الْمِيرَاثُ
اَلْجُزْءُ الثَّالِثُ
اَلْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنْ عَوْدَةِ سَلْمَى مِنْ زِيَارَتِهَا لِأَبِيهَا، بِحَالٍ يَزْدَادُ تَحَسُّنًا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، قَرَّرَتِ الْعَائِلَةُ أَنْ تَحْتَفِلَ بِعَوْدَتِهَا وَبِتَعَافِي الْأَبِ مَعًا، بِعَشَاءٍ جَمَعَتْ إِلَيْهِ أَقْرَبَ الْأَصْدِقَاءِ: يُوسُفَ وَلِينَا بِالطَّبْعِ، وَنَجَاةَ، وَكَرِيمًا وَسُهَى، وَرِيمَ.
كَانَتْ سَلْمَى قَدْ عَادَتْ مِنْ رِحْلَتِهَا بِشُعُورٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ الَّذِي غَادَرَتْ بِهِ: أَخَفَّ، أَكْثَرَ سَلَامًا مَعَ نَفْسِهَا وَمَعَ مَاضِيهَا، تَحْمِلُ مَعَهَا صُوَرًا كَثِيرَةً مِنْ أَيَّامِهَا مَعَ أَبِيهَا وَأُخْتِهَا، وَقِصَصًا سَتَحْكِيهَا لِأَشْهُرٍ قَادِمَةٍ. أَعَدَّتْ هَذَا الْعَشَاءَ بِنَفْسِهَا، طَبَقًا تِلْوَ الْآخَرِ، وَشَعَرَتْ بِمُتْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي هَذَا الْإِعْدَادِ، لَا كَوَاجِبٍ ثَقِيلٍ كَمَا كَانَتْ تَشْعُرُ أَحْيَانًا فِي الْمَاضِي، بَلْ كَاحْتِفَالٍ صَادِقٍ بِرِحْلَةٍ أَنْهَتْهَا بِقَلْبٍ أَخَفَّ.
كَانَتِ الْمَائِدَةُ مَلِيئَةً بِالْفَرَحِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا بِالصَّمْتِ الثَّقِيلِ الَّذِي عَرَفَتْهُ فِي الْفُصُولِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ. ضَحَكَاتٌ مُتَبَادَلَةٌ، وَحِكَايَاتٌ عَنِ السَّفَرِ، وَخُطَطٌ لِمَشْرُوعِ سُهَى الْجَدِيدِ الَّذِي بَدَأَ يَأْخُذُ شَكْلًا حَقِيقِيًّا.
فِي مُنْتَصَفِ الْعَشَاءِ، وَصَلَتْ رِيمُ مُتَأَخِّرَةً، وَوَجْهُهَا يَحْمِلُ شُحُوبًا لَمْ تَعْتَدْهُ سَلْمَى فِيهَا.
“رِيمُ، تَأَخَّرْتِ، كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟”
جَلَسَتْ رِيمُ بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ:
“رَامِي أَخْبَرَنِي الْيَوْمَ أَنَّهُ قَبِلَ عَرْضَ عَمَلٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، بَعِيدٍ جِدًّا، وَأَنَّهُ وَقَّعَ الْعَقْدَ بِالْفِعْلِ، قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَنِي حَتَّى.”
سَادَ الْمَائِدَةَ صَمْتٌ مُفَاجِئٌ، وَتَوَقَّفَتْ كُلُّ الْأَحَادِيثِ الْجَانِبِيَّةِ.
“مَاذَا تَقْصِدِينَ، رِيمُ؟ وَقَّعَ الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَشِيرَكِ؟”
“نَعَمْ، سَلْمَى. جَاءَ إِلَيَّ الْيَوْمَ، بَعْدَ الْعَمَلِ، وَقَالَ: ‘لَدَيَّ خَبَرٌ رَائِعٌ، سَنَنْتَقِلُ إِلَى الْخَارِجِ خِلَالَ شَهْرَيْنِ’. سَأَلْتُهُ: ‘هَلِ اسْتَشَرْتَ أَحَدًا فِي هَذَا الْقَرَارِ؟’ فَقَالَ: ‘إِنَّهَا فُرْصَةُ الْعُمْرِ، سَلْمَى، لَا وَقْتَ لِلتَّشَاوُرِ، كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُقَرِّرَ بِسُرْعَةٍ’.”
اِنْفَجَرَتْ رِيمُ فِي الْبُكَاءِ، وَأَمْسَكَتْ سَلْمَى يَدَهَا فَوْرًا.
“وَمَاذَا عَنْ عَمَلِكِ أَنْتِ، رِيمُ؟ عَنْ حَيَاتِكِ هُنَا؟”
“لَمْ يَسْأَلْنِي، سَلْمَى. لَمْ يَسْأَلْنِي حَتَّى إِنْ كُنْتُ أُرِيدُ الِانْتِقَالَ أَصْلًا.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى كَرِيمٍ، وَتَذَكَّرَ حَدِيثَهُمَا الْقَدِيمَ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ نِيَابَةً عَمَّنْ نُحِبُّ، وَبَيْنَ مُشَارَكَتِهِمْ فِي اتِّخَاذِهَا.
قَالَ كَرِيمٌ، بِصَوْتٍ حَذِرٍ:
“رِيمُ، أَعْرِفُ رَامِيَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَأَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ الْأَذَى. رُبَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُ لَكِ وَلِأَوْلَادِكُمَا فُرْصَةً أَفْضَلَ.”
اعْتَرَضَتْ سُهَى فَوْرًا:
“كَرِيمُ، هَذَا بِالضَّبْطِ الْخَطَأُ الَّذِي كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ. اَلنِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ لَا تُبَرِّرُ اتِّخَاذَ قَرَارٍ مَصِيرِيٍّ مِنْ غَيْرِ اسْتِشَارَةِ الطَّرَفِ الْآخَرِ. رِيمُ لَهَا حَيَاةٌ، وَعَمَلٌ، وَأَصْدِقَاءُ، هُنَا. هَذَا لَيْسَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ بِحُجَّةِ ‘فُرْصَةِ الْعُمْرِ’.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى زَوْجَتِهِ، وَشَعَرَ بِفَخْرٍ يَمْتَزِجُ بِالْخَجَلِ مِنْ مَاضِيهِ الْقَرِيبِ.
“أَنْتِ مُحِقَّةٌ، سُهَى. تَذَكَّرْتُ لِلتَّوِّ كَمْ كَانَ صَعْبًا عَلَيَّ أَنْ أَفْهَمَ هَذَا الدَّرْسَ نَفْسَهُ مَعَكِ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ.”
اِلْتَفَتَتْ رِيمُ إِلَى الْجَمِيعِ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:
“لَا أَعْرِفُ مَاذَا أَفْعَلُ. أُحِبُّ رَامِيَ، لَكِنِّي أَشْعُرُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِهَذَا الْوُضُوحِ، أَنَّهُ اتَّخَذَ قَرَارًا يُغَيِّرُ حَيَاتِي بِالْكَامِلِ، وَكَأَنِّي تَفْصِيلٌ ثَانَوِيٌّ فِي خُطَّتِهِ، لَا شَرِيكَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِيهَا.”
قَالَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ:
“رِيمُ، أَتَذْكُرِينَ حِينَ سَأَلْتِنِي، مُنْذُ أَسَابِيعَ، إِنْ كُنْتُ سَعِيدَةً؟ أَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ لِتَسْأَلِي نَفْسَكِ السُّؤَالَ نَفْسَهُ، بِصِدْقٍ، بَعِيدًا عَنْ خَوْفِكِ مِنْ فُقْدَانِ الزَّوَاجِ أَوْ تَغْيِيرِ حَيَاتِكِ.”
“وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ أَنِّي لَسْتُ سَعِيدَةً، وَأَنِّي لَا أُرِيدُ الِانْتِقَالَ؟”
“عِنْدَهَا عَلَيْكِ أَنْ تُخْبِرِي رَامِيَ بِهَذَا بِوُضُوحٍ، لَا أَنْ تَتْبَعِيهِ صَامِتَةً كَمَا فَعَلْتِ طَوَالَ زَوَاجِكِ الْأَوَّلِ مَعَ تِلْكَ الِاخْتِيَارَاتِ الَّتِي لَمْ تَكُونِي تُرِيدِينَهَا.”
فِي نِهَايَةِ الْعَشَاءِ، بَعْدَ أَنْ هَدَأَتْ رِيمُ قَلِيلًا، جَلَسَتْ وَحْدَهَا مَعَ سَلْمَى فِي زَاوِيَةِ الصَّالَةِ.
“سَلْمَى، أَخَافُ أَنْ أُوَاجِهَ رَامِيَ بِصَرَاحَةٍ. أَخَافُ أَنْ يَنْهَارَ زَوَاجُنَا كُلِّيًّا إِنْ قُلْتُ لَهُ إِنِّي لَا أُرِيدُ الِانْتِقَالَ.”
“وَأَخَافُ أَنَا، رِيمُ، أَنْ يَسْتَمِرَّ زَوَاجُكِ عَلَى أَسَاسِ صَمْتِكِ، وَأَنْ تَشْعُرِي، بَعْدَ سَنَوَاتٍ، بِنَدَمٍ أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ مُوَاجَهَةٍ صَعْبَةٍ الْآنَ. تَذَكَّرِي مَا قُلْتِهِ لِي: أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الزَّوَاجِ الَّذِي نَبْنِيهِ بِاخْتِيَارٍ مُتَجَدِّدٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَالزَّوَاجِ الَّذِي نَسْتَسْلِمُ فِيهِ لِقَرَارَاتِ الْآخَرِ بِصَمْتٍ.”
فَكَّرَتْ رِيمُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“سَأَتَحَدَّثُ مَعَهُ غَدًا، بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ. لَا أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ سَيَقُودُنَا هَذَا الْحَدِيثُ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْمُتَ هَذِهِ الْمَرَّةَ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ أَنْ غَادَرَ الْجَمِيعُ، جَلَسَتْ سَلْمَى وَيُوسُفُ وَحْدَهُمَا، يُفَكِّرَانِ فِي مَا حَدَثَ.
قَالَ يُوسُفُ:
“أَتَعْرَفِينَ، سَلْمَى؟ مُنْذُ أَسَابِيعَ، كُنْتُ أَنَا مَنْ يَتَّخِذُ قَرَارَاتٍ كَهَذِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِشَارَتِكِ، وَهَا هِيَ رِيمُ تَعِيشُ الْأَمْرَ نَفْسَهُ مَعَ رَامِي. يَبْدُو أَنَّ هَذَا النَّمَطَ أَكْثَرُ انْتِشَارًا مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ.”
“صَحِيحٌ. وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْأَهَمُّ مِنْ هَذَا الْعَشَاءِ: أَنَّ الْحَدَثَ الَّذِي يَبْدُو مُفَاجِئًا لِرِيمَ، لَيْسَ مُفَاجِئًا فِي جَوْهَرِهِ؛ إِنَّهُ نَتِيجَةُ نَمَطٍ مُتَكَرِّرٍ مِنْ عَدَمِ الْإِصْغَاءِ، تَرَاكَمَ بِصَمْتٍ حَتَّى انْفَجَرَ عَلَى هَذِهِ الْمَائِدَةِ اللَّيْلَةَ.”
“وَمَاذَا سَيَحْدُثُ لِرِيمَ وَرَامِي، بِرَأْيِكِ؟”
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“لَا أَعْرِفُ، يُوسُفُ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الْحَدَثَ نَفْسَهُ، مَهْمَا كَانَتْ نَتِيجَتُهُ، سَيُصْبِحُ فُرْصَةً لِرِيمَ لِتُعِيدَ تَشْكِيلَ عَلَاقَتِهَا، أَوْ لِتُعِيدَ تَشْكِيلَ نَفْسِهَا بِمَعْزِلٍ عَنْهَا. اَلْمُهِمُّ لَيْسَ مَاذَا سَيُقَرِّرُ رَامِي، بَلْ مَاذَا سَتَخْتَارُ هِيَ أَنْ تَفْعَلَ بِهَذَا الْقَرَارِ، أَيًّا كَانَ.”
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِلَحْظَةٍ، يَسْتَمِعَانِ إِلَى هُدُوءِ الْبَيْتِ بَعْدَ رَحِيلِ الضُّيُوفِ، وَالْأَطْبَاقُ الْمُتَنَاثِرَةُ عَلَى الطَّاوِلَةِ لَا تَزَالُ تَحْمِلُ آثَارَ سَهْرَةٍ بَدَأَتْ بِفَرَحٍ خَالِصٍ وَانْتَهَتْ بِسُؤَالٍ ثَقِيلٍ مُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ. فَكَّرَتْ سَلْمَى فِي رِيمَ، وَفِي كُلِّ السَّنَوَاتِ الَّتِي عَرَفَتْهَا فِيهَا صَدِيقَةً قَوِيَّةً، تُسْدِي النُّصْحَ لِلْجَمِيعِ، ثُمَّ تَكْتَشِفُ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا بِحَاجَةٍ إِلَى النُّصْحِ الَّذِي طَالَمَا قَدَّمَتْهُ لِغَيْرِهَا. تَسَاءَلَتْ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ سُنَّةَ الْحَيَاةِ: أَنْ يَحْتَاجَ كُلُّ إِنْسَانٍ، مَهْمَا بَدَا حَكِيمًا وَقَوِيًّا أَمَامَ الْآخَرِينَ، إِلَى لَحْظَةٍ يَقِفُ فِيهَا أَمَامَ مِرْآتِهِ الْخَاصَّةِ، عَارِيًا مِنْ كُلِّ النَّصَائِحِ الَّتِي وَزَّعَهَا عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، لِيُوَاجِهَ سُؤَالَهُ هُوَ، بِصِدْقٍ لَا مَفَرَّ مِنْهُ.
اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، بَعْدَ أَنْ نَامَ الْأَطْفَالُ، جَلَسَتْ رِيمُ مَعَ رَامِي فِي الصَّالَةِ، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ بِقُوَّةٍ، تَسْتَجْمِعُ كُلَّ الشَّجَاعَةِ الَّتِي بَنَتْهَا خِلَالَ سَنَوَاتٍ مِنْ دَعْمِ الْآخَرِينَ، لِتَسْتَخْدِمَهَا أَخِيرًا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهَا.
كَانَتْ قَدْ أَمْضَتِ النَّهَارَ كُلَّهُ تَتَدَرَّبُ، فِي ذِهْنِهَا، عَلَى مَا سَتَقُولُهُ، تَحْذِفُ جُمَلًا تَبْدُو حَادَّةً أَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُ، وَتُضِيفُ أُخْرَى تَشْرَحُ مَشَاعِرَهَا بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ. شَعَرَتْ بِغَرَابَةِ هَذَا الِاسْتِعْدَادِ الطَّوِيلِ لِحَدِيثٍ مَعَ رَجُلٍ تَعْرِفُهُ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، لَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ هَذِهِ الْغَرَابَةَ نَفْسَهَا كَانَتْ دَلِيلًا عَلَى حَجْمِ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ بَيْنَهُمَا، صَامِتَةً، عَامًا بَعْدَ عَامٍ، حَتَّى بَدَا الْحَدِيثُ الصَّرِيحُ، الْيَوْمَ، وَكَأَنَّهُ مُوَاجَهَةُ غَرِيبٍ لَا زَوْجٍ.
“رَامِي، أُرِيدُ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ قَرَارِ الِانْتِقَالِ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا بِتَرَقُّبٍ، لَاحَظَ نَبْرَةَ صَوْتِهَا الْمُخْتَلِفَةَ عَنِ الْمُعْتَادِ.
“تَفَضَّلِي، رِيمُ. أَعْرِفُ أَنَّكِ مُنْزَعِجَةٌ.”
“لَسْتُ مُنْزَعِجَةً فَقَطْ، رَامِي. أَنَا مَصْدُومَةٌ أَنَّكَ اتَّخَذْتَ قَرَارًا بِهَذَا الْحَجْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَنِي رَأْيِي أَصْلًا. هَلْ فَكَّرْتَ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، أَنَّ لِي حَيَاةً هُنَا؟ عَمَلِي، أَصْدِقَائِي، حَتَّى أَنْتَ نَفْسَكَ، لَطَالَمَا كُنْتَ جُزْءًا مِنْ دَعْمِي لِهَذَا الْمَكَانِ.”
“رِيمُ، ظَنَنْتُ أَنَّكِ سَتَكُونِينَ سَعِيدَةً. إِنَّهَا فُرْصَةُ عَمَلٍ رَائِعَةٌ، وَرَاتِبٌ أَعْلَى بِكَثِيرٍ، وَمُسْتَقْبَلٌ أَفْضَلُ لِلْأَوْلَادِ.”
“مُسْتَقْبَلٌ أَفْضَلُ بِمَعَايِيرِ مَنْ، رَامِي؟ بِمَعَايِيرِكَ أَنْتَ وَحْدَكَ؟ لَمْ تَسْأَلْنِي يَوْمًا مَاذَا أُرِيدُ أَنَا لِمُسْتَقْبَلِي، لِمُسْتَقْبَلِ عَمَلِي الَّذِي بَنَيْتُهُ بِجُهْدٍ كَبِيرٍ هُنَا.”
تَوَقَّفَ رَامِي، وَبَدَا عَلَيْهِ ارْتِبَاكٌ حَقِيقِيٌّ.
“لَمْ أُفَكِّرْ بِالْأَمْرِ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، بِصَرَاحَةٍ. ظَنَنْتُ أَنَّ دَوْرِي كَزَوْجٍ هُوَ أَنْ أُوَفِّرَ الْأَفْضَلَ لِعَائِلَتِي، وَأَنَّ هَذَا يَعْنِي اتِّخَاذَ الْقَرَارَاتِ الْكُبْرَى بِسُرْعَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَفُوتَنَا الْفُرْصَةُ.”
“وَدَوْرِي أَنَا، إِذَنْ، مَاذَا يَكُونُ؟ أَنْ أَتْبَعَكَ بِصَمْتٍ، أَيْنَمَا قَرَّرْتَ؟”
جَلَسَ رَامِي صَامِتًا، يُفَكِّرُ فِي هَذَا السُّؤَالِ بِجِدِّيَّةٍ رُبَّمَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي زَوَاجِهِمَا.
“رِيمُ، أَعْتَذِرُ. لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أَجْعَلَكِ تَشْعُرِينَ بِهَذَا. أَظُنُّ أَنِّي، مِنْ غَيْرِ أَنْ أُدْرِكَ، كَرَّرْتُ طَرِيقَةَ أَبِي فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ: كَانَ يُقَرِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِمُفْرَدِهِ، وَيُعْلِنُ لِأُمِّي الْقَرَارَ وَكَأَنَّهُ أَمْرٌ وَاقِعٌ، وَكَانَتْ هِيَ تَتْبَعُ دَائِمًا، مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ.”
“وَهَلْ تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ زَوَاجُنَا نُسْخَةً مِنْ ذَلِكَ؟”
“لَا، بِالطَّبْعِ لَا. لَكِنِّي، عَلَى مَا يَبْدُو، لَا أَعْرِفُ طَرِيقَةً أُخْرَى لِلْقِيَادَةِ فِي الْعَائِلَةِ، سِوَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا مِنْ أَبِي.”
قَالَتْ رِيمُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا الْآنَ:
“رَامِي، اَلْقِيَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ بِمُفْرَدِكَ، بَلْ فِي بِنَاءِ الْقَرَارَاتِ مَعًا. أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ شَرِيكَتَكَ فِي هَذَا الْقَرَارِ، لَا تَابِعَةً لَهُ. أَخْبِرْنِي، بِصِدْقٍ: هَلْ مَا زَالَ بِالْإِمْكَانِ التَّرَاجُعُ عَنِ الْعَقْدِ، أَوْ تَعْدِيلُهُ لِيَمْنَحَنَا وَقْتًا لِمُنَاقَشَةِ الْأَمْرِ مَعًا؟”
“سَأَتَّصِلُ بِهِمْ غَدًا، وَأَسْأَلُ عَنْ إِمْكَانِيَّةِ تَأْجِيلِ الْقَرَارِ النِّهَائِيِّ أَسَابِيعَ قَلِيلَةً، لِنُنَاقِشَ الْأَمْرَ مَعًا بِجِدِّيَّةٍ، كَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ نَفْعَلَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.”
شَعَرَتْ رِيمُ بِارْتِيَاحٍ جُزْئِيٍّ، لَكِنَّهَا أَضَافَتْ:
“رَامِي، هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ. طَوَالَ سَنَوَاتِ زَوَاجِنَا، شَعَرْتُ أَنِّي اخْتَرْتُكَ لِأَنَّكَ كُنْتَ ‘اَلْخِيَارَ الْآمِنَ’ بَعْدَ أَنْ رَفَضَ أَهْلِي حُبِّي الْأَوَّلَ. لَمْ أُوَاجِهْكَ بِهَذَا مِنْ قَبْلُ، لِأَنِّي خِفْتُ أَنْ يَجْرَحَ هَذَا مَشَاعِرَكَ، أَوْ يُهَدِّدَ اسْتِقْرَارَنَا. لَكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ صَادِقَةً مَعَكَ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا تَحَدَّثْنَا عَنْهُ.”
نَظَرَ رَامِي إِلَيْهَا بِصَدْمَةٍ تَمْتَزِجُ بِأَلَمٍ وَاضِحٍ.
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ هَذَا، رِيمُ. هَلْ مَا زِلْتِ تُفَكِّرِينَ فِيهِ؟ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ؟”
فَكَّرَتْ رِيمُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ.
“لَا، رَامِي، لَا أُفَكِّرُ فِيهِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَتَخَيَّلُهَا. لَكِنِّي أُفَكِّرُ أَحْيَانًا فِي تِلْكَ الْفَتَاةِ الَّتِي كُنْتُهَا، الَّتِي لَمْ يُسْمَحْ لَهَا بِاخْتِيَارِ حَيَاتِهَا بِحُرِّيَّةٍ كَامِلَةٍ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا الشُّعُورَ بِالْحِرْمَانِ مِنَ الِاخْتِيَارِ الْحُرِّ، هُوَ مَا يَجْعَلُنِي حَسَّاسَةً جِدًّا الْآنَ تُجَاهَ قَرَارَاتِكَ الَّتِي تُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِ اسْتِشَارَتِي. اَلْأَمْرُ لَيْسَ عَنْكَ أَنْتَ شَخْصِيًّا بِقَدْرِ مَا هُوَ عَنْ جُرْحٍ قَدِيمٍ لَمْ يُشْفَ بِالْكَامِلِ.”
“أَتَفَهَّمُ هَذَا الْآنَ، رِيمُ. وَأَعِدُكِ أَنِّي سَأُحَاوِلُ، بِجِدِّيَّةٍ، أَنْ أُصْبِحَ شَرِيكًا حَقِيقِيًّا لَكِ فِي كُلِّ قَرَارٍ، لَا رَجُلًا يُقَرِّرُ ثُمَّ يُعْلِنُ. أُرِيدُ أَنْ نَبْنِيَ هَذَا الزَّوَاجَ مَعًا، لَا أَنْ تَعِيشِيهِ كَخِيَارٍ ثَانٍ فَرَضَتْهُ عَلَيْكِ الظُّرُوفُ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْعَاصِفَةُ قَلِيلًا، جَلَسَا مَعًا، أَقْرَبَ مِمَّا كَانَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، يُنَاقِشَانِ بِجِدِّيَّةٍ إِيجَابِيَّاتِ الِانْتِقَالِ وَسَلْبِيَّاتِهِ، هَذِهِ الْمَرَّةَ كَشَرِيكَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، لَا كَقَائِدٍ يَأْمُرُ وَتَابِعَةٍ تُنَفِّذُ.
اتَّصَلَتْ رِيمُ بِسَلْمَى قَبْلَ أَنْ تَنَامَ.
“سَلْمَى، تَحَدَّثْتُ مَعَ رَامِي بِصَرَاحَةٍ. لَمْ نَصِلْ إِلَى قَرَارٍ نِهَائِيٍّ بَعْدُ، لَكِنَّنَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، نَتَحَدَّثُ كَشَرِيكَيْنِ حَقِيقِيَّيْنِ، لَا كَزَوْجٍ يُقَرِّرُ وَزَوْجَةٍ تَتْبَعُ.”
“هَذَا أَهَمُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقَرَارِ النِّهَائِيِّ نَفْسِهِ، رِيمُ. أَظُنُّ أَنَّكُمَا، أَيًّا كَانَ قَرَارُكُمَا، سَتَتَّخِذَانِهِ الْآنَ بِوَعْيٍ وَمُشَارَكَةٍ حَقِيقِيَّيْنِ، لَا بِصَمْتٍ مُتَرَاكِمٍ كَمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ.”
“شُكْرًا لَكِ، سَلْمَى، عَلَى دَفْعِي لِمُوَاجَهَةِ هَذَا. لَمْ أَكُنْ لِأَجْرُؤَ لَوْلَا مِثَالُكِ أَنْتِ وَيُوسُفُ.”
“وَلَا أَنَا كُنْتُ لِأَجْرُؤَ لَوْلَا أَبِي، وَلَوْلَا كُلُّ مَنْ عَلَّمَنِي، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ دَائِمًا حِمَايَةً، بَلْ قَدْ يَكُونُ، أَحْيَانًا، أَكْبَرَ عَدُوٍّ لِسَعَادَتِنَا.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَتْ رِيمُ فِي غُرْفَتِهَا، تَتَأَمَّلُ السَّاعَاتِ الْقَلِيلَةَ الْمَاضِيَةَ بِامْتِنَانٍ يَمْتَزِجُ بِتَعَبٍ عَمِيقٍ. لَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ سَهْلًا، وَلَمْ تَنْتَهِ الْأَزْمَةُ كُلِّيًّا، فَمَا زَالَ قَرَارُ الِانْتِقَالِ مُعَلَّقًا، يَنْتَظِرُ مُنَاقَشَاتٍ أُخْرَى فِي الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ. لَكِنَّهَا شَعَرَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، أَنَّهَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ الْقَادِمَةَ مِنْ حَيَاتِهَا، أَيًّا كَانَتْ نَتِيجَتُهَا، بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، لَا بِصَمْتٍ مَكْتُومٍ كَمَا اعْتَادَتْ. نَظَرَتْ إِلَى انْعِكَاسِهَا فِي مِرْآةِ الْغُرْفَةِ، وَابْتَسَمَتْ لِنَفْسِهَا ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، شَاعِرَةً أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَيْهَا الْآنَ مُخْتَلِفَةٌ قَلِيلًا، وَلَوْ بِمِقْدَارٍ ضَئِيلٍ، عَنْ تِلْكَ الَّتِي جَلَسَتْ خَائِفَةً أَمَامَ رَامِي قَبْلَ سَاعَاتٍ فَقَطْ.
اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
عَادَ سَامِي إِلَى الْأَرْشِيفِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَضَاهَا فِي حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ بَدَأَ يَبْنِيهَا، بَعْدَ اتِّصَالِهِ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي الْتَقَاهَا فِي الْمَكْتَبَةِ، وَالَّتِي أَصْبَحَتْ، خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، صَدِيقَةً يَتَحَدَّثُ مَعَهَا كُلَّ مَسَاءٍ. لَاحَظَ أَنَّ نَظْرَتَهُ إِلَى الْمَلَفَّاتِ الَّتِي يَقْرَؤُهَا تَغَيَّرَتْ قَلِيلًا، فَقَدْ أَصْبَحَ أَكْثَرَ انْتِبَاهًا لِلتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَ يَتَجَاوَزُهَا مِنْ قَبْلُ.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَصَلَهُ مِلَفٌّ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَنِ الْمُلُوكِ وَالْقَادَةِ الَّذِينَ اعْتَادَ قِرَاءَةَ سِيَرِهِمْ: دَفْتَرٌ طِبِّيٌّ بَسِيطٌ، بِلَا اسْمٍ وَاضِحٍ عَلَى الْغِلَافِ، يَعُودُ لِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ نَائِيَةٍ، ضَرَبَهَا وَبَاءٌ فَتَّاكٌ قَبْلَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَنِ تَقْرِيبًا.
فَتَحَ سَامِي الدَّفْتَرَ، وَوَجَدَ سِجِلَّاتٍ يَوْمِيَّةً دَقِيقَةً، كَتَبَتْهَا امْرَأَةٌ وَقَّعَتْ بِاسْمِ “اَلطَّبِيبَةُ، بِلَا لَقَبٍ آخَرَ”، تُوَثِّقُ فِيهَا كُلَّ حَالَةٍ مَرَضِيَّةٍ وَاجَهَتْهَا خِلَالَ أَشْهُرِ الْوَبَاءِ الطَّوِيلَةِ.
كَتَبَتْ فِي أَحَدِ السِّجِلَّاتِ الْأُولَى:
“اَلْيَوْمَ، وَصَلَتْنِي ثَلَاثُ حَالَاتٍ جَدِيدَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ الْمُجَاوِرَةِ. اَلْقَرْيَةُ مَعْزُولَةٌ تَمَامًا، لَا طَبِيبَ آخَرَ يَصِلُهَا، وَالطَّرِيقُ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْتَغْرِقُ يَوْمَيْنِ عَلَى الْأَقْدَامِ. سَأَبْقَى هُنَا، وَسَأُعَالِجُ مَنْ أَسْتَطِيعُ، بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ أَدْوِيَةٍ بَسِيطَةٍ وَخِبْرَةٍ تَعَلَّمْتُهَا مِنْ أُمِّي، الَّتِي كَانَتْ قَابِلَةَ الْقَرْيَةِ قَبْلِي.”
رَوَتِ السِّجِلَّاتُ، صَفْحَةً بَعْدَ صَفْحَةٍ، كَيْفَ عَمِلَتْ هَذِهِ الطَّبِيبَةُ الْمَجْهُولَةُ، وَحِيدَةً تَمَامًا، أَشْهُرًا طَوِيلَةً، تَنْتَقِلُ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ، تُعَالِجُ الْمَرْضَى بِمَا تَوَفَّرَ لَهَا مِنْ أَعْشَابٍ وَمَعْرِفَةٍ مَحْدُودَةٍ، وَتَخْسَرُ أَحْيَانًا مَرْضَى كَثِيرِينَ رَغْمَ كُلِّ جُهْدِهَا، لَكِنَّهَا تُنْقِذُ آخَرِينَ، وَتُوَثِّقُ كُلَّ حَالَةٍ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ سِجِلَّاتِهَا هَذِهِ قَدْ تُفِيدُ جِيلًا لَاحِقًا يُوَاجِهُ وَبَاءً مُشَابِهًا.
كَتَبَتْ فِي إِحْدَى الصَّفَحَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ:
“فَقَدْتُ الْيَوْمَ عَائِلَةً كَامِلَةً: أَبًا وَأُمًّا وَثَلَاثَةَ أَطْفَالٍ. جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِ أَصْغَرِهِمْ، طِفْلَةٍ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ عُمْرِهَا، حَتَّى فَارَقَتِ الْحَيَاةَ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا سِوَى أَنْ أُمْسِكَ يَدَهَا الصَّغِيرَةَ وَأَنَا أَبْكِي بِصَمْتٍ، حَتَّى لَا يَرَانِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَضْعَفَ مِنْ أَنْ أَكُونَ طَبِيبَتَهُمْ.”
فِي صَفْحَةٍ أُخْرَى، كَتَبَتْ عَنْ لَحْظَةِ نَجَاحٍ نَادِرَةٍ:
“نَجَا الطِّفْلُ يُوسُفُ الْيَوْمَ، بَعْدَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ مِنَ الْحُمَّى الشَّدِيدَةِ. رَكَضَتْ أُمُّهُ إِلَيَّ تَبْكِي فَرَحًا، وَقَالَتْ: ‘أَنْتِ مَلَاكُنَا الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ’. لَمْ أَقُلْ لَهَا إِنِّي لَسْتُ مَلَاكًا، فَقَطْ امْرَأَةٌ تُحَاوِلُ، بِمَا أُوتِيَتْ مِنْ عِلْمٍ مَحْدُودٍ، أَنْ تُنْقِذَ مَنْ تَسْتَطِيعُ، وَتَتَحَمَّلَ بِصَمْتٍ مَنْ لَا تَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَهُمْ.”
اِسْتَمَرَّ الْوَبَاءُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ، عَمِلَتْ خِلَالَهَا هَذِهِ الطَّبِيبَةُ الْمَجْهُولَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ يُذْكَرُ، تَنَامُ سَاعَاتٍ قَلِيلَةً كُلَّ لَيْلَةٍ، وَتَسْتَيْقِظُ لِتُوَاصِلَ جَوْلَتَهَا بَيْنَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ.
وَثَّقَتْ فِي إِحْدَى صَفَحَاتِ الدَّفْتَرِ الْوُسْطَى أُسْلُوبَ عَمَلِهَا الْيَوْمِيَّ: كَيْفَ كَانَتْ تَبْدَأُ جَوْلَتَهَا فَجْرًا، تَحْمِلُ حَقِيبَتَهَا الْبَسِيطَةَ مِنْ عُشْبٍ وَضَمَادَاتٍ وَأَدَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، تَمْشِي مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ عَلَى أَطْرَافِ الْقَرْيَةِ الْوَعْرَةِ، تَفْحَصُ كُلَّ مَرِيضٍ بِعِنَايَةٍ، وَتَتْرُكُ تَعْلِيمَاتٍ وَاضِحَةً لِأَهْلِهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْعِنَايَةِ بِهِ حَتَّى عَوْدَتِهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي. وَكَانَتْ تَكْتُبُ أَيْضًا عَنْ لَحَظَاتِ الشَّكِّ الَّتِي كَانَتْ تَنْتَابُهَا لَيْلًا، حِينَ تَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَتْ قَرَارَاتُهَا الطِّبِّيَّةُ صَائِبَةً، بِمَعْرِفَتِهَا الْمَحْدُودَةِ، أَمْ أَنَّهَا، رَغْمَ كُلِّ جُهْدِهَا، تُخْطِئُ أَحْيَانًا بِحَقِّ مَنْ يَثِقُونَ بِهَا ثِقَةً عَمْيَاءَ.
فِي آخِرِ صَفَحَاتِ الدَّفْتَرِ، كَتَبَتْ، بَعْدَ أَنْ بَدَأَ الْوَبَاءُ بِالِانْحِسَارِ أَخِيرًا:
“اِنْتَهَى الْوَبَاءُ، أَوْ كَادَ. فَقَدْنَا فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ إِنْسَانًا، وَنَجَا مِئَاتٌ آخَرُونَ. لَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ اسْمِي، فَلَمْ أَكُنْ أَطْلُبُ شُهْرَةً أَوْ تَكْرِيمًا. كُنْتُ فَقَطْ امْرَأَةً وَجَدَتْ نَفْسَهَا، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ، فِي الْمَكَانِ الَّذِي احْتَاجَنِي فِيهِ أَهْلُ قَرْيَتِي، فَبَقِيتُ، رَغْمَ كُلِّ الْخَوْفِ وَالتَّعَبِ، لِأَنَّ الرَّحِيلَ كَانَ سَيَعْنِي تَرْكَ مَنْ أُحِبُّهُمْ يَمُوتُونَ وَحْدَهُمْ.”
أَغْلَقَتِ الطَّبِيبَةُ دَفْتَرَهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَلَمْ تُعْرَفْ هُوِيَّتُهَا الْكَامِلَةُ قَطُّ، فَقَدْ ضَاعَتْ وَثَائِقُ الْقَرْيَةِ عَبْرَ السِّنِينَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سِيرَتِهَا سِوَى هَذَا الدَّفْتَرِ الَّذِي وَصَلَ، بِطَرِيقَةٍ غَامِضَةٍ كَعَادَةِ كُلِّ الْمَلَفَّاتِ، إِلَى مَكْتَبِ سَامِي.
جَلَسَ سَامِي طَوِيلًا، مُتَأَثِّرًا بِعُمْقٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ الصَّامِتَةِ، الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ أَيَّ مَجْدٍ ظَاهِرٍ، وَلَا انْتِصَارَاتٍ تُرْوَى فِي كُتُبِ التَّارِيخِ الْكُبْرَى، لَكِنَّهَا حَمَلَتْ، فِي نَظَرِهِ، بُطُولَةً أَعْمَقَ مِنْ كُلِّ الْفُتُوحَاتِ وَالْإِصْلَاحَاتِ الَّتِي قَرَأَ عَنْهَا فِي الْمَلَفَّاتِ السَّابِقَةِ.
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“هَذِهِ الطَّبِيبَةُ الْمَجْهُولَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْمِلُ وَهْمَ السَّيْطَرَةِ عَلَى مَصِيرِهَا، كَمَا فَعَلَ الْفَاتِحُ بَاسِيلُ، وَلَمْ تَكُنْ تَظُنُّ نَفْسَهَا ضَحِيَّةً عَاجِزَةً، كَمَا فَعَلَ كَرِيمٌ فِي بِدَايَةِ رِحْلَتِهِ. كَانَتْ، بِبَسَاطَةٍ، إِنْسَانَةً وَاجَهَتْ حَدَثًا هَائِلًا لَمْ تَخْتَرْهُ، وَوَجَدَتْ مَعْنَاهَا الْخَاصَّ فِيهِ: أَنْ تَبْقَى، أَنْ تُحَاوِلَ، أَنْ تَخْسَرَ أَحْيَانًا وَتَرْبَحَ أَحْيَانًا أُخْرَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْتَظِرَ تَكْرِيمًا أَوْ حَتَّى أَنْ يُعْرَفَ اسْمُهَا. رُبَّمَا هَذَا هُوَ أَنْقَى شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الْمُشَارَكَةِ فِي صِنَاعَةِ الْمَعْنَى: أَنْ نَفْعَلَ الْخَيْرَ حِينَ لَا يُرَاقِبُنَا أَحَدٌ، وَلَنْ يَذْكُرَنَا أَحَدٌ، لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ الصَّوَابُ الَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ.”
وَضَعَ سَامِي الدَّفْتَرَ عَلَى الرَّفِّ، إِلَى جَانِبِ الْمَلَفَّاتِ الْأُخْرَى، لَكِنَّهُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ يَكْتُبْ اسْمًا عَلَى بِطَاقَةِ التَّصْنِيفِ، بَلْ تَرَكَ مَكَانَهُ فَارِغًا، احْتِرَامًا لِامْرَأَةٍ اخْتَارَتْ، بِنَفْسِهَا، أَنْ تَبْقَى بِلَا اسْمٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا وَحْدَهُ هُوَ مِيرَاثَهَا الْبَاقِيَ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، وَهُوَ يَرْوِي لِصَدِيقَتِهِ الْجَدِيدَةِ تَفَاصِيلَ هَذَا الْمِلَفِّ عَبْرَ الْهَاتِفِ، وَجَدَ نَفْسَهُ يَقُولُ لَهَا شَيْئًا لَمْ يُخَطِّطْ لَهُ مُسْبَقًا:
“أَظُنُّ أَنِّي، طَوَالَ سَنَوَاتِ عَمَلِي هُنَا، كُنْتُ أَبْحَثُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْرِفَ، عَنْ قِصَّةٍ كَهَذِهِ: قِصَّةِ إِنْسَانٍ لَا يَسْعَى إِلَى الْمَجْدِ، بَلْ يَفْعَلُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ فَقَطْ، لِأَنَّهُ صَحِيحٌ. رُبَّمَا هَذَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَهُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْمَلَفَّاتِ فِي النِّهَايَةِ: أَلَّا أَنْتَظِرَ تَكْرِيمًا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ أَفْعَلُهُ، بَلْ أَنْ أَفْعَلَهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْعَلَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْرِفِ اسْمِي أَحَدٌ.”
الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ
وَصَلَ إِلَى مَكْتَبِ سَامِي مَلَفٌّ آخَرُ، لَا يُشْبِهُ سَابِقَيْهِ فِي شَيْءٍ: رَسَائِلُ خَطَّهَا رَجُلٌ يُدْعَى إِلْيَاسَ، خَبَّازُ مَدِينَةٍ أَنْهَكَهَا حِصَارٌ طَوِيلٌ، وَوَجَّهَهَا إِلَى أَخِيهِ الَّذِي أَفْلَتَ بِجِلْدِهِ قَبْلَ أَنْ تُطْبِقَ الْمَدِينَةُ عَلَى نَفْسِهَا كَقَبْضَةٍ. لَمْ تَصِلْ تِلْكَ الرَّسَائِلُ يَوْمًا إِلَى وِجْهَتِهَا؛ قَطَعَتِ الطُّرُقَ حَرْبٌ لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ، فَبَقِيَتْ حَيْثُ كُتِبَتْ، مَحْفُوظَةً بِعِنَايَةٍ تَكَادُ تَكُونُ طَقْسًا، وَكَأَنَّ إِلْيَاسَ كَانَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُخَاطِبُ أَخًا غَائِبًا لَا يَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ قَدْ ابْتَلَعَتْهُ الْمَسَافَةُ.
لَاحَظَ سَامِي أَنَّ الْخَطَّ يَرْتَجِفُ أَكْثَرَ كُلَّمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّفَحَاتِ، لَا مِنْ وَهَنِ الْيَدِ وَحْدَهُ، بَلْ كَأَنَّ جَسَدَ صَاحِبِهَا كَانَ يَتَآكَلُ يَوْمًا إِثْرَ يَوْمٍ، بَيْنَمَا تَبْقَى إِرَادَتُهُ، فِي الْمُقَابِلِ، صَخْرَةً لَا تَتَزَحْزَحُ. تَخَيَّلَهُ سَامِي وَاقِفًا أَمَامَ فُرْنِهِ الْمُتَصَدِّعِ، وَسَطَ دَوِيٍّ بَعِيدٍ لَا يَكُفُّ، يَعْجِنُ بِيَدَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ مَا تَبَقَّى مِنْ دَقِيقٍ صَارَ أَنْدَرَ مِنَ الْأَمَلِ، وَيُوَاصِلُ، دُونَ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْرَاقَ سَتَجْتَازُ يَوْمًا قَرْنَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ لِتُفْتَحَ عَلَى مَكْتَبٍ غَرِيبٍ، فِي حَاضِرٍ لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَهُ.
فِي إِحْدَى أُولَى رَسَائِلِهِ، كَتَبَ إِلْيَاسُ:
“أَخِي، الْمَدِينَةُ مُحَاصَرَةٌ مُنْذُ شَهْرَيْنِ، وَالطَّعَامُ يَنْضُبُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ كَمَاءٍ يَتَسَرَّبُ مِنْ إِنَاءٍ مَشْرُوخٍ. قَرَّرْتُ، مَعَ ذَلِكَ، أَنْ أُوَاصِلَ الْخَبْزَ، وَلَوْ نَدَرَ الدَّقِيقُ حَتَّى صَارَ كَالذَّهَبِ؛ فَالنَّاسُ هُنَا لَا يَحْتَاجُونَ رَغِيفًا فَحَسْبُ، بَلْ ذَرَّةَ أَمَلٍ يَتَشَبَّثُونَ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً كَحَبَّةِ رَمْلٍ. خَبَزْتُ الْيَوْمَ عِشْرِينَ رَغِيفًا لَا أَكْثَرَ، مِنْ آخِرِ مَا بَقِيَ، وَوَزَّعْتُهَا عَلَى أَشَدِّ الْعَائِلَاتِ حَاجَةً فِي الْحَيِّ، دُونَ أَنْ آخُذَ ثَمَنًا.”
وَتَتَابَعَتِ الرَّسَائِلُ تَرْوِي كَيْفَ ظَلَّ إِلْيَاسُ يَفْتَحُ فُرْنَهُ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، رَغْمَ خَطَرِ الْقَصْفِ الَّذِي لَا يَنَامُ، وَكَيْفَ رَاحَ يَخْلِطُ الدَّقِيقَ النَّادِرَ بِحُبُوبٍ أُخْرَى مُتَوَفِّرَةٍ، لِيَمُدَّ الْقَلِيلَ لِأَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْأَفْوَاهِ الْجَائِعَةِ.
كَتَبَ فِي رِسَالَةٍ أُخْرَى:
“اقْتَرَبَتِ الْيَوْمَ قَذِيفَةٌ مِنَ الْفُرْنِ، فَتَحَطَّمَتْ نَافِذَةُ الْمَخْبَزِ بِأَكْمَلِهَا. قَالَ لِي جِيرَانِي: أَغْلِقِ الْفُرْنَ يَا إِلْيَاسُ، فَالْأَمْرُ بَاتَ خَطِرًا جِدًّا. لَكِنِّي فَكَّرْتُ: إِنْ أَغْلَقْتُ الْفُرْنَ، جَاعَ مَنْ حَوْلِي أَكْثَرَ مِمَّا هُمْ جَائِعُونَ الْآنَ. قَرَّرْتُ أَنْ أُوَاصِلَ، لَا لِأَنِّي لَا أَخَافُ، بَلْ لِأَنَّنِي أَخَافُ أَكْثَرَ مِنْ فِكْرَةِ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمْ جُوعًا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى إِنْقَاذِهِ.”
وَفِي رِسَالَةٍ لَاحِقَةٍ، وَصَفَ إِلْيَاسُ لَحْظَةً غَيَّرَتْ نَظَرَتَهُ إِلَى مِهْنَتِهِ كُلِّهَا:
“جَاءَتْنِي الْيَوْمَ طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ، لَا تَتَجَاوَزُ الْخَامِسَةَ، تَحْمِلُ قِطْعَةَ قُمَاشٍ فَارِغَةً، وَقَالَتْ لِي: ‘عَمُّو إِلْيَاسُ، أُمِّي مَرِيضَةٌ جِدًّا، وَلَا يُوجَدُ طَعَامٌ فِي الْبَيْتِ’. أَعْطَيْتُهَا آخِرَ رَغِيفَيْنِ تَبَقَّيَا عِنْدِي، وَرَأَيْتُ فِي عَيْنَيْهَا فَرَحًا لَمْ أَرَ مِثْلَ صَفَائِهِ مِنْ قَبْلُ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ خَطَرٍ أَتَحَمَّلُهُ يَوْمِيًّا مِنْ أَجْلِ بَقَاءِ هَذَا الْفُرْنِ مُشْتَعِلًا، يَسْتَحِقُّ كُلَّ ثَانِيَةٍ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي أَعِيشُهُ.”
دَامَ الْحِصَارُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ، لَمْ يَتَوَقَّفْ إِلْيَاسُ خِلَالَهَا عَنِ الْخَبْزِ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، حِينَ نَفِدَ الدَّقِيقُ نَفَادًا تَامًّا، فَاضْطُرَّ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ بَدَائِلَ مِنْ حُبُوبٍ بَرِّيَّةٍ جَمَعَهَا بِيَدِهِ مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوْتِ.
وَكَتَبَ، فِي إِحْدَى آخِرِ رَسَائِلِهِ قَبْلَ انْفِرَاجِ الْحِصَارِ:
“أَخِي، لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ سَتَصِلُكَ يَوْمًا، لَكِنِّي أَكْتُبُهَا لِأُوَثِّقَ مَا عِشْتُهُ هُنَا. لَسْتُ بَطَلًا، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ مَا فَعَلْتُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى فِي كُتُبِ التَّارِيخِ الْكُبْرَى. أَنَا فَقَطْ خَبَّازٌ حَاوَلَ أَنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الَّذِي يُجِيدُهُ: أَنْ يَخْبِزَ الْخُبْزَ، وَيُقَدِّمَهُ لِمَنْ يَحْتَاجُهُ، فِي أَحْلَكِ سَاعَةٍ عَرَفَتْهَا هَذِهِ الْمَدِينَةُ.”
وَفِي آخِرِ رِسَالَةٍ يَضُمُّهَا الْمَلَفُّ، كَتَبَ إِلْيَاسُ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ الْحِصَارُ أَخِيرًا:
“انْتَهَى الْحِصَارُ الْيَوْمَ. الْمَدِينَةُ مُنْهَكَةٌ، لَكِنَّهَا حَيَّةٌ. أَحْصَيْتُ، مُنْذُ بِدَايَةِ الْحِصَارِ، أَنِّي خَبَزْتُ مَا يُقَارِبُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَغِيفٍ، وَزَّعْتُهَا كُلَّهَا دُونَ ثَمَنٍ عَلَى مَنِ احْتَاجَهَا. لَا أَعْرِفُ كَمْ إِنْسَانًا نَجَا بِفَضْلِ هَذَا الْخُبْزِ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ الرَّقْمَ بِدِقَّةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ سَيَجْعَلُ الْأَمْرَ يَبْدُو كَإِنْجَازٍ أَعْدَدْتُهُ لِأَفْتَخِرَ بِهِ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ أَنِّي، حِينَ كُنْتُ أَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ كُلَّ صَبَاحٍ خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْعَشَرَةِ، كُنْتُ أَرَى رَجُلًا لَمْ يَهْرُبْ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ، مَهْمَا كَانَتِ الْكُلْفَةُ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ يَكْفِينِي.”
أَغْلَقَ سَامِي الْمَلَفَّ، وَجَلَسَ صَامِتًا طَوِيلًا، تَغْمُرُهُ دَهْشَةٌ مِنْ عُمْقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الَّتِي بَدَتْ بَسِيطَةً فِي ظَاهِرِهَا، جَلِيلَةً فِي جَوْهَرِهَا.
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“إِلْيَاسُ الْخَبَّازُ لَمْ يَفْتَحْ مَمْلَكَةً كَبَاسِيلَ، وَلَمْ يُنْقِذْ مَدِينَةً بِأَكْمَلِهَا كَفَارِسٍ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِلَادًا كَصُوفِيَا. كُلُّ مَا فَعَلَهُ أَنَّهُ ظَلَّ وَفِيًّا لِمِهْنَتِهِ الْبَسِيطَةِ، الْخَبْزِ، وَسَطَ أَقْسَى مَا يُمْكِنُ أَنْ تَشْهَدَهُ مَدِينَةٌ، رَغِيفًا إِثْرَ رَغِيفٍ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ مَجْدًا أَوْ تَكْرِيمًا. لَعَلَّ هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْأَعْمَقُ الَّذِي تَعَلَّمْتُهُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْمَلَفَّاتِ حَتَّى الْآنَ: أَنَّ أَعْظَمَ الْأَفْعَالِ الْإِنْسَانِيَّةِ لَيْسَتْ دَائِمًا تِلْكَ الَّتِي تُخَلَّدُ فِي النُّصُبِ التَّذْكَارِيَّةِ، بَلْ تِلْكَ الصَّغِيرَةُ، الْمُتَكَرِّرَةُ يَوْمِيًّا، الَّتِي يَقُومُ بِهَا إِنْسَانٌ بَسِيطٌ، لِأَنَّهَا، بِبَسَاطَةٍ، الشَّيْءُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَنْبَغِي فِعْلُهُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّنْ سَيَرَاهُ أَوْ يَذْكُرُهُ.”
وَضَعَ سَامِي رَسَائِلَ إِلْيَاسَ عَلَى الرَّفِّ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا الرَّفَّ، الَّذِي بَدَأَ يَمْتَلِئُ بِحِكَايَاتِ الْمَشْهُورِينَ وَالْمَجْهُولِينَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، صَارَ، بِطَرِيقَةٍ مَا، مِرْآةً كَامِلَةً لِلطَّبِيعَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، بِكُلِّ تَنَاقُضَاتِهَا وَعَظَمَتِهَا الْخَفِيَّةِ.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى بَيْتِهِ ذَلِكَ الْمَسَاءَ، مَرَّ سَامِي بِمَخْبَزٍ صَغِيرٍ فِي زَاوِيَةِ الشَّارِعِ، كَانَ يَعْبُرُهُ كُلَّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ حَقًّا. تَوَقَّفَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَدَخَلَ، وَاشْتَرَى رَغِيفًا سَاخِنًا، وَتَبَادَلَ كَلِمَاتٍ وَدُودَةً مَعَ الْخَبَّازِ الشَّابِّ الَّذِي يُدِيرُهُ. وَفِيمَا كَانَ يَحْمِلُ الرَّغِيفَ الدَّافِئَ بَيْنَ يَدَيْهِ، سَائِرًا فِي الشَّارِعِ، خَطَرَ لَهُ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْمِهَنِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي نَمُرُّ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ دُونَ الْتِفَاتٍ، تَحْمِلُ خَلْفَهَا، غَالِبًا، حِكَايَاتٍ مِنَ الْجُهْدِ وَالصَّبْرِ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ سِوَى أَصْحَابِهَا، وَأَنَّ جُزْءًا مِنْ وَاجِبِهِ، بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَلَفَّاتِ، أَنْ يَبْدَأَ بِالِانْتِبَاهِ إِلَيْهَا، لَا أَنْ يَنْتَظِرَ وُصُولَهَا إِلَيْهِ مَكْتُوبَةً عَلَى رُفُوفِ أَرْشِيفِهِ فَقَطْ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ
فِي اللَّيَالِي الْأَخِيرَةِ مِنْ زِيَارَةِ سَلْمَى، وَقَبْلَ أَنْ تَطْوِيَ حَقِيبَتَهَا عَائِدَةً إِلَى أَلْمَانِيَا، اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا حَوْلَ مَائِدَةِ الْعَشَاءِ فِي بَيْتِ الْأَهْلِ: الْأَبُ الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَعَادَ عَافِيَتَهُ تَدْرِيجًا، وَالْأُمُّ، وَسَلْمَى، وَمِيسَاءُ، وَزِيَادٌ؛ ذَلِكَ الْأَخُ الْأَصْغَرُ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ كَثِيرًا طَوَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، لِأَنَّهُ، كَعَادَتِهِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ، كَانَ صَمْتُهُ أَبْلَغَ مِنْ كَلَامِهِ.
كَانَ زِيَادٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، بَقِيَ فِي الْبَلَدِ الْأُمِّ، لَمْ يُهَاجِرْ كَأُخْتِهِ سَلْمَى، وَلَمْ يَبْتَعِدْ كَمَا ابْتَعَدَتْ مِيسَاءُ، بَلِ اخْتَارَ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، أَنْ يَكُونَ “الِابْنَ الَّذِي يَبْقَى”، يَرْعَى أَبَوَيْهِ، وَيَحْمِلُ عَلَى كَتِفَيْهِ تَفَاصِيلَ الْبَيْتِ الْيَوْمِيَّةَ، بَيْنَمَا تَتَوَزَّعُ أَخَوَاتُهُ عَلَى قَارَّاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ، كَأَسْرَابِ طُيُورٍ هَاجَرَتْ وَتَرَكَتْهُ وَحْدَهُ فِي الْعُشِّ.
طَوَالَ هَذِهِ الزِّيَارَةِ، كَانَ زِيَادٌ حَاضِرًا فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ عَمَلِيٍّ، حُضُورًا صَامِتًا لَا يَلْفِتُ الْأَنْظَارَ: هُوَ مَنْ رَتَّبَ مَوَاعِيدَ الْأَطِبَّاءِ، وَهُوَ مَنْ تَنَقَّلَ بَيْنَ الْمُسْتَشْفَى وَالْبَيْتِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَهُوَ مَنْ تَكَفَّلَ بِكُلِّ الْأَعْبَاءِ اللُّوجِسْتِيَّةِ الَّتِي غَابَتْ عَنِ الْأَذْهَانِ وَسْطَ عَاصِفَةِ الِانْفِعَالَاتِ الْعَاطِفِيَّةِ الَّتِي عَاشَتْهَا الْأُسْرَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ، رَغْمَ هَذَا الْحُضُورِ الْفَعَّالِ، ظَلَّ فِي الْحِوَارَاتِ الْعَمِيقَةِ عَلَى هَامِشِ الْكَلَامِ، يُصْغِي أَكْثَرَ مِمَّا يَنْطِقُ، وَكَأَنَّ دَوْرَهُ فِي هَذِهِ الْأُسْرَةِ قَدْ تَقَرَّرَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ: أَنْ يَكُونَ الْيَدَ الَّتِي تَعْمَلُ، لَا الصَّوْتَ الَّذِي يُسْمَعُ.
لَاحَظَتْ سَلْمَى، خِلَالَ تِلْكَ الْأَيَّامِ، أَنَّ زِيَادًا كَانَ يُتَابِعُ بِإِنْصَاتٍ شَدِيدٍ كُلَّ مَا يَدُورُ مِنْ حِوَارَاتٍ عَائِلِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، دُونَ أَنْ يُشَارِكَ فِيهَا وَلَوْ بِكَلِمَةٍ، وَكَأَنَّهُ اعْتَادَ، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، دَوْرَ الْمُرَاقِبِ الصَّامِتِ لَا دَوْرَ الْمُتَكَلِّمِ.
فِي الْأُمْسِيَةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ سَفَرِهَا، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْأَضْوَاءُ الْخَافِتَةُ تَرْسُمُ ظِلَالًا هَادِئَةً عَلَى وُجُوهِ الْجَالِسِينَ، الْتَفَتَتْ سَلْمَى إِلَى أَخِيهَا فَجْأَةً، وَسَأَلَتْهُ مُبَاشَرَةً:
“زِيَادُ، لَاحَظْتُ أَنَّكَ صَامِتٌ طَوَالَ هَذِهِ الْأَيَّامِ، رَغْمَ كُلِّ مَا تَحَدَّثْنَا عَنْهُ كَعَائِلَةٍ. مَا رَأْيُكَ أَنْتَ فِي كُلِّ هَذَا؟”
رَفَعَ زِيَادٌ عَيْنَيْهِ إِلَيْهَا بِدَهْشَةٍ، كَمَنْ فُوجِئَ بِسُؤَالٍ لَمْ يَتَوَقَّعْ يَوْمًا أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ.
“لَا أَدْرِي، سَلْمَى. لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي يَوْمًا أَنَّ رَأْيِي قَدْ يَعْنِي شَيْئًا فِي هَذِهِ النِّقَاشَاتِ.”
“وَلِمَاذَا تَظُنُّ هَذَا، زِيَادُ؟”
أَطَالَ التَّفْكِيرَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَكَأَنَّهُ يَدْفَعُ بَابًا ثَقِيلًا ظَلَّ مُوصَدًا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً.
“لِأَنِّي، مُنْذُ الصِّغَرِ، كُنْتُ الِابْنَ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ ‘يَتَفَهَّمَ’ كُلَّ شَيْءٍ بِصَمْتٍ. أَنْتِ سَافَرْتِ، سَلْمَى، وَمِيسَاءُ سَافَرَتْ أَيْضًا، وَكَانَ عَلَيَّ أَنَا أَنْ أَبْقَى، أَنْ أَعْتَنِيَ بِأَبِي وَأُمِّي، أَنْ أَكُونَ ‘الرَّجُلَ الْمَسْؤُولَ’ فِي الْبَيْتِ، دُونَ أَنْ يَسْأَلَنِي أَحَدٌ يَوْمًا: أَتُرِيدُ هَذَا الدَّوْرَ أَصْلًا؟”
تَجَمَّدَتْ سَلْمَى لِلَحْظَةٍ، وَشَعَرَتْ بِصَدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَمَامَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الَّذِي انْهَمَرَ فَجْأَةً كَغَيْمَةٍ طَالَ احْتِبَاسُهَا.
“زِيَادُ، لَمْ أُفَكِّرْ يَوْمًا فِي هَذَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. كُنْتُ مُنْشَغِلَةً بِصِرَاعِي أَنَا، بِخَوْفِي مِنَ الْمَجْهُولِ، بِمُحَاوَلَةِ بِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ بَعِيدًا، وَلَمْ أَنْتَبِهْ أَنَّ بَقَاءَكَ هُنَا كَانَ لَهُ ثَمَنُهُ الْخَاصُّ أَيْضًا.”
“لَيْسَ الْأَمْرُ أَنِّي أَلُومُكِ، سَلْمَى. أَنَا فَقَطْ أَشْعُرُ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ، أَنِّي الشَّخْصُ الَّذِي لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْتَ؟ الْجَمِيعُ يَسْأَلُ: مَتَى سَتَتَزَوَّجُ يَا زِيَادُ؟ مَتَى سَتُحَسِّنُ وَضْعَكَ الْمِهَنِيَّ؟ مَتَى سَتَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنْ لَا أَحَدَ يَسْأَلُ: كَيْفَ تَشْعُرُ، وَأَنْتَ الْوَحِيدُ الَّذِي بَقِيَ هُنَا، بَيْنَمَا رَحَلَ الْجَمِيعُ؟”
قَالَتِ الْأُمُّ، الَّتِي كَانَتْ تُصْغِي بِصَمْتٍ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَقَدِ ارْتَجَفَ صَوْتُهَا قَلِيلًا:
“زِيَادُ، يَا بُنَيَّ، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكَ تَحْمِلُ كُلَّ هَذَا فِي دَاخِلِكَ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّكَ سَعِيدٌ بِبَقَائِكَ هُنَا، قَرِيبًا مِنَّا.”
“أُحِبُّكُمْ، يَا أُمِّي، وَأُحِبُّ الْبَقَاءَ قَرِيبًا مِنْكُمْ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنِّي لَا أَحْمِلُ أَحْلَامًا أُخْرَى، أَوْ أَنِّي لَسْتُ خَائِفًا أَحْيَانًا مِنْ فِكْرَةِ أَنِّي قَضَيْتُ شَبَابِي كُلَّهُ فِي دَوْرٍ لَمْ أَخْتَرْهُ بِوَعْيٍ كَامِلٍ، بَلْ وَجَدْتُ نَفْسِي فِيهِ لِأَنِّي كُنْتُ الْأَصْغَرَ، وَلِأَنَّ أَخَوَاتِي رَحَلْنَ قَبْلِي.”
قَالَ الْأَبُ بِصَوْتٍ يَتَهَدَّجُ مِنَ التَّأَثُّرِ:
“زِيَادُ، سَامِحْنِي إِنْ كُنْتُ، بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ، قَدْ فَرَضْتُ عَلَيْكَ هَذَا الدَّوْرَ دُونَ أَنْ أَسْأَلَكَ. أَظُنُّ أَنِّي، بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمْتُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَنْ أَخْطَائِي مَعَ سَلْمَى وَمِيسَاءَ، عَلَيَّ أَنْ أَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ نَفْسَهُ مَعَكَ أَنْتَ أَيْضًا.”
“لَا أُرِيدُ أَنْ أَلُومَكَ، يَا أَبِي. أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَعْرِفَ الْجَمِيعُ أَنِّي، أَنَا أَيْضًا، أَحْمِلُ حُلْمًا: أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ الْمُوسِيقَى، تَمَامًا كَعُمَرَ ابْنِ عَمِّي طَارِقٍ. أَعْزِفُ عَلَى الْعُودِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، سِرًّا، فِي غُرْفَتِي، دُونَ أَنْ أُخْبِرَ أَحَدًا، لِأَنِّي كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يُقَالَ لِي: ‘وَمَنْ سَيَعْتَنِي بِنَا إِنِ انْشَغَلْتَ بِهَذَا؟'”
فُوجِئَ الْجَمِيعُ بِهَذَا الِاعْتِرَافِ، وَسَادَتِ الطَّاوِلَةَ لَحْظَةُ صَمْتٍ مُثْقَلَةٌ بِالْمَشَاعِرِ الْمُتَدَافِعَةِ.
قَالَتْ مِيسَاءُ بِحَمَاسٍ صَادِقٍ:
“زِيَادُ، لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنَا بِهَذَا مِنْ قَبْلُ؟ يُمْكِنُنَا أَنْ نَجِدَ حَلًّا يَجْمَعُ بَيْنَ اعْتِنَائِكَ بِأَهْلِنَا وَبَيْنَ حُلْمِكَ بِالْمُوسِيقَى، لَا أَنْ تَخْتَارَ أَحَدَهُمَا عَلَى حِسَابِ الْآخَرِ.”
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أَطْلُبُ هَذَا، يَا مِيسَاءُ. اعْتَدْتُ أَنْ أَكُونَ الشَّخْصَ الَّذِي يُعْطِي، لَا الَّذِي يَطْلُبُ.”
قَالَتْ سَلْمَى، وَقَدِ ارْتَسَمَتْ عَلَى مُحَيَّاهَا عَزِيمَةٌ جَدِيدَةٌ:
“زِيَادُ، مِنَ الْيَوْمِ، أَعِدُكَ أَنِّي سَأَسْأَلُكَ دَائِمًا: مَاذَا تُرِيدُ أَنْتَ؟ لَنْ أَدَعَكَ تَخْتَفِي بَعْدَ الْيَوْمِ خَلْفَ دَوْرِ ‘الِابْنِ الْمَسْؤُولِ’، دُونَ أَنْ يُسْمَعَ صَوْتُكَ الْخَاصُّ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ خَيَّمَ الْهُدُوءُ عَلَى الْبَيْتِ، جَلَسَ زِيَادٌ وَحِيدًا فِي غُرْفَتِهِ، وَأَخْرَجَ عُودَهُ الْقَدِيمَ مِنْ خِزَانَتِهِ، حَيْثُ ظَلَّ مَخْبُوءًا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، وَعَزَفَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَمَامَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ، لَا خَلْفَهُ مُوصَدًا كَعَادَتِهِ.
سَمِعَتِ الْأُمُّ، مِنْ غُرْفَتِهَا الْمُجَاوِرَةِ، أَنْغَامَ الْعُودِ تَتَسَلَّلُ عَبْرَ الْمَمَرِّ، فَوَقَفَتْ عِنْدَ بَابِ غُرْفَتِهِ تُصْغِي بِصَمْتٍ، وَدُمُوعُهَا تَنْهَمِرُ، لَا حُزْنًا، بَلْ فَرَحًا بِسَمَاعِ ابْنِهَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ، يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِصَوْتٍ لَا يُخْفِيهِ.
دَخَلَتْ بِهُدُوءٍ، وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ، وَقَالَتْ:
“اسْتَمِرَّ، يَا زِيَادُ. أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ كُلَّ مَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْكَ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.”
ابْتَسَمَ زِيَادٌ، وَدُمُوعُهُ تَخْتَلِطُ بِابْتِسَامَتِهِ، وَاسْتَمَرَّ فِي الْعَزْفِ، بِصَوْتٍ يَرْتَفِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَكَأَنَّ كُلَّ نَغْمَةٍ كَانَتْ كَلِمَةً ظَلَّتْ حَبِيسَةً فِي دَاخِلِهِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، تَجِدُ أَخِيرًا طَرِيقَهَا إِلَى الْهَوَاءِ الطَّلْقِ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَقَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ سَلْمَى إِلَى الْمَطَارِ، جَلَسَتْ مَعَ زِيَادٍ لِدَقَائِقَ أَخِيرَةٍ، بَعِيدًا عَنِ الْجَمِيعِ.
“زِيَادُ، أَعِدُكَ أَنِّي سَأَتَّصِلُ بِكَ أَنْتَ أَيْضًا، لَا فَقَطْ بِأَبِي وَأُمِّي، حِينَ أَعُودُ إِلَى أَلْمَانِيَا. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ أَخْبَارَكَ، أَحْلَامَكَ، لَا فَقَطْ أَخْبَارَ الْبَيْتِ.”
“شُكْرًا لَكِ، يَا سَلْمَى. لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَتَكَلَّمَ، لَكِنِّي أَشْعُرُ الْآنَ، وَلَوْ بِمِقْدَارٍ يَسِيرٍ، أَنِّي لَسْتُ وَحِيدًا فِي حَمْلِ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ الْيَوْمِ.”
عَانَقَتْهُ سَلْمَى بِقُوَّةٍ، وَشَعَرَتْ، وَهِيَ تَسْتَقِلُّ الطَّائِرَةَ عَائِدَةً إِلَى بَيْتِهَا الْجَدِيدِ، أَنَّ رِحْلَتَهَا هَذِهِ لَمْ تَمْنَحْهَا مُصَالَحَةً مَعَ أَبِيهَا فَحَسْبُ، بَلْ فَتَحَتْ لَهَا أَيْضًا بَابًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بِوُجُودِهِ: بَابَ أَخِيهَا الصَّامِتِ، الَّذِي بَدَأَ، أَخِيرًا، يَجِدُ صَوْتَهُ الْخَاصَّ، وَسْطَ عَائِلَةٍ تَتَعَلَّمُ، فَرْدًا فَرْدًا، أَنْ تُصْغِيَ لَا أَنْ تَفْتَرِضَ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
كَانَ تُومَاس، مُحَامِي الْهِجْرَةِ وَاللُّجُوءِ الَّذِي رَافَقَ يُوسُفَ فِي تَرْتِيبِ أَوْرَاقِ إِقَامَتِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، يَطْرُقُ بَابَ مَكْتَبِهِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، لَا لِأَمْرٍ مُحَدَّدٍ غَالِبًا، بَلْ لِأَنَّ صَدَاقَتَهُمَا كَانَتْ قَدْ تَجَاوَزَتْ مُنْذُ زَمَنٍ حُدُودَ الْعَلَاقَةِ الْمِهْنِيَّةِ الْبَارِدَةِ إِلَى شَيْءٍ أَشْبَهَ بِالْأُخُوَّةِ. غَيْرَ أَنَّهُ فِي زِيَارَتِهِ الْأَخِيرَةِ، بَدَا رَجُلًا آخَرَ تَمَامًا: وَجْهُهُ مُثْقَلٌ بِإِرْهَاقٍ لَا تَمْحُوهُ قَهْوَةُ الصَّبَاحِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَلَفٌّ سَمِيكٌ وَضَعَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ، كَمَنْ يُنْزِلُ عَنْ كَتِفَيْهِ حِمْلًا لَا صِلَةَ لَهُ بِثِقَلِ الْوَرَقِ وَحْدَهُ.
«يُوسُفُ، أَحْتَاجُ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ أَحَدٍ. هَذَا الْمَلَفُّ يَقْتُلُنِي مُنْذُ أَسَابِيعَ.»
«مَا الْأَمْرُ يَا تُومَاس؟»
فَتَحَ تُومَاسُ الْمَلَفَّ بِأَصَابِعَ مُتَرَدِّدَةٍ، وَشَرَعَ يَسْرُدُ الْحِكَايَةَ كَمَنْ يُخْرِجُ حَجَرًا مِنْ صَدْرِهِ: عَائِلَةٌ سُورِيَّةٌ، أَبٌ وَأُمٌّ وَأَرْبَعَةُ أَطْفَالٍ، بَلَغُوا أَلْمَانِيَا قَبْلَ عَامَيْنِ بَعْدَ رِحْلَةٍ لَمْ تَكُنْ عُبُورًا بِقَدْرِ مَا كَانَتِ اخْتِبَارًا لِلْمَوْتِ وَجْهًا لِوَجْهٍ: قَارِبٌ مَطَّاطِيٌّ، بَحْرٌ لَا يَرْحَمُ، وَطِفْلٌ خَامِسٌ ابْتَلَعَتْهُ الْمَوْجَةُ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي انْقَلَبَ فِيهَا الْقَارِبُ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ خَفَرُ السَّوَاحِلِ بِدَقَائِقَ لَا تُحْصَى فِي الْوَقْتِ، لَكِنَّهَا تُحْصَى إِلَى الْأَبَدِ فِي الذَّاكِرَةِ.
«مُنْذُ وُصُولِهِمْ، وَهُمْ يَعِيشُونَ فِي مُخَيَّمٍ مُؤَقَّتٍ، طَلَبُ لُجُوئِهِمْ مُعَلَّقٌ فِي فَرَاغٍ إِدَارِيٍّ لَا يُشْبِهُ إِلَّا نَفْسَهُ. الْأَبُ، الَّذِي كَانَ مُهَنْدِسًا مِعْمَارِيًّا فِي دِمَشْقَ، يَبِيعُ الْآنَ الْخُضَرَ مِنْ عَرَبَةٍ مُتَنَقِّلَةٍ، لِأَنَّ شَهَادَاتِهِ مَا تَزَالُ تَنْتَظِرُ خَتْمًا لَمْ يُوَلَدْ بَعْدُ.»
أَصْغَى يُوسُفُ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، وَاسْتَعَادَ، دُونَ أَنْ يُرِيدَ، صُورَةَ رِحْلَتِهِ هُوَ، الَّتِي بَدَتْ لَهُ فَجْأَةً أَقَلَّ قَسْوَةً مِمَّا كَانَ يَظُنُّ.
«مَا الَّذِي يُقْلِقُكَ بِالتَّحْدِيدِ يَا تُومَاس؟ أَعْرِفُ أَنَّ عَمَلَكَ لَا يَخْلُو يَوْمًا مِنْ صُعُوبَةٍ، لَكِنَّ هَذَا الْمَلَفَّ يَبْدُو مُخْتَلِفًا.»
«الْأَمْرُ أَنَّ طَلَبَ لُجُوئِهِمْ مُهَدَّدٌ بِالرَّفْضِ لِتَفْصِيلٍ بِيُرُوقْرَاطِيٍّ بَحْتٍ: عَبَرُوا حُدُودَ بَلَدٍ أُورُوبِّيٍّ آخَرَ قَبْلَ بُلُوغِهِمْ أَلْمَانِيَا، وَسُجِّلَتْ بَصَمَاتُهُمْ هُنَاكَ، مِمَّا يَعْنِي، وَفْقَ حَرْفِيَّةِ الْقَانُونِ، أَنَّ تِلْكَ الدَّوْلَةَ هِيَ الْمَسْؤُولَةُ عَنْ طَلَبِ لُجُوئِهِمْ، لَا أَلْمَانِيَا. غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الدَّوْلَةَ تَرْفُضُ اسْتِقْبَالَهُمْ عَمَلِيًّا، بَيْنَمَا تُصِرُّ أَلْمَانِيَا عَلَى تَرْحِيلِهِمْ إِلَيْهَا رَغْمَ ذَلِكَ.»
«وَمَاذَا يَعْنِي هَذَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟»
«يَعْنِي أَنَّهُمْ قَدْ يُرَحَّلُونَ إِلَى بَلَدٍ لَا يُرِيدُ اسْتِقْبَالَهُمْ أَصْلًا، فَيَنْتَهِيَ بِهِمِ الْمَطَافُ عَالِقِينَ فِي مِنْطَقَةٍ رَمَادِيَّةٍ لَا قَانُونَ فِيهَا وَلَا رَحْمَةَ: لَا هُمْ فِي أَلْمَانِيَا رَسْمِيًّا، وَلَا هُمْ مَقْبُولُونَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الْآخَرِ.»
قَالَ يُوسُفُ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ غَضَبًا هَادِئًا، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يَصْرُخُ بَلْ يُحْرِقُ مِنَ الدَّاخِلِ:
«هَذَا يُشْبِهُ أَنْ تُعَاقِبَ عَائِلَةً فَقَدَتْ طِفْلَهَا بِالْفِعْلِ، عَلَى تَفْصِيلٍ إِجْرَائِيٍّ لَا ذَنْبَ لَهُمْ فِيهِ.»
«هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَشْعُرُ بِهِ، يَا يُوسُفُ. أَعْمَلُ فِي هَذَا الْمَجَالِ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَمَا زِلْتُ أَعْجَزُ عَنِ التَّصَالُحِ مَعَ فِكْرَةِ أَنَّ الْقَانُونَ، الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَحْمِيَ النَّاسَ، قَدْ يَتَحَوَّلُ أَحْيَانًا إِلَى أَدَاةٍ تُضَاعِفُ مُعَانَاتَهُمْ، لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ صِيغَ لِسِيَاقٍ لَا يَتَّسِعُ لِتَعْقِيدِ حَالَاتِهِمُ الْإِنْسَانِيَّةِ.»
سَأَلَ يُوسُفُ: «وَمَاذَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ؟»
«أُحَاوِلُ تَقْدِيمَ اسْتِئْنَافٍ، وَطَلَبَ اسْتِثْنَاءٍ إِنْسَانِيٍّ اسْتِنَادًا إِلَى الصَّدْمَةِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي عَاشَتْهَا الْعَائِلَةُ، وَفَقْدِ الطِّفْلِ. لَكِنَّ هَذَا يَتَطَلَّبُ أَدِلَّةً مُوَثَّقَةً، وَتَقَارِيرَ نَفْسِيَّةً، وَشَهَادَاتٍ، وَوَقْتًا لَا يَمْلِكُونَهُ دَائِمًا وَسْطَ ضَغْطِ التَّرْحِيلِ الْوَشِيكِ.»
«هَلْ الْتَقَيْتَ الْعَائِلَةَ شَخْصِيًّا؟»
«نَعَمْ، عِدَّةَ مَرَّاتٍ. الْأَبُ، اسْمُهُ فِرَاسٌ، رَجُلٌ هَادِئٌ إِلَى حَدٍّ مُدْهِشٍ، لَا يَشْتَكِي أَبَدًا رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ. أَمَّا الْأُمُّ، لِينَا… نَعَمْ، تَحْمِلُ اسْمَ ابْنَتِكَ نَفْسَهُ، فَتَقْضِي مُعْظَمَ وَقْتِهَا فِي صَمْتٍ، تَحْمِلُ حُزْنًا عَمِيقًا لَا تُبِيحُ بِهِ إِلَّا نَادِرًا.»
اقْتَرَحَ يُوسُفُ، بِحَمَاسٍ فَاجَأَ حَتَّى نَفْسَهُ:
«تُومَاس، هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَلْتَقِيَ هَذِهِ الْعَائِلَةَ؟ رُبَّمَا أَسْتَطِيعُ الْمُسَاعَدَةَ بِطَرِيقَةٍ مَا، حَتَّى لَوْ لَمْ أَكُنْ مُحَامِيًا. لَدَيَّ شَبَكَةُ مَعَارِفَ قَدْ تُسَاعِدُ فِي تَسْرِيعِ اعْتِمَادِ شَهَادَةِ فِرَاسٍ الْمِهَنِيَّةِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ فِي مَنْحِهِمْ شَيْئًا مِنَ الدَّعْمِ الْمَعْنَوِيِّ.»
نَظَرَ تُومَاسُ إِلَى صَدِيقِهِ بِامْتِنَانٍ لَمْ يُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ.
«سَيُسْعِدُهُمْ هَذَا كَثِيرًا يَا يُوسُفُ. أَحْيَانًا، وَسْطَ كُلِّ هَذِهِ الْإِجْرَاءَاتِ الْقَانُونِيَّةِ الْبَارِدَةِ، لَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَّا أَنْ يَشْعُرُوا أَنَّ أَحَدًا يَرَاهُمْ بَشَرًا، لَا مَلَفًّا رَقْمِيًّا فِي نِظَامٍ لَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ.»
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، زَارَ يُوسُفُ مُخَيَّمَ اللُّجُوءِ بِرِفْقَةِ تُومَاسَ، وَالْتَقَى فِرَاسًا وَزَوْجَتَهُ لِينَا وَأَطْفَالَهُمَا الْأَرْبَعَةَ. جَلَسُوا فِي خَيْمَتِهِمِ الْمُؤَقَّتَةِ، الَّتِي حَاوَلُوا، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الْقَاسِيَةِ، أَنْ يَمْنَحُوهَا شَيْئًا مِنَ الدِّفْءِ: رُسُومَاتُ الْأَطْفَالِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْقُمَاشِ الْبَالِي، وَصُورَةٌ عَائِلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ سُورِيَا مَوْضُوعَةٌ بِعِنَايَةٍ فَوْقَ رَفٍّ صَغِيرٍ ارْتَجَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ.
قَالَ فِرَاسٌ، بَعْدَ أَنْ تَبَادَلَا حَدِيثًا قَصِيرًا:
«يَا يُوسُفُ، أَشْكُرُكَ عَلَى زِيَارَتِكَ، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا: لَسْتُ فِي حَاجَةٍ إِلَى شَفَقَةٍ. أَنَا مُهَنْدِسٌ، بَنَيْتُ مَبَانِيَ كَثِيرَةً فِي حَيَاتِي، وَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْنِيَ حَيَاةً جَدِيدَةً هُنَا أَيْضًا، إِنْ أُتِيحَتْ لِي الْفُرْصَةُ فَقَطْ.»
«لَمْ آتِ بِدَافِعِ الشَّفَقَةِ يَا فِرَاسُ. أَتَيْتُ لِأَنِّي أُؤْمِنُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَى بِكَامِلِ إِنْسَانِيَّتِهِ، لَا كَرَقْمٍ فِي نِظَامٍ، وَأُرِيدُ أَنْ أُسَاعِدَ، بِمَا أَسْتَطِيعُ، لِتُتَاحَ لَكَ تِلْكَ الْفُرْصَةُ.»
تَحَدَّثَتْ لِينَا، زَوْجَةُ فِرَاسٍ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بِدَايَةِ الزِّيَارَةِ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ ثِقَلَ حُزْنٍ لَا قَرَارَ لَهُ:
«يَا يُوسُفُ، فَقَدْنَا ابْنَنَا كَرِيمًا فِي ذَلِكَ الْقَارِبِ. كَانَ فِي السَّادِسَةِ مِنْ عُمْرِهِ. كُلَّ يَوْمٍ أَسْتَيْقِظُ، أَتَذَكَّرُهُ، وَأَتَسَاءَلُ: هَلْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ نُنْقِذَهُ لَوِ اخْتَرْنَا طَرِيقًا آخَرَ؟ هَلْ كَانَ قَرَارُ الرَّحِيلِ خَطَأً كَبِيرًا دَفَعَ ابْنِي ثَمَنَهُ؟»
صَمَتَ الْجَمِيعُ، وَشَعَرَ يُوسُفُ بِثِقْلِ هَذَا السُّؤَالِ، الَّذِي يُشْبِهُ، مِنْ بَعِيدٍ، الْأَسْئِلَةَ نَفْسَهَا الَّتِي طَرَحَتْهَا الرِّوَايَةُ كُلُّهَا مُنْذُ صَفْحَتِهَا الْأُولَى: أَنَحْنُ صُنَّاعُ أَحْدَاثِنَا أَمْ ضَحَايَاهَا؟
قَالَ يُوسُفُ، بِحَذَرٍ يَشُوبُهُ تَعَاطُفٌ صَادِقٌ:
«لِينَا، لَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِيَقِينٍ. رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَرِيقٌ آمِنٌ تَمَامًا، وَسْطَ حَرْبٍ لَمْ تَخْتَارُوهَا أَنْتُمْ. لَكِنِّي أَرَى، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْأَلَمِ، أَنَّكُمْ لَمْ تَسْتَسْلِمُوا: أَنْتُمْ هُنَا، تُحَاوِلُونَ بِنَاءَ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ لِأَطْفَالِكُمُ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ، رَغْمَ الْفَقْدِ، رَغْمَ الْبِيُرُوقْرَاطِيَّةِ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. هَذَا، فِي حَدِّ ذَاتِهِ، لَيْسَ اسْتِسْلَامًا لِلْقَدَرِ، بَلْ مُقَاوَمَةٌ هَادِئَةٌ لَهُ.»
بَكَتْ لِينَا بِصَمْتٍ، وَقَالَتْ:
«لَمْ يَقُلْ لِي أَحَدٌ هَذَا مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. شُكْرًا لَكَ.»
بَعْدَ تِلْكَ الزِّيَارَةِ، شَرَعَ يُوسُفُ فِعْلِيًّا فِي الْمُسَاعَدَةِ: تَوَاصَلَ مَعَ نِقَابَةِ الْمُهَنْدِسِينَ لِتَسْرِيعِ اعْتِمَادِ شَهَادَةِ فِرَاسٍ، وَتَوَاصَلَ مَعَ مُنَظَّمَةٍ مَحَلِّيَّةٍ تُقَدِّمُ دَعْمًا نَفْسِيًّا لِلَّاجِئِينَ، لِيَتَوَاصَلُوا مَعَ لِينَا وَأَطْفَالِهَا.
بَعْدَ أَشْهُرٍ، وَنَتِيجَةَ جُهُودِ تُومَاسَ الْقَانُونِيَّةِ الْمُتَوَاصِلَةِ، إِلَى جَانِبِ الْأَدِلَّةِ الْإِضَافِيَّةِ الَّتِي جَمَعُوهَا، صَدَرَ قَرَارٌ اسْتِثْنَائِيٌّ بِقَبُولِ طَلَبِ لُجُوءِ الْعَائِلَةِ فِي أَلْمَانِيَا، دُونَ تَرْحِيلِهِمْ.
اتَّصَلَ تُومَاسُ بِيُوسُفَ بِحَمَاسٍ نَادِرٍ:
«يُوسُفُ! نَجَحْنَا! سَتَبْقَى الْعَائِلَةُ هُنَا!»
شَعَرَ يُوسُفُ بِفَرَحٍ عَمِيقٍ، وَاسْتَعَادَ كَلِمَاتِ لِينَا وَسُؤَالَهَا الَّذِي لَا إِجَابَةَ قَاطِعَةً لَهُ: هَلْ كَانَ قَرَارُ الرَّحِيلِ خَطَأً؟ فَكَّرَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ، رُبَّمَا، لَنْ يَجِدَ أَبَدًا إِجَابَةً نِهَائِيَّةً، لَكِنَّ مَا يَحْدُثُ الْآنَ، بَقَاءَهُمْ آمِنِينَ، وَفُرْصَةَ فِرَاسٍ فِي بِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، وَتَعَافِيَ لِينَا التَّدْرِيجِيَّ، كُلُّ هَذَا كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْنًى جَدِيدٍ يُبْنَى، لَا يَمْحُو الْفَقْدَ، لَكِنَّهُ يَمْنَحُهُ سِيَاقًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ مِنْ أَجْلِهِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَكَى يُوسُفُ لِسَلْمَى كُلَّ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
«سَلْمَى، هَذِهِ الْعَائِلَةُ عَلَّمَتْنِي شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ بِعُمْقٍ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الِاخْتِيَارِ وَالْقَدَرِ لَيْسَ سُؤَالًا فَلْسَفِيًّا مُجَرَّدًا فَقَطْ، بَلْ سُؤَالٌ يَعِيشُهُ نَاسٌ حَقِيقِيُّونَ كُلَّ يَوْمٍ، بِأَثْمَانٍ بَاهِظَةٍ أَحْيَانًا. وَرَأَيْتُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ، رَغْمَ أَقْسَى الْخَسَائِرِ، أَنْ يُوَاصِلَ الْمُشَارَكَةَ فِي صُنْعِ مَعْنَى حَيَاتِهِ، لَا أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْفَقْدِ وَحْدَهُ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِفَخْرٍ:
«أَظُنُّ أَنَّكَ، يَا يُوسُفُ، تَتَحَوَّلُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى رَجُلٍ لَا يَكْتَفِي بِفَهْمِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَسْعَى لِمُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ عَلَى مُوَاجَهَتِهَا أَيْضًا. هَذَا تَطَوُّرٌ جَمِيلٌ أَرَاهُ فِيكَ.»
بَعْدَ أَسَابِيعَ، دَعَا يُوسُفُ عَائِلَةَ فِرَاسٍ وَلِينَا لِزِيَارَةِ بَيْتِهِ، فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ اجْتِمَاعِيٍّ بَيْنَهُمَا خَارِجَ إِطَارِ الْمُسَاعَدَةِ الرَّسْمِيَّةِ. جَلَسَتْ لِينَا مَعَ سَلْمَى فِي الْمَطْبَخِ، بَيْنَمَا لَعِبَ أَطْفَالُ الْعَائِلَتَيْنِ مَعًا فِي الصَّالَةِ، وَتَحَدَّثَتِ الْمَرْأَتَانِ طَوِيلًا عَنِ الْأُمُومَةِ، عَنِ الْخَوْفِ، عَنْ مَعْنَى أَنْ تَبْنِيَ بَيْتًا جَدِيدًا بَعِيدًا عَنِ الْوَطَنِ الْأَوَّلِ.
قَالَتْ لِينَا، قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«سَلْمَى، شُكْرًا لِهَذَا اللِّقَاءِ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِنَا، شَعَرْتُ أَنَّنَا لَسْنَا فَقَطْ ‘عَائِلَةً لَاجِئَةً’ فِي نَظَرِ مَنْ حَوْلَنَا، بَلْ أَصْدِقَاءَ حَقِيقِيِّينَ يُشَارِكُونَنَا حَيَاتَنَا، بِكُلِّ أَفْرَاحِهَا وَأَحْزَانِهَا.»
احْتَضَنَتْ سَلْمَى لِينَا بِحَرَارَةٍ، وَشَعَرَتْ أَنَّ دَائِرَةَ الرِّوَايَةِ، الَّتِي بَدَأَتْ بِحَدَثٍ فَرْدِيٍّ فِي بَيْتِهَا الصَّغِيرِ، أَخَذَتْ تَتَّسِعُ لِتَشْمَلَ قِصَصًا أُخْرَى، أَعْمَقَ أَلَمًا وَأَعْظَمَ صُمُودًا، تُذَكِّرُهَا جَمِيعًا بِأَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ لَا يُصْنَعُ فِي الْعُزْلَةِ، بَلْ فِي الرَّوَابِطِ الَّتِي نَبْنِيهَا مَعَ مَنْ يُشَارِكُونَنَا، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ، السُّؤَالَ الْإِنْسَانِيَّ نَفْسَهُ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ
مَرَّتْ أَشْهُرٌ عَلَى بِدَايَةِ مَشْرُوعِ سُهَى الصَّغِيرِ، ذَلِكَ الَّذِي أَسْنَدَهُ كَرِيمٌ بِخُطْوَةٍ مَحْسُوبَةٍ كَمَا اتَّفَقَا، وَكَانَتِ الْأُمُورُ تَسِيرُ بِمَا يُشْبِهُ الْبِشَارَةَ: طَلَبَاتٌ تَتَزَايَدُ، عُمَلَاءُ رَاضُونَ، وَثِقَةٌ تَتَنَامَى فِي دَاخِلِ سُهَى بِأَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَقُودَ مَشْرُوعَهَا بِيَدَيْهَا وَحْدَهَا. ثُمَّ، فِي صَبَاحٍ لَا يُوحِي بِشَيْءٍ، هَبَطَ خَبَرٌ كَصَاعِقَةٍ لَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ: الْمُورِّدُ الرَّئِيسُ الَّذِي كَانَا يَتَّكِئَانِ عَلَيْهِ لِتَوْرِيدِ الْمَوَادِّ الْخَامِ أَعْلَنَ إِفْلَاسَهُ فَجْأَةً، وَتَبَخَّرَ، تَارِكًا خَلْفَهُ دَفْعَةً مُسَبَّقَةً ابْتَلَعَتْ مَا يَقْرُبُ مِنْ كُلِّ مُدَّخَرَاتِهِمَا، دُونَ أَنْ يُسَلِّمَ بِضَاعَةً وَلَا وَعْدًا.
اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِيُوسُفَ، وَكَانَ صَوْتُهُ يَرْتَجِفُ كَوَتَرٍ شُدَّ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ: “يُوسُفُ، خَسِرْنَا كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا. الْمُورِّدُ اخْتَفَى، وَالْمَالُ ضَاعَ، وَسُهَى تَبْكِي مُنْذُ الصَّبَاحِ.”
لَمْ يُمْهِلْ يُوسُفُ الْخَبَرَ وَقْتًا لِيَسْتَقِرَّ فِي ذِهْنِهِ؛ رَكِبَ سَيَّارَتَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَحِينَ وَصَلَ بَيْتَ كَرِيمٍ وَجَدَ سُهَى جَالِسَةً فِي الصَّالَةِ، وَجْهُهَا شَاحِبٌ كَوَرَقَةٍ نُزِعَتْ مِنْ دِفْتَرٍ، وَكَرِيمٌ يُحَاوِلُ أَنْ يُهَدِّئَهَا وَهُوَ نَفْسُهُ عَلَى حَافَّةِ انْهِيَارٍ لَمْ يُخْفِهِ جَيِّدًا.
“سُهَى، كَرِيمُ، أَنَا آسِفٌ جِدًّا لِمَا حَدَثَ.” قَالَهَا يُوسُفُ وَهُوَ يَجْلِسُ قُبَالَتَهُمَا.
رَفَعَتْ سُهَى عَيْنَيْهَا الْحَمْرَاوَيْنِ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: “يُوسُفُ، هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ أَخَافُهُ، وَكَرِيمٌ أَيْضًا. الْخَسَارَةُ، الْفَشَلُ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْحَمَاسِ الَّذِي عِشْنَاهُ. أَشْعُرُ أَنِّي جَلَبْتُ هَذِهِ الْكَارِثَةَ عَلَى عَائِلَتِنَا.”
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى زَوْجَتِهِ نَظْرَةً هَادِئَةً، فَاجَأَتْ يُوسُفَ نَفْسَهُ، وَقَالَ: “سُهَى، لَا. لَنْ أَدَعَكِ تَلُومِينَ نَفْسَكِ. تَذَكَّرِي مَا تَحَدَّثْنَا عَنْهُ: لَسْنَا نَتَحَكَّمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّنَا نَخْتَارُ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ مَا يَحْدُثُ. هَذَا الْمُورِّدُ خَدَعَنَا، وَخَدَعَ تُجَّارًا آخَرِينَ كَثِيرِينَ كَمَا سَمِعْتُ، وَهَذَا لَيْسَ ذَنْبَكِ، وَلَا ذَنْبِي، بَلْ ظَرْفٌ خَارِجٌ تَمَامًا عَنْ إِرَادَتِنَا.”
اسْتَغْرَبَ يُوسُفُ هَذَا الرَّدَّ الْهَادِئَ مِنْ كَرِيمٍ، الَّذِي كَانَ، قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ لَا أَكْثَرَ، سَيَرَى فِي حَدَثٍ كَهَذَا تَأْكِيدًا نِهَائِيًّا لِفَلْسَفَتِهِ الْقَدِيمَةِ عَنِ اسْتِحَالَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى الْمَصِيرِ، فَقَالَ لَهُ: “كَرِيمُ، أَرَى فِيكَ تَغَيُّرًا كَبِيرًا. قَبْلَ أَشْهُرٍ، كُنْتَ سَتَقُولُ: ‘أَرَأَيْتِ؟ هَذَا مَا تَوَقَّعْتُهُ، لَا فَائِدَةَ مِنَ الْمُحَاوَلَةِ’. أَمَّا الْآنَ، فَتَقُولُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ لَا لَبْسَ فِيهَا. “صَحِيحٌ يَا يُوسُفُ. الْفَارِقُ الَّذِي تَعَلَّمْتُهُ هَذِهِ الْأَشْهُرَ هُوَ أَنَّ الْحَدَثَ نَفْسَهُ لَا يُحَدِّدُ مَصِيرَنَا وَحْدَهُ، بَلْ مَا نَفْعَلُهُ بَعْدَهُ. نَعَمْ، خَسِرْنَا مَبْلَغًا كَبِيرًا، وَهَذَا مُؤْلِمٌ جِدًّا، لَا أُنْكِرُ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْمَشْرُوعَ انْتَهَى، وَلَا يَعْنِي أَنَّنَا فَاشِلَانِ. يَعْنِي أَنَّنَا نَحْتَاجُ أَنْ نُعِيدَ التَّخْطِيطَ، وَأَنْ نَسْتَخْلِصَ الدَّرْسَ مِنْ هَذِهِ الْقَسْوَةِ، وَأَنْ نَمْضِيَ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ.”
بَدَأَتْ سُهَى تَهْدَأُ قَلِيلًا تَحْتَ وَقْعِ كَلِمَاتِ زَوْجِهَا، وَإِنْ ظَلَّ فِي صَوْتِهَا أَثَرُ الْقَلَقِ حِينَ سَأَلَتْ: “لَكِنْ، كَرِيمُ، مِنْ أَيْنَ سَنَجِدُ الْمَالَ لِنَسْتَمِرَّ؟ خَسِرْنَا كُلَّ مُدَّخَرَاتِنَا تَقْرِيبًا فِي هَذِهِ الصَّفْقَةِ.”
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: “سَنَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ، بِمِقْيَاسٍ أَصْغَرَ. سَنَبْحَثُ عَنْ مُوَرِّدِينَ أَكْثَرَ مَوْثُوقِيَّةً، وَلَوْ كَانَتِ الْكَمِّيَّاتُ أَقَلَّ فِي الْبِدَايَةِ. وَسَأَتَحَدَّثُ مَعَ بَعْضِ مَعَارِفِي فِي مَجَالِ الْأَعْمَالِ، لَعَلَّهُمْ يُقَدِّمُونَ نَصِيحَةً، أَوْ حَتَّى مُسَاعَدَةً مُؤَقَّتَةً.”
فَبَادَرَ يُوسُفُ: “يُمْكِنُنِي أَنْ أُسَاعِدَ أَيْضًا، بِقَرْضٍ صَغِيرٍ إِنِ احْتَجْتُمَا، لَا هِبَةً، بَلْ قَرْضًا تُعِيدَانِهِ حِينَ تَسْتَقِرُّ الْأُمُورُ.”
نَظَرَتْ سُهَى إِلَيْهِ بِامْتِنَانٍ، لَكِنَّ تَرَدُّدًا خَفِيفًا شَابَ نَظْرَتَهَا. “يُوسُفُ، لَا أُرِيدُ أَنْ أُعَرِّضَ صَدَاقَتَكُمَا لِلْخَطَرِ بِسَبَبِ مَالٍ قَدْ لَا نَتَمَكَّنُ مِنْ إِعَادَتِهِ سَرِيعًا.”
فَقَالَ لَهَا، بِثِقَةٍ لَا تَحْتَمِلُ جِدَالًا: “سُهَى، الصَّدَاقَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تُخْتَبَرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ بِالذَّاتِ. لَا أُقَدِّمُ هَذَا لِأَشْعُرَ بِالتَّفَوُّقِ عَلَيْكُمَا، بَلْ لِأَنِّي أَرَى فِيكُمَا شَرَاكَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تَسْتَمِرَّ، بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمْتُمَاهُ مَعًا.”
فِي الْأَسَابِيعِ الَّتِي تَلَتْ، وَبِمُسَاعَدَةِ يُوسُفَ وَمَا تَبَقَّى مِنَ الْمَوَارِدِ، شَرَعَ كَرِيمٌ وَسُهَى فِي إِعَادَةِ بِنَاءِ الْمَشْرُوعِ بِحَذَرٍ أَكْبَرَ: بَحَثَا عَنْ مُوَرِّدِينَ مَوْثُوقِينَ بِعِنَايَةٍ لَمْ يَأْلَفَاهَا مِنْ قَبْلُ، قَلَّصَا حَجْمَ الطَّلَبَاتِ الْأُولَى، وَمَضَيَا بِبُطْءٍ، لَكِنْ بِثِقَةٍ أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً هَذِهِ الْمَرَّةَ، ثِقَةٍ لَمْ تَعُدْ سَاذَجَةً.
وَفِي إِحْدَى الْأَمْسِيَاتِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْأُمُورُ نِسْبِيًّا، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ يُوسُفَ يَتَأَمَّلَانِ مَا حَدَثَ، فَقَالَ لَهُ: “يُوسُفُ، أَتَعْرِفُ؟ لَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَزْمَةُ قَبْلَ عَامٍ، لَكُنْتُ اعْتَبَرْتُهَا دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لِلتَّغْيِيرِ مَحْكُومَةٌ بِالْفَشَلِ، وَلَتَوَقَّفْتُ تَمَامًا. لَكِنِّي هَذِهِ الْمَرَّةَ، رَأَيْتُ الْأَزْمَةَ نَفْسَهَا جُزْءًا مِنَ الطَّرِيقِ، لَا نِهَايَةً لَهُ.”
فَقَالَ يُوسُفُ، وَقَدْ لَمَعَتْ فِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةُ مَنْ يَشْهَدُ ثَمَرَةَ حِوَارَاتٍ طَوِيلَةٍ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُمَيِّزُ مَنْ يَظَلُّ أَسِيرَ أُطْرُوحَةِ ‘الضَّحِيَّةِ’، عَمَّنْ يَجِدُ طَرِيقَهُ إِلَى أُطْرُوحَةِ ‘الشَّرِيكِ فِي صِنَاعَةِ الْمَعْنَى’. الْحَدَثُ نَفْسُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ يَا كَرِيمُ؛ خَسِرْتُمَا مَالًا حَقِيقِيًّا، وَهَذَا مُؤْلِمٌ بِلَا شَكٍّ. لَكِنَّ تَفْسِيرَكَ لِهَذَا الْحَدَثِ، وَمَا قَرَّرْتَ أَنْ تَفْعَلَهُ بَعْدَهُ، هُوَ مَا تَغَيَّرَ جَذْرِيًّا.”
أَطَالَ كَرِيمٌ التَّفْكِيرَ فِي هَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ يُشْبِهُ الِاعْتِرَافَ: “أَظُنُّنِي، أَخِيرًا، بَدَأْتُ أَفْهَمُ مَا كُنْتُمَا تُحَاوِلَانِ أَنْ تُعَلِّمَانِي إِيَّاهُ، أَنْتَ وَسَلْمَى، طَوَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ: أَنَّ الْحَيَاةَ لَنْ تَتَوَقَّفَ عَنْ مُفَاجَأَتِنَا بِأَحْدَاثٍ لَمْ نُخَطِّطْ لَهَا، لَكِنَّ قُوَّتَنَا الْحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، مَهْمَا بَدَتِ الطَّرِيقُ وَعْرَةً، لَا فِي انْتِظَارِ طَرِيقٍ خَالٍ مِنَ الْعَقَبَاتِ لَنْ يَأْتِيَ أَبَدًا.”
وَبَعْدَ أَشْهُرٍ أُخْرَى، نَجَحَ مَشْرُوعُ سُهَى الصَّغِيرُ أَخِيرًا فِي تَحْقِيقِ أَوَّلِ أَرْبَاحِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَاضِعَةً فِي رَقْمِهَا. احْتَفَلَتِ الْعَائِلَةُ الصَّغِيرَةُ بِهَذَا الْإِنْجَازِ، لَا لِأَنَّهُ كَبِيرٌ فِي حَجْمِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ يُمَثِّلُ رِحْلَةً كَامِلَةً مِنَ الْخَوْفِ إِلَى الشَّجَاعَةِ، وَمِنَ الِاسْتِسْلَامِ إِلَى الْمُحَاوَلَةِ رَغْمَ كُلِّ الصِّعَابِ.
قَالَتْ سُهَى، وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي أَوَّلِ شَهَادَةِ نَجَاحٍ صَغِيرَةٍ لِمَشْرُوعِهَا وَكَأَنَّهَا تَرَى فِيهَا وَجْهَهَا الْجَدِيدَ: “كَرِيمُ، لَمْ أَكُنْ لِأَصِلَ إِلَى هُنَا لَوْلَا أَنَّكَ، رَغْمَ كُلِّ خَوْفِكَ الْقَدِيمِ، اخْتَرْتَ أَنْ تَثِقَ بِي فِي تِلْكَ الْخُطْوَةِ الْأُولَى الصَّغِيرَةِ.”
فَرَدَّ عَلَيْهَا بِنَظْرَةٍ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى كَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ: “وَلَمْ أَكُنْ لِأَتَعَلَّمَ الثِّقَةَ، لَوْلَا أَنَّ الْحَيَاةَ، بِقَسْوَتِهَا أَحْيَانًا، مَنَحَتْنِي فُرْصَةً لِأُثْبِتَ لِنَفْسِي أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أَظُنُّ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَ يُوسُفُ بَيْتَ كَرِيمٍ وَسُهَى، جَلَسَ إِلَى سَلْمَى، وَحَكَى لَهَا تَفَاصِيلَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الصَّغِيرَةِ كُلَّهَا، مِنَ الْخَسَارَةِ إِلَى الِانْتِعَاشِ، وَقَالَ: “سَلْمَى، أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَزْمَةَ، رَغْمَ قَسْوَتِهَا، كَانَتِ اخْتِبَارًا حَقِيقِيًّا لِكُلِّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ مَعًا هَذِهِ الْأَشْهُرَ. كَانَ مِنَ السَّهْلِ جِدًّا أَنْ يَعُودَ كَرِيمٌ إِلَى يَأْسِهِ الْقَدِيمِ، وَكَانَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ تَلُومَ سُهَى نَفْسَهَا إِلَى الْأَبَدِ. لَكِنَّهُمَا، مَعًا، اخْتَارَا طَرِيقًا مُخْتَلِفًا.”
فَقَالَتْ سَلْمَى، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ بَدَا وَكَأَنَّهَا تُوَازِنُ فِيهِ كَلِمَاتِهَا: “أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الِاخْتِبَارُ الْحَقِيقِيُّ لِأَيِّ تَحَوُّلٍ دَاخِلِيٍّ، يَا يُوسُفُ: لَيْسَ فِي اللَّحَظَاتِ الْهَادِئَةِ حِينَ يَسْهُلُ أَنْ نَكُونَ أَفْضَلَ نُسْخَةٍ مِنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ فِي لَحَظَاتِ الْأَزْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، حِينَ يَعُودُ كُلُّ خَوْفِنَا الْقَدِيمِ بِقُوَّةٍ، وَنُضْطَرُّ أَنْ نَخْتَارَ، مِنْ جَدِيدٍ، أَيَّ نُسْخَةٍ مِنْ أَنْفُسِنَا سَنَكُونُ.”
ابْتَسَمَ يُوسُفُ، وَانْصَرَفَ ذِهْنُهُ إِلَى رِحْلَتِهِ هُوَ أَيْضًا، وَإِلَى كُلِّ الْأَزَمَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي وَاجَهَهَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ مَنْ رَافَقَهُ فِيهَا، وَلِنَفْسِهِ أَيْضًا، تِلْكَ الَّتِي وَجَدَتْ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، الشَّجَاعَةَ لِتَتَغَيَّرَ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ الْعَائِلَةُ خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ؛ مَرَضِ الْأَبِ، وَاعْتِرَافِ يُوسُفَ، وَأَزْمَةِ كَرِيمٍ وَسُهَى، وَمُعَانَاةِ عَائِلَةِ فِرَاسٍ وَلِينَا؛ وَجَدَتْ سَلْمَى نَفْسَهَا، فِي مَسَاءٍ هَادِئٍ، تَتَأَمَّلُ كَيْفَ تَغَيَّرَتْ عَلَاقَتُهَا بِيُوسُفَ تَغَيُّرًا جَذْرِيًّا، لَا بِحَدَثٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ، بَلْ بِتَرَاكُمِ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مَعًا، كَحَبَّاتِ رَمْلٍ تَتَجَمَّعُ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهَا أَحَدٌ، حَتَّى تُصْبِحَ شَاطِئًا.
كَانَتْ قَدْ بَدَأَتْ، فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، تَكْتُبُ فِي دَفْتَرِهَا بِانْتِظَامٍ لَمْ تَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ، لَا لِتُوَثِّقَ الْأَحْدَاثَ فَحَسْبُ، بَلْ لِتَفْهَمَ، عَبْرَ الْكِتَابَةِ ذَاتِهَا، كَيْفَ تَشَكَّلَتْ هَذِهِ الْأَشْهُرُ فِي تَجْرِبَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَبْقَى ذِكْرَيَاتٍ مُتَنَاثِرَةً. كَانَتْ تَشْعُرُ أَنَّ ثَمَّةَ خَيْطًا يَرْبِطُ كُلَّ مَا حَدَثَ: مُكَالَمَةَ أُمِّهَا الْأُولَى، وَاعْتِرَافَ يُوسُفَ بِدَفْتَرِهِ، وَحَدِيثَهَا مَعَ رِيمَ عَنِ السَّعَادَةِ، وَلِقَاءَهَا بِأَبِيهَا، وَأَزْمَةَ كَرِيمٍ وَسُهَى، حَتَّى مُعَانَاةَ عَائِلَةِ فِرَاسٍ الَّتِي الْتَقَتْهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ. كُلُّ هَذِهِ الْخُيُوطِ، رَغْمَ تَبَاعُدِهَا الظَّاهِرِيِّ، كَانَتْ تُنْسَجُ مَعًا فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ مِنَ الْفَهْمِ الْمُتَجَدِّدِ لِمَعْنَى الْحُبِّ وَالْحُضُورِ.
جَلَسَتْ مَعَهُ فِي الشُّرْفَةِ، يَحْتَسِيَانِ الشَّايَ، وَقَالَتْ:
“يُوسُفُ، أَتَذْكُرُ حِينَ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ، بِمُكَالَمَةِ أُمِّي عَنْ مَرَضِ أَبِي؟ لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ هَذَا الْحَدَثَ سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَنَا، بِهَذَا الْعُمْقِ.”
“وَلَا أَنَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنَا سَنَمُرُّ بِأَزْمَةٍ عَابِرَةٍ، ثُمَّ نَعُودُ إِلَى نَمَطِنَا الْقَدِيمِ، كَمَا فَعَلْنَا مَرَّاتٍ كَثِيرَةً مِنْ قَبْلُ.”
“وَلِمَاذَا تَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً؟”
أَطَالَ يُوسُفُ التَّفْكِيرَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَكَأَنَّهُ يَتَحَسَّسُ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ يُطْلِقَهَا.
“أَظُنُّ أَنَّ الْفَارِقَ هُوَ أَنَّنَا، هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ نَكْتَفِ بِتَجَاوُزِ الْأَزْمَةِ، بَلْ حَاوَلْنَا أَنْ نَفْهَمَهَا، أَنْ نَغُوصَ فِي جُذُورِهَا، لَا أَنْ نَمْسَحَ آثَارَهَا السَّطْحِيَّةَ فَقَطْ. حِينَ اعْتَرَفْتُ لَكِ بِدَفْتَرِي الْقَدِيمِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُجَرَّدَ اعْتِذَارٍ عَابِرٍ؛ كَانَ مُحَاوَلَةً حَقِيقِيَّةً لِفَهْمِ لِمَاذَا أَتَصَرَّفُ كَمَا أَتَصَرَّفُ.”
“وَأَنَا أَيْضًا، حِينَ سَأَلَتْنِي رِيمُ إِنْ كُنْتُ سَعِيدَةً، لَمْ أَكْتَفِ بِإِجَابَةٍ سَرِيعَةٍ؛ بَدَأْتُ رِحْلَةَ سُؤَالٍ مُسْتَمِرَّةٍ، مَا زِلْتُ أَطْرَحُهَا عَلَى نَفْسِي كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا.”
قَالَ يُوسُفُ:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْعَلَاقَةِ الَّتِي ‘تَنْجُو’ مِنَ الْأَزَمَاتِ، وَالْعَلَاقَةِ الَّتِي ‘تَتَحَوَّلُ’ بِهَا. النَّجَاةُ تَعْنِي أَنَّنَا نَعُودُ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ يَهْدَأَ الْغُبَارُ. أَمَّا التَّحَوُّلُ فَيَعْنِي أَنَّنَا نُصْبِحُ شَيْئًا جَدِيدًا تَمَامًا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ إِلَى النَّمَطِ الْقَدِيمِ، لِأَنَّنَا، بِبَسَاطَةٍ، لَمْ نَعُدْ أَنْفُسَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ كُنَّاهُمْ قَبْلَ الْأَزْمَةِ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهِ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ.
“وَهَلْ تَشْعُرُ أَنَّنَا أَصْبَحْنَا ‘شَيْئًا جَدِيدًا’، يَا يُوسُفُ؟”
“أَشْعُرُ أَنَّنَا أَصْبَحْنَا أَكْثَرَ صِدْقًا مَعَ أَنْفُسِنَا وَمَعَ بَعْضِنَا. لَا أَظُنُّ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى ‘الْكَمَالِ’، فَمَا زِلْتُ أُخْطِئُ أَحْيَانًا، وَأَعُودُ إِلَى بَعْضِ عَادَاتِي الْقَدِيمَةِ، كَمَا حَدَثَ مَعَ جَدْوَلِ رِحْلَتِكِ الْمُفَصَّلِ. لَكِنَّ الْفَارِقَ أَنَّنَا، الْآنَ، نُلَاحِظُ هَذِهِ الْأَخْطَاءَ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ، وَنُصَحِّحُهَا مَعًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ نَدَعَهَا تَتَرَاكَمُ فِي صَمْتٍ.”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَخَلَتْ لِينَا إِلَى الشُّرْفَةِ، حَامِلَةً كُوبَ شَايٍ لِنَفْسِهَا، وَجَلَسَتْ مَعَهُمَا.
“عَمَّ تَتَحَدَّثَانِ؟”
قَالَتْ سَلْمَى:
“نَتَحَدَّثُ عَنْ كَيْفَ تَغَيَّرَتْ عَلَاقَتُنَا، أَنَا وَأَبُوكِ، خِلَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ.”
ابْتَسَمَتْ لِينَا، وَقَالَتْ بِجُرْأَةٍ اعْتَادَتْهَا الْآنَ:
“لَاحَظْتُ هَذَا، أَنْتُمَا. الْبَيْتُ أَصْبَحَ مُخْتَلِفًا. لَمْ تَعُودَا تَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ وَأَنْتُمَا تَظُنَّانِ أَنِّي نَائِمَةٌ، خَوْفًا مِنْ أَنْ أَسْمَعَ خِلَافَكُمَا. أَصْبَحْتُمَا تَتَحَدَّثَانِ بِصَرَاحَةٍ، حَتَّى أَمَامِي أَحْيَانًا، وَهَذَا يُشْعِرُنِي بِأَمَانٍ أَكْبَرَ، لَا أَقَلَّ، عَكْسَ مَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ.”
قَالَ يُوسُفُ:
“وَمَاذَا تَعَلَّمْتِ أَنْتِ، يَا لِينَا، مِنْ كُلِّ مَا رَأَيْتِهِ هَذِهِ الْأَشْهُرَ؟”
فَكَّرَتْ لِينَا قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ غِيَابَ الْمَشَاكِلِ، بَلِ الْقُدْرَةَ عَلَى مُوَاجَهَتِهَا مَعًا، بِصَرَاحَةٍ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْخَوْفَ لَهُ دَائِمًا سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْهَمَ، لَا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ. وَتَعَلَّمْتُ، أَيْضًا، أَنِّي، حِينَ أَكْبَرُ وَأَبْنِي عَلَاقَتِي الْخَاصَّةَ يَوْمًا، سَأَبْحَثُ عَنْ شَرِيكٍ يَسْأَلُنِي كَيْفَ أَشْعُرُ، لَا شَرِيكٍ يُخَطِّطُ لِحَيَاتِي فَقَطْ.”
نَظَرَ يُوسُفُ وَسَلْمَى إِلَى ابْنَتِهِمَا بِفَخْرٍ عَمِيقٍ.
قَالَتْ سَلْمَى:
“لِينَا، أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ أَجْمَلُ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ نَتْرُكَهُ لَكِ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا: لَيْسَ مَالًا، وَلَا بَيْتًا، بَلْ فَهْمًا جَدِيدًا لِمَا يَعْنِيهِ الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ، حَتَّى تَحْمِلِيهِ مَعَكِ، وَتَبْنِيهِ بِطَرِيقَتِكِ الْخَاصَّةِ، حِينَ يَحِينُ وَقْتُكِ.”
جَلَسُوا الثَّلَاثَةُ صَامِتِينَ لِدَقَائِقَ، يَسْتَمْتِعُونَ بِهُدُوءِ الْمَسَاءِ، وَشَعَرَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى زَوْجِهَا وَابْنَتِهَا، أَنَّ هَذَا الْحَدَثَ الَّذِي بَدَأَ بِخَبَرٍ مُؤْلِمٍ عَنْ مَرَضِ أَبِيهَا، أَعَادَ تَرْتِيبَ أَوْلَوِيَّاتِهَا بِالْكَامِلِ: لَمْ يَعُدِ الْأَمَانُ يَعْنِي الِاسْتِقْرَارَ الظَّاهِرِيَّ وَحْدَهُ، بَلِ الصِّدْقَ الْعَمِيقَ فِي الْعَلَاقَاتِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْخَوْفِ بَدَلًا مِنَ الْهُرُوبِ مِنْهُ أَوْ إِخْفَائِهِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ أَنْ نَامَتْ لِينَا، كَتَبَتْ سَلْمَى فِي دَفْتَرِهَا:
“الْحَدَثُ الَّذِي أَعَادَ تَرْتِيبَ حَيَاتِنَا لَمْ يَكُنْ مَرَضَ أَبِي وَحْدَهُ، بَلْ سِلْسِلَةً كَامِلَةً مِنَ اللَّحَظَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَلَتْهُ: اعْتِرَافُ يُوسُفَ، وَحَدِيثُ رِيمَ، وَأَزْمَةُ كَرِيمٍ، وَأَلَمُ لِينَا وَفَرَحُهَا، وَمُعَانَاةُ عَائِلَةِ فِرَاسٍ. كُلُّ حَدَثٍ مِنْهَا كَانَ صَغِيرًا فِي ذَاتِهِ، لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا أَعَادَ تَشْكِيلَ فَهْمِنَا لِلْحُبِّ بِالْكَامِلِ. تَعَلَّمْنَا أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ شُعُورًا ثَابِتًا يُعْطَى مَرَّةً وَيَسْتَمِرُّ إِلَى الْأَبَدِ، بَلْ مُمَارَسَةً يَوْمِيَّةً مِنَ الصِّدْقِ وَالْإِصْغَاءِ وَالْمُرَاجَعَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، تَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ، وَتَحْتَاجُ مِنَّا أَنْ نَخْتَارَهَا، مِرَارًا وَتَكْرَارًا، لَا أَنْ نَنْتَظِرَهَا تَأْتِي إِلَيْنَا جَاهِزَةً.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَنَظَرَتْ مِنْ نَافِذَةِ غُرْفَتِهَا إِلَى السَّمَاءِ الْمُرَصَّعَةِ بِنُجُومٍ قَلِيلَةٍ تَظْهَرُ رَغْمَ أَضْوَاءِ الْمَدِينَةِ، وَفَكَّرَتْ فِي كُلِّ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ عَبَرُوا هَذِهِ الرِّحْلَةَ مَعَهَا: أَبُوهَا الَّذِي وَجَدَ أَخِيرًا شَجَاعَةَ الِاعْتِرَافِ بِخَوْفِهِ، وَمِيسَاءُ الَّتِي وَاجَهَتْ إِرْثَهَا الْخَاصَّ، وَزِيَادٌ الَّذِي كَسَرَ صَمْتَهُ أَخِيرًا، وَرِيمُ الَّتِي وَاجَهَتْ زَوَاجَهَا بِصَرَاحَةٍ، وَكَرِيمٌ وَسُهَى اللَّذَانِ تَجَاوَزَا أَزْمَتَهُمَا مَعًا، وَفِرَاسٌ وَلِينَا اللَّذَانِ يَبْنِيَانِ حَيَاةً جَدِيدَةً رَغْمَ الْفَقْدِ. شَعَرَتْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَضَافَ خَيْطًا إِلَى نَسِيجِ فَهْمِهَا الْخَاصِّ لِمَعْنَى أَنْ نَكُونَ بَشَرًا، نَحْمِلُ مَا وُرِّثْنَاهُ، وَنَخْتَارُ، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، كَيْفَ نُعِيدُ صِيَاغَتَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ
مَرَّتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي رَنَّ فِيهَا هَاتِفُ سَلْمَى بِخَبَرِ مَرَضِ أَبِيهَا، وَهَا هُوَ الْأَبُ يَتَحَسَّنُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، يَمْشِي الْآنَ بِمُسَاعَدَةِ عَصًا، وَيُخَطِّطُ، بِحَمَاسٍ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ طُولِ غِيَابٍ، لِزِيَارَةِ سَلْمَى فِي أَلْمَانِيَا قَرِيبًا، رِحْلَةٌ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَقُومُ بِهَا فِي هَذَا الْعُمْرِ.
فِي الْأَرْشِيفِ الْغَرِيبِ، جَلَسَ سَامِي، وَقَدْ صَارَتْ زِيَارَاتُ صَدِيقَتِهِ الْجَدِيدَةِ، الَّتِي أَضْحَتِ الْآنَ أَقْرَبَ مِنْ مُجَرَّدِ صَدِيقَةٍ، جُزْءًا مُنْتَظِمًا مِنْ حَيَاتِهِ. فَتَحَ مَلَفًّا جَدِيدًا وَصَلَهُ، لَكِنَّهُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ يَكُنْ عَنْ شَخْصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ حَزْمَةَ تَقَارِيرَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ أَزْمِنَةٍ وَأَمْكِنَةٍ شَتَّى، يَجْمَعُهَا خَيْطٌ وَاحِدٌ: كَيْفَ يَتَغَيَّرُ النَّاسُ بَعْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى لِأَيِّ حَدَثٍ كَبِيرٍ.
قَرَأَ تَقْرِيرًا مُوجَزًا عَنْ زَوْجَيْنِ إِسْكَنْدِنَافِيَّيْنِ، عَاشَا قَبْلَ عُقُودٍ، وَاجَهَا تَشْخِيصَ مَرَضٍ خَطِيرٍ لِابْنِهِمَا الْوَحِيدِ. كَتَبَ الزَّوْجُ فِي مُذَكِّرَاتِهِ: “فِي الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ بَعْدَ التَّشْخِيصِ، شَعَرْنَا، أَنَا وَزَوْجَتِي، أَنَّنَا نَتَحَرَّكُ فِي ضَبَابٍ كَثِيفٍ، كُلُّ قَرَارٍ يَبْدُو مُسْتَحِيلًا، وَكُلُّ يَوْمٍ يُشْبِهُ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي ثِقْلِهِ. لَكِنْ، مَعَ مُرُورِ الْأَسَابِيعِ، بَدَأْنَا، دُونَ أَنْ نُخَطِّطَ لِذَلِكَ، نَجِدُ إِيقَاعًا جَدِيدًا: نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ خَوْفِنَا مَعَ بَعْضِنَا كُلَّ مَسَاءٍ، بَدَلَ أَنْ يَحْمِلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِمُفْرَدِهِ فِي صَمْتٍ.”
وَقَرَأَ سَامِي أَيْضًا عَنْ عَائِلَةٍ يَابَانِيَّةٍ، وَاجَهَتْ ضَغْطَ الْمُجْتَمَعِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ ابْنُهَا الْأَكْبَرُ تَرْكَ مَسَارِهِ الْمِهَنِيِّ التَّقْلِيدِيِّ، وَكَيْفَ أَنَّ الصَّدْمَةَ الْأُولَى، الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا سَتُمَزِّقُ الْعَائِلَةَ، تَحَوَّلَتْ، بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ التَّوَتُّرِ، إِلَى فُرْصَةٍ لِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ مَعْنَى النَّجَاحِ دَاخِلَ هَذِهِ الْأُسْرَةِ نَفْسِهَا. كَتَبَ الْأَبُ الْيَابَانِيُّ، فِي رِسَالَةٍ لِصَدِيقٍ مُقَرَّبٍ: “فِي الْبِدَايَةِ، شَعَرْتُ بِالْخِزْيِ أَمَامَ الْجِيرَانِ وَالْأَقَارِبِ. لَكِنِّي، مَعَ الْوَقْتِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ الْخِزْيَ كَانَ خِزْيِي أَنَا، لَا خِزْيَ ابْنِي. هُوَ يَعِيشُ حَيَاتَهُ، وَأَنَا كُنْتُ أَخَافُ فَقَطْ مِنْ نَظْرَةِ الْآخَرِينَ إِلَيَّ كَأَبٍ. حِينَ فَهِمْتُ هَذَا الْفَارِقَ، بَدَأْتُ أَرَى ابْنِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، إِنْسَانًا مُسْتَقِلًّا، لَا امْتِدَادًا لِصُورَتِي الِاجْتِمَاعِيَّةِ.”
أَطَالَ سَامِي التَّفْكِيرَ فِي هَذِهِ التَّقَارِيرِ الْمُتَنَوِّعَةِ، وَقَارَنَهَا بِمَا يَعْرِفُهُ عَنْ سَلْمَى وَعَائِلَتِهَا، وَعَنْ كَرِيمٍ وَسُهَى، وَعَنْ فِرَاسٍ وَلِينَا، وَعَنْ كُلِّ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَدْرَكَ نَمَطًا مُتَكَرِّرًا: الصَّدْمَةُ الْأُولَى لِأَيِّ حَدَثٍ كَبِيرٍ تَأْتِي دَائِمًا مَصْحُوبَةً بِفَوْضَى، بِضَبَابٍ يَصْعُبُ فِيهِ رُؤْيَةُ أَيِّ طَرِيقٍ وَاضِحٍ. لَكِنْ، مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ، إِنِ اخْتَارَ النَّاسُ مُوَاجَهَةَ هَذِهِ الْفَوْضَى بِصِدْقٍ وَتَوَاصُلٍ، بَدَلَ الْهُرُوبِ مِنْهَا بِصَمْتٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَإِنَّهُمْ يَجِدُونَ، تَدْرِيجِيًّا، إِيقَاعًا جَدِيدًا، لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَسْهَلَ مِنَ السَّابِقِ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ صِدْقًا وَعُمْقًا.
كَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ: “يَبْدُو أَنَّ الصَّدْمَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ هِيَ الْمَحَطَّةَ الْأَخِيرَةَ فِي أَيِّ حَدَثٍ كَبِيرٍ، بَلْ بِدَايَتُهُ فَقَطْ. مَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا، فِي الْأَسَابِيعِ وَالْأَشْهُرِ التَّالِيَةِ، هُوَ مَا يُحَدِّدُ فِعْلِيًّا مَعْنَى ذَلِكَ الْحَدَثِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ. الْبَعْضُ يَتَجَمَّدُ عِنْدَ تِلْكَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، يُعِيدُ تَكْرَارَهَا فِي ذِهْنِهِ دُونَ تَقَدُّمٍ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ، بِبُطْءٍ وَصُعُوبَةٍ، يَبْنِي مِنْهَا جِسْرًا نَحْوَ فَهْمٍ جَدِيدٍ لِذَاتِهِ وَلِعَلَاقَاتِهِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِأَبِيهَا كَعَادَتِهَا الْأُسْبُوعِيَّةِ، وَسَأَلَتْهُ: “أَبِي، كَيْفَ حَالُكَ؟” فَجَاءَهَا صَوْتُهُ دَافِئًا مُطْمَئِنًّا: “أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ، يَا ابْنَتِي. أَتَدَرَّبُ عَلَى الْمَشْيِ كُلَّ يَوْمٍ، وَالطَّبِيبُ يَقُولُ إِنَّ تَقَدُّمِي جَيِّدٌ جِدًّا. أُفَكِّرُ جِدِّيًّا فِي زِيَارَتِكُمْ قَرِيبًا.” فَقَالَتْ لَهُ، وَفَرَحٌ يَشِعُّ فِي صَوْتِهَا: “سَيَكُونُ هَذَا رَائِعًا، أَبِي. لِينَا تَسْأَلُ عَنْكَ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَتْ سَلْمَى مَعَ يُوسُفَ فِي الصَّالَةِ، يَتَأَمَّلَانِ مَعًا الْأَشْهُرَ السِّتَّةَ الْمَاضِيَةَ. قَالَ يُوسُفُ: “سَلْمَى، أَتَذْكُرِينَ كَيْفَ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ؟ بِصَدْمَةٍ وَخَوْفٍ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَهُ؟” فَرَدَّتْ، وَقَدْ عَادَ إِلَى مَلَامِحِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَلَقِ الْقَدِيمِ ثُمَّ تَبَدَّدَ سَرِيعًا: “أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا. وَأَتَذَكَّرُ أَيْضًا كَيْفَ شَعَرْتُ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بَنَيْنَاهُ مَعًا، أَنَا وَأَنْتَ، بَدَا هَشًّا فَجْأَةً، مُهَدَّدًا بِالِانْهِيَارِ.” فَقَالَ يُوسُفُ، بِنَبْرَةٍ يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الدَّهْشَةِ الْهَادِئَةِ: “وَهَا نَحْنُ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْوَقْتِ، أَقْوَى مِمَّا كُنَّا، لَا رَغْمَ تِلْكَ الصَّدْمَةِ، بَلْ بِسَبَبِهَا، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَقَالَتْ: “أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الْأَعْمَقُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، يَا يُوسُفُ: أَنَّ الْأَحْدَاثَ الْكُبْرَى، مَهْمَا بَدَتْ مُدَمِّرَةً فِي لَحْظَتِهَا الْأُولَى، تَحْمِلُ دَائِمًا إِمْكَانِيَّةَ أَنْ تُصْبِحَ بِدَايَةً جَدِيدَةً، لَا نِهَايَةً. الْأَمْرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا حَدَثَ لَنَا، بَلْ بِمَا اخْتَرْنَا أَنْ نَصْنَعَهُ مِنْ مَعْنَاهُ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، بَعْدَ أَنْ تَهْدَأَ الصَّدْمَةُ الْأُولَى وَتَبْدَأَ رِحْلَةُ الْفَهْمِ الْحَقِيقِيَّةُ.”
نَظَرَ يُوسُفُ إِلَى زَوْجَتِهِ، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، بِكُلِّ أَلَمِهَا وَجَمَالِهَا مَعًا، ثُمَّ قَالَ: “إِلَى الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ حَيَاتِنَا إِذَنْ، مَهْمَا حَمَلَ مِنْ أَحْدَاثٍ جَدِيدَةٍ لَمْ نَخْتَرْهَا بَعْدُ.” فَأَجَابَتْهُ: “إِلَى الْجُزْءِ الْقَادِمِ، يَا يُوسُفُ، وَنَحْنُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، أَكْثَرُ اسْتِعْدَادًا لِمُوَاجَهَتِهِ مَعًا، لَا كُلٌّ بِمُفْرَدِهِ فِي صَمْتٍ.”
فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، كَانَتْ لِينَا تَكْتُبُ فِي دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ، الَّذِي صَارَ، مَعَ مُرُورِ الْأَشْهُرِ، سِجِلًّا كَامِلًا لِتَحَوُّلِهَا الْخَاصِّ، أَسْطُرًا أَخِيرَةً قَبْلَ أَنْ تَنَامَ: “مَرَّتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَنْ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ بِمُكَالَمَةٍ مِنْ جَدَّتِي. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ أَكُنْ أَفْهَمُ لِمَاذَا أَصْبَحَ بَيْتُنَا فَجْأَةً مَلِيئًا بِالْحِوَارَاتِ الصَّعْبَةِ، بِالدُّمُوعِ، بِالِاعْتِرَافَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ. الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْوَقْتِ، أَفْهَمُ: كُنَّا، كَأُسْرَةٍ، نَتَعَلَّمُ لُغَةً جَدِيدَةً، لُغَةَ الصِّدْقِ بَدَلَ الصَّمْتِ. لَا أَعْرِفُ مَاذَا يُخَبِّئُ لَنَا الْمُسْتَقْبَلُ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّنَا، مَهْمَا وَاجَهْنَا، لَنْ نُوَاجِهَهُ بِالطَّرِيقَةِ الْقَدِيمَةِ نَفْسِهَا بَعْدَ الْيَوْمِ.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَأَطْفَأَتِ النُّورَ، وَشَعَرَتْ، وَهِيَ تَسْتَغْرِقُ فِي نَوْمٍ هَادِئٍ، أَنَّ بَيْتَهَا، رَغْمَ كُلِّ الِاضْطِرَابِ الَّذِي مَرَّ بِهِ هَذَا الْعَامَ، صَارَ، أَخِيرًا، مَكَانًا آمِنًا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْكَلِمَةِ: لَيْسَ لِأَنَّهُ خَالٍ مِنَ الْمَشَاكِلِ، بَلْ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ فِيهِ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُوَاجِهُهَا مَعًا، بِصَوْتٍ عَالٍ، لَا بِصَمْتٍ يَتَرَاكَمُ فِي الظَّلَامِ.
