الْمِيرَاثُ
الجزء الثاني
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ
كَانَ طَارِقٌ، ابْنُ عَمِّ يُوسُفَ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، رَجُلًا تَكْتَمِلُ فِي مَلامِحِهِ كُلُّ عَلَامَاتِ النَّجَاحِ الظَّاهِرِ: سِلْسِلَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الْمَطَاعِمِ تَمْتَدُّ فِي ثَلَاثِ مُدُنٍ أَلْمَانِيَّةٍ، وَبَيْتٌ فَسِيحٌ لَا يَعْوَزُهُ شَيْءٌ، وَسَيَّارَتَانِ فَارِهَتَانِ تَقِفَانِ أَمَامَ الْمَدْخَلِ كَشَاهِدَيْنِ صَامِتَيْنِ عَلَى مَا أَنْجَزَهُ، وَابْنٌ فِي الْجَامِعَةِ يَدْرُسُ الطِّبَّ، وَزَوْجَةٌ أَنِيقَةٌ تُدْعَى مُنَى، لَا يَفْتُرُ حِرْصُهَا لَحْظَةً عَلَى أَنْ يَبْدُوَ كُلُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِهِمَا، أَمَامَ أَعْيُنِ الْآخَرِينَ، صُورَةً مِنَ الْكَمَالِ لَا شَقَّ فِيهَا.
كَانَ طَارِقٌ قَدْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ أَرْضَ أَلْمَانِيَا قَبْلَ يُوسُفَ بِسَنَوَاتٍ، فِي مَوْجَةٍ سَابِقَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، حِينَ كَانَ شَابًّا يَحْمِلُ الصَّوَانِيَ فِي مَطْعَمٍ صَغِيرٍ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ حَجَرًا وَاحِدًا. صَعِدَ، بِجُهْدٍ لَا يَعْرِفُ الْكَلَلَ وَذَكَاءٍ تِجَارِيٍّ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، مِنْ نَادِلٍ إِلَى مُسَاعِدِ مُدِيرٍ، ثُمَّ إِلَى شَرِيكٍ صَغِيرٍ، حَتَّى امْتَلَكَ، بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا مِنَ الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الرَّاحَةَ، مَطْعَمَهُ الْأَوَّلَ، ثُمَّ الثَّانِيَ، ثُمَّ الثَّالِثَ. وَكَانَ يَرْوِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ فِي كُلِّ مُنَاسَبَةٍ بِفَخْرٍ لَا يُخْفِيهِ، وَكَأَنَّهَا الْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ، إِنْ أَرَادَ بِمَا يَكْفِي مِنَ الْعَزِيمَةِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدَيْهِ، دُونَ أَنْ يَتْرُكَ لِلصُّدْفَةِ أَوْ لِلْقَدَرِ أَيَّ مَسَاحَةٍ لِلتَّدَخُّلِ.
فِي مَكْتَبِهِ الْفَسِيحِ، كَانَتْ تَتَوَسَّطُ الْجِدَارَ خَرِيطَةٌ كَبِيرَةٌ لِأُورُوبَّا، تَتَنَاثَرُ عَلَيْهَا دَبَابِيسُ مُلَوَّنَةٌ: بَعْضُهَا يُشِيرُ إِلَى مَوَاقِعِ مَطَاعِمِهِ الْقَائِمَةِ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ يُشِيرُ إِلَى مَوَاقِعَ يُخَطِّطُ لِافْتِتَاحِ فُرُوعٍ فِيهَا خِلَالَ السَّنَوَاتِ الْخَمْسِ الْقَادِمَةِ. وَكَانَ طَارِقٌ يَقِفُ أَمَامَ هَذِهِ الْخَرِيطَةِ كُلَّ صَبَاحٍ، قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ يَوْمَهُ، يَتَأَمَّلُهَا بِفَخْرٍ، كَقَائِدٍ يُرَاجِعُ خُطَّةَ مَعْرَكَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخُوضَهَا.
دَعَا طَارِقٌ أُسْرَةَ يُوسُفَ، بِمَنْ فِيهِمْ كَرِيمٌ وَسُهَى، إِلَى عَشَاءٍ فِي بَيْتِهِ الْكَبِيرِ، احْتِفَالًا — عَلَى حَدِّ وَصْفِهِ — «بِنَجَاحَاتٍ صَغِيرَةٍ»، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَعْلَمُ أَنَّ دَعَوَاتِهِ نَادِرًا مَا تَخْلُو مِنْ مُنَاسَبَةٍ يُبْرِزُ فِيهَا إِنْجَازًا جَدِيدًا يُضَافُ إِلَى سِجِلِّهِ.
خِلَالَ الْعَشَاءِ، تَحَدَّثَ طَارِقٌ بِحَمَاسٍ عَنْ خُطَطِهِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.
قَالَ: «فِي الْعَامِ الْقَادِمِ، سَأَفْتَتِحُ فَرْعَيْنِ جَدِيدَيْنِ: وَاحِدًا فِي مِيُونِخَ، وَآخَرَ فِي هَامْبُورْغَ. وَابْنِي عُمَرُ» — أَشَارَ إِلَى ابْنِهِ الْجَالِسِ بِصَمْتٍ فِي نِهَايَةِ الطَّاوِلَةِ — «سَيُصْبِحُ طَبِيبًا خِلَالَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَقَدْ رَتَّبْتُ لَهُ بِالْفِعْلِ مَكَانًا فِي أَفْضَلِ مُسْتَشْفًى فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ تَخَرُّجِهِ.»
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى ابْنِ طَارِقٍ، فَلَاحَظَ أَنَّ الشَّابَّ لَمْ يَبْتَسِمْ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِكَلِمَةٍ، بَلْ بَقِيَ يُحَدِّقُ فِي صَحْنِهِ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، كَمَنْ يَحْمِلُ فَوْقَ كَتِفَيْهِ شَيْئًا لَا يَقْوَى عَلَى قَوْلِهِ.
بَعْدَ الْعَشَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الرِّجَالُ يَجْلِسُونَ فِي الصَّالَةِ يَحْتَسُونَ الْقَهْوَةَ، سَأَلَ يُوسُفُ طَارِقًا، بِحَذَرٍ:
«طَارِقُ، هَلْ سَأَلْتَ ابْنَكَ يَوْمًا إِنْ كَانَ يُرِيدُ فِعْلًا أَنْ يُصْبِحَ طَبِيبًا؟»
ضَحِكَ طَارِقٌ ضَحْكَةً وَاثِقَةً.
«يُوسُفُ، الطِّبُّ أَفْضَلُ مُسْتَقْبَلٍ يُمْكِنُ أَنْ أَمْنَحَهُ إِيَّاهُ. لِمَاذَا أَسْأَلُهُ؟ أَنَا أَعْرِفُ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ لَهُ، أَلَيْسَ هَذَا وَاجِبَ الْأَبِ؟»
«لَكِنْ مَاذَا لَوْ كَانَ يُرِيدُ شَيْئًا آخَرَ؟»
«كُلُّ شَابٍّ فِي سِنِّهِ يَظُنُّ أَنَّهُ يُرِيدُ أَشْيَاءَ أُخْرَى: مُوسِيقَى، فَنًّا، أَشْيَاءَ لَا مُسْتَقْبَلَ فِيهَا. عَمَلِي أَنْ أُوَجِّهَهُ نَحْوَ الْقَرَارِ الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْهَمْ هُوَ الْآنَ لِمَاذَا هُوَ صَحِيحٌ.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَخَلَ عُمَرُ، الشَّابُّ الْجَامِعِيُّ الصَّامِتُ، إِلَى الصَّالَةِ لِيَأْخُذَ كَأْسَ مَاءٍ، فَسَمِعَ جُزْءًا مِنَ الْحِوَارِ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّهُ حَازِمٌ لَا يَتَرَدَّدُ:
«أَبِي، بِمَا أَنَّ الْمَوْضُوعَ مَطْرُوحٌ، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا كُنْتُ أَخَافُ قَوْلَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.»
نَظَرَ إِلَيْهِ طَارِقٌ بِدَهْشَةٍ.
«تَفَضَّلْ يَا بُنَيَّ.»
«أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ طَبِيبًا. أَدْرُسُ الطِّبَّ لِأَنَّكَ أَرَدْتَ ذَلِكَ، لَا لِأَنِّي أُرِيدُهُ. أَنَا أُحِبُّ الْمُوسِيقَى، أَعْزِفُ عَلَى الْبِيَانُو مُنْذُ كُنْتُ فِي السَّابِعَةِ، وَأُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ التَّأْلِيفَ الْمُوسِيقِيَّ، لَكِنِّي لَمْ أَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى قَوْلِ هَذَا لَكَ، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ لَنْ تَسْمَعَ.»
سَادَ الصَّالَةَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ. نَظَرَ طَارِقٌ إِلَى ابْنِهِ بِصَدْمَةٍ وَاضِحَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ يُوسُفَ كَانَ مُتَيَقِّنًا أَنَّ هَذَا الصَّمْتَ الْمَكْبُوتَ كَانَ وَاضِحًا لِكُلِّ مَنْ يَنْتَبِهُ.
«مُوسِيقَى؟ عُمَرُ، هَذَا لَيْسَ مُسْتَقْبَلًا حَقِيقِيًّا. الْمُوسِيقَى هِوَايَةٌ، لَا مِهْنَةٌ.»
«لَكِنَّهَا هِوَايَتِي الَّتِي أَعِيشُ مِنْ أَجْلِهَا، أَبِي. أَنَا أَدْرُسُ الطِّبَّ بِجَسَدِي، لَكِنَّ قَلْبِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَجْلِسُ فِيهَا أَمَامَ الْبِيَانُو.»
نَظَرَ طَارِقٌ حَوْلَهُ، إِلَى الْجَالِسِينَ جَمِيعًا، وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ سَنَدٍ يُؤَكِّدُ لَهُ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ.
«يُوسُفُ، أَلَا تَظُنُّ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ تَمَرُّدِ مُرَاهِقٍ؟»
فَكَّرَ يُوسُفُ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، مُتَذَكِّرًا حَدِيثَهُ الْأَخِيرَ مَعَ لِينَا عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاهْتِمَامِ وَالْمُرَاقَبَةِ.
«طَارِقُ، أَظُنُّ أَنَّ ابْنَكَ لَيْسَ مُتَمَرِّدًا، بَلْ صَادِقًا مَعَكَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الصَّمْتِ. السُّؤَالُ لَيْسَ: هَلِ الْمُوسِيقَى مِهْنَةٌ جَيِّدَةٌ أَمْ لَا؟ السُّؤَالُ هُوَ: هَلْ سَتَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ حَيَاتَهُ، أَمْ سَتَسْتَمِرُّ فِي رَسْمِ خَرِيطَتِهِ كَمَا تَرْسُمُ خَرِيطَةَ مَطَاعِمِكَ، بِدَبَابِيسَ مُلَوَّنَةٍ تُحَدِّدُ لَهُ كُلَّ خُطْوَةٍ؟»
اهْتَزَّ طَارِقٌ قَلِيلًا مِنْ هَذَا الْوَصْفِ الْمُبَاشِرِ.
«أَنَا فَقَطْ أُرِيدُ الْأَفْضَلَ لَهُ.»
«أَعْرِفُ. لَكِنَّ «الْأَفْضَلَ» فِي نَظَرِكَ قَدْ لَا يَكُونُ «الْأَفْضَلَ» فِي نَظَرِهِ. وَرُبَّمَا، يَا طَارِقُ، عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ: هَلْ تُخَطِّطُ لِحَيَاتِهِ لِأَنَّكَ تُحِبُّهُ، أَمْ لِأَنَّكَ تَخَافُ أَنْ يَفْشَلَ بِطَرِيقَةٍ تُحْرِجُكَ أَمَامَ الْآخَرِينَ؟»
نَظَرَ طَارِقٌ إِلَى يُوسُفَ بِغَضَبٍ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ خَفَّ الْغَضَبُ تَدْرِيجِيًّا، وَحَلَّ مَحَلَّهُ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ.
«رُبَّمَا… رُبَّمَا كِلَا الْأَمْرَيْنِ صَحِيحٌ، يَا يُوسُفُ. أُحِبُّهُ، حَقًّا، وَأَخَافُ أَيْضًا أَنْ يَفْشَلَ، وَأَنْ يُقَالَ عَنِّي إِنِّي رَجُلُ أَعْمَالٍ نَاجِحٌ، لَكِنَّ ابْنَهُ «ضَائِعٌ» فِي الْمُوسِيقَى.»
قَالَ عُمَرُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ثِقَةً الْآنَ بَعْدَ أَنْ كَسَرَ جِدَارَ الصَّمْتِ:
«أَبِي، أَنَا لَا أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ أَحْلَامِكَ لِي دَفْعَةً وَاحِدَةً. لَكِنِّي أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَسْمَحَ لِي بِمُحَاوَلَةٍ، وَلَوْ صَغِيرَةٍ: أَنْ أَدْرُسَ مَادَّةَ الْمُوسِيقَى إِلَى جَانِبِ الطِّبِّ، وَأَرَى إِلَى أَيْنَ يَقُودُنِي قَلْبِي فِعْلًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ أُجْبَرَ عَلَى مَسَارٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.»
فَكَّرَ طَارِقٌ طَوِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى خَرِيطَتِهِ الْكَبِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى جِدَارِ مَكْتَبِهِ الْمُجَاوِرِ، وَهِيَ مَرْئِيَّةٌ مِنْ زَاوِيَةِ الصَّالَةِ، بِدَبَابِيسِهَا الْمُلَوَّنَةِ الْمُرَتَّبَةِ بِدِقَّةٍ لَا تُخْطِئُ.
«أَظُنُّ أَنِّي، طَوَالَ حَيَاتِي، تَعَلَّمْتُ أَنَّ النَّجَاحَ يَعْنِي السَّيْطَرَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ. فِي عَمَلِي، هَذَا نَجَحَ: خَطَّطْتُ لِكُلِّ فَرْعٍ، وَلِكُلِّ قَرَارٍ، وَلَمْ أَتْرُكْ شَيْئًا لِلصُّدْفَةِ. وَظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا مَا يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَهُ مَعَ ابْنِي أَيْضًا: أَنْ أُخَطِّطَ لِحَيَاتِهِ بِالدِّقَّةِ نَفْسِهَا.»
«لَكِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مَشْرُوعًا تِجَارِيًّا، يَا طَارِقُ،» قَالَ يُوسُفُ بِلُطْفٍ. «لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَضَعَ دَبُّوسًا عَلَى قَلْبِهِ وَتُحَدِّدَ لَهُ الْمَسَارَ الصَّحِيحَ كَمَا تَفْعَلُ مَعَ فُرُوعِ مَطَاعِمِكَ.»
بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ، نَظَرَ طَارِقٌ إِلَى ابْنِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ، لَكِنَّهُ صَادِقٌ:
«عُمَرُ، لَنْ أَعِدَكَ بِأَنِّي سَأَتَقَبَّلُ هَذَا فَوْرًا وَبِسُهُولَةٍ. أَخَافُ، حَقًّا، مِنْ فِكْرَةِ أَنْ تَتْرُكَ الطِّبَّ مِنْ أَجْلِ الْمُوسِيقَى. لَكِنِّي، بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ، أَظُنُّ أَنَّ عَلَيَّ، عَلَى الْأَقَلِّ، أَنْ أَسْمَحَ لَكَ بِمُحَاوَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، كَمَا اقْتَرَحْتَ. لَنْ أَرْسُمَ لَكَ خَرِيطَةً جَدِيدَةً هَذِهِ اللَّيْلَةَ، لَكِنِّي سَأَتَوَقَّفُ، عَلَى الْأَقَلِّ، عَنْ رَسْمِ الْخَرِيطَةِ الْقَدِيمَةِ دُونَ أَنْ أَسْأَلَكَ.»
ابْتَسَمَ عُمَرُ ابْتِسَامَةً صَادِقَةً، رُبَّمَا الْأُولَى مُنْذُ بِدَايَةِ الْعَشَاءِ.
«هَذَا كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ مِنْكَ، أَبِي. فُرْصَةٌ، لَا خَرِيطَةٌ جَاهِزَةٌ.»
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمْ إِلَى الْبَيْتِ، قَالَتْ سَلْمَى لِيُوسُفَ:
«أَعْجَبَنِي كَيْفَ تَحَدَّثْتَ مَعَ طَارِقٍ اللَّيْلَةَ. لَمْ تَكُنْ قَاسِيًا، لَكِنَّكَ كُنْتَ صَرِيحًا.»
«تَعَلَّمْتُ هَذَا مِنْكِ، وَمِنْ أُمِّي، وَمِنْ أَبِيكِ، خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ. أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا، حِينَ يُوَاجِهُ صِدْقًا حَقِيقِيًّا، حَتَّى لَوْ كَانَ مُؤْلِمًا، يَجِدُ فِي دَاخِلِهِ مَسَاحَةً لِلتَّغَيُّرِ، مَهْمَا بَدَا مُسْتَحِيلًا فِي الْبِدَايَةِ.»
«وَطَارِقٌ؟ هَلْ تَظُنُّ أَنَّهُ سَيَتَغَيَّرُ فِعْلًا؟»
«لَا أَعْرِفُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ اللَّيْلَةَ كَانَتْ بِدَايَةَ سُؤَالٍ لَمْ يُطْرَحْ مِنْ قَبْلُ فِي بَيْتِهِ. وَأَحْيَانًا، يَا سَلْمَى، السُّؤَالُ نَفْسُهُ أَهَمُّ مِنَ الْجَوَابِ الْفَوْرِيِّ.»
الثَّانِي عَشَرَ
فِي مَكَانٍ لَا يُشْبِهُ الْمَكْتَبَاتِ تَمَامًا، وَلَا الْأَرْشِيفَاتِ تَمَامًا، وَلَا الْمَتَاحِفَ تَمَامًا، بَلْ يَجْمَعُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ طَرَفًا، كَانَ أَمِينُ الْأَرْشِيفِ، رَجُلٌ هَادِئٌ يُدْعَى سَامِي، يُرَتِّبُ مِلَفَّاتٍ قَدِيمَةً وَصَلَتْ لِتَوِّهَا مِنْ تَنْقِيبٍ فِي مَكْتَبَةٍ مَهْجُورَةٍ. تَوَقَّفَ عِنْدَ مَخْطُوطَةٍ جِلْدِيَّةٍ، مَحْفُوظَةٍ بِعِنَايَةٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِدَمِهَا، تَحْمِلُ عُنْوَانًا بِخَطِّ الْيَدِ: «سِيرَةُ الْفَاتِحِ بَاسِيلَ، مَلِكِ الشَّمَالِ، كَمَا رَوَاهَا كَاتِبُهُ الْخَاصُّ».
كَانَ هَذَا الْمَكَانُ، الَّذِي عَمِلَ فِيهِ سَامِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ، غَرِيبًا بِطَبِيعَتِهِ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ مَنْ أَسَّسَهُ، وَلَا كَيْفَ تَصِلُ إِلَيْهِ هَذِهِ الْمِلَفَّاتُ مِنْ أَزْمِنَةٍ وَأَمْكِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ، بَعْضُهَا مِنْ قُرُونٍ خَلَتْ، وَبَعْضُهَا حَدِيثٌ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الْحِبْرِ الطَّازِجِ. وَكَانَ سَامِي يَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّ عَمَلَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَهْرَسَةٍ وَتَرْتِيبٍ، بَلْ شَيْءٌ أَعْمَقُ: أَنْ يَجِدَ، بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ عَبْرَ الزَّمَنِ، الْخَيْطَ الَّذِي يَرْبُطُهَا جَمِيعًا، ذَلِكَ السُّؤَالَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ، بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ، فِي كُلِّ مِلَفٍّ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَتَحَ سَامِي الْمَخْطُوطَةَ بِحَذَرٍ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ، وَشَعَرَ، مُنْذُ السَّطْرِ الْأَوَّلِ، أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ سِيرَةً عَادِيَّةً لِمَلِكٍ مُنْتَصِرٍ، بَلِ اعْتِرَافًا مُؤَجَّلًا لِرَجُلٍ قَضَى حَيَاتَهُ يَفْتَحُ مَمَالِكَ الْآخَرِينَ، بَيْنَمَا ظَلَّ بَابُهُ هُوَ مُغْلَقًا عَلَى أَسْرَارٍ لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى مُوَاجَهَتِهَا.
كَتَبَ الْكَاتِبُ الْخَاصُّ، فِي مُسْتَهَلِّ الْمَخْطُوطَةِ:
«خَدَمْتُ الْمَلِكَ بَاسِيلَ عِشْرِينَ عَامًا، مُنْذُ كَانَ أَمِيرًا شَابًّا حَتَّى صَارَ أَعْظَمَ فَاتِحٍ عَرَفَهُ الشَّمَالُ. رَأَيْتُهُ يَفْتَحُ ثَلَاثَ مَمَالِكَ، وَيُوَسِّعُ حُدُودَ دَوْلَتِهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْبَحْرَ مِنْ كُلِّ جِهَاتِهَا. لَكِنِّي رَأَيْتُهُ أَيْضًا، فِي اللَّيَالِي الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ سِوَايَ، يَجْلِسُ وَحِيدًا فِي خَيْمَتِهِ، يَكْتُبُ رَسَائِلَ لِابْنِهِ لَا يُرْسِلُهَا، وَيُمَزِّقُهَا فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ أَنْ يُشْرِقَ عَلَيْهَا ضَوْءُ الشَّمْسِ.»
تَوَقَّفَ سَامِي عَنِ الْقِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، وَتَذَكَّرَ، بِلَا سَبَبٍ وَاضِحٍ، حَدِيثًا سَمِعَهُ مُؤَخَّرًا عَنْ رَجُلٍ مُعَاصِرٍ يُدْعَى طَارِقًا، يُخَطِّطُ لِكُلِّ تَفْصِيلٍ فِي مَمْلَكَتِهِ الصَّغِيرَةِ مِنَ الْمَطَاعِمِ، بَيْنَمَا ابْنُهُ يَقِفُ عَلَى أَطْرَافِ حَيَاتِهِ، مُنْتَظِرًا أَنْ يُسْأَلَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ مَرَّةً.
رَوَتِ الْمَخْطُوطَةُ كَيْفَ بَدَأَ بَاسِيلُ حَيَاتَهُ أَمِيرًا صَغِيرًا فِي مَمْلَكَةٍ ضَعِيفَةٍ، مُحَاصَرَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِمَمَالِكَ أَقْوَى وَأَكْثَرَ طُمُوحًا. تَعَلَّمَ مُنْذُ صِغَرِهِ أَنَّ الضَّعْفَ يَعْنِي الْفَنَاءَ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تَحْمِي الْمَرْءَ هِيَ قُوَّةُ السَّيْفِ وَالْحُدُودِ الْمُوَسَّعَةِ. حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ، وَتَوَلَّى الْعَرْشَ شَابًّا فِي الْعِشْرِينَ، أَقْسَمَ يَمِينًا أَمَامَ حَاشِيَتِهِ:
«لَنْ تُهْزَمَ مَمْلَكَتِي أَبَدًا كَمَا هُزِمَ أَبِي أَمَامَ أَعْدَائِهِ. سَأُوَسِّعُ حُدُودَهَا حَتَّى لَا يَجْرُؤَ أَحَدٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا بِطَمَعٍ.»
وَقَدْ فَعَلَ. تَوَسَّعَتِ الْمَمْلَكَةُ، فَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، حَتَّى صَارَ اسْمُ بَاسِيلَ يُرْعِبُ أَعْدَاءَهُ وَيُلْهِمُ جُنُودَهُ. لَكِنْ فِي هَذَا الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ مِنَ الْفُتُوحَاتِ، كَانَ هُنَاكَ ابْنٌ يَنْمُو فِي الْقَصْرِ، وَحِيدًا فِي أَغْلَبِ طُفُولَتِهِ، يَرَى أَبَاهُ فَاتِحًا عَظِيمًا مِنْ بَعِيدٍ، لَا أَبًا حَاضِرًا مِنْ قَرِيبٍ.
كَتَبَ الْكَاتِبُ الْخَاصُّ عَنْ مَشْهَدٍ لَا يُنْسَى، حِينَ عَادَ بَاسِيلُ مِنْ إِحْدَى حَمَلَاتِهِ مُنْتَصِرًا، وَاسْتَقْبَلَهُ الشَّعْبُ بِالْوُرُودِ وَالْأَهَازِيجِ، بَيْنَمَا وَقَفَ ابْنُهُ، الْأَمِيرُ أَنْطُونُ، فِي نِهَايَةِ الصَّفِّ، يَنْتَظِرُ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ أَبُوهُ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ.
«مَرَّ الْمَلِكُ بَاسِيلُ أَمَامَ ابْنِهِ، وَرَبَّتَ عَلَى كَتِفِهِ سَرِيعًا، وَقَالَ: «أَحْسَنْتَ يَا بُنَيَّ، انْتَظِرْنِي فِي الْقَصْرِ، لَدَيَّ اجْتِمَاعٌ عَاجِلٌ مَعَ الْقَادَةِ»، وَمَضَى. لَمْ يَكُنْ هَذَا اسْتِثْنَاءً، بَلْ كَانَ الْقَاعِدَةَ: كُلُّ عَوْدَةٍ مِنْ فَتْحٍ جَدِيدٍ كَانَتْ تُخْتَصَرُ لِأَنْطُونَ فِي تَرْبِيتَةِ كَتِفٍ سَرِيعَةٍ، وَوَعْدٍ بِلِقَاءٍ لَاحِقٍ نَادِرًا مَا يَتَحَقَّقُ.»
كَبِرَ أَنْطُونُ، بَعِيدًا عَنْ أَبِيهِ، قَرِيبًا مِنْ مُرَبِّيَاتٍ وَحَاشِيَةٍ أَحَبَّتْهُ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَبَاهُ. تَعَلَّمَ أَنْ يُخْفِيَ حَاجَتَهُ إِلَى الْحُبِّ خَلْفَ قِنَاعِ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْمُبَكِّرَةِ، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمَ يُوسُفُ، بَعْدَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ، أَنْ يُخْفِيَ خَوْفَهُ خَلْفَ قِنَاعِ الْمُرَاقَبَةِ الصَّارِمَةِ.
فِي سَنَتِهِ الْأَخِيرَةِ، وَقَدْ أَنْهَكَهُ الْمَرَضُ بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الْحُرُوبِ، طَلَبَ بَاسِيلُ مِنْ كَاتِبِهِ أَنْ يَسْتَدْعِيَ ابْنَهُ، الَّذِي صَارَ رَجُلًا فِي الثَّلَاثِينَ، بَعِيدًا عَنْهُ مُعْظَمَ حَيَاتِهِ، مَشْغُولًا بِشُؤُونِ إِدَارَةِ الْأَطْرَافِ الشَّرْقِيَّةِ لِلْمَمْلَكَةِ.
جَاءَ أَنْطُونُ، وَوَقَفَ أَمَامَ أَبِيهِ الْمَرِيضِ بِحَذَرٍ غَرِيبٍ، وَكَأَنَّهُ أَمَامَ غَرِيبٍ لَا أَبٍ.
«أَبِي، أَرْسَلْتَ تَطْلُبُنِي.»
«نَعَمْ، يَا أَنْطُونُ. أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَشْيَاءَ لَمْ أُخْبِرْكَ بِهَا مِنْ قَبْلُ.»
جَلَسَ أَنْطُونُ، بِلَا كَلَامٍ، يَنْتَظِرُ.
«حِينَ كُنْتُ فِي مِثْلِ سِنِّكَ، وَرِثْتُ مَمْلَكَةً ضَعِيفَةً، وَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَدَعَ الضَّعْفَ يَصِلُ إِلَيْكَ كَمَا وَصَلَ إِلَيَّ. ظَنَنْتُ أَنَّ أَفْضَلَ مَا أُقَدِّمُهُ لَكَ هُوَ مَمْلَكَةٌ قَوِيَّةٌ، حُدُودٌ وَاسِعَةٌ، اسْمٌ يُهَابُ. لَمْ أُفَكِّرْ، حِينَهَا، أَنَّكَ، وَأَنْتَ طِفْلٌ، لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُ مَمْلَكَةً وَاسِعَةً بِقَدْرِ مَا كُنْتَ تَحْتَاجُ أَبًا حَاضِرًا.»
قَالَ أَنْطُونُ، بِصَوْتٍ فِيهِ مَرَارَةُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ:
«كُنْتُ أَنْتَظِرُكَ عِنْدَ كُلِّ عَوْدَةٍ، أَبِي. كُنْتُ أَحْسِبُ الْأَيَّامَ حَتَّى تَعُودَ مِنْ كُلِّ حَمْلَةٍ، ظَانًّا أَنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ سَتَبْقَى، سَتَجْلِسُ مَعِي، سَتَسْأَلُنِي عَنْ أَحْلَامِي. لَكِنَّكَ كُنْتَ تَعُودُ، وَتَرْحَلُ مُجَدَّدًا، إِلَى حَمْلَةٍ جَدِيدَةٍ، وَكَأَنَّ الْفَتْحَ لَا يَنْتَهِي أَبَدًا.»
«لَمْ يَكُنْ يَنْتَهِي، لِأَنِّي كُنْتُ أَخَافُ، يَا بُنَيَّ، أَنْ أَتَوَقَّفَ، فَتَظْهَرَ ثَغْرَةٌ، وَتُهْزَمَ الْمَمْلَكَةُ كَمَا هُزِمَ أَبِي. لَمْ أُدْرِكْ، إِلَّا الْآنَ، وَأَنَا عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ، أَنَّ الثَّغْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ فِي حُدُودِ الْمَمْلَكَةِ، بَلْ فِي قَلْبِكَ، الَّذِي تَرَكْتُهُ بِلَا حِرَاسَةٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.»
بَكَى أَنْطُونُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَمَامَ أَبِيهِ مُنْذُ كَانَ طِفْلًا صَغِيرًا.
«لِمَاذَا تُخْبِرُنِي بِهَذَا الْآنَ، أَبِي، حِينَ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ وَقْتٌ لِنُصْلِحَ مَا فَاتَ؟»
«لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ الْمُتَأَخِّرَ، يَا بُنَيَّ، أَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ الْأَبَدِيِّ. لَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أُعِيدَ لَكَ سَنَوَاتِ الطُّفُولَةِ الَّتِي فَوَّتَّهَا. لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ، فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةِ، أَنْ أَمْنَحَكَ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي أَحْبَبْتُكَ، رَغْمَ كُلِّ غِيَابِي، وَأَنَّ غِيَابِي لَمْ يَكُنْ لِأَنِّي لَا أُحِبُّكَ، بَلْ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أُحِبُّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ مَمْلَكَةً جَدِيدَةً كُلَّ مَرَّةٍ أَشْعُرُ فِيهَا بِالْخَوْفِ.»
قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ بَاسِيلُ الْحَيَاةَ، أَمْسَكَ يَدَ ابْنِهِ، وَقَالَ جُمْلَتَهُ الْأَخِيرَةَ، الَّتِي دَوَّنَهَا الْكَاتِبُ فِي نِهَايَةِ الْمَخْطُوطَةِ:
«افْتَحْ، يَا أَنْطُونُ، مَا لَمْ أَفْتَحْهُ أَنَا: بَابَ بَيْتِكَ، لَا حُدُودَ مَمْلَكَتِكَ فَقَطْ. سَتَكُونُ مَمْلَكَتُكَ أَعْظَمَ إِنْ حَكَمْتَهَا بِقَلْبٍ حَاضِرٍ، لَا بِجَيْشٍ غَائِبٍ عَنْ بَيْتِهِ دَائِمًا.»
أَغْلَقَ سَامِي الْمَخْطُوطَةَ، وَجَلَسَ صَامِتًا طَوِيلًا فِي الْأَرْشِيفِ الْهَادِئِ، يُفَكِّرُ فِي هَذَا الْمَلِكِ الْقَدِيمِ، وَفِي طَارِقٍ الْمُعَاصِرِ، وَفِي يُوسُفَ، وَفِي كُلِّ أَبٍ حَمَلَ خَوْفًا مِنَ الضَّعْفِ فَحَوَّلَهُ إِلَى غِيَابٍ عَنْ قُلُوبِ مَنْ يُحِبُّ.
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَسَارَ بَيْنَ الرُّفُوفِ الْعَالِيَةِ الْمُحَمَّلَةِ بِمِلَفَّاتٍ لَا حَصْرَ لَهَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْمِلُ حِكَايَةَ إِنْسَانٍ آخَرَ، مِنْ زَمَنٍ آخَرَ، وَاجَهَ سُؤَالَهُ الْخَاصَّ عَنِ الْمَعْنَى. تَوَقَّفَ عِنْدَ نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ تُطِلُّ عَلَى مَا بَدَا وَكَأَنَّهُ لَا مَكَانَ مُحَدَّدٌ، لَا مَدِينَةٌ بِعَيْنِهَا وَلَا زَمَنٌ بِعَيْنِهِ، بَلْ مَسَاحَةٌ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ كُلِّ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي مَرَّتْ عَلَيْهِ مِلَفَّاتُهَا. فَكَّرَ فِي أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ غَرَابَتِهِ، كَانَ أَشْبَهَ بِمِرْآةٍ كُبْرَى: كُلُّ مَنْ يَمُرُّ عَبْرَهُ، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، قَدِيمًا أَوْ مُعَاصِرًا، يَرَى فِيهَا انْعِكَاسًا لِسُؤَالِهِ الْخَاصِّ، مُعَادًا صِيَاغَتُهُ بِلُغَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَزَمَنٍ مُخْتَلِفٍ، لَكِنَّهُ السُّؤَالُ نَفْسُهُ فِي جَوْهَرِهِ.
كَتَبَ سَامِي، فِي دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتِهِ الْخَاصِّ، الَّذِي بَدَأَ يَحْتَفِظُ فِيهِ بِخُلَاصَاتٍ مِنَ الْمِلَفَّاتِ الَّتِي تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ:
«كُلُّ فَاتِحٍ يُوَسِّعُ حُدُودَ مَمْلَكَتِهِ، وَكُلُّ رَجُلِ أَعْمَالٍ يُوَسِّعُ حُدُودَ تِجَارَتِهِ، وَكُلُّ أَبٍ يُخَطِّطُ بِدِقَّةٍ لِمُسْتَقْبَلِ ابْنِهِ، يُوَاجِهُونَ السُّؤَالَ نَفْسَهُ فِي النِّهَايَةِ: هَلْ فَتَحُوا الْعَالَمَ، وَنَسُوا أَنْ يَفْتَحُوا أَبْوَابَ بُيُوتِهِمْ؟»
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَتَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ، غَدًا، أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمِلَفِّ التَّالِي الَّذِي وَصَلَ الْأَرْشِيفَ، مِلَفٍّ آخَرَ يَحْمِلُ اسْمًا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ مِنْ قَبْلُ: «الْمَلِكَةُ الَّتِي كَتَبَتْ وَلَمْ تُرْسِلْ». ابْتَسَمَ بِتَعَبٍ لَطِيفٍ، وَفَكَّرَ أَنَّ رِحْلَتَهُ بَيْنَ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الْمُتَنَاثِرَةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عُزْلَتِهَا الظَّاهِرَةِ، لَمْ تَكُنْ يَوْمًا رِحْلَةً وَحِيدَةً؛ فَكُلُّ مِلَفٍّ كَانَ يُعَلِّمُهُ شَيْئًا جَدِيدًا عَنْ نَفْسِهِ هُوَ أَيْضًا، عَنْ أَسْئِلَتِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ بَعْدُ عَلَى مُوَاجَهَتِهَا بِالْكَامِلِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، كَمَا تَوَقَّعَ، وَجَدَ سَامِي عَلَى مَكْتَبِهِ مِلَفًّا جَدِيدًا: صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا، مُحْكَمَ الْإِغْلَاقِ، عَلَيْهِ شِعَارٌ مَلَكِيٌّ بَالٍ، وَبِدَاخِلِهِ رُزْمَةٌ مِنَ الرَّسَائِلِ، جَمِيعُهَا مَطْوِيَّةٌ بِعِنَايَةٍ، لَكِنْ لَا وَاحِدَةَ مِنْهَا مَخْتُومَةٌ أَوْ مُرْسَلَةٌ. كَانَتْ جَمِيعُهَا مُوَجَّهَةً إِلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ: «إِلَى ابْنَتِي الْأَمِيرَةِ إِيلِينَا».
جَلَسَ سَامِي أَمَامَ الصُّنْدُوقِ دَقِيقَةً كَامِلَةً قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَهُ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَشْعِرُ ثِقَلَ مَا بِدَاخِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْمِسَهُ حَتَّى. كَانَ قَدْ لَاحَظَ، عَبْرَ سَنَوَاتِ عَمَلِهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْغَرِيبِ، أَنَّ بَعْضَ الْمِلَفَّاتِ تَصِلُ خَفِيفَةً، سَهْلَةَ الْقِرَاءَةِ، بَيْنَمَا بَعْضُهَا الْآخَرُ يَحْمِلُ ثِقَلًا يُشْبِهُ ثِقَلَ الْحَجَرِ، وَكَأَنَّ الْأَسَى الْمَكْتُومَ فِيهَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ إِلَى الْخُرُوجِ طَوَالَ قُرُونٍ، حَتَّى وَجَدَ أَخِيرًا مَنْ يَقْرَؤُهُ.
فَتَحَ سَامِي إِحْدَى الرَّسَائِلِ بِحَذَرٍ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ.
«ابْنَتِي إِيلِينَا، أَنَا الْمَلِكَةُ صُوفِيَا، أَكْتُبُ إِلَيْكِ هَذِهِ الرِّسَالَةَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتْ مَعْرَكَةَ الْحُدُودِ الشَّرْقِيَّةِ، وَأَنَا أَعْرِفُ أَنِّي قَدْ لَا أَعُودُ مِنْهَا. لَنْ أُرْسِلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ تَفْهَمِيهَا بِشَكْلٍ خَاطِئٍ، أَوْ أَنْ تَسْتَخْدِمِيهَا ضِدِّي يَوْمًا فِي نِزَاعٍ عَلَى الْعَرْشِ. لَكِنِّي أَحْتَاجُ أَنْ أَكْتُبَ، وَلَوْ لِنَفْسِي فَقَطْ، كُلَّ مَا لَمْ أَقُلْهُ لَكِ طَوَالَ حَيَاتِكِ.»
تَوَقَّفَتِ الْمَلِكَةُ صُوفِيَا، بِحَسَبِ مَا رَوَاهُ النَّصُّ، عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرِهَا لِابْنَتِهَا مُنْذُ تَوَلِّيهَا الْعَرْشَ، حِينَ كَانَتْ إِيلِينَا فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمْرِهَا، بَعْدَ وَفَاةِ الْمَلِكِ الْمُفَاجِئَةِ. أَصْبَحَتْ صُوفِيَا، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، حَاكِمَةَ مَمْلَكَةٍ مُحَاصَرَةٍ بِالْأَعْدَاءِ وَالْمُؤَامَرَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَاضْطُرَّتْ أَنْ تُخْفِيَ كُلَّ ضَعْفٍ، وَكُلَّ دَمْعَةٍ، وَكُلَّ تَرَدُّدٍ، خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَغِلَّ الْأَعْدَاءُ أَيَّ بَادِرَةِ ضَعْفٍ.
كَتَبَتْ صُوفِيَا فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى، بِتَارِيخٍ يَسْبِقُ زَوَاجَ إِيلِينَا:
«إِيلِينَا، غَدًا سَتَتَزَوَّجِينَ مِنْ أَمِيرِ مَمْلَكَةٍ مُجَاوِرَةٍ، تَحَالُفًا رَتَّبْتُهُ أَنَا بِنَفْسِي لِحِمَايَةِ حُدُودِنَا. أَعْرِفُ أَنَّكِ لَا تُحِبِّينَهُ. رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي عَيْنَيْكِ حِينَ أَعْلَنْتُ لَكِ الْقَرَارَ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَقُولَ لَكِ حِينَهَا: أَنَا آسِفَةٌ، لَكِنِّي أَخْتَارُ أَمَانَ الْمَمْلَكَةِ عَلَى سَعَادَتِكِ الشَّخْصِيَّةِ. كُنْتُ أَخَافُ أَنْ يُقَالَ عَنِّي إِنِّي مَلِكَةٌ ضَعِيفَةٌ، تَضَعُ مَشَاعِرَ ابْنَتِهَا فَوْقَ مَصْلَحَةِ شَعْبِهَا. فَصَمَتُّ، وَتَرَكْتُكِ تَحْسَبِينَ أَنِّي قَاسِيَةٌ، لَا خَائِفَةً.»
قَرَأَ سَامِي هَذِهِ الرِّسَالَةَ مَرَّتَيْنِ، وَشَعَرَ بِثِقَلِ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ نَدَمٍ صَامِتٍ، نَدَمٍ لَمْ يُقَلْ لِصَاحِبَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ.
رَوَتْ رِسَالَةٌ ثَالِثَةٌ كَيْفَ وَاجَهَتْ صُوفِيَا تَمَرُّدًا دَاخِلِيًّا خَطِيرًا فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ حُكْمِهَا، وَكَيْفَ اضْطُرَّتْ لِاتِّخَاذِ قَرَارَاتٍ قَاسِيَةٍ لِإِخْمَادِهِ، قَرَارَاتٍ أَدَّتْ إِلَى نَفْيِ عَدَدٍ مِنَ النُّبَلَاءِ الْمُتَمَرِّدِينَ، بِمَنْ فِيهِمْ عَمُّ إِيلِينَا الْمُقَرَّبُ مِنْهَا.
كَانَتْ تِلْكَ الْفَتْرَةُ، بِحَسَبِ مَا وَصَفَتْهُ صُوفِيَا فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى مُرْفَقَةٍ، مِنْ أَصْعَبِ فَتَرَاتِ حُكْمِهَا: مُؤَامَرَاتٌ مُتَلَاحِقَةٌ، وَشَائِعَاتٌ تُشَكِّكُ فِي شَرْعِيَّةِ حُكْمِهَا كَامْرَأَةٍ تَحْكُمُ مَمْلَكَةً اعْتَادَتْ أَنْ يَحْكُمَهَا الرِّجَالُ فَقَطْ، وَمُسْتَشَارُونَ يَنْقَسِمُونَ بَيْنَ مُوَالٍ حَقِيقِيٍّ وَمُوَالٍ يَتَرَبَّصُ بِهَا الْفُرْصَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِلِانْقِلَابِ. وَسَطَ كُلِّ هَذَا، كَانَتْ إِيلِينَا طِفْلَةً صَغِيرَةً، لَا تَفْهَمُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ سِوَى أَنَّ أُمَّهَا أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ بُعْدًا، وَأَكْثَرَ صَرَامَةً، وَأَقَلَّ ابْتِسَامًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي السَّنَوَاتِ الْأُولَى بَعْدَ وَفَاةِ الْمَلِكِ.
«إِيلِينَا، أَعْرِفُ أَنَّكِ غَضِبْتِ مِنِّي حِينَ نَفَيْتُ عَمَّكِ. لَمْ أَشْرَحْ لَكِ يَوْمَهَا السَّبَبَ الْحَقِيقِيَّ: كَانَ يُخَطِّطُ لِاغْتِيَالِي، وَلِأَخْذِكِ رَهِينَةً لِيَضْمَنَ وَلَاءَ النُّبَلَاءِ. لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُخْبِرَكِ بِهَذَا، خَشْيَةَ أَنْ تَفْقِدِي الثِّقَةَ بِكُلِّ مَنْ حَوْلَكِ، أَوْ أَنْ تَكْبَرِي خَائِفَةً مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ قَرِيبٍ مِنْكِ. اخْتَرْتُ أَنْ أَحْمِلَ هَذَا السِّرَّ وَحْدِي، وَأَنْ أَدَعَكِ تَكْرَهِينَنِي بَدَلًا مِنْ أَنْ أَدَعَكِ تَخَافِينَ مِنَ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ.»
فِي آخِرِ رِسَالَةٍ فِي الصُّنْدُوقِ، كَتَبَتْ صُوفِيَا، وَقَدْ بَدَا مِنْ خَطِّ يَدِهَا الْمُرْتَجِفِ أَنَّهَا كَتَبَتْهَا فِي أَيَّامِهَا الْأَخِيرَةِ، وَهِيَ مَرِيضَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ:
«إِيلِينَا، أَنْتِ الْآنَ مَلِكَةٌ، تَحْكُمِينَ مَمْلَكَتَكِ الْخَاصَّةَ، وَأَرَاكِ، مِنْ بَعِيدٍ، تُكَرِّرِينَ بَعْضَ أَخْطَائِي: تُخْفِينَ مَشَاعِرَكِ عَنِ ابْنَتِكِ، وَتَتَّخِذِينَ قَرَارَاتٍ قَاسِيَةً دُونَ تَفْسِيرٍ، وَتَظُنِّينَ أَنَّ الْقُوَّةَ تَعْنِي الصَّمْتَ الدَّائِمَ. أَكْتُبُ لَكِ هَذِهِ الرِّسَالَةَ الْأَخِيرَةَ، وَأَعْرِفُ أَنِّي لَنْ أُرْسِلَهَا كَسَابِقَاتِهَا، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتْرُكَ شَيْئًا يُقْرَأُ يَوْمًا، وَلَوْ بَعْدَ رَحِيلِي: الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي إِخْفَاءِ الْحُبِّ، بَلْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى إِظْهَارِهِ حَتَّى فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ. لَقَدْ أَخْطَأْتُ حِينَ ظَنَنْتُ أَنَّ الصَّمْتَ يَحْمِيكِ. الصَّمْتُ لَمْ يَحْمِكِ، بَلْ حَرَمَكِ مِنْ مَعْرِفَةِ كَمْ أَحْبَبْتُكِ، فِي كُلِّ قَرَارٍ قَاسٍ اتَّخَذْتُهُ، حَتَّى تِلْكَ الَّتِي بَدَتْ لَكِ بِلَا قَلْبٍ.»
أَغْلَقَ سَامِي الصُّنْدُوقَ، وَجَلَسَ صَامِتًا، يُقَارِنُ بَيْنَ الْمَلِكَةِ صُوفِيَا وَالْفَاتِحِ بَاسِيلَ، اللَّذَيْنِ حَكَمَا بِقُوَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَضَعْفٍ دَاخِلِيٍّ مَكْتُومٍ، وَبَيْنَ نَجَاةَ، الْأُمِّ الْمُعَاصِرَةِ الَّتِي عَرَفَهَا مِنْ مِلَفٍّ آخَرَ، وَالَّتِي أَحَبَّتِ ابْنَهَا بِصَمْتِ الْعَمَلِ بَدَلًا مِنْ صَرَاحَةِ الْكَلَامِ.
فَكَّرَ سَامِي: «كَمْ مِنَ الْحُكَّامِ، عَبْرَ التَّارِيخِ، حَمَلُوا الْقُوَّةَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالضَّعْفَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَمْ مِنَ الْأَبْنَاءِ نَشَأُوا يَظُنُّونَ أَنَّ آبَاءَهُمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ أَقْوِيَاءُ بِلَا مَشَاعِرَ، بَيْنَمَا كَانُوا، فِي الْحَقِيقَةِ، يُخْفُونَ مُحِيطَاتٍ مِنَ الْحُبِّ خَلْفَ جُدْرَانٍ مِنَ الصَّمْتِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ؟»
فَتَحَ دَفْتَرَهُ الْخَاصَّ، وَكَتَبَ:
«الْمَلِكَةُ صُوفِيَا لَمْ تَكُنْ قَاسِيَةً؛ كَانَتْ خَائِفَةً مِنْ أَنْ يُفَسَّرَ حُبُّهَا ضَعْفًا. وَهَذَا، رُبَّمَا، أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الْمِيرَاثِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُوَرَّثَ: أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا، بِصَمْتِنَا، أَنَّ الْحُبَّ وَالْقُوَّةَ لَا يَجْتَمِعَانِ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ أَعْظَمَ أَشْكَالِ الْقُوَّةِ هِيَ أَنْ نُحِبَّ بِصَرَاحَةٍ، حَتَّى وَنَحْنُ نَتَّخِذُ أَصْعَبَ الْقَرَارَاتِ.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ سَامِي يُرَتِّبُ الصُّنْدُوقَ لِيُعِيدَهُ إِلَى الرُّفُوفِ، وَجَدَ قُصَاصَةَ وَرَقٍ صَغِيرَةً، مُنْفَصِلَةً عَنِ الرَّسَائِلِ، بِخَطِّ يَدٍ مُخْتَلِفٍ، أَحْدَثَ بِكَثِيرٍ. كَانَتْ مِنْ إِيلِينَا نَفْسِهَا، كَتَبَتْهَا بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ هَذَا الصُّنْدُوقَ بَيْنَ مُقْتَنَيَاتِ أُمِّهَا بَعْدَ وَفَاتِهَا:
«وَجَدْتُ رَسَائِلَكِ، أُمِّي، بَعْدَ رَحِيلِكِ بِسَنَوَاتٍ. قَرَأْتُهَا كُلَّهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَكَيْتُ كَمَا لَمْ أَبْكِ مِنْ قَبْلُ. تَمَنَّيْتُ لَوْ قَرَأْتِهَا وَأَنْتِ حَيَّةٌ، لَكِنِّي أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ مَعْرِفَتِي الْمُتَأَخِّرَةَ أَفْضَلُ مِنْ أَلَّا أَعْرِفَ أَبَدًا. سَأُحَاوِلُ، مَعَ ابْنَتِي، أَلَّا أُكَرِّرَ صَمْتَكِ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَقُولَ حُبِّي بِصَوْتٍ عَالٍ، حَتَّى لَوِ ارْتَجَفَ صَوْتِي وَأَنَا أَقُولُهُ.»
ابْتَسَمَ سَامِي ابْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَفَكَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْقُصَاصَةَ الصَّغِيرَةَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَأَخُّرِهَا، كَانَتْ بِدَايَةَ كَسْرِ حَلْقَةٍ طَالَ أَمَدُهَا، حَلْقَةِ الصَّمْتِ الْمَلَكِيِّ الَّذِي انْتَقَلَ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حَتَّى وَجَدَ أَخِيرًا مَنْ يَجْرُؤُ عَلَى كَسْرِهِ.
وَضَعَ سَامِي الصُّنْدُوقَ عَلَى الرَّفِّ الْمُخَصَّصِ لِلْمِلَفَّاتِ «الْمُكْتَمِلَةِ»، وَهُوَ مُصْطَلَحٌ ابْتَكَرَهُ هُوَ نَفْسُهُ لِلْمِلَفَّاتِ الَّتِي وَجَدَتْ، بِطَرِيقَةٍ مَا، إِجَابَتَهَا الْخَاصَّةَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرَةً، وَلَوْ عَبْرَ جِيلٍ لَاحِقٍ لَمْ يَكُنْ طَرَفًا مُبَاشِرًا فِي الْحِكَايَةِ الْأَصْلِيَّةِ. تَذَكَّرَ أَنَّهُ، قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، وَضَعَ مِلَفَّ الْفَاتِحِ بَاسِيلَ عَلَى الرَّفِّ نَفْسِهِ، بَعْدَ أَنْ وَجَدَ فِيهِ اعْتِرَافًا مُشَابِهًا، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ.
فَكَّرَ سَامِي، وَهُوَ يُطْفِئُ الْمِصْبَاحَ الصَّغِيرَ فَوْقَ مَكْتَبِهِ اسْتِعْدَادًا لِإِنْهَاءِ يَوْمِهِ: «رُبَّمَا هَذَا هُوَ نَمَطٌ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْمِلَفَّاتِ الَّتِي تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيَّ: الِاعْتِرَافُ الَّذِي يَأْتِي دَائِمًا مُتَأَخِّرًا، لَكِنَّهُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَأَخُّرِهِ، يَظَلُّ أَفْضَلَ مِنْ أَلَّا يَأْتِيَ أَبَدًا. وَرُبَّمَا مُهِمَّتِي هُنَا لَيْسَتْ فَقَطْ أَنْ أَحْفَظَ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، بَلْ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْهَا أَلَّا أَنْتَظِرَ أَنَا نَفْسِي، فِي حَيَاتِي الْخَاصَّةِ، حَتَّى يُصْبِحَ الِاعْتِرَافُ مُتَأَخِّرًا جِدًّا.»
خَرَجَ مِنَ الْأَرْشِيفِ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ بِخُطًى أَثْقَلَ قَلِيلًا مِنَ الْمُعْتَادِ، يَحْمِلُ مَعَهُ سُؤَالًا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ: مَنْ هُوَ، هُوَ نَفْسُهُ، فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْكُبْرَى؟ أَهُوَ مُجَرَّدُ شَاهِدٍ عَلَى حِكَايَاتِ الْآخَرِينَ، أَمْ أَنَّ لَهُ، هُوَ أَيْضًا، اعْتِرَافًا مُؤَجَّلًا يَنْتَظِرُ أَنْ يُكْتَبَ يَوْمًا؟
الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَرَ
جَاءَ الْمِلَفُّ التَّالِي بِلَا صُنْدُوقٍ فَاخِرٍ وَلَا مَخْطُوطَةٍ جِلْدِيَّةٍ، بَلْ عَلَى شَكْلِ حَقِيبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ بَالِيَةٍ، مَحْشُوَّةٍ بِأَوْرَاقٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَمِيدَالِيَّاتٍ، وَصُوَرٍ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ. كَانَتْ تَخُصُّ قَائِدًا عَسْكَرِيًّا يُدْعَى الْجِنِرَالَ رُسْتُمَ، عَاشَ فِي زَمَنٍ أَقْرَبَ بِكَثِيرٍ مِنْ زَمَنِ الْفَاتِحِ بَاسِيلَ وَالْمَلِكَةِ صُوفِيَا، رُبَّمَا قَرْنٌ وَاحِدٌ مَضَى، حِينَ كَانَتِ الْحُرُوبُ تُخَاضُ بِالْبَنَادِقِ لَا بِالسُّيُوفِ.
لَاحَظَ سَامِي، وَهُوَ يُفْرِغُ مُحْتَوَيَاتِ الْحَقِيبَةِ عَلَى طَاوِلَتِهِ، أَنَّهَا تَحْمِلُ رَائِحَةً غَرِيبَةً، مَزِيجًا مِنَ التُّرَابِ الْقَدِيمِ وَمَعْدِنِ الْمِيدَالِيَّاتِ الْبَاهِتِ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ قَدْ تَكَثَّفَ دَاخِلَ هَذَا الْقُمَاشِ الْخَشِنِ. وَجَدَ بَيْنَ الْأَوْرَاقِ صُورَةً لِرَجُلٍ بَاسِقِ الْقَامَةِ، بِزِيٍّ عَسْكَرِيٍّ مَهِيبٍ، يَقِفُ بِجَانِبِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ يَبْدُو خَائِفًا، عَيْنَاهُ شَارِدَتَانِ بَعِيدًا عَنْ عَدَسَةِ الْكَامِيرَا، وَكَأَنَّهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَمَامًا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُجُودِهِ الْجَسَدِيِّ فِي الصُّورَةِ.
فَتَحَ سَامِي إِحْدَى الْأَوْرَاقِ، فَوَجَدَ أَنَّهَا تَقْرِيرٌ طِبِّيٌّ نَفْسِيٌّ، كُتِبَ بِخَطِّ طَبِيبٍ عَسْكَرِيٍّ، عَنْ حَالَةِ صَبِيٍّ يُدْعَى وَائِلًا، ابْنِ الْجِنِرَالِ، تَوَقَّفَ عَنِ الْكَلَامِ كُلِّيًّا بَعْدَ أَنْ شَهِدَ، فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ، مَعْرَكَةً دَارَتْ قُرْبَ قَرْيَتِهِمْ، اضْطُرَّتِ الْأُسْرَةَ لِلِاخْتِبَاءِ فِي قَبْوٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دُونَ طَعَامٍ يُذْكَرُ، وَسَطَ أَصْوَاتِ الْقَذَائِفِ وَالصُّرَاخِ.
رَوَى التَّقْرِيرُ كَيْفَ حَاوَلَ الْجِنِرَالُ رُسْتُمُ، حِينَ عَادَ مِنَ الْجَبْهَةِ بَعْدَ أَسَابِيعَ، أَنْ «يُصْلِحَ» ابْنَهُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا: الِانْضِبَاطُ وَالصَّرَامَةُ.
كَتَبَ الطَّبِيبُ فِي تَقْرِيرِهِ:
«لَاحَظْتُ أَنَّ الْجِنِرَالَ رُسْتُمَ يَتَعَامَلُ مَعَ صَمْتِ ابْنِهِ وَكَأَنَّهُ تَمَرُّدٌ يَجِبُ كَسْرُهُ، لَا جُرْحًا يَحْتَاجُ عِلَاجًا. يَأْمُرُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَيُعَاقِبُهُ حِينَ يَصْمُتُ، وَيُحَاوِلُ، بِطَرِيقَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ بَحْتَةٍ، أَنْ «يَفْرِضَ» الْكَلَامَ عَلَى طِفْلٍ فَقَدَ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ مِنْ هَوْلِ مَا رَأَى. وَهَذَا النَّهْجُ، لِلْأَسَفِ، يَزِيدُ الْحَالَةَ سُوءًا لَا تَحْسِينًا.»
فِي أَحَدِ الْمَشَاهِدِ الَّتِي وَثَّقَهَا الطَّبِيبُ، وَقَفَ الْجِنِرَالُ أَمَامَ ابْنِهِ فِي حَدِيقَةِ الْمَنْزِلِ، بِصَوْتٍ حَازِمٍ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ جُنْدِيًّا مُقَصِّرًا:
«وَائِلُ، أَنْتَ لَسْتَ طِفْلًا ضَعِيفًا. أَنْتَ ابْنُ الْجِنِرَالِ رُسْتُمَ. تَكَلَّمْ الْآنَ!»
بَقِيَ وَائِلٌ صَامِتًا، عَيْنَاهُ تُحَدِّقَانِ فِي الْأَرْضِ، جَسَدُهُ يَرْتَجِفُ بِصَمْتٍ.
«أَرَأَيْتَ جُنُودِي فِي الْمَعْرَكَةِ؟ لَا أَحَدَ مِنْهُمْ انْهَارَ مِنَ الْخَوْفِ. الرِّجَالُ لَا يَصْمُتُونَ، الرِّجَالُ يُوَاجِهُونَ!»
كَتَبَ الطَّبِيبُ، فِي هَامِشِ تَقْرِيرِهِ: «لَا يُدْرِكُ الْجِنِرَالُ أَنَّ مَا مَرَّ بِهِ ابْنُهُ لَا يُقَاسُ بِمَعَايِيرِ الْجُنْدِيِّ الْمُدَرَّبِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْخَطَرِ بِوَعْيِهِ الْكَامِلِ. الطِّفْلُ لَمْ يَكُنْ جُنْدِيًّا يُوَاجِهُ عَدُوًّا، بَلْ طِفْلًا شَهِدَ فَوْضَى لَا يَفْهَمُهَا، مُحَاصَرًا فِي قَبْوٍ مُظْلِمٍ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ إِنْ كَانَ سَيَرَى النُّورَ مُجَدَّدًا.»
اسْتَمَرَّ صَمْتُ وَائِلٍ شُهُورًا، بَيْنَمَا ازْدَادَ إِحْبَاطُ الْجِنِرَالِ، حَتَّى اسْتَدْعَى، بِنَاءً عَلَى نَصِيحَةِ زَوْجَتِهِ، طَبِيبًا نَفْسِيًّا مُتَخَصِّصًا مِنَ الْعَاصِمَةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُعَارَضَتِهِ الْأَوَّلِيَّةِ لِفِكْرَةِ «أَنَّ ابْنَهُ يَحْتَاجُ طَبِيبَ أَعْصَابٍ مِثْلَ النِّسَاءِ الْمُصَابَاتِ بِالْهِسْتِيرِيَا»، كَمَا وَصَفَهَا فِي الْبِدَايَةِ بِازْدِرَاءٍ.
جَلَسَ الطَّبِيبُ مَعَ الْجِنِرَالِ فِي جَلْسَةٍ خَاصَّةٍ، وَقَالَ لَهُ بِصَرَاحَةٍ:
«جِنِرَالُ رُسْتُمُ، أَنْتَ رَجُلٌ اعْتَادَ أَنْ يَقُودَ الْجُنُودَ بِالْأَوَامِرِ، وَأَنْ يَنْتَصِرَ بِالْقُوَّةِ وَالْحَزْمِ. لَكِنَّ ابْنَكَ لَيْسَ جُنْدِيًّا تَحْتَ إِمْرَتِكَ؛ إِنَّهُ طِفْلٌ يَحْمِلُ جُرْحًا لَا تَرَاهُ الْعَيْنُ، جُرْحًا لَنْ يُشْفَى بِالْأَوَامِرِ، بَلْ بِالصَّبْرِ وَالِاحْتِوَاءِ.»
«وَكَيْفَ أَحْتَوِي طِفْلًا لَا يَتَكَلَّمُ؟ كَيْفَ أَعْرِفُ مَاذَا يَشْعُرُ إِنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا؟»
«بِالْجُلُوسِ مَعَهُ، بِصَمْتٍ أَيْضًا، دُونَ أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ شَيْئًا. بِأَنْ تَلْعَبَ مَعَهُ، وَتَرْسُمَ مَعَهُ، وَتَمْشِيَ مَعَهُ دُونَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِمَاذَا لَا يَتَكَلَّمُ. الْأَطْفَالُ، حِينَ يَشْعُرُونَ بِالْأَمَانِ، يَعُودُونَ إِلَى الْكَلَامِ فِي وَقْتِهِمِ الْخَاصِّ، لَا حِينَ نَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ.»
كَانَ هَذَا صَعْبًا عَلَى الْجِنِرَالِ، الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ طَوَالَ حَيَاتِهِ لُغَةً غَيْرَ لُغَةِ الْأَوَامِرِ وَالِانْضِبَاطِ. لَكِنَّهُ، مَدْفُوعًا بِحُبِّهِ الْعَمِيقِ لِابْنِهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عَجْزِهِ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، بَدَأَ يُحَاوِلُ.
جَلَسَ مَعَهُ فِي الْحَدِيقَةِ، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْكَلَامَ، وَبَدَأَ يَرْسُمُ مَعَهُ عَلَى الرَّمْلِ، أَشْكَالًا بَسِيطَةً: شَجَرَةً، بَيْتًا، شَمْسًا. لَمْ يَقُلْ وَائِلٌ شَيْئًا فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهُ، بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْجَلَسَاتِ الصَّامِتَةِ، بَدَأَ يَرْسُمُ هُوَ أَيْضًا، إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ، بِصَمْتٍ مُشْتَرَكٍ مُرِيحٍ، لَا صَمْتِ خَوْفٍ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ.
كَتَبَ الطَّبِيبُ، بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْمُتَابَعَةِ:
«بَدَأَ وَائِلٌ يَنْطِقُ كَلِمَاتٍ قَلِيلَةً، أَوَّلُهَا، بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الصَّمْتِ التَّامِّ، كَانَتْ وَهُوَ يَرْسُمُ مَعَ أَبِيهِ: «أَبِي، هَلْ سَتَذْهَبُ إِلَى الْحَرْبِ مُجَدَّدًا؟» كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْأُولَى الَّتِي سَمِعَهَا الْجِنِرَالُ مِنِ ابْنِهِ مُنْذُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، وَبَكَى أَمَامَهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ الْعَسْكَرِيَّةِ الطَّوِيلَةِ، دُونَ أَنْ يَخْجَلَ مِنْ دُمُوعِهِ.»
أَجَابَ الْجِنِرَالُ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ:
«لَا أَعْرِفُ، يَا بُنَيَّ. لَكِنِّي أَعِدُكَ بِشَيْءٍ: إِنْ ذَهَبْتُ، سَأَعُودُ. وَإِنْ عُدْتُ، سَأَجْلِسُ مَعَكَ هَكَذَا، كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى تَشْعُرَ بِالْأَمَانِ الْكَافِي لِتُخْبِرَنِي بِكُلِّ مَا تُرِيدُ.»
بَدَأَ وَائِلٌ يَتَكَلَّمُ أَكْثَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، بِبُطْءٍ، جُمْلَةً بَعْدَ جُمْلَةٍ، وَكَأَنَّ الثِّقَةَ الَّتِي بَنَاهَا أَبُوهُ مَعَهُ، بِبُطْءٍ وَصَبْرٍ، فَتَحَتْ بَابًا كَانَ مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ.
أَغْلَقَ سَامِي التَّقْرِيرَ الطِّبِّيَّ، وَجَلَسَ صَامِتًا، يُفَكِّرُ فِي الْفَارِقِ بَيْنَ الْجِنِرَالِ رُسْتُمَ وَالْفَاتِحِ بَاسِيلَ: كِلَاهُمَا قَائِدَانِ اعْتَادَا الْقُوَّةَ وَالْأَوَامِرَ، لَكِنَّ رُسْتُمَ، عَلَى عَكْسِ بَاسِيلَ، وَجَدَ طَرِيقَةً لِلتَّعَلُّمِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، بِمُسَاعَدَةِ طَبِيبٍ حَكِيمٍ وَزَوْجَةٍ مُصِرَّةٍ، وَتَعَلَّمَ أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ أَحْيَانًا تَعْنِي أَنْ يَجْلِسَ الْمَرْءُ بِصَمْتٍ، لَا أَنْ يَأْمُرَ بِصَوْتٍ عَالٍ.
كَتَبَ سَامِي فِي دَفْتَرِهِ:
«الْفَارِقُ بَيْنَ رُسْتُمَ وَبَاسِيلَ لَيْسَ فِي طَبِيعَةِ خَطَئِهِمَا، فَكِلَاهُمَا ظَنَّا أَنَّ الْقُوَّةَ تَعْنِي السَّيْطَرَةَ الْكَامِلَةَ. الْفَارِقُ هُوَ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اخْتَارَا فِيهَا التَّوَقُّفَ: بَاسِيلُ تَوَقَّفَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ، حِينَ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ وَقْتٌ لِلتَّصْحِيحِ الْكَامِلِ. رُسْتُمُ تَوَقَّفَ وَابْنُهُ لَا يَزَالُ طِفْلًا، حِينَ كَانَ لَا يَزَالُ هُنَاكَ وَقْتٌ كَافٍ لِيُعِيدَا بِنَاءَ مَا انْكَسَرَ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْأَهَمُّ: لَيْسَ الْمُهِمَّ أَنْ نُخْطِئَ، فَكُلُّ الْآبَاءِ يُخْطِئُونَ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، بَلِ الْمُهِمُّ مَتَى نَخْتَارُ أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ تَكْرَارِ الْخَطَأِ، وَنَبْدَأَ الْإِصْغَاءَ بَدَلَ الْأَمْرِ.»
وَضَعَ سَامِي الْحَقِيبَةَ الْعَسْكَرِيَّةَ الْقَدِيمَةَ عَلَى الرَّفِّ الْمُخَصَّصِ لِلْمِلَفَّاتِ الْمُكْتَمِلَةِ، إِلَى جَانِبِ صُنْدُوقِ الْمَلِكَةِ صُوفِيَا وَمَخْطُوطَةِ الْفَاتِحِ بَاسِيلَ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا الرَّفَّ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، إِلَى مَكْتَبَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الدُّرُوسِ الْمُتَرَاكِمَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْمِلُ الرِّسَالَةَ نَفْسَهَا بِلُغَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: أَنَّ الْقُوَّةَ الظَّاهِرَةَ، مَهْمَا بَدَتْ عَظِيمَةً، لَا تُغْنِي عَنِ الْحُضُورِ الْقَلْبِيِّ الْحَقِيقِيِّ، وَأَنَّ أَعْظَمَ انْتِصَارَاتِ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ دَائِمًا تِلْكَ الَّتِي تُخَلَّدُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ، بَلْ تِلْكَ الصَّغِيرَةُ، الصَّامِتَةُ، الَّتِي تَحْدُثُ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ عَلَى رِمَالِ حَدِيقَةٍ مَنْزِلِيَّةٍ، بَعِيدًا عَنْ كُلِّ ضَجِيجِ الْمَعَارِكِ وَالِانْتِصَارَاتِ الْكُبْرَى.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَرَ
بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَعَ يُوسُفَ وَابْنِهِ عُمَرَ، وَجَدَ طَارِقٌ نَفْسَهُ، فِي أَحَدِ الْمَسَاءَاتِ، يُرَاجِعُ تَقْوِيمَهُ الْأُسْبُوعِيَّ كَالْمُعْتَادِ، حَيْثُ يُخَطِّطُ لِكُلِّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ: اجْتِمَاعَاتُ الْعَمَلِ، وَمَوَاعِيدُ صِيَانَةِ السَّيَّارَاتِ، وَتَمَارِينُ الْجِيمِ، وَحَتَّى «وَقْتُ الْعَائِلَةِ»، الْمُدَوَّنُ بِخَطٍّ وَاضِحٍ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ مِنَ السَّابِعَةِ إِلَى التَّاسِعَةِ مَسَاءً، كَأَنَّهُ بَنْدٌ فِي جَدْوَلِ أَعْمَالِ شَرِكَةٍ.
كَانَ هَذَا التَّقْوِيمُ، فِي الْحَقِيقَةِ، مَصْدَرَ فَخْرٍ لِطَارِقٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ: يَعْرِضُهُ أَحْيَانًا عَلَى أَصْدِقَائِهِ كَدَلِيلٍ عَلَى انْضِبَاطِهِ وَاحْتِرَافِيَّتِهِ، وَكَأَنَّ حَيَاتَهُ الشَّخْصِيَّةَ كَانَتِ امْتِدَادًا طَبِيعِيًّا لِنَجَاحِهِ التِّجَارِيِّ، تُدَارُ بِالْمَنْهَجِيَّةِ نَفْسِهَا، وَتُقَاسُ بِالْمَعَايِيرِ نَفْسِهَا. لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَوْمًا أَنَّ هَذَا الْمَنْطِقَ، الَّذِي خَدَمَهُ جَيِّدًا فِي عَالَمِ الْأَعْمَالِ، قَدْ يَكُونُ هُوَ نَفْسُهُ السَّبَبَ فِي الْفَرَاغِ الَّذِي بَدَأَ يَشْعُرُ بِهِ مُؤَخَّرًا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَهُ بِالتَّحْدِيدِ.
لَاحَظَتْ مُنَى، زَوْجَتُهُ، وَهِيَ تَمُرُّ خَلْفَهُ، هَذَا الْبَنْدَ، وَتَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ، بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ ثِقَلَ سَنَوَاتٍ مِنَ الصَّمْتِ:
«طَارِقُ، هَلْ لَاحَظْتَ أَنَّكَ تُخَطِّطُ لِعَلَاقَتِنَا كَمَا تُخَطِّطُ لِمَشَارِيعِكَ؟»
نَظَرَ إِلَيْهَا بِارْتِبَاكٍ.
«مَاذَا تَقْصِدِينَ؟ أَنَا فَقَطْ أُنَظِّمُ وَقْتِي لِأَضْمَنَ أَنِّي أُعْطِيكِ وَقْتًا كَافِيًا، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ انْشِغَالِي.»
جَلَسَتْ مُنَى أَمَامَهُ، وَقَالَتْ بِصَرَاحَةٍ لَمْ تَعْتَدْهَا مَعَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ:
«طَارِقُ، أَنَا لَا أُرِيدُ «وَقْتًا مُجَدْوَلًا» مَعَكَ، بَلْ أُرِيدُ حُضُورًا حَقِيقِيًّا. حِينَ نَجْلِسُ مَسَاءَ الْخَمِيسِ، غَالِبًا مَا يَكُونُ هَاتِفُكَ أَمَامَكَ، تَتَفَقَّدُ رَسَائِلَ الْعَمَلِ، وَتَنْظُرُ إِلَى سَاعَتِكَ كُلَّ عَشْرِ دَقَائِقَ، وَكَأَنَّكَ تَنْتَظِرُ انْتِهَاءَ «الْجَلْسَةِ» لِتَعُودَ إِلَى مَهَامِّكَ الْحَقِيقِيَّةِ.»
تَوَقَّفَ طَارِقٌ، وَشَعَرَ بِوَخْزَةٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي كَلَامِهَا.
«لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ أَنِّي أَفْعَلُ هَذَا.»
«هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ، طَارِقُ. أَشْعُرُ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَنَّنِي أَصْبَحْتُ «مَشْرُوعًا» آخَرَ مِنْ مَشَارِيعِكَ: تُخَطِّطُ لِمَلَابِسِي الَّتِي يَجِبُ أَنْ أَرْتَدِيَهَا فِي الْمُنَاسَبَاتِ، وَتُرَاقِبُ مَنْ أَتَحَدَّثُ مَعَهُ فِي الْحَفَلَاتِ، وَتَسْأَلُنِي بِدِقَّةٍ عَنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ فِي يَوْمِي. لَكِنَّكَ لَا تَسْأَلُنِي أَبَدًا: مُنَى، مَاذَا تَحْلُمِينَ أَنْ تَفْعَلِي؟ مَاذَا تُرِيدِينَ لِنَفْسِكِ، لَا لِصُورَةِ عَائِلَتِنَا أَمَامَ الْآخَرِينَ؟»
نَظَرَ طَارِقٌ إِلَى زَوْجَتِهِ طَوِيلًا، وَتَذَكَّرَ حَدِيثَهُ مَعَ يُوسُفَ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاهْتِمَامِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَعَنْ سُؤَالِ يُوسُفَ الَّذِي لَمْ يُفَارِقْهُ مُنْذُ أَيَّامٍ: «هَلْ تُخَطِّطُ لِحَيَاتِهِ لِأَنَّكَ تُحِبُّهُ، أَمْ لِأَنَّكَ تَخَافُ أَنْ يَفْشَلَ بِطَرِيقَةٍ تُحْرِجُكَ أَمَامَ الْآخَرِينَ؟»
«مُنَى، أَظُنُّ أَنِّي، بِلَا وَعْيٍ، طَبَّقْتُ الْمَنْطِقَ نَفْسَهُ مَعَكِ الَّذِي طَبَّقْتُهُ مَعَ عُمَرَ. ظَنَنْتُ أَنَّ التَّخْطِيطَ الدَّقِيقَ لِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى لِعَلَاقَتِنَا، هُوَ ضَمَانَةُ النَّجَاحِ، تَمَامًا كَمَا ضَمِنَ لِي نَجَاحُ مَشَارِيعِي التِّجَارِيَّةِ.»
«وَهَلْ نَجَحَتْ هَذِهِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ، طَارِقُ؟ هَلْ تَشْعُرُ أَنَّنَا سَعِيدَانِ؟»
صَمَتَ طَارِقٌ طَوِيلًا، وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا سَرِيعًا كَعَادَتِهِ.
«لَا أَعْرِفُ، مُنَى، بِصَرَاحَةٍ. أَشْعُرُ أَنَّنَا… مُسْتَقِرَّانِ، لَكِنْ هَلْ هَذَا يَعْنِي سَعِيدَيْنِ؟ لَا أَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْآنَ.»
«هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَشْعُرُ بِهِ أَيْضًا. مُسْتَقِرَّانِ، نَعَمْ، مَنْزِلٌ جَمِيلٌ، وَأَطْفَالٌ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ، وَحَيَاةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ نَاجِحَةٌ ظَاهِرِيًّا. لَكِنْ حِينَ أَجْلِسُ وَحْدِي، فِي اللَّيْلِ، أَتَسَاءَلُ: مَنْ أَنَا، بَعِيدًا عَنْ دَوْرِي كَزَوْجَةِ رَجُلِ الْأَعْمَالِ النَّاجِحِ؟ مَاذَا حَدَثَ لِأَحْلَامِي الَّتِي كَانَتْ لِي قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكَ؟»
«وَمَا هِيَ هَذِهِ الْأَحْلَامُ، مُنَى؟ لَمْ تُخْبِرِينِي بِهَا مِنْ قَبْلُ.»
ابْتَسَمَتْ مُنَى ابْتِسَامَةً حَزِينَةً.
«لِأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْنِي مِنْ قَبْلُ، طَارِقُ. كُنْتُ أَحْلُمُ أَنْ أَفْتَحَ اسْتُودْيُو تَصْمِيمٍ دَاخِلِيٍّ خَاصًّا بِي. دَرَسْتُ هَذَا التَّخَصُّصَ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، أَتَذَكَّرُ؟ لَكِنْ بَعْدَ الزَّوَاجِ، رَكَّزْنَا كُلَّ طَاقَتِنَا عَلَى مَشْرُوعِكَ أَنْتَ، وَأَصْبَحَ حُلْمِي مُجَرَّدَ ذِكْرَى بَعِيدَةٍ.»
شَعَرَ طَارِقٌ بِثِقَلِ هَذَا الِاعْتِرَافِ، وَتَذَكَّرَ أَنَّهُ، فِي السَّنَوَاتِ الْأُولَى مِنْ زَوَاجِهِمَا، كَانَ يَعْرِفُ كُلَّ تَفَاصِيلِ أَحْلَامِ مُنَى، لَكِنَّهُ، مَعَ نُمُوِّ أَعْمَالِهِ وَانْشِغَالِهِ الْمُتَزَايِدِ، بَدَأَ يَنْسَى أَنْ يَسْأَلَهَا، حَتَّى نَسِيَ هُوَ نَفْسُهُ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ يَوْمًا.
«مُنَى، أَعْتَذِرُ. أَظُنُّ أَنِّي، دُونَ أَنْ أَقْصِدَ، حَوَّلْتُ زَوَاجَنَا إِلَى مَشْرُوعٍ آخَرَ مِنْ مَشَارِيعِي، أُدِيرُهُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، بَدَلًا مِنْ أَنْ أَعِيشَهُ بِصِدْقٍ وَحُضُورٍ.»
«مَاذَا لَوْ بَدَأْنَا مِنْ جَدِيدٍ، طَارِقُ؟ لَا بِإِلْغَاءِ كُلِّ مَا بَنَيْنَاهُ، بَلْ بِإِضَافَةِ شَيْءٍ كَانَ غَائِبًا: أَنْ تَسْأَلَنِي، بِصِدْقٍ، عَنْ حُلْمِي، وَأَنْ تَدْعَمَنِي فِيهِ كَمَا دَعَمْتَ نَفْسَكَ فِي بِنَاءِ مَشَارِيعِكَ.»
فَكَّرَ طَارِقٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
«أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ هَذَا الِاسْتُودْيُو الَّذِي حَلُمْتِ بِهِ. أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكِ، لَا أَنْ أُخَطِّطَ لَكِ مَسَارًا جَاهِزًا كَمَا أَفْعَلُ عَادَةً.»
جَلَسَتْ مُنَى، وَبَدَأَتْ تَشْرَحُ لَهُ، بِحَمَاسٍ لَمْ يَرَهُ فِيهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، فِكْرَةَ اسْتُودْيُو التَّصْمِيمِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي حَلُمَتْ بِهِ، وَالرُّؤْيَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُهَا قَبْلَ أَنْ تَدْفِنَهَا تَحْتَ سَنَوَاتٍ مِنْ إِدَارَةِ بَيْتٍ وَمَشْرُوعٍ لَيْسَا لَهَا.
اسْتَمَعَ طَارِقٌ بِانْتِبَاهٍ حَقِيقِيٍّ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَاعَتِهِ، وَدُونَ أَنْ يُفَكِّرَ فِي اجْتِمَاعِهِ الْقَادِمِ.
فِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ، قَالَ طَارِقٌ:
«مُنَى، لَدَيَّ اقْتِرَاحٌ، لَكِنِّي أُرِيدُكِ أَنْ تُخْبِرِينِي بِصَرَاحَةٍ إِنْ كَانَ يَبْدُو لَكِ «إِدَارَةَ مَشْرُوعٍ» مَرَّةً أُخْرَى: مَاذَا لَوْ خَصَّصْنَا مِيزَانِيَّةً صَغِيرَةً، وَمَسَاحَةً فِي أَحَدِ فُرُوعِي غَيْرِ الْمُسْتَخْدَمَةِ حَالِيًّا، لِتَبْدَئِي مَشْرُوعَكِ التَّجْرِيبِيَّ؟ لَا كَخُطَّةٍ أَفْرِضُهَا عَلَيْكِ، بَلْ كَفِكْرَةٍ أَطْرَحُهَا، وَأَنْتِ مَنْ يُقَرِّرُ إِنْ كَانَتْ تُنَاسِبُكِ أَمْ لَا.»
ضَحِكَتْ مُنَى ضَحْكَةً خَفِيفَةً.
«هَذَا اقْتِرَاحٌ جَمِيلٌ، طَارِقُ، طَالَمَا تَرَكْتَنِي أَنَا أَقُودُ التَّفَاصِيلَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا أَنْتَ.»
«أَعِدُكِ بِهَذَا. سَأَكُونُ دَاعِمًا، لَا مُدِيرًا.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ أَنْ نَامَ الْأَطْفَالُ، جَلَسَ طَارِقٌ وَحْدَهُ فِي مَكْتَبِهِ، أَمَامَ خَرِيطَتِهِ الْكَبِيرَةِ بِدَبَابِيسِهَا الْمُلَوَّنَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ كُلِّ مَرَّةٍ سَابِقَةٍ.
فَكَّرَ: «رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأَضَعَ دَبُّوسًا جَدِيدًا عَلَى هَذِهِ الْخَرِيطَةِ، لَيْسَ لِفَرْعٍ تِجَارِيٍّ جَدِيدٍ، بَلْ لِشَيْءٍ لَمْ أُخَطِّطْ لَهُ مِنْ قَبْلُ: مَسَاحَةٌ لِأَحْلَامِ مَنْ أُحِبُّهُمْ، لَا لِأَحْلَامِي أَنَا فَقَطْ.»
أَخْرَجَ دَبُّوسًا صَغِيرًا بِلَوْنٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ كُلِّ الدَّبَابِيسِ الْأُخْرَى، وَوَضَعَهُ فِي مَكَانٍ فَارِغٍ مِنَ الْخَرِيطَةِ، رَمْزًا لِاسْتُودْيُو مُنَى الْقَادِمِ، وَابْتَسَمَ، شَاعِرًا أَنَّ هَذَا الدَّبُّوسَ الصَّغِيرَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَسَاطَتِهِ الظَّاهِرَةِ، قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ قَرَارٍ اتَّخَذَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، بَدَأَتْ مُنَى تُعِدُّ أَوَّلَ مُخَطَّطَاتِهَا لِمَسَاحَةِ الِاسْتُودْيُو، وَشَارَكَهَا طَارِقٌ، هَذِهِ الْمَرَّةَ كَمُسْتَمِعٍ لَا كَمُخَطِّطٍ، بَعْضَ الْأَفْكَارِ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ تَجْهِيزِ الْمَسَاحَةِ، لَكِنَّهُ حَرَصَ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ شَعَرَ فِيهَا بِرَغْبَتِهِ الْمُعْتَادَةِ فِي «تَوَلِّي زِمَامِ الْأُمُورِ»، أَنْ يَتَوَقَّفَ وَيَسْأَلَ نَفْسَهُ: هَلْ هَذَا دَعْمٌ حَقِيقِيٌّ، أَمْ مُحَاوَلَةٌ أُخْرَى لِلسَّيْطَرَةِ بِثَوْبٍ جَدِيدٍ؟ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ سَهْلًا؛ فَعَادَاتُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ لَا تَخْتَفِي فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ. لَكِنَّهُ، كُلَّ مَرَّةٍ أَدْرَكَ فِيهَا مَيْلَهُ الْقَدِيمَ، كَانَ يَتَوَقَّفُ، وَيَتَرَاجَعُ خُطْوَةً، وَيَتْرُكُ لِمُنَى مَسَاحَةَ الْقَرَارِ الَّتِي حُرِمَتْ مِنْهَا طَوِيلًا.
فَكَّرَتْ مُنَى، وَهِيَ تُرَاقِبُ زَوْجَهَا يَتَعَلَّمُ، بِصُعُوبَةٍ لَكِنْ بِصِدْقٍ، لُغَةً جَدِيدَةً مِنَ الْحُبِّ لَا تَقُومُ عَلَى الْإِدَارَةِ وَالتَّخْطِيطِ، أَنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ، مَهْمَا كَانَ بَطِيئًا وَمُتَعَثِّرًا أَحْيَانًا، كَانَ يَسْتَحِقُّ كُلَّ سَنَوَاتِ الِانْتِظَارِ الَّتِي سَبَقَتْهُ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَرَ
مَعَ اقْتِرَابِ مَوْعِدِ سَفَرِ سَلْمَى، بَدَأَ يُوسُفُ، دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ فِي الْبِدَايَةِ، يَعُودُ إِلَى عَادَةٍ قَدِيمَةٍ ظَنَّ أَنَّهُ تَجَاوَزَهَا: أَمْضَى مَسَاءً كَامِلًا فِي مَكْتَبِهِ، يُرَتِّبُ جَدْوَلًا مُفَصَّلًا لِرِحْلَةِ سَلْمَى: أَرْقَامُ هَوَاتِفِ الْمُسْتَشْفَى، وَأَسْمَاءُ الْأَطِبَّاءِ الْمُعَالِجِينَ لِوَالِدِهَا، وَخَرِيطَةُ الطُّرُقِ مِنَ الْمَطَارِ إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا، حَتَّى قَائِمَةٌ بِأَرْقَامِ السِّفَارَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ «لِلطَّوَارِئِ».
بَدَأَ الْأَمْرُ بَسِيطًا، مُجَرَّدَ التَّأَكُّدِ مِنْ رَقْمِ هَاتِفٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَوَسَّعَ، بِلَا وَعْيٍ مِنْهُ، إِلَى مَشْرُوعٍ مُتَكَامِلٍ، وَكَأَنَّ يَدَيْهِ، اللَّتَيْنِ اعْتَادَتَا سَنَوَاتٍ مِنَ التَّخْطِيطِ الدَّقِيقِ، وَجَدَتَا فِي هَذَا الْجَدْوَلِ مُتَنَفَّسًا لِقَلَقٍ لَمْ يَجْرُؤْ أَنْ يُسَمِّيَهُ بِصَوْتٍ عَالٍ: خَوْفُهُ أَنْ تُسَافِرَ سَلْمَى بِمُفْرَدِهَا، وَأَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ لَا يَسْتَطِيعُ هُوَ، مِنْ هُنَا، أَنْ يَتَدَخَّلَ فِيهِ. كُلُّ رَقْمِ هَاتِفٍ أَضَافَهُ إِلَى الْجَدْوَلِ كَانَ، فِي جَوْهَرِهِ، مُحَاوَلَةً صَغِيرَةً لِشَدِّ خَيْطٍ يَرْبُطُهُ بِهَا عَبْرَ الْمَسَافَةِ، خَيْطٍ يَمْنَحُهُ وَهْمَ السَّيْطَرَةِ عَلَى شَيْءٍ لَا سَيْطَرَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ.
حِينَ عَرَضَهُ عَلَى سَلْمَى فِي الْمَسَاءِ، تَوَقَّعَ مِنْهَا شُكْرًا فَوْرِيًّا، لَكِنَّهَا بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، جَلَسَتْ تَتَصَفَّحُ الْأَوْرَاقَ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ بِنَظْرَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بَيْنَ الْحَيْرَةِ وَالْقَلَقِ.
«يُوسُفُ، هَذَا… كَثِيرٌ جِدًّا.»
«أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أَضْمَنَ أَنَّكِ سَتَكُونِينَ بِأَمَانٍ، سَلْمَى. رَتَّبْتُ كُلَّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ، حَتَّى لَا يُفَاجِئَكِ أَيُّ أَمْرٍ.»
«لَكِنْ، يُوسُفُ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تُكَرِّرُ النَّمَطَ نَفْسَهُ؟ قَبْلَ أَسَابِيعَ، اعْتَرَفْتَ أَنَّ مُرَاقَبَتَكَ الْمُفْرِطَةَ كَانَتْ مُحَاوَلَةً لِتَهْدِئَةِ خَوْفِكَ أَنْتَ، لَا حِمَايَتِي أَنَا فِعْلًا. أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الْجَدْوَلَ الْمُفَصَّلَ هُوَ النُّسْخَةُ الْجَدِيدَةُ مِنَ الْأَمْرِ نَفْسِهِ.»
تَوَقَّفَ يُوسُفُ، وَشَعَرَ بِصَدْمَةٍ خَفِيفَةٍ، كَأَنَّ سَلْمَى وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى جُرْحٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا.
«لَمْ أَقْصِدْ هَذَا، سَلْمَى. ظَنَنْتُ أَنِّي أُسَاعِدُ فَقَطْ.»
«وَأَنَا أُقَدِّرُ نِيَّتَكَ، يُوسُفُ، حَقًّا. لَكِنْ هَلْ سَأَلْتَنِي، قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ مَسَاءً كَامِلًا فِي إِعْدَادِ هَذَا الْجَدْوَلِ، إِنْ كُنْتُ أَحْتَاجُ إِلَيْهِ؟ هَلْ سَأَلْتَنِي مَا الَّذِي يَجْعَلُنِي أَشْعُرُ بِالْأَمَانِ أَنَا، لَا مَا الَّذِي تَظُنُّهُ أَنْتَ كَافِيًا؟»
جَلَسَ يُوسُفُ صَامِتًا، يُرَاجِعُ الْأَيَّامَ الْأَخِيرَةَ فِي ذِهْنِهِ. تَذَكَّرَ كَيْفَ بَدَأَ الْقَلَقُ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ تَدْرِيجِيًّا مَعَ اقْتِرَابِ مَوْعِدِ السَّفَرِ، وَكَيْفَ وَجَدَ نَفْسَهُ، بِلَا وَعْيٍ كَامِلٍ، يَعُودُ إِلَى الطَّرِيقَةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا لِلتَّعَامُلِ مَعَ الْقَلَقِ: التَّخْطِيطُ الْمُفْرِطُ.
«أَنْتِ مُحِقَّةٌ. لَمْ أَسْأَلْكِ. عُدْتُ، دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ، إِلَى الطَّرِيقَةِ الْقَدِيمَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ خَوْفِي.»
اتَّصَلَ يُوسُفُ بِكَرِيمٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، مُحْتَاجًا لِصَوْتٍ خَارِجِيٍّ يُسَاعِدُهُ عَلَى الْفَهْمِ.
«كَرِيمُ، أَظُنُّ أَنِّي ارْتَكَبْتُ الْخَطَأَ نَفْسَهُ مِنْ جَدِيدٍ مَعَ سَلْمَى.»
حَكَى لَهُ مَا حَدَثَ، فَضَحِكَ كَرِيمٌ ضَحْكَةً خَفِيفَةً، لَيْسَتْ سَاخِرَةً، بَلْ مُتَفَهِّمَةً.
«يُوسُفُ، أَتَعْرِفُ؟ أَنَا أَيْضًا وَجَدْتُ نَفْسِي، الْأُسْبُوعَ الْمَاضِيَ، أُرَاجِعُ خُطَّةَ سُهَى لِمَشْرُوعِهَا بِالتَّفْصِيلِ، أَقْتَرِحُ تَعْدِيلَاتٍ لَمْ تَطْلُبْهَا، وَأُحَاوِلُ «تَحْسِينَ» كُلِّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ أَسْأَلَهَا إِنْ كَانَتْ تُرِيدُ رَأْيِي أَصْلًا. التَّغْيِيرُ، يَا صَدِيقِي، لَيْسَ خَطًّا مُسْتَقِيمًا يَصْعَدُ دَائِمًا. أَحْيَانًا نَتَرَاجَعُ خُطْوَةً، قَبْلَ أَنْ نَتَقَدَّمَ خُطْوَتَيْنِ.»
«وَكَيْفَ تَعَامَلْتَ أَنْتَ مَعَ الْأَمْرِ؟»
«اعْتَذَرْتُ لِسُهَى، وَسَأَلْتُهَا مُبَاشَرَةً: هَلْ تُرِيدِينَ رَأْيِي، أَمْ تُرِيدِينَ مَسَاحَةً لِتُقَرِّرِي بِنَفْسِكِ؟ قَالَتْ لِي إِنَّهَا تُرِيدُ مَسَاحَتَهَا، وَأَنِّي يُمْكِنُ أَنْ أَسْأَلَهَا إِنِ احْتَاجَتْ رَأْيِي، لَا أَنْ أَفْرِضَهُ عَلَيْهَا. تَعَلَّمْتُ أَنْ أَنْتَظِرَ أَنْ أُسْأَلَ، لَا أَنْ أَتَطَوَّعَ دَائِمًا.»
فَكَّرَ يُوسُفُ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَشَعَرَ بِارْتِيَاحٍ أَنَّ صَدِيقَهُ، الَّذِي كَانَ يَخُوضُ الْمَعْرَكَةَ نَفْسَهَا، يَفْهَمُهُ دُونَ حُكْمٍ.
«أَظُنُّ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ مَعَ سَلْمَى: أَنْ أَعْتَذِرَ، وَأَسْأَلَهَا مُبَاشَرَةً عَمَّا تَحْتَاجُهُ فِعْلًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ أَفْتَرِضَ.»
عَادَ يُوسُفُ إِلَى سَلْمَى، وَجَلَسَ أَمَامَهَا، وَقَالَ بِصِدْقٍ:
«سَلْمَى، أَعْتَذِرُ عَنِ الْجَدْوَلِ الْمُفَصَّلِ. أَدْرَكْتُ أَنِّي كُنْتُ أُحَاوِلُ تَهْدِئَةَ قَلَقِي أَنَا، لَا خِدْمَتَكِ أَنْتِ. أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ مُبَاشَرَةً: مَا الَّذِي تَحْتَاجِينَهُ مِنِّي، حَقًّا، قَبْلَ سَفَرِكِ؟»
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
«أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّكَ سَتَكُونُ بِخَيْرٍ هُنَا، أَنْتَ وَلِينَا، دُونَ أَنْ أَقْلَقَ عَلَيْكُمَا وَأَنَا هُنَاكَ. أَحْتَاجُ أَنْ تَتَّصِلَ بِي حِينَ تَشْتَاقُ، لَا حِينَ تُرِيدُ التَّأَكُّدَ مِنْ مَوْقِعِي. وَأَحْتَاجُ، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، أَنْ تَثِقَ أَنِّي قَادِرَةٌ عَلَى مُوَاجَهَةِ مَا سَأُوَاجِهُهُ هُنَاكَ، دُونَ أَنْ أَحْمِلَ مَعِي شُعُورًا بِأَنَّكَ تُرَاقِبُنِي مِنْ بَعِيدٍ بِقَلَقٍ دَائِمٍ.»
«هَذَا كُلُّ مَا تَحْتَاجِينَهُ؟ لَا تُرِيدِينَ أَيَّ مَعْلُومَاتٍ عَمَلِيَّةٍ؟»
ضَحِكَتْ سَلْمَى بِحَنَانٍ.
«يُمْكِنُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي رَقْمَ هَاتِفِ السِّفَارَةِ، هَذَا مَعْقُولٌ. لَكِنْ لَا أَحْتَاجُ جَدْوَلًا كَامِلًا لِكُلِّ دَقِيقَةٍ مِنْ رِحْلَتِي. أَحْتَاجُ ثِقَتَكَ، يَا يُوسُفُ، أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِي لِخُطَّتِكَ.»
مَزَّقَ يُوسُفُ الْجَدْوَلَ الْمُفَصَّلَ الَّذِي أَعَدَّهُ، وَاحْتَفَظَ فَقَطْ بِرَقْمِ السِّفَارَةِ وَأَرْقَامِ الطَّوَارِئِ الْأَسَاسِيَّةِ، عَلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ وَاحِدَةٍ.
«هَلْ هَذَا أَفْضَلُ؟»
«هَذَا أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَتَبَ يُوسُفُ فِي دَفْتَرِهِ الْقَدِيمِ، الَّذِي أَصْبَحَ يَحْمِلُهُ مَعَهُ دَائِمًا الْآنَ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُخَبِّئَهُ فِي الْعُلِّيَّةِ:
«تَعَلَّمْتُ الْيَوْمَ أَنَّ التَّغْيِيرَ لَيْسَ حَدَثًا وَاحِدًا يَحْدُثُ ثُمَّ يَنْتَهِي، بَلْ عَمَلِيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، نَتَرَاجَعُ فِيهَا أَحْيَانًا إِلَى عَادَاتِنَا الْقَدِيمَةِ دُونَ أَنْ نَنْتَبِهَ، ثُمَّ نَحْتَاجُ أَنْ نُلَاحِظَ ذَلِكَ، وَنُصَحِّحَ مَسَارَنَا، مِرَارًا وَتَكْرَارًا. لَمْ أَعُدْ أَتَوَقَّعُ مِنْ نَفْسِي أَنْ أَكُونَ «مُصْلَحًا تَمَامًا» بَعْدَ اعْتِرَافٍ وَاحِدٍ أَوْ مُحَادَثَةٍ وَاحِدَةٍ. أَتَوَقَّعُ، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي الِانْتِبَاهِ، وَفِي السُّؤَالِ، وَفِي التَّصْحِيحِ، كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ.»
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ، وَفَكَّرَ فِي سَلْمَى، الَّتِي سَتُسَافِرُ خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَفِي نَفْسِهِ، الَّذِي بَدَأَ يَتَعَلَّمُ، بِبُطْءٍ لَكِنْ بِثَبَاتٍ مُتَزَايِدٍ، كَيْفَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحُبِّ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْخَوْفِ الَّذِي يَفْرِضُ إِجَابَاتِهِ الْجَاهِزَةَ دُونَ اسْتِئْذَانٍ.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، وَقَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى عَمَلِهِ، مَرَّ يُوسُفُ عَلَى غُرْفَةِ لِينَا، وَوَجَدَهَا تُعِدُّ حَقِيبَتَهَا الْخَاصَّةَ لِرِحْلَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ قَصِيرَةٍ كَانَتْ مُقَرَّرَةً نِهَايَةَ الْأُسْبُوعِ. لَاحَظَ نَفْسَهُ، لِلَحْظَةٍ، يَهُمُّ بِأَنْ يَسْأَلَهَا إِنْ جَهَّزَتْ كُلَّ شَيْءٍ بِالتَّرْتِيبِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَابْتَسَمَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ:
«هَلْ تَحْتَاجِينَ مُسَاعَدَةً فِي شَيْءٍ، أَمْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ لِينَا بِدَهْشَةٍ لَطِيفَةٍ، غَيْرَ مُعْتَادَةٍ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ الْمَفْتُوحِ مِنْ أَبِيهَا.
«أَنَا بِخَيْرٍ، أَبِي، شُكْرًا لِسُؤَالِكَ.»
ابْتَسَمَ يُوسُفُ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ الصَّغِيرَةَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، كَانَتْ دَلِيلًا مَلْمُوسًا عَلَى أَنَّ الدَّرْسَ الَّذِي تَعَلَّمَهُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ مَعَ سَلْمَى قَدْ بَدَأَ يَتَغَلْغَلُ، وَلَوْ بِبُطْءٍ، فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ كُلِّهَا، لَا فِي قَرَارِهِ الْكَبِيرِ وَحْدَهُ.
اَلْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَرَ
كَانَ الْمِلَفُّ التَّالِي الَّذِي وَصَلَ إِلَى مَكْتَبِ سَامِي مُغَايِرًا لِمَا سَبَقَهُ: لَمْ يَكُنْ صُنْدُوقًا مَلَكِيًّا وَلَا حَقِيبَةً عَسْكَرِيَّةً، بَلْ كَوْمَةً مِنَ الْجَرَائِدِ الْقَدِيمَةِ الْمُصْفَرَّةِ، تَحْمِلُ جَمِيعُهَا اسْمًا وَاحِدًا يَتَكَرَّرُ فِي عَنَاوِينِ الصَّفَحَاتِ الْأُولَى: “اَلشَّيْخُ فَارِسٌ، مُصْلِحُ الْمَدِينَةِ”.
لَاحَظَ سَامِي، وَهُوَ يُرَتِّبُ الْجَرَائِدَ بِتَرْتِيبِهَا الزَّمَنِيِّ، أَنَّ الصُّوَرَ الْمُرْفَقَةَ بِالْمَقَالَاتِ تُظْهِرُ رَجُلًا يَزْدَادُ شَيْبًا عَامًا بَعْدَ عَامٍ، مُحَاطًا دَائِمًا بِحُشُودٍ مِنَ النَّاسِ: عُمَّالٌ يَحْفِرُونَ بِئْرًا جَدِيدَةً، أَطْفَالٌ يَقِفُونَ أَمَامَ مَدْرَسَةٍ حَدِيثَةِ الِافْتِتَاحِ، شُيُوخٌ يُصْغُونَ إِلَيْهِ فِي سَاحَةِ الْمَدِينَةِ. وَلَمْ تَظْهَرْ فِي أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ صُورَةٌ عَائِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، لَا زَوْجَتُهُ وَلَا أَبْنَاؤُهُ، وَكَأَنَّ الْكَامِيرَا نَفْسَهَا، مِثْلَ صَاحِبِهَا، لَمْ تَجِدْ وَقْتًا لِتَلْتَفِتَ إِلَى الْبَيْتِ.
قَرَأَ سَامِي الْمَقَالَاتِ بِتَرْتِيبِهَا الزَّمَنِيِّ: كَيْفَ بَدَأَ فَارِسٌ، فِي شَبَابِهِ، حَمْلَةً لِبِنَاءِ أَوَّلِ مَدْرَسَةٍ مَجَّانِيَّةٍ فِي حَيِّهِ الْفَقِيرِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ نَشَاطُهُ لِيَشْمَلَ حَفْرَ آبَارِ مِيَاهٍ، وَبِنَاءَ مُسْتَوْصَفٍ صِحِّيٍّ، وَتَعْبِيدَ الطُّرُقِ، حَتَّى غَدَا اسْمُهُ مُرَادِفًا لِلْإِصْلَاحِ وَالتَّقَدُّمِ فِي مَدِينَتِهِ بِأَسْرِهَا عَلَى مَدَى ثَلَاثِينَ عَامًا.
غَيْرَ أَنَّ سَامِي عَثَرَ، بَيْنَ الْمَقَالَاتِ، عَلَى رِسَالَةٍ صَغِيرَةٍ، مَطْوِيَّةٍ بِعِنَايَةٍ، كَتَبَتْهَا ابْنَةُ الشَّيْخِ فَارِسٍ، وَقَدْ أَرْفَقَتْهَا بِالْأَرْشِيفِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا، مُوَجَّهَةً إِلَى مُحَرِّرِ إِحْدَى الْجَرَائِدِ الَّتِي أَرَادَتْ كِتَابَةَ مَقَالٍ تَكْرِيمِيٍّ عَنْ وَالِدِهَا الرَّاحِلِ:
“تَسْأَلُونَنِي أَنْ أَكْتُبَ عَنْ ذِكْرَيَاتِي مَعَ أَبِي، لِتَنْشُرُوهَا فِي مَقَالِكُمُ التَّكْرِيمِيِّ. سَأَكْتُبُ الْحَقِيقَةَ، لَا الْمَدِيحَ الْمُعْتَادَ: أَبِي أَصْلَحَ كُلَّ شَارِعٍ فِي مَدِينَتِنَا إِلَّا شَارِعَنَا نَحْنُ. بَنَى مَدْرَسَةً لِأَطْفَالِ الْفُقَرَاءِ، بَيْنَمَا كُنَّا نَحْنُ، أَبْنَاؤُهُ، نَنْتَظِرُهُ كُلَّ مَسَاءٍ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، نَحْسُبُ دَقَائِقَ تَأَخُّرِهِ، وَنَتَعَلَّمُ، شَيْئًا فَشَيْئًا، أَلَّا نَنْتَظِرَ.”
رَوَتِ الرِّسَالَةُ كَيْفَ كَانَتْ أُمُّ فَارِسٍ، زَوْجَتُهُ، هِيَ مَنْ رَبَّتِ الْأَبْنَاءَ الْخَمْسَةَ عَمَلِيًّا وَحْدَهَا، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ مُنْشَغِلًا بِمَشَارِيعِهِ الْإِصْلَاحِيَّةِ، يَعُودُ مُتَأَخِّرًا كُلَّ لَيْلَةٍ، مُنْهَكًا إِلَى دَرَجَةٍ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ مَعَهَا طَاقَةً لِلْحَدِيثِ مَعَ أَبْنَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَسْئِلَةٍ سَطْحِيَّةٍ سَرِيعَةٍ.
كَتَبَتِ الِابْنَةُ:
“كُنْتُ أَفْخَرُ بِأَبِي أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَأَخْجَلُ مِنْ مَشَاعِرِي الْحَقِيقِيَّةِ تُجَاهَهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَشْكُوَ مِنْ رَجُلٍ بَنَى مَدْرَسَةً لِأَطْفَالٍ لَا يَعْرِفُهُمْ، بَيْنَمَا أَطْفَالُهُ الْخَمْسَةُ كَبِرُوا مِنْ غَيْرِ أَبٍ حَاضِرٍ؟ شَعَرْتُ، سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، أَنَّ حُزْنِي أَنَانِيَّةٌ، مُقَارَنَةً بِالْخَيْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي قَدَّمَهُ لِمَدِينَتِهِ.”
لَكِنَّ الرِّسَالَةَ اسْتَمَرَّتْ، بِصِدْقٍ أَعْمَقَ:
“فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ، جَلَسْتُ مَعَهُ، وَسَأَلْتُهُ سُؤَالًا لَمْ أَجْرُؤْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ: أَبِي، هَلْ كُنْتَ سَعِيدًا بِمَا فَعَلْتَهُ؟ نَظَرَ إِلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: ‘أَصْلَحْتُ الْمَدِينَةَ، يَا ابْنَتِي، لَكِنِّي تَرَكْتُ بَيْتِي بِلَا إِصْلَاحٍ. ظَنَنْتُ أَنَّ الْإِصْلَاحَ الْأَكْبَرَ يَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ بِالْإِصْلَاحِ الْأَصْغَرِ، لَكِنِّي أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ بَيْتِي لَمْ يَكُنْ إِصْلَاحًا أَصْغَرَ؛ كَانَ إِصْلَاحًا أَهْمَلْتُهُ، ظَانًّا أَنَّ حُبِّي الصَّامِتَ، وَعَمَلِي مِنْ أَجْلِ الْآخَرِينَ، سَيَكْفِيَانِ لِتَفْسِيرِ غِيَابِي عَنْكُمْ’.”
تَوَقَّفَ سَامِي عَنِ الْقِرَاءَةِ، مُتَأَثِّرًا بِصِدْقِ هَذَا الِاعْتِرَافِ الْمُتَأَخِّرِ.
اسْتَمَرَّتِ الرِّسَالَةُ فِي وَصْفِ اللَّحَظَاتِ الْأَخِيرَةِ مَعَ الشَّيْخِ فَارِسٍ:
“سَأَلْتُهُ: هَلْ كُنْتَ سَتَفْعَلُ الْأَمْرَ عَلَى نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ لَوْ عَادَ بِكَ الزَّمَنُ؟ فَكَّرَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: ‘لَا أَعْرِفُ، يَا ابْنَتِي. كَانَتِ الْحَاجَةُ كَبِيرَةً، وَكَانَ الْفَقْرُ يَقْتُلُ أَطْفَالَ مَدِينَتِنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَكَانَ الْجَهْلُ يُحَاصِرُنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. كُنْتُ أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ سَاعَةٍ أَقْضِيهَا فِي بَيْتِي، بَدَلَ أَنْ أَقْضِيَهَا فِي خِدْمَةِ الْمَدِينَةِ، هِيَ سَاعَةٌ أَخَذْتُهَا مِنْ طِفْلٍ يَحْتَاجُهَا أَكْثَرَ مِنِّي. لَمْ أَكُنْ مُخْطِئًا فِي حَجْمِ الْحَاجَةِ، لَكِنِّي كُنْتُ مُخْطِئًا حِينَ ظَنَنْتُ أَنَّ الْحَلَّ الْوَحِيدَ هُوَ أَنْ أُضَحِّيَ بِكُمْ بِالْكَامِلِ، بَدَلَ أَنْ أُوَازِنَ، وَلَوْ قَلِيلًا، بَيْنَ خِدْمَةِ الْغُرَبَاءِ وَخِدْمَةِ مَنْ أُحِبُّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِي’.”
كَتَبَ سَامِي فِي دَفْتَرِهِ، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ كَوْمَةَ الْجَرَائِدِ:
“اَلشَّيْخُ فَارِسٌ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَاتِحِ بَاسِيلَ وَالْمَلِكَةِ صُوفِيَا: هُوَ لَمْ يَبْنِ مَمْلَكَةً لِنَفْسِهِ، بَلْ خَدَمَ الْآخَرِينَ بِصِدْقٍ وَنُكْرَانِ ذَاتٍ حَقِيقِيٍّ. غَيْرَ أَنَّ نَمَطَ الْغِيَابِ نَفْسَهُ تَكَرَّرَ، بِثَوْبٍ نَبِيلٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ: التَّضْحِيَةُ بِالْأُسْرَةِ مِنْ أَجْلِ قَضِيَّةٍ أَكْبَرَ، وَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْدُمَ الْعَالَمَ وَبَيْتَهُ مَعًا.”
فَكَّرَ سَامِي طَوِيلًا فِي هَذَا التَّمْيِيزِ، وَكَتَبَ:
“رُبَّمَا الدَّرْسُ هُنَا مُخْتَلِفٌ قَلِيلًا عَنِ الدُّرُوسِ السَّابِقَةِ: لَيْسَ كُلُّ غِيَابٍ نَابِعًا مِنَ الْأَنَانِيَّةِ أَوِ الْخَوْفِ. أَحْيَانًا يَكُونُ الْغِيَابُ نَابِعًا مِنْ حُبٍّ حَقِيقِيٍّ لِقَضِيَّةٍ عَادِلَةٍ، لَكِنَّهُ يَظَلُّ غِيَابًا رَغْمَ ذَلِكَ، وَيَتْرُكُ الْأَثَرَ نَفْسَهُ فِي قُلُوبِ مَنِ انْتَظَرُوا. اَلْقَضِيَّةُ الْعَادِلَةُ لَا تُعْفِي صَاحِبَهَا مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّوَازُنِ، وَلَا تَجْعَلُ غِيَابَهُ عَنْ بَيْتِهِ أَقَلَّ إِيلَامًا لِمَنْ أَحَبَّهُمْ وَانْتَظَرُوهُ.”
فِي نِهَايَةِ الرِّسَالَةِ، كَتَبَتِ ابْنَةُ الشَّيْخِ فَارِسٍ جُمْلَةً خِتَامِيَّةً جَعَلَتْ سَامِي يَتَوَقَّفُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يَضَعَ الْمِلَفَّ عَلَى الرَّفِّ:
“لَمْ أَكْتُبْ هَذَا لِأُقَلِّلَ مِنْ عَظَمَةِ مَا فَعَلَهُ أَبِي لِمَدِينَتِنَا؛ فَالْمَدَارِسُ الَّتِي بَنَاهَا مَا زَالَتْ تُعَلِّمُ أَطْفَالًا حَتَّى الْيَوْمِ، وَالْآبَارُ الَّتِي حَفَرَهَا مَا زَالَتْ تَرْوِي عَطَشَ أَحْيَاءٍ بِأَسْرِهَا. أَكْتُبُ هَذَا لِأَقُولَ شَيْئًا آخَرَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ عَظِيمًا فِي عُيُونِ التَّارِيخِ، وَغَائِبًا فِي عُيُونِ أَبْنَائِهِ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَ. أَتَمَنَّى، فَقَطْ، لَوْ وَجَدَ أَبِي طَرِيقَةً يَكُونُ فِيهَا الِاثْنَانِ مَعًا: مُصْلِحًا لِلْمَدِينَةِ، وَحَاضِرًا فِي شَارِعِهِ، وَلَوْ قَلِيلًا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ.”
وَضَعَ سَامِي كَوْمَةَ الْجَرَائِدِ عَلَى الرَّفِّ، إِلَى جَانِبِ الْمَلَفَّاتِ الْأُخْرَى، وَفَكَّرَ أَنَّ هَذَا الْمِلَفَّ، عَلَى مَا فِيهِ مِنِ اخْتِلَافٍ ظَاهِرِيٍّ عَنْ سَابِقِيهِ، كَانَ يَحْمِلُ الْخَيْطَ نَفْسَهُ الَّذِي أَخَذَ يَتَّضِحُ لَهُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ: أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ عَظِيمٍ فِي مَجَالٍ مَا، مِنْ مَلِكٍ إِلَى مُصْلِحٍ اجْتِمَاعِيٍّ إِلَى رَجُلِ أَعْمَالٍ، يُوَاجِهُ اللَّحْظَةَ نَفْسَهَا مِنَ الِاخْتِيَارِ: كَمْ يُعْطِي لِلْعَالَمِ، وَكَمْ يَحْتَفِظُ بِهِ لِمَنْ يَنْتَظِرُونَهُ عِنْدَ الْبَابِ؟
جَلَسَ سَامِي بَعْدَ ذَلِكَ دَقَائِقَ طَوِيلَةً، يَنْظُرُ إِلَى الرَّفِّ الْمُتَنَامِي مِنَ الْمَلَفَّاتِ الْمُكْتَمِلَةِ، وَيَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ الْحِكَايَاتِ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ: بَاسِيلَ الَّذِي فَتَحَ مَمَالِكَ وَنَسِيَ بَابَهُ، وَصُوفِيَا الَّتِي حَكَمَتْ بِصَمْتٍ خَشِيَتْ أَنْ يُفَسَّرَ ضَعْفًا، وَرُسْتُمَ الَّذِي كَادَ يَخْسَرُ ابْنَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْإِصْغَاءَ، وَفَارِسًا الَّذِي أَصْلَحَ مَدِينَةً بِأَسْرِهَا وَنَسِيَ شَارِعَهُ. فَكَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ، عَلَى تَبَاعُدِهَا فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمِهْنَةِ، تَتَحَدَّثُ جَمِيعُهَا بِلُغَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَأَنَّ التَّارِيخَ الْإِنْسَانِيَّ كُلَّهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ تَكْرَارًا مُتَجَدِّدًا لِلسُّؤَالِ نَفْسِهِ، بِأَزْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، وَعُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنْ بِجَوْهَرٍ لَا يَتَغَيَّرُ.
اَلْفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَرَ
فِي الْمَشْفَى، حَيْثُ كَانَ وَالِدُ سَلْمَى يَقْضِي أَيَّامَهُ الْأَخِيرَةَ قَبْلَ مَوْعِدِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُقَرَّرِ، لَاحَظَتِ الْمُمَرِّضَةُ الْمَسْؤُولَةُ عَنْ مُتَابَعَتِهِ، اِمْرَأَةٌ تُدْعَى كُلُودْيَا، نَمَطًا مُتَكَرِّرًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَهَا وَمَعَ الطَّاقِمِ الطِّبِّيِّ: كَانَ يَرْفُضُ أَيَّ مُسَاعَدَةٍ، وَيُصِرُّ عَلَى النُّهُوضِ بِنَفْسِهِ رَغْمَ دُوَارِهِ، وَيُقَاطِعُ الْأَطِبَّاءَ حِينَ يَشْرَحُونَ لَهُ الْمَخَاطِرَ الْمُحْتَمَلَةَ، وَيَقُولُ دَائِمًا: “أَنَا رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تَقْلَقُوا عَلَيَّ.”
كَانَتْ كُلُودْيَا، بِحُكْمِ عَمَلِهَا الْمُمْتَدِّ عِشْرِينَ عَامًا فِي هَذَا الْقِسْمِ، قَدْ رَأَتْ أَنْمَاطًا كَثِيرَةً مِنَ الْمَرْضَى: مَنْ يَسْتَسْلِمُ لِلْخَوْفِ كُلِّيًّا، وَمَنْ يَتَظَاهَرُ بِالْقُوَّةِ حَتَّى النِّهَايَةِ، وَمَنْ يَجِدُ، بَيْنَ هَذَيْنِ، تَوَازُنًا هَشًّا لَكِنَّهُ صَادِقٌ. وَلَاحَظَتْ أَنَّ نَمَطَ وَالِدِ سَلْمَى كَانَ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، وَهُوَ النَّمَطُ الْأَكْثَرُ إِرْهَاقًا لِلْمَرِيضِ نَفْسِهِ، وَإِنْ بَدَا الْأَيْسَرَ عَلَى الْمُحِيطِينَ بِهِ: أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ شَيْءٍ بِمُفْرَدِهِ، حَتَّى حِينَ يَصْرُخُ جَسَدُهُ طَالِبًا الْمُسَاعَدَةَ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، حِينَ حَاوَلَ النُّهُوضَ مِنْ سَرِيرِهِ بِمُفْرَدِهِ رَغْمَ تَحْذِيرَاتِ الطَّاقِمِ، سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَمْ يُصَبْ بِأَذًى كَبِيرٍ، لَكِنَّ الْحَادِثَةَ دَفَعَتْ كُلُودْيَا لِتَجْلِسَ مَعَهُ بَعْدَ سَاعَةٍ، حِينَ هَدَأَ الْمَوْقِفُ.
“سَيِّدِي، أَفْهَمُ أَنَّكَ رَجُلٌ اعْتَادَ الِاعْتِمَادَ عَلَى نَفْسِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ. لَكِنْ هَلْ تَسْمَحُ لِي بِسُؤَالٍ: مِنْ أَيْنَ يَأْتِي هَذَا الْإِصْرَارُ عَلَى رَفْضِ الْمُسَاعَدَةِ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ بِحَاجَةٍ وَاضِحَةٍ إِلَيْهَا؟”
نَظَرَ الْأَبُ إِلَيْهَا بِحَذَرٍ، ثُمَّ قَالَ، بِنَبْرَةٍ دِفَاعِيَّةٍ:
“لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عِبْئًا عَلَى أَحَدٍ.”
“وَهَلْ طَلَبُ الْمُسَاعَدَةِ يَعْنِي أَنَّكَ عِبْءٌ، أَمْ أَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ كَوْنِكَ إِنْسَانًا يَمُرُّ بِمَرْحَلَةٍ صَعْبَةٍ صِحِّيًّا؟”
صَمَتَ الْأَبُ طَوِيلًا، وَشَعَرَتْ كُلُودْيَا أَنَّهَا لَامَسَتْ شَيْئًا حَسَّاسًا.
“أَتَعْرَفِينَ، يَا كُلُودْيَا؟ مُنْذُ أَنْ فَقَدْتُ أُخْتِي الصُّغْرَى، وَأَنَا فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، قَرَّرْتُ أَلَّا أُظْهِرَ ضَعْفِي لِأَحَدٍ أَبَدًا. رَأَيْتُ أَبِي يَنْهَارُ أَمَامَ الْجَمِيعِ بَعْدَ وَفَاتِهَا، وَرَأَيْتُ كَيْفَ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ كَرَجُلٍ حَزِينٍ، بَلْ كَرَجُلٍ ضَعِيفٍ. أَقْسَمْتُ، حِينَهَا، أَلَّا أَكُونَ كَذَلِكَ أَبَدًا. سَأَكُونُ قَوِيًّا، مَهْمَا كَلَّفَنِي الْأَمْرُ.”
“وَهَلْ نَجَحْتَ فِي هَذَا، طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟”
“نَجَحْتُ فِي أَنْ يَرَانِي النَّاسُ قَوِيًّا، نَعَمْ. لَكِنِّي، فِي دَاخِلِي، كُنْتُ خَائِفًا طَوَالَ الْوَقْتِ: خَائِفًا مِنْ فِقْدَانِ بَنَاتِي كَمَا فَقَدْتُ أُخْتِي، خَائِفًا مِنَ الْمَرَضِ، خَائِفًا مِنَ الْمَوْتِ نَفْسِهِ، وَهَا أَنَا الْآنَ هُنَا، عَلَى هَذَا السَّرِيرِ، أُوَاجِهُ كُلَّ هَذِهِ الْمَخَاوِفِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَمَا زِلْتُ أَتَظَاهَرُ بِالْقُوَّةِ أَمَامَ كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ هَذِهِ الْغُرْفَةَ.”
قَالَتْ كُلُودْيَا، بِلُطْفٍ مِهَنِيٍّ يَمْتَزِجُ بِتَعَاطُفٍ إِنْسَانِيٍّ حَقِيقِيٍّ:
“سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ مِنْ سَنَوَاتِ عَمَلِي هُنَا: اَلْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي إِخْفَاءِ الْخَوْفِ، بَلْ فِي مُوَاجَهَتِهِ بِصِدْقٍ. اَلْمَرْضَى الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِخَوْفِهِمْ، وَيَطْلُبُونَ الْمُسَاعَدَةَ حِينَ يَحْتَاجُونَهَا، غَالِبًا مَا يَتَعَافَوْنَ عَلَى نَحْوٍ أَفْضَلَ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْفُضُونَ كُلَّ مُسَاعَدَةٍ إِثْبَاتًا لِقُوَّةٍ لَا تَخْدُمُ إِلَّا صُورَتَهُمْ أَمَامَ الْآخَرِينَ.”
“وَمَاذَا لَوِ اعْتَرَفْتُ بِخَوْفِي، لِبَنَاتِي، لِلطَّاقِمِ الطِّبِّيِّ، لِنَفْسِي؟ أَلَنْ يَظُنُّوا أَنِّي أَصْبَحْتُ ضَعِيفًا، هَشًّا، غَيْرَ قَادِرٍ؟”
“جَرِّبْ، وَانْظُرْ مَاذَا سَيَحْدُثُ. أَظُنُّ أَنَّكَ سَتُفَاجَأُ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، اتَّصَلَ الْأَبُ بِسَلْمَى عَبْرَ الْفِيدْيُو، وَكَانَتْ مَيْسَاءُ أَيْضًا عَلَى الْخَطِّ مِنْ كَنَدَا، فِي مُكَالَمَةٍ ثُلَاثِيَّةٍ نَادِرَةٍ.
“بَنَاتِي، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمَا بِشَيْءٍ لَمْ أَعْتَرِفْ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ: أَنَا خَائِفٌ جِدًّا مِنَ الْعَمَلِيَّةِ الْقَادِمَةِ. خَائِفٌ أَنْ أَفْقِدَ وَعْيِي عَلَى طَاوِلَةِ الْجِرَاحَةِ، وَأَلَّا أَسْتَيْقِظَ. خَائِفٌ أَنْ أَرَاكُمَا، أَنْتُمَا الِاثْنَتَيْنِ، لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ عَبْرَ شَاشَةٍ صَغِيرَةٍ، لَا وَجْهًا لِوَجْهٍ.”
بَكَتْ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ مَعًا، وَشَعَرَتَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حَيَاتِهِمَا، أَنَّهُمَا تَرَيَانِ أَبَاهُمَا مِنْ غَيْرِ قِنَاعِ الْقُوَّةِ الَّذِي حَمَلَهُ طَوَالَ عُمُرِهِ.
قَالَتْ مَيْسَاءُ، بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ:
“أَبِي، شُكْرًا لِأَنَّكَ أَخْبَرْتَنَا. لَطَالَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ لَا تَخَافُ مِنْ شَيْءٍ، وَكَانَ هَذَا يَجْعَلُنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي الضَّعِيفَةُ الْوَحِيدَةُ فِي الْعَائِلَةِ، كُلَّمَا شَعَرْتُ بِالْخَوْفِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي.”
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنِّي أُشْعِرُكِ بِهَذَا، يَا مَيْسَاءُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ قُوَّتِيَ الظَّاهِرَةَ سَتَحْمِيكُمَا، لَا أَنَّهَا سَتَجْعَلُكُمَا تَشْعُرَانِ بِالْوَحْدَةِ فِي خَوْفِكُمَا الْخَاصِّ.”
قَالَتْ سَلْمَى:
“أَبِي، سَآتِي إِلَيْكَ خِلَالَ أَيَّامٍ، وَسَأَكُونُ إِلَى جَانِبِكَ قَبْلَ الْعَمَلِيَّةِ وَبَعْدَهَا. وَأَنْتَ، مِنَ الْآنَ، لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا أَمَامِي. يُمْكِنُكَ أَنْ تَخَافَ، وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَبْكِيَ، وَسَأَبْقَى إِلَى جَانِبِكَ رَغْمَ ذَلِكَ، بَلْ بِسَبَبِهِ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، حِينَ دَخَلَتْ كُلُودْيَا لِتَتَفَقَّدَ حَالَتَهُ، وَجَدَتْهُ مُخْتَلِفًا: طَلَبَ مُسَاعَدَتَهَا لِلنُّهُوضِ، بَدَلَ أَنْ يَرْفُضَهَا بِعِنَادٍ كَالْعَادَةِ، وَقَالَ لَهَا، بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ:
“جَرَّبْتُ مَا اقْتَرَحْتِهِ، يَا كُلُودْيَا. أَخْبَرْتُ بَنَاتِي بِخَوْفِي الْحَقِيقِيِّ. أَظُنُّ أَنَّهُ، بَدَلَ أَنْ يَجْعَلَنِي هَذَا أَضْعَفَ فِي عُيُونِهِنَّ، جَعَلَنِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَشْعُرُ أَنِّي حَاضِرٌ حَقًّا مَعَهُنَّ، لَا مُجَرَّدَ قِنَاعٍ مِنَ الْقُوَّةِ يَقِفُ بَيْنَنَا.”
ابْتَسَمَتْ كُلُودْيَا، وَسَاعَدَتْهُ عَلَى النُّهُوضِ بِلُطْفٍ.
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ آمُلُ أَنْ تَكْتَشِفَهُ، سَيِّدِي.”
بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ كُلُودْيَا، جَلَسَ الْأَبُ وَحِيدًا، يَنْظُرُ مِنْ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُمْتَدَّةِ أَمَامَهُ، وَفَكَّرَ فِي كُلِّ سَنَوَاتِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَظَاهَرَ بِهَا، وَفِي الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ، وَرُبَّمَا دَفَعَتْهُ بَنَاتُهُ أَيْضًا، مُقَابِلَ هَذَا الْقِنَاعِ. فَكَّرَ فِي أُخْتِهِ الصُّغْرَى الَّتِي فَقَدَهَا مُنْذُ عُقُودٍ، وَفِي كَيْفَ أَنَّ خَوْفَهُ مِنْ أَنْ يَبْدُوَ ضَعِيفًا مِثْلَ أَبِيهِ، حَوَّلَهُ، مِنْ غَيْرِ وَعْيٍ، إِلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الضَّعْفِ: ضَعْفِ الْعَجْزِ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِيقَةِ أَمَامَ مَنْ يُحِبُّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ.
قَالَ لِنَفْسِهِ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ: “رُبَّمَا الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي أَرَدْتُ أَنْ أُوَرِّثَهَا لِبَنَاتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَنْ أُظْهِرَ لَهُنَّ رَجُلًا لَا يَخَافُ أَبَدًا، بَلْ فِي أَنْ أُعَلِّمَهُنَّ أَنَّ الْخَوْفَ جُزْءٌ مِنْ كَوْنِنَا بَشَرًا، وَأَنَّ مُوَاجَهَتَهُ بِصِدْقٍ، لَا إِخْفَاءَهُ، هِيَ الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُورَّثَ.”
وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، حِينَ جَاءَ الطَّبِيبُ الْمُعَالِجُ لِيَشْرَحَ لَهُ تَفَاصِيلَ الْعَمَلِيَّةِ مَرَّةً أُخْرَى، أَصْغَى الْأَبُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِانْتِبَاهٍ كَامِلٍ، وَطَرَحَ أَسْئِلَةً لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى طَرْحِهَا مِنْ قَبْلُ، أَسْئِلَةً بَدَتْ لَهُ، فِي السَّابِقِ، اعْتِرَافًا بِالضَّعْفِ: “مَا احْتِمَالَاتُ النَّجَاحِ؟ مَا هِيَ أَسْوَأُ سَيْنَارْيُوهَاتِ مَا بَعْدَ الْعَمَلِيَّةِ؟ كَيْفَ سَأَشْعُرُ فِي الْأَيَّامِ الْأُولَى؟” أَصْغَى الطَّبِيبُ بِدَهْشَةٍ لَطِيفَةٍ إِلَى هَذَا التَّغَيُّرِ الْمُفَاجِئِ فِي أُسْلُوبِ مَرِيضِهِ، وَأَجَابَ بِصَبْرٍ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ، وَشَعَرَ الْأَبُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ دُخُولِهِ الْمَشْفَى، أَنَّهُ يُوَاجِهُ مَا يَنْتَظِرُهُ بِوَعْيٍ حَقِيقِيٍّ، لَا بِإِنْكَارٍ يَتَنَكَّرُ فِي ثَوْبِ الشَّجَاعَةِ.
اَلْفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَرَ
هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ، وَشَعَرَتْ سَلْمَى، لِلَحْظَةٍ، أَنَّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً تَتَكَثَّفُ كُلُّهَا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ: عَجَلَاتُ الطَّائِرَةِ تُلَامِسُ أَرْضَ الْمَدِينَةِ الَّتِي وُلِدَتْ فِيهَا، وَالَّتِي غَادَرَتْهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ بِحَقِيبَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا سَتَعُودُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الطُّولِ مِنَ الزَّمَنِ، لِتَجِدَ نَفْسَهَا امْرَأَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ تِلْكَ الْفَتَاةِ الَّتِي رَحَلَتْ.
وَقَفَتْ فِي طَابُورِ جَوَازَاتِ السَّفَرِ، تَتَأَمَّلُ الْوُجُوهَ مِنْ حَوْلِهَا: عَائِلَاتٌ تَعُودُ مِنْ زِيَارَاتٍ قَصِيرَةٍ، وَرِجَالُ أَعْمَالٍ يَحْمِلُونَ حَقَائِبَهُمْ بِسُرْعَةٍ مُعْتَادَةٍ، وَشَابَّةٌ صَغِيرَةٌ، لَا تَتَجَاوَزُ الْعِشْرِينَ، تَبْكِي بِصَمْتٍ وَهِيَ تُوَدِّعُ شَخْصًا عَبْرَ الْهَاتِفِ، رُبَّمَا تَعِيشُ، هِيَ أَيْضًا، لَحْظَةَ رَحِيلٍ أَوْ عَوْدَةٍ تُشْبِهُ مَا عَاشَتْهُ سَلْمَى قَبْلَ سَنَوَاتٍ. فَكَّرَتْ أَنَّ هَذَا الْمَطَارَ، عَلَى بُرُودَةِ إِجْرَاءَاتِهِ الرَّسْمِيَّةِ، كَانَ يَحْتَضِنُ، كُلَّ يَوْمٍ، آلَافَ الْقِصَصِ الصَّغِيرَةِ مِنَ الْفِرَاقِ وَاللِّقَاءِ، كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَحْمِلُ ثِقْلَهَا الْخَاصَّ الَّذِي لَا يَرَاهُ أَحَدٌ سِوَى صَاحِبِهِ.
وَمِنْ نَافِذَةِ سَيَّارَةِ الْأُجْرَةِ، فِي طَرِيقِهَا مِنَ الْمَطَارِ إِلَى الْمَشْفَى، رَاقَبَتْ سَلْمَى الشَّوَارِعَ الَّتِي تَغَيَّرَتْ كَثِيرًا، وَمَبَانِيَ جَدِيدَةً حَلَّتْ مَكَانَ أُخْرَى قَدِيمَةٍ مَا زَالَتْ تَذْكُرُهَا جَيِّدًا، وَشَعَرَتْ بِغَرَابَةٍ مَأْلُوفَةٍ: هَذَا الْمَكَانُ بَيْتُهَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ بَيْتَهَا تَمَامًا كَمَا كَانَ.
وَصَلَتْ إِلَى غُرْفَةِ أَبِيهَا فِي الْمَشْفَى، وَوَقَفَتْ عِنْدَ الْبَابِ لَحْظَةً، تَسْتَجْمِعُ أَنْفَاسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. سَمِعَتْ صَوْتَهُ مِنَ الدَّاخِلِ، يَتَحَدَّثُ مَعَ مَيْسَاءَ، الَّتِي وَصَلَتْ قَبْلَهَا بِيَوْمٍ، وَشَعَرَتْ بِدِفْءٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهَا لِسَمَاعِ صَوْتِهِ حَيًّا، بَعْدَ كُلِّ أَيَّامِ الْقَلَقِ.
دَخَلَتْ، وَوَقَفَتْ أَمَامَهُ، وَالدُّمُوعُ تَمْلَأُ عَيْنَيْهَا.
“أَبِي.”
نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ مَلَأَهُمَا الشَّوْقُ وَالدَّمْعُ أَيْضًا.
“سَلْمَى، ابْنَتِي.”
جَلَسَتْ إِلَى جَانِبِ سَرِيرِهِ، وَأَمْسَكَتْ يَدَهُ، الْيَدَ الَّتِي حَمَلَتْهَا طِفْلَةً، وَوَدَّعَتْهَا امْرَأَةً رَاحِلَةً، وَالْآنَ تَعُودُ إِلَيْهَا امْرَأَةً أُخْرَى تَمَامًا.
“كَيْفَ حَالُكَ، أَبِي؟”
“أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ الْآنَ، وَأَنْتُمَا هُنَا، أَنْتِ وَمَيْسَاءُ. أَشْعُرُ أَنَّ قُوَّةً عَادَتْ إِلَيَّ لَمْ أَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى أُخْتِهَا، ثُمَّ إِلَى أَبِيهَا، وَشَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُتَأَكِّدَةً، قَبْلَ أَسَابِيعَ، أَنَّهَا سَتَحْدُثُ أَصْلًا.
قَالَ الْأَبُ، بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ:
“سَلْمَى، مَيْسَاءُ أَخْبَرَتْنِي أَنَّكُمَا تَحَدَّثْتُمَا كَثِيرًا فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ نَتَحَدَّثْ عَنْهَا مِنْ قَبْلُ كَعَائِلَةٍ.”
“نَعَمْ، أَبِي. تَحَدَّثْنَا عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، عَنْ عَمَّتِي، وَعَنْ خَوْفِكَ، وَعَنِ اخْتِيَارَاتِنَا نَحْنُ، أَنَا وَمَيْسَاءُ، وَكَيْفَ تَشَكَّلَتْ مِنْ مِيرَاثِكَ.”
“أَعْرِفُ. وَأُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكُمَا شَيْئًا، أَنْتُمَا الِاثْنَتَانِ مَعًا، الْآنَ، وَأَنَا وَاعٍ تَمَامًا، قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَانِي إِلَى غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ غَدًا.”
جَلَسَتْ مَيْسَاءُ إِلَى جَانِبِ سَلْمَى، وَأَمْسَكَتَا يَدَيْ أَبِيهِمَا مَعًا.
“أَحْبَبْتُكُمَا دَائِمًا، رَغْمَ كُلِّ أَخْطَائِي. أَخْطَأْتُ حِينَ مَنَعْتُكِ، يَا سَلْمَى، مِنَ السَّفَرِ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَشْرَحَ لَكِ السَّبَبَ. وَأَخْطَأْتُ حِينَ رَفَضْتُ، يَا مَيْسَاءُ، اخْتِيَارَاتِكِ فِي الْحَيَاةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أُحَاوِلَ فَهْمَهَا حَقًّا. كُنْتُ خَائِفًا، طَوَالَ حَيَاتِي، مِنْ أَنْ أَفْقِدَكُمَا كَمَا فَقَدْتُ أُخْتِي، وَحَوَّلْتُ هَذَا الْخَوْفَ إِلَى قُيُودٍ ظَنَنْتُ أَنَّهَا حِمَايَةٌ.”
بَكَتْ مَيْسَاءُ، وَقَالَتْ:
“أَبِي، لَمْ أَعُدْ غَاضِبَةً مِنْكَ. فَهِمْتُ، أَخِيرًا، مِنْ أَيْنَ أَتَى خَوْفُكَ، وَهَذَا يَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ مُخْتَلِفًا.”
“لَكِنَّ الْفَهْمَ لَا يَمْحُو الْأَثَرَ، يَا ابْنَتِي. أَعْرِفُ أَنَّ قَرَارَاتِي أَثَّرَتْ فِيكُمَا، بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. أَنْتِ، سَلْمَى، تَسَرَّعْتِ فِي الزَّوَاجِ بَحْثًا عَنْ أَمَانٍ لَمْ تَجِدِيهِ بِسَبَبِ خَوْفِي أَنَا. وَأَنْتِ، مَيْسَاءُ، رَفَضْتِ كُلَّ قَيْدٍ حَتَّى الْقَيْدَ الْجَمِيلَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سِجْنٍ كَالَّذِي عِشْتِهِ فِي بَيْتِنَا.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى أَبِيهَا بِدَهْشَةٍ، إِذْ فَاجَأَهَا عُمْقُ فَهْمِهِ لِتَأْثِيرِهِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَا لَمْ تَتَوَقَّعْهُ مِنْهُ.
“أَبِي، كَيْفَ تَوَصَّلْتَ إِلَى هَذَا الْفَهْمِ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ؟”
ابْتَسَمَ الْأَبُ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً.
“حِينَ يَقْتَرِبُ الْمَرْءُ مِنْ نِهَايَةِ حَيَاتِهِ، سَلْمَى، يَرَى الْأُمُورَ بِوُضُوحٍ لَمْ يَرَهُ طَوَالَ عُمُرِهِ. رَأَيْتُ، فِي هَذِهِ الْأَسَابِيعِ، كُلَّ قَرَارَاتِي، وَأَثَرَهَا فِيكُمَا، بِوُضُوحٍ مُؤْلِمٍ لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ. أَتَمَنَّى فَقَطْ أَنْ أَكُونَ قَدْ وَصَلْتُ إِلَى هَذَا الْفَهْمِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِتَصْحِيحِ مَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ، لَا بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ تَمَامًا.”
“لَمْ يَفُتِ الْأَوَانُ، أَبِي. نَحْنُ هُنَا، وَالْآنَ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَبْنِيَ شَيْئًا جَدِيدًا مِنْ هَذَا الْفَهْمِ.”
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ نَامَتْ مَيْسَاءُ فِي غُرْفَةِ الِانْتِظَارِ، بَقِيَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا مَعَ أَبِيهَا، فِي هُدُوءِ الْمَشْفَى اللَّيْلِيِّ.
“أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ أَيْضًا: أَنَا وَزَوْجِي، يُوسُفُ، اكْتَشَفْنَا، نَحْنُ أَيْضًا، مِيرَاثَنَا الْخَاصَّ مِنَ الْخَوْفِ، وَبَدَأْنَا نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَهُ بِوَعْيٍ، لَا بِصَمْتٍ. اِبْنَتُنَا لِينَا تُرَاقِبُنَا، وَتَتَعَلَّمُ مِنَّا، وَأَتَمَنَّى أَنْ تَتَعَلَّمَ دَرْسًا مُخْتَلِفًا عَمَّا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا مِنْكَ، لَيْسَ لِأَنَّكَ أَخْطَأْتَ بِالْكَامِلِ، بَلْ لِأَنَّنَا، كُلَّ جِيلٍ، نَبْنِي عَلَى مَا تَعَلَّمْنَاهُ، وَنُصَحِّحُ مَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ.”
أَصْغَى الْأَبُ بِانْتِبَاهٍ، وَقَالَ:
“أَفْتَخِرُ بِكِ، يَا سَلْمَى، لِأَنَّكِ لَمْ تَكْتَفِي بِحَمْلِ الْمِيرَاثِ، بَلِ اخْتَرْتِ أَنْ تَفْهَمِيهِ وَتُغَيِّرِي مَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ. هَذَا أَعْظَمُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيُّ إِنْسَانٍ بِمَا وَرِثَهُ.”
وَقَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ سَلْمَى الْمَشْفَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لِتَعُودَ إِلَى بَيْتِ أَهْلِهَا الْقَدِيمِ لِبِضْعِ سَاعَاتٍ مِنَ النَّوْمِ، تَوَقَّفَتْ عِنْدَ الْبَابِ، وَنَظَرَتْ إِلَى أَبِيهَا.
“أَبِي، غَدًا، قَبْلَ الْعَمَلِيَّةِ، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا وَاحِدًا: مَهْمَا حَدَثَ، أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ، لَا لِأَنَّكَ كُنْتَ مِثَالِيًّا، بَلْ لِأَنَّكَ، فِي نِهَايَةِ حَيَاتِكَ، وَجَدْتَ الشَّجَاعَةَ لِتَكُونَ صَادِقًا مَعَنَا. هَذِهِ أَعْظَمُ هَدِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدِّمَهَا أَبٌ لِابْنَتَيْهِ.”
ابْتَسَمَ الْأَبُ، وَدُمُوعُهُ تَنْهَمِرُ بِصَمْتٍ.
“وَأَنْتِ، يَا سَلْمَى، أَعْظَمُ هَدِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحْصُلَ عَلَيْهَا أَيُّ رُوحٍ مُسَافِرَةٍ بَعِيدًا: أَنْ تَعُودَ إِلَى وَطَنِهَا، لَا لِتَبْحَثَ عَنْ نَفْسِهَا الْقَدِيمَةِ، بَلْ لِتُرِيَ نَفْسَهَا الْجَدِيدَةَ لِمَنْ أَحَبَّتْهُ أَوَّلًا.”
خَرَجَتْ سَلْمَى مِنَ الْمَشْفَى، وَاللَّيْلُ يَلُفُّ الْمَدِينَةَ الَّتِي وُلِدَتْ فِيهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، لَا تَحْمِلُ مَعَهَا حَقِيبَةً وَاحِدَةً تَهْرُبُ بِهَا مِنْ شَيْءٍ، بَلْ قَلْبًا مَفْتُوحًا، جَاءَ لِيُصَالِحَ كُلَّ مَا تَرَكَتْهُ خَلْفَهَا، وَلِيَعُودَ، مَهْمَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ، إِنْسَانًا أَكْثَرَ اكْتِمَالًا مِمَّا كَانَ.
سَارَتْ فِي الشَّارِعِ الْقَرِيبِ مِنَ الْمَشْفَى، تَتَأَمَّلُ أَضْوَاءَ الْمَدِينَةِ اللَّيْلِيَّةَ، وَتَذَكَّرَتْ، مِنْ غَيْرِ سَابِقِ إِنْذَارٍ، مَشَاهِدَ مُتَنَاثِرَةً مِنْ طُفُولَتِهَا فِي هَذِهِ الْأَزِقَّةِ نَفْسِهَا: صَوْتُ الْبَاعَةِ الْمُتَجَوِّلِينَ فِي الصَّبَاحِ، وَرَائِحَةُ الْخُبْزِ الطَّازِجِ مِنَ الْفُرْنِ الْقَرِيبِ مِنْ بَيْتِهِمُ الْقَدِيمِ، وَأَصْوَاتُ ضَحَكَاتِ صَدِيقَاتِهَا فِي الْحَيِّ وَهُنَّ يَلْعَبْنَ حَتَّى الْمَغْرِبِ. شَعَرَتْ أَنَّ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ، الَّتِي ظَنَّتْ طَوَالَ سَنَوَاتِ الْغُرْبَةِ أَنَّهَا فَقَدَتْهَا إِلَى الْأَبَدِ، مَا زَالَتْ حَيَّةً بِدَاخِلِهَا، تَنْتَظِرُ فَقَطْ لَحْظَةَ الْعَوْدَةِ لِتَطْفُوَ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى السَّطْحِ، مَمْزُوجَةً الْآنَ بِطَبَقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الْفَهْمِ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُهَا حِينَ غَادَرَتْ.
اَلْفَصْلُ الْعِشْرُونَ
فِي السَّادِسَةِ صَبَاحًا، دَخَلَ الْمُمَرِّضُونَ غُرْفَةَ الْأَبِ لِيَنْقُلُوهُ إِلَى غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ. وَقَفَتْ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ عِنْدَ الْبَابِ، تُحَاوِلَانِ أَنْ تَبْدُوَا هَادِئَتَيْنِ مِنْ أَجْلِهِ، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَيْهِمَا كَانَا يَخْفِقَانِ بِقُوَّةٍ.
لَمْ تَنَمْ سَلْمَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا سَاعَاتٍ قَلِيلَةً مُتَقَطِّعَةً، تَقَلَّبَتْ فِي فِرَاشِهَا الْقَدِيمِ فِي غُرْفَتِهَا الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ كَثِيرًا مُنْذُ رَحِيلِهَا، مُحَاطَةً بِذِكْرَيَاتٍ صَغِيرَةٍ تَنَاثَرَتْ عَلَى الرُّفُوفِ: كُتُبٌ مَدْرَسِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَصُورَةٌ لَهَا وَلِمَيْسَاءَ فِي طُفُولَتِهِمَا، وَدُمْيَةٌ صَغِيرَةٌ بَالِيَةٌ احْتَفَظَتْ بِهَا أُمُّهَا رَغْمَ مُرُورِ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ. شَعَرَتْ أَنَّ هَذِهِ الْغُرْفَةَ، رَغْمَ غِيَابِهَا الطَّوِيلِ عَنْهَا، ظَلَّتْ تَنْتَظِرُهَا، كَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ فِيهَا عِنْدَ اللَّحْظَةِ الَّتِي غَادَرَتْ فِيهَا، بَيْنَمَا اسْتَمَرَّتْ هِيَ فِي التَّغَيُّرِ خَارِجَهَا.
أَمْسَكَ الْأَبُ يَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يُنْقَلَ.
“لَا تَقْلَقَا، سَتَكُونُ الْأُمُورُ بِخَيْرٍ.”
“سَنَكُونُ هُنَا، أَبِي، نَنْتَظِرُكَ، مَهْمَا طَالَ الْوَقْتُ.”
فِي غُرْفَةِ الِانْتِظَارِ، جَلَسَتْ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ، إِلَى جَانِبِ أُمِّهِمَا الَّتِي وَصَلَتْ مِنْ بَيْتِهَا الْقَرِيبِ، وَحَوْلَهُنَّ أَقَارِبُ آخَرُونَ جَاؤُوا لِلِاطْمِئْنَانِ: عَمَّاتٌ، وَأَبْنَاءُ عُمُومَةٍ، وَجِيرَانٌ قُدَامَى عَرَفُوا الْخَبَرَ وَأَرَادُوا الْمُشَارَكَةَ، وَلَوْ بِحُضُورِهِمُ الصَّامِتِ.
اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِيُوسُفَ، الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَيْقَظَ بَاكِرًا فِي أَلْمَانِيَا خِصِّيصًا لِيَكُونَ مَعَهَا، وَلَوْ عَبْرَ الْهَاتِفِ، فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الْحَرِجَةِ.
“كَيْفَ حَالُكِ، سَلْمَى؟”
“خَائِفَةٌ، يُوسُفُ. أَخَافُ أَنْ أَفْقِدَهُ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْقُرْبِ الَّذِي بَنَيْنَاهُ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ.”
“سَأَبْقَى عَلَى الْخَطِّ مَعَكِ، إِنْ أَرَدْتِ، طَوَالَ فَتْرَةِ الِانْتِظَارِ. لَا تَشْعُرِي أَنَّكِ وَحْدَكِ.”
جَلَسَتْ سَلْمَى، وَالْهَاتِفُ مَفْتُوحٌ إِلَى جَانِبِهَا، بَيْنَمَا تَتَحَدَّثُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ مَعَ يُوسُفَ، وَمَعَ لِينَا الَّتِي اسْتَيْقَظَتْ أَيْضًا لِتَطْمَئِنَّ عَلَى جَدِّهَا.
“أُمِّي، هَلْ سَيَكُونُ جَدِّي بِخَيْرٍ؟”
“أَرْجُو ذَلِكَ، يَا حَبِيبَتِي. اَلْأَطِبَّاءُ وَاثِقُونَ، لَكِنَّ أَيَّةَ عَمَلِيَّةٍ تَحْمِلُ مَخَاطِرَ. سَنُصَلِّي، وَنَنْتَظِرُ.”
“أَنَا أُصَلِّي مِنْ هُنَا مَعَكِ، أُمِّي، رَغْمَ الْمَسَافَةِ.”
شَعَرَتْ سَلْمَى بِدِفْءٍ غَامِرٍ، رَغْمَ الْقَلَقِ، لِسَمَاعِ صَوْتِ ابْنَتِهَا يُشَارِكُهَا هَذِهِ اللَّحْظَةَ، وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ.
مَرَّتِ السَّاعَاتُ بِبُطْءٍ مُوجِعٍ. تَحَدَّثَتْ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ عَنْ ذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهِمَا، مُحَاوِلَتَيْنِ تَشْتِيتَ انْتِبَاهِهِمَا عَنِ الْقَلَقِ.
كَانَتْ غُرْفَةُ الِانْتِظَارِ تَعِجُّ بِحَرَكَةٍ هَادِئَةٍ: مُمَرِّضَاتٌ يَعْبُرْنَ بِخُطًى سَرِيعَةٍ، وَعَائِلَاتٌ أُخْرَى تَنْتَظِرُ أَخْبَارًا عَنْ مَرْضَاهَا، وَآلَةُ قَهْوَةٍ صَغِيرَةٌ فِي الزَّاوِيَةِ يَقْصِدُهَا الْجَمِيعُ بَحْثًا عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُشْغِلُ أَيْدِيَهُمُ الْمُرْتَجِفَةَ مِنَ الْقَلَقِ. لَاحَظَتْ سَلْمَى امْرَأَةً عَجُوزًا تَجْلِسُ وَحْدَهَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْغُرْفَةِ، تُمْسِكُ بِمِسْبَحَةٍ صَغِيرَةٍ، تُحَرِّكُ حَبَّاتِهَا بِصَمْتٍ مُتَوَاصِلٍ، وَتَسَاءَلَتْ عَنْ حِكَايَتِهَا، عَمَّنْ تَنْتَظِرُ، وَمَا الَّذِي يَدُورُ فِي دَاخِلِهَا مِنْ خَوْفٍ أَوْ أَمَلٍ. فَكَّرَتْ أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ، رَغْمَ اخْتِلَافِ حِكَايَاتِهِمْ، يَشْتَرِكُونَ جَمِيعًا فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا: اَلِانْتِظَارُ الْمُعَلَّقُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، يَنْتَظِرُونَ خَبَرًا يَقْلِبُ حَيَاتَهُمْ، إِمَّا نَحْوَ الْفَرَحِ أَوْ نَحْوَ حُزْنٍ لَا يُحْتَمَلُ.
“أَتَذْكُرِينَ، سَلْمَى، حِينَ كُنَّا نَلْعَبُ فِي هَذَا الشَّارِعِ الْقَرِيبِ مِنَ الْمَشْفَى، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَشْفَى أَصْلًا؟”
“أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا. كَانَ حَدِيقَةً صَغِيرَةً، وَكُنَّا نَلْعَبُ فِيهَا كُلَّ مَسَاءٍ بَعْدَ الْمَدْرَسَةِ.”
“يَبْدُو أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ، إِلَّا نَحْنُ، بِطَرِيقَةٍ مَا، مَا زِلْنَا نَحْمِلُ تِلْكَ الطُّفُولَةَ بِدَاخِلِنَا.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَأَمْسَكَتْ يَدَ أُخْتِهَا.
بَعْدَ خَمْسِ سَاعَاتٍ مِنَ الِانْتِظَارِ، خَرَجَ الْجَرَّاحُ مِنْ غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ، وَخَلَعَ قِنَاعَهُ، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ تَعْبِيرًا إِيجَابِيًّا اسْتَبْشَرَتْ بِهِ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ فَوْرًا.
“اَلْعَمَلِيَّةُ نَجَحَتْ. اَلْجَلْطَةُ أُزِيلَتْ بِنَجَاحٍ، وَلَا تُوجَدُ مُضَاعَفَاتٌ فَوْرِيَّةٌ. سَيَحْتَاجُ إِلَى مُرَاقَبَةٍ دَقِيقَةٍ فِي الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ، وَعِلَاجٍ طَبِيعِيٍّ لَاحِقًا لِاسْتِعَادَةِ بَعْضِ الْقُدُرَاتِ الْحَرَكِيَّةِ، لَكِنَّ التَّوَقُّعَاتِ جَيِّدَةٌ جِدًّا.”
انْهَارَتْ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ فِي بُكَاءٍ مُخْتَلِطٍ بَيْنَ الرَّاحَةِ وَالِامْتِنَانِ، وَاحْتَضَنَتَا بَعْضَهُمَا بِقُوَّةٍ.
بَعْدَ سَاعَاتٍ، سُمِحَ لَهُمَا بِرُؤْيَتِهِ لِدَقَائِقَ قَصِيرَةٍ فِي غُرْفَةِ الْإِفَاقَةِ. كَانَ لَا يَزَالُ تَحْتَ تَأْثِيرِ التَّخْدِيرِ جُزْئِيًّا، لَكِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْهِ حِينَ سَمِعَ صَوْتَيْهِمَا.
“سَلْمَى… مَيْسَاءُ…”
“نَحْنُ هُنَا، أَبِي. اَلْعَمَلِيَّةُ نَجَحَتْ، أَنْتَ بِخَيْرٍ.”
ابْتَسَمَ بِصُعُوبَةٍ، وَأَمْسَكَ يَدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ:
“أُحِبُّكُمَا.”
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، الْبَسِيطَةُ وَالْمُبَاشِرَةُ، أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ خِطَابٍ طَوِيلٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ، وَشَعَرَتْ سَلْمَى أَنَّهَا، بَعْدَ كُلِّ سَنَوَاتِ الصَّمْتِ، تَسْمَعُهَا أَخِيرًا بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ.
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ وَضْعُ الْأَبِ فِي غُرْفَتِهِ، وَاطْمَأَنَّتْ سَلْمَى وَمَيْسَاءُ عَلَيْهِ، خَرَجَتَا إِلَى مَمَرِّ الْمَشْفَى، مُنْهَكَتَيْنِ لَكِنْ مُرْتَاحَتَيْنِ.
قَالَتْ مَيْسَاءُ:
“سَلْمَى، أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ، رَغْمَ كُلِّ خَوْفِهِ، كَانَ أَيْضًا يَوْمًا جَمِيلًا، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ. سَمِعْنَا أَبِي يَقُولُ ‘أُحِبُّكُمَا’ بِوُضُوحٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.”
“صَحِيحٌ. أَظُنُّ أَنَّ الْأَزَمَاتِ، رَغْمَ قَسْوَتِهَا، تَكْشِفُ أَحْيَانًا عَنْ أَشْيَاءَ كَانَتْ مُخَبَّأَةً طَوِيلًا، وَتَمْنَحُنَا فُرْصَةً لِقَوْلِهَا، أَوْ سَمَاعِهَا، قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.”
اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِيُوسُفَ مَرَّةً أَخِيرَةً تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لِتُخْبِرَهُ بِالْخَبَرِ السَّارِّ.
“يُوسُفُ، نَجَحَتِ الْعَمَلِيَّةُ. أَبِي بِخَيْرٍ.”
سَمِعَتْ صَوْتَ يُوسُفَ يَرْتَجِفُ مِنَ الْفَرَحِ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ.
“اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، سَلْمَى. أَنَا سَعِيدٌ جِدًّا مِنْ أَجْلِكِ، وَمِنْ أَجْلِهِ.”
“شُكْرًا لِبَقَائِكَ مَعِي طَوَالَ الْيَوْمِ، وَلَوْ عَبْرَ الْهَاتِفِ. لَمْ أَشْعُرْ أَنِّي وَحْدِي لِلَحْظَةٍ.”
“لَنْ تَكُونِي وَحْدَكِ أَبَدًا، سَلْمَى، لَا فِي الْأَفْرَاحِ وَلَا فِي الْمَخَاوِفِ. هَذَا وَعْدِي لَكِ، مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا.”
قَبْلَ أَنْ تَنَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فِي غُرْفَتِهَا الْقَدِيمَةِ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا، كَتَبَتْ سَلْمَى فِي دَفْتَرِهَا:
“اَلْيَوْمَ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الصَّغِيرَةَ، مِثْلَ كَلِمَةِ ‘أُحِبُّكُمَا’ مِنْ أَبٍ اعْتَادَ الصَّمْتَ، يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَقَ أَثَرًا مِنْ أَيِّ انْتِصَارٍ كَبِيرٍ. اَلْمِيرَاثُ الَّذِي حَمَلْتُهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي لَمْ يَكُنْ خَوْفًا فَقَطْ؛ كَانَ، أَيْضًا، حُبًّا صَامِتًا انْتَظَرَ طَوِيلًا فُرْصَتَهُ لِيُقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ. اَلْيَوْمَ، سَمِعْتُهُ أَخِيرًا، وَأَعْرِفُ أَنِّي، مِنَ الْآنَ، سَأَحْمِلُ هَذَا الْحُبَّ، لَا الْخَوْفَ وَحْدَهُ، إِلَى بَيْتِي، إِلَى يُوسُفَ، إِلَى لِينَا، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حَتَّى يُصْبِحَ الْحُبُّ الْمُعْلَنُ هُوَ الْمِيرَاثَ الَّذِي نُوَرِّثُهُ، لَا الْخَوْفَ الْمَكْتُومَ.”
اَلْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ قِرَاءَةِ مِلَفَّاتٍ لَا تَنْتَهِي، حِكَايَاتِ مُلُوكٍ وَقَادَةٍ وَمُصْلِحِينَ، جَلَسَ سَامِي، أَمِينُ الْأَرْشِيفِ، فِي مَكْتَبِهِ الْهَادِئِ، وَشَعَرَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، بِرَغْبَةٍ فِي أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ سُؤَالًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ: مَنْ أَنَا، أَنَا أَيْضًا، فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْكُبْرَى الَّتِي أَقْرَأُ فُصُولَهَا كُلَّ يَوْمٍ؟
كَانَ سَامِي رَجُلًا فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ، يَعِيشُ وَحْدَهُ فِي شَقَّةٍ صَغِيرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْأَرْشِيفِ، وَيَقْضِي مُعْظَمَ وَقْتِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْجُدْرَانِ الْمَلِيئَةِ بِحِكَايَاتِ الْآخَرِينَ. لَطَالَمَا ظَنَّ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُهُ الْحُرُّ: أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَى قِصَصِ الْعَالَمِ، بَدَلَ أَنْ يَخُوضَ قِصَّتَهُ الْخَاصَّةَ.
كَانَ زُمَلَاؤُهُ الْقَلَائِلُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ عَبْرَ السِّنِينَ يَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ “رَجُلٌ هَادِئٌ وَغَامِضٌ بَعْضَ الشَّيْءِ”، يَحْضُرُ الْمُنَاسَبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ نَادِرًا، وَيُفَضِّلُ دَائِمًا الْعَوْدَةَ سَرِيعًا إِلَى عَالَمِهِ الْخَاصِّ بَيْنَ الرُّفُوفِ وَالْمَلَفَّاتِ. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ بِعُمْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسُهُ، حَتَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَدْ أَعْطَى لِنَفْسِهِ فُرْصَةَ أَنْ يَتَأَمَّلَ هَذِهِ الْحَيَاةَ بِصِدْقٍ كَافٍ لِيَرَى الْأَنْمَاطَ الْمُتَكَرِّرَةَ فِيهَا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ الْأَرْشِيفَ، جَلَسَ فِي شَقَّتِهِ، أَمَامَ دَفْتَرِهِ الشَّخْصِيِّ، الَّذِي بَدَأَ يَمْلَؤُهُ بِمُلَاحَظَاتِهِ عَنِ الْمَلَفَّاتِ، وَكَتَبَ سُؤَالًا لَمْ يَكْتُبْهُ مِنْ قَبْلُ:
“لِمَاذَا اخْتَرْتُ أَنْ أَعِيشَ وَحْدِي، بَيْنَ مَلَفَّاتِ الْآخَرِينَ، بَدَلَ أَنْ أَعِيشَ حَيَاتِي أَنَا؟”
فَكَّرَ طَوِيلًا، وَتَذَكَّرَ أُمَّهُ، الَّتِي رَفَضَتْ زَوَاجَهُ الْوَحِيدَ مِنِ امْرَأَةٍ أَحَبَّهَا فِي شَبَابِهِ، بِحُجَّةِ أَنَّهَا “مِنْ عَائِلَةٍ غَيْرِ مُنَاسِبَةٍ”، وَتَذَكَّرَ كَيْفَ اسْتَسْلَمَ هُوَ لِرَأْيِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاوِمَ بِمَا يَكْفِي، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْهَمَ، حِينَهَا، أَنَّ اسْتِسْلَامَهُ كَانَ اخْتِيَارًا هُوَ أَيْضًا، لَا قَدَرًا مَحْتُومًا.
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“ظَنَنْتُ، طَوَالَ سَنَوَاتٍ، أَنِّي ضَحِيَّةُ قَرَارِ أُمِّي، وَأَنَّ حَيَاتِي الْوَحِيدَةَ هَذِهِ فُرِضَتْ عَلَيَّ. لَكِنِّي، وَأَنَا أَقْرَأُ كُلَّ هَذِهِ الْمَلَفَّاتِ عَنْ مُلُوكٍ وَقَادَةٍ وَمُصْلِحِينَ، يُوَاجِهُونَ النَّتِيجَةَ نَفْسَهَا لِأَخْطَائِهِمْ، أُدْرِكُ الْآنَ أَنِّي، أَنَا أَيْضًا، اخْتَرْتُ، بِصَمْتِي وَقْتَهَا، أَنْ أَسْتَسْلِمَ لِرَأْيِ أُمِّي، بَدَلَ أَنْ أُقَاتِلَ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْبَبْتُ. لَمْ أَكُنْ ضَحِيَّةَ الْقَرَارِ وَحْدَهُ؛ كُنْتُ شَرِيكًا فِي صِنَاعَتِهِ، حِينَ اخْتَرْتُ الصَّمْتَ بَدَلَ الْمُوَاجَهَةِ.”
تَوَقَّفَ عَنِ الْكِتَابَةِ، وَشَعَرَ بِثِقْلِ هَذَا الِاعْتِرَافِ، الَّذِي حَمَلَهُ بِصَمْتٍ عِشْرِينَ عَامًا.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَصَلَ مِلَفٌّ جَدِيدٌ إِلَى مَكْتَبِهِ، لَكِنَّهُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ يَكُنْ مِلَفًّا تَارِيخِيًّا قَدِيمًا، بَلْ رِسَالَةً حَدِيثَةً، مُرْسَلَةً مِنْ سَلْمَى، الشَّخْصِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ الَّتِي بَدَأَ سَامِي يُتَابِعُ قِصَّتَهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ تَصِلُهُ تَفَاصِيلُ حَيَاتِهَا بِالضَّبْطِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ الْغَرِيبَ يَجْمَعُ كُلَّ الْحِكَايَاتِ، الْقَدِيمَةَ وَالْحَدِيثَةَ، فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَزْمِنَةِ.
قَرَأَ سَامِي سَطْرًا كَتَبَتْهُ سَلْمَى، فِي دَفْتَرِهَا الْخَاصِّ، بَعْدَ نَجَاحِ عَمَلِيَّةِ أَبِيهَا:
“تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ الصَّغِيرَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَقَ أَثَرًا مِنْ أَيِّ انْتِصَارٍ كَبِيرٍ.”
فَكَّرَ سَامِي فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ طَوِيلًا، وَقَارَنَهَا بِحَيَاتِهِ الْخَاصَّةِ: كُلُّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، ظَنَّ أَنَّ عَمَلَهُ فِي الْأَرْشِيفِ، وَحِفْظَهُ لِحِكَايَاتِ الْآخَرِينَ، كَانَ مُهِمَّتَهُ الْكُبْرَى، بَدِيلًا كَافِيًا عَنْ حَيَاةٍ شَخْصِيَّةٍ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى بِنَائِهَا. لَكِنَّهُ، الْآنَ، بَدَأَ يَتَسَاءَلُ: هَلْ كَانَ هَذَا اخْتِيَارًا حَقِيقِيًّا، أَمْ هُرُوبًا مُقَنَّعًا بِثَوْبِ الْوَاجِبِ، تَمَامًا كَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ فَارِسٌ حِينَ أَصْلَحَ الْمَدِينَةَ وَنَسِيَ شَارِعَهُ؟
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ، فِي خُلَاصَةٍ خَتَمَ بِهَا هَذَا الْفَصْلَ مِنْ تَأَمُّلَاتِهِ:
“رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنْ قِرَاءَةِ حِكَايَاتِ الْآخَرِينَ، أَنْ أَكْتُبَ حِكَايَتِي أَنَا. رُبَّمَا لَسْتُ وَحِيدًا لِأَنَّ الْقَدَرَ فَرَضَ عَلَيَّ هَذَا، بَلْ لِأَنِّي اخْتَرْتُ، مِنْ غَيْرِ وَعْيٍ كَامِلٍ، أَنْ أَخْتَبِئَ خَلْفَ حِكَايَاتِ الْآخَرِينَ، هُرُوبًا مِنْ مُوَاجَهَةِ فَرَاغِي الْخَاصِّ. اَلْيَوْمَ، أُقَرِّرُ أَنْ أَبْدَأَ بِخُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ: سَأَتَّصِلُ بِهَا، تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي الْتَقَيْتُهَا فِي الْمَكْتَبَةِ الْعَامَّةِ الشَّهْرَ الْمَاضِيَ، وَالَّتِي طَلَبَتْ رَقْمَ هَاتِفِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَجْرُؤَ عَلَى الِاتِّصَالِ بِهَا مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ.”
فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يُرَتِّبُ آخِرَ الْمَلَفَّاتِ قَبْلَ إِغْلَاقِ الْأَرْشِيفِ، تَوَقَّفَ سَامِي أَمَامَ الْمِرْآةِ الصَّغِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ قُرْبَ الْبَابِ، وَنَظَرَ إِلَى انْعِكَاسِهِ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَرَى، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، اَلرَّجُلَ الَّذِي يَقِفُ خَلْفَ كُلِّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي جَمَعَهَا وَدَرَسَهَا وَتَعَلَّمَ مِنْهَا.
فَكَّرَ: “كُلُّ شَخْصِيَّةٍ قَرَأْتُ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْمَلَفَّاتِ، مِنَ الْفَاتِحِ بَاسِيلَ إِلَى الشَّيْخِ فَارِسٍ، ظَنَّتْ أَنَّهَا تُسَيْطِرُ عَلَى مَصِيرِهَا بِالْكَامِلِ، أَوْ أَنَّهَا ضَحِيَّتُهُ بِالْكَامِلِ، حَتَّى اكْتَشَفَتْ، مُتَأَخِّرَةً غَالِبًا، أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَعْقَدُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّنَا شُرَكَاءُ فِي صِنَاعَةِ مَعْنَى مَا يَحْدُثُ لَنَا، لَا صُنَّاعُهُ الْمُطْلَقُونَ وَلَا ضَحَايَاهُ الْكَامِلُونَ. وَأَنَا، أَمِينُ هَذَا الْأَرْشِيفِ الْغَرِيبِ، لَسْتُ اسْتِثْنَاءً مِنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، مَهْمَا ظَنَنْتُ طَوِيلًا أَنِّي مُجَرَّدُ مُرَاقِبٍ مِنْ بَعِيدٍ.”
أَطْفَأَ الْأَنْوَارَ، وَخَرَجَ مِنَ الْأَرْشِيفِ بِخُطًى أَخَفَّ مِنَ الْمُعْتَادِ، يَحْمِلُ فِي جَيْبِهِ رَقْمَ هَاتِفٍ صَغِيرًا، وَرَقَةً كَتَبَ عَلَيْهَا اسْمًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الِاتِّصَالِ بِهِ مُنْذُ شَهْرٍ، وَقَرَّرَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، أَلَّا يَتْرُكَ هَذَا الِاخْتِيَارَ لِلصَّمْتِ وَحْدَهُ.
سَارَ فِي الشَّارِعِ الْهَادِئِ بِاتِّجَاهِ شَقَّتِهِ، وَالْهَوَاءُ الْبَارِدُ يُلَامِسُ وَجْهَهُ، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْخِفَّةَ الَّتِي وَصَفَهَا لَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ، كُلُّ مَنْ قَرَأَ عَنِ اعْتِرَافِهِمُ الْمُتَأَخِّرِ فِي تِلْكَ الْمَلَفَّاتِ: خِفَّةُ الِاعْتِرَافِ، خِفَّةُ التَّوَقُّفِ عَنْ حَمْلِ سِرٍّ وَحِيدًا. أَخْرَجَ هَاتِفَهُ مِنْ جَيْبِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الرَّقْمِ طَوِيلًا، وَتَرَدَّدَ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى زِرِّ الِاتِّصَالِ قَبْلَ أَنْ يَمْنَحَ الْعَقْلَ فُرْصَةً أُخْرَى لِلتَّرَاجُعِ.
رَنَّ الْهَاتِفُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَجَابَ صَوْتُ امْرَأَةٍ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ: “مَرْحَبًا؟”
ابْتَسَمَ سَامِي، وَشَعَرَ بِقَلْبِهِ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَقَالَ، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ لَكِنَّهُ صَادِقٌ: “مَرْحَبًا، أَنَا سَامِي، اِلْتَقَيْنَا فِي الْمَكْتَبَةِ الْعَامَّةِ الشَّهْرَ الْمَاضِيَ. أَعْتَذِرُ عَنِ التَّأَخُّرِ فِي الِاتِّصَالِ، لَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ إِنِّي كُنْتُ أُفَكِّرُ فِيكِ كَثِيرًا.”
