُّ أَنَّهُ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ. لَكِنِّي خَائِفَةٌ، يَا رِيمُ، مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُجَرَّدَ لَحْظَةٍ عَاطِفِيَّةٍ عَابِرَةٍ، وَأَنْ نَعُودَ، أَنَا وَيُوسُفُ، إِلَى النَّمَطِ الْقَدِيمِ بَعْدَ أَسَابِيعَ، حِينَ تَهْدَأُ الْعَاصِفَةُ.”
قَالَتْ رِيمُ، بِجِدِّيَّةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا سَلْمَى مِنْهَا فِي نِقَاشَاتِهِمَا السَّابِقَةِ:
“اسْمَعِينِي، يَا سَلْمَى. أَنَا لَا أُشَكِّكُ فِي حُبِّ يُوسُفَ لَكِ، وَلَا فِي أَنَّهُ إِنْسَانٌ طَيِّبٌ فِي جَوْهَرِهِ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا آخَرَ، رُبَّمَا أَصْعَبَ: هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّكِ تَزَوَّجْتِهِ لِأَنَّكِ اخْتَرْتِهِ، أَمْ لِأَنَّهُ كَانَ الْخِيَارَ الْأَكْثَرَ أَمَانًا فِي وَقْتٍ كُنْتِ فِيهِ بِحَاجَةٍ إِلَى أَيِّ أَمَانٍ؟”
تَوَقَّفَ قَلْبُ سَلْمَى لِلَحْظَةٍ. لَمْ يَسْأَلْهَا أَحَدٌ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَسْأَلْ هِيَ نَفْسَهَا إِيَّاهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
“تَزَوَّجْتُ مِنْ يُوسُفَ بَعْدَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ وُصُولِي إِلَى أَلْمَانْيَا. كُنْتُ وَحِيدَةً، خَائِفَةً، أَبْحَثُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُشْبِهُ الِاسْتِقْرَارَ. كَانَ يُوسُفُ طَيِّبًا، مَسْؤُولًا، مِنْ عَائِلَةٍ مُحْتَرَمَةٍ. أَهْلِي هُنَا رَحَّبُوا بِهِ فَوْرًا. لَمْ أُفَكِّرْ يَوْمًا: هَلْ أُحِبُّهُ بِمَا يَكْفِي لِأَبْنِيَ مَعَهُ حَيَاةً، أَمْ أَنِّي فَقَطْ أَحْتَاجُ إِلَى شَخْصٍ يَجْعَلُنِي أَشْعُرُ بِالْأَمَانِ فِي عَالَمٍ غَرِيبٍ؟”
“وَمَا الْفَرْقُ الْآنَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، فِي رَأْيِكِ؟”
“لَا أَعْرِفُ، يَا رِيمُ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي عَلَيَّ أَنْ أُجِيبَ عَنْهُ، لَا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، بَلْ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ، وَأَنَا فِي الطَّرِيقِ إِلَى أَبِي.”
جَلَسَتَا صَامِتَتَيْنِ لِدَقَائِقَ، تَحْتَسِيَانِ قَهْوَتَهُمَا، وَالْمَقْهَى مِنْ حَوْلِهِمَا يَعِجُّ بِحَيَاةٍ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الْأَسْئِلَةِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَى طَاوِلَتِهِمَا الصَّغِيرَةِ.
كَسَرَتْ رِيمُ الصَّمْتَ مِنْ جَدِيدٍ:
“أَتَعْرِفِينَ، يَا سَلْمَى؟ أَنَا أَيْضًا أَسْأَلُ نَفْسِي هَذَا السُّؤَالَ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَلَمْ أَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى الْإِجَابَةِ عَنْهُ بِصِدْقٍ.”
“عَنْ مَاذَا تَتَحَدَّثِينَ؟”
“عَنْ زَوَاجِي أَنَا. تَعْرِفِينَ أَنِّي تَزَوَّجْتُ رَامِي بَعْدَ قِصَّةِ حُبٍّ طَوِيلَةٍ. الْجَمِيعُ يَظُنُّونَ أَنَّنَا مِثَالِيَّانِ، أَنَّنَا اخْتَرْنَا بَعْضَنَا بِحُرِّيَّةٍ كَامِلَةٍ. لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ، يَا سَلْمَى، أَنَّ أَهْلِي رَفَضُوا زَوَاجِي مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ فِعْلًا قَبْلَ رَامِي، لِأَنَّهُ مِنْ طَائِفَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَبَعْدَ سَنَةٍ مِنَ الْحُزْنِ، ظَهَرَ رَامِي، الْخِيَارُ ‘الْمَقْبُولُ اجْتِمَاعِيًّا’، وَتَزَوَّجْتُهُ، وَأَقْنَعْتُ نَفْسِي أَنِّي أُحِبُّهُ بِمَا يَكْفِي.”
“وَهَلْ تُحِبِّينَهُ الْآنَ؟”
“أُحِبُّهُ، بِطَرِيقَتِي. لَكِنِّي أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ: مَاذَا لَوْ كَانَ لَدَيَّ الشَّجَاعَةُ، يَوْمَهَا، لِأُقَاتِلَ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْبَبْتُهُ فِعْلًا، بَدَلَ أَنْ أَسْتَسْلِمَ لِمَا كَانَ ‘أَسْهَلَ’ عَلَى الْجَمِيعِ؟”
تَوَقَّفَتْ رِيمُ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهَا تَسْتَجْمِعُ قُوَّةً لِتُكْمِلَ مَا بَدَأَتْ بِهِ، ثُمَّ أَضَافَتْ:
“أَحْيَانًا أَرَاهُ فِي الشَّارِعِ، ذَلِكَ الرَّجُلَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ. تَزَوَّجَ، وَلَهُ أَوْلَادٌ الْآنَ. لَا أَشْعُرُ بِالنَّدَمِ عَلَى قَرَارِي بِالضَّبْطِ، لِأَنَّ حَيَاتِي مَعَ رَامِي أَعْطَتْنِي أَشْيَاءَ جَمِيلَةً كَثِيرَةً. لَكِنِّي أَشْعُرُ بِالْحُزْنِ عَلَى تِلْكَ الْفَتَاةِ الَّتِي كُنْتُ، وَالَّتِي لَمْ تُمْنَحْ فُرْصَةَ أَنْ تَخْتَارَ بِحُرِّيَّةٍ كَامِلَةٍ، وَكَأَنَّ قَرَارَهَا الْأَهَمَّ فِي الْحَيَاةِ اتُّخِذَ نِيَابَةً عَنْهَا، بِلُطْفٍ ظَاهِرِيٍّ، لَكِنْ بِحَزْمٍ لَا يَقْبَلُ النِّقَاشَ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى صَدِيقَتِهَا بِدَهْشَةٍ، لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ هَذَا الْجَانِبَ مِنْ حِكَايَتِهَا مِنْ قَبْلُ.
“لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرِينِي بِهَذَا مِنْ قَبْلُ، يَا رِيمُ؟”
“لِنَفْسِ السَّبَبِ الَّذِي جَعَلَ يُوسُفَ يُخْفِي دَفْتَرَهُ عَشْرَ سِنِينَ: الْخَجَلُ. خِفْتُ أَنْ يُقَالَ عَنِّي إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرُ رَاضِيَةٍ عَنْ حَيَاتِهَا، إِنِّي أَشْتَكِي مِنْ زَوَاجٍ يَبْدُو لِلْجَمِيعِ مِثَالِيًّا. لَكِنِ اللَّيْلَةَ، وَأَنَا أَسْأَلُكِ عَنْ سَعَادَتِكِ، أَدْرَكْتُ أَنِّي، فِي الْحَقِيقَةِ، كُنْتُ أَسْأَلُ نَفْسِي أَيْضًا.”
“وَهَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ لِلسُّؤَالِ إِجَابَةً وَاحِدَةً صَحِيحَةً، يَا رِيمُ؟ ‘اخْتَرْتِ’ أَوْ ‘اضْطُرِرْتِ’؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا؟”
فَكَّرَتْ رِيمُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“رُبَّمَا تَكُونِينَ مُحِقَّةً. رُبَّمَا لَا أَحَدَ يَتَزَوَّجُ بِاخْتِيَارٍ حُرٍّ كَامِلٍ، وَلَا بِاضْطِرَارٍ كَامِلٍ أَيْضًا. لَكِنَّ الْفَارِقَ، أَظُنُّ، هُوَ فِيمَا نَفْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ نَبْنِي، مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ الَّذِي بَدَأَ بِظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ، حَيَاةً نَخْتَارُهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ، أَمْ نَبْقَى أَسْرَى الْقَرَارِ الْأَوَّلِ، نُكَرِّرُهُ دُونَ وَعْيٍ، عَامًا بَعْدَ عَامٍ؟”
قَالَتْ سَلْمَى، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ مِنْ خَلْفِ زُجَاجِ الْمَقْهَى:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا بَدَأْتُ أَفْعَلُهُ مَعَ يُوسُفَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: أَخْتَارُ، مِنْ جَدِيدٍ، أَنْ أَبْنِيَ مَعَهُ شَيْئًا، لَا لِأَنِّي مُضْطَرَّةٌ، بَلْ لِأَنِّي أَرَى فِيهِ، الْآنَ، إِنْسَانًا يُحَاوِلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ مِنْ أَجْلِي، وَمِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ أَيْضًا.”
“وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ هَذَا التَّغْيِيرُ؟”
“عِنْدَهَا سَأُوَاجِهُ سُؤَالَكِ الْأَوَّلَ مِنْ جَدِيدٍ: هَلْ أَنَا سَعِيدَةٌ؟ وَسَأُحَاوِلُ أَنْ أُجِيبَ بِصِدْقٍ، مَهْمَا كَانَ الْجَوَابُ صَعْبًا.”
ابْتَسَمَتْ رِيمُ، وَأَمْسَكَتْ يَدَ صَدِيقَتِهَا.
“هَذَا كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكِ، يَا سَلْمَى. أَلَّا تَخَافِي مِنَ السُّؤَالِ، مَهْمَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ.”
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا إِلَى الْبَيْتِ، فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي حَدِيثِهَا مَعَ رِيمَ، وَفِي سُؤَالِهَا الَّذِي لَمْ يُطْرَحْ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ: هَلْ أَنَا سَعِيدَةٌ؟ فَكَّرَتْ فِي أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ، رَغْمَ بَسَاطَتِهِ الظَّاهِرَةِ، هُوَ رُبَّمَا أَصْعَبُ سُؤَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يُوَاجِهَهُ إِنْسَانٌ، لِأَنَّ الْإِجَابَةَ عَنْهُ تَتَطَلَّبُ صِدْقًا مَعَ الذَّاتِ لَا يَقِلُّ صُعُوبَةً عَنِ الصِّدْقِ مَعَ الْآخَرِينَ.
فَكَّرَتْ أَيْضًا فِي رِيمَ، وَفِي حِكَايَتِهَا الَّتِي لَمْ تَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ، وَفِي كَيْفَ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ حَوْلَهَا، مَهْمَا بَدَا مُسْتَقِرًّا وَوَاثِقًا مِنَ الْخَارِجِ، يَحْمِلُ أَسْئِلَتَهُ الْخَاصَّةَ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى طَرْحِهَا بِصَوْتٍ عَالٍ.
حِينَ وَصَلَتْ إِلَى الْبَيْتِ، وَجَدَتْ يُوسُفَ يَجْلِسُ فِي الصَّالَةِ، يَنْتَظِرُهَا بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ، لَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَدَلَ أَنْ يَسْأَلَهَا “أَيْنَ كُنْتِ؟ لِمَاذَا تَأَخَّرْتِ؟”، سَأَلَهَا سُؤَالًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا:
“كَيْفَ كَانَ وَقْتُكِ مَعَ رِيمَ؟ هَلْ تَشْعُرِينَ بِتَحَسُّنٍ؟”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَشَعَرَتْ أَنَّ شَيْئًا صَغِيرًا، لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، قَدْ تَغَيَّرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ.
“كَانَ وَقْتًا صَعْبًا، لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ. سَأَلَتْنِي رِيمُ سُؤَالًا لَمْ يَسْأَلْنِي إِيَّاهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ: هَلْ أَنَا سَعِيدَةٌ؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا يُوسُفُ بِجِدِّيَّةٍ، وَقَالَ:
“وَمَا كَانَ جَوَابُكِ؟”
“لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَكِنِّي، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَا أَخَافُ مِنْ أَلَّا أَعْرِفَ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا، فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بِدَايَةٌ جَيِّدَةٌ.”
جَلَسَا مَعًا فِي الصَّالَةِ، صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، وَالْمَسَاءُ يَهْبِطُ خَارِجَ النَّافِذَةِ بِهُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ، وَشَعَرَتْ سَلْمَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ الَّذِي حَمَلَتْهُ مَعَهَا مِنَ الْمَقْهَى، سَيَبْقَى يُرَافِقُهَا فِي الطَّائِرَةِ، وَفِي الْمُسْتَشْفَى حَيْثُ يَرْقُدُ أَبُوهَا، وَفِي كُلِّ حِوَارٍ قَادِمٍ سَتَخُوضُهُ مَعَ نَفْسِهَا قَبْلَ أَنْ تَخُوضَهُ مَعَ أَيِّ أَحَدٍ آخَرَ. لَمْ يَكُنْ سُؤَالًا يُجَابُ عَنْهُ فِي مَسَاءٍ وَاحِدٍ، بَلْ سُؤَالًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، حَتَّى تَتَكَشَّفَ إِجَابَتُهُ، لَا كَجُمْلَةٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ كَطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ فِي أَنْ تَكُونَ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ
عَادَتْ نَجَاةُ إِلَى بَيْتِهَا الصَّغِيرِ، بَعْدَ أَيَّامٍ قَضَتْهَا فِي بَيْتِ ابْنِهَا تَطْبُخُ وَتَرْعَى وَتُطَمْئِنُ، وَشَعَرَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، بِرَغْبَةٍ فِي الْجُلُوسِ وَحْدَهَا، لَا لِتَسْتَرِيحَ مِنَ التَّعَبِ الْجَسَدِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَسْتَرِيحَ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ أَثْقَلَ: مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي أَيْقَظَتْهَا فِيهَا تِلْكَ اللَّيَالِي الْقَلِيلَةُ فِي بَيْتِ سَلْمَى وَيُوسُفَ.
جَلَسَتْ فِي مَطْبَخِهَا، أَمَامَ فِنْجَانِ شَايٍ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَفَتَحَتْ صُنْدُوقًا قَدِيمًا مِنَ الْوَرَقِ الْمُقَوَّى، كَانَتْ قَدِ احْتَفَظَتْ بِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ دُونَ أَنْ تَفْتَحَهُ، يَحْوِي صُوَرَ يُوسُفَ طِفْلًا، مِنْ وِلَادَتِهِ حَتَّى مُرَاهَقَتِهِ، وَرَسَائِلَ مَدْرَسِيَّةً، وَشَهَادَاتِ تَقْدِيرٍ، وَقُصَاصَاتٍ صَغِيرَةً كَتَبَهَا بِخَطِّ يَدِهِ الطُّفُولِيِّ.
كَانَتْ نَجَاةُ، طَوَالَ حَيَاتِهَا، امْرَأَةً لَا تُحْسِنُ الْجُلُوسَ بِلَا عَمَلٍ. حَتَّى فِي لَحَظَاتِ رَاحَتِهَا النَّادِرَةِ، كَانَتْ يَدَاهَا تَبْحَثَانِ عَنْ شَيْءٍ تَفْعَلَانِهِ: تَطْرِيزٍ، أَوْ فَرْزِ أَوْرَاقٍ، أَوْ تَرْتِيبِ خِزَانَةٍ. لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ غَرِيبَةٍ فِي أَنْ تَجْلِسَ، فَقَطْ، بِلَا عَمَلٍ، بِلَا حَرَكَةٍ، وَأَنْ تَسْمَحَ لِنَفْسِهَا أَخِيرًا أَنْ تَتَذَكَّرَ، لَا أَنْ تَنْشَغِلَ عَنِ التَّذَكُّرِ كَمَا اعْتَادَتْ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا.
تَذَكَّرَتْ نَجَاةُ يَوْمَ غَادَرَ زَوْجُهَا، أَبُو يُوسُفَ، تِلْكَ الرِّحْلَةَ “لِأَمْرٍ عَاجِلٍ” الَّتِي لَمْ تَنْتَهِ أَبَدًا. تَذَكَّرَتْ كَيْفَ وَقَفَتْ أَمَامَ يُوسُفَ، الطِّفْلِ ذِي الثَّمَانِيَةِ أَعْوَامٍ، وَقَالَتْ لَهُ: “أَبُوكَ سَيَعُودُ قَرِيبًا، لَا تَقْلَقْ”، وَهِيَ تَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِهَا، أَنَّ هَذَا وَعْدٌ لَنْ تَسْتَطِيعَ الْوَفَاءَ بِهِ.
تَذَكَّرَتْ أَيْضًا الْأَشْهُرَ الْأُولَى بَعْدَ رَحِيلِهِ: كَيْفَ كَانَتْ تَنْتَظِرُ كُلَّ مَسَاءٍ رِسَالَةً أَوِ اتِّصَالًا، وَكَيْفَ تَضَاءَلَتِ الرَّسَائِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَوَقَّفَتْ إِلَّا مِنْ تَحْوِيلَاتٍ مَالِيَّةٍ نَادِرَةٍ، وَكَيْفَ اضْطُرَّتْ أَنْ تَشْرَحَ لِأَهْلِ زَوْجِهَا، وَلِأَهْلِهَا هِيَ، وَلِجِيرَانِهَا، رَحِيلًا لَمْ تَفْهَمْ هِيَ نَفْسُهَا أَسْبَابَهُ الْكَامِلَةَ، وَكَيْفَ اخْتَارَتْ، فِي النِّهَايَةِ، أَنْ تَصْمُتَ، وَأَنْ تُحَوِّلَ كُلَّ سُؤَالٍ مُحْرِجٍ إِلَى عَمَلٍ، وَكُلَّ لَيْلَةِ أَرَقٍ إِلَى مُهِمَّةٍ جَدِيدَةٍ تُنْجِزُهَا مِنْ أَجْلِ ابْنِهَا.
مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَوَّلَتْ نَجَاةُ كُلَّ طَاقَتِهَا، كُلَّ حُبِّهَا، إِلَى عَمَلٍ مُتَوَاصِلٍ: الْعَمَلِ فِي مَتْجَرٍ صَغِيرٍ لِتُطْعِمَ ابْنَهَا، ثُمَّ الْعَوْدَةِ لِتَطْبُخَ لَهُ، وَتَغْسِلَ مَلَابِسَهُ، وَتُحَضِّرَ لَهُ وَاجِبَاتِهِ، وَتَحْرِصَ أَلَّا يَنْقُصَهُ شَيْءٌ مَادِّيًّا، مَهْمَا كَلَّفَهَا ذَلِكَ مِنْ إِرْهَاقٍ.
كَانَتْ تَظُنُّ، حِينَهَا، أَنَّ هَذَا هُوَ الْحُبُّ الْكَامِلُ: أَنْ تَمْنَحَ ابْنَهَا كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ جَسَدِيًّا، حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِغِيَابِ أَبِيهِ. لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهَا يَوْمًا أَنَّ يُوسُفَ، وَهُوَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ الَّذِي أَعَدَّتْهُ بِحُبٍّ، وَهُوَ يَرْتَدِي الْمَلَابِسَ الَّتِي غَسَلَتْهَا بِيَدَيْهَا الْمُتْعَبَتَيْنِ، كَانَ يَحْمِلُ، فِي دَاخِلِهِ، سُؤَالًا لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى طَرْحِهِ: “أُمِّي، هَلْ تَعْرِفِينَ أَنِّي خَائِفٌ؟ هَلْ تَعْرِفِينَ أَنِّي أَفْتَقِدُ أَبِي، وَأَخَافُ أَنْ تَتْرُكِينِي أَنْتِ أَيْضًا؟”
فَتَحَتْ نَجَاةُ دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ مَدْرَسِيٍّ قَدِيمٍ لِيُوسُفَ، مِنْ صَفِّهِ الْخَامِسِ، وَوَجَدَتْ فِيهِ، بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ وَالتَّمَارِينِ، صَفْحَةً كَتَبَ عَلَيْهَا الطِّفْلُ يُوسُفُ، بِخَطِّ يَدٍ مُتَعَثِّرَةٍ: “حِينَ أَكْبَرُ، سَأَكُونُ أَبًا لَا يُغَادِرُ أَبَدًا.”
بَكَتْ نَجَاةُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، لَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي غَادَرَ، بَلْ عَلَى طِفْلِهَا الَّذِي كَتَبَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَحِيدًا، فِي غُرْفَتِهِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ بِوُجُودِهَا حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
فَكَّرَتْ: “كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ، أُطْعِمُهُ، أُرَتِّبُ لَهُ غُرْفَتَهُ، أُرَاقِبُ عَلَامَاتِهِ الْمَدْرَسِيَّةَ بِدِقَّةٍ، أَسْأَلُهُ عَنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ فِي يَوْمِهِ — مَنْ كَلَّمَهُ، أَيْنَ ذَهَبَ، مَاذَا أَكَلَ — لَكِنِّي، فِي كُلِّ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ الدَّقِيقَةِ، لَمْ أَرَ الشَّيْءَ الْأَهَمَّ: قَلْبَهُ الصَّغِيرَ الْخَائِفَ، الَّذِي كَانَ يَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ أَجْلِسَ مَعَهُ، وَأَسْأَلَهُ: كَيْفَ تَشْعُرُ؟”
اتَّصَلَتْ بِيُوسُفَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا.
“يُوسُفُ، حَبِيبِي، هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَزُورَكُمْ غَدًا؟ أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَكَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ.”
“طَبْعًا يَا أُمِّي، هَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟”
“كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ، لَكِنِّي… وَجَدْتُ شَيْئًا، وَأُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَكَ إِيَّاهُ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَتْ نَجَاةُ مَعَ يُوسُفَ فِي صَالَةِ بَيْتِهِ، وَوَضَعَتْ أَمَامَهُ دَفْتَرَ الْمَدْرَسَةِ الْقَدِيمَ، مَفْتُوحًا عَلَى تِلْكَ الصَّفْحَةِ.
قَرَأَ يُوسُفُ الْجُمْلَةَ الَّتِي كَتَبَهَا بِخَطِّ يَدِهِ وَهُوَ طِفْلٌ، وَشَعَرَ بِغُصَّةٍ تَصْعَدُ إِلَى حَلْقِهِ.
“أَتَذَكَّرُ أَنِّي كَتَبْتُ هَذَا؟”
“لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتَ تَتَذَكَّرُ، لَكِنِّي وَجَدْتُهُ بِالْأَمْسِ، وَبَكَيْتُ طَوِيلًا، لِأَنِّي أَدْرَكْتُ، مُتَأَخِّرَةً جِدًّا، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْكَ يَوْمًا كَيْفَ تَشْعُرُ وَأَنْتَ تَكْبُرُ بِلَا أَبٍ. كُنْتُ مَشْغُولَةً بِأَنْ أُطْعِمَكَ، وَأُلْبِسَكَ، وَأُرَاقِبَ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِي حَيَاتِكَ، لَكِنِّي لَمْ أَجْلِسْ مَعَكَ يَوْمًا لِأَسْأَلَكَ عَنْ قَلْبِكَ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى أُمِّهِ، وَشَعَرَ بِمَزِيجٍ مِنَ الْحُزْنِ وَالْفَهْمِ وَالِامْتِنَانِ فِي آنٍ.
“أُمِّي، لَا أُرِيدُكِ أَنْ تَلُومِي نَفْسَكِ. أَنْتِ فَعَلْتِ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعِينَ، بِمَا تَعْرِفِينَهُ مِنَ الْحُبِّ، فِي ظُرُوفٍ لَمْ تَخْتَارِيهَا أَنْتِ أَيْضًا. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُعَلِّمُكِ كَيْفَ تَكُونِينَ أُمًّا لِطِفْلٍ فَقَدَ أَبَاهُ، تَمَامًا كَمَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُعَلِّمُنِي كَيْفَ أَكُونُ أَبًا لَا يُكَرِّرُ خَطَأَ جَدِّي.”
“لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَحِّحَ مَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا. أَخْبِرْنِي الْآنَ، يَا يُوسُفُ، بِصِدْقٍ: كَيْفَ كُنْتَ تَشْعُرُ، فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، وَأَنَا مَشْغُولَةٌ بِالْعَمَلِ وَالْبَيْتِ؟”
صَمَتَ يُوسُفُ طَوِيلًا، يَسْتَجْمِعُ كَلِمَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ:
“كُنْتُ أَشْعُرُ بِالْوَحْدَةِ، يَا أُمِّي، رَغْمَ أَنَّكِ لَمْ تَتْرُكِينِي أَبَدًا جَسَدِيًّا. كُنْتُ أَرَى صَدِيقِي كَرِيمًا يَجْلِسُ مَعَ أَبِيهِ كُلَّ مَسَاءٍ، يَتَحَدَّثَانِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُنْتُ أَحْسُدُهُمْ بِصَمْتٍ. كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّكِ تُحِبِّينَنِي بِطَرِيقَةٍ عَمَلِيَّةٍ، لَا عَاطِفِيَّةٍ. تَعْتَنِينَ بِجَسَدِي، لَكِنَّ قَلْبِي كَانَ وَحِيدًا.”
بَكَتْ نَجَاةُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَاحْتَضَنَتِ ابْنَهَا، الرَّجُلَ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ، كَمَا لَمْ تَحْتَضِنْهُ مُنْذُ كَانَ طِفْلًا صَغِيرًا.
“سَامِحْنِي يَا بُنَيَّ.”
“لَا شَيْءَ أُسَامِحُكِ عَلَيْهِ، يَا أُمِّي. أَنْتِ فَعَلْتِ أَفْضَلَ مَا اسْتَطَعْتِ. لَكِنْ رُبَّمَا، الْآنَ، يُمْكِنُنَا أَنْ نَبْدَأَ شَيْئًا جَدِيدًا: أَنْ تَسْأَلِينِي، مِنْ حِينٍ لِآخَرَ، كَيْفَ أَشْعُرُ، لَا فَقَطْ هَلْ أَكَلْتُ جَيِّدًا.”
ضَحِكَتْ نَجَاةُ بَيْنَ دُمُوعِهَا.
“سَأُحَاوِلُ، يَا بُنَيَّ. أَعِدُكَ أَنِّي سَأُحَاوِلُ، حَتَّى لَوْ بَدَا الْأَمْرُ غَرِيبًا عَلَيَّ فِي الْبِدَايَةِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ نَجَاةُ، جَلَسَ يُوسُفُ مَعَ سَلْمَى، وَحَكَى لَهَا مَا حَدَثَ.
“أَظُنُّ أَنَّ دَائِرَةً كَامِلَةً بَدَأَتْ تَنْكَشِفُ أَمَامِي، يَا سَلْمَى. أُمِّي وَرِثَتْ طَرِيقَتَهَا فِي الْحُبِّ مِنْ ظُرُوفِهَا، وَأَنَا وَرِثْتُ خَوْفِي مِنْ طَرِيقَتِهَا، وَكِدْتُ أَنْ أُوَرِّثَ خَوْفِي لِلِينَا، لَوْلَا أَنَّنَا بَدَأْنَا، أَنَا وَأَنْتِ، نَكْسِرُ هَذِهِ السِّلْسِلَةَ.”
قَالَتْ سَلْمَى، بِحَنَانٍ:
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَحَدَّثْنَا عَنْهُ: أَنَّنَا لَا نَخْتَارُ دَائِمًا مَا يَحْدُثُ لَنَا، لَكِنَّنَا نَخْتَارُ مَاذَا نَفْعَلُ بِمَا وَرِثْنَاهُ. أُمُّكَ وَرِثَتْ وَاجِبَ الرِّعَايَةِ دُونَ سُؤَالِ الْمَشَاعِرِ، وَأَنْتَ وَرِثْتَ الْخَوْفَ مِنَ الْغِيَابِ، وَكِلَاكُمَا، الْآنَ، يُحَاوِلُ أَنْ يَكْتُبَ فَصْلًا جَدِيدًا، لَا بِإِلْغَاءِ الْمَاضِي، بَلْ بِفَهْمِهِ ثُمَّ تَجَاوُزِهِ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى دَفْتَرِ الْمَدْرَسَةِ الْقَدِيمِ الَّذِي تَرَكَتْهُ أُمُّهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَإِلَى جُمْلَةِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ الَّتِي كَتَبَهَا قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا: “حِينَ أَكْبَرُ، سَأَكُونُ أَبًا لَا يُغَادِرُ أَبَدًا.”
“أَظُنُّ أَنِّي وَفَيْتُ بِهَذَا الْوَعْدِ جَسَدِيًّا، يَا سَلْمَى، لَكِنِّي لَمْ أَفِ بِهِ عَاطِفِيًّا، لَا مَعَكِ وَلَا مَعَ لِينَا، طَوَالَ سَنَوَاتٍ. كُنْتُ حَاضِرًا بِجَسَدِي، لَكِنِّي كُنْتُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ، غَائِبًا بِقَلْبِي، مَشْغُولًا بِمُرَاقَبَةِ كُلِّ شَيْءٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ أَفْقِدَهُ، بَدَلَ أَنْ أَعِيشَ كُلَّ شَيْءٍ بِحُضُورٍ كَامِلٍ.”
“وَالْآنَ؟”
“وَالْآنَ، أُرِيدُ أَنْ أَفِيَ بِالْوَعْدِ كَامِلًا: أَنْ أَكُونَ أَبًا لَا يُغَادِرُ، لَا جَسَدِيًّا وَلَا عَاطِفِيًّا.”
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِلَحْظَةٍ، وَالدَّفْتَرُ الْمَدْرَسِيُّ الْقَدِيمُ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا بَيْنَهُمَا عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَكَأَنَّهُ شَاهِدٌ صَغِيرٌ عَلَى مَسَافَةٍ طَوِيلَةٍ قَطَعَهَا يُوسُفُ مِنْ طِفْلٍ خَائِفٍ كَتَبَ وَعْدًا لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَفِي بِهِ، إِلَى رَجُلٍ بَدَأَ، أَخِيرًا، يَفْهَمُ أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ لَا يَكْتَمِلُ بِالْحُضُورِ الْجَسَدِيِّ وَحْدَهُ، بَلْ بِحُضُورٍ يَسْأَلُ، وَيُصْغِي، وَيَعْتَرِفُ بِخَوْفِهِ أَمَامَ مَنْ يُحِبُّ، بَدَلَ أَنْ يُخْفِيَهُ خَلْفَ جِدَارٍ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا فَوْقَ الدَّفْتَرِ بِرِفْقٍ:
“سَأَحْتَفِظُ بِهَذَا الدَّفْتَرِ، إِنْ سَمَحْتَ لِي، لِأُرِيَهُ لِلِينَا يَوْمًا، حِينَ تَكْبَرُ، لِتَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ أَتَى أَبُوهَا، وَلِتَفْهَمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ مُمْكِنٌ، مَهْمَا طَالَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ.”
ابْتَسَمَ يُوسُفُ، وَشَعَرَ أَنَّ حَلْقَةً مِنْ حَلَقَاتِ الْمِيرَاثِ الثَّقِيلِ الَّتِي حَمَلَهَا طَوَالَ حَيَاتِهِ قَدْ بَدَأَتْ، أَخِيرًا، تَنْفَكُّ، لَا بِمَحْوِهَا، بَلْ بِفَهْمِهَا وَتَحْوِيلِهَا إِلَى شَيْءٍ جَدِيدٍ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ
اسْتَقَرَّ وَضْعُ وَالِدِ سَلْمَى بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الْقَلَقِ: الْجَلْطَةُ لَمْ تَتْرُكْ أَثَرًا كَبِيرًا، لَكِنَّ الْأَطِبَّاءَ أَوْصَوْا بِالرَّاحَةِ التَّامَّةِ وَعَدَمِ الْإِجْهَادِ، وَأَجَّلُوا قَرَارَ الْعَمَلِيَّةِ أُسْبُوعَيْنِ لِمُرَاقَبَةِ تَطَوُّرِ حَالَتِهِ. وَفِي انْتِظَارِ مَوْعِدِ سَفَرِهَا، بَدَأَتْ سَلْمَى تَتَّصِلُ بِهِ يَوْمِيًّا عَبْرَ الْفِيدْيُو، تَطْمَئِنُّ عَلَى صَوْتِهِ الَّذِي كَانَ يَزْدَادُ وُضُوحًا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
كَانَتْ كُلُّ مُكَالَمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُكَالَمَاتِ الْيَوْمِيَّةِ تُعِيدُ إِلَى سَلْمَى شَيْئًا مِنْ طُفُولَتِهَا: صَوْتَ أَبِيهَا الَّذِي اعْتَادَتْ أَنْ تَسْمَعَهُ كُلَّ مَسَاءٍ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، يَقُصُّ عَلَيْهَا حِكَايَةً قَبْلَ النَّوْمِ، أَوْ يَسْأَلُهَا عَنْ يَوْمِهَا الْمَدْرَسِيِّ بِإِيجَازٍ شَدِيدٍ، وَكَأَنَّ الْأَسْئِلَةَ الطَّوِيلَةَ كَانَتْ، فِي نَظَرِهِ، تَرَفًا لَا يَحْتَمِلُهُ وَقْتُ الرَّجُلِ الْمَسْؤُولِ عَنْ بَيْتٍ كَامِلٍ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمُكَالَمَاتُ، فِي الْأَيَّامِ الْأُولَى، تَحْمِلُ عُمْقًا يُذْكَرُ، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ، شَيْئًا فَشَيْئًا، تَتَحَوَّلُ إِلَى مَسَاحَةٍ يَسْتَعِيدُ فِيهَا الْأَبُ وَالِابْنَةُ لُغَةً كَانَا قَدْ نَسِيَاهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
فِي أَحَدِ تِلْكَ الِاتِّصَالَاتِ، بَعْدَ أَنْ تَبَادَلَا الْأَسْئِلَةَ الْمُعْتَادَةَ عَنِ الصِّحَّةِ وَالطَّقْسِ وَالْأَخْبَارِ، صَمَتَ الْأَبُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ:
“سَلْمَى، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكِ فِي أَمْرٍ لَطَالَمَا أَجَّلْتُهُ.”
“تَفَضَّلْ يَا أَبِي.”
“أَتَذْكُرِينَ حِينَ مَنَعْتُكِ مِنَ السَّفَرِ مَعَ صَدِيقَاتِكِ، وَأَنْتِ فِي السَّادِسَةِ عَشْرَةَ؟”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً حَزِينَةً.
“أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا يَا أَبِي. بَكَيْتُ أَيَّامًا بِسَبَبِ ذَلِكَ الْقَرَارِ.”
“أَعْرِفُ. وَلَطَالَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْوَقْتَ كَفِيلٌ بِأَنْ يَجْعَلَكِ تَنْسَيْنَ، أَوْ تَفْهَمِينَ، دُونَ أَنْ أَضْطَرَّ لِشَرْحِ السَّبَبِ. لَكِنِّي، وَأَنَا هُنَا عَلَى هَذَا السَّرِيرِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ الْعُمْرَ لَا يَمْنَحُ أَحَدًا وَقْتًا كَافِيًا لِتَأْجِيلِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْأَبَدِ.”
جَلَسَتْ سَلْمَى، وَقَلْبُهَا يَنْبِضُ بِتَرَقُّبٍ، لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُ أَنْ يَفْتَحَ أَبُوهَا هَذَا الْمَلَفَّ الْقَدِيمَ، هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْتَدْ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْ مَشَاعِرِهِ طَوَالَ حَيَاتِهَا.
“حِينَ كُنْتُ فِي مِثْلِ سِنِّكِ تِلْكَ، يَا سَلْمَى، فَقَدْتُ أُخْتِي الصُّغْرَى فِي حَادِثَةِ سَفَرٍ بَسِيطَةٍ، رِحْلَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ إِلَى مَدِينَةٍ قَرِيبَةٍ، لَمْ تَكُنْ تَبْدُو خَطِيرَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ. حَافِلَةٌ انْقَلَبَتْ عَلَى طَرِيقٍ جَبَلِيٍّ، وَلَمْ تَنْجُ. كُنْتُ فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَكَانَتْ هِيَ فِي الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، وَكَانَتْ، فِي نَظَرِي، أَجْمَلَ إِنْسَانَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ ثَقِيلَةٌ عَلَى لِسَانِهِ رَغْمَ مُرُورِ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ.
“أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الصَّبَاحَ جَيِّدًا. وَدَّعَتْنِي عِنْدَ الْبَابِ، ضَاحِكَةً، تَحْمِلُ حَقِيبَتَهَا الصَّغِيرَةَ، وَقَالَتْ لِي: ‘سَأُحْضِرُ لَكَ هَدِيَّةً مِنْ هُنَاكَ’. لَمْ تُحْضِرْ شَيْئًا، وَلَمْ تَعُدْ هِيَ نَفْسُهَا. جَلَسَتْ أُمِّي أَسَابِيعَ لَا تَتَكَلَّمُ، وَأَبِي شَاخَ عَشْرَ سِنِينَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. أَمَّا أَنَا، فَقَدْ قَرَّرْتُ، دُونَ أَنْ أَعِيَ، أَنَّ الْعَالَمَ مَكَانٌ لَا يُمْكِنُ الْوُثُوقُ بِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ أُحِبُّهُ، إِنْ غَادَرَ بَصَرِي، فَقَدْ أَفْقِدُهُ إِلَى الْأَبَدِ.”
“مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ أَعُدْ أَرَى ‘السَّفَرَ’ كَمَا يَرَاهُ الْآخَرُونَ: مُغَامَرَةً، أَوْ فُرْصَةً، أَوْ حُرِّيَّةً. كُنْتُ أَرَاهُ، دَائِمًا، بَابًا مَفْتُوحًا عَلَى فُقْدَانٍ مُحْتَمَلٍ. وَحِينَ وُلِدْتِ أَنْتِ، وَكَبِرْتِ، وَأَصْبَحْتِ فِي سِنِّ أُخْتِي حِينَ فَقَدْتُهَا، شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ رِحْلَةٍ تَخْرُجِينَ فِيهَا مِنْ نَاظِرِي هِيَ مُخَاطَرَةٌ لَا أَسْتَطِيعُ احْتِمَالَهَا.”
بَكَتْ سَلْمَى بِصَمْتٍ، وَهِيَ تَسْمَعُ أَبَاهَا يَبُوحُ بِهَذَا السِّرِّ الَّذِي حَمَلَهُ وَحْدَهُ طَوَالَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا.
“لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِهَذَا مِنْ قَبْلُ يَا أَبِي؟ كُنْتُ سَأَفْهَمُ. كُنْتُ سَأَتَفَهَّمُ خَوْفَكَ، بَدَلَ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّكَ تَكْرَهُنِي أَوْ تُحَاوِلُ تَقْيِيدَ حُرِّيَّتِي بِلَا سَبَبٍ.”
“لِأَنِّي، يَا سَلْمَى، كُنْتُ أَخْجَلُ مِنْ أَنْ أُظْهِرَ ضَعْفِي أَمَامَكِ. فِي جِيلِي، لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ يَعْتَرِفُ بِخَوْفِهِ، خَاصَّةً أَمَامَ أَبْنَائِهِ. كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدُوَ قَوِيًّا دَائِمًا، حَازِمًا، يَعْرِفُ كُلَّ الْإِجَابَاتِ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ إِخْفَاءَ خَوْفِي عَنْكِ سَيَجْعَلُكِ تَحْمِلِينَهُ أَنْتِ أَيْضًا، بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ، وَرُبَّمَا أَثْقَلَ.”
“مَاذَا تَقْصِدُ؟”
“أَقْصِدُ أَنَّكِ، يَا ابْنَتِي، حِينَ رَحَلْتِ إِلَى أَلْمَانْيَا، تَحْتَ ظُرُوفٍ لَمْ تَخْتَارِيهَا، حَمَلْتِ خَوْفًا مُشَابِهًا لِخَوْفِي، لَكِنْ بِلَا تَفْسِيرٍ. كُنْتِ خَائِفَةً مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ، مِنْ كُلِّ مَجْهُولٍ، دُونَ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّ هَذَا الْخَوْفَ قَدْ يَكُونُ مِيرَاثًا مِنِّي، انْتَقَلَ إِلَيْكِ عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ الصَّامِتَةِ، لَا عَبْرَ الْكَلَامِ الصَّرِيحِ.”
فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي كَلِمَاتِ أَبِيهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ قِطَعًا كَثِيرَةً مِنْ حَيَاتِهَا بَدَأَتْ تَتَوَضَّحُ أَمَامَهَا فَجْأَةً. تَذَكَّرَتْ كَيْفَ كَانَتْ، فِي سَنَوَاتِهَا الْأُولَى فِي أَلْمَانْيَا، تَخَافُ مِنْ أَبْسَطِ الْأُمُورِ: مِنْ رُكُوبِ الْقِطَارِ وَحْدَهَا، مِنَ التَّحَدُّثِ بِلُغَةٍ جَدِيدَةٍ أَمَامَ الْغُرَبَاءِ، مِنِ اتِّخَاذِ أَيِّ قَرَارٍ يَخْرُجُ عَنِ الْمَأْلُوفِ. كَانَتْ تَظُنُّ، حِينَهَا، أَنَّ هَذَا الْخَوْفَ طَبِيعَةٌ شَخْصِيَّةٌ فِيهَا، لَا مِيرَاثًا حَمَلَتْهُ مَعَهَا دُونَ أَنْ تَدْرِيَ.
“أَبِي، هَلْ تَعْرِفُ؟ حِينَ أَنْجَبْتُ لِينَا، وَجَدْتُ نَفْسِي، دُونَ وَعْيٍ، أُرَاقِبُ كُلَّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا، أَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ. وَقَدْ كُنْتُ، حَتَّى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، عَلَى وَشْكِ أَنْ أُوَرِّثَهَا الْخَوْفَ نَفْسَهُ، دُونَ أَنْ أَفْهَمَ مِنْ أَيْنَ أَتَى.”
“وَهَلْ تَوَقَّفْتِ؟”
“بَدَأْتُ أُحَاوِلُ. زَوْجِي أَيْضًا اكْتَشَفَ مِيرَاثًا مُشَابِهًا مِنْ طُفُولَتِهِ. نَحْنُ الْآنَ، كَأُسْرَةٍ، نُحَاوِلُ أَنْ نَفْهَمَ مَا وَرِثْنَاهُ، لِنَخْتَارَ، بِوَعْيٍ، مَاذَا نَفْعَلُ بِهِ، بَدَلَ أَنْ نُكَرِّرَهُ بِلَا تَفْكِيرٍ.”
ابْتَسَمَ الْأَبُ ابْتِسَامَةً تَعِبَ فِيهَا، لَكِنَّهَا كَانَتْ صَادِقَةً.
“هَذَا يُفْرِحُنِي كَثِيرًا، يَا سَلْمَى. أَنْ أَرَى، أَنْتِ وَأُسْرَتُكِ، مَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنَا رُؤْيَتَهُ فِي حِينِهِ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ أَفْضَلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْإِنْسَانُ بِمِيرَاثِهِ الثَّقِيلِ: أَلَّا يُلْغِيَهُ، فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ، لَكِنْ أَنْ يَفْهَمَهُ، وَيَتَعَامَلَ مَعَهُ بِوَعْيٍ، بَدَلَ أَنْ يُسَلَّمَ مِنْهُ إِلَى الْجِيلِ التَّالِي كَحُمُولَةٍ صَامِتَةٍ.”
“أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ أَيْضًا: أَنَا قَادِمَةٌ إِلَيْكَ، بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، لِأَرَاكَ، وَلِأَعْتَنِيَ بِكَ، لَكِنْ أَيْضًا لِأُخْبِرَكَ بِوَجْهِي كُلَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ لَكَ مِنْ قَبْلُ، وَلِأَسْمَعَ مِنْكَ كُلَّ مَا لَمْ تَقُلْهُ أَنْتَ أَيْضًا.”
“سَأَنْتَظِرُكِ، يَا ابْنَتِي. وَسَأُحَاوِلُ، رَغْمَ عُمْرِي وَمَرَضِي، أَنْ أَتَعَلَّمَ أَنَا أَيْضًا شَيْئًا جَدِيدًا: أَنْ أَسْأَلَكِ كَيْفَ تَشْعُرِينَ، لَا فَقَطْ أَنْ أُخْبِرَكِ بِمَا يَجِبُ أَنْ تَفْعَلِيهِ.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ سَلْمَى الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَتْ وَحْدَهَا لِدَقَائِقَ، تَسْتَوْعِبُ ثِقْلَ مَا سَمِعَتْهُ. اتَّصَلَتْ بِأُمِّهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
“أُمِّي، هَلْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ قِصَّةَ عَمَّتِي، أُخْتِ أَبِي؟”
صَمَتَتِ الْأُمُّ لِلَحْظَةٍ.
“كُنْتُ أَعْرِفُ، لَكِنَّ أَبَاكِ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ الْأَمْرُ. كَانَ يَحْمِلُ حُزْنًا عَمِيقًا لَمْ يَشْفَ مِنْهُ أَبَدًا. أَظُنُّ أَنَّهُ، طَوَالَ حَيَاتِهِ، كَانَ يَعِيشُ خَائِفًا أَنْ يَخْسَرَ أَحَدًا آخَرَ يُحِبُّهُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، فَجْأَةً، دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ.”
“وَلِمَاذَا لَمْ تُخْبِرِينِي أَنْتِ، يَا أُمِّي؟”
“لِأَنِّي، مِثْلَهُ، اعْتَقَدْتُ أَنَّ الصَّمْتَ عَنِ الْأَلَمِ هُوَ حِمَايَةٌ لِلْأَبْنَاءِ مِنْهُ، لَا إِدْرَاكًا أَنَّ الصَّمْتَ نَفْسَهُ يَصْنَعُ أَلَمًا جَدِيدًا، مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ، أَلَمَ الْغُمُوضِ وَالْفَرَاغِ الَّذِي يَمْلَؤُهُ الْأَبْنَاءُ بِتَفْسِيرَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ، غَيْرِ الصَّحِيحَةِ غَالِبًا.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَكَتْ سَلْمَى لِيُوسُفَ وَلِينَا مَا سَمِعَتْهُ مِنْ أَبِيهَا.
قَالَتْ لِينَا، بَعْدَ أَنِ اسْتَمَعَتْ بِانْتِبَاهٍ:
“إِذَنْ، جَدِّي أَيْضًا كَانَ يَحْمِلُ خَوْفًا لَمْ يَخْتَرْهُ، مِثْلَ أَبِي تَمَامًا.”
“نَعَمْ يَا حَبِيبَتِي.”
“يَبْدُو أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِينَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ خَوْفِ مَنْ سَبَقَهُ. لَكِنْ مَاذَا لَوْ قَرَّرْنَا، نَحْنُ، أَلَّا نُمَرِّرَهُ؟”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى ابْنَتِهَا بِفَخْرٍ، وَقَالَتْ:
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا نُحَاوِلُ فِعْلَهُ، يَا لِينَا. لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَمْحُوَ الْمِيرَاثَ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ هُوِيَّتِنَا. لَكِنْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْهَمَهُ، وَنَخْتَارَ مِنْهُ مَا نَحْتَفِظُ بِهِ، وَمَا نَتْرُكُهُ خَلْفَنَا، بِوَعْيٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا بِصَمْتٍ يَتَوَارَثُهُ جِيلٌ بَعْدَ جِيلٍ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ مَصْدَرَهُ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ، وَشَعَرَ أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ هُوَ الْآخَرُ يَتَغَيَّرُ، لَيْسَ بِقَرَارٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ، بَلْ بِسِلْسِلَةٍ مِنَ الِاعْتِرَافَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَرَاكَمُ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَفْتَحُ بَابًا كَانَ مُغْلَقًا لِعُقُودٍ.
“أَظُنُّ،” قَالَ بِهُدُوءٍ، “أَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى أَنْ نَصِيرَ أُسْرَةً وَاحِدَةً حَقًّا: لَا أَنْ نَتَشَارَكَ السَّقْفَ نَفْسَهُ فَقَطْ، بَلْ أَنْ نَتَشَارَكَ الْأَسْئِلَةَ الَّتِي كُنَّا نَخَافُ مِنْهَا كُلٌّ بِمُفْرَدِهِ.”
وَافَقَتْهُ سَلْمَى بِرَأْسِهَا، وَفَكَّرَتْ فِي السَّفَرِ الْقَادِمِ، وَفِي أَبِيهَا الَّذِي يَنْتَظِرُهَا عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الطَّرِيقِ وَالزَّمَنِ، وَفِي أَنَّهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، لَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّلَةً بِخَوْفٍ لَا تَفْهَمُ مَصْدَرَهُ، بَلْ بِفَهْمٍ جَدِيدٍ قَدْ يَمْنَحُهَا الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ تُحِبَّهُ، وَتَفْهَمَهُ، وَتُسَامِحَهُ، وَتُوَدِّعَهُ إِنِ اقْتَضَى الْأَمْرُ، دُونَ أَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مُعَلَّقًا بَيْنَهُمَا إِلَى الْأَبَدِ.
الفصل السابع
فِي حِصَّةِ “الدِّرَاسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ”، حَيْثُ يَتَكَدَّسُ ضَوْءُ الظَّهِيرَةِ عَلَى النَّوَافِذِ الطَّوِيلَةِ كَأَنَّهُ سِتَارٌ مِنَ الْعَسَلِ الْبَارِدِ، رَفَعَتِ الْمُعَلِّمَةُ صَوْتَهَا بِسُؤَالٍ بَدَا، فِي ظَاهِرِهِ، بَرِيئًا كَبَرَاءَةِ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي تُفْتَتَحُ بِهَا الدُّرُوسُ: “مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟”. كَانَتْ تِلْكَ بِدَايَةَ وَحْدَةٍ دِرَاسِيَّةٍ عَنِ الْهِجْرَةِ وَالِانْدِمَاجِ، غَيْرَ أَنَّ السُّؤَالَ، بِالنِّسْبَةِ لِلِينَا، لَمْ يَكُنْ بَسِيطًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَلْ كَانَ أَشْبَهَ بِحَجَرٍ صَغِيرٍ يُلْقَى فِي بِرْكَةٍ سَاكِنَةٍ، فَتَتَمَوَّجُ الْمِيَاهُ فِي دَاخِلِهَا طَوِيلًا بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْحَجَرُ فِي الْقَاعِ.
كَانَ الصَّفُّ خَلِيطًا مِنَ الْوُجُوهِ وَالْأَصْدَاءِ: طُلَّابٌ أَلْمَانٌ مُنْذُ أَجْيَالٍ لَا يَتَذَكَّرُونَ لَهَا عَدَدًا، وَآخَرُونَ يَحْمِلُونَ فِي أَسْمَائِهِمْ صَدَى تُرْكِيَا أَوْ إِيطَالِيَا أَوْ بُولَنْدَا، وَبَعْضُهُمْ، كَلِينَا، جَاءَتْ جُذُورُهُمُ الْعَرَبِيَّةُ إِلَى أَلْمَانْيَا فِي الْعَقْدِ الْأَخِيرِ، مَحْمُولَةً عَلَى أَكْتَافِ الْحَرْبِ وَالرَّحِيلِ. لَاحَظَتْ لِينَا كَيْفَ أَنَّ بَعْضَ زَمِيلَاتِهَا مِمَّنْ سَبَقْنَهَا بِجِيلٍ أَوْ جِيلَيْنِ فِي رِحْلَةِ الْهِجْرَةِ كُنَّ يُجِبْنَ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ وَحْدَهُ قَدْ مَنَحَهُنَّ مَسَاحَةً لِصِيَاغَةِ إِجَابَةٍ لَمْ تُتَحْ لَهَا هِيَ بَعْدُ.
نَظَرَتْ حَوْلَهَا، فَرَأَتْ زُمَلَاءَهَا الْأَلْمَانَ يُجِيبُونَ بِثِقَةٍ لَا يَشُوبُهَا تَرَدُّدٌ: “أَنَا مِنْ هُنَا، مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ”. فَلَمَّا جَاءَ دَوْرُهَا، تَعَثَّرَتِ الْكَلِمَاتُ عَلَى شَفَتَيْهَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ انْسَابَتْ مُتَرَدِّدَةً: “أَنَا… مِنْ هُنَا، لَكِنَّ أَهْلِي مِنْ سُورِيَا”.
سَأَلَتْهَا الْمُعَلِّمَةُ، بِلُطْفٍ يُشْبِهُ مَسَّ الرِّيشَةِ: “وَأَيْنَ تَشْعُرِينَ أَنَّكِ مِنْ هُنَاكَ أَكْثَرَ؟”
لَمْ تُجِبْ لِينَا. لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ عَجْزًا عَنِ الْكَلَامِ، بَلْ كَانَ اعْتِرَافًا خَجُولًا بِأَنَّ الْجَوَابَ نَفْسَهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ فِي أَيِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ رُوحِهَا.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا مِنَ الْمَدْرَسَةِ، وَالشَّارِعُ يَتَمَطَّى تَحْتَ قَدَمَيْهَا كَشَرِيطٍ رَمَادِيٍّ لَا يَنْتَهِي، ظَلَّ السُّؤَالُ يَتَرَدَّدُ فِي دَاخِلِهَا كَصَدًى فِي قَاعَةٍ فَارِغَةٍ. اتَّصَلَتْ بِفَرَحَ، كَعَادَتِهَا حِينَ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُشَارِكُهَا ثِقَلَ التَّفْكِيرِ.
“فَرَحُ، سُئِلْتُ الْيَوْمَ مِنْ أَيْنَ أَنَا، وَلَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أُجِيبُ.”
“وَأَنَا أَيْضًا أُسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ كَثِيرًا. مَاذَا قُلْتِ؟”
“قُلْتُ إِنِّي مِنْ هُنَا، لَكِنَّ أَهْلِي مِنْ سُورِيَا. غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَمْ يُشْعِرْنِي بِالرِّضَا. شَعَرْتُ أَنِّي أَعْطَيْتُ جَوَابًا نِصْفَ صَحِيحٍ فَقَطْ، جَوَابًا يَعْرُجُ كَمَنْ يَمْشِي بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ.”
“أَظُنُّ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ، يَا لِينَا، لَيْسَتْ فِي الْجَوَابِ، بَلْ فِي السُّؤَالِ نَفْسِهِ. لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ فَقَطْ؟ لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَكُونَ مِنْ مَكَانَيْنِ، أَوْ مِنْ لَا مَكَانٍ بِالتَّحْدِيدِ، بَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا؟”
فِي الْمَسَاءِ، حَيْثُ يَتَسَلَّلُ ضَوْءُ الْمِصْبَاحِ عَبْرَ سِتَارَةِ الْمَطْبَخِ لِيَرْسُمَ هَالَةً دَافِئَةً حَوْلَ الْمَائِدَةِ، جَلَسَتْ لِينَا مَعَ وَالِدَيْهَا، وَأَخْبَرَتْهُمَا بِمَا حَدَثَ فِي الْمَدْرَسَةِ.
قَالَ يُوسُفُ، وَقَدْ خَيَّمَ عَلَى مَلَامِحِهِ ظِلٌّ مِنَ التَّذَكُّرِ الْبَعِيدِ:
“هَذَا سُؤَالٌ طَرَحْتُهُ أَنَا أَيْضًا عَلَى نَفْسِي كَثِيرًا، حِينَ كُنْتُ فِي سِنِّكِ تَقْرِيبًا. أَنْتِ أَصْغَرُ مِنِّي حِينَ أَتَيْتُ إِلَى هُنَا، لَكِنَّكِ تَحْمِلِينَ هَذَا السُّؤَالَ عَلَى نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ، لِأَنَّكِ وُلِدْتِ هُنَا.”
“وَكَيْفَ كُنْتَ تُجِيبُ؟”
“لَمْ أَكُنْ أُجِيبُ بِارْتِيَاحٍ أَبَدًا. كُنْتُ أَشْعُرُ، حِينَ أَكُونُ بَيْنَ الْأَلْمَانِ، أَنِّي أُذَكَّرُ بِأَنِّي ‘غَرِيبٌ’، وَحِينَ أَكُونُ بَيْنَ أَهْلِي، أُذَكَّرُ بِأَنِّي ‘صِرْتُ مُخْتَلِفًا عَنْهُمْ’. لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، شَعَرْتُ أَنِّي لَا أَنْتَمِي بِالْكَامِلِ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ، وَكَأَنَّنِي أَقِفُ دَائِمًا عَلَى عَتَبَةٍ، لَا فِي الدَّاخِلِ وَلَا فِي الْخَارِجِ.”
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تُقَلِّبُ فِنْجَانَ الشَّايِ بَيْنَ يَدَيْهَا:
“لَكِنَّ هَذَا تَغَيَّرَ مَعَكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
“نَعَمْ، مَعَ الْوَقْتِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الِانْتِمَاءَ لَيْسَ مَكَانًا جُغْرَافِيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَيْضًا الْقِيَمُ الَّتِي نَحْمِلُهَا، وَالنَّاسُ الَّذِينَ نُحِبُّهُمْ، وَاللُّغَةُ الَّتِي نَحْلُمُ بِهَا، وَالذِّكْرَيَاتُ الَّتِي نَحْتَفِظُ بِهَا فِي طَيَّاتِ الرُّوحِ. يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِي انْتِمَاءٌ لِأَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، دُونَ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.”
اسْتَمَعَتْ لِينَا بِاهْتِمَامٍ بَالِغٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ، وَقَدْ لَمَعَتْ عَيْنَاهَا بِفُضُولٍ يَشُوبُهُ حَذَرٌ:
“وَهَلْ شَعَرْتَ يَوْمًا أَنَّكَ تَكْذِبُ، حِينَ تَقُولُ لِأَصْدِقَائِكَ الْأَلْمَانِ إِنَّكَ ‘مُنْدَمِجٌ تَمَامًا’، بَيْنَمَا تَشْعُرُ فِي دَاخِلِكَ بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ؟”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى ابْنَتِهِ بِإِعْجَابٍ صَامِتٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ مِنْهَا سُؤَالًا بِهَذَا الْعُمْقِ.
“نَعَمْ، كَثِيرًا. كُنْتُ أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنِّي أَرْتَدِي قِنَاعًا فِي الْعَمَلِ، وَأَخْلَعُهُ حِينَ أَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ. لَكِنْ مَعَ الْوَقْتِ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ هَذَا الْقِنَاعَ لَيْسَ كَذِبًا بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ مَهَارَةِ التَّكَيُّفِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا كُلُّ مَنْ يَعِيشُ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ. الْمُهِمُّ أَلَّا يَنْسَى الْإِنْسَانُ، خَلْفَ الْقِنَاعِ، مَنْ هُوَ فِعْلًا.”
فَكَّرَتْ لِينَا فِي كَلَامِ أَبِيهَا لِبُرْهَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ، وَقَدْ خَفَتَ صَوْتُهَا قَلِيلًا كَمَنْ يَبُوحُ بِسِرٍّ طَالَ كِتْمَانُهُ:
“لَكِنَّ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ، يَا أَبِي، لَمْ أُخْبِرْكُمَا بِهِ. أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّكُمَا، أَنْتَ وَأُمِّي، تُرِيدَانِنِي أَنْ أَكُونَ سُورِيَّةً بِالْكَامِلِ فِي الْبَيْتِ، وَأَلْمَانِيَّةً بِالْكَامِلِ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَكَأَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَرْتَدِيَ شَخْصِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ حَسْبَ الْمَكَانِ. هَذَا مُرْهِقٌ جِدًّا.”
تَبَادَلَ يُوسُفُ وَسَلْمَى نَظْرَةً صَامِتَةً، وَشَعَرَا كِلَاهُمَا بِثِقَلِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ، كَأَنَّ حَجَرًا قَدْ سَقَطَ فَجْأَةً فِي وَسَطِ الْمَائِدَةِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَقَدْ ارْتَجَفَ صَوْتُهَا قَلِيلًا:
“أَعْتَذِرُ إِنْ كُنَّا فَعَلْنَا هَذَا دُونَ أَنْ نَنْتَبِهَ، يَا حَبِيبَتِي. أَظُنُّ أَنَّنَا، نَحْنُ أَيْضًا، كُنَّا نُحَاوِلُ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ هُوِيَّتِنَا الْقَدِيمَةِ مِنْ خِلَالِكِ، دُونَ أَنْ نَسْأَلَكِ إِنْ كَانَ هَذَا يُرْهِقُكِ.”
“لَا أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّى عَنْ كَوْنِي سُورِيَّةً، يَا أُمِّي. أُحِبُّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَأُحِبُّ الطَّعَامَ، وَأُحِبُّ الْقَصَصَ الَّتِي تَحْكِيَانِهَا لِي عَنْ جَدِّي وَجَدَّتِي. لَكِنِّي أَيْضًا أَلْمَانِيَّةٌ، وُلِدْتُ هُنَا، وَأَصْدِقَائِي هُنَا، وَذِكْرَيَاتِي هُنَا. لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ أَخْتَارَ؟”
قَالَ يُوسُفُ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ خُيُوطَ عُمْرِهِ كُلِّهِ:
“أَظُنُّ أَنَّكِ لَا يَجِبُ أَنْ تَخْتَارِي، يَا لِينَا. أَظُنُّ أَنَّ جِيلَنَا، جِيلَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَائِلِ، كَانَ يَعِيشُ صِرَاعًا حَادًّا بَيْنَ الْهُوِيَّتَيْنِ، لِأَنَّنَا انْتَقَلْنَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ وَنَحْنُ نَحْمِلُ ذَاكِرَةً كَامِلَةً عَنْ ‘هُنَاكَ’. لَكِنَّ جِيلَكِ مُخْتَلِفٌ: أَنْتِ لَسْتِ مُنْتَقِلَةً مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، أَنْتِ وُلِدْتِ فِي الْمَكَانَيْنِ مَعًا، بِمَعْنًى مَا. رُبَّمَا عَلَيْكِ أَنْ تَصْنَعِي هُوِيَّتَكِ الْخَاصَّةَ، هُوِيَّةً جَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً مِنْ قَبْلُ، لَا سُورِيَّةً خَالِصَةً وَلَا أَلْمَانِيَّةً خَالِصَةً، بَلْ شَيْئًا ثَالِثًا: أَنْتِ.”
أَعْجَبَتْ لِينَا بِهَذِهِ الْفِكْرَةِ، وَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الضَّوْءَ يَتَسَلَّلُ إِلَى زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي دَاخِلِهَا.
“هُوِيَّةٌ ثَالِثَةٌ… أُحِبُّ هَذَا. سَأُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، عَادَتْ لِينَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ، وَالْمُعَلِّمَةُ لَا تَزَالُ تَنْتَظِرُ إِجَابَةً أَكْمَلَ عَلَى سُؤَالِهَا مِنَ الْيَوْمِ السَّابِقِ. رَفَعَتْ لِينَا يَدَهَا، وَقَالَتْ بِثِقَةٍ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُهَا بِالْأَمْسِ:
“أُسْتَاذَةُ، أُرِيدُ أَنْ أُكْمِلَ إِجَابَتِي عَنْ سُؤَالِ الْأَمْسِ.”
“تَفَضَّلِي، يَا لِينَا.”
“أَنَا لَسْتُ مِنْ سُورِيَا فَقَطْ، وَلَا مِنْ أَلْمَانْيَا فَقَطْ. أَنَا مِنْ مَكَانٍ ثَالِثٍ، مَكَانٍ يَجْمَعُ الِاثْنَيْنِ مَعًا، وَلَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ أُولَدَ. أَنَا جِيلٌ جَدِيدٌ، يَحْمِلُ لُغَتَيْنِ، وَثَقَافَتَيْنِ، وَذَاكِرَتَيْنِ، وَيَصْنَعُ مِنْهُمَا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ مِنْ قَبْلُ.”
نَظَرَتِ الْمُعَلِّمَةُ إِلَيْهَا بِإِعْجَابٍ، وَقَالَتْ:
“إِجَابَةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا، يَا لِينَا. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ جَوْهَرُ مَا نُحَاوِلُ فَهْمَهُ فِي هَذِهِ الْوَحْدَةِ الدِّرَاسِيَّةِ بِالضَّبْطِ.”
بَعْدَ الْمَدْرَسَةِ، الْتَقَتْ لِينَا بِفَرَحَ، وَحَكَتْ لَهَا مَا حَدَثَ.
قَالَتْ فَرَحُ، وَقَدْ ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهَا ابْتِسَامَةٌ يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الْحَسْرَةِ:
“أَنْتِ مَحْظُوظَةٌ، يَا لِينَا، لِأَنَّ أَهْلَكِ بَدَؤُوا يَفْهَمُونَ هَذَا الْأَمْرَ مَعَكِ. أَهْلِي، حَتَّى الْآنَ، مَا زَالُوا يُصِرُّونَ أَنْ أَخْتَارَ: إِمَّا سُورِيَّةً أَوْ أَلْمَانِيَّةً، وَيَشْعُرُونَ بِالِانْزِعَاجِ حِينَ أَقُولُ إِنِّي الِاثْنَتَانِ مَعًا.”
“رُبَّمَا عَلَيْكِ أَنْ تَتَحَدَّثِي مَعَهُمْ كَمَا تَحَدَّثْتُ أَنَا مَعَ أَهْلِي. أَظُنُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآبَاءِ يَخَافُونَ فَقَطْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَتَعَامَلُونَ مَعَ جِيلٍ يَعِيشُ تَجْرِبَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ تَجْرِبَتِهِمْ.”
“رُبَّمَا أَنْتِ مُحِقَّةٌ. سَأُحَاوِلُ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الصَّمْتُ يَلُفُّ الْبَيْتَ كَبِسَاطٍ نَاعِمٍ، كَتَبَتْ لِينَا فِي دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ:
“الْيَوْمَ، تَعَلَّمْتُ أَنِّي لَا أَحْتَاجُ أَنْ أَخْتَارَ بَيْنَ هُوِيَّتَيْنِ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ جِسْرًا بَيْنَهُمَا، لَا سَاحَةَ مَعْرَكَةٍ تَتَصَارَعُ فِيهَا. هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْأَمْرَ سَهْلٌ دَائِمًا؛ مَا زِلْتُ أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنِّي غَرِيبَةٌ فِي كِلَا الْمَكَانَيْنِ. لَكِنِّي، الْآنَ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الشُّعُورَ لَيْسَ خَلَلًا فِيَّ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ كَوْنِي الْجِيلَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَصْنَعُ طَرِيقًا جَدِيدًا لَمْ يُرْسَمْ مِنْ قَبْلُ.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَشَعَرَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ، أَنَّ سُؤَالَ “مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟” لَمْ يَعُدْ يُخِيفُهَا، بَلْ صَارَ سُؤَالًا تُحِبُّ أَنْ تُجِيبَ عَنْهُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِطَرِيقَةٍ أَعْمَقَ قَلِيلًا مِنْ سَابِقَتِهَا.
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، قَرَّرَتْ لِينَا أَنْ تَكْتُبَ مَقَالًا قَصِيرًا لِمَجَلَّةِ الْمَدْرَسَةِ عَنْ تَجْرِبَتِهَا، وَدَعَتْ فَرَحَ لِلْمُشَارَكَةِ فِي كِتَابَتِهِ مَعَهَا. جَلَسَتَا سَاعَاتٍ طَوِيلَةً، تَتَبَادَلَانِ الْأَفْكَارَ، وَتَكْتَشِفَانِ أَنَّ مَا ظَنَّتَاهُ يَوْمًا عِبْئًا شَخْصِيًّا — أَنْ تَكُونَا “مِنْ مَكَانَيْنِ” — هُوَ، فِي الْحَقِيقَةِ، ثَرْوَةٌ يَحْسُدُهُمَا عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ زَمِيلَاتِهِمَا الَّلَوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ يَوْمًا مَعْنَى أَنْ يَحْمِلْنَ لُغَتَيْنِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ.
وَكَتَبَتَا فِي خِتَامِ الْمَقَالِ جُمْلَةً اتَّفَقَتَا عَلَيْهَا مَعًا:
“نَحْنُ لَا نَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ نَنْتَمِي إِلَيْهِ، بَلْ نَبْنِي، كُلَّ يَوْمٍ، مَكَانًا جَدِيدًا نَصْنَعُهُ بِأَنْفُسِنَا، مِنْ كُلِّ مَا وَرِثْنَاهُ، وَكُلِّ مَا اخْتَرْنَاهُ.”
الْفَصْلُ الثَّامِنُ
كَانَتْ هِيلْغَا، الْجَارَةُ الْأَلْمَانِيَّةُ الَّتِي تَسْكُنُ الشَّقَّةَ الْمُقَابِلَةَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، امْرَأَةً فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهَا، عَاشَتْ حَيَاةً هَادِئَةً نِسْبِيًّا مُقَارَنَةً بِمَا عَاشَتْهُ أُسْرَةُ سَلْمَى، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَيَاةً خَالِيَةً مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْكُبْرَى، كَمَا اكْتَشَفَتْ سَلْمَى لَاحِقًا.
كَانَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ سَلْمَى وَهِيلْغَا قَدْ بَدَأَتْ بِتَبَادُلِ التَّحِيَّاتِ الْمُقْتَضَبَةِ عِنْدَ صُنْدُوقِ الْبَرِيدِ، ثُمَّ تَطَوَّرَتْ، مَعَ السَّنَوَاتِ، إِلَى صَدَاقَةٍ هَادِئَةٍ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يَتَطَلَّبُ زِيَارَاتٍ مُتَكَرِّرَةً، بَلْ يَكْتَفِي بِحُضُورٍ ثَابِتٍ: فِنْجَانِ قَهْوَةٍ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، مُسَاعَدَةٍ صَغِيرَةٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ، سُؤَالٍ عَابِرٍ عَنِ الصِّحَّةِ. لَمْ تَكُنْ سَلْمَى، حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، قَدْ سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا أَنْ تَسْأَلَ هِيلْغَا عَنْ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهَا الْخَاصَّةِ، وَكَأَنَّ هُنَاكَ حَاجِزًا غَيْرَ مُعْلَنٍ يَفْصِلُ بَيْنَ “الْجَارَةِ” وَ”الصَّدِيقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ”.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ سَلْمَى تُنْزِلُ الْقُمَامَةَ، الْتَقَتْ هِيلْغَا عِنْدَ الدَّرَجِ، وَبَدَتِ الْأَخِيرَةُ حَزِينَةً، عَيْنَاهَا مُحْمَرَّتَانِ قَلِيلًا.
“هِيلْغَا، هَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟”
“آهْ، سَلْمَى. لَا بَأْسَ، فَقَطْ يَوْمٌ صَعْبٌ. تَعَالَيْ، إِنْ كَانَ لَدَيْكِ وَقْتٌ، اشْرَبِي مَعِي قَهْوَةً.”
جَلَسَتْ سَلْمَى فِي شَقَّةِ هِيلْغَا الصَّغِيرَةِ، الْمُرَتَّبَةِ بِعِنَايَةٍ، وَالْمَلِيئَةِ بِصُوَرٍ عَائِلِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَسَأَلَتْهَا بِلُطْفٍ:
“مَا الَّذِي أَزْعَجَكِ الْيَوْمَ؟”
“اتَّصَلَ بِي ابْنِي، شْتِيفَانُ. يَعِيشُ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ. أَخْبَرَنِي أَنَّهُ وَزَوْجَتَهُ قَرَّرَا الِانْفِصَالَ.”
“أَنَا آسِفَةٌ لِسَمَاعِ هَذَا.”
“لَا بَأْسَ، هَذِهِ أُمُورٌ تَحْدُثُ. مَا أَزْعَجَنِي أَكْثَرَ هُوَ أَنَّهُ أَخْبَرَنِي بِصُعُوبَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى رَدَّةَ فِعْلِي. سَأَلْتُهُ: ‘لِمَاذَا تَخَافُ أَنْ تُخْبِرَنِي؟’ فَقَالَ: ‘لِأَنَّكِ وَأَبِي كُنْتُمَا زَوَاجًا مِثَالِيًّا، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُشْعِرَكِ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ’.”
ابْتَسَمَتْ هِيلْغَا ابْتِسَامَةً حَزِينَةً.
“قُلْتُ لَهُ: يَا شْتِيفَانُ، أَنَا وَأَبُوكَ لَمْ نَكُنْ مِثَالِيَّيْنِ أَبَدًا. اخْتَلَفْنَا كَثِيرًا، وَفَكَّرْنَا فِي الِانْفِصَالِ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ خِلَالَ زَوَاجِنَا الَّذِي دَامَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. لَكِنَّنَا اخْتَرْنَا، فِي كُلِّ مَرَّةٍ، أَنْ نَتَحَدَّثَ، لَا أَنْ نَصْمُتَ. هَذَا مَا جَعَلَنَا نَسْتَمِرُّ، لَا الْكَمَالُ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهَا بِدَهْشَةٍ.
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكُمَا مَرَرْتُمَا بِأَزَمَاتٍ. كُنْتُ أَظُنُّكُمَا، دَائِمًا، مِثَالًا لِلِاسْتِقْرَارِ.”
“هَذَا مَا يَظُنُّهُ الْجَمِيعُ مِنَ الْخَارِجِ، يَا سَلْمَى. لَكِنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَحْمِلُ قِصَّتَهُ الْخَاصَّةَ الَّتِي لَا يَرَاهَا الْجِيرَانُ. الْفَارِقُ بَيْنَ بَيْتٍ وَآخَرَ لَيْسَ فِي وُجُودِ الْمَشَاكِلِ أَوْ غِيَابِهَا؛ الْمَشَاكِلُ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ. الْفَارِقُ هُوَ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَهَا.”
سَأَلَتْ سَلْمَى، بِفُضُولٍ صَادِقٍ:
“هِيلْغَا، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا، إِنْ سَمَحْتِ. لَاحَظْتُ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَنَّ عَلَاقَتَكِ بِزَوْجِكِ، اللَّهُ يَرْحَمُهُ، كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا اعْتَدْتُهُ فِي بُيُوتِ أَهْلِي وَأَصْدِقَائِي. لِمَاذَا؟”
فَكَّرَتْ هِيلْغَا قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
“أَظُنُّ أَنَّ الْفَارِقَ الْأَسَاسِيَّ هُوَ أَنَّنَا، أَنَا وَهَانْزُ، لَمْ نَكُنْ نَخْلِطُ أَبَدًا بَيْنَ ‘الِاهْتِمَامِ’ وَ’الْمُرَاقَبَةِ’. كَانَ هَانْزُ يَسْأَلُنِي كُلَّ يَوْمٍ كَيْفَ كَانَ يَوْمِي، لَيْسَ لِيَتَحَقَّقَ مِنِّي، بَلْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ حَقًّا. وَحِينَ كُنْتُ أَخْتَلِفُ مَعَهُ فِي رَأْيٍ، كَانَ يَسْتَمِعُ، لَا لِيُجَادِلَنِي فَقَطْ، بَلْ لِيَفْهَمَ لِمَاذَا أَرَى الْأُمُورَ بِهَذَا الشَّكْلِ.”
“وَهَلْ كَانَ هَذَا سَهْلًا دَائِمًا؟”
“لَا، أَبَدًا. تَرَبَّيْنَا، أَنَا وَهُوَ، فِي عَائِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ تَمَامًا فِي طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْحُبِّ. عَائِلَتِي كَانَتْ تُعَبِّرُ بِالْكَلَامِ، وَعَائِلَتُهُ كَانَتْ تُعَبِّرُ بِالْأَفْعَالِ الصَّامِتَةِ. تَعَلَّمْنَا، مَعَ الْوَقْتِ، لُغَةً وُسْطَى، وَكَانَ هَذَا يَتَطَلَّبُ صَبْرًا كَبِيرًا وَحِوَارًا مُسْتَمِرًّا.”
قَالَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الْحَسْرَةِ:
“أَتَمَنَّى لَوْ تَعَلَّمْنَا هَذَا بِشَكْلٍ أَفْضَلَ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ، أَنَا وَيُوسُفُ.”
ابْتَسَمَتْ هِيلْغَا بِحَنَانٍ.
“لَمْ يَفُتِ الْأَوَانُ بَعْدُ، يَا سَلْمَى. رَأَيْتُكُمَا، أَنْتِ وَزَوْجُكِ، هَذَيْنِ الْأُسْبُوعَيْنِ، تَتَحَدَّثَانِ أَكْثَرَ، تَخْرُجَانِ مَعًا فِي الْمَسَاءِ أَحْيَانًا، وَحَتَّى ابْنَتُكُمَا لِينَا تَبْدُو أَكْثَرَ انْفِتَاحًا. لَاحَظْتُ هَذَا، وَسُرِرْتُ لَهُ كَثِيرًا، رَغْمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِي.”
“لَاحَظْتِ هَذَا؟ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الْجِيرَانَ يَنْتَبِهُونَ لِهَذِهِ التَّفَاصِيلِ.”
ضَحِكَتْ هِيلْغَا.
“نَعِيشُ قَرِيبِينَ مِنْ بَعْضِنَا لِسَنَوَاتٍ، يَا سَلْمَى، وَلَوْ لَمْ نَتَحَدَّثْ كَثِيرًا، فَإِنَّ الْجُدْرَانَ هُنَا رَقِيقَةٌ، وَالْأَصْوَاتَ، حَتَّى الصَّامِتَةَ مِنْهَا، تَصِلُ. سَمِعْتُ صَمْتَكُمَا الثَّقِيلَ فِي السَّنَوَاتِ الْأُولَى، وَأَسْمَعُ الْآنَ حَدِيثَكُمَا الْأَكْثَرَ دِفْئًا. هَذَا فَرْقٌ يُمْكِنُ الشُّعُورُ بِهِ دُونَ كَلَامٍ.”
فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي هَذَا، وَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَجَلِ، ثُمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الرَّاحَةِ، أَنَّ أَحَدًا خَارِجَ بَيْتِهَا لَاحَظَ التَّغْيِيرَ الَّذِي كَانَتْ تَظُنُّهُ حَدِيثًا وَهَشًّا.
“هِيلْغَا، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا آخَرَ، رُبَّمَا شَخْصِيًّا أَكْثَرَ: هَلْ نَدِمْتِ يَوْمًا عَلَى قَرَارِكِ بِالزَّوَاجِ مِنْ هَانْزَ؟”
فَكَّرَتْ هِيلْغَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
“لَمْ أَنْدَمْ عَلَى الْقَرَارِ نَفْسِهِ، لَكِنِّي أَحْيَانًا أَتَسَاءَلُ: مَاذَا لَوْ تَحَدَّثْنَا أَكْثَرَ فِي السَّنَوَاتِ الْأُولَى، بَدَلَ أَنْ نَنْتَظِرَ أَزْمَةً لِنَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَتَحَدَّثُ؟ رُبَّمَا كُنَّا سَنُوَفِّرُ عَلَى أَنْفُسِنَا سَنَوَاتٍ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ الصَّغِيرِ الَّذِي تَرَاكَمَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ لُغَتَنَا الْمُشْتَرَكَةَ.”
“إِذَنْ، الْحِوَارُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي إِنْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا؟”
“لَا، الْحِوَارُ يَكْفِي دَائِمًا، حَتَّى لَوْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا، لَكِنَّهُ يَكُونُ أَسْهَلَ وَأَقَلَّ أَلَمًا كُلَّمَا بَدَأْنَا مُبَكِّرًا. هَذَا مَا أَتَمَنَّاهُ لَكِ وَلِابْنَتِكِ: أَلَّا تَنْتَظِرُوا أَزْمَةً كَبِيرَةً لِتَتَعَلَّمُوا الْحَدِيثَ بِصِدْقٍ. لَكِنْ إِنْ جَاءَتِ الْأَزْمَةُ، كَمَا جَاءَتْ لَكُمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَلَا بَأْسَ، الْمُهِمُّ أَلَّا تُهْدَرَ.”
قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ سَلْمَى شَقَّةَ هِيلْغَا، وَقَفَتِ الْأَخِيرَةُ عِنْدَ الْبَابِ، وَقَالَتْ شَيْئًا لَمْ تَنْسَهُ سَلْمَى لِأَيَّامٍ:
“أَتَعْرِفِينَ، يَا سَلْمَى، لِمَاذَا أَتْرُكُ بَابِي مَفْتُوحًا قَلِيلًا مُعْظَمَ الْوَقْتِ، حَتَّى فِي الشِّتَاءِ الْبَارِدِ؟”
“لِمَاذَا؟”
“لِأَنَّ هَانْزَ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا دَائِمًا. كَانَ يَقُولُ: ‘الْبَيْتُ الْمُغْلَقُ تَمَامًا يُصْبِحُ عَالَمًا صَغِيرًا مُنْعَزِلًا، لَكِنَّ الْبَابَ الْمُوَارَبَ قَلِيلًا يُذَكِّرُنَا أَنَّ هُنَاكَ عَالَمًا آخَرَ بِالْخَارِجِ، وَأَنَّنَا جُزْءٌ مِنْهُ، لَا مُنْفَصِلُونَ عَنْهُ’. بَعْدَ وَفَاتِهِ، اسْتَمْرَرْتُ عَلَى هَذِهِ الْعَادَةِ، لَيْسَ فَقَطْ تَكْرِيمًا لِذِكْرَاهُ، بَلْ لِأَنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّهَا كَانَتْ حِكْمَةً حَقِيقِيَّةً: الْعَلَاقَاتُ الَّتِي تُغْلَقُ أَبْوَابُهَا تَمَامًا، تَخْتَنِقُ مَعَ الْوَقْتِ.”
عَادَتْ سَلْمَى إِلَى بَيْتِهَا، وَفَكَّرَتْ فِي كَلِمَاتِ هِيلْغَا طَوِيلًا. حِينَ دَخَلَتْ، وَجَدَتْ يُوسُفَ يَجْلِسُ مَعَ لِينَا، يُسَاعِدُهَا فِي وَاجِبٍ مَدْرَسِيٍّ، وَشَعَرَتْ بِدِفْءٍ لَمْ تَعْتَدْهُ كَثِيرًا فِي هَذَا الْبَيْتِ.
قَالَتْ لِيُوسُفَ، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ لِينَا إِلَى غُرْفَتِهَا:
“كُنْتُ عِنْدَ هِيلْغَا الْيَوْمَ. حَكَتْ لِي قِصَّتَهَا مَعَ هَانْزَ، وَقَالَتْ شَيْئًا جَمِيلًا: إِنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مِثَالِيَّيْنِ، لَكِنَّهُمَا اخْتَارَا الْحِوَارَ بَدَلَ الصَّمْتِ، مِرَارًا وَتَكْرَارًا، طَوَالَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.”
“وَهَلْ هَذَا مَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ الْآنَ؟”
“أَظُنُّ أَنَّنَا بَدَأْنَا، يَا يُوسُفُ. لَكِنَّ هِيلْغَا ذَكَّرَتْنِي بِشَيْءٍ آخَرَ: أَنَّ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ قَلِيلًا، حَرْفِيًّا وَمَجَازِيًّا، يُبْقِي الْبَيْتَ مُتَنَفِّسًا. رُبَّمَا عَلَيْنَا، نَحْنُ أَيْضًا، أَنْ نَتْرُكَ دَائِمًا بَابًا مُوَارَبًا بَيْنَنَا، بَابًا لِلْحِوَارِ، لَا يُغْلَقُ أَبَدًا بِالْكَامِلِ، مَهْمَا بَدَتِ الْأُمُورُ مُسْتَقِرَّةً.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَيْهَا، وَابْتَسَمَ.
“بَابٌ لَا يُغْلَقُ. أُحِبُّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ.”
جَلَسَا مَعًا فِي الصَّالَةِ، وَالْمَسَاءُ يَهْبِطُ بِهُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ خَارِجَ النَّافِذَةِ، وَشَعَرَا كِلَاهُمَا أَنَّ شَيْئًا مِنْ حِكْمَةِ تِلْكَ الْجَارَةِ الْعَجُوزِ، الَّتِي عَاشَتْ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ زَوَاجٍ لَمْ يَكُنْ مِثَالِيًّا لَكِنَّهُ كَانَ صَادِقًا، قَدْ بَدَأَ يَجِدُ طَرِيقَهُ إِلَى بَيْتِهِمَا الصَّغِيرِ، لَا كَوَصْفَةٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ كَإِلْهَامٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَرَّبَ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، حِينَ مَرَّتْ سَلْمَى بِجَانِبِ بَابِ هِيلْغَا، لَاحَظَتْ أَنَّهُ، كَالْعَادَةِ، مُوَارَبٌ قَلِيلًا، يَسْمَحُ لِخَيْطٍ مِنَ الضَّوْءِ وَالصَّوْتِ بِالْمُرُورِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَمَرِّ الْخَارِجِيِّ. تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى بَابِ بَيْتِهَا هِيَ، الْمُغْلَقِ تَمَامًا كَعَادَتِهِ، وَفَكَّرَتْ أَنَّهَا، رُبَّمَا، سَتَبْدَأُ، هِيَ أَيْضًا، بِتَرْكِ بَابِهَا مُوَارَبًا قَلِيلًا، لَيْسَ فَقَطْ بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، بَلْ بِمَعْنًى أَعْمَقَ: أَنْ تَتْرُكَ دَائِمًا مَسَاحَةً لِلْحَدِيثِ غَيْرِ الْمُكْتَمِلِ، لِلسُّؤَالِ الَّذِي لَمْ يُطْرَحْ بَعْدُ، وَلِلتَّغْيِيرِ الَّذِي لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ.
الفصل التاسع
وَصَلَتْ رِسَالَةٌ صَوْتِيَّةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ مِيسَاءَ، أُخْتِ سَلْمَى الصُّغْرَى، الَّتِي هَاجَرَتْ قَبْلَ سَنَوَاتٍ إِلَى كَنَدَا، وَاخْتَارَتْ مَسَارًا مُغَايِرًا تَمَامًا لِمَسَارِ أُخْتِهَا: لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدُ، تَعِيشُ وَحْدَهَا فِي مَدِينَةِ تُورُونْتُو، وَتَعْمَلُ فِي مَجَالِ التَّصْمِيمِ، وَتَزُورُ الْعَائِلَةَ نَادِرًا، لَا لِبَرُودَةٍ فِي الْقَلْبِ، بَلْ لِثِقَلِ الْمَسَافَةِ وَعِبْءِ التَّكْلِفَةِ.
وَكَانَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْمَسَافَةِ، مَتِينَةً فِي جَوْهَرِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ أَيْضًا مُحَمَّلَةً بِسَنَوَاتٍ مِنْ سُوءِ فَهْمٍ صَغِيرٍ، يَتَرَاكَمُ كَالْغُبَارِ عَلَى رَفٍّ لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ: سَلْمَى، الْأُخْتُ الْكُبْرَى الَّتِي اخْتَارَتِ الِاسْتِقْرَارَ الْمُبَكِّرَ، كَانَتْ تَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّ مِيسَاءَ “تَهْرُبُ” مِنَ الْمَسْؤُولِيَّاتِ الْعَائِلِيَّةِ بِاخْتِيَارِهَا الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِلَّةَ الْبَعِيدَةَ، بَيْنَمَا كَانَتْ مِيسَاءُ تَشْعُرُ أَنَّ سَلْمَى “اسْتَسْلَمَتْ” لِتَوَقُّعَاتِ الْعَائِلَةِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَهَا يَوْمًا مَاذَا تُرِيدُ هِيَ فِعْلًا. لَمْ تَتَحَدَّثَا عَنْ هَذَا الشُّعُورِ الْمُتَبَادَلِ صَرَاحَةً مِنْ قَبْلُ، بَلْ تَرَكَتَاهُ يَسْكُنُ بَيْنَهُمَا، كَضَيْفٍ غَيْرِ مَرْغُوبٍ فِيهِ، يَحْضُرُ كُلَّ مُكَالَمَةٍ دُونَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ.
اسْتَمَعَتْ سَلْمَى إِلَى الرِّسَالَةِ وَهِيَ تُعِدُّ الْعَشَاءَ، وَابْتَسَمَتْ حِينَ سَمِعَتْ صَوْتَ أُخْتِهَا الْمَأْلُوفَ، الْمَرِحَ كَعَادَتِهِ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرَّةَ نَبْرَةَ قَلَقٍ لَا تُخْطِئُهَا أُذُنُ أُخْتٍ.
“سَلْمَى، سَمِعْتُ عَنْ بَابَا، اللهُ يَشْفِيهِ. أَنَا آسِفَةٌ أَنِّي لَمْ أَتَّصِلْ بِكِ مُبَاشَرَةً، كُنْتُ فِي حَالَةِ صَدْمَةٍ. أَخْبِرِينِي، كَيْفَ حَالُهُ الْآنَ؟ وَهَلْ قَرَّرْتِ مَتَى سَتُسَافِرِينَ؟ اتَّصِلِي بِي حِينَ تَسْمَعِينَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، أَرْجُوكِ.”
اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِمِيسَاءَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَتَحَدَّثَتَا سَاعَةً كَامِلَةً، عَنِ الْأَبِ، وَعَنِ الْعَائِلَةِ، وَعَنْ أَحْوَالِهِمَا.
سَأَلَتْ مِيسَاءُ، بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ يُشْبِهُ خُطُوَاتِ مَنْ يَتَحَسَّسُ الطَّرِيقَ فِي الْعَتْمَةِ:
“سَلْمَى، هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أُسَافِرَ أَنَا أَيْضًا لِرُؤْيَتِهِ؟”
“أَنْتِ حُرَّةٌ فِي قَرَارِكِ، يَا مِيسَاءُ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ أَبِي يَسْأَلُ عَنْكِ كَثِيرًا.”
صَمَتَتْ مِيسَاءُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ:
“الْأَمْرُ مُعَقَّدٌ، يَا سَلْمَى. أَنْتِ تَعْرِفِينَ عَلَاقَتِي بِأَبِي. لَمْ يَتَقَبَّلْ يَوْمًا قَرَارِي بِعَدَمِ الزَّوَاجِ، وَلَا حَيَاتِي هُنَا، وَلَا اخْتِيَارَاتِي الْمِهَنِيَّةَ. كُلُّ مُكَالَمَةٍ بَيْنَنَا تَتَحَوَّلُ، عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، إِلَى مُحَاضَرَةٍ عَنْ ‘مَا يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَهُ بِحَيَاتِي’.”
فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي كَلَامِ أُخْتِهَا، وَتَذَكَّرَتِ اعْتِرَافَ أَبِيهَا الْأَخِيرَ عَنْ خَوْفِهِ مِنْ فُقْدَانِ مَنْ يُحِبُّ، وَعَنْ أَصْلِ هَذَا الْخَوْفِ الْمُتَجَذِّرِ فِي مَقْتَلِ أُخْتِهِ الصُّغْرَى، ذَلِكَ الْجُرْحُ الْقَدِيمُ الَّذِي ظَلَّ يَنْزِفُ بِصَمْتٍ عَلَى مَدَى عُقُودٍ.
“مِيسَاءُ، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ اكْتَشَفْتُهُ مُؤَخَّرًا عَنْ أَبِي، رُبَّمَا يُسَاعِدُكِ عَلَى فَهْمِ بَعْضِ تَصَرُّفَاتِهِ.”
حَكَتْ لَهَا سَلْمَى قِصَّةَ خَالَتِهِمَا الَّتِي فَقَدَهَا الْأَبُ فِي حَادِثَةِ سَفَرٍ، وَكَيْفَ أَنَّ كُلَّ خَوْفِهِ مِنَ “الِاخْتِلَافِ” وَ”عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ التَّقْلِيدِيِّ” رُبَّمَا كَانَ نَابِعًا مِنْ رَغْبَتِهِ الْعَمِيقَةِ فِي حِمَايَةِ بَنَاتِهِ مِنْ أَيِّ مَصِيرٍ مُشَابِهٍ، وَلَوْ بِطَرِيقَةٍ خَاطِئَةٍ وَمُرْهِقَةٍ.
صَمَتَتْ مِيسَاءُ طَوِيلًا بَعْدَ أَنْ سَمِعَتِ الْقِصَّةَ، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي سَمِعَتْهَا تَوًّا أَعَادَتْ تَرْتِيبَ صُورَةٍ ظَلَّتْ مُعَلَّقَةً فِي ذِهْنِهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ هَذَا، يَا سَلْمَى. لَطَالَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ رَفْضَهُ لِاخْتِيَارَاتِي نَابِعٌ مِنْ كَوْنِهِ، بِبَسَاطَةٍ، رَجُلًا تَقْلِيدِيًّا لَا يَفْهَمُ جِيلَنَا. لَمْ أُفَكِّرْ يَوْمًا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَوْفًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ تَمَامًا.”
“هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ تَصَرُّفَاتِهِ كَانَتْ صَحِيحَةً، يَا مِيسَاءُ. لَا يَزَالُ عَلَيْكِ أَنْ تَعِيشِي حَيَاتَكِ كَمَا تُرِيدِينَ، وَلَهُ الْحَقُّ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ قَلَقِهِ، لَكِنْ لَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْكِ حَيَاتَهُ الْخَاصَّةَ. لَكِنَّ فَهْمَ مَصْدَرِ الْخَوْفِ قَدْ يَجْعَلُ الْحِوَارَ مَعَهُ أَسْهَلَ قَلِيلًا، أَقَلَّ غَضَبًا، وَأَكْثَرَ تَفَهُّمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ.”
“أَظُنُّ أَنَّكِ مُحِقَّةٌ. رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأَتَحَدَّثَ مَعَهُ بِصَرَاحَةٍ، لَا لِأُبَرِّرَ لَهُ قَرَارَاتِي، بَلْ لِأَفْهَمَهُ، وَلِأَشْرَحَ لَهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لِمَاذَا اخْتَرْتُ هَذَا الطَّرِيقَ.”
“وَمَاذَا سَتَقُولِينَ لَهُ؟”
فَكَّرَتْ مِيسَاءُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“سَأَقُولُ لَهُ إِنِّي لَمْ أَخْتَرْ أَلَّا أَتَزَوَّجَ لِأَنِّي أَرْفُضُ الْعَائِلَةَ أَوِ التَّقَالِيدَ، بَلْ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ بَعْدُ الشَّخْصَ الَّذِي أُرِيدُ أَنْ أَبْنِيَ مَعَهُ حَيَاةً، وَأَنِّي أُفَضِّلُ الِانْتِظَارَ عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَ فَقَطْ لِأُرْضِيَ تَوَقُّعَاتِ الْآخَرِينَ. وَسَأَقُولُ لَهُ إِنِّي أُحِبُّ عَمَلِي، وَإِنَّهُ لَيْسَ ‘هِوَايَةً عَابِرَةً’ كَمَا يَصِفُهُ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ هُوِيَّتِي.”
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، فُوجِئَتْ سَلْمَى بِاتِّصَالٍ مِنْ مِيسَاءَ، تُخْبِرُهَا أَنَّهَا حَجَزَتْ تَذْكِرَةَ سَفَرٍ لِزِيَارَةِ الْأَبِ، بِالتَّزَامُنِ تَقْرِيبًا مَعَ زِيَارَةِ سَلْمَى.
“قَرَّرْتُ أَنْ أَذْهَبَ، يَا سَلْمَى. لَا لِأُرْضِيَهُ، بَلْ لِأَنِّي أُرِيدُ، أَنَا أَيْضًا، أَنْ أَقُولَ مَا لَمْ أَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ، وَأَنْ أَسْمَعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ هُوَ أَيْضًا.”
“سَأَكُونُ سَعِيدَةً جِدًّا بِرُؤْيَتِكِ هُنَاكَ، يَا مِيسَاءُ. لَمْ نَجْتَمِعْ نَحْنُ الثَّلَاثَةُ، أَنَا وَأَنْتِ وَأَبِي، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.”
“أَعْرِفُ. وَأَخَافُ قَلِيلًا مِنْ هَذَا اللِّقَاءِ، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ لِمُوَاجَهَةِ هَذَا الْخَوْفِ، بَدَلَ الْهُرُوبِ مِنْهُ كَمَا فَعَلْتُ طَوِيلًا.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَكَتْ سَلْمَى لِيُوسُفَ عَنْ قَرَارِ أُخْتِهَا.
“أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَزْمَةَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْأَلَمِ الَّذِي حَمَلَتْهُ، بَدَأَتْ تَفْتَحُ أَبْوَابًا كَثِيرَةً كَانَتْ مُغْلَقَةً فِي عَائِلَتِنَا، يَا يُوسُفُ. أَبِي يَعْتَرِفُ بِمَخَاوِفِهِ، وَأَنَا وَمِيسَاءُ نَبْدَأُ حِوَارًا لَمْ نَجْرُؤْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَأَنْتَ وَأَنَا نَتَعَلَّمُ لُغَةً جَدِيدَةً فِي بَيْتِنَا.”
قَالَ يُوسُفُ:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى مَا تَحَدَّثْنَا عَنْهُ: أَنَّنَا لَا نَخْتَارُ الْحَدَثَ، لَكِنَّنَا نَخْتَارُ مَاذَا نَصْنَعُ بِمَعْنَاهُ. مَرَضُ أَبِيكِ كَانَ حَدَثًا لَمْ يَخْتَرْهُ أَحَدٌ، لَكِنَّهُ صَارَ، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، فُرْصَةً لِصِدْقٍ لَمْ يَكُنْ لِيَحْدُثَ لَوْلَاهُ.”
“صَحِيحٌ. أَتَمَنَّى فَقَطْ أَلَّا نَحْتَاجَ دَائِمًا أَزْمَةً لِنَصِلَ إِلَى هَذَا الصِّدْقِ.”
“رُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْأَكْبَرُ: أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَصِلُ إِلَى الصِّدْقِ دُونَ انْتِظَارِ أَزْمَةٍ تُجْبِرُنَا عَلَيْهِ.”
قَبْلَ أَنْ تَنَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، كَتَبَتْ سَلْمَى فِي دَفْتَرِهَا الْقَدِيمِ سَطْرًا جَدِيدًا، وَالْقَلَمُ يَرْتَجِفُ قَلِيلًا بَيْنَ أَصَابِعِهَا:
“الْمِيرَاثُ الَّذِي حَمَلْنَاهُ، أَنَا وَمِيسَاءُ، مِنْ بَيْتِ أَبِي، لَمْ يَكُنْ خَوْفًا وَاحِدًا يُشْبِهُنَا كِلَتَيْنَا بِالتَّسَاوِي. أَنَا حَمَلْتُ خَوْفًا مِنَ الْمَجْهُولِ جَعَلَنِي أَبْحَثُ عَنِ الْأَمَانِ بِسُرْعَةٍ، فَتَزَوَّجْتُ فِي سَنَتِي الْأُولَى هُنَا. وَمِيسَاءُ حَمَلَتْ خَوْفًا مِنَ التَّكْرَارِ، فَرَفَضَتْ كُلَّ قَالَبٍ جَاهِزٍ، وَبَنَتْ حَيَاتَهَا بِمُفْرَدِهَا، بَعِيدًا عَنْ كُلِّ مَا قَدْ يُشْبِهُ الْقَيْدَ. كِلَانَا كَانَ يَهْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، لَكِنْ فِي اتِّجَاهَيْنِ مُتَعَاكِسَيْنِ. وَالْيَوْمَ، وَرُبَّمَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، نَلْتَقِي، أَنَا وَهِيَ، فِي نُقْطَةٍ وُسْطَى: أَنْ نَفْهَمَ مِنْ أَيْنَ أَتَى خَوْفُنَا، لِنَخْتَارَ، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقَتِهَا، كَيْفَ نَتَجَاوَزُهُ.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَفَكَّرَتْ فِي اللِّقَاءِ الْقَادِمِ، فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ فِي الْمَشْفَى، حَيْثُ سَيَجْتَمِعُ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّبَاعُدِ، ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ يَحْمِلُونَ الِاسْمَ نَفْسَهُ مِنَ الدَّمِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَارُوا طُرُقًا مُتَبَايِنَةً تَمَامًا فِي الْحَيَاةِ: أَبٌ ظَلَّ حَبِيسَ خَوْفٍ قَدِيمٍ لَمْ يُشْفَ مِنْهُ، وَابْنَةٌ اخْتَارَتِ الْأَمَانَ الْمُبَكِّرَ هَرَبًا مِنَ الْمَجْهُولِ، وَابْنَةٌ أُخْرَى اخْتَارَتِ الْحُرِّيَّةَ الْمُطْلَقَةَ هَرَبًا مِنَ التَّكْرَارِ. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَيْفَ سَيَكُونُ ذَلِكَ اللِّقَاءُ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَنَّهَا لَا تَخْشَاهُ، بَلْ تَنْتَظِرُهُ بِفُضُولٍ يُشْبِهُ الْأَمَلَ.
الفصل العاشر
طَلَبَ يُوسُفُ مِنْ كَرِيمٍ أَنْ يَلْتَقِيَا وَحْدَهُمَا، بَعِيدًا عَنِ الْعَائِلَةِ وَالْأَصْدِقَاءِ، بَعْدَ أُسْبُوعٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمُتَلَاحِقَةِ. شَعَرَ أَنَّهُ يَدِينُ لِصَدِيقِهِ بِجَلْسَةٍ هَادِئَةٍ، لَا لِيُخْبِرَهُ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ لِيَسْتَمِعَ إِلَيْهِ فَقَطْ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ صَدَاقَةٍ لَمْ يَسْأَلْهُ فِيهَا يَوْمًا سُؤَالًا عَمِيقًا حَقًّا.
كَانَتْ صَدَاقَتُهُمَا قَدْ بَدَأَتْ فِي الْمَدْرَسَةِ الثَّانَوِيَّةِ بِدِمَشْقَ، قَبْلَ أَنْ تُفَرِّقَهُمَا الْحَرْبُ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ تَجْمَعَهُمَا الْغُرْبَةُ مِنْ جَدِيدٍ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ، فِي مَدِينَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ يَخْتَرِ الِاسْتِقْرَارَ فِيهَا أَيٌّ مِنْهُمَا تَحْدِيدًا. كَانَا يَعْرِفَانِ بَعْضَهُمَا بَعْضًا مَعْرِفَةً سَطْحِيَّةً عَمِيقَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ: يَعْرِفَانِ تَفَاصِيلَ حَيَاتِهِمَا الْيَوْمِيَّةِ، وَأَعْيَادَ مِيلَادِ أَوْلَادِهِمَا، وَمُنَاسَبَاتِهِمَا الْعَائِلِيَّةَ، لَكِنَّهُمَا لَمْ يَتَحَدَّثَا يَوْمًا، بِهَذَا الْوُضُوحِ، عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْكُبْرَى الَّتِي تُحَرِّكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الدَّاخِلِ.
جَلَسَا فِي مَقْهًى هَادِئٍ، بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ الْعَائِلَةِ، وَالْبُخَارُ يَتَصَاعَدُ مِنْ فِنْجَانَيْ قَهْوَتِهِمَا كَخَيْطَيْنِ رَقِيقَيْنِ مِنْ صَمْتٍ لَمْ يُشَقَّ بَعْدُ.
“كَرِيمُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا، وَأُرِيدُكَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ: لِمَاذَا تُؤْمِنُ، بِهَذِهِ الْقُوَّةِ، أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ الْكَثِيرِ فِي حَيَاتِهِ؟”
فَكَّرَ كَرِيمٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَكَأَنَّ السُّؤَالَ فَتَحَ بَابًا لَمْ يَفْتَحْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
“يُوسُفُ، أَتَذْكُرُ حِينَ كُنَّا فِي دِمَشْقَ، قَبْلَ الْحَرْبِ؟ كُنْتُ أَمْلِكُ مَتْجَرًا صَغِيرًا، وَرِثْتُهُ عَنْ أَبِي، وَكُنْتُ أُخَطِّطُ لِتَوْسِيعِهِ، وَلِفَتْحِ فَرْعٍ ثَانٍ. كَانَ لَدَيَّ خُطَّةٌ كَامِلَةٌ، مَدْرُوسَةٌ، وَاقِعِيَّةٌ. ثُمَّ جَاءَتِ الْحَرْبُ، وَدَمَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ: الْمَتْجَرَ، وَالْحَيَّ، وَالْخُطَّةَ، وَالْحُلْمَ كُلَّهُ.”
“أَعْرِفُ هَذَا يَا كَرِيمُ، وَأَنَا آسِفٌ لِمَا مَرَرْتَ بِهِ.”
“الْمُشْكِلَةُ، يَا يُوسُفُ، لَيْسَتْ فِي الْأَسَفِ. الْمُشْكِلَةُ أَنِّي، بَعْدَ ذَلِكَ، حَاوَلْتُ مَرَّتَيْنِ أَنْ أَبْنِيَ شَيْئًا مِنْ جَدِيدٍ، هُنَا فِي أَلْمَانْيَا، وَفَشِلْتُ الْمَرَّتَيْنِ، لَيْسَ بِسَبَبِ تَقْصِيرِي، بَلْ بِسَبَبِ ظُرُوفٍ خَارِجَةٍ عَنْ إِرَادَتِي تَمَامًا: شَرِيكٌ خَانَنِي، وَقَوَانِينُ تَغَيَّرَتْ فَجْأَةً، وَأَزْمَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ عَالَمِيَّةٌ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ، كُنْتُ أَبْنِي بِجِدٍّ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَانَ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنِّي يَهْدِمُ كُلَّ شَيْءٍ.”
اسْتَمَعَ يُوسُفُ بِصَمْتٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ، لَا أَنْ يُجَادِلَ.
“وَمَاذَا تَعَلَّمْتَ مِنْ كُلِّ هَذَا؟”
“تَعَلَّمْتُ أَنَّ هُنَاكَ حُدُودًا لِمَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ فِعْلَهُ. نَحْنُ نُحِبُّ أَنْ نُصَدِّقَ أَنَّنَا أَسْيَادُ مَصِيرِنَا، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَكْبَرُ مِنَّا: الْحُرُوبَ، وَالِاقْتِصَادَ، وَالْقَرَارَاتِ السِّيَاسِيَّةَ، وَحَتَّى حَظَّنَا الشَّخْصِيَّ. لِهَذَا، يَا يُوسُفُ، حِينَ تَحَدَّثْتَ مَعِي عَنْ سَلْمَى وَسَفَرِهَا، كَانَ خَوْفِي حَقِيقِيًّا، لِأَنِّي أَعْرِفُ كَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَلِبَ كُلُّ شَيْءٍ فِي لَحْظَةٍ، مَهْمَا خَطَّطْنَا بِعِنَايَةٍ.”
“لَكِنْ، يَا كَرِيمُ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ، رَغْمَ كُلِّ هَذَا، بَنَيْتَ حَيَاةً هُنَا؟ لَدَيْكَ بَيْتٌ، وَعَائِلَةٌ، وَعَمَلٌ ثَابِتٌ الْآنَ. أَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، حَتَّى وَسْطَ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ؟”
صَمَتَ كَرِيمٌ طَوِيلًا، وَعَيْنَاهُ مُعَلَّقَتَانِ بِنُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ خَلْفَ زُجَاجِ الْمَقْهَى.
“رُبَّمَا. لَكِنِّي لَا أَشْعُرُ أَنِّي ‘فَعَلْتُ’ هَذَا بِقَدْرِ مَا أَشْعُرُ أَنِّي ‘نَجَوْتُ’ مِنْهُ. أَشْعُرُ أَنِّي، كُلَّ يَوْمٍ، أَنْتَظِرُ الضَّرْبَةَ الْقَادِمَةَ، لَا أُخَطِّطُ لِمُسْتَقْبَلٍ أَثِقُ بِهِ. هَذَا هُوَ الْفَارِقُ، يَا يُوسُفُ، بَيْنَ مَنْ يَعِيشُ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ فَقَطْ أَلَّا يَخْسَرَ أَكْثَرَ مِمَّا خَسِرَ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى صَدِيقِهِ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ، وَتَذَكَّرَ حَدِيثَ سُهَى مَعَهُ، الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ كَرِيمٌ بِنَفْسِهِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي السَّيَّارَةِ.
“كَرِيمُ، سُهَى أَخْبَرَتْنِي أَنَّكُمَا تَحَدَّثْتُمَا عَنْ مَشْرُوعِهَا. هَلْ فَكَّرْتَ فِيمَا قَالَتْهُ؟”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً.
“فَكَّرْتُ، وَمَا زِلْتُ أُفَكِّرُ. جُزْءٌ مِنِّي يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: ‘افْعَلِي مَا تُرِيدِينَ، أَنَا أَدْعَمُكِ’. لَكِنَّ جُزْءًا آخَرَ، الْجُزْءَ الَّذِي عَاشَ كُلَّ تِلْكَ الْخَسَارَاتِ، يَخَافُ: مَاذَا لَوْ فَتَحَتْ مَشْرُوعَهَا، وَاسْتَثْمَرْنَا فِيهِ مَا ادَّخَرْنَاهُ، ثُمَّ فَشِلَ، كَمَا فَشِلَ كُلُّ شَيْءٍ حَاوَلْتُهُ أَنَا مِنْ قَبْلُ؟”
“وَمَاذَا لَوْ نَجَحَ؟”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُفَكِّرُ فِيهِ. تَعَلَّمْتُ، طَوَالَ سَنَوَاتٍ، أَنْ أَسْتَعِدَّ لِلْفَشَلِ، لَا أَنْ أَتَخَيَّلَ النَّجَاحَ. أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْمُشْكِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِيَّ.”
قَالَ يُوسُفُ، بِحَذَرٍ، مُحَاوِلًا أَلَّا يَبْدُوَ كَمَنْ يُلْقِي مُحَاضَرَةً:
“كَرِيمُ، أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً خَارِجَ إِرَادَتِنَا، وَهَذَا صَحِيحٌ تَمَامًا، وَبَيْنَ أَنْ نَجْعَلَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَافِ عُذْرًا لِعَدَمِ الْمُحَاوَلَةِ أَصْلًا. أَنْتَ مُحِقٌّ أَنَّ الْحَرْبَ لَمْ تَكُنِ اخْتِيَارَكَ، وَأَنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي خَانَكَ لَمْ يَكُنْ قَرَارَكَ أَنْ يَخُونَكَ. لَكِنَّ قَرَارَ أَنْ تَدْعَمَ سُهَى فِي مَشْرُوعِهَا، أَوْ أَلَّا تَدْعَمَهَا، هَذَا قَرَارُكَ أَنْتَ، الْيَوْمَ، هُنَا.”
فَكَّرَ كَرِيمٌ فِي هَذَا الْكَلَامِ طَوِيلًا.
“رُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ. لَكِنْ كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الْخَوْفِ الْمُتَرَاكِمِ؟ لَيْسَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ، يَا يُوسُفُ، أَنْ أَقُولَ لِنَفْسِي فَجْأَةً ‘ثِقْ بِالْمُسْتَقْبَلِ’ بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتُهُ.”
“لَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَثِقَ بِالْمُسْتَقْبَلِ ثِقَةً عَمْيَاءَ، يَا كَرِيمُ. لَكِنْ رُبَّمَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُجَرِّبَ خُطْوَةً صَغِيرَةً، لَا كُلَّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً. ادْعَمْ سُهَى فِي جُزْءٍ صَغِيرٍ مِنْ مَشْرُوعِهَا، بَدَلَ أَنْ تَرْفُضَهُ كُلِّيًّا أَوْ تَسْتَسْلِمَ لَهُ كُلِّيًّا. جَرِّبْ، وَرَاقِبْ، وَاسْمَحْ لِنَفْسِكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، بَدَلَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهَا مُسْبَقًا بِالْفَشَلِ.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى صَدِيقِهِ، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْأَمَلَ الْحَذِرَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْخَوْفِ الْمُتَرَاكِمِ.
“سَأُفَكِّرُ فِي هَذَا جِدِّيًّا، يَا يُوسُفُ. لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعِي أَحَدٌ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ قَبْلُ، دُونَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى خَوْفِي أَوْ يَسْتَهِينَ بِهِ.”
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى بَيْتِهِ، فَكَّرَ كَرِيمٌ فِي كُلِّ مَا قَالَهُ لِيُوسُفَ، وَفِي كُلِّ مَا لَمْ يَقُلْهُ بَعْدُ. تَذَكَّرَ أَبَاهُ، الَّذِي بَنَى مَتْجَرَهُ الصَّغِيرَ بِيَدَيْهِ مِنَ الصِّفْرِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ فِي هِجْرَةٍ سَابِقَةٍ قَبْلَ جِيلٍ، وَكَيْفَ كَانَ يَقُولُ لَهُ دَائِمًا: “يَا كَرِيمُ، الْحَيَاةُ لَا تَسْأَلُكَ إِنْ كُنْتَ مُسْتَعِدًّا، هِيَ فَقَطْ تَحْدُثُ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُقَرِّرَ مَاذَا تَفْعَلُ بَعْدَهَا.”
أَدْرَكَ كَرِيمٌ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، أَنَّهُ، رَغْمَ كُلِّ خَسَارَتِهِ، لَمْ يَفْشَلْ فِي “الْفِعْلِ”، بَلْ نَجَحَ، مِرَارًا، فِي النُّهُوضِ مِنْ كُلِّ خَسَارَةٍ. الْمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ، بَلْ فِي تَفْسِيرِهِ لِمَا فَعَلَهُ: كَانَ يُسَمِّي نَجَاتَهُ “صُدْفَةً”، وَنُهُوضَهُ “مُجَرَّدَ انْتِظَارٍ لِانْتِهَاءِ الْعَاصِفَةِ”، بَدَلَ أَنْ يَرَى فِيهِمَا فِعْلًا حَقِيقِيًّا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُبْنَى عَلَيْهِ ثِقَةٌ جَدِيدَةٌ.
حِينَ وَصَلَ إِلَى بَيْتِهِ، وَجَدَ سُهَى تَجْلِسُ فِي الْمَطْبَخِ، تُرَاجِعُ بَعْضَ الرُّسُومَاتِ وَالْخُطَطَ لِمَشْرُوعِهَا الْمُحْتَمَلِ.
جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَنَظَرَ إِلَى الْأَوْرَاقِ الْمُنْتَشِرَةِ أَمَامَهَا.
“سُهَى، أُرِيدُ أَنْ أَرَى مَا لَدَيْكِ. لَا أَعِدُكِ بِشَيْءٍ، لَكِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَسْتَمِعَ، حَقًّا هَذِهِ الْمَرَّةَ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سُهَى بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِأَمَلٍ.
“هَلْ أَنْتَ جَادٌّ؟”
“جَادٌّ قَدْرَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الْخَوْفِ. لِنَبْدَأْ بِخُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ، وَنَرَ إِلَى أَيْنَ تَقُودُنَا.”
ابْتَسَمَتْ سُهَى، وَبَدَأَتْ تَشْرَحُ لَهُ مَشْرُوعَهَا بِحَمَاسٍ لَمْ يَرَهُ فِيهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ الْحَدَثَ الْقَادِمَ بِخَوْفٍ، بَلْ يُشَارِكُ فِي صِنَاعَةِ حَدَثٍ جَدِيدٍ، بِإِرَادَتِهِ هُوَ، مَهْمَا كَانَتِ الْخُطْوَةُ صَغِيرَةً.
جَلَسَا مَعًا حَتَّى وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ، يُرَاجِعَانِ الْأَرْقَامَ وَالْخُطَطَ، وَيَتَنَاقَشَانِ حَوْلَ أَوَّلِ خُطْوَةٍ عَمَلِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُجَرِّبَاهَا دُونَ مُخَاطَرَةٍ كَبِيرَةٍ: مَشْرُوعٌ صَغِيرٌ، مَحْدُودُ الْمِيزَانِيَّةِ، يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَسَّعَ لَاحِقًا إِنْ نَجَحَ، أَوْ يُغْلَقَ بِخَسَارَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لَكِنَّهَا لَنْ تَكُونَ كَارِثِيَّةً. لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَرَارُ ثَوْرَةً كَامِلَةً فِي شَخْصِيَّةِ كَرِيمٍ، وَلَمْ يَتَحَوَّلْ فَجْأَةً إِلَى رَجُلٍ لَا يَعْرِفُ الْخَوْفَ، لَكِنَّهُ كَانَ، فِي جَوْهَرِهِ، أَوَّلَ اعْتِرَافٍ عَمَلِيٍّ مِنْهُ بِأَنَّ يَدَيْهِ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّتَا بِهِ، مَا زَالَتَا قَادِرَتَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ، لَا الِانْتِظَارِ فَقَطْ.
