الْمِيرَاثُ
اَلْجُزْءُ الرابع
الْفَصْلُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
لَمْ تَكُنْ سَلْمَى تَدْرِي، حِينَ بَدَأَتْ تَبُوحُ بِحِكَايَتِهَا لِمَنْ حَوْلَهَا بِصَرَاحَةٍ لَمْ تَعْهَدْهَا فِي نَفْسِهَا مِنْ قَبْلُ، أَنَّ الْبَوْحَ نَفْسَهُ سَيَجْذِبُ إِلَيْهَا أُنَاسًا لَمْ يَكُونُوا يَوْمًا فِي دَائِرَةِ قُرْبِهَا. جَاءَهَا الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، إِمَامُ الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ مِنْ بَيْتِهَا، بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ خَبَرُ مَرَضِ وَالِدِهَا، فَصَارَ يَزُورُهَا بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ لِيَطْمَئِنَّ. وَجَاءَتْهَا الْقَسِّيسَةُ كَلَارَا، صَدِيقَةُ هِيلْجَا الَّتِي الْتَقَتْهَا فِي إِحْدَى الْمُنَاسَبَاتِ، بِوَجْهِهَا الْهَادِئِ الَّذِي يُشْبِهُ صَفْحَةَ بُحَيْرَةٍ لَا تَتَحَرَّكُ. وَجَاءَتْهَا كَذَلِكَ الدُّكْتُورَةُ إِيفَا، الْفَيْلَسُوفَةُ الْعَلْمَانِيَّةُ الَّتِي تُدَرِّسُ فِي الْجَامِعَةِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَالَّتِي تَرْبِطُهَا بِأُمِّهَا صَدَاقَةٌ قَدِيمَةٌ تَمْتَدُّ إِلَى أَيَّامِ الدِّرَاسَةِ الْأُولَى.
ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ، ثَلَاثَةُ مَصَادِرَ لِلْإِيمَانِ، اجْتَمَعَتْ فِي حَيَاتِهَا مِنْ غَيْرِ تَخْطِيطٍ، وَكَأَنَّ الْقَدَرَ نَفْسَهُ – ذَلِكَ الْمَفْهُومَ الَّذِي كَانَتْ تَتَسَاءَلُ عَنْهُ – يُهَيِّئُ لَهَا مَنْ يُسَاعِدُهَا عَلَى فَهْمِهِ.
فِي أَحَدِ الْأَمْسِيَاتِ، حِينَ كَانَ الضَّوْءُ يَتَرَاجَعُ خَلْفَ السَّتَائِرِ بِبُطْءٍ، وَتَتَسَلَّلُ رَائِحَةُ الْقَرَنْفُلِ مِنَ الْمَطْبَخِ لِتَمْلَأَ الصَّالَةَ، بَادَرَتْ سَلْمَى بِنَفْسِهَا إِلَى دَعْوَتِهِمْ مَعًا. لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ نِقَاشًا دِينِيًّا جَدَلِيًّا يَنْتَهِي بِانْتِصَارِ رَأْيٍ عَلَى رَأْيٍ، بَلْ كَانَ الْمُرَادُ شَيْئًا أَعْمَقَ: حِوَارًا صَادِقًا حَوْلَ سُؤَالٍ ظَلَّ يُؤَرِّقُهَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ – كَيْفَ نَفْهَمُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ مَا يَقَعُ لَنَا وَمَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ بِهِ؟
جَلَسُوا حَوْلَ مَائِدَةِ الصَّالَةِ، وَالشَّايُ يَتَصَاعَدُ بُخَارُهُ أَمَامَهُمْ فِي خُيُوطٍ رَقِيقَةٍ تَذُوبُ فِي الْهَوَاءِ، وَسَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ لَمْ يَكُنْ حَرِجًا، بَلْ كَانَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي يَسْبِقُ الْكَلَامَ الْجَادَّ. كَسَرَتْهُ سَلْمَى أَخِيرًا:
“أَشْكُرُكُمْ جَمِيعًا عَلَى قَبُولِ الدَّعْوَةِ. أَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَحْمِلُ رُؤْيَةً مُخْتَلِفَةً لِسُؤَالٍ ظَلَّ يَشْغَلُنِي مُنْذُ أَشْهُرٍ: هَلْ نَحْنُ ضَحَايَا مَا يَحْدُثُ لَنَا، أَمْ صُنَّاعُهُ، أَمْ شَيْءٌ آخَرُ بَيْنَهُمَا؟”
ابْتَسَمَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْكُرْسِيِّ كَمَنْ يَتَهَيَّأُ لِرِحْلَةٍ فِي التَّفْكِيرِ لَا لِإِجَابَةٍ سَرِيعَةٍ:
“سُؤَالٌ عَظِيمٌ، يَا ابْنَتِي. فِي تَصَوُّرِنَا نَحْنُ، لَا تَعَارُضَ حَقِيقِيًّا بَيْنَ الْقَدَرِ وَالِاخْتِيَارِ، رَغْمَ أَنَّ كَثِيرِينَ يَظُنُّونَ ذَلِكَ. الْقَدَرُ هُوَ عِلْمُ اللَّهِ السَّابِقُ بِمَا سَيَكُونُ، لَا جَبْرٌ يُلْغِي إِرَادَتَنَا. حِينَ يُقَدِّرُ اللَّهُ لَكِ حَدَثًا، فَإِنَّ اسْتِجَابَتَكِ لِهَذَا الْحَدَثِ هِيَ أَيْضًا جُزْءٌ مِنَ الْقَدَرِ، لَكِنَّهَا اسْتِجَابَةٌ تَنْبُعُ مِنِ اخْتِيَارِكِ الْحُرِّ، لَا مِنْ إِكْرَاهٍ خَارِجِيٍّ.”
أَصْغَتْ سَلْمَى إِلَيْهِ، وَعَيْنَاهَا تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ الْهَادِئَتَيْنِ الْمُتَشَابِكَتَيْنِ فَوْقَ الْمَائِدَةِ وَبَيْنَ صَوْتِهِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ طُمَأْنِينَةَ مَنْ عَاشَ مَعَ هَذَا السُّؤَالِ عُمُرًا كَامِلًا.
قَالَتِ الْقَسِّيسَةُ كَلَارَا، بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ لَا تُفَارِقُ وَجْهَهَا:
“أَتَّفِقُ مَعَ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جَوْهَرِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ لُغَتُنَا اللَّاهُوتِيَّةُ قَلِيلًا. فِي تَقْلِيدِنَا، نَتَحَدَّثُ عَنْ ‘الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ’ الَّتِي تُحِيطُ بِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ، لَكِنَّهَا عِنَايَةٌ لَا تُلْغِي حُرِّيَّتَنَا فِي الِاسْتِجَابَةِ. أُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ يَمْنَحُنَا، فِي كُلِّ مِحْنَةٍ، فُرْصَةً لِلنُّمُوِّ، لَا عِقَابًا مَحْتُومًا. السُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ ‘لِمَاذَا حَدَثَ هَذَا لِي؟’، بَلْ ‘مَاذَا يُرِيدُنِي اللَّهُ أَنْ أَتَعَلَّمَهُ مِنْ هَذَا؟'”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهِمَا بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ نَحْوَ الدُّكْتُورَةِ إِيفَا الَّتِي كَانَتْ تُقَلِّبُ فِنْجَانَ شَايِهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا دُونَ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ، مُنْتَظِرَةً دَوْرَهَا بِصَبْرِ مَنْ اعْتَادَ أَنْ يُفَكِّرَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
“وَأَنْتِ، دُكْتُورَةُ إِيفَا، مَاذَا تَقُولِينَ، مِنْ مَنْظُورٍ فَلْسَفِيٍّ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى إِيمَانٍ دِينِيٍّ؟”
فَكَّرَتْ إِيفَا قَلِيلًا، وَقَدْ لَمَعَتْ فِي عَيْنَيْهَا نَظْرَةٌ تُشْبِهُ نَظْرَةَ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَةِ الدَّقِيقَةِ فِي غَابَةٍ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، ثُمَّ قَالَتْ:
“أَحْتَرِمُ كَثِيرًا مَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَالْقَسِّيسَةُ، لَكِنِّي أَصِلُ إِلَى اسْتِنْتَاجٍ مُشَابِهٍ مِنْ طَرِيقٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا. لَا أُؤْمِنُ بِإِلَهٍ يُخَطِّطُ لِكُلِّ تَفْصِيلٍ، لَكِنِّي أُؤْمِنُ أَنَّ الْكَوْنَ، بِفَوْضَاهُ الظَّاهِرَةِ، يَمْنَحُنَا لَحَظَاتٍ مِنَ الْمُعَانَاةِ وَالْفَرَحِ لَا نَخْتَارُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نَبْنِيهِ مِنْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ هُوَ، حَرْفِيًّا، مِنْ صُنْعِنَا نَحْنُ وَحْدَنَا. لَا يُوجَدُ مَعْنًى جَاهِزٌ يَنْتَظِرُنَا فِي الْحَدَثِ؛ نَحْنُ مَنْ يَخْلُقُهُ، بِأَفْعَالِنَا، بِحِكَايَاتِنَا الَّتِي نَرْوِيهَا لِأَنْفُسِنَا عَنْ أَنْفُسِنَا.”
سَادَ الْمَائِدَةَ صَمْتٌ خَفِيفٌ، لَيْسَ صَمْتَ الْخِلَافِ، بَلْ صَمْتَ التَّأَمُّلِ. سَأَلَتْ سَلْمَى، وَقَدْ مَالَتْ قَلِيلًا إِلَى الْأَمَامِ:
“إِذَنْ، دُكْتُورَةُ إِيفَا، مِنْ دُونِ إِيمَانٍ بِقُوَّةٍ أَعْلَى، مِنْ أَيْنَ تَسْتَمِدِّينَ الْقُوَّةَ لِمُوَاجَهَةِ الْأَحْدَاثِ الصَّعْبَةِ؟”
“أَسْتَمِدُّهَا مِنْ إِدْرَاكِي أَنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ، رَغْمَ عَبَثِيَّتِهَا الظَّاهِرَةِ أَحْيَانًا، هِيَ الْفُرْصَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي أَمْلِكُهَا. هَذَا الْإِدْرَاكُ، بَدَلَ أَنْ يَبْعَثَ فِيَّ الْيَأْسَ، يَمْنَحُنِي حَافِزًا لِلْعَيْشِ بِعُمْقٍ وَصِدْقٍ، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ ثَمِينَةٌ، غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّكْرَارِ. لَا أَحْتَاجُ وَعْدًا بِحَيَاةٍ أُخْرَى لِأَجِدَ مَعْنَى الْآنَ؛ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا، فِي كَيْفِيَّةِ اخْتِيَارِي أَنْ أَعِيشَ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالذَّاتِ.”
هَزَّ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، لَا نَفْيًا وَلَا مُوَافَقَةً تَامَّةً، بَلْ تِلْكَ الْحَرَكَةَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنِ اعْتَادَ الِاسْتِمَاعَ إِلَى اخْتِلَافٍ لَا يُفْسِدُ لِلْوُدِّ قَضِيَّةً. قَالَ:
“أَخْتَلِفُ مَعَكِ فِي الْمَصْدَرِ، يَا دُكْتُورَةُ، لَكِنِّي أَتَّفِقُ مَعَكِ تَمَامًا فِي النَّتِيجَةِ الْعَمَلِيَّةِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ مَسْؤُولٌ عَنْ أَفْعَالِهِ، مَهْمَا كَانَ مَصْدَرُ إِيمَانِهِ أَوْ عَدَمِ إِيمَانِهِ. الْقُرْآنُ يَقُولُ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ نَتِيجَةَ اخْتِيَارَاتِهِ، لَا نَتِيجَةَ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ فَقَطْ.”
أَضَافَتِ الْقَسِّيسَةُ كَلَارَا، وَقَدْ لَمَسَتْ حَافَّةَ فِنْجَانِهَا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا كَمَنْ يَسْتَعِيدُ ذِكْرَى:
“وَأَنَا أَرَى، فِي تَعَالِيمِ الْمَسِيحِ، دَعْوَةً مُسْتَمِرَّةً لِلْمَحَبَّةِ وَالْغُفْرَانِ، حَتَّى فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ. الْمَسِيحُ نَفْسُهُ وَاجَهَ أَقْسَى مِحْنَةٍ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَنْ يَسْتَجِيبَ بِالْمَحَبَّةِ لَا بِالِانْتِقَامِ. هَذَا الِاخْتِيَارُ، فِي وَسَطِ أَعْظَمِ الْآلَامِ، هُوَ جَوْهَرُ مَا أُؤْمِنُ بِهِ: أَنَّ اسْتِجَابَتَنَا لِلْأَلَمِ هِيَ الَّتِي تُحَدِّدُ مَنْ نَكُونُ.”
اسْتَمَعَتْ سَلْمَى بِانْتِبَاهٍ عَمِيقٍ، وَشَعَرَتْ فِي دَاخِلِهَا بِذَلِكَ الِارْتِيَاحِ الْغَرِيبِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ تَجِدُ أَنَّ سُؤَالَكَ الْخَاصَّ لَيْسَ غَرِيبًا عَلَى أَحَدٍ، بَلْ هُوَ سُؤَالٌ إِنْسَانِيٌّ عَابِرٌ لِلْأَدْيَانِ وَالْفَلْسَفَاتِ. قَالَتْ:
“أَشْعُرُ أَنَّ ثَلَاثَتَكُمْ، رَغْمَ اخْتِلَافِ مَصَادِرِ إِيمَانِكُمْ، تَصِلُونَ إِلَى نُقْطَةٍ مُشْتَرَكَةٍ: أَنَّ مَعْنَى الْحَدَثِ لَا يَكْمُنُ فِي الْحَدَثِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي اسْتِجَابَتِنَا لَهُ.”
قَالَتْ إِيفَا، وَقَدِ ارْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهَا ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ:
“بِالضَّبْطِ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ أُنَاسًا مِنْ خَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ وَفَلْسَفِيَّةٍ مُتَضَارِبَةٍ تَمَامًا، يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى حِكْمَةٍ مُتَشَابِهَةٍ حِينَ يُوَاجِهُونَ الْمُعَانَاةَ بِصِدْقٍ. الْمُعَانَاةُ الْإِنْسَانِيَّةُ لُغَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، تَتَجَاوَزُ حُدُودَ عَقَائِدِنَا الْمُخْتَلِفَةِ.”
عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ، شَعَرَتْ سَلْمَى أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي طَالَمَا خَشِيَتْ أَنْ تَطْرَحَهُ عَلَى نَفْسِهَا، بِصَوْتٍ لَا يَخْجَلُ، صَارَ يَتَقَدَّمُ إِلَى حَافَّةِ لِسَانِهَا. أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا، وَقَالَتْ:
“لَكِنْ مَاذَا عَنِ الظُّلْمِ الصَّرِيحِ؟ مَاذَا عَنْ أَطْفَالٍ يَمُوتُونَ فِي الْحُرُوبِ، أَوْ أَشْخَاصٍ يُعَانُونَ دُونَ أَيِّ ذَنْبٍ مِنْهُمْ؟ كَيْفَ نُوَفِّقُ بَيْنَ فِكْرَةِ ‘الْمَعْنَى الَّذِي نَصْنَعُهُ’ وَبَيْنَ مُعَانَاةٍ تَبْدُو، أَحْيَانًا، بِلَا أَيِّ مَعْنًى عَلَى الْإِطْلَاقِ؟”
سَادَ الْمَائِدَةَ صَمْتٌ تَأَمُّلِيٌّ ثَقِيلٌ، مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْعُرُ فِيهِ الْمَرْءُ أَنَّ الْأَسْئِلَةَ الْكَبِيرَةَ تَحْتَاجُ، قَبْلَ الْإِجَابَةِ، إِلَى صَمْتٍ يَلِيقُ بِهَا. أَجَابَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخِيرًا، بِصِدْقٍ نَادِرٍ لَمْ يُحَاوِلْ فِيهِ أَنْ يُخْفِيَ حَيْرَتَهُ:
“هَذَا، يَا ابْنَتِي، أَصْعَبُ سُؤَالٍ يُوَاجِهُهُ أَيُّ مُؤْمِنٍ. لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً كَامِلَةً تُرْضِي الْعَقْلَ تَمَامًا. أُؤْمِنُ أَنَّ هُنَاكَ حِكْمَةً إِلَهِيَّةً تَفُوقُ فَهْمَنَا الْمَحْدُودَ، لَكِنِّي أَرْفُضُ أَنْ أَسْتَخْدِمَ هَذَا الْإِيمَانَ لِتَبْرِيرِ الظُّلْمِ أَوِ السُّكُوتِ عَنْهُ. عَلَيْنَا، كَبَشَرٍ، أَنْ نَعْمَلَ عَلَى رَفْعِ الظُّلْمِ بِكُلِّ مَا أُوتِينَا مِنْ قُوَّةٍ، لَا أَنْ نَنْتَظِرَ تَفْسِيرًا مِيتَافِيزِيقِيًّا يُبَرِّرُهُ.”
قَالَتِ الْقَسِّيسَةُ كَلَارَا، وَقَدِ اكْتَسَى وَجْهُهَا جِدِّيَّةً لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ طَوَالَ الْأُمْسِيَةِ:
“أَتَّفِقُ تَمَامًا. ثَمَّةَ فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ قَبُولِ الْمُعَانَاةِ كَجُزْءٍ مِنَ الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ، وَبَيْنَ تَبْرِيرِ الظُّلْمِ الَّذِي يَصْنَعُهُ بَشَرٌ آخَرُونَ. عَلَيْنَا أَنْ نُقَاوِمَ الثَّانِيَ بِكُلِّ قُوَّةٍ، حَتَّى وَنَحْنُ نُحَاوِلُ أَنْ نَفْهَمَ الْأَوَّلَ.”
وَقَالَتْ إِيفَا، بِصَوْتٍ خَفَتَ قَلِيلًا عَنْ حِدَّتِهِ الْمُعْتَادَةِ:
“مِنْ مَنْظُورِي، لَا أَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ كَوْنِيٍّ لِلْمُعَانَاةِ لِأُدِينَ الظُّلْمَ. الظُّلْمُ خَطَأٌ، بِبَسَاطَةٍ، لِأَنَّهُ يَحْرِمُ إِنْسَانًا مِنْ كَرَامَتِهِ وَحَقِّهِ فِي الْحَيَاةِ. لَا أَحْتَاجُ لَاهُوتًا لِأَعْرِفَ هَذَا؛ أَحْتَاجُهُ فَقَطْ لِأَتَذَكَّرَهُ حِينَ يَصْعُبُ الْفِعْلُ الصَّحِيحُ.”
بَقِيَتْ سَلْمَى صَامِتَةً بُرْهَةً طَوِيلَةً، تُقَلِّبُ فِي ذِهْنِهَا كُلَّ مَا سَمِعَتْهُ، وَتُحِسُّ أَنَّ هَذَا الْحِوَارَ لَيْسَ نِهَايَةً لِرِحْلَةِ تَسَاؤُلَاتِهَا، بَلْ مَحَطَّةً فِيهَا. قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الِارْتِيَاحِ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الْيَقِينَ:
“أَشْعُرُ أَنَّكُمْ مَنَحْتُمُونِي شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ إِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ نِهَائِيَّةٍ: مَنَحْتُمُونِي تَأْكِيدًا أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ، لَا أَنْ يُحْسَمَ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ جَوْهَرُ مَا تَعَلَّمْتُهُ طَوَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ: أَنْ أَعِيشَ السُّؤَالَ، لَا أَنْ أَنْتَظِرَ إِجَابَةً جَاهِزَةً تُنْهِي الْبَحْثَ.”
ابْتَسَمَ الثَّلَاثَةُ مَعًا، ابْتِسَامَةً وَاحِدَةً وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَلَامِحُهَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَنْهَضُ مُسْتَعِدًّا لِلْمُغَادَرَةِ:
“هَذَا، يَا ابْنَتِي، أَعْمَقُ حِكْمَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا أَيُّ إِنْسَانٍ، مَهْمَا كَانَ مَصْدَرُ إِيمَانِهِ.”
بَعْدَ أَنْ غَادَرَ الضُّيُوفُ، وَخَفَتَ صَوْتُ الْبَابِ وَهُوَ يُغْلَقُ خَلْفَهُمْ، جَلَسَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا فِي الصَّالَةِ الَّتِي مَا زَالَتْ رَائِحَةُ الشَّايِ عَالِقَةً فِيهَا، وَالْكَرَاسِيُّ لَمْ تَعُدْ بَعْدُ إِلَى تَرْتِيبِهَا الْأَوَّلِ. أَخَذَتْ تُرَاجِعُ فِي ذِهْنِهَا كُلَّ مَا قِيلَ، جُمْلَةً جُمْلَةً، كَمَنْ يُعِيدُ تَرْتِيبَ حَصَى نَهْرٍ فِي رَاحَةِ يَدِهِ. ثُمَّ مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ، وَكَتَبَتْ:
“الْتَقَيْتُ الْيَوْمَ بِثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ يَحْمِلُونَ رُؤًى مُخْتَلِفَةً تَمَامًا لِمَصْدَرِ الْمَعْنَى فِي الْحَيَاةِ: إِيمَانٌ إِسْلَامِيٌّ، وَإِيمَانٌ مَسِيحِيٌّ، وَفَلْسَفَةٌ عَلْمَانِيَّةٌ. تَوَقَّعْتُ أَنْ أَجِدَ بَيْنَهُمْ تَنَاقُضًا حَادًّا، لَكِنِّي وَجَدْتُ، بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، تَقَاطُعًا عَمِيقًا فِي النَّتِيجَةِ الْعَمَلِيَّةِ: أَنَّنَا، مَهْمَا اخْتَلَفَتْ مَصَادِرُ قَنَاعَاتِنَا، مَسْؤُولُونَ عَنِ اسْتِجَابَتِنَا لِمَا يَحْدُثُ لَنَا، وَأَنَّ هَذِهِ الِاسْتِجَابَةَ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ مَعْنَى حَيَاتِنَا، لَا الْحَدَثُ نَفْسُهُ بِمَعْزِلٍ عَنْهَا.
رُبَّمَا هَذَا هُوَ مَا تُحَاوِلُ هَذِهِ الرِّحْلَةُ كُلُّهَا أَنْ تُعَلِّمَنِي إِيَّاهُ: أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ الْعَمِيقَةَ يُمْكِنُ أَنْ تُقَالَ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، دُونَ أَنْ تَفْقِدَ جَوْهَرَهَا الْمُشْتَرَكَ.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَبَقِيَتْ لِلَحْظَاتٍ تُحَدِّقُ فِي الظَّلَامِ الَّذِي بَدَأَ يَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ، وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ إِلَى هَذِهِ الْمَائِدَةِ لَمْ يَنْتَهِ، بَلْ صَارَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، سُؤَالًا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعِيشَ مَعَهُ دُونَ أَنْ يُثْقِلَهَا.
الْفَصْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
الْتَقَى طَارِقٌ، خِلَالَ مُؤْتَمَرٍ تِجَارِيٍّ فِي دُبَيَّ، بِرَجُلِ أَعْمَالٍ خَلِيجِيٍّ يُدْعَى سُلْطَانَ، يُدِيرُ سِلْسِلَةَ فَنَادِقَ نَاجِحَةً وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ وَوَسَّعَهَا بِذَكَاءٍ مَلْحُوظٍ. نَشَأَتْ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةُ عَمَلٍ سَرِيعَةٌ، تَطَوَّرَتْ إِلَى صَدَاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ حِينَ اكْتَشَفَا أَنَّهُمَا يَتَشَارَكَانِ هُمُومًا أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَرْقَامِ وَالصَّفَقَاتِ.
فِي إِحْدَى زِيَارَاتِهِ إِلَى أَلْمَانِيَا لِأَغْرَاضٍ تِجَارِيَّةٍ، دَعَا طَارِقٌ سُلْطَانَ لِتَنَاوُلِ الْعَشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَالْتَقَى، خِلَالَ تِلْكَ الزِّيَارَةِ، بِيُوسُفَ وَسَلْمَى أَيْضًا، اللَّذَيْنِ كَانَا قَدْ صَارَا صَدِيقَيْنِ مُقَرَّبَيْنِ لِطَارِقٍ وَمُنَى بَعْدَ كُلِّ مَا مَرُّوا بِهِ مَعًا.
خِلَالَ الْعَشَاءِ، تَحَدَّثَ سُلْطَانُ عَنْ أَزْمَةٍ يَمُرُّ بِهَا فِي حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، بِصَرَاحَةٍ فَاجَأَتِ الْجَمِيعَ مِنْ رَجُلٍ اعْتَادُوا رُؤْيَتَهُ وَاثِقًا وَحَازِمًا فِي عَالَمِ الْأَعْمَالِ.
“أُوَاجِهُ مُعْضِلَةً كَبِيرَةً. عَائِلَتِي تُرِيدُنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ مِنِ ابْنَةِ عَمِّي، وَفْقًا لِتَقْلِيدٍ عَائِلِيٍّ مُتَّبَعٍ مُنْذُ أَجْيَالٍ. لَكِنِّي أُحِبُّ امْرَأَةً أُخْرَى، مِنْ خَلْفِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، وَأَعْرِفُ أَنَّ زَوَاجِي مِنْهَا سَيُثِيرُ عَاصِفَةً فِي عَائِلَتِي وَقَبِيلَتِي.”
سَأَلَهُ يُوسُفُ:
“وَمَاذَا تُرِيدُ أَنْتَ، سُلْطَانُ؟”
“أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِمَّنْ أُحِبُّ، لَكِنِّي أَخَافُ مِنَ الْعَوَاقِبِ: قَطِيعَةٌ عَائِلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ، وَأَثَرٌ عَلَى سُمْعَةِ الْعَائِلَةِ فِي مُجْتَمَعِنَا، بَلْ وَتَأْثِيرٌ مُحْتَمَلٌ عَلَى أَعْمَالِي، الَّتِي تَعْتَمِدُ جُزْئِيًّا عَلَى عَلَاقَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُتَجَذِّرَةٍ فِي هَذَا النَّسِيجِ الْقَبَلِيِّ.”
قَالَتْ سَلْمَى:
“سُلْطَانُ، هَذَا يَبْدُو صَعْبًا جِدًّا. كَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَهُ؟”
“بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ. جُزْءٌ مِنِّي يُرِيدُ أَنْ يَتَحَدَّى كُلَّ هَذِهِ التَّقَالِيدِ، وَجُزْءٌ آخَرُ يَخَافُ مِنْ فُقْدَانِ كُلِّ مَا بَنَيْتُهُ: عَلَاقَاتِي، وَاحْتِرَامَ عَائِلَتِي، وَمَكَانَتِي الِاجْتِمَاعِيَّةَ. فِي مُجْتَمَعِنَا يَا سَلْمَى، الْفَرْدُ لَا يَعِيشُ بِمَعْزِلٍ عَنْ قَبِيلَتِهِ وَعَائِلَتِهِ الْمُمْتَدَّةِ؛ قَرَارَاتِي لَيْسَتْ شَخْصِيَّةً بَحْتَةً، بَلْ تُؤَثِّرُ عَلَى شَبَكَةٍ كَامِلَةٍ مِنَ الْعَلَاقَاتِ.”
اسْتَمَعَ طَارِقٌ بِانْتِبَاهٍ، وَقَالَ:
“أَفْهَمُ هَذَا جَيِّدًا، سُلْطَانُ. فِي ثَقَافَتِنَا نَحْنُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ صَرَامَةً مِنْ مُجْتَمَعِكَ، هُنَاكَ ضَغْطٌ اجْتِمَاعِيٌّ قَوِيٌّ يُشْبِهُ مَا تَصِفُهُ.”
سَأَلَتْ مُنَى، الَّتِي كَانَتْ قَدْ بَدَأَتْ مُؤَخَّرًا تُشَارِكُ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ثِقَةً فِي مِثْلِ هَذِهِ النِّقَاشَاتِ بَعْدَ رِحْلَتِهَا الْخَاصَّةِ مَعَ طَارِقٍ:
“سُلْطَانُ، هَلْ تَحَدَّثْتَ مَعَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُحِبُّ عَنْ هَذِهِ الْمَخَاوِفِ؟ وَهَلْ تَحَدَّثْتَ مَعَ عَائِلَتِكَ بِصَرَاحَةٍ عَنْ مَشَاعِرِكَ الْحَقِيقِيَّةِ؟”
“لَمْ أَفْعَلْ، لَا مَعَ هَذِهِ وَلَا مَعَ تِلْكَ. أُخْفِي حُبِّي عَنْ عَائِلَتِي، وَأُخْفِي مَخَاوِفِي عَنْ حَبِيبَتِي، خَشْيَةَ أَنْ أُثْقِلَهَا بِقَلَقِي.”
قَالَ يُوسُفُ:
“سُلْطَانُ، هَذَا يُذَكِّرُنِي بِشَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ أَنَا شَخْصِيًّا مُؤَخَّرًا: أَنَّ إِخْفَاءَ مَخَاوِفِنَا عَمَّنْ نُحِبُّ، ظَنًّا مِنَّا أَنَّنَا نَحْمِيهِمْ، غَالِبًا مَا يَخْلُقُ مَسَافَةً أَكْبَرَ مِمَّا لَوْ شَارَكْنَاهُمْ إِيَّاهَا بِصِدْقٍ.”
فَكَّرَ سُلْطَانُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
“رُبَّمَا أَنْتُمْ مُحِقُّونَ. لَكِنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ تَجْرِبَتِكُمْ وَتَجْرِبَتِي، أَنَّ ثَقَافَتَكُمْ، رَغْمَ كُلِّ تَعْقِيدَاتِهَا، تَمْنَحُ مَسَاحَةً أَكْبَرَ لِلْفَرْدِ لِاتِّخَاذِ قَرَارَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. فِي ثَقَافَتِي، يُنْظَرُ إِلَى الْقَرَارِ الْفَرْدِيِّ أَحْيَانًا كَتَهْدِيدٍ لِنَسِيجِ الْجَمَاعَةِ بِأَكْمَلِهِ.”
قَالَتْ سَلْمَى، بِحَذَرٍ وَاحْتِرَامٍ:
“سُلْطَانُ، لَا أُرِيدُ أَنْ أُقَلِّلَ مِنْ تَعْقِيدِ وَضْعِكَ، فَأَنَا لَا أَعِيشُ فِي مُجْتَمَعِكَ وَلَا أَفْهَمُ كُلَّ تَفَاصِيلِهِ كَمَا تَفْهَمُهَا أَنْتَ. لَكِنِّي أَتَسَاءَلُ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ طَرِيقٌ وَسَطٌ؟ لَا تَحَدٍّ صَرِيحٌ يَقْطَعُ كُلَّ الرَّوَابِطِ، وَلَا اسْتِسْلَامٌ كَامِلٌ يُلْغِي رَغْبَتَكَ، بَلْ حِوَارٌ صَبُورٌ مَعَ عَائِلَتِكَ، يَمْنَحُهُمْ وَقْتًا لِلتَّفَهُّمِ، كَمَا مَنَحْتَ أَنْتَ نَفْسَكَ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ؟”
“رُبَّمَا، سَلْمَى. لَكِنَّ هَذَا الْحِوَارَ قَدْ يَسْتَغْرِقُ سَنَوَاتٍ، وَقَدْ لَا يَنْتَهِي أَبَدًا بِنَتِيجَةٍ مُرْضِيَةٍ. الْمَرْأَةُ الَّتِي أُحِبُّهَا لَنْ تَنْتَظِرَ إِلَى الْأَبَدِ.”
قَالَ طَارِقٌ:
“سُلْطَانُ، أَتَذَكَّرُ حِينَ كُنْتُ أُخَطِّطُ لِكُلِّ تَفْصِيلٍ فِي حَيَاةِ ابْنِي عُمَرَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْأَلَهُ مَاذَا يُرِيدُ. تَعَلَّمْتُ، بِصُعُوبَةٍ، أَنْ أَتْرُكَ لَهُ مَسَاحَةَ الْقَرَارِ، حَتَّى لَوْ كَانَ قَرَارُهُ مُخْتَلِفًا عَمَّا كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ. رُبَّمَا عَائِلَتُكَ، مَعَ الْوَقْتِ، تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ نَفْسَهُ، إِنْ رَأَتْ صِدْقَ حُبِّكَ وَاسْتِقْرَارَ قَرَارِكَ، لَا تَسَرُّعًا عَاطِفِيًّا عَابِرًا.”
قَالَ سُلْطَانُ، بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ:
“أَتَمَنَّى ذَلِكَ، طَارِقُ. لَكِنَّ الْفَارِقَ أَنَّ عُمَرَ لَا يَزَالُ شَابًّا، وَأَمَامَهُ وَقْتٌ لِيُثْبِتَ جِدِّيَّتَهُ. أَنَا رَجُلٌ فِي الْأَرْبَعِينَ، وَالْمُجْتَمَعُ يَتَوَقَّعُ مِنِّي قَرَارَاتٍ حَاسِمَةً، لَا تَجَارِبَ مَفْتُوحَةً.”
سَأَلَتْ سَلْمَى:
“سُلْطَانُ، مَاذَا لَوْ، بَدَلَ أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ ‘التَّحَدِّي الْكَامِلِ’ وَ’الِاسْتِسْلَامِ الْكَامِلِ’، بَدَأْتَ بِخُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ: أَنْ تُخْبِرَ شَخْصًا وَاحِدًا مَوْثُوقًا فِي عَائِلَتِكَ، رُبَّمَا أُخْتًا أَوْ عَمًّا تَثِقُ بِهِ، بِمَشَاعِرِكَ الْحَقِيقِيَّةِ، وَتَرَى كَيْفَ يَسْتَقْبِلُهَا، قَبْلَ أَنْ تُوَاجِهَ الْعَائِلَةَ كُلَّهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً؟”
فَكَّرَ سُلْطَانُ فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ طَوِيلًا.
“لَدَيَّ أُخْتٌ، اسْمُهَا مُنِيرَةُ، أَثِقُ بِهَا كَثِيرًا. رُبَّمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْدَأَ مَعَهَا.”
“هَذَا يَبْدُو خُطْوَةً حَكِيمَةً، سُلْطَانُ. لَسْتَ فِي حَاجَةٍ إِلَى أَنْ تَحُلَّ كُلَّ شَيْءٍ اللَّيْلَةَ، أَوْ حَتَّى هَذَا الشَّهْرَ. تَحْتَاجُ فَقَطْ أَنْ تَبْدَأَ، بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ صَادِقَةٍ، بَدَلَ الصَّمْتِ الْكَامِلِ الَّذِي تَعِيشُهُ الْآنَ.”
بَعْدَ أَسَابِيعَ، اتَّصَلَ سُلْطَانُ بِطَارِقٍ لِيُخْبِرَهُ بِمُسْتَجَدَّاتِ الْأَمْرِ.
“طَارِقُ، تَحَدَّثْتُ مَعَ أُخْتِي مُنِيرَةَ. فُوجِئَتْ فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهَا، بَعْدَ أَنِ اسْتَمَعَتْ لِي بِصِدْقٍ، قَالَتْ إِنَّهَا سَتُحَاوِلُ أَنْ تُمَهِّدَ الطَّرِيقَ مَعَ بَقِيَّةِ الْعَائِلَةِ، بِحَذَرٍ وَصَبْرٍ. لَا أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ سَيَقُودُنَا هَذَا، لَكِنِّي أَشْعُرُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَشْهُرٍ، أَنِّي لَسْتُ وَحْدِي فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ الصَّامِتَةِ.”
“هَذِهِ بِدَايَةٌ جَيِّدَةٌ، سُلْطَانُ. تَذَكَّرْ مَا قَالَتْهُ سَلْمَى: لَسْتَ مُضْطَرًّا لِحَلِّ كُلِّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً.”
فَكَّرَ طَارِقٌ، بَعْدَ أَنْ أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، فِي هَذَا الْحِوَارِ الَّذِي جَمَعَهُ مَعَ سُلْطَانَ، وَفِي كَيْفَ أَنَّ سِيَاقَاتٍ ثَقَافِيَّةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ السُّؤَالَ الْإِنْسَانِيَّ نَفْسَهُ، بِأَثْمَانٍ وَتَعْقِيدَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: كَيْفَ نُوَازِنُ بَيْنَ رَغَبَاتِنَا الْفَرْدِيَّةِ وَانْتِمَائِنَا لِمَنْ نُحِبُّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَخُونَ أَحَدَهُمَا بِالْكَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْآخَرِ؟
كَتَبَ طَارِقٌ، فِي رِسَالَةٍ قَصِيرَةٍ أَرْسَلَهَا إِلَى سَلْمَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ: “شُكْرًا لَكِ عَلَى حِكْمَتِكِ مَعَ سُلْطَانَ الْيَوْمَ. أَظُنُّ أَنَّنَا جَمِيعًا، مَهْمَا اخْتَلَفَتْ ثَقَافَاتُنَا، نَحْمِلُ هَذَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، وَأَنَّ أَفْضَلَ مَا يُمْكِنُنَا فِعْلُهُ لِبَعْضِنَا هُوَ أَنْ نَمْنَحَ بَعْضَنَا مَسَاحَةً لِلتَّفْكِيرِ، لَا حُلُولًا جَاهِزَةً لَا تُنَاسِبُ سِيَاقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا.”
الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ
مِنْ خِلَالِ عَمَلِهِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَ تُومَاسَ فِي مُسَاعَدَةِ عَائِلَاتِ اللَّاجِئِينَ، تَعَرَّفَ يُوسُفُ عَلَى بَرْوِينَ، امْرَأَةٍ كُرْدِيَّةٍ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا، وَصَلَتْ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ عَبْرَ عِدَّةِ بُلْدَانٍ لَمْ تَكُنْ فِي أَيٍّ مِنْهَا سِوَى عَابِرَةٍ تَحْمِلُ حَقِيبَةً وَذَاكِرَةً أَثْقَلَ مِنَ الْحَقِيبَةِ. كَانَتْ بَرْوِينُ تَعْمَلُ الْآنَ مُتَرْجِمَةً مُتَطَوِّعَةً، تُسَاعِدُ عَائِلَاتٍ أُخْرَى عَلَى التَّنَقُّلِ بَيْنَ تَعْقِيدَاتِ النِّظَامِ الْقَانُونِيِّ الْأَلْمَانِيِّ، بِصَبْرِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ وَرَقَةٍ رَسْمِيَّةٍ قَدْ تَحْمِلُ مَصِيرَ أُسْرَةٍ كَامِلَةٍ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَعْمَلَانِ مَعًا عَلَى مَلَفِّ عَائِلَةٍ جَدِيدَةٍ، وَالْأَوْرَاقُ مُتَنَاثِرَةٌ بَيْنَهُمَا عَلَى الطَّاوِلَةِ، رَفَعَ يُوسُفُ رَأْسَهُ فَجْأَةً، وَسَأَلَهَا بِفُضُولٍ صَادِقٍ لَا يَحْمِلُ أَثَرَ فُضُولٍ زَائِدٍ:
“بَرْوِينُ، لَاحَظْتُ أَنَّكِ، حِينَ يَسْأَلُكِ أَحَدٌ عَنْ أَصْلِكِ، تَتَرَدَّدِينَ قَلِيلًا قَبْلَ الْإِجَابَةِ. هَلْ هَذَا لِأَنِّي أُخْطِئُ فِي مُلَاحَظَتِي، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ تَعْقِيدًا حَقِيقِيًّا فِي السُّؤَالِ؟”
تَوَقَّفَتْ بَرْوِينُ عَنِ الْكِتَابَةِ، وَابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً قَلِيلًا، مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَحْدَهُمَا دُونَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْعَيْنَيْنِ.
“لَاحَظْتَ صَحِيحًا، يُوسُفُ. حِينَ يَسْأَلُنِي أَحَدٌ ‘مِنْ أَيْنَ أَنْتِ؟’، لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُجِيبُ بِبَسَاطَةٍ. أَنَا كُرْدِيَّةٌ، وُلِدْتُ فِي مَدِينَةٍ تَقَعُ الْآنَ ضِمْنَ حُدُودِ دَوْلَةٍ لَا تَعْتَرِفُ رَسْمِيًّا بِلُغَتِي كَلُغَةٍ قَوْمِيَّةٍ، وَلَا بِهُوِيَّتِي كَهُوِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ. أَهْلِي عَاشُوا فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّ الْحُدُودَ السِّيَاسِيَّةَ قَسَّمَتْ شَعْبَنَا بَيْنَ أَرْبَعِ دُوَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلِكُلِّ دَوْلَةٍ مِنْهَا سِيَاسَتُهَا الْخَاصَّةُ تُجَاهَنَا، بَعْضُهَا أَكْثَرُ قَمْعًا مِنْ بَعْضٍ.”
صَمَتَ يُوسُفُ لِلَحْظَةٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ ثِقَلَ مَا سَمِعَهُ، ثُمَّ قَالَ:
“هَذَا يَبْدُو مُعَقَّدًا جِدًّا. كَيْفَ تَصِفِينَ هُوِيَّتَكِ لِنَفْسِكِ، إِذَنْ، بِمَعْزِلٍ عَنْ كُلِّ هَذِهِ التَّعْقِيدَاتِ السِّيَاسِيَّةِ؟”
فَكَّرَتْ بَرْوِينُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَعَيْنَاهَا شَارِدَتَانِ فِي نُقْطَةٍ بَعِيدَةٍ خَلْفَ يُوسُفَ، كَمَنْ تَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى خَرِيطَةٍ لِتُقَالَ.
“أَصِفُ نَفْسِي، بِبَسَاطَةٍ، بِأَنِّي كُرْدِيَّةٌ. هَذِهِ الْكَلِمَةُ، رَغْمَ كُلِّ التَّعْقِيدِ السِّيَاسِيِّ حَوْلَهَا، تَحْمِلُ بِالنِّسْبَةِ لِي مَعْنًى وَاضِحًا: لُغَتِي الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا مِنْ جَدَّتِي سِرًّا، لِأَنَّ تَعْلِيمَهَا كَانَ مَمْنُوعًا فِي الْمَدَارِسِ الرَّسْمِيَّةِ؛ مُوسِيقَايَ وَأَغَانِيَّ الَّتِي تُرَافِقُنِي أَيْنَمَا ذَهَبْتُ؛ وَذَاكِرَةُ جِبَالٍ لَمْ أَزُرْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ لَكِنَّهَا تَسْكُنُ فِي كُلِّ حِكَايَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ أَهْلِي.”
“هَلْ تَشْعُرِينَ بِالْغَضَبِ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ الْمُعَقَّدِ؟”
أَطْرَقَتْ بَرْوِينُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا مُجِيبَةً:
“أَشْعُرُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مَعًا: غَضَبٌ أَحْيَانًا، حُزْنٌ دَائِمٌ عَلَى تَارِيخٍ مِنَ التَّهْمِيشِ، لَكِنْ أَيْضًا فَخْرٌ عَمِيقٌ بِثَقَافَةٍ نَجَتْ رَغْمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِ مَحْوِهَا. الْأَمْرُ أَشْبَهُ بِحَمْلِ مِيرَاثٍ مُزْدَوَجٍ: جُرْحٌ تَارِيخِيٌّ عَمِيقٌ، وَكَنْزٌ ثَقَافِيٌّ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، فِي آنٍ وَاحِدٍ.”
هَزَّ يُوسُفُ رَأْسَهُ بِتَفَهُّمٍ، وَقَالَ، وَقَدْ تَذَكَّرَ فَجْأَةً حَدِيثًا قَدِيمًا فِي بَيْتِهِ:
“هَذَا يُذَكِّرُنِي بِشَيْءٍ تَحَدَّثْنَا عَنْهُ فِي عَائِلَتِي: أَنَّ الْمِيرَاثَ الَّذِي نَحْمِلُهُ لَيْسَ دَائِمًا خَيْرًا خَالِصًا أَوْ شَرًّا خَالِصًا، بَلْ مَزِيجًا مُعَقَّدًا نَحْتَاجُ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَهُ بِوَعْيٍ.”
“بِالضَّبْطِ، يُوسُفُ. وَهُنَاكَ تَعْقِيدٌ إِضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِي هُنَا فِي أَلْمَانِيَا: حِينَ يَسْأَلُنِي أَحَدُهُمْ عَنْ أَصْلِي، وَأَقُولُ ‘مِنْ كُرْدِسْتَانَ’، غَالِبًا مَا يُقَابَلُ هَذَا بِارْتِبَاكٍ، لِأَنَّ ‘كُرْدِسْتَانَ’ لَيْسَتْ دَوْلَةً مُعْتَرَفًا بِهَا رَسْمِيًّا عَلَى الْخَرَائِطِ. أَضْطَرُّ أَحْيَانًا أَنْ أَشْرَحَ جُغْرَافِيَا سِيَاسِيَّةً مُعَقَّدَةً، فَقَطْ لِأُجِيبَ عَلَى سُؤَالٍ بَسِيطٍ.”
“هَلْ يُثْقِلُكِ هَذَا الشَّرْحُ الْمُتَكَرِّرُ؟”
ابْتَسَمَتْ بَرْوِينُ ابْتِسَامَةً مُخْتَلِفَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ، أَقْرَبَ إِلَى السَّكِينَةِ مِنْهَا إِلَى الْحُزْنِ:
“فِي الْبِدَايَةِ، كَانَ يُثْقِلُنِي كَثِيرًا. شَعَرْتُ، لِسَنَوَاتٍ، أَنَّ هُوِيَّتِي تَحْتَاجُ دَائِمًا ‘تَبْرِيرًا’ أَوْ ‘شَرْحًا إِضَافِيًّا’، بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ بِبَسَاطَةٍ ‘أَنَا فَرَنْسِيٌّ’ أَوْ ‘أَنَا مِصْرِيٌّ’ وَيُفْهَمُ فَوْرًا. لَكِنِّي، مَعَ الْوَقْتِ، بَدَأْتُ أَرَى فِي هَذَا الشَّرْحِ الْمُتَكَرِّرِ فُرْصَةً، لَا عِبْئًا: فُرْصَةً لِأُعَلِّمَ الْآخَرِينَ عَنْ شَعْبٍ وَثَقَافَةٍ قَدْ لَا يَعْرِفُونَ عَنْهَا شَيْئًا.”
سَأَلَهَا يُوسُفُ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، وَقَدْ خَفَتَ صَوْتُهُ قَلِيلًا كَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ سُؤَالٍ حَسَّاسٍ:
“وَمَاذَا عَنْ أَوْلَادِكِ، إِنْ كَانَ لَدَيْكِ أَوْلَادٌ؟ كَيْفَ سَتَنْقُلِينَ لَهُمْ هَذَا الْمِيرَاثَ الْمُعَقَّدَ؟”
“لَدَيَّ ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ، اسْمُهَا رۆژان. أُعَلِّمُهَا الْكُرْدِيَّةَ فِي الْبَيْتِ، رَغْمَ أَنَّهَا تَتَعَلَّمُ الْأَلْمَانِيَّةَ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَأَحْكِي لَهَا حِكَايَاتِ جَدَّتِهَا الَّتِي لَمْ تَلْتَقِ بِهَا يَوْمًا. أُرِيدُهَا أَنْ تَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ أَتَتْ، لَكِنِّي أَيْضًا لَا أُرِيدُهَا أَنْ تَحْمِلَ الْغَضَبَ وَالْحُزْنَ اللَّذَيْنِ حَمَلْتُهُمَا أَنَا لِسَنَوَاتٍ. أُرِيدُهَا أَنْ تَحْمِلَ الْفَخْرَ بِلَا ثِقْلِ الْجُرْحِ الْكَامِلِ.”
قَالَ يُوسُفُ:
“هَذَا يَبْدُو تَوَازُنًا صَعْبًا جِدًّا أَنْ تُحَقِّقِيهِ.”
“إِنَّهُ كَذَلِكَ. لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ دَوْرُ كُلِّ جِيلٍ: أَنْ يَأْخُذَ الْمِيرَاثَ الَّذِي وُرِّثَهُ، وَيُقَرِّرَ، بِوَعْيٍ، مَاذَا يَحْمِلُ مِنْهُ إِلَى الْجِيلِ التَّالِي، وَمَاذَا يَخْتَارُ أَنْ يَتْرُكَ خَلْفَهُ.”
فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدِ امْتَلَأَتِ الْمَكْتَبَةُ بِضَوْءِ الْمَسَاءِ الْأَصْفَرِ، دَعَا يُوسُفُ بَرْوِينَ لِتَنَاوُلِ الْعَشَاءِ مَعَ عَائِلَتِهِ، فَقَدْ رَأَى فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ فُرْصَةً لِتَوْسِيعِ دَائِرَةِ تَعَارُفِ لِينَا مَعَ أَشْخَاصٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ خَلْفِيَّتِهَا هِيَ.
جَلَسَتْ بَرْوِينُ وَابْنَتُهَا رۆژان مَعَ عَائِلَةِ يُوسُفَ حَوْلَ الْمَائِدَةِ، وَتَحَدَّثَتْ لِينَا مَعَ رۆژان طَوِيلًا، رَغْمَ فَارِقِ السِّنِّ، عَنْ تَجْرِبَتَيْهِمَا الْمُتَشَابِهَتَيْنِ فِي حَمْلِ هُوِيَّةٍ مُزْدَوَجَةٍ، وَكَأَنَّ سِنَّيْهِمَا الْمُخْتَلِفَتَيْنِ تَذُوبَانِ أَمَامَ سُؤَالٍ لَا يَعْرِفُ عُمْرًا وَاحِدًا يَخُصُّهُ.
قَالَتْ لِينَا، بِحَمَاسٍ لَمْ تُخْفِهِ:
“رۆژان، أَشْعُرُ أَنَّنَا نَتَشَارَكُ شَيْئًا، رَغْمَ اخْتِلَافِ قِصَّتَيْنَا. أَنَا أَيْضًا أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنِّي بِحَاجَةٍ لِأَشْرَحَ مَنْ أَنَا، لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ مُؤَخَّرًا أَنْ أَرَى هَذَا كَفُرْصَةٍ، لَا كَعِبْءٍ.”
ابْتَسَمَتْ بَرْوِينُ وَهِيَ تَسْتَمِعُ لِهَذَا الْحِوَارِ بَيْنَ الْفَتَاتَيْنِ، بِابْتِسَامَةٍ لَمْ تُخْفِ دِفْأَهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَقَالَتْ لِسَلْمَى:
“يُسْعِدُنِي أَنْ أَرَى ابْنَتَكِ تَحْمِلُ هَذَا الْفَهْمَ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ. أَتَمَنَّى أَنْ تَكْبُرَ رۆژان بِالثِّقَةِ نَفْسِهَا.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ بَرْوِينُ وَابْنَتُهَا، وَخَيَّمَ عَلَى الْبَيْتِ ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي يَعْقُبُ سَهْرَةً مُلِيئَةً بِالْأَحَادِيثِ، جَلَسَتْ سَلْمَى إِلَى مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ، وَفَتَحَتْ دَفْتَرَهَا، وَكَتَبَتْ:
“الْتَقَيْتُ الْيَوْمَ بِبَرْوِينَ، امْرَأَةً تَحْمِلُ مِيرَاثًا أَكْثَرَ تَعْقِيدًا بِكَثِيرٍ مِنْ مِيرَاثِي: هُوِيَّةٌ مُنْقَسِمَةٌ عَبْرَ حُدُودِ دُوَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلُغَةٌ حُورِبَتْ لِأَجْيَالٍ، وَتَارِيخٌ مِنَ التَّهْمِيشِ السِّيَاسِيِّ. وَمَعَ ذَلِكَ، وَجَدْتُهَا، مِثْلَنَا جَمِيعًا، تَبْحَثُ عَنِ التَّوَازُنِ نَفْسِهِ: كَيْفَ تَحْمِلُ جُرْحَ الْمَاضِي دُونَ أَنْ يُثْقِلَ كَاهِلَ أَطْفَالِهَا، وَكَيْفَ تُوَرِّثُ الْفَخْرَ بَدَلَ الْغَضَبِ وَحْدَهُ.
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْخَيْطُ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي يَرْبُطُ كُلَّ الْحِكَايَاتِ الَّتِي عَرَفْتُهَا هَذَا الْعَامَ: مَهْمَا اخْتَلَفَتْ تَفَاصِيلُ مِيرَاثِنَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ الْجَوْهَرِيَّ يَبْقَى وَاحِدًا: مَاذَا نَخْتَارُ أَنْ نَحْمِلَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا؟”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَبَقِيَتْ لَحْظَةً تُصْغِي إِلَى صَمْتِ الْبَيْتِ، وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَنْ يُغَادِرَهَا، بَلْ سَيَظَلُّ يُرَافِقُهَا فِي كُلِّ وَجْهٍ جَدِيدٍ تُقَابِلُهُ، وَكُلِّ حِكَايَةٍ تُصْغِي إِلَيْهَا مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ نَجَاحِ مَشْرُوعِ سُهَى الصَّغِيرِ، بَدَأَتْ تَتَوَسَّعُ شَبَكَةُ عَلَاقَاتِهَا الْمِهْنِيَّةِ، وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ، تَعَرَّفَتْ عَلَى أَنِيتَا، مُصَمِّمَةٍ هِنْدِيَّةٍ تَعِيشُ فِي أَلْمَانِيَا مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، وَصَارَتْ شَرِيكَةً تِجَارِيَّةً صَغِيرَةً فِي بَعْضِ الْمَشَارِيعِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا.
فِي أَحَدِ اللِّقَاءَاتِ، وَبَيْنَمَا كَانَتَا تُنَاقِشَانِ تَفَاصِيلَ مَشْرُوعٍ جَدِيدٍ، لَاحَظَتْ سُهَى خَاتَمَ زَوَاجِ أَنِيتَا، وَسَأَلَتْهَا بِفُضُولٍ وَدُودٍ عَنْ قِصَّةِ زَوَاجِهَا.
“أَنِيتَا، هَلْ كَانَ زَوَاجُكِ بِتَرْتِيبٍ عَائِلِيٍّ أَمْ بِاخْتِيَارِكِ الشَّخْصِيِّ؟”
ابْتَسَمَتْ أَنِيتَا ابْتِسَامَةً مُعَقَّدَةً.
“كَانَ الِاثْنَيْنِ مَعًا، بِطَرِيقَةٍ مَا. زَوَاجِي كَانَ ‘مُرَتَّبًا’، بِمَعْنَى أَنَّ أَهْلِي اقْتَرَحُوا عَلَيَّ رَاجِيشَ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُجْبِرُونِي عَلَى الزَّوَاجِ مِنْهُ. الْتَقَيْنَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَتَحَدَّثْنَا، وَقَرَّرْتُ، بِحُرِّيَّتِي، أَنْ أُوَافِقَ.”
سَأَلَتْ سُهَى:
“وَهَلْ تَشْعُرِينَ بِالرِّضَا عَنْ هَذَا الْقَرَارِ؟”
“نَعَمْ، أَشْعُرُ بِرِضًا حَقِيقِيٍّ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ يَبْدُو غَرِيبًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْأُورُوبِّيِّينَ الَّذِينَ أَعْرِفُهُمْ. أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ سُوءَ فَهْمٍ شَائِعًا عَنِ ‘الزَّوَاجِ الْمُرَتَّبِ’ فِي ثَقَافَتِنَا: يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُ يَعْنِي إِجْبَارًا كَامِلًا، بَيْنَمَا هُوَ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ، مُجَرَّدُ تَسْهِيلٍ لِلِّقَاءِ، تُقَدِّمُهُ الْعَائِلَةُ، وَيَبْقَى الْقَرَارُ النِّهَائِيُّ بِيَدِ الشَّخْصَيْنِ الْمَعْنِيَّيْنِ.”
قَالَتْ سُهَى:
“هَذَا مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ. لَكِنْ أَلَا يُوجَدُ ضَغْطٌ اجْتِمَاعِيٌّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ إِجْبَارًا مُبَاشِرًا؟”
فَكَّرَتْ أَنِيتَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ.
“يُوجَدُ ضَغْطٌ، بِالتَّأْكِيدِ. أُخْتِي الصُّغْرَى، مَثَلًا، وَقَعَتْ فِي حُبِّ رَجُلٍ مِنْ طَبَقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَرَفَضَتْ عَائِلَتُنَا هَذَا الزَّوَاجَ بِشِدَّةٍ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ اخْتِيَارَهَا الْحُرَّ الْكَامِلَ. تَزَوَّجَتْهُ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهَا عَانَتْ قَطِيعَةً عَائِلِيَّةً اسْتَمَرَّتْ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ تَتَصَالَحَ الْعَائِلَةُ مَعَهَا جُزْئِيًّا.”
“هَذَا يَبْدُو مُؤْلِمًا جِدًّا.”
“كَانَ كَذَلِكَ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْحَقِيقِيُّ: زَوَاجِي أَنَا كَانَ ‘مُرَتَّبًا لَكِنْ بِاخْتِيَارِي الْحُرِّ’، بَيْنَمَا زَوَاجُ أُخْتِي كَانَ ‘بِاخْتِيَارِهَا الْحُرِّ لَكِنْ ضِدَّ تَرْتِيبِ الْعَائِلَةِ’. كِلَانَا مَارَسْنَا اخْتِيَارًا حُرًّا، لَكِنْ بِأَثْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، بِحَسَبِ مَدَى تَوَافُقِ اخْتِيَارِنَا مَعَ تَوَقُّعَاتِ الْعَائِلَةِ.”
سَأَلَتْ سُهَى:
“وَكَيْفَ تَنْظُرِينَ إِلَى الْأَمْرِ الْآنَ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ؟ هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ نِظَامَ الزَّوَاجِ الْمُرَتَّبِ أَفْضَلُ، أَمْ أَنَّ اخْتِيَارَ أُخْتِكِ كَانَ الْأَصْوَبَ؟”
ابْتَسَمَتْ أَنِيتَا ابْتِسَامَةً حَكِيمَةً.
“لَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدَ النِّظَامَيْنِ ‘أَفْضَلُ’ بِإِطْلَاقٍ. أَظُنُّ أَنَّ كِلَيْهِمَا يَحْمِلُ مَخَاطِرَهُ وَفَوَائِدَهُ. الزَّوَاجُ الْمُرَتَّبُ يَمْنَحُكِ، أَحْيَانًا، حِكْمَةَ جِيلٍ أَكْبَرَ يَعْرِفُ، بِخِبْرَتِهِ، مَا قَدْ يُنَاسِبُكِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى قَيْدٍ إِنْ أُسِيءَ اسْتِخْدَامُهُ بِإِجْبَارٍ حَقِيقِيٍّ. وَالزَّوَاجُ بِالِاخْتِيَارِ الْحُرِّ الْكَامِلِ يَمْنَحُكِ حُرِّيَّةً أَصِيلَةً، لَكِنَّهُ قَدْ يَعْزِلُكِ عَنْ دَعْمِ الْعَائِلَةِ إِنْ لَمْ يُوَافِقُوا عَلَى خِيَارِكِ.”
قَالَتْ سُهَى:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُشْبِهُ، بِطَرِيقَةٍ مَا، مَا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ دَائِمًا فِي عَائِلَتِي وَعَائِلَةِ أَصْدِقَائِي: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَعُودُ، فِي النِّهَايَةِ، إِلَى مِيزَانٍ دَقِيقٍ بَيْنَ احْتِرَامِ حِكْمَةِ مَنْ سَبَقُونَا، وَبَيْنَ الثِّقَةِ بِقُدْرَتِنَا نَحْنُ عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارَاتِنَا الْخَاصَّةِ.”
“بِالضَّبْطِ، سُهَى. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْمِيزَانَ يَخْتَلِفُ مِنْ ثَقَافَةٍ إِلَى أُخْرَى، بَلْ وَمِنْ عَائِلَةٍ إِلَى أُخْرَى دَاخِلَ الثَّقَافَةِ الْوَاحِدَةِ. لَا تُوجَدُ صِيغَةٌ سِحْرِيَّةٌ وَاحِدَةٌ تُنَاسِبُ الْجَمِيعَ.”
سَأَلَتْ سُهَى، بِفُضُولٍ أَعْمَقَ:
“وَمَاذَا عَنِ ابْنَتِكِ، إِنْ كَانَ لَدَيْكِ أَطْفَالٌ؟ كَيْفَ سَتَتَعَامَلِينَ مَعَ سُؤَالِ زَوَاجِهَا يَوْمًا، إِنْ حَدَثَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ رَغْبَتِهَا وَتَوَقُّعَاتِ الْعَائِلَةِ؟”
فَكَّرَتْ أَنِيتَا طَوِيلًا.
“لَدَيَّ ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ، اسْمُهَا بْرِيَا. أُفَكِّرُ فِي هَذَا السُّؤَالِ كَثِيرًا. أَظُنُّ أَنِّي، مِنْ تَجْرِبَتِي مَعَ أُخْتِي، تَعَلَّمْتُ أَنَّ أَثْمَنَ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ أَمْنَحَهُ لِبْرِيَا هُوَ أَلَّا أَجْعَلَهَا تَخْتَارُ أَبَدًا بَيْنَ حُبِّي وَحُبِّهَا. سَأُشَارِكُهَا رَأْيِي، بِالتَّأْكِيدِ، لَكِنِّي أَعِدُ نَفْسِي أَلَّا أَضَعَهَا أَمَامَ خِيَارٍ قَاسٍ كَالَّذِي وَاجَهَتْهُ أُخْتِي.”
قَالَتْ سُهَى:
“هَذَا يَبْدُو دَرْسًا جَمِيلًا. أَظُنُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآبَاءِ، فِي كُلِّ الثَّقَافَاتِ، يَقَعُونَ فِي هَذَا الْفَخِّ نَفْسِهِ: يَظُنُّونَ أَنَّ حُبَّهُمْ يَعْنِي مَعْرِفَةَ الْأَفْضَلِ لِأَبْنَائِهِمْ دَائِمًا، بَدَلَ أَنْ يَكُونَ حُبًّا يُرَافِقُ اخْتِيَارَ الْأَبْنَاءِ، أَيًّا كَانَ.”
“بِالضَّبْطِ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الَّذِي أُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّمَهُ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ: أَنْ أَكُونَ حَاضِرَةً بِرَأْيِي، لَكِنْ غَيْرَ مُتَحَكِّمَةٍ بِقَرَارِ ابْنَتِي النِّهَائِيِّ، مَهْمَا اخْتَلَفَ عَنْ تَوَقُّعَاتِي.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حَكَتْ سُهَى لِكَرِيمَ عَنْ حَدِيثِهَا مَعَ أَنِيتَا.
“كَرِيمُ، أَعْجَبَنِي جِدًّا كَيْفَ تَتَحَدَّثُ أَنِيتَا عَنْ هَذَا التَّوَازُنِ الدَّقِيقِ بَيْنَ احْتِرَامِ الْعَائِلَةِ وَالْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُشْبِهُ مَا نُحَاوِلُ تَطْبِيقَهُ نَحْنُ أَيْضًا فِي زَوَاجِنَا وَفِي تَرْبِيَتِنَا لِأَطْفَالِنَا مُسْتَقْبَلًا.”
قَالَ كَرِيمُ:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ جَوْهَرُ كُلِّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ هَذَا الْعَامَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الثَّقَافَةِ أَوِ الْخَلْفِيَّةِ: أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ يُوَازِنُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي نَرِثُهَا، وَالْحُرِّيَّةِ الَّتِي نَحْتَاجُهَا لِنَبْنِيَ حَيَاتَنَا الْخَاصَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِالْكَامِلِ.”
الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ
عَرَّفَتِ الدُّكْتُورَةُ إِيفَا سَلْمَى بِيَاسْمِينَ، إِحْدَى طَالِبَاتِهَا السَّابِقَاتِ فِي الْجَامِعَةِ، الَّتِي كَتَبَتْ أُطْرُوحَتَهَا عَنْ “الذَّاكِرَةِ الْمُزْدَوَجَةِ فِي الْعَائِلَاتِ الْمُخْتَلِطَةِ”، مُسْتَلْهِمَةً الْمَوْضُوعَ مِنْ تَجْرِبَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ: أُمُّهَا فِلَسْطِينِيَّةٌ، وَأَبُوهَا إِسْرَائِيلِيٌّ يَهُودِيٌّ، الْتَقَيَا وَتَزَوَّجَا فِي أُورُوبَّا، بَعِيدًا عَنْ أَرْضٍ يَشْتَعِلُ فِيهَا صِرَاعٌ لَمْ يَجِدَا فِيهِ مَكَانًا لِحُبِّهِمَا.
الْتَقَتْ سَلْمَى بِيَاسْمِينَ فِي مَقْهًى هَادِئٍ، بِدَعْوَةٍ مِنْ إِيفَا الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّ حَدِيثَهُمَا قَدْ يُثْرِي كِلْتَيْهِمَا. جَلَسَتَا إِلَى طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ قُرْبَ النَّافِذَةِ، وَالْبُخَارُ يَتَصَاعَدُ مِنْ فِنْجَانَيْنِ لَمْ تَقْتَرِبَا مِنْهُمَا بَعْدُ، وَقَالَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ حَذِرٍ يَحْمِلُ احْتِرَامًا لِمَا هِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَى سَمَاعِهِ:
“يَاسْمِينُ، إِيفَا أَخْبَرَتْنِي قَلِيلًا عَنْ قِصَّةِ عَائِلَتِكِ. يَبْدُو أَنَّهَا مُعَقَّدَةٌ بِعُمْقٍ.”
ابْتَسَمَتْ يَاسْمِينُ ابْتِسَامَةً تَحْمِلُ ثِقْلَ سِنِينَ مِنَ التَّفْكِيرِ فِي هَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ، ابْتِسَامَةً لَا تَعْرِفُ الْخِفَّةَ.
“مُعَقَّدَةٌ فِعْلًا، سَلْمَى. نَشَأْتُ فِي بَيْتٍ تَتَعَايَشُ فِيهِ ذَاكِرَتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ تَمَامًا: أُمِّي تَحْمِلُ ذَاكِرَةَ أَرْضٍ فُقِدَتْ، وَقَرْيَةَ جَدِّهَا الَّتِي لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً عَلَى الْخَرِيطَةِ، وَأَبِي يَحْمِلُ ذَاكِرَةً أُخْرَى، ذَاكِرَةَ أَهْلِهِ الَّذِينَ نَجَوْا مِنْ مَحْرَقَةٍ رَهِيبَةٍ فِي أُورُوبَّا، وَبَحَثُوا عَنْ أَرْضٍ يَشْعُرُونَ فِيهَا بِالْأَمَانِ أَخِيرًا.”
“كَيْفَ تَعَامَلَتْ أُسْرَتُكِ مَعَ هَذَا التَّنَاقُضِ الظَّاهِرِ؟”
“بِصُعُوبَةٍ كَبِيرَةٍ، فِي الْبِدَايَةِ. كَانَ أَهْلُ أُمِّي يَرْفُضُونَ زَوَاجَهَا مِنْ أَبِي رَفْضًا قَاطِعًا، وَأَهْلُ أَبِي كَذَلِكَ. تَزَوَّجَا رَغْمَ كُلِّ هَذَا الرَّفْضِ، وَعَاشَا بَعِيدًا، هُنَا فِي أُورُوبَّا، مُحَاوِلَيْنِ أَنْ يَبْنِيَا مَسَاحَةً آمِنَةً بَعِيدًا عَنْ صِرَاعٍ لَمْ يَخْتَرْهُ أَيٌّ مِنْهُمَا.”
سَأَلَتْ سَلْمَى، بِحَذَرٍ، وَقَدْ أَحَسَّتْ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ هُنَا تَحْتَاجُ أَنْ تُقَالَ بِرِفْقٍ:
“وَكَيْفَ كَبِرْتِ أَنْتِ، وَسْطَ هَاتَيْنِ الذَّاكِرَتَيْنِ الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ؟”
“كَبِرْتُ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَلَى نَفْسِ الْمَائِدَةِ تَقْرِيبًا، رِوَايَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ تَمَامًا عَنِ التَّارِيخِ نَفْسِهِ. أُمِّي تَرْوِي حِكَايَاتِ الْقَرْيَةِ الْمَفْقُودَةِ، الزَّيْتُونَ، الْمَفَاتِيحَ الْمَحْفُوظَةَ لِبُيُوتٍ لَمْ تَعُدْ قَائِمَةً. وَأَبِي يَرْوِي حِكَايَاتِ جَدِّهِ الَّذِي فَقَدَ عَائِلَتَهُ بِأَكْمَلِهَا، وَحَلُمَ طَوِيلًا بِأَرْضٍ يَشْعُرُ فِيهَا بِالْأَمَانِ أَخِيرًا. كِلَا الْحِكَايَتَيْنِ حَقِيقِيَّتَانِ، وَكِلَاهُمَا تَحْمِلَانِ أَلَمًا عَمِيقًا، لَكِنَّهُمَا، لِلْأَسَفِ، تَصْطَدِمَانِ فِي التَّارِيخِ الْفِعْلِيِّ.”
قَالَتْ سَلْمَى، بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ لَمْ تُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ:
“كَيْفَ تُوَفِّقِينَ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ فِي دَاخِلِكِ؟”
فَكَّرَتْ يَاسْمِينُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَكَفَّاهَا مُلْتَفَّتَانِ حَوْلَ الْفِنْجَانِ الَّذِي بَرَدَ دُونَ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ.
“لِسَنَوَاتٍ، شَعَرْتُ أَنِّي مَقْسُومَةٌ إِلَى نِصْفَيْنِ مُتَحَارِبَيْنِ، وَكَأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنِّي يَخُونُ الْجُزْءَ الْآخَرَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ. لَكِنِّي، مَعَ الْوَقْتِ، وَبَعْدَ دِرَاسَتِي الطَّوِيلَةِ لِهَذَا الْمَوْضُوعِ، بَدَأْتُ أَفْهَمُ شَيْئًا: أَنَّ عَلَيَّ أَلَّا أَخْتَارَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، بَلْ أَنْ أَحْمِلَ الِاثْنَتَيْنِ مَعًا، بِكُلِّ تَنَاقُضِهِمَا، كَجُزْءٍ مِنْ إِنْسَانِيَّتِي الْكَامِلَةِ.”
“وَهَلْ هَذَا سَهْلٌ؟”
“أَبَدًا. لَا يَزَالُ هُنَاكَ أَيَّامٌ أَشْعُرُ فِيهَا بِالتَّمَزُّقِ، خَاصَّةً حِينَ تَتَصَاعَدُ الْأَحْدَاثُ فِي الْمِنْطَقَةِ، وَأَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ إِخْبَارِيٍّ يُطَالِبُنِي، ضِمْنِيًّا، بِأَنْ أَخْتَارَ جَانِبًا وَاحِدًا فَقَطْ. لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ أَنْ أَرْفُضَ هَذَا الْإِكْرَاهَ عَلَى الِاخْتِيَارِ الثُّنَائِيِّ. أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْزَنَ عَلَى مُعَانَاةِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ، وَأَنْ أَفْهَمَ خَوْفَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، دُونَ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُ الشُّعُورَيْنِ الْآخَرَ.”
سَأَلَتْ سَلْمَى، وَقَدْ مَالَتْ قَلِيلًا إِلَى الْأَمَامِ:
“هَلْ وَاجَهْتِ رَفْضًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِسَبَبِ هَذَا الْمَوْقِفِ الْمُتَعَدِّدِ؟”
“بِاسْتِمْرَارٍ. الْبَعْضُ مِنْ أَصْدِقَاءِ أُمِّي يَرَوْنَ مَوْقِفِي ‘تَخَاذُلًا’ لِأَنِّي لَا أُدِينُ إِسْرَائِيلَ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ. وَالْبَعْضُ مِنْ أَصْدِقَاءِ أَبِي يَرَوْنَ تَعَاطُفِي مَعَ مُعَانَاةِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ ‘عِدَائِيًّا’. أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنِّي لَا أَمْلِكُ أَرْضًا آمِنَةً تَمَامًا أَقِفُ عَلَيْهَا، لَا فِي هَذَا الْمُعَسْكَرِ وَلَا ذَاكَ.”
“كَيْفَ تَتَحَمَّلِينَ هَذَا الرَّفْضَ الْمُزْدَوَجَ؟”
“بِتَذْكِيرِ نَفْسِي أَنَّ مَوْقِفِي، رَغْمَ صُعُوبَتِهِ، هُوَ الْأَكْثَرُ صِدْقًا مَعَ تَجْرِبَتِي الْفِعْلِيَّةِ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْحُوَ نِصْفَ عَائِلَتِي لِأُرْضِيَ الطَّرَفَ الْآخَرَ. وَأَظُنُّ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَّ هَذَا التَّعْقِيدَ الَّذِي أَحْمِلُهُ، رَغْمَ ثِقَلِهِ عَلَيَّ شَخْصِيًّا، قَدْ يَحْمِلُ قِيمَةً أَكْبَرَ: أَنَّهُ يُذَكِّرُ النَّاسَ أَنَّ خَلْفَ كُلِّ عُنْوَانٍ سِيَاسِيٍّ كَبِيرٍ، تُوجَدُ حِكَايَاتٌ إِنْسَانِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ، لَا تَنْصَاعُ لِثُنَائِيَّةٍ بَسِيطَةٍ مِنْ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَيْهَا بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ، صَامِتَةً لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ:
“يَاسْمِينُ، أَظُنُّ أَنَّ مَا تَحْمِلِينَهُ هُوَ نَوْعٌ نَادِرٌ مِنَ الشَّجَاعَةِ: أَنْ تَرْفُضِي الرَّاحَةَ الزَّائِفَةَ لِاخْتِيَارِ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ تَبْقَيْ، رَغْمَ كُلِّ الْأَلَمِ، فِي تِلْكَ الْمَسَاحَةِ الْمُعَقَّدَةِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.”
قَالَتْ يَاسْمِينُ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، وَقَدْ بَدَا عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الشُّرُودِ:
“أَحْيَانًا أُفَكِّرُ فِي ابْنَتِي الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ، إِنْ كَانَ لِي يَوْمًا أَطْفَالٌ. مَاذَا سَأُوَرِّثُهَا؟ الذَّاكِرَتَانِ مَعًا، بِكُلِّ ثِقَلِهِمَا؟ أَمْ أُحَاوِلُ أَنْ أُخَفِّفَ عَنْهَا هَذَا الْعِبْءَ، بِطَرِيقَةٍ مَا؟”
“وَمَاذَا تَظُنِّينَ أَنَّكِ سَتَفْعَلِينَ؟”
“أَظُنُّ أَنِّي سَأُوَرِّثُهَا الِاثْنَتَيْنِ، لَكِنْ مَعَ أَدَاةٍ لَمْ تُمْنَحْ لِي بِوُضُوحٍ فِي طُفُولَتِي: أَدَاةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ حَمْلِ الذَّاكِرَةِ، وَحَمْلِ الْكَرَاهِيَةِ. يُمْكِنُ لِابْنَتِي أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ تَفَاصِيلِ تَارِيخِ عَائِلَتِهَا، مِنَ الطَّرَفَيْنِ، دُونَ أَنْ تَحْمِلَ مَعَهُمَا كَرَاهِيَةً تُجَاهَ أَيِّ طَرَفٍ. الذَّاكِرَةُ شَيْءٌ، وَالْكَرَاهِيَةُ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا، رَغْمَ أَنَّ الْكَثِيرِينَ يَخْلِطُونَ بَيْنَهُمَا.”
فِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ، شَكَرَتْ سَلْمَى يَاسْمِينَ عَلَى صَرَاحَتِهَا الْعَمِيقَةِ.
“يَاسْمِينُ، حَدِيثُنَا الْيَوْمَ ذَكَّرَنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ أُفَكِّرُ فِيهِ طَوَالَ هَذَا الْعَامِ: أَنَّ كُلَّ مِيرَاثٍ نَحْمِلُهُ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا أَوْ مُعَقَّدًا، يَحْمِلُ أَيْضًا فُرْصَةَ أَنْ نُعِيدَ صِيَاغَتَهُ بِوَعْيٍ لِلْجِيلِ الْقَادِمِ. أَنْتِ تَفْعَلِينَ هَذَا بِطَرِيقَةٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلْتُهُ.”
ابْتَسَمَتْ يَاسْمِينُ ابْتِسَامَةً بَدَتْ هَذِهِ الْمَرَّةَ خَفِيفَةً حَقًّا، خَالِيَةً مِنْ ذَلِكَ الثِّقَلِ الَّذِي رَافَقَهَا طَوَالَ الْحِوَارِ، وَقَالَتْ:
“شُكْرًا لَكِ، سَلْمَى. أَحْيَانًا أَحْتَاجُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ شَخْصٍ خَارِجَ قِصَّتِي الْمُبَاشِرَةِ أَنَّ مَا أَحْمِلُهُ لَهُ قِيمَةٌ، لَا أَنَّهُ مُجَرَّدُ عِبْءٍ يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ.”
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا، وَالشَّوَارِعُ تَغْرَقُ فِي ضَوْءِ الْمَسَاءِ الرَّمَادِيِّ الْهَادِئِ، فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا فِي عُمْقِ هَذَا اللِّقَاءِ. وَحِينَ وَصَلَتْ إِلَى بَيْتِهَا، فَتَحَتْ دَفْتَرَهَا وَكَتَبَتْ:
“يَاسْمِينُ تَحْمِلُ مِيرَاثًا يَفُوقُ فِي تَعْقِيدِهِ كُلَّ مَا عَرَفْتُهُ هَذَا الْعَامَ. وَمَعَ ذَلِكَ، اخْتَارَتْ أَلَّا تَهْرُبَ مِنْهُ بِالِانْحِيَازِ الْكَامِلِ لِأَيِّ طَرَفٍ، بَلْ أَنْ تَحْمِلَهُ بِكَامِلِ تَنَاقُضِهِ، وَأَنْ تَسْعَى لِتَحْوِيلِهِ، لِلْجِيلِ الْقَادِمِ، مِنْ عِبْءٍ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلْإِنْسَانِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ، رَغْمَ كُلِّ الْجِرَاحِ.”
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ، وَجَلَسَتْ لِلَحْظَاتٍ فِي صَمْتٍ، تَسْتَعِيدُ فِي ذِهْنِهَا صَوْتَ يَاسْمِينَ وَهُوَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ، وَتُدْرِكُ أَنَّ بَعْضَ الْمَوَارِيثِ لَا تُحَلُّ، بَلْ تُحْمَلُ، بِوَعْيٍ يَزْدَادُ رُسُوخًا مَعَ كُلِّ حِكَايَةٍ جَدِيدَةٍ تُصْغِي إِلَيْهَا.
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ
فِي مُؤْتَمَرٍ دَوْلِيٍّ حَوْلَ رِيَادَةِ الْأَعْمَالِ النِّسَائِيَّةِ، حَضَرَتْهُ سُهَى بِصِفَتِهَا صَاحِبَةَ مَشْرُوعٍ نَاشِئٍ، الْتَقَتْ بِأَمَارَا، امْرَأَةٍ مِنْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ فِي غَرْبِ أَفْرِيقِيَا، جَاءَتْ لِتَحْكِيَ قِصَّةَ تَحَوُّلٍ قَادَتْهُ فِي مُجْتَمَعِهَا الْمَحَلِّيِّ، تَحَوُّلٍ وَاجَهَتْهُ بِمُعَارَضَةٍ شَدِيدَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى مَصْدَرِ فَخْرٍ لِقَرْيَتِهَا بِأَكْمَلِهَا.
بَعْدَ الْمُحَاضَرَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الْحُضُورُ يَتَفَرَّقُونَ فِي أَرْوِقَةِ الْقَاعَةِ، اقْتَرَبَتْ سُهَى مِنْ أَمَارَا لِتَتَحَدَّثَ مَعَهَا عَنْ قِصَّتِهَا بِعُمْقٍ أَكْبَرَ.
“أَمَارَا، كَانَتْ قِصَّتُكِ مُلْهِمَةً جِدًّا. هَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تُخْبِرِينِي الْمَزِيدَ عَنْ كَيْفَ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ؟”
ابْتَسَمَتْ أَمَارَا ابْتِسَامَةً وَاثِقَةً، مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَبْرِيرٍ لِيُصَدَّقَ.
“بَدَأَ الْأَمْرُ حِينَ رَفَضْتُ، فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِي، تَقْلِيدًا قَدِيمًا فِي قَرْيَتِنَا يَقْضِي بِتَزْوِيجِ الْفَتَيَاتِ فِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ جِدًّا، غَالِبًا قَبْلَ إِتْمَامِ تَعْلِيمِهِنَّ. رَأَيْتُ صَدِيقَاتِي، وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، يُخْرَجْنَ مِنَ الْمَدْرَسَةِ لِيَتَزَوَّجْنَ، وَقَرَّرْتُ، بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ مِنْ عِنَادٍ، أَنْ أَرْفُضَ هَذَا الْمَصِيرَ لِنَفْسِي.”
“وَكَيْفَ وَاجَهَتْ عَائِلَتُكِ وَمُجْتَمَعُكِ هَذَا الرَّفْضَ؟”
“بِمُعَارَضَةٍ شَدِيدَةٍ جِدًّا. أَبِي كَادَ يَطْرُدُنِي مِنَ الْبَيْتِ، وَكَثِيرَاتٌ مِنْ نِسَاءِ الْقَرْيَةِ اتَّهَمْنَنِي بِأَنِّي ‘أُفْسِدُ التَّقَالِيدَ’ وَ’أَجْلِبُ الْعَارَ’. لَكِنَّ أُمِّي، رَغْمَ خَوْفِهَا الشَّدِيدِ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِ الْمُجْتَمَعِ، دَعَمَتْنِي سِرًّا، وَسَاعَدَتْنِي عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي تَعْلِيمِي رَغْمَ كُلِّ الضَّغْطِ.”
سَأَلَتْ سُهَى:
“مَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ؟”
“أَكْمَلْتُ تَعْلِيمِي، بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ، ثُمَّ دَرَسْتُ فِي الْجَامِعَةِ بِمِنْحَةٍ حَصَلْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى قَرْيَتِي، لَيْسَ لِأَتَحَدَّى تَقَالِيدَهَا مِنَ الْخَارِجِ، بَلْ لِأَعْمَلَ مِنَ الدَّاخِلِ، بِبُطْءٍ، عَلَى تَغْيِيرِ النَّظْرَةِ تُجَاهَ تَعْلِيمِ الْفَتَيَاتِ.”
“وَكَيْفَ اسْتَطَعْتِ إِقْنَاعَ مَنْ كَانُوا يُعَارِضُونَكِ بِشِدَّةٍ؟”
فَكَّرَتْ أَمَارَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَقَدْ بَدَتْ عَلَى وَجْهِهَا مَلَامِحُ مَنْ يَسْتَعِيدُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
“لَمْ أُقْنِعْهُمْ بِالْجِدَالِ الْمُبَاشِرِ، بَلْ بِالْفِعْلِ الْمَلْمُوسِ. بَدَأْتُ بِتَعْلِيمِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ لِبَعْضِ الْفَتَيَاتِ الصَّغِيرَاتِ مَجَّانًا، فِي وَقْتِ فَرَاغِي. مَعَ الْوَقْتِ، بَدَأَ الْآبَاءُ يُلَاحِظُونَ أَنَّ بَنَاتِهِمْ، بَعْدَ تَعَلُّمِ الْقِرَاءَةِ، أَصْبَحْنَ قَادِرَاتٍ عَلَى مُسَاعَدَةِ الْعَائِلَةِ فِي أُمُورٍ لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِنَّ الْمُسَاعَدَةُ فِيهَا مِنْ قَبْلُ: قِرَاءَةُ الْعُقُودِ، فَهْمُ الْأَدْوِيَةِ، حِسَابُ الْأَسْعَارِ فِي السُّوقِ بِدِقَّةٍ.”
“إِذَنْ، أَقْنَعْتِهِمْ بِالْفَائِدَةِ الْعَمَلِيَّةِ، لَا بِالنَّظَرِيَّةِ فَقَطْ؟”
“بِالضَّبْطِ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْعَمِيقَ نَادِرًا مَا يَأْتِي مِنْ إِقْنَاعِ النَّاسِ بِفِكْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ لِفَائِدَةٍ مَلْمُوسَةٍ تَمَسُّ حَيَاتَهُمُ الْيَوْمِيَّةَ مُبَاشَرَةً.”
سَأَلَتْ سُهَى:
“وَهَلْ وَاجَهْتِ فَشَلًا أَوِ انْتِكَاسَاتٍ خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ؟”
“كَثِيرَةً جِدًّا. فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ عَمَلِي، حَاوَلَ بَعْضُ شُيُوخِ الْقَرْيَةِ إِغْلَاقَ الْمَدْرَسَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي أَسَّسْتُهَا، بِحُجَّةِ أَنَّهَا ‘تُفْسِدُ الْفَتَيَاتِ’. اضْطُرِرْتُ لِلُّجُوءِ إِلَى مُنَظَّمَاتٍ حُقُوقِيَّةٍ خَارِجِيَّةٍ لِدَعْمِي، وَهَذَا أَثَارَ غَضَبًا أَكْبَرَ، إِذِ اتُّهِمْتُ بِأَنِّي ‘أَسْتَقْدِمُ أَفْكَارًا غَرِيبَةً’ عَنْ مُجْتَمَعِنَا.”
“كَيْفَ تَجَاوَزْتِ هَذِهِ الْأَزْمَةَ؟”
“بِالصَّبْرِ، وَبِكَسْبِ حُلَفَاءَ مِنْ دَاخِلِ الْمُجْتَمَعِ نَفْسِهِ: أُمَّهَاتٍ رَأَيْنَ تَحَسُّنًا حَقِيقِيًّا فِي حَيَاةِ بَنَاتِهِنَّ، وَحَتَّى بَعْضُ الْآبَاءِ الَّذِينَ بَدَأُوا يَفْتَخِرُونَ بِبَنَاتِهِمُ الْمُتَعَلِّمَاتِ. مَعَ الْوَقْتِ، أَصْبَحَ هَؤُلَاءِ الْحُلَفَاءُ الْمَحَلِّيُّونَ أَقْوَى صَوْتٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْمَدْرَسَةِ، أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ دَعْمٍ خَارِجِيٍّ كُنْتُ أَسْتَطِيعُ جَلْبَهُ.”
قَالَتْ سُهَى، بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ لَمْ تُحَاوِلْ كَتْمَهُ:
“أَمَارَا، مَاذَا تَعَلَّمْتِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الرِّحْلَةِ عَنْ كَيْفِيَّةِ إِحْدَاثِ التَّغْيِيرِ فِي مُجْتَمَعٍ مُتَمَسِّكٍ بِتَقَالِيدِهِ؟”
فَكَّرَتْ أَمَارَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِحِكْمَةٍ وَاضِحَةٍ، كَمَنْ يُلَخِّصُ سِنِينَ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ:
“تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَأْتِي مِنْ فَرْضِ قِيَمٍ خَارِجِيَّةٍ بِالْقُوَّةِ، وَلَا مِنَ الِاسْتِسْلَامِ الْكَامِلِ لِلتَّقْلِيدِ الْقَدِيمِ. يَأْتِي مِنَ الْعَمَلِ الصَّبُورِ، مِنَ الدَّاخِلِ، مَعَ احْتِرَامِ السِّيَاقِ الثَّقَافِيِّ، لَكِنْ دُونَ التَّخَلِّي عَنِ الْمَبْدَإِ الْجَوْهَرِيِّ الَّذِي تُؤْمِنِينَ بِهِ. يَتَطَلَّبُ الْأَمْرُ أَنْ تَكُونِي، فِي آنٍ وَاحِدٍ، مُحْتَرِمَةً لِجُذُورِكِ، وَجَرِيئَةً بِمَا يَكْفِي لِتَحَدِّيهَا حِينَ تَكُونُ مُؤْذِيَةً.”
سَأَلَتْ سُهَى:
“وَهَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ التَّقْلِيدَ، بِشَكْلٍ عَامٍّ، شَيْءٌ سَيِّئٌ يَجِبُ تَحَدِّيهِ دَائِمًا؟”
“لَا، إِطْلَاقًا. أُحِبُّ كَثِيرًا مِنْ تَقَالِيدِ قَرْيَتِي: احْتِفَالَاتِنَا، طَرِيقَةَ تَكَافُلِنَا الِاجْتِمَاعِيِّ، احْتِرَامَنَا لِكِبَارِ السِّنِّ. لَسْتُ ضِدَّ التَّقَالِيدِ بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ ضِدَّ التَّقَالِيدِ الَّتِي تُؤْذِي أَفْرَادًا مُحَدَّدِينَ، خَاصَّةً الْأَضْعَفَ بَيْنَهُمْ، دُونَ مُبَرِّرٍ حَقِيقِيٍّ غَيْرِ ‘هَكَذَا كَانَ الْأَمْرُ دَائِمًا’. أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مُجْتَمَعٍ يَحْتَاجُ أَنْ يُرَاجِعَ تَقَالِيدَهُ بِاسْتِمْرَارٍ، لِيَحْتَفِظَ بِمَا يَخْدُمُ كَرَامَةَ أَفْرَادِهِ، وَيُغَيِّرَ مَا يُؤْذِيهَا.”
فِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ، شَكَرَتْ سُهَى أَمَارَا عَلَى هَذَا الْحِوَارِ الْعَمِيقِ، وَقَالَتْ:
“أَمَارَا، قِصَّتُكِ تُذَكِّرُنِي بِمَشْرُوعِي الصَّغِيرِ الْخَاصِّ، وَبِكُلِّ مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ زَوْجِي كَرِيمٍ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الْخُطُوَاتِ الصَّغِيرَةِ الصَّبُورَةِ، بَدَلَ انْتِظَارِ تَغْيِيرٍ جَذْرِيٍّ فَوْرِيٍّ. أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ حِكْمَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَنَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ حَجْمِ التَّحَدِّي الَّذِي وَاجَهْنَاهُ.”
ابْتَسَمَتْ أَمَارَا، وَقَالَتْ:
“أَظُنُّ أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ، سُهَى. التَّغْيِيرُ الْحَقِيقِيُّ، فِي أَيِّ مِقْيَاسٍ، صَغِيرًا كَانَ أَمْ كَبِيرًا، يَتَطَلَّبُ الصَّبْرَ نَفْسَهُ، وَالشَّجَاعَةَ نَفْسَهَا، وَالْإِيمَانَ نَفْسَهُ بِأَنَّ الْخُطْوَةَ الصَّغِيرَةَ الْيَوْمَ يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ، مَعَ الْوَقْتِ، تَحَوُّلًا كَبِيرًا لَا يَتَخَيَّلُهُ أَحَدٌ فِي بِدَايَتِهِ.”
عَادَتْ سُهَى إِلَى بَيْتِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَعَقْلُهَا مَا زَالَ مَشْغُولًا بِتَفَاصِيلِ الْحِوَارِ، فَحَكَتْ لِكَرِيمٍ عَنْ هَذَا اللِّقَاءِ الْمُلْهِمِ وَهُمَا يَجْلِسَانِ فِي الْمَطْبَخِ، وَالسَّاعَةُ تَقْتَرِبُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.
“كَرِيمُ، أَظُنُّ أَنَّ قِصَّةَ أَمَارَا تُذَكِّرُنَا بِشَيْءٍ مُهِمٍّ: أَنَّ التَّحَوُّلَ، مَهْمَا بَدَا مُسْتَحِيلًا فِي الْبِدَايَةِ، مُمْكِنٌ دَائِمًا، إِنْ صَبَرْنَا، وَعَمِلْنَا مِنَ الدَّاخِلِ، وَاحْتَرَمْنَا مَنْ نُحَاوِلُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِمْ، بَدَلَ أَنْ نَفْرِضَ عَلَيْهِمْ رُؤْيَتَنَا مِنَ الْخَارِجِ.”
أَصْغَى كَرِيمٌ إِلَيْهَا بِاهْتِمَامٍ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً صَامِتَةً تَقُولُ إِنَّهُ يَرَى، فِي حَمَاسِ زَوْجَتِهِ، شَيْئًا مِنَ الْحِكَايَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَرْوِيهَا، وَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ تُشْبِهُ هَذِهِ، مَهْمَا بَدَتْ عَابِرَةً، تُضِيفُ حَجَرًا جَدِيدًا إِلَى جِدَارِ التَّغْيِيرِ الَّذِي لَا يُبْنَى دَفْعَةً وَاحِدَةً.
الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ
(خَاتِمَةُ الْجُزْءِ الرَّابِعِ: تَعَدُّدُ الْأَصْوَاتِ — الْحِوَارُ بَيْنَ الْقَدَرِ وَالْإِرَادَةِ)
فِي مَسَاءٍ هَادِئٍ، بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ اللِّقَاءَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ الَّتِي جَمَعَتْهَا بِأُنَاسٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، جَلَسَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا فِي شُرْفَةِ بَيْتِهَا، وَدَفْتَرُهَا مَفْتُوحٌ أَمَامَهَا، تُحَاوِلُ أَنْ تَجْمَعَ خُيُوطَ كُلِّ مَا سَمِعَتْهُ وَتَعَلَّمَتْهُ هَذَا الْعَامَ.
فَكَّرَتْ فِي الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْقَسِّيسَةِ كْلَارَا وَالدُّكْتُورَةِ إِيفَا، وَحِوَارِهِمْ حَوْلَ الْقَدَرِ وَالْإِرَادَةِ. فَكَّرَتْ فِي سُلْطَانَ، الَّذِي يُوَاجِهُ صِرَاعًا بَيْنَ حُبِّهِ الشَّخْصِيِّ وَتَوَقُّعَاتِ قَبِيلَتِهِ. فَكَّرَتْ فِي بَرْوِينَ، الَّتِي تَحْمِلُ مِيرَاثًا سِيَاسِيًّا مُقَسَّمًا عَبْرَ حُدُودٍ لَمْ تَخْتَرْهَا. فَكَّرَتْ فِي أَنِيتَا، الْمُوَازِنَةِ بَيْنَ حِكْمَةِ الْعَائِلَةِ وَحُرِّيَّةِ الِاخْتِيَارِ. فَكَّرَتْ فِي يَاسَمِينَ، الْحَامِلَةِ لِذَاكِرَتَيْنِ مُتَصَارِعَتَيْنِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ. وَفَكَّرَتْ فِي أَمَارَا، الَّتِي وَاجَهَتْ مُجْتَمَعًا كَامِلًا لِتُغَيِّرَ مَصِيرَ الْفَتَيَاتِ فِيهِ.
كَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا:
“كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَحْمِلُ نُسْخَتَهُ الْخَاصَّةَ مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي يَشْغَلُنِي مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ: كَيْفَ نُوَازِنُ بَيْنَ مَا وَرِثْنَاهُ وَمَا نَخْتَارُهُ؟ بَيْنَ مَسْؤُولِيَّتِنَا تُجَاهَ مَنْ نُحِبُّ وَمُجْتَمَعِنَا، وَبَيْنَ حُرِّيَّتِنَا الشَّخْصِيَّةِ فِي أَنْ نَكُونَ مَنْ نُرِيدُ أَنْ نَكُونَ؟”
تَوَقَّفَتْ عَنِ الْكِتَابَةِ، وَفَكَّرَتْ فِي إِيمَانِهَا الْخَاصِّ، الَّذِي لَمْ تَتَحَدَّثْ عَنْهُ كَثِيرًا خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، مَشْغُولَةً بِأَزَمَاتِ الْعَائِلَةِ وَالْأَصْدِقَاءِ مِنْ حَوْلِهَا.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، زَارَتِ الشَّيْخَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ، لِتَطْرَحَ عَلَيْهِ سُؤَالًا شَخْصِيًّا لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى طَرْحِهِ مِنْ قَبْلُ.
“يَا شَيْخُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا يَخُصُّنِي أَنَا تَحْدِيدًا: كَيْفَ أُوَازِنُ بَيْنَ إِيمَانِي بِأَنَّ اللهَ قَدَّرَ لِي كُلَّ مَا حَدَثَ، وَبَيْنَ شُعُورِي بِالْمَسْؤُولِيَّةِ الْكَامِلَةِ عَنْ قَرَارَاتِي؟ أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ يَمْنَحُنِي رَاحَةً، وَأَحْيَانًا أُخْرَى أَشْعُرُ أَنَّهُ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى عُذْرٍ لِلتَّهَرُّبِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ.”
ابْتَسَمَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ:
“سُؤَالٌ جَوْهَرِيٌّ، يَا ابْنَتِي. تَذَكَّرِي دَائِمًا الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا: ‘اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ’. الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ لَا يَعْنِي أَنْ نَسْتَسْلِمَ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ؛ يَعْنِي أَنْ نَبْذُلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِنَا مِنْ جُهْدٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ نُسَلِّمَ النَّتِيجَةَ لِلَّهِ، مُطْمَئِنِّينَ أَنَّ مَا قَدَّرَهُ لَنَا، بَعْدَ بَذْلِ جُهْدِنَا، هُوَ الْخَيْرُ، حَتَّى لَوْ لَمْ نَفْهَمْ حِكْمَتَهُ فَوْرًا.”
“لَكِنْ، يَا شَيْخُ، كَيْفَ أَعْرِفُ مَتَى أَبْذُلُ الْجُهْدَ، وَمَتَى أُسَلِّمُ لِلْقَدَرِ؟”
“هَذَا هُوَ الْفَنُّ الْحَقِيقِيُّ لِلْحَيَاةِ، يَا سَلْمَى: أَنْ تَبْذُلِي كُلَّ جُهْدٍ مُمْكِنٍ فِي دَائِرَةِ اخْتِيَارِكِ، وَأَنْ تَتْرُكِي الْقَلَقَ عَمَّا هُوَ خَارِجَ هَذِهِ الدَّائِرَةِ تَمَامًا. أَنْتِ لَمْ تَخْتَارِي مَرَضَ أَبِيكِ، لَكِنَّكِ اخْتَرْتِ أَنْ تُسَافِرِي إِلَيْهِ، أَنْ تُصَالِحِيهِ، أَنْ تَفْهَمِي جُذُورَ خَوْفِهِ. هَذَا هُوَ مَجَالُ مَسْؤُولِيَّتِكِ: اسْتِجَابَتُكِ، لَا الْحَدَثُ نَفْسُهُ.”
بَعْدَ هَذِهِ الزِّيَارَةِ، ذَهَبَتْ سَلْمَى لِتَلْتَقِيَ بِالدُّكْتُورَةِ إِيفَا، لِتَطْرَحَ عَلَيْهَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
“دُكْتُورَةُ إِيفَا، مِنْ دُونِ إِيمَانِكِ بِقَدَرٍ إِلَهِيٍّ، كَيْفَ تُحَدِّدِينَ مَسْؤُولِيَّتَكِ عَنِ الْأَحْدَاثِ الَّتِي لَا تَخْتَارِينَهَا؟”
فَكَّرَتْ إِيفَا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
“أَرَى الْأَمْرَ مِنْ مَنْظُورِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْوُجُودِيَّةِ: نَحْنُ مَسْؤُولُونَ، لَيْسَ عَنِ الْأَحْدَاثِ نَفْسِهَا، بَلْ عَنْ كَيْفِيَّةِ اسْتِجَابَتِنَا لَهَا. هَذَا لَا يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، فِي جَوْهَرِهِ الْعَمَلِيِّ، عَمَّا وَصَفَهُ لَكِ الشَّيْخُ. الْفَارِقُ فَقَطْ فِي الْمَصْدَرِ الْفَلْسَفِيِّ: أَنَا لَا أَنْسُبُ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ لِتَوَكُّلٍ عَلَى إِلَهٍ، بَلْ لِكَوْنِي كَائِنًا حُرًّا بِطَبِيعَتِهِ، مَحْكُومًا بِأَنْ يَخْتَارَ مَعْنَى وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ.”
عَادَتْ سَلْمَى إِلَى بَيْتِهَا ذَلِكَ الْمَسَاءَ، وَشَعَرَتْ أَنَّ قِطَعًا كَثِيرَةً مِنْ فَهْمِهَا بَدَأَتْ تَتَوَضَّحُ، لَا بِإِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ بِإِدْرَاكٍ أَعْمَقَ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ بِهَا الْبَشَرُ، مِنْ مَصَادِرَ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، إِلَى الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ نَفْسِهَا.
جَلَسَتْ مَعَ يُوسُفَ فِي الْمَسَاءِ، وَحَكَتْ لَهُ خُلَاصَةَ كُلِّ هَذِهِ الْحِوَارَاتِ.
“يُوسُفُ، أَظُنُّ أَنِّي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَشْهُرِ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ أَشْخَاصٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَصَلْتُ إِلَى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِسُؤَالِي الْأَصْلِيِّ: لَا يُهِمُّ، فِي النِّهَايَةِ، مِنْ أَيِّ مَصْدَرٍ نَسْتَمِدُّ إِيمَانَنَا بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، دِينِيًّا كَانَ أَوْ فَلْسَفِيًّا أَوْ ثَقَافِيًّا. الْمُهِمُّ أَنَّنَا نَصِلُ جَمِيعًا، إِنْ كُنَّا صَادِقِينَ مَعَ أَنْفُسِنَا، إِلَى النَّتِيجَةِ الْعَمَلِيَّةِ نَفْسِهَا: أَنْ نَبْذُلَ جُهْدَنَا فِيمَا نَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ، وَأَنْ نَتَصَالَحَ مَعَ مَا لَا نَسْتَطِيعُ، وَأَنْ نَسْتَمِرَّ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَعْنَى وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ.”
قَالَ يُوسُفُ:
“وَمَاذَا عَنْ إِيمَانِكِ أَنْتِ تَحْدِيدًا، سَلْمَى؟ أَيْنَ تَجِدِينَ نَفْسَكِ فِي كُلِّ هَذَا الطَّيْفِ مِنَ الرُّؤَى؟”
فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
“أَجِدُ نَفْسِي، يُوسُفُ، مُؤْمِنَةً بِقَدَرِ اللهِ، لَكِنْ إِيمَانًا لَا يُلْغِي مَسْؤُولِيَّتِي. أَرَى فِي كُلِّ حَدَثٍ مَرَرْتُ بِهِ هَذَا الْعَامَ، مِنْ مَرَضِ أَبِي إِلَى كُلِّ هَذِهِ اللِّقَاءَاتِ، خَيْطًا مِنَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ يَقُودُنِي نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِذَاتِي وَلِمَنْ حَوْلِي. لَكِنِّي أَرَى أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ لَمْ يَكُنْ لِيَحْدُثَ لَوْ لَمْ أَخْتَرْ، بِإِرَادَتِي، أَنْ أَسْأَلَ، أَنْ أَسْتَمِعَ، أَنْ أَتَغَيَّرَ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَتَبَتْ سَلْمَى، فِي آخِرِ صَفْحَةٍ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ رِحْلَتِهَا، خُلَاصَةً شَامِلَةً:
“بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ الَّتِي سَمِعْتُهَا هَذَا الْعَامَ، إِمَامٍ وَقَسِّيسَةٍ وَفَيْلَسُوفَةٍ، رَجُلِ أَعْمَالٍ خَلِيجِيٍّ يُوَاجِهُ الْعُرْفَ، امْرَأَةٍ كُرْدِيَّةٍ تَحْمِلُ هُوِيَّةً مُقَسَّمَةً، أُخْرَى هِنْدِيَّةٍ تُوَازِنُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْحُرِّيَّةِ، ثَالِثَةٍ تَحْمِلُ ذَاكِرَتَيْنِ مُتَصَارِعَتَيْنِ، وَرَابِعَةٍ تَقُودُ تَحَوُّلًا مُجْتَمَعِيًّا كَامِلًا، أَدْرَكْتُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْقَدَرِ وَالْإِرَادَةِ لَيْسَ سُؤَالًا وَاحِدًا لَهُ إِجَابَةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ نَسِيجٌ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَشَابِكَةِ، يُعَادُ طَرْحُهُ، بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فِي كُلِّ ثَقَافَةٍ وَكُلِّ قَلْبٍ. وَأَظُنُّ، أَخِيرًا، أَنَّ هَذَا هُوَ جَوْهَرُ الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ بِأَيِّ شَكْلٍ كَانَ: لَيْسَ الْيَقِينَ الْكَامِلَ بِإِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ، بَلِ الثِّقَةَ بِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ، إِنْ عِشْنَاهُ بِصِدْقٍ، يَقُودُنَا نَحْوَ حَيَاةٍ أَعْمَقَ مَعْنًى، مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الطُّرُقُ الَّتِي نَسْلُكُهَا لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ.”
