الِابْنُ الْغَرِيبُ
الفصل الثالث والثلاثون
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ الْمُتَنَامِيَةِ بَيْنَ زِيَادٍ وَغِرِيتَا، وَالَّتِي بَدَأَتْ بِلِقَائِهِمَا فِي حَفْلِ زَفَافِ كَرِيمٍ وَلِينَا، بَدَأَتْ مَشَاعِرُ أَعْمَقُ تَتَشَكَّلُ بَيْنَهُمَا، تَجَاوَزَتْ حُدُودَ الصَّدَاقَةِ الْبَسِيطَةِ. كَانَا يَلْتَقِيَانِ بِانْتِظَامٍ لِجَلَسَاتِ تَصْوِيرٍ مُشْتَرَكَةٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ الْأَمْرُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى مَوَاعِيدَ حَقِيقِيَّةٍ.
فِي أَحَدِ الْأَمَاسِي، وَبَعْدَ جَلْسَةِ تَصْوِيرٍ طَوِيلَةٍ عَلَى ضِفَافِ نَهْرٍ قَرِيبٍ مِنْ مَدِينَتِهِمَا الْجَامِعِيَّةِ، جَلَسَا يَتَأَمَّلَانِ غُرُوبَ الشَّمْسِ، وَقَالَ زِيَادٌ بِتَرَدُّدٍ: “غِرِيتَا، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكِ بِشَيْءٍ. صِرْتُ أَشْعُرُ تِجَاهَكِ بِمَشَاعِرَ أَكْبَرَ مِنَ الصَّدَاقَةِ.”
ابْتَسَمَتْ غِرِيتَا بِسَعَادَةٍ وَاضِحَةٍ: “زِيَادُ، وَأَنَا أَيْضًا أَشْعُرُ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ مُنْذُ فَتْرَةٍ، لَكِنِّي كُنْتُ خَائِفَةً مِنْ أَنْ أُخْبِرَكَ، خَشْيَةَ أَنْ أُفْسِدَ صَدَاقَتَنَا الْجَمِيلَةَ.”
“وَأَنَا أَيْضًا خَائِفٌ مِنَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ. لَكِنْ بَعْدَ كُلِّ قِصَصِ أَخِي كَرِيمٍ عَنِ الصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ، شَعَرْتُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ أَتَحَدَّثَ، بَدَلَ أَنْ أَبْقَى صَامِتًا وَخَائِفًا.”
بَدَأَتْ عَلَاقَةٌ رُومَانْسِيَّةٌ جَدِيدَةٌ بَيْنَ الشَّابَّيْنِ، لَكِنَّ زِيَادًا شَعَرَ بِحَاجَةٍ إِلَى إِخْبَارِ عَائِلَتِهِ، خَاصَّةً بَعْدَ كُلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا عَنْ أَهَمِّيَّةِ الصِّدْقِ الْعَائِلِيِّ. اتَّصَلَ بِوَالِدَيْهِ عَبْرَ الْفِيدْيُو، وَأَخْبَرَهُمَا بِحَذَرٍ عَنْ عَلَاقَتِهِ الْجَدِيدَةِ بِغِرِيتَا.
اسْتَمَعَتْ سَلْمَى بِابْتِسَامَةٍ مُتَفَهِّمَةٍ: “زِيَادُ، بَعْدَ كُلِّ تَجْرِبَةِ كَرِيمٍ مَعَ لِينَا، صِرْنَا أَكْثَرَ انْفِتَاحًا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ. الْمُهِمُّ أَنْ تَكُونَ صَادِقًا مَعَهَا وَتَحْتَرِمَهَا، وَتُخْبِرَنَا بِأَيِّ تَطَوُّرَاتٍ مُهِمَّةٍ.”
ابْتَسَمَ غَسَّانُ بِدَوْرِهِ: “وَبِصَرَاحَةٍ يَا زِيَادُ، أَشْعُرُ أَنَّ عَائِلَتَنَا صَارَتْ فِعْلًا عَائِلَةً عَالَمِيَّةً، بَيْنَ أَلْمَانْيَا وَسُورِيَا، وَهَذَا أَمْرٌ يَجْعلُني أَكْثَرَ فَخراً.”
بَعْدَ الْمُكَالَمَةِ، جَلَسَ زِيَادٌ مَعَ غِرِيتَا، وَحَكَى لَهَا عَنْ رَدِّ فِعْلِ عَائِلَتِهِ الْإِيجَابِيِّ، فَسَأَلَتْهُ بِفُضُولٍ: “زِيَادُ، هَلْ تَتَوَقَّعُ عَائِلَتُكَ مِنِّي أَنْ أَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ، أَوْ أَنْ أَتَحَوَّلَ إِلَى دِينِهِمْ إِنْ تَطَوَّرَتْ عَلَاقَتُنَا أَكْثَرَ؟”
فَكَّرَ زِيَادٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ: “غِرِيتَا، لَا أَعْرِفُ مَاذَا سَيَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ بِنَاءً عَلَى تَجْرِبَةِ أَخِي كَرِيمٍ وَلِينَا، أَعْتَقِدُ أَنَّ عَائِلَتِي تَعَلَّمَتْ أَنَّ الِاحْتِرَامَ الْمُتَبَادَلَ أَهَمُّ مِنْ فَرْضِ أَيِّ شَيْءٍ عَلَى الْآخَرِ. الْمُهِمُّ أَنْ نَكُونَ صَادِقَيْنِ مَعَ بَعْضِنَا، وَنَبْنِيَ عَلَاقَتَنَا خُطْوَةً خُطْوَةً، مِنْ غَيْرِ ضَغْطٍ أَوْ تَوَقُّعَاتٍ جَاهِزَةٍ مُسْبَقًا.”
“هَذَا يُرِيحُنِي كَثِيرًا يَا زِيَادُ. أَشْعُرُ أَنِّي، مِثْلَ لِينَا، أَدْخُلُ عَالَمًا جَدِيدًا غَنِيًّا بِالثَّقَافَةِ، لَا عَالَمًا يَتَطَلَّبُ مِنِّي التَّخَلِّيَ عَنْ هُوِيَّتِي.”
________________________________________
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، وَبِدَعْمٍ مُسْتَمِرٍّ مِنْ كَمَالٍ، تَوَسَّعَ مَشْرُوعُ رِيمَا فِي مَجَالِ الْخِيَاطَةِ وَالتَّصْمِيمِ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ، حَتَّى قَرَّرَتْ أَخِيرًا اسْتِئْجَارَ مَحَلٍّ صَغِيرٍ فِي السُّوقِ الْمَحَلِّيِّ لِعَرْضِ تَصَامِيمِهَا وَبَيْعِهَا بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، بَدَلَ الِاعْتِمَادِ فَقَطْ عَلَى الطَّلَبَاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ.
فِي يَوْمِ افْتِتَاحِ الْمَحَلِّ، حَضَرَ كُلُّ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ تَقْرِيبًا: غَسَّانُ وَسَلْمَى، اللَّذَانِ سَاعَدَا فِي تَمْوِيلِ جُزْءٍ مِنْ تَكَالِيفِ الِافْتِتَاحِ، فُؤَادٌ وَنَجَاةُ، الْخَالَةُ أَمَلُ الَّتِي أَحْضَرَتْ مَعَهَا بَعْضَ لَوْحَاتِهَا الْفُوتُوغْرَافِيَّةَ لِتَعْلِيقِهَا دِيكُورًا، وَحَتَّى مُنَى، الَّتِي أَصْبَحَتْ صَدِيقَةً مُقَرَّبَةً لِرِيمَا، أَحْضَرَتْ بَاقَةَ وَرْدٍ جَمِيلَةً.
قَالَتْ رِيمَا، بَعْدَ أَنْ قَصَّتِ الشَّرِيطَ الِافْتِتَاحِيَّ بِحَمَاسَةٍ: “مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَصِلُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ. مِنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ خَائِفَةً أَنْ تَطْلُبَ دَعْمَ زَوْجِهَا لِحُلْمٍ بَسِيطٍ، إِلَى صَاحِبَةِ مَحَلٍّ حَقِيقِيٍّ.”
قَالَ كَمَالٌ بِفَخْرٍ وَاضِحٍ: “وَأَنَا فَخُورٌ بِكِ كَثِيرًا يَا رِيمَا. تَعَلَّمْتُ مِنْكِ دَرْسًا مُهِمًّا: دَعْمُ أَحْلَامِ شَرِيكِ حَيَاتِكَ لَا يُنْقِصُ مِنْ قِيمَتِكَ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، يُقَوِّي عَلَاقَتَكُمَا أَكْثَرَ.”
سَأَلَتْ سَلْمَى ابْنَتَهَا: “رِيمَا، مَا اسْمُ الْمَحَلِّ فِي النِّهَايَةِ؟”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا بِفَخْرٍ: “سَمَّيْتُهُ ‘زَهْرَةُ’، تَيَمُّنًا بِجَدَّتِي، وَبِابْنَةِ كَرِيمٍ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا. شَعَرْتُ أَنَّ الِاسْمَ يُمَثِّلُ اسْتِمْرَارِيَّةً جَمِيلَةً لِكُلِّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ كَعَائِلَةٍ.”
تَأَثَّرَ غَسَّانُ بِعُمْقٍ بِهَذَا الِاخْتِيَارِ، وَعَانَقَ ابْنَتَهُ بِحَرَارَةٍ: “رِيمَا، جَدَّتُكِ كَانَتْ سَتَكُونُ فَخُورَةً جِدًّا بِكِ.”
خِلَالَ أَيَّامِ افْتِتَاحِ الْمَحَلِّ الْأُولَى، فُوجِئَتْ رِيمَا بِإِقْبَالٍ كَبِيرٍ مِنْ نِسَاءِ الْحَيِّ، بَعْضُهُنَّ جِئْنَ بِدَافِعِ الْفُضُولِ، وَأُخْرَيَاتٌ بِدَافِعِ الدَّعْمِ الْحَقِيقِيِّ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَ قِصَّتَهَا. جَاءَتْ حَتَّى أُمُّ وَلِيدٍ، الْجَارَةُ الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا مَا أَوَّلَ مَنِ انْتَقَدَ قَرَارَاتِ الْعَائِلَةِ، لِتَشْتَرِيَ فُسْتَانًا لِابْنَتِهَا، وَقَالَتْ لِرِيمَا بِصِدْقٍ نَادِرٍ: “رِيمَا، رَأَيْتُكِ كَبُرْتِ وَصِرْتِ امْرَأَةً قَوِيَّةً. اللَّهُ يُوَفِّقُكِ فِي مَشْرُوعِكِ.”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا بِامْتِنَانٍ، مُدْرِكَةً أَنَّ حَتَّى أَشَدَّ الْأَصْوَاتِ تَشَدُّدًا فِي الْمُجْتَمَعِ قَدْ تَتَغَيَّرُ مَعَ الْوَقْتِ، حِينَ تَرَى بِأُمِّ عَيْنِهَا نَتَائِجَ إِيجَابِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِلتَّغْيِيرِ الَّذِي كَانَتْ تَخْشَاهُ فِي الْبِدَايَةِ.
الفَصْلُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ وِلَادَةِ الصَّغِيرَةِ زَهْرَةَ، بَدَأَ كَرِيمٌ وَلِينَا يَكْتَشِفَانِ الوَجْهَ الأَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً لِلْأُبُوَّةِ: لَيَالِيَ بِلَا نَوْمٍ كَافٍ، بُكَاءً مُتَوَاصِلًا لَمْ يَفْهَمَا سَبَبَهُ أَحْيَانًا، وَإِرْهَاقًا جَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا لَمْ يَتَوَقَّعَا حِدَّتَهُ الكَامِلَةَ رَغْمَ كُلِّ القِرَاءَةِ وَالتَّحْضِيرِ المُسْبَقِ.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَبَعْدَ لَيْلَةٍ صَعْبَةٍ خُصُوصًا، جَلَسَ كَرِيمٌ مُنْهَكًا فِي المَطْبَخِ، وَقَالَ لِلِينَا بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
— لِينَا، أَشْعُرُ أَنِّي تَائِهٌ بَعْضَ الشَّيْءِ. حُبِّي لِزَهْرَةَ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَكِنَّ التَّعَبَ… التَّعَبَ كَبِيرٌ كَثِيرًا.
اعْتَرَفَتْ لِينَا بِالصِّدْقِ نَفْسِهِ:
— وَأَنَا أَيْضًا، يَا كَرِيمُ. أَشْعُرُ أَحْيَانًا بِالذَّنْبِ لِأَنِّي أَشْعُرُ بِالإِرْهَاقِ، وَكَأَنَّ هَذَا يَعْنِي أَنِّي أُمٌّ غَيْرُ كَافِيَةٍ.
— لِينَا، تَعَلَّمْتُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالتَّعَبِ أَوِ الصُّعُوبَةِ لَيْسَ ضَعْفًا، هُوَ صِدْقٌ ضَرُورِيٌّ. دَعِينَا نَتَحَدَّثُ بِصَرَاحَةٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ صَعْبٍ، لَا أَنْ نَتَظَاهَرَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِثَالِيٌّ.
بَدَأَ الزَّوْجَانِ يَتَبَادَلَانِ مُنَاوَبَاتِ اللَّيْلِ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، وَيَطْلُبَانِ المُسَاعَدَةَ مِنَ الأَصْدِقَاءِ وَالعَائِلَةِ كُلَّمَا احْتَاجَا، مُتَجَاوِزَيْنِ وَهْمَ «الوَالِدَيْنِ المِثَالِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ يُدِيرَانِ كُلَّ شَيْءٍ بِمُفْرَدِهِمَا بِلَا صُعُوبَةٍ»، وَمُتَبَنِّيَيْنِ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ وَاقِعِيَّةً صَادِقَةً تَشَارَكَا فِيهَا التَّحَدِّيَاتِ عَلَانِيَةً.
اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِهِمَا ذَاتَ مَسَاءٍ، وَلَاحَظَتِ التَّعَبَ فِي صَوْتِ كَرِيمٍ:
— كَرِيمُ، حَبِيبِي، الأُبُوَّةُ صَعْبَةٌ فِي البِدَايَةِ، هَكَذَا كُلُّ الأَهْلِ يَمُرُّونَ فِيهَا. لَا تَخْجَلْ أَنْ تَطْلُبَ المُسَاعَدَةَ، حَتَّى مِنِّي، وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ.
— شُكْرًا يَا أُمِّي. يُرِيحُنِي كَثِيرًا أَنَّكِ تَفْهَمِينَ وَلَا تَحْكُمِينَ عَلَيَّ.
بَعْدَ هَذِهِ المُكَالَمَةِ، قَرَّرَ كَرِيمٌ وَلِينَا أَنْ يَطْلُبَا مُسَاعَدَةً عَمَلِيَّةً أَكْبَرَ: اسْتَعَانَا بِجَلِيسَةِ أَطْفَالٍ مُتَمَرِّسَةٍ لِبِضْعِ سَاعَاتٍ أُسْبُوعِيًّا لِمَنْحِهِمَا وَقْتًا لِلرَّاحَةِ، وَدَعَوَا غْرِيتَا، الَّتِي كَانَتْ قَدْ أَصْبَحَتْ زَائِرَةً مُنْتَظِمَةً بِحُكْمِ عَلَاقَتِهَا بِزِيَادٍ، لِتَمْضِيَةِ بَعْضِ الوَقْتِ مَعَ الصَّغِيرَةِ زَهْرَةَ أَثْنَاءَ زِيَارَاتِهَا.
فِي إِحْدَى الزِّيَارَاتِ، قَالَتْ غْرِيتَا لِكَرِيمٍ بِإِعْجَابٍ:
— أَنْتُمَا تَتَعَامَلَانِ مَعَ تَحَدِّيَاتِ الأُبُوَّةِ بِنُضْجٍ حَقِيقِيٍّ. كَثِيرٌ مِنَ الأَزْوَاجِ الجُدُدِ يُخْفُونَ صُعُوبَاتِهِمْ خَوْفًا مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّكُمَا تَتَحَدَّثَانِ عَنْهَا بِصَرَاحَةٍ، وَهَذَا يَجْعَلُ الأَمْرَ أَسْهَلَ عَلَى مَنْ حَوْلَكُمَا أَيْضًا فِي تَقْدِيمِ الدَّعْمِ الحَقِيقِيِّ.
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِامْتِنَانٍ:
— غْرِيتَا، تَعَلَّمْتُ هَذَا الدَّرْسَ مِنْ عَائِلَتِي فِي سُورِيَا، الَّتِي عَلَّمَتْنِي أَنَّ طَلَبَ المُسَاعَدَةِ لَيْسَ ضَعْفًا، هُوَ ذَكَاءٌ حَقِيقِيٌّ.
________________________________________
بِالتَّزَامُنِ تَقْرِيبًا، وَبَعْدَ عَامٍ مِنْ زَوَاجِهِمَا، أَنْجَبَتْ سَنَاءُ طِفْلَهَا الأَوَّلَ مَعَ عَلِيٍّ، صَبِيًّا صَغِيرًا سَمَّيَاهُ «زُهَيْرًا»، تَيَمُّنًا بِاسْمٍ يَحْمِلُ رَمْزِيَّةَ الصِّدْقِ وَالوُضُوحِ الَّذِي بَنَيَا عَلَيْهِ عَلَاقَتَهُمَا مُنْذُ البِدَايَةِ.
زَارَ عَلِيٌّ كَرِيمًا عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو، فَخُورًا بِمَوْلُودِهِ الجَدِيدِ:
— كَرِيمُ، لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَصِلُ إِلَى هَذِهِ السَّعَادَةِ، بَعْدَ كُلِّ التَّرَدُّدِ وَالخَوْفِ الَّذِي عِشْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ سَنَاءَ.
— عَلِيُّ، فَخُورٌ بِكَ كَثِيرًا. مِنْ شَابٍّ خَائِفٍ مِنْ أَنْ يُوَاجِهَ أَهْلَهُ بِحَقِيقَةِ مَشَاعِرِهِ، إِلَى أَبٍ سَعِيدٍ بِبَيْتٍ مَبْنِيٍّ عَلَى الصِّدْقِ وَالِاخْتِيَارِ الحَقِيقِيِّ.
قَالَتْ سَنَاءُ، وَهِيَ تَحْمِلُ طِفْلَهَا:
— كَرِيمُ، نُفَكِّرُ أَنْ نُسَمِّيَ ابْنَنَا الثَّانِيَ، لَوْ رَزَقَنَا اللهُ بِهِ فِي المُسْتَقْبَلِ، عَلَى اسْمِكَ، تَقْدِيرًا لِدَوْرِكَ فِي مُسَاعَدَتِنَا عَلَى بِنَاءِ عَلَاقَتِنَا بِصِدْقٍ.
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ بِهَذَا العَرْضِ:
— هَذَا شَرَفٌ كَبِيرٌ لِي. لَكِنْ تَذَكَّرَا، الفَضْلَ الحَقِيقِيَّ كَانَ فِي شَجَاعَتِكُمَا أَنْتُمَا الِاثْنَيْنِ، أَنَا فَقَطْ سَاعَدْتُ عَلَى فَتْحِ البَابِ.
________________________________________
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كَانَ مَشْرُوعُ مَنَالَ فِي بَيْعِ الحَلَوِيَّاتِ المَنْزِلِيَّةِ قَدْ نَمَا بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ، حَتَّى قَرَّرَا، هِيَ وَطَارِقٌ، افْتِتَاحَ مَخْبَزٍ صَغِيرٍ مُشْتَرَكٍ، يَجْمَعُ بَيْنَ حَلَوِيَّاتِ مَنَالَ وَخِبْرَةِ طَارِقٍ التِّجَارِيَّةِ مِنْ مَحَلِّهِ لِقِطَعِ غِيَارِ السَّيَّارَاتِ.
فِي افْتِتَاحِ المَخْبَزِ الصَّغِيرِ، دَعَا طَارِقٌ كَرِيمًا عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو لِيُشَارِكَهُمَا هَذِهِ اللَّحْظَةَ، رَغْمَ بُعْدِ المَسَافَةِ:
— كَرِيمُ، مَا كَانَ هَذَا المَشْرُوعُ لِيَصِيرَ مِنْ غَيْرِ كُلِّ الحَدِيثِ الصَّادِقِ الَّذِي بَدَأْنَاهُ أَنَا وَمَنَالُ بِسَبَبِ سُؤَالِكَ فِي المَقْهَى قَبْلَ سَنَتَيْنِ.
ابْتَسَمَتْ مَنَالُ، وَهِيَ تَقِفُ بِجَانِبِ زَوْجِهَا أَمَامَ وَاجِهَةِ المَخْبَزِ الجَدِيدِ:
— كَرِيمُ، شُكْرًا لَكَ. صَارَتْ حَيَاتُنَا أَغْنَى بِكَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمْنَا أَنْ نَتَحَدَّثَ بِصِدْقٍ عَنْ أَحْلَامِنَا المُشْتَرَكَةِ.
حَضَرَ افْتِتَاحَ المَخْبَزِ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ أَهْلِ الحَيِّ، مِنْ بَيْنِهِمْ أُمُّ وَلِيدٍ نَفْسُهَا، الَّتِي أَصْبَحَتْ زَبُونَةً دَائِمَةً لَدَى رِيمَا وَمَنَالَ مَعًا، وَقَالَتْ بِابْتِسَامَةٍ:
— يَا اللهُ، كُلُّ شَبَابِ الحَيِّ صَارُوا نَاجِحِينَ فِي مَشَارِيعِهِمْ. اللهُ يُبَارِكُ فِيهِمْ جَمِيعًا.
جَلَسَ طَارِقٌ مَعَ مَنَالَ فِي نِهَايَةِ يَوْمِ الِافْتِتَاحِ المُرْهِقِ لَكِنِ السَّعِيدِ، يَحْسُبَانِ الأَرْبَاحَ الأُولَى بِفَخْرٍ:
— مَنَالُ، لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّ حُلْمَكِ البَسِيطَ بِالحَلَوِيَّاتِ المَنْزِلِيَّةِ سَيَصِلُ إِلَى مِثْلِ هَذَا المَشْرُوعِ الحَقِيقِيِّ.
— وَأَنَا أَيْضًا يَا طَارِقُ، لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ زَوْجِي سَيَكُونُ أَكْبَرَ دَاعِمٍ لِي، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ فَقَطْ شَرِيكَ حَيَاةٍ عَادِيًّا.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ كُلَّ هَذِهِ الأَخْبَارِ السَّعِيدَةِ مِنْ أَصْدِقَائِهِ المُتَفَرِّقِينَ:
«اليَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ أَنَّ الصِّدْقَ، حِينَ يُزْرَعُ فِي عَلَاقَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى تِلْكَ العَلَاقَةِ فَقَطْ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ مَشَارِيعَ جَدِيدَةً، وَأَطْفَالًا جُدُدًا، وَأَحْلَامًا تَتَحَقَّقُ تِبَاعًا. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الأُبُوَّةَ نَفْسَهَا، رَغْمَ كُلِّ تَحَدِّيَاتِهَا الحَقِيقِيَّةِ، تُصْبِحُ أَخَفَّ حِينَ نَسْمَحُ لِأَنْفُسِنَا بِالصِّدْقِ حَوْلَ صُعُوبَاتِهَا، بَدَلًا مِنَ التَّظَاهُرِ بِمِثَالِيَّةٍ زَائِفَةٍ. وَتَعَلَّمْتُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ قِصَّةِ نَجَاحٍ، مَهْمَا بَدَتْ فَرْدِيَّةً، تَحْمِلُ دَائِمًا بَصَمَاتِ كُلِّ مَنْ سَاهَمَ فِيهَا بِشَجَاعَتِهِ الخَاصَّةِ، بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ.»
الفصل الخامس والثلاثون
بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ عَلَى أَزْمَةِ تَرَاجُعِ الزَّبَائِنِ الَّتِي وَاجَهَهَا غَسَّانُ بِسَبَبِ الْإِشَاعَاتِ حَوْلَ تَغَيُّرِ عَائِلَتِهِ، بَدَأَتِ الْأُمُورُ تَتَحَسَّنُ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ. لَمْ يَقْتَصِرِ التَّحَسُّنُ عَلَى عَوْدَةِ الزَّبَائِنِ الْقُدَامَى فَقَطْ، بَلِ امْتَدَّ لِيَشْمَلَ زَبَائِنَ جُدُدًا سَمِعُوا بِقِصَّةِ غَسَّانَ وَصَرَاحَتِهِ، وَأَرَادُوا التَّعَامُلَ مَعَ تَاجِرٍ يُعْرَفُ بِالصِّدْقِ وَالشَّفَافِيَّةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَاءَ شَابٌّ مِنْ مَدِينَةٍ مُجَاوِرَةٍ، وَقَالَ لِغَسَّانَ: “سَمِعْتُ قِصَّتَكَ يَا حَاجَّ غَسَّانَ، عَنْ كَيْفِيَّةِ مُوَاجَهَتِكَ الْإِشَاعَاتِ بِصَرَاحَةٍ بَدَلَ الْإِنْكَارِ. أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَعَامَلَ مَعَكَ بِالذَّاتِ، لِأَنَّكَ رَجُلٌ يَحْتَرِمُ كَلِمَتَهُ.”
ابْتَسَمَ غَسَّانُ بِفَخْرٍ دَاخِلِيٍّ عَمِيقٍ، مُتَذَكِّرًا كُلَّ اللَّيَالِي الْقَلِقَةِ الَّتِي عَاشَهَا خِلَالَ أَزْمَةِ تَرَاجُعِ تِجَارَتِهِ، وَكَيْفَ كَادَ يَتَرَاجَعُ عَنْ دَعْمِهِ لِأَبْنَائِهِ خَوْفًا مِنَ الْخَسَارَةِ الْمَادِّيَّةِ.
عِنْدَمَا حَكَى غَسَّانُ لِكَرِيمٍ عَنْ هَذَا التَّطَوُّرِ، قَالَ بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالِامْتِنَانِ: “كَرِيمُ، تَعَلَّمْتُ دَرْسًا مُهِمًّا: الصِّدْقُ، حَتَّى لَوْ كَلَّفَ خَسَارَةً مُؤَقَّتَةً، يَبْنِي عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ ثِقَةً أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ مَكْسَبٍ سَرِيعٍ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّظَاهُرِ.”
قَرَّرَ غَسَّانُ، بِدَعْمٍ مِنْ نَجَاحِ تِجَارَتِهِ الْمُتَجَدِّدِ، أَنْ يُوَسِّعَ مَحَلَّهُ لِيَشْمَلَ قِسْمًا جَدِيدًا يُدِيرُهُ جُزْئِيًّا زِيَادٌ عَنْ بُعْدٍ خِلَالَ زِيَارَاتِهِ الصَّيْفِيَّةِ، خُطْوَةً أُولَى نَحْوَ تَعْلِيمِهِ إِدَارَةَ الْأَعْمَالِ الْعَائِلِيَّةِ، دُونَ فَرْضِ هَذَا الْمَسَارِ عَلَيْهِ خِيَارًا وَحِيدًا لِمُسْتَقْبَلِهِ.
________________________________________
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لَمْ تَكُنْ كُلُّ النَّتَائِجِ إِيجَابِيَّةً بِالْكَامِلِ: بَدَأَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ يُوَاجِهُ انْتِقَادَاتٍ مُتَزَايِدَةً مِنْ بَعْضِ رِجَالِ الدِّينِ الْمُحَافِظِينَ فِي الْمِنْطَقَةِ، الَّذِينَ اعْتَبَرُوا خُطْبَتَهُ السَّابِقَةَ حَوْلَ الْفَرْقِ بَيْنَ الدِّينِ وَالْعُرْفِ الِاجْتِمَاعِيِّ تَجَاوُزًا خَطِيرًا يَفْتَحُ الْبَابَ أَمَامَ تَفَلُّتٍ اجْتِمَاعِيٍّ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اسْتُدْعِيَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ لِاجْتِمَاعٍ مَعَ مَجْلِسِ عُلَمَاءِ الْمِنْطَقَةِ، حَيْثُ وَاجَهَ انْتِقَادَاتٍ حَادَّةً مِنْ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ، الَّذِينَ اتَّهَمُوهُ بِتَسْهِيلِ انْحِلَالِ الْقِيَمِ الْأُسَرِيَّةِ مِنْ خِلَالِ مَوَاقِفِهِ الْمُتَفَهِّمَةِ تِجَاهَ قَضَايَا مِثْلِ سَفَرِ الشَّبَابِ لِلدِّرَاسَةِ أَوِ الزَّوَاجِ الْمُخْتَلِطِ ثَقَافِيًّا. بَلْ إِنَّ أَحَدَ الْحَاضِرِينَ، شَيْخًا أَكْبَرَ سِنًّا وَنُفُوذًا، اقْتَرَحَ صَرَاحَةً أَنْ يُنْظَرَ فِي نَقْلِ الشَّيْخِ رَاتِبٍ إِلَى مَسْجِدٍ أَصْغَرَ فِي مِنْطَقَةٍ نَائِيَةٍ، لِيَبْتَعِدَ عَنِ التَّأْثِيرِ عَلَى مُجْتَمَعٍ حَسَّاسٍ كَهَذَا.
شَعَرَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ بِصَدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَمَامَ هَذَا التَّهْدِيدِ الْمُبَاشِرِ لِمَكَانَتِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ الْمِهَنِيِّ، لَكِنَّهُ رَدَّ بِهُدُوءٍ أَمَامَ الْمَجْلِسِ: “إِخْوَانِي، أَنَا لَمْ أَدْعُ يَوْمًا إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، بَلْ فَقَطْ إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا هُوَ ثَابِتٌ شَرْعِيٌّ وَمَا هُوَ عُرْفٌ اجْتِمَاعِيٌّ مُتَغَيِّرٌ. هَذَا التَّمْيِيزُ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِمُجْتَمَعِنَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمُتَغَيِّرِ.”
لَمْ يَقْتَنِعْ جَمِيعُ الْحَاضِرِينَ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ، خَاصَّةً الْأَصْغَرَ سِنًّا بَيْنَهُمْ، عَبَّرُوا عَنْ دَعْمِهِمُ الصَّامِتِ لِمَوْقِفِهِ، مِمَّا جَعَلَ الْقَرَارَ النِّهَائِيَّ مُعَلَّقًا دُونَ حَسْمٍ فَوْرِيٍّ.
عَادَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ مِنْ هَذَا الِاجْتِمَاعِ مُرْهَقًا نَفْسِيًّا، وَزَارَ فُؤَادًا لِيَسْتَشِيرَهُ، بِصِفَتِهِ أَحَدَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الَّذِينَ تَأَثَّرُوا مُبَاشَرَةً بِمَوَاقِفِهِ.
“فُؤَادُ، بَدَأْتُ أَشُكُّ أَحْيَانًا: أَكُنْتُ مُحِقًّا بِكُلِّ هَذَا الِانْفِتَاحِ، أَمْ كُنْتُ مُتَسَرِّعًا؟”
طَمْأَنَهُ فُؤَادٌ، بِحِكْمَةٍ اكْتَسَبَهَا مِنْ رِحْلَتِهِ الْخَاصَّةِ: “شَيْخَ رَاتِبٍ، أَنَا شَخْصِيًّا، لَوْلَا مَوَاقِفُكَ الْمُتَوَازِنَةُ، مَا كُنْتُ لِأَقْدِرَ أَنْ أَتَعَامَلَ مَعَ قَضِيَّةِ ابْنِي سَامِرٍ بِالرَّحْمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَعَامَلْتُ بِهَا. مَوَاقِفُكَ سَاعَدَتْ نَاسًا كَثِيرِينَ عَلَى أَنْ يَعِيشُوا حَيَاتَهُمْ بِصِدْقٍ أَكْبَرَ، حَتَّى وَإِنْ كَلَّفَتْكَ ثَمَنًا شَخْصِيًّا بَيْنَ زُمَلَائِكَ.”
فَكَّرَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ فُؤَادٍ، وَقَرَّرَ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي نَهْجِهِ الْمُتَوَازِنِ، رَغْمَ الِانْتِقَادَاتِ، مُؤْمِنًا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ أَحْيَانًا تَتَطَلَّبُ مُوَاجَهَةَ مُعَارَضَةٍ حَتَّى مِنْ دَاخِلِ مُؤَسَّسَتِهِ الدِّينِيَّةِ نَفْسِهَا.
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ الْقَلَقِ وَالتَّرَقُّبِ، وَبِمُبَادَرَةٍ مِنْ عَدَدٍ مِنْ وُجَهَاءِ الْحَيِّ، بِمَنْ فِيهِمْ غَسَّانُ نَفْسُهُ، الَّذِي كَتَبَ رِسَالَةَ دَعْمٍ مُوَقَّعَةً مِنْ عَشَرَاتِ الْعَائِلَاتِ الَّتِي اسْتَفَادَتْ مِنْ حِكْمَةِ الشَّيْخِ رَاتِبٍ الْمُتَوَازِنَةِ، قَرَّرَ مَجْلِسُ الْعُلَمَاءِ أَخِيرًا الْإِبْقَاءَ عَلَيْهِ فِي مَنْصِبِهِ، مَعَ تَوْصِيَةٍ بِالْحَذَرِ لَمْ تَحْمِلْ أَيَّ إِجْرَاءٍ عَمَلِيٍّ حَقِيقِيٍّ. شَعَرَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ بِارْتِيَاحٍ عَمِيقٍ، لَا لِبَقَائِهِ فِي مَنْصِبِهِ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ أَكَّدَتْ لَهُ أَنَّ الصَّوْتَ الْمُتَوَازِنَ، رَغْمَ صُعُوبَةِ الدِّفَاعِ عَنْهُ أَحْيَانًا، يَجِدُ دَائِمًا مَنْ يَقِفُ بِجَانِبِهِ حِينَ يَحِينُ وَقْتُ الْحَاجَةِ.
________________________________________
فِي مِيُونِخَ، وَبَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ مِنَ الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ وَالْمُسَاهَمَاتِ الْمُتَمَيِّزَةِ، بِمَا فِيهَا وَرْشَةُ الْعَمَلِ حَوْلَ التَّنَوُّعِ وَالشُّمُولِ الَّتِي نَظَّمَهَا بَعْدَ حَادِثَةِ شْتِيفَانَ، حَصَلَ كَرِيمٌ عَلَى تَرْقِيَةٍ مُهِمَّةٍ إِلَى مَنْصِبِ رَئِيسِ فَرِيقِ التَّصْمِيمِ الْمِعْمَارِيِّ فِي مَكْتَبِهِ.
احْتَفَلَ كَرِيمٌ وَلِينَا بِهَذَا الْإِنْجَازِ بِعَشَاءٍ هَادِئٍ فِي الْمَنْزِلِ، بَيْنَمَا كَانَتِ الصَّغِيرَةُ زَهْرَةُ نَائِمَةً فِي غُرْفَتِهَا.
“كَرِيمُ، أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ كَثِيرًا. مِنْ مُهَنْدِسٍ شَابٍّ لَا يَزَالُ يُثْبِتُ نَفْسَهُ، إِلَى رَئِيسِ فَرِيقٍ كَامِلٍ.”
“شُكْرًا يَا لِينَا، أَشْعُرُ أَنَّ رِحْلَتِي كُلَّهَا، مِنْ سُورِيَا إِلَى هُنَا، سَاهَمَتْ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ فِي هَذَا النَّجَاحِ. حَتَّى مَوْضُوعُ التَّنَوُّعِ وَالشُّمُولِ الَّذِي اشْتَغَلْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَكْتَبِ، جَاءَ مُبَاشَرَةً مِنْ دُرُوسٍ تَعَلَّمْتُهَا فِي سُورِيَا.”
اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِأَهْلِهِ لِيُخْبِرَهُمْ بِالْخَبَرِ السَّعِيدِ، وَشَعَرَ غَسَّانُ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ: “كَرِيمُ، مَبْرُوكٌ عَلَيْكَ. أَشْعُرُ أَنَّ نَجَاحَكَ الْآنَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ مِنَ الصِّدْقِ وَالْقِيَمِ الَّتِي بَنَيْنَاهَا مَعًا كَعَائِلَةٍ، لَا عَلَى عَمَلِكَ الْمِهَنِيِّ فَقَطْ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ أَنَّ الصَّبْرَ وَالصِّدْقَ، رَغْمَ تَحَدِّيَاتٍ وَانْتِقَادَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ، يُؤْتِيَانِ ثِمَارَهُمَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَوْ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ: نَجَاحٌ تِجَارِيٌّ لِأَبِي، تَرْقِيَةٌ مِهَنِيَّةٌ لِي، لَكِنْ أَيْضًا تَحَدٍّ مُسْتَمِرٌّ لِلشَّيْخِ رَاتِبٍ الَّذِي اخْتَارَ طَرِيقَ الْحِكْمَةِ الْمُتَوَازِنَةِ رَغْمَ الثَّمَنِ الشَّخْصِيِّ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ طَرِيقَ الصِّدْقِ لَيْسَ طَرِيقًا سَهْلًا أَوْ خَالِيًا مِنَ الْمُقَاوَمَةِ، بَلْ طَرِيقٌ يَتَطَلَّبُ إِيمَانًا مُسْتَمِرًّا بِقِيمَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، حَتَّى حِينَ تَبْدُو النَّتَائِجُ الْإِيجَابِيَّةُ بَعِيدَةً أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ.”
الفَصْلُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ مِنْ دِرَاسَةِ التَّصْوِيرِ الفُوتُوغْرَافِيِّ، وَصَلَتْ مَوْهِبَةُ الخَالَةِ أَمَلَ إِلَى مُسْتَوًى جَعَلَ مُدَرِّبَتَهَا فِي المَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ تَقْتَرِحُ عَلَيْهَا إِقَامَةَ مَعْرِضٍ شَخْصِيٍّ صَغِيرٍ لِأَعْمَالِهَا. تَرَدَّدَتْ أَمَلُ فِي البِدَايَةِ، خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ مَوْهِبَتُهَا «لَيْسَتْ بِذَلِكَ المُسْتَوَى الكَافِي»، لَكِنْ بِتَشْجِيعٍ مِنْ سَلْمَى وَرِيمَا وَكَرِيمٍ، قَرَّرَتْ أَخِيرًا أَنْ تُجَرِّبَ.
أُقِيمَ المَعْرِضُ فِي المَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ نَفْسِهِ الَّذِي تَدَرَّبَتْ فِيهِ، وَضَمَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ صُورَةً الْتَقَطَتْهَا أَمَلُ خِلَالَ العَامَيْنِ المَاضِيَيْنِ: صُوَرًا لِتَفَاصِيلِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ فِي السُّوقِ القَدِيمِ، لِوُجُوهِ العَجَائِزِ وَالأَطْفَالِ، وَلَحَظَاتٍ عَابِرَةٍ مِنَ الجَمَالِ المَخْفِيِّ فِي الحَيَاةِ العَادِيَّةِ.
فِي يَوْمِ الِافْتِتَاحِ، حَضَرَتِ العَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا تَقْرِيبًا: سَلْمَى وَغَسَّانُ، رِيمَا وَكَمَالُ، فُؤَادُ وَنَجَاةُ، وَحَتَّى بَعْضُ جِيرَانِ أَمَلَ القُدَامَى الَّذِينَ فُوجِئُوا بِمَوْهِبَتِهَا الخَفِيَّةِ.
قَالَ أَحَدُ الزُّوَّارِ، وَهُوَ نَاقِدٌ فَنِّيٌّ مَحَلِّيٌّ مَعْرُوفٌ، بَعْدَ أَنْ تَجَوَّلَ فِي المَعْرِضِ: — هَذِهِ الصُّوَرُ تَحْمِلُ حَسَاسِيَّةً إِنْسَانِيَّةً نَادِرَةً. مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ المُصَوِّرَةَ تَنْظُرُ إِلَى العَالَمِ بِعَيْنِ امْرَأَةٍ عَاشَتْ تَجْرِبَةً عَمِيقَةً مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّأَمُّلِ.
تَأَثَّرَتْ أَمَلُ بِعُمْقٍ بِهَذَا التَّقْدِيرِ:
— لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَصِلُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، بَعْدَ عُمْرٍ كَامِلٍ قَضَيْتُهُ أَعْتَنِي بِالآخَرِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُفَكِّرَ فِي مَوْهِبَتِي الخَاصَّةِ.
قَالَتْ سَلْمَى لِأُخْتِهَا بِفَخْرٍ:
— أَمَلُ، جَدَّتُنَا زَهْرَةُ كَانَتْ سَتَكُونُ فَخُورَةً كَثِيرًا بِكِ لَوْ رَأَتْكِ الآنَ.
________________________________________
بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ مِنَ العَلَاقَةِ الهَادِئَةِ وَالمَبْنِيَّةِ عَلَى الِاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ، قَرَّرَ سَلِيمٌ أَنْ يَطْلُبَ يَدَ مُنَى لِلزَّوَاجِ، لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنِ الطَّلَبِ التَّقْلِيدِيِّ: بَدَلًا مِنْ أَنْ يَذْهَبَ لِعَائِلَتِهَا بِشَكْلٍ رَسْمِيٍّ أَوَّلًا، سَأَلَ مُنَى نَفْسَهَا أَوَّلًا، مُحْتَرِمًا اسْتِقْلَالِيَّتَهَا الكَامِلَةَ فِي القَرَارِ.
— مُنَى، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الوَقْتِ الَّذِي عِشْنَاهُ سَوِيًّا، مُتَأَكِّدٌ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْضِيَ حَيَاتِي مَعَكِ. لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْكِ أَنْتِ أَنْ تُقَرِّرِي، لَا عَائِلَتَكِ أَوْ أَيَّ أَحَدٍ آخَرَ.
تَأَثَّرَتْ مُنَى بِعُمْقٍ بِهَذَا الِاحْتِرَامِ النَّادِرِ:
— سَلِيمُ، بَعْدَ تَجْرِبَتِي الأُولَى المُؤْلِمَةِ، لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَثِقُ بِرَجُلٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ. نَعَمْ، أَقْبَلُ.
أَخْبَرَتْ مُنَى عَائِلَتَهَا بِالخَبَرِ، وَشَعَرَتْ بِدَهْشَةٍ سَارَّةٍ حِينَ رَأَتْ تَقَبُّلًا أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَتْ، خَاصَّةً مِنْ أُخْتِهَا الكُبْرَى الَّتِي كَانَتْ قَدْ بَدَأَتْ تَتَصَالَحُ مَعَهَا مُنْذُ فَتْرَةٍ.
اتَّصَلَتْ أُخْتُهَا بِهَا بَعْدَ سَمَاعِ الخَبَرِ مُبَاشَرَةً:
— مُنَى، سَعِيدَةٌ جِدًّا بِكِ. وَأُرِيدُ أَنْ أَعْتَذِرَ مِنْكِ مَرَّةً أُخْرَى، عَنْ كُلِّ السِّنِينَ الَّتِي حَكَمْتُ فِيهَا عَلَيْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَفْهَمَ وَضْعَكِ الحَقِيقِيَّ.
— لَا يُهِمُّكِ يَا أُخْتِي، المُهِمُّ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى هَذَا المَكَانِ الآنَ، بِعَلَاقَةٍ أَقْوَى وَأَصْدَقَ مِنْ قَبْلُ.
نَظَّمَتِ العَائِلَةُ لِقَاءً صَغِيرًا لِلِاحْتِفَالِ بِالخُطُوبَةِ، حَضَرَهُ حَتَّى بَعْضُ أَقَارِبِ مُنَى الَّذِينَ كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا عَنْهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا الأَوَّلِ، وَشَعَرَتْ مُنَى بِفَرَحٍ غَامِرٍ بِرُؤْيَةِ دَائِرَةِ عَائِلَتِهَا تَتَّسِعُ مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ العُزْلَةِ الجُزْئِيَّةِ.
اتَّصَلَتْ مُنَى بِكَرِيمٍ لِتُخْبِرَهُ بِالخَبَرِ السَّعِيدِ:
— كَرِيمُ، أَشْعُرُ أَنَّ دَائِرَتِي اكْتَمَلَتْ أَخِيرًا: مِنِ امْرَأَةٍ دَفَعَتْ ثَمَنَ حُرِّيَّتِهَا الأُولَى، إِلَى امْرَأَةٍ تَخْتَارُ حُبَّهَا الثَّانِيَ بِعَيْنَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَقَلْبٍ وَاثِقٍ.
________________________________________
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لَمْ تَكُنْ كُلُّ الأُمُورِ سَهْلَةً: وَاجَهَ زِيَادٌ أَزْمَةَ ثِقَةٍ حَقِيقِيَّةً فِي دِرَاسَتِهِ الجَامِعِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ رَسَبَ فِي مَادَّةٍ صَعْبَةٍ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ الأَكَادِيمِيَّةِ.
اتَّصَلَ بِكَرِيمٍ، مُحْبَطًا وَقَلِقًا:
— كَرِيمُ، أَشْعُرُ أَنِّي فَشِلْتُ. رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ قَرَارِي الصَّحِيحَ أَنْ أَدْرُسَ الهَنْدَسَةَ، رُبَّمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَ بَابَا مِنَ البِدَايَةِ.
اسْتَمَعَ كَرِيمٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ، مُتَذَكِّرًا مَخَاوِفَهُ الخَاصَّةَ حِينَ وَاجَهَ تَحَدِّيَاتٍ مُشَابِهَةً فِي بِدَايَةِ مَسِيرَتِهِ:
— زِيَادُ، الرُّسُوبُ فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَعْنِي فَشَلًا فِي المَسِيرَةِ كُلِّهَا. حَتَّى أَنَا وَاجَهْتُ تَحَدِّيَاتٍ صَعْبَةً فِي العَمَلِ، وَوَاجَهْتُ تَحَيُّزًا وَشَكًّا فِي قُدُرَاتِي. المُهِمُّ كَيْفَ تَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّحَدِّي، لَا أَنَّ التَّحَدِّيَ مَوْجُودٌ أَصْلًا.
— وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ أَرُدَّ؟
— اطْلُبْ مُسَاعَدَةً مِنْ أَسَاتِذَتِكَ، حَاوِلْ أَنْ تَفْهَمَ أَيْنَ كَانَتْ نُقْطَةُ الضَّعْفِ بِالضَّبْطِ، وَلَا تَدَعِ الفَشَلَ المُؤَقَّتَ يُحَدِّدُ قِيمَتَكَ كُلَّهَا. تَحَدَّثْ مَعَ بَابَا وَأُمِّي بِصِدْقٍ عَمَّا حَدَثَ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُخْفِيَهُ خَوْفًا مِنْ خَيْبَةِ أَمَلِهِمَا.
كَانَتْ غْرِيتَا، بِحُكْمِ عَلَاقَتِهَا الوَثِيقَةِ بِزِيَادٍ، أَوَّلَ مَنْ لَاحَظَ حُزْنَهُ وَتَوَتُّرَهُ، وَحِينَ شَارَكَهَا هُمُومَهُ، قَالَتْ لَهُ بِحِكْمَةٍ هَادِئَةٍ:
— زِيَادُ، أَتَعْرِفُ أَنِّي رَسَبْتُ فِي مَادَّةِ الرَّسْمِ التَّشْرِيحِيِّ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ دِرَاسَتِي؟ شَعَرْتُ وَقْتَهَا أَنِّي لَسْتُ مَوْهُوبَةً بِمَا يَكْفِي لِأَكُونَ فَنَّانَةً حَقِيقِيَّةً. لَكِنَّ مُعَلِّمَتِي قَالَتْ لِي شَيْئًا لَمْ أَنْسَهُ أَبَدًا: الفَشَلُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى غِيَابِ المَوْهِبَةِ، بَلْ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنْ عَمَلِيَّةِ إِتْقَانِهَا.
تَأَثَّرَ زِيَادٌ بِهَذِهِ المُشَارَكَةِ الصَّادِقَةِ:
— لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكِ مَرَرْتِ بِالتَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا.
— كَثِيرُونَ يَمُرُّونَ بِهَا يَا زِيَادُ، لَكِنَّ قِلَّةً يَتَحَدَّثُونَ عَنْهَا بِصَرَاحَةٍ. لِهَذَا شَعَرْتَ أَنَّكَ وَحِيدٌ فِي تَجْرِبَتِكَ، رَغْمَ أَنَّهَا أَكْثَرُ شُيُوعًا مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
اتَّصَلَ زِيَادٌ بِوَالِدَيْهِ، بِصِدْقٍ وَشَجَاعَةٍ تَعَلَّمَهَا مِنْ أَخِيهِ، وَأَخْبَرَهُمَا بِصَرَاحَةٍ عَنْ رُسُوبِهِ وَعَنْ أَزْمَةِ ثِقَتِهِ. اسْتَمَعَ غَسَّانُ بِتَفَهُّمٍ عَمِيقٍ:
— زِيَادُ، الرُّسُوبُ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنَ التَّعَلُّمِ. المُهِمُّ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، لَا أَنْ تَكُونَ مِثَالِيًّا مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ.
بِدَعْمٍ مِنْ عَائِلَتِهِ، وَبِمُسَاعَدَةٍ إِضَافِيَّةٍ مِنْ أَسَاتِذَتِهِ، قَرَّرَ زِيَادٌ إِعَادَةَ المَادَّةِ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ، وَنَجَحَ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ بِتَفَوُّقٍ، مُدْرِكًا أَنَّ الفَشَلَ المُؤَقَّتَ، حِينَ يُوَاجَهُ بِصِدْقٍ وَدَعْمٍ حَقِيقِيٍّ، يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ فُرْصَةً لِلنُّمُوِّ بَدَلًا مِنْ مَصْدَرٍ لِلْعَارِ الصَّامِتِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ رَأَيْتُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلنُّضْجِ الإِنْسَانِيِّ: خَالَتِي أَمَلُ الَّتِي اكْتَشَفَتْ مَوْهِبَةً كَامِنَةً بَعْدَ عُمْرٍ مِنَ التَّضْحِيَةِ الصَّامِتَةِ؛ وَمُنَى الَّتِي تَخْتَارُ حُبَّهَا الثَّانِيَ بِثِقَةٍ كَامِلَةٍ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الأَلَمِ وَالتَّعَلُّمِ؛ وَزِيَادٌ الَّذِي يُوَاجِهُ أَوَّلَ فَشَلٍ أَكَادِيمِيٍّ حَقِيقِيٍّ فِي حَيَاتِهِ بِشَجَاعَةٍ وَصِدْقٍ بَدَلًا مِنَ الخَجَلِ وَالإِنْكَارِ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ النُّضْجَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ غِيَابَ الأَخْطَاءِ أَوِ التَّحَدِّيَاتِ، بَلِ القُدْرَةَ عَلَى مُوَاجَهَتِهَا بِصِدْقٍ، وَالِاسْتِفَادَةَ مِنْهَا كَخُطُوَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ فِي طَرِيقٍ أَطْوَلَ نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلذَّاتِ وَلِلْحَيَاةِ.»
الفَصْلُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ
فِي المَدْرَسَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ ابْنَةُ رِيمَا، الَّتِي كَبِرَتِ الآنَ وَأَصْبَحَتْ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا، تَدْرُسُ فِي صَفٍّ يَضُمُّ أَطْفَالًا مِنْ خَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، سَأَلَتْهَا إِحْدَى زَمِيلَاتِهَا بِفُضُولٍ طُفُولِيٍّ بَرِيءٍ:
— لِمَ خَالَتُكِ مُتَزَوِّجَةٌ مِنْ وَاحِدٍ أَجْنَبِيٍّ؟ سَمِعْتُ أُمِّي تَقُولُ هَكَذَا.
عَادَتِ الطِّفْلَةُ إِلَى المَنْزِلِ حَائِرَةً، وَسَأَلَتْ أُمَّهَا رِيمَا:
— مَامَا، لِمَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ عَمِّي كَرِيمٍ وَزَوْجَتِهِ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ فِي المَدْرَسَةِ؟
جَلَسَتْ رِيمَا مَعَ ابْنَتِهَا، وَشَرَحَتْ لَهَا بِصَبْرٍ وَبَسَاطَةٍ تُنَاسِبُ عُمْرَهَا:
— حَبِيبَتِي، عَمُّكِ كَرِيمٌ تَزَوَّجَ مِنِ امْرَأَةٍ اسْمُهَا لِينَا، مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، يُحِبُّ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ كَثِيرًا. أَحْيَانًا يَسْتَغْرِبُ النَّاسُ مِنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَعْتَادُوا عَلَيْهَا، لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الأَمْرَ خَطَأٌ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ وَقْتًا أَكْثَرَ لِيَفْهَمُوا وَيَتَعَوَّدُوا.
— يَعْنِي لَيْسَ عَيْبًا أَنْ يُحِبَّ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ بَلَدٍ آخَرَ؟
— أَبَدًا لَيْسَ عَيْبًا يَا حَبِيبَتِي. الحُبُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَعْرِفُ حُدُودَ البُلْدَانِ أَوِ الأَدْيَانِ. المُهِمُّ أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَحْتَرِمُوا بَعْضَهُمْ بَعْضًا.
فَكَّرَتِ الطِّفْلَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِبَرَاءَةٍ:
— حَسَنًا، غَدًا إِنْ قَالَ لِي أَحَدٌ كَلَامًا كَهَذَا مَرَّةً أُخْرَى، سَأَقُولُ لَهُ هَذَا الكَلَامَ.
ابْتَسَمَتْ رِيمَا بِفَخْرٍ، مُدْرِكَةً أَنَّهَا، دُونَ قَصْدٍ مُبَاشِرٍ، كَانَتْ تَنْقُلُ إِلَى الجِيلِ التَّالِي الدُّرُوسَ نَفْسَهَا الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا هِيَ بِصُعُوبَةٍ خِلَالَ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ: أَنَّ الحُبَّ وَالصِّدْقَ أَهَمُّ مِنَ الأَحْكَامِ المُسْبَقَةِ وَالصُّوَرِ النَّمَطِيَّةِ.
________________________________________
فِي مِيُونِخَ، وَبَعْدَ عَامَيْنِ مِنْ وِلَادَةِ ابْنَتِهِمَا الأُولَى زَهْرَةَ، أَعْلَنَ كَرِيمٌ وَلِينَا خَبَرًا سَعِيدًا آخَرَ: كَانَتْ لِينَا حَامِلًا بِطِفْلِهِمَا الثَّانِي.
هَذِهِ المَرَّةَ، اسْتَقْبَلَ الجَمِيعُ الخَبَرَ بِفَرَحٍ أَقَلَّ تَوَتُّرًا وَأَسْئِلَةٍ أَقَلَّ قَلَقًا مِمَّا حَدَثَ مَعَ الحَمْلِ الأَوَّلِ، إِذْ كَانَتِ العَائِلَتَانِ قَدِ اخْتَبَرَتَا بِالفِعْلِ، عَبْرَ تَجْرِبَةِ زَهْرَةَ الصَّغِيرَةِ، أَنَّ اخْتِلَافَاتِهِمَا الثَّقَافِيَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تُدَارَ بِحِكْمَةٍ وَاحْتِرَامٍ مُتَبَادَلٍ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِمَرَحٍ وَاضِحٍ:
— كَرِيمُ، صِرْتُمْ الآنَ مُحْتَرِفِينَ فِي مَوْضُوعِ الحَمْلِ وَالوِلَادَةِ! مَا رَأْيُكُمْ فِي هَذِهِ المَرَّةِ، وَلَدٌ أَمْ بِنْتٌ؟
ضَحِكَ كَرِيمٌ:
— لَا يَزَالُ الوَقْتُ مُبَكِّرًا لِنَعْرِفَ يَا أُمِّي، لَكِنْ مَهْمَا كَانَ، سَنَسْتَقْبِلُهُ بِالحُبِّ وَالفَرَحِ نَفْسِهِمَا.
سَأَلَتْ أَنَّا، وَالِدَةُ لِينَا، عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو:
— هَلْ فَكَّرْتُمَا فِي اسْمٍ هَذِهِ المَرَّةَ؟
تَبَادَلَ كَرِيمٌ وَلِينَا نَظْرَةً، ثُمَّ قَالَتْ لِينَا بِابْتِسَامَةٍ:
— نُفَكِّرُ، إِنْ كَانَ وَلَدًا، أَنْ نُسَمِّيَهُ عَلَى اسْمِ وَالِدِي، تَكْرِيمًا لِعَائِلَتِي، تَمَامًا كَمَا سَمَّيْنَا زَهْرَةَ تَكْرِيمًا لِعَائِلَةِ كَرِيمٍ.
تَأَثَّرَ هَانْسُ بِعُمْقٍ بِهَذَا العَرْضِ:
— هَذَا شَرَفٌ كَبِيرٌ لِي، يَا لِينَا. شُكْرًا جَزِيلًا لَكُمَا.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ أَنَّ دَائِرَةَ عَائِلَتِنَا تَتَّسِعُ وَتَتَعَمَّقُ بِاسْتِمْرَارٍ: سَامِرُ يَخْطُو خُطْوَةً أُخْرَى نَحْوَ تَحَسُّنٍ مُتَزَايِدٍ؛ وَابْنَةُ رِيمَا تَتَعَلَّمُ، بِبَرَاءَةٍ طُفُولِيَّةٍ، دُرُوسًا عَمِيقَةً عَنْ قَبُولِ الِاخْتِلَافِ بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ مِنْهُ؛ وَطِفْلٌ جَدِيدٌ فِي طَرِيقِهِ لِلِانْضِمَامِ إِلَى عَائِلَتِنَا المُتَعَدِّدَةِ الثَّقَافَاتِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الحَقِيقِيَّ، حِينَ يُزْرَعُ بِصِدْقٍ فِي جِيلٍ وَاحِدٍ، لَا يَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى ذَلِكَ الجِيلِ فَقَطْ، بَلْ يَمْتَدُّ تِلْقَائِيًّا، وَأَحْيَانًا بِسُهُولَةٍ مُدْهِشَةٍ، إِلَى الجِيلِ التَّالِي، الَّذِي يَرِثُ، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ أَحْيَانًا، ثِمَارَ كُلِّ المَعَارِكِ الصَّعْبَةِ الَّتِي خَاضَهَا مَنْ سَبَقَهُ مِنْ أَجْلِ الصِّدْقِ وَالحُرِّيَّةِ.»
الفَصْلُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ وَالعَمَلِ الجَادِّ، وَبَعْدَ تَجَاوُزِ أَزْمَةِ ثِقَتِهِ الأَكَادِيمِيَّةِ بِنَجَاحٍ، تَخَرَّجَ زِيَادٌ أَخِيرًا مِنْ كُلِّيَّةِ الهَنْدَسَةِ المِعْمَارِيَّةِ بِتَفَوُّقٍ مَلْحُوظٍ، مُحَقِّقًا الحُلْمَ الَّذِي بَدَأَ يُرَاوِدُهُ مُنْذُ كَانَ صَبِيًّا يَرْسُمُ البُيُوتَ فِي دَفَاتِرِهِ المَدْرَسِيَّةِ.
سَافَرَ غَسَّانُ وَسَلْمَى وَرِيمَا إِلَى أَلْمَانِيَا لِحُضُورِ حَفْلِ تَخَرُّجِهِ، بَيْنَمَا حَرَصَ كَرِيمٌ عَلَى الحُضُورِ مِنْ مِيُونِخَ رَغْمَ انْشِغَالِهِ بِاقْتِرَابِ مَوْعِدِ وِلَادَةِ طِفْلِهِ الثَّانِي.
خِلَالَ الحَفْلِ، وَبَيْنَمَا كَانَ زِيَادٌ يَسْتَلِمُ شَهَادَتَهُ عَلَى المِنَصَّةِ، شَعَرَ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ وَهُوَ يَرَى عَائِلَتَهُ بِأَكْمَلِهَا تُصَفِّقُ لَهُ مِنَ الصُّفُوفِ الأَمَامِيَّةِ، بِمَنْ فِيهِمْ غْرِيتَا، الَّتِي أَصْبَحَتِ الآنَ شَرِيكَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ، تَجْلِسُ بِجَانِبِ عَائِلَتِهِ وَتُشَارِكُهُمْ فَرْحَتَهُمْ.
بَعْدَ الحَفْلِ، عَانَقَ غَسَّانُ ابْنَهُ بِحَرَارَةٍ:
— زِيَادُ، أَنَا فَخُورٌ بِكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْهُ. مِنْ صَبِيٍّ كَانَ خَائِفًا مِنْ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْ حُلْمِهِ، إِلَى مُهَنْدِسٍ مُتَخَرِّجٍ بِتَفَوُّقٍ.
قَالَ زِيَادٌ بِتَأَثُّرٍ:
— بَابَا، مَا كُنْتُ لِأَصِلَ إِلَى هُنَا مِنْ غَيْرِ دَعْمِكَ وَدَعْمِ كَرِيمٍ. تَعَلَّمْتُ مِنْكُمَا أَنَّ الحُلْمَ، مَهْمَا كَانَ صَعْبًا، يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِذَا وَاجَهْنَاهُ بِصِدْقٍ وَصَبْرٍ.
اقْتَرَبَ كَرِيمٌ مِنْ أَخِيهِ، وَعَانَقَهُ بِفَخْرٍ:
— زِيَادُ، مَبْرُوكٌ، مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَدَّثْتَنِي فِيهِ عَنْ حُلْمِكَ بِالهَنْدَسَةِ، كُنْتُ مُتَأَكِّدًا أَنَّكَ سَتَصِلُ إِلَى هُنَا.
خِلَالَ الحَفْلِ، انْضَمَّ فُؤَادُ وَسَامِرُ وَنَجَاةُ عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو مِنْ سُورِيَا، غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَى السَّفَرِ بِسَبَبِ الْتِزَامَاتِ عَمَلٍ، لَكِنَّهُمْ أَصَرُّوا عَلَى مُشَارَكَةِ اللَّحْظَةِ وَلَوْ عَنْ بُعْدٍ.
— زِيَادُ، مَبْرُوكٌ يَا ابْنَ أَخِي! صَاحَ فُؤَادُ بِحَمَاسَةٍ عَبْرَ الشَّاشَةِ. كُلُّ هَذِهِ العَائِلَةِ صَارَتْ مَصْدَرَ فَخْرٍ حَقِيقِيٍّ لِي.
ابْتَسَمَ سَامِرُ، وَأَضَافَ:
— زِيَادُ، فَخُورٌ بِكَ كَثِيرًا. أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا، بِطَرِيقَتِهِ، يُحَقِّقُ حُلْمَهُ الخَاصَّ، وَهَذَا أَمْرٌ رَائِعٌ أَنْ نَرَاهُ مَعًا.
بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مِنْ حَفْلِ تَخَرُّجِ زِيَادٍ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ العَائِلَةُ لَا تَزَالُ فِي أَلْمَانِيَا، وَضَعَتْ لِينَا مَوْلُودَهَا الثَّانِيَ: صَبِيًّا صَغِيرًا، أَطْلَقَا عَلَيْهِ اسْمَ «هَانْسَ»، تَكْرِيمًا لِوَالِدِ لِينَا، كَمَا وَعَدَا سَابِقًا.
كَانَتْ هَذِهِ المَرَّةُ مُخْتَلِفَةً عَنِ الوِلَادَةِ الأُولَى، إِذْ تَمَكَّنَ كُلٌّ مِنْ غَسَّانَ وَسَلْمَى وَرِيمَا وَزِيَادٍ وَغْرِيتَا مِنْ زِيَارَةِ المُسْتَشْفَى مُبَاشَرَةً بَعْدَ الوِلَادَةِ، مُحْتَفِلِينَ بِقُدُومِ فَرْدٍ جَدِيدٍ مِنَ العَائِلَةِ فِي وَقْتٍ مُتَزَامِنٍ تَقْرِيبًا مَعَ تَخَرُّجِ زِيَادٍ.
حَمَلَ غَسَّانُ حَفِيدَهُ الجَدِيدَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَقَالَ بِتَأَثُّرٍ:
— هَانْسُ الصَّغِيرُ، جَدُّكَ الأَلْمَانِيُّ هَانْسُ سَيَكُونُ فَخُورًا كَثِيرًا بِكَ، تَمَامًا كَمَا كَانَتْ جَدَّتُكَ زَهْرَةُ سَتَكُونُ فَخُورَةً بِأُخْتِكَ الكُبْرَى.
اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِهَانْسَ، وَالِدِ لِينَا، مُبَاشَرَةً مِنْ غُرْفَةِ المُسْتَشْفَى، لِيُشَارِكَهُ اللَّحْظَةَ:
— هَانْسُ، ابْنُكَ الصَّغِيرُ جَاءَ إِلَى الدُّنْيَا، وَسَمَّيْنَاهُ عَلَى اسْمِكَ كَمَا وَعَدْنَاكَ.
تَأَثَّرَ هَانْسُ بِعُمْقٍ عَبْرَ الشَّاشَةِ:
— كَرِيمُ، لِينَا، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْ مِقْدَارِ تَأَثُّرِي بِهَذَا التَّكْرِيمِ. أَشْعُرُ بِفَخْرٍ وَاتِّصَالٍ عَمِيقٍ بِهَذَا الطِّفْلِ حَتَّى قَبْلَ أَنْ أَلْتَقِيَهُ شَخْصِيًّا.
—————
فِي مَسَاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ المُزْدَحِمِ بِالأَحْدَاثِ السَّعِيدَةِ، اجْتَمَعَتِ العَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا، مِنَ الجَانِبَيْنِ السُّورِيِّ وَالأَلْمَانِيِّ، فِي صَالَةٍ صَغِيرَةٍ اسْتَأْجَرَتْهَا العَائِلَةُ لِلِاحْتِفَالِ بِمُنَاسَبَتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ: تَخَرُّجِ زِيَادٍ وَوِلَادَةِ هَانْسَ الصَّغِيرِ.
قَالَ غَسَّانُ، وَهُوَ يَرْفَعُ كَأْسَهُ فِي نَخْبٍ عَائِلِيٍّ مُؤَثِّرٍ:
— وَأَنَا وَاقِفٌ هُنَا، بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي أُحِبُّهَا، مِنْ سُورِيَا وَأَلْمَانِيَا، أَتَذَكَّرُ أَوَّلَ يَوْمٍ عَادَ فِيهِ كَرِيمٌ مِنَ الغُرْبَةِ، وَكَيْفَ اسْتَقْبَلْتُهُ بِبُرُودٍ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّهُ. وَاليَوْمَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَرَى عَائِلَةً كَبِيرَةً، مُتَنَوِّعَةً وَغَنِيَّةً بِكُلِّ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ الجَمِيلَةِ، بَنَتْ نَفْسَهَا عَلَى الصِّدْقِ وَالمَحَبَّةِ.
رَفَعَتْ سَلْمَى كَأْسَهَا بِدَوْرِهَا:
— أَشْعُرُ أَنَّ أُمِّي زَهْرَةَ، لَوْ رَأَتْ هَذَا اليَوْمَ، كَانَتْ سَتَكُونُ أَسْعَدَ إِنْسَانَةٍ فِي العَالَمِ، وَهِيَ تَرَى حَفِيدَهَا الصَّغِيرَ يَحْمِلُ اسْمَ جَدَّتِهِ الأَلْمَانِيَّةِ إِلَى جَانِبِ اسْمِهَا هِيَ.
جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا، يُرَاقِبَانِ هَذَا المَشْهَدَ العَائِلِيَّ الكَبِيرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ، بَيْنَمَا كَانَتِ الصَّغِيرَةُ زَهْرَةُ تَلْعَبُ بِفَرَحٍ مَعَ خَالِهَا زِيَادٍ، وَهَانْسُ الصَّغِيرُ نَائِمٌ بِسَلَامٍ بَيْنَ ذِرَاعَيْ جَدَّتِهِ سَلْمَى.
فِي لَحْظَةٍ هَادِئَةٍ وَسْطَ الِاحْتِفَالِ، وَقَفَ زِيَادٌ فَجْأَةً، وَطَلَبَ انْتِبَاهَ الجَمِيعِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى غْرِيتَا، الَّتِي بَدَتْ مُنْدَهِشَةً تَمَامًا.
— غْرِيتَا، لَمْ أُفَكِّرْ أَنِّي سَأَفْعَلُ هَذَا اليَوْمَ بِالذَّاتِ، لَكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، بِكُلِّ فَرْحَتِهَا، أَنْسَبُ وَقْتٍ. بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ مَعًا، وَبَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَائِلَتِي عَلَى عَائِلَتِكِ بِمَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ: هَلْ تُوَافِقِينَ أَنْ تَكُونِي جُزْءًا رَسْمِيًّا مِنْ هَذِهِ العَائِلَةِ الكَبِيرَةِ؟
أَخْرَجَ زِيَادٌ خَاتَمًا بَسِيطًا، وَسْطَ دَهْشَةِ وَتَصْفِيقِ الجَمِيعِ، وَدُمُوعِ فَرَحٍ مِنْ غْرِيتَا:
— نَعَمْ، يَا زِيَادُ! بِكُلِّ تَأْكِيدٍ نَعَمْ!
عَمَّتِ الِاحْتِفَالَاتُ المُضَاعَفَةُ القَاعَةَ الصَّغِيرَةَ: تَخَرُّجٌ، وَوِلَادَةٌ، وَخُطُوبَةٌ جَدِيدَةٌ، كُلُّهَا فِي الأُمْسِيَةِ نَفْسِهَا، وَكَأَنَّ الحَيَاةَ قَرَّرَتْ أَنْ تُكَافِئَ هَذِهِ العَائِلَةَ بِكُلِّ أَفْرَاحِهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّبْرِ وَالمُوَاجَهَاتِ الصَّعْبَةِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مِنْ غُرْفَةِ الفُنْدُقِ حَيْثُ كَانَتِ العَائِلَةُ تُقِيمُ مُؤَقَّتًا:
«اليَوْمَ عِشْنَا وَاحِدًا مِنْ أَجْمَلِ الأَيَّامِ فِي تَارِيخِ عَائِلَتِنَا الطَّوِيلِ: تَخَرُّجُ زِيَادٍ، تَحْقِيقُ حُلْمٍ بَدَأَ بِجُرْأَةٍ صَغِيرَةٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ؛ وَوِلَادَةُ هَانْسَ، رَمْزٌ جَدِيدٌ لِانْدِمَاجِ ثَقَافَتَيْنِ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ؛ وَاحْتِفَالٌ جَمَعَ الجَمِيعَ، مِنْ سُورِيَا وَأَلْمَانِيَا، فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، بِفَرَحٍ مُشْتَرَكٍ حَقِيقِيٍّ. أَدْرَكْتُ، وَأَنَا أُرَاقِبُ هَذَا المَشْهَدَ، أَنَّ رِحْلَتَنَا الطَّوِيلَةَ نَحْوَ الصِّدْقِ وَالفَهْمِ المُتَبَادَلِ، الَّتِي بَدَأَتْ بِسُؤَالٍ بَسِيطٍ طَرَحْتُهُ عَلَى أَبِي فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ عَوْدَتِي، أَثْمَرَتِ الآنَ عَائِلَةً كَامِلَةً أَوْسَعَ وَأَغْنَى وَأَصْدَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ.»
الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْفَرَحِ الْمُتَرَاكِمِ، بَدَأَ غَسَّانُ، الَّذِي تَجَاوَزَ الْآنَ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ، يَشْعُرُ بِتَعَبٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ وَضِيقٍ خَفِيفٍ فِي التَّنَفُّسِ أَحْيَانًا. تَرَدَّدَتْ سَلْمَى فِي الْبِدَايَةِ أَنْ تُقْلِقَهُ أَكْثَرَ، لَكِنَّهَا أَصَرَّتْ أَخِيرًا أَنْ يَزُورَ الطَّبِيبَ بَعْدَ أَنْ لَاحَظَتْ تَكَرُّرَ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ.
كَشَفَ الْفَحْصُ الطِّبِّيُّ عَنْ حَالَةِ بِدَايَةِ ضَعْفٍ فِي عَضَلَةِ الْقَلْبِ، لَيْسَتْ خَطِيرَةً بَعْدُ لَكِنَّهَا تَسْتَدْعِي مُتَابَعَةً دَقِيقَةً وَتَغْيِيرًا فِي نَمَطِ الْحَيَاةِ: نِظَامٌ غِذَائِيٌّ أَكْثَرُ صِحَّةً، وَتَمَارِينُ خَفِيفَةٌ مُنْتَظَمَةٌ، وَتَقْلِيلُ سَاعَاتِ الْعَمَلِ الطَّوِيلَةِ فِي الْمَحَلِّ.
اتَّصَلَ غَسَّانُ بِكَرِيمٍ لِيُخْبِرَهُ بِالنَّتِيجَةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ قَلَقِ ابْنِهِ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، الْوَضْعُ لَيْسَ خَطِيرًا، لَكِنَّ الطَّبِيبَ قَالَ لِي إِنَّهُ يَجِبُ أَنْ أَهْتَمَّ بِصِحَّتِي أَكْثَرَ.”
شَعَرَ كَرِيمٌ بِقَلَقٍ عَمِيقٍ: “أَبِي، أُرِيدُكَ أَنْ تَأْخُذَ الْمَوْضُوعَ بِجِدِّيَّةٍ كَامِلَةٍ. حَيَاتُكَ أَهَمُّ مِنْ أَيِّ عَمَلٍ أَوِ الْتِزَامٍ آخَرَ.”
بَدَأَ غَسَّانُ بِالْفِعْلِ بِتَغْيِيرِ نَمَطِ حَيَاتِهِ: قَلَّصَ سَاعَاتِ عَمَلِهِ، وَتَرَكَ زِيَادًا، الَّذِي عَادَ مُؤَقَّتًا مِنْ أَلْمَانْيَا بَعْدَ تَخَرُّجِهِ لِفَتْرَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ قَبْلَ بَدْءِ عَمَلِهِ الرَّسْمِيِّ، يَتَوَلَّى جُزْءًا أَكْبَرَ مِنْ إِدَارَةِ الْمَحَلِّ، بَيْنَمَا بَدَأَ غَسَّانُ بِمُمَارَسَةِ الْمَشْيِ الْيَوْمِيِّ بِصُحْبَةِ سَلْمَى، الَّتِي أَصَرَّتْ عَلَى مُرَافَقَتِهِ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ نَحْوَ حَيَاةٍ أَكْثَرَ صِحَّةً.
——–
بَعْدَ سَمَاعِهِ بِالْوَضْعِ الصِّحِّيِّ لِأَبِيهِ، وَبَعْدَ تَفْكِيرٍ عَمِيقٍ مَعَ لِينَا، اقْتَرَحَ كَرِيمٌ فِكْرَةً جَرِيئَةً: أَنْ تَنْتَقِلَ الْعَائِلَةُ الصَّغِيرَةُ، هُوَ وَلِينَا وَطِفْلَاهُمَا، لِلْإِقَامَةِ فِي سُورِيَا مُدَّةَ عَامٍ كَامِلٍ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ قَضَاءِ وَقْتٍ أَطْوَلَ مَعَ وَالِدِهِ خِلَالَ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْحَسَّاسَةِ، وَلِإِعْطَاءِ أَطْفَالِهِ فُرْصَةً أَعْمَقَ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ جُذُورِهِمُ السُّورِيَّةِ.
نَاقَشَ الزَّوْجَانِ الْفِكْرَةَ بِعُمْقٍ: كَرِيمٌ يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ عَنْ بُعْدٍ جُزْئِيًّا لِمَكْتَبِهِ فِي مِيُونِخَ، بَيْنَمَا تَبْحَثُ لِينَا عَنْ فُرْصَةِ عَمَلٍ مُؤَقَّتَةٍ أَوْ مَشْرُوعٍ فَنِّيٍّ تُدِيرُهُ مِنْ سُورِيَا.
قَالَتْ لِينَا، بَعْدَ تَفْكِيرٍ: “كَرِيمُ، أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ. أَشْعُرُ أَنَّ أَطْفَالَنَا يَسْتَحِقُّونَ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِلْعَيْشِ فِي سُورِيَا فَتْرَةً، لَا زِيَارَتَهَا كَسُيَّاحٍ فَقَطْ، بَلْ مُعَايَشَةَ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ هُنَاكَ، وَتَعَلُّمَ اللُّغَةِ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ، وَالتَّقَرُّبَ مِنْ عَائِلَتِكَ فِي وَقْتٍ يَحْتَاجُونَكَ فِيهِ أَكْثَرَ.”
عِنْدَمَا أَخْبَرَ كَرِيمٌ وَالِدَيْهِ بِهَذَا الْقَرَارِ، تَأَثَّرَ غَسَّانُ بِعُمْقٍ: “كَرِيمُ، لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ مِنْكَ مِثْلَ هَذِهِ التَّضْحِيَةِ. لَكِنِّي، سَأَكُونُ سَعِيدًا جِدًّا أَنْ نَقْضِيَ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعًا، وَأَنْ يَكْبُرَ حَفِيدِي وَحَفِيدَتِي قَرِيبَيْنِ مِنِّي.”
————-
خِلَالَ اسْتِعْدَادِهِ لِلِانْتِقَالِ الْمُؤَقَّتِ إِلَى سُورِيَا، تَذَكَّرَ كَرِيمٌ الرِّسَالَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي أَعْطَتْهُ إِيَّاهَا جَدَّتُهُ زَهْرَةُ قَبْلَ وَفَاتِهَا، الرِّسَالَةَ الْمُوَجَّهَةَ إِلَى تَوْفِيقٍ الَّتِي لَمْ تُرْسَلْ أَبَدًا. قَرَّرَ كَرِيمٌ، بِدَافِعِ فُضُولٍ وَرَغْبَةٍ فِي إِغْلَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ، أَنْ يُحَاوِلَ الْبَحْثَ عَنْ أَيٍّ مِنْ أَقَارِبِ تَوْفِيقٍ الَّذِينَ قَدْ يَكُونُونَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.
بَعْدَ بَحْثٍ وَسُؤَالٍ بَيْنَ كِبَارِ السِّنِّ فِي الْبَلْدَةِ الْقَدِيمَةِ، اكْتَشَفَ كَرِيمٌ أَنَّ لِتَوْفِيقٍ ابْنَةً تَعِيشُ الْآنَ فِي مَدِينَةٍ قَرِيبَةٍ، امْرَأَةً فِي السِّتِّينَاتِ مِنْ عُمُرِهَا تُدْعَى هُدَى. تَوَاصَلَ مَعَهَا كَرِيمٌ بِحَذَرٍ، وَشَرَحَ لَهَا الْقِصَّةَ كَامِلَةً، وَسَأَلَهَا إِنْ كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لِلِقَاءٍ لِتَسْلِيمِهَا الرِّسَالَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي كَتَبَتْهَا زَهْرَةُ لِأَبِيهَا مُنْذُ عُقُودٍ.
وَافَقَتْ هُدَى، بِفُضُولٍ وَدَهْشَةٍ مَعًا، عَلَى اللِّقَاءِ. حِينَ الْتَقَيَا، أَعْطَاهَا كَرِيمٌ الرِّسَالَةَ، وَشَرَحَ لَهَا قِصَّةَ حُبِّ جَدَّتِهِ وَأَبِيهَا الْقَدِيمَةَ، وَالصَّمْتَ الطَّوِيلَ الَّذِي أَحَاطَ بِهَا عُقُودًا.
قَرَأَتْ هُدَى الرِّسَالَةَ بِدُمُوعٍ صَامِتَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ لِكَرِيمٍ: “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ أَبِي كَانَتْ لَهُ قِصَّةُ حُبٍّ قَدِيمَةٌ، قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمِّي. لَكِنِّي الْآنَ، بَعْدَ أَنْ قَرَأْتُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهِمْتُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً عَنْ حُزْنٍ خَفِيٍّ كَانَ يَحْمِلُهُ أَبِي أَحْيَانًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعْرِفَ سَبَبَهُ.”
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ بِرُؤْيَةِ هَذِهِ الْحَلْقَةِ التَّارِيخِيَّةِ تَكْتَمِلُ أَخِيرًا، وَلَوْ بَعْدَ رَحِيلِ كُلِّ مَنْ عَاشَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُبَاشَرَةً: “هُدَى، جَدَّتِي طَلَبَتْ مِنِّي قَبْلَ وَفَاتِهَا أَنْ أُحَافِظَ عَلَى هَذِهِ الرِّسَالَةِ ذِكْرَى، وَشَعَرْتُ أَنَّ تَسْلِيمَهَا إِلَيْكِ هُوَ أَفْضَلُ طَرِيقَةٍ أُكْرِمُ فِيهَا ذِكْرَاهَا وَذِكْرَى وَالِدِكِ مَعًا.”
عَادَتْ هُدَى إِلَى مَنْزِلِهَا تَحْمِلُ الرِّسَالَةَ أَمَانَةً ثَمِينَةً، بَيْنَمَا شَعَرَ كَرِيمٌ، وَهُوَ يَقُودُ سَيَّارَتَهُ عَائِدًا، بِإِحْسَاسٍ عَمِيقٍ مِنَ الِاكْتِمَالِ: قِصَّةٌ بَدَأَتْ قَبْلَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، فِي صَمْتٍ وَقَهْرٍ اجْتِمَاعِيٍّ، وَجَدَتْ أَخِيرًا طَرِيقَهَا لِتُرْوَى وَتُسْمَعَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرَةً، بِفَضْلِ شَجَاعَةِ زَهْرَةَ فِي مُشَارَكَتِهَا قَبْلَ رَحِيلِهَا.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ أَغْلَقْتُ حَلْقَةً قَدِيمَةً جِدًّا مِنْ تَارِيخِ عَائِلَتِنَا، حَلْقَةً بَدَأَتْ بِصَمْتٍ مَفْرُوضٍ عَلَى جَدَّتِي مُنْذُ شَبَابِهَا، وَوَجَدَتْ أَخِيرًا طَرِيقَهَا لِتَكْتَمِلَ بَعْدَ عُقُودٍ، حِينَ وَصَلَتْ رِسَالَتُهَا إِلَى ابْنَةِ الرَّجُلِ الَّذِي أَحَبَّتْهُ يَوْمًا. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، اتَّخَذْنَا أَنَا وَلِينَا قَرَارًا جَدِيدًا بِالْعَوْدَةِ الْمُؤَقَّتَةِ إِلَى سُورِيَا، لِنَكُونَ قَرِيبِينَ مِنْ أَبِي فِي مَرْحَلَةٍ تَحْتَاجُ فِيهَا الْعَائِلَةُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَارِبَةً أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. أَدْرَكْتُ أَنَّ الْحَيَاةَ تَسْتَمِرُّ فِي نَسْجِ خُيُوطِهَا بِطُرُقٍ غَرِيبَةٍ وَمُتَشَابِكَةٍ: بَيْنَمَا تُغْلَقُ حَلْقَةٌ قَدِيمَةٌ مِنَ الْأَلَمِ وَالصَّمْتِ، تُفْتَحُ حَلْقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ الْقُرْبِ وَالرِّعَايَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ، وَكَأَنَّ الْعَائِلَةَ، بِكُلِّ أَجْيَالِهَا، تَتَعَلَّمُ بِاسْتِمْرَارٍ كَيْفَ تُوَازِنُ بَيْنَ تَكْرِيمِ مَاضِيهَا وَالِاسْتِثْمَارِ فِي حَاضِرِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا مَعًا.”
الفَصْلُ الأَرْبَعُونَ
انْتَقَلَ كَرِيمٌ وَلِينَا مَعَ طِفْلَيْهِمَا زَهْرَةَ وَهَانْسَ إِلَى سُورِيَا، وَاسْتَأْجَرَا شَقَّةً صَغِيرَةً قَرِيبَةً مِنْ بَيْتِ العَائِلَةِ، لِيَتَمَكَّنَ كَرِيمٌ مِنْ زِيَارَةِ وَالِدَيْهِ يَوْمِيًّا تَقْرِيبًا، بَيْنَمَا بَدَأَ العَمَلَ عَنْ بُعْدٍ لِمَكْتَبِهِ فِي مِيُونِخَ بِمُرُونَةٍ اتُّفِقَ عَلَيْهَا مَعَ مُدِيرِهِ هِير مُولِرَ، الَّذِي أَظْهَرَ تَفَهُّمًا كَامِلًا لِظُرُوفِ كَرِيمٍ العَائِلِيَّةِ.
فِي الأَسَابِيعِ الأُولَى، شَعَرَتِ العَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا بِفَرَحٍ غَامِرٍ لِوُجُودِ كَرِيمٍ وَأُسْرَتِهِ الصَّغِيرَةِ بَيْنَهُمْ بِشَكْلٍ يَوْمِيٍّ، لَا مُجَرَّدَ زِيَارَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ. كَانَ غَسَّانُ، رَغْمَ حَالَتِهِ الصِّحِّيَّةِ الَّتِي تَحَسَّنَتْ تَدْرِيجِيًّا بِفَضْلِ نَمَطِ حَيَاتِهِ الجَدِيدِ، يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً يَلْعَبُ مَعَ حَفِيدَتِهِ زَهْرَةَ، الَّتِي بَدَأَتْ تَتَحَدَّثُ بِخَلِيطٍ ظَرِيفٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ وَالأَلْمَانِيَّةِ.
قَالَتْ سَلْمَى لِكَرِيمٍ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ:
— كَرِيمُ، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَرَى حَفِيدِي وَحَفِيدَتِي يَكْبَرَانِ قَرِيبَيْنِ مِنِّي هَكَذَا. هَذِهِ السَّنَةُ مَعَكُمْ سَتَكُونُ مِنْ أَجْمَلِ سِنِينِ حَيَاتِي.
كَانَ غَسَّانُ، فِي كُلِّ مَسَاءٍ تَقْرِيبًا، يَجْلِسُ مَعَ زَهْرَةَ الصَّغِيرَةِ عَلَى الشُّرْفَةِ نَفْسِهَا الَّتِي جَلَسَ فِيهَا يَوْمًا مَعَ أُمِّهِ الرَّاحِلَةِ، يُعَلِّمُهَا كَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةً بَسِيطَةً، وَيَحْكِي لَهَا، بِلُغَةٍ مُبَسَّطَةٍ تُنَاسِبُ عُمْرَهَا، بَعْضَ حِكَايَاتِ جَدَّتِهَا الكُبْرَى زَهْرَةَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ لِأُمِّهِ بِأَنْ يُبْقِيَ ذِكْرَاهَا حَيَّةً فِي الجِيلِ الجَدِيدِ.
— زَهْرَةُ، جَدَّتُكِ الكَبِيرَةُ، الَّتِي سُمِّيتِ عَلَى اسْمِهَا، كَانَتِ امْرَأَةً حَكِيمَةً كَثِيرًا، وَكَانَتْ تُحِبُّكِ كَثِيرًا كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ تَصِلِي إِلَى الدُّنْيَا.
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحَظَاتُ البَسِيطَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، تَحْمِلُ عُمْقًا كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ لِغَسَّانَ: فُرْصَةً لِتَمْرِيرِ إِرْثٍ عَائِلِيٍّ مُتَرَاكِمٍ مِنَ الحِكْمَةِ وَالصِّدْقِ إِلَى جِيلٍ جَدِيدٍ، بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَحْظَ هُوَ نَفْسُهُ بِهَا فِي طُفُولَتِهِ المُبَكِّرَةِ مَعَ جَدِّهِ الحَاجِّ سَلِيمٍ الصَّارِمِ.
ثَانِيًا: رَامِي يُصْبِحُ جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنَ العَائِلَةِ
مَعَ اسْتِقْرَارِ كَرِيمٍ فِي سُورِيَا، تَزَامَنَ ذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمٍ مَلْحُوظٍ فِي وَضْعِ سَامِرَ.
—-
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَجَدَتْ لِينَا نَفْسَهَا تُوَاجِهُ تَحَدِّيَاتٍ جَدِيدَةً تَمَامًا عَنْ تِلْكَ الَّتِي عَاشَتْهَا كَزَائِرَةٍ عَابِرَةٍ: إِدَارَةَ شُؤُونِ المَنْزِلِ اليَوْمِيَّةِ فِي ثَقَافَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، التَّعَامُلَ مَعَ البِيرُوقْرَاطِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ، وَحَتَّى مُوَاجَهَةَ نَظَرَاتٍ فُضُولِيَّةٍ أَحْيَانًا مِنْ بَعْضِ الجِيرَانِ غَيْرِ المُعْتَادِينَ عَلَى وُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تَعِيشُ بَيْنَهُمْ بِشَكْلٍ دَائِمٍ.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، عَادَتْ لِينَا إِلَى المَنْزِلِ مُتْعَبَةً بَعْدَ تَجْرِبَةٍ مُحْبِطَةٍ فِي السُّوقِ، حَيْثُ شَعَرَتْ أَنَّ بَعْضَ البَاعَةِ يَتَعَامَلُونَ مَعَهَا بِتَرَدُّدٍ أَوْ حَذَرٍ بِسَبَبِ مَظْهَرِهَا المُخْتَلِفِ وَلَهْجَتِهَا الأَجْنَبِيَّةِ.
قَالَتْ لِكَرِيمٍ بِصِدْقٍ:
— كَرِيمُ، أَشْعُرُ أَحْيَانًا بِالغُرْبَةِ رَغْمَ كُلِّ التَّرْحِيبِ الَّذِي تَلَقَّيْتُهُ مِنْ عَائِلَتِكَ. أَحْتَاجُ وَقْتًا لِأَتَعَلَّمَ كَيْفَ أَتَنَقَّلُ فِي هَذَا المُجْتَمَعِ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ.
اسْتَمَعَ كَرِيمٌ بِتَفَهُّمٍ عَمِيقٍ:
— لِينَا، تَجْرِبَتُكِ الآنَ أَشْبَهُ كَثِيرًا بِتَجْرِبَتِي أَنَا حِينَ كُنْتُ غَرِيبًا فِي أَلْمَانِيَا. الِانْدِمَاجُ لَا يَحْدُثُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، يَحْتَاجُ وَقْتًا وَصَبْرًا.
اقْتَرَحَتْ رِيمَا، حِينَ سَمِعَتْ عَنْ تَحَدِّيَاتِ لِينَا، أَنْ تَصْطَحِبَهَا مَعَهَا فِي زِيَارَاتِهَا اليَوْمِيَّةِ لِلسُّوقِ وَلِبُيُوتِ الجِيرَانِ، لِتُسَاعِدَهَا عَلَى التَّعَرُّفِ عَلَى المُجْتَمَعِ بِشَكْلٍ تَدْرِيجِيٍّ وَبِدَعْمٍ مُبَاشِرٍ. بَدَأَتْ لِينَا تَتَعَلَّمُ كَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةً جَدِيدَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَتَتَعَرَّفُ عَلَى عَادَاتٍ وَتَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ، مِثْلَ كَيْفِيَّةِ المُسَاوَمَةِ فِي السُّوقِ بِأَدَبٍ، أَوِ الطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ لِتَحِيَّةِ الجِيرَانِ المُسِنِّينَ.
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ هَذَا الدَّعْمِ، لَاحَظَتْ لِينَا تَحَسُّنًا مَلْمُوسًا:
— رِيمَا، بَدَأْتُ أَشْعُرُ أَنَّ النَّاسَ هُنَا يَتَقَبَّلُونَنِي أَكْثَرَ، خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ رَأَوْا أَنِّي أُحَاوِلُ بِصِدْقٍ أَنْ أَتَعَلَّمَ وَأَنْدَمِجَ، لَا أَنْ أَبْقَى بَعِيدَةً وَمُنْعَزِلَةً.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ أَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ جَدِيدٍ يَنْضَمُّ إِلَى عَائِلَتِنَا، سَوَاءٌ بِالزَّوَاجِ أَوْ بِالحُبِّ أَوْ حَتَّى بِالِانْتِقَالِ الجُغْرَافِيِّ المُؤَقَّتِ، يَمُرُّ بِمَرْحَلَةِ تَكَيُّفٍ حَقِيقِيَّةٍ تَتَطَلَّبُ صَبْرًا وَدَعْمًا مِنَ الجَمِيعِ. لِينَا تَتَعَلَّمُ الآنَ كَيْفَ تَعِيشُ فِي سُورِيَا كَمَا تَعَلَّمْتُ أَنَا، مُنْذُ سَنَوَاتٍ، كَيْفَ أَعِيشُ فِي أَلْمَانِيَا. وَرَامِي يَجِدُ طَرِيقَهُ تَدْرِيجِيًّا لِيُصْبِحَ جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنْ عَائِلَتِنَا، كَمَا وَجَدْتُ أَنَا طَرِيقِي، بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ، لِلْعَوْدَةِ إِلَى قَلْبِ عَائِلَتِي. أَدْرَكْتُ أَنَّ الِانْتِمَاءَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ حَالَةً نِهَائِيَّةً ثَابِتَةً، بَلْ عَمَلِيَّةً مُسْتَمِرَّةً مِنَ الجَهْدِ الصَّادِقِ وَالصَّبْرِ المُتَبَادَلِ، تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ فَرْدٍ جَدِيدٍ يَدْخُلُ نَسِيجَ العَائِلَةِ الوَاسِعَ.»
الفصل الحادي والأربعون
بَعْدَ خُطُوبَتِهِمَا، بَدَأَ زِيَادٌ وَغِرِيتَا بِالتَّخْطِيطِ لِزِفَافِهِمَا، لَكِنَّهُمَا، بِخِلَافِ تَجْرِبَةِ كَرِيمٍ وَلِينَا الْأُولَى الْمَلِيئَةِ بِالتَّحَدِّيَاتِ وَالْمُفَاجَآتِ، اسْتَفَادَا مُبَاشَرَةً مِنْ كُلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا الْعَائِلَتَانِ سَابِقًا.
مِنَ الْبِدَايَةِ، اقْتَرَحَ زِيَادٌ عَلَى غِرِيتَا الصِّيغَةَ نَفْسَهَا الَّتِي نَجَحَتْ مَعَ أَخِيهِ: حَفْلٌ مُبَسَّطٌ فِي سُورِيَا يَحْضُرُهُ الطَّرَفَانِ، وَحَفْلُ اسْتِقْبَالٍ أَكْبَرُ فِي أَلْمَانْيَا، مَعَ تَقَاسُمٍ عَادِلٍ لِلتَّكَالِيفِ بَيْنَ الْعَائِلَتَيْنِ وَالزَّوْجَيْنِ.
قَالَتْ غِرِيتَا بِابْتِسَامَةٍ: “زِيَادُ، يُسْعِدُنِي كَثِيرًا أَنَّنَا لَا نَضْطَرُّ لِإِعَادَةِ اخْتِرَاعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الصِّفْرِ. تَجْرِبَةُ كَرِيمٍ وَلِينَا مَنَحَتْنَا خَارِطَةَ طَرِيقٍ وَاضِحَةً.”
لَاحَظَ كَرِيمٌ، وَهُوَ يُرَاقِبُ هَذَا التَّخْطِيطَ السَّلِسَ، فَرْقًا كَبِيرًا بَيْنَ تَجْرِبَتِهِ الْأُولَى الْمَلِيئَةِ بِالتَّوَتُّرِ وَالِاكْتِشَافِ، وَتَجْرِبَةِ أَخِيهِ الْأَكْثَرِ سَلَاسَةً: “زِيَادُ، أَنَا فَخُورٌ أَنَّ تَجْرِبَتِي وَتَجْرِبَةَ لِينَا سَهَّلَتَا عَلَيْكُمَا الطَّرِيقَ قَلِيلًا.”
“طَبْعًا يَا كَرِيمُ. كُلُّ جِيلٍ يَبْنِي عَلَى تَجْرِبَةِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا عَلَّمَتْنَا إِيَّاهُ عَائِلَتُنَا.”
———
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الِالْتِزَامِ الصَّارِمِ بِنَصَائِحِ الطَّبِيبِ، وَبِفَضْلِ دَعْمِ سَلْمَى الْمُسْتَمِرِّ وَمُرَافَقَتِهَا لَهُ فِي الْمَشْيِ الْيَوْمِيِّ، أَظْهَرَتِ الْفُحُوصَاتُ الطِّبِّيَّةُ الْجَدِيدَةُ لِغَسَّانَ تَحَسُّنًا مَلْحُوظًا فِي وَظَائِفِ قَلْبِهِ، لِدَرَجَةِ أَنَّ الطَّبِيبَ عَبَّرَ عَنْ دَهْشَتِهِ الْإِيجَابِيَّةِ بِمَدَى الِانْضِبَاطِ الَّذِي الْتَزَمَ بِهِ غَسَّانُ.
احْتَفَلَتِ الْعَائِلَةُ بِهَذَا الْخَبَرِ السَّارِّ خِلَالَ عَشَاءٍ بَسِيطٍ، حَيْثُ قَالَ غَسَّانُ بِامْتِنَانٍ: “لَمْ أَكُنْ مُتَوَقِّعًا أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أُغَيِّرَ عَادَاتِ عُمْرِي كُلِّهِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ. لَكِنَّ وُجُودَ سَلْمَى بِجَانِبِي، وَوُجُودَ كَرِيمٍ وَعَائِلَتِهِ الصَّغِيرَةِ قَرِيبِينَ مِنِّي هَذِهِ السَّنَةَ، أَعْطَانِي دَافِعًا حَقِيقِيًّا لِأَعْتَنِيَ بِنَفْسِي أَكْثَرَ، لِأَبْقَى مَوْجُودًا لِأَطْوَلِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ مَعَهُمْ.”
قَالَتْ سَلْمَى بِحَنَانٍ: “غَسَّانُ، أَنَا أَيْضًا اسْتَفَدْتُ مِنْ هَذَا التَّغْيِيرِ. صِرْنَا نَمْشِي مَعًا كُلَّ يَوْمٍ، وَنَتَحَدَّثُ أَكْثَرَ، وَشَعَرْتُ أَنَّ عَلَاقَتَنَا عَادَتْ تُشْبِهُ أَيَّامَ شَبَابِنَا الْأُولَى.”
———-
فِي دِمَشْقَ، وَاجَهَ عَلِيٌّ اخْتِبَارًا مِهَنِيًّا صَعْبًا: طُلِبَ مِنْهُ، فِي عَمَلِهِ مُحَاضِرًا جَامِعِيًّا، أَنْ يُوَافِقَ عَلَى تَمْرِيرِ أُطْرُوحَةِ دُكْتُورَاهْ لِطَالِبٍ مِنْ عَائِلَةٍ نَافِذَةٍ، رَغْمَ أَنَّ الْأُطْرُوحَةَ، مِنَ النَّاحِيَةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، لَمْ تَكُنْ تَسْتَحِقُّ الدَّرَجَةَ الْعِلْمِيَّةَ الْمَطْلُوبَةَ.
تَرَدَّدَ عَلِيٌّ كَثِيرًا، مُدْرِكًا أَنَّ رَفْضَهُ قَدْ يُكَلِّفُهُ تَرْقِيَتَهُ الْمِهَنِيَّةَ الْمُرْتَقَبَةَ، أَوْ حَتَّى يُعَرِّضُهُ لِضُغُوطٍ أَكْبَرَ مِنْ إِدَارَةِ الْجَامِعَةِ.
اتَّصَلَ بِكَرِيمٍ يَطْلُبُ نَصِيحَتَهُ: “كَرِيمُ، أُوَاجِهُ مَوْقِفًا صَعْبًا جِدًّا. إِنْ رَفَضْتُ التَّوْقِيعَ عَلَى الْأُطْرُوحَةِ، فَقَدْ أَخْسَرُ تَرْقِيَتِي، وَقَدْ يَقَعُ عَلَيَّ ضَغْطٌ فِي الْجَامِعَةِ. لَكِنْ إِنْ وَقَّعْتُ، أَشْعُرُ أَنِّي أَخُونُ كُلَّ قِيَمِي الْأَكَادِيمِيَّةِ.”
تَذَكَّرَ كَرِيمٌ مُحَادَثَتَهُمَا الْأُولَى فِي الْمَقْهَى قَبْلَ سِنِينَ، حِينَ وَاجَهَ عَلِيٌّ نَفْسَهُ تَنَاقُضًا بَيْنَ خِطَابِهِ النَّظَرِيِّ وَحَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ: “عَلِيُّ، أَتَذَكَّرُ أَوَّلَ حَدِيثٍ كَانَ بَيْنَنَا، عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِمَبْدَإٍ وَالشَّجَاعَةِ عَلَى تَطْبِيقِهِ؟ الْآنَ تُوَاجِهُ الِاخْتِبَارَ نَفْسَهُ، لَكِنْ فِي مَجَالٍ مُخْتَلِفٍ.”
فَكَّرَ عَلِيٌّ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ: “مُحِقٌّ يَا كَرِيمُ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي طَلَبِ النَّزَاهَةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ مِنْ طُلَّابِي، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أُوَقِّعُ عَلَى شَيْءٍ أَعْرِفُ أَنَّهُ خَطَأٌ.”
قَرَّرَ عَلِيٌّ أَخِيرًا أَنْ يَرْفُضَ التَّوْقِيعَ عَلَى الْأُطْرُوحَةِ، مُقَدِّمًا تَقْرِيرًا أَكَادِيمِيًّا مُفَصَّلًا يُوَضِّحُ أَوْجُهَ الْقُصُورِ فِيهَا، رَغْمَ عِلْمِهِ بِالْمَخَاطِرِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ الْمِهَنِيِّ.
اسْتَدْعَاهُ عَمِيدُ الْكُلِّيَّةِ لِاجْتِمَاعٍ مُبَاشِرٍ، حَاوَلَ خِلَالَهُ الضَّغْطَ عَلَيْهِ بِلُطْفٍ ظَاهِرِيٍّ: “عَلِيُّ، الطَّالِبُ مِنْ عَائِلَةٍ مُهِمَّةٍ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نُسَاعِدَ الْجَامِعَةَ كَثِيرًا لَوْ تَعَامَلْنَا بِمُرُونَةٍ أَكْبَرَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.”
رَدَّ عَلِيٌّ بِهُدُوءٍ لَكِنْ بِحَزْمٍ: “أُسْتَاذِي الْعَمِيدَ، أَنَا أَحْتَرِمُ مَصْلَحَةَ الْجَامِعَةِ، لَكِنِّي أَحْتَرِمُ أَكْثَرَ نَزَاهَتِي الْأَكَادِيمِيَّةَ. إِنْ وَقَّعْتُ عَلَى شَيْءٍ أَعْرِفُ أَنَّهُ خَطَأٌ، فَكَيْفَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْ طُلَّابِي أَنْ يَكُونُوا نُزَهَاءَ فِي أَبْحَاثِهِمْ؟”
وَاجَهَ بِالْفِعْلِ ضَغْطًا مِنْ إِدَارَةِ الْجَامِعَةِ فَتْرَةً، لَكِنَّ دَعْمَ عَدَدٍ مِنَ الزُّمَلَاءِ الَّذِينَ شَجَّعَهُمْ مَوْقِفُهُ عَلَى أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ مَخَاوِفَ مُمَاثِلَةٍ، سَاعَدَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى إِحْدَاثِ نَوْعٍ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِسِيَاسَاتِ الْقَبُولِ فِي الْجَامِعَةِ.
اتَّصَلَ عَلِيٌّ بِكَرِيمٍ بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الْأُمُورُ نِسْبِيًّا: “كَرِيمُ، كَلَّفَنِي الْمَوْقِفُ ضَغْطًا نَفْسِيًّا كَبِيرًا، وَتَأَجَّلَتْ تَرْقِيَتِي فِعْلًا. لَكِنِّي شَعَرْتُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، أَنِّي طَبَّقْتُ قَنَاعَاتِي بِشَكْلٍ كَامِلٍ، لَا أَنِّي تَحَدَّثْتُ عَنْهَا بِالْكَلَامِ فَقَطْ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ تَتَوَارَثُ الدُّرُوسُ بَيْنَ الْأَجْيَالِ وَالْعَلَاقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ: زِيَادٌ وَغِرِيتَا يَبْنِيَانِ زِفَافَهُمَا بِسَلَاسَةٍ عَلَى أَسَاسِ مَا تَعَلَّمْنَاهُ أَنَا وَلِينَا؛ وَأَبِي يَسْتَعِيدُ صِحَّتَهُ بِفَضْلِ الْتِزَامٍ وَحُبٍّ مُتَجَدِّدٍ مِنْ أُمِّي؛ وَعَلِيٌّ يُوَاجِهُ أَخِيرًا، بَعْدَ سِنِينَ مِنْ إِدْرَاكِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ خِطَابِهِ وَحَيَاتِهِ، اخْتِبَارًا حَقِيقِيًّا يُطَبِّقُ فِيهِ قَنَاعَاتِهِ بِشَجَاعَةٍ كَامِلَةٍ، مَهْمَا كَلَّفَهُ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنٍ مِهَنِيٍّ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي تَكْرَارِ اخْتِيَارِ الصَّوَابِ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ جَدِيدٍ، مَهْمَا بَدَا الثَّمَنُ مُخِيفًا، حَتَّى يُصْبِحَ هَذَا الِاخْتِيَارُ جُزْءًا أَصِيلًا مِنْ شَخْصِيَّةِ الْإِنْسَانِ، لَا مُجَرَّدَ لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ مِنَ الشَّجَاعَةِ.”
الفصل الثاني والأربعون
جَاءَ يَوْمُ زِفَافِ زِيَادٍ وَغِرِيتَا، وَسَارَ الْحَفْلُ بِسَلَاسَةٍ مَلْحُوظَةٍ بِفَضْلِ الْخِبْرَةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ زِفَافِ كَرِيمٍ وَلِينَا السَّابِقِ: حَفْلٌ أَوَّلُ بَسِيطٌ فِي سُورِيَا حَضَرَهُ أَقَارِبُ الطَّرَفَيْنِ الْمُقَرَّبُونَ، تَلَاهُ حَفْلُ اسْتِقْبَالٍ أَكْبَرُ فِي أَلْمَانْيَا بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ.
خِلَالَ الْحَفْلِ السُّورِيِّ، وَقَفَ زِيَادٌ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَقَالَ بِصِدْقٍ: “مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَصِلُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ اللَّحْظَةِ السَّعِيدَةِ، لَوْلَا كُلُّ الشَّجَاعَةِ الَّتِي عَلَّمَنِي إِيَّاهَا أَخِي كَرِيمٌ، وَكُلُّ الِانْفِتَاحِ الَّذِي تَعَلَّمَتْهُ عَائِلَتِي فِي هَذِهِ السِّنِينَ.”
حَضَرَ الْحَفْلَ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ تَقْرِيبًا: غَسَّانُ وَسَلْمَى بِصِحَّةٍ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ، رِيمَا وَكَمَالٌ وَابْنَتُهُمَا الَّتِي كَبُرَتِ الْآنَ، فُؤَادٌ وَنَجَاةُ.
قَالَتْ غِرِيتَا، بَعْدَ أَنْ أَلْقَتْ كَلِمَةً قَصِيرَةً بِعَرَبِيَّةٍ مُتَعَثِّرَةٍ لَكِنْ صَادِقَةٍ تَعَلَّمَتْهَا خِصِّيصًا لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ: “شُكْرًا لَكُمْ جَمِيعًا عَلَى اسْتِقْبَالِي بِحَفَاوَةٍ كَبِيرَةٍ فِي هَذِهِ الْعَائِلَةِ الرَّائِعَةِ.”
————–
بِالتَّزَامُنِ تَقْرِيبًا، وَبَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْخُطُوبَةِ الْهَادِئَةِ، تَزَوَّجَتْ مُنَى أَخِيرًا مِنْ سَلِيمٍ، فِي حَفْلٍ بَسِيطٍ لَكِنَّهُ مَلِيءٌ بِالْمَعْنَى، حَضَرَهُ كَرِيمٌ وَعَائِلَتُهُ الْمُقِيمَةُ مُؤَقَّتًا فِي سُورِيَا، إِلَى جَانِبِ أَفْرَادِ عَائِلَةِ مُنَى الَّذِينَ تَصَالَحُوا مَعَهَا تَدْرِيجِيًّا.
خِلَالَ الْحَفْلِ، أَلْقَتْ مُنَى كَلِمَةً مُؤَثِّرَةً: “رِحْلَتِي كَانَتْ طَوِيلَةً وَصَعْبَةً، مِنِ امْرَأَةٍ دَفَعَتْ ثَمَنَ حُرِّيَّتِهَا الْأُولَى، إِلَى امْرَأَةٍ تَبْنِي الْآنَ حَيَاةً جَدِيدَةً بِعُيُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَقَلْبٍ وَاثِقٍ. سَلِيمٌ عَلَّمَنِي أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي السَّيْطَرَةَ، بَلِ الشِّرَاكَةَ وَالِاحْتِرَامَ الْمُتَبَادَلَ.”
حَضَرَتْ أُخْتُهَا، الَّتِي تَصَالَحَتْ مَعَهَا مُنْذُ فَتْرَةٍ، وَبَكَتْ بِفَرَحٍ خِلَالَ الْحَفْلِ: “مُنَى، أَنَا فَخُورَةٌ بِكِ كَثِيرًا، وَآسِفَةٌ أَنِّي لَمْ أَقِفْ بِجَانِبِكِ مِنَ الْبِدَايَةِ.”
اقْتَرَبَ كَرِيمٌ مِنْ مُنَى بَعْدَ الْحَفْلِ، وَقَالَ بِامْتِنَانٍ: “مُنَى، قِصَّتُكِ مِنْ أَكْثَرِ الْقِصَصِ الَّتِي أَثَّرَتْ فِيَّ خِلَالَ رِحْلَتِي كُلِّهَا. شُكْرًا لَكِ لِأَنَّكِ شَارَكْتِنِيهَا مُنْذُ زَمَنٍ.”
———–
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَبَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَمَلِ عَنْ بُعْدٍ لِصَالِحِ مَكْتَبِهِ فِي مِيُونِخَ، بَدَأَتْ تَظْهَرُ تَحَدِّيَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ: شَعَرَ هَيْر مُولَر، مُدِيرُهُ، أَنَّ غِيَابَ كَرِيمٍ الْجَسَدِيَّ الْمُسْتَمِرَّ عَنِ الْمَكْتَبِ بَدَأَ يُؤَثِّرُ عَلَى دِينَامِيكِيَّةِ الْفَرِيقِ وَعَلَى بَعْضِ الْمَشَارِيعِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ حُضُورًا مُبَاشِرًا.
فِي مُكَالَمَةٍ صَعْبَةٍ، قَالَ هَيْر مُولَر لِكَرِيمٍ: “كَرِيمُ، أُقَدِّرُ ظُرُوفَكَ الْعَائِلِيَّةَ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ نُنَاقِشَ مُسْتَقْبَلَ عَمَلِكَ مَعَنَا. أَتُخَطِّطُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى مِيُونِخَ قَرِيبًا، أَمْ تُفَكِّرُ فِي تَرْتِيبٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا؟”
شَعَرَ كَرِيمٌ بِضَغْطٍ حَقِيقِيٍّ: عَائِلَتُهُ سَعِيدَةٌ وَمُسْتَقِرَّةٌ فِي سُورِيَا، وَأَبُوهُ لَا يَزَالُ يَحْتَاجُ قُرْبَهُ وَدَعْمَهُ، لَكِنَّ مَسِيرَتَهُ الْمِهَنِيَّةَ الَّتِي بَنَاهَا بِجَهْدٍ كَبِيرٍ فِي مِيُونِخَ قَدْ تَتَأَثَّرُ سَلْبًا.
نَاقَشَ كَرِيمٌ الْمَوْضُوعَ بِعُمْقٍ مَعَ لِينَا: “لِينَا، لَا أَعْرِفُ مَاذَا أَفْعَلُ. أُحِبُّ حَيَاتَنَا هُنَا فِي سُورِيَا، لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ أَخْسَرَ كُلَّ مَا بَنَيْتُهُ مِهَنِيًّا فِي أَلْمَانْيَا.”
اقْتَرَحَتْ لِينَا حَلًّا وَسَطًا: “كَرِيمُ، مَاذَا لَوِ اقْتَرَحْتَ عَلَى هَيْر مُولَر تَرْتِيبًا هَجِينًا: تَعْمَلُ عَنْ بُعْدٍ لِعَدَدٍ مِنَ الْأَشْهُرِ، ثُمَّ تُسَافِرُ إِلَى مِيُونِخَ لِفَتَرَاتٍ قَصِيرَةٍ كُلَّ بِضْعَةِ أَسَابِيعَ لِلْحُضُورِ الْمُبَاشِرِ فِي الِاجْتِمَاعَاتِ الْمُهِمَّةِ؟”
طَرَحَ كَرِيمٌ هَذَا الِاقْتِرَاحَ عَلَى مُدِيرِهِ، الَّذِي وَافَقَ بَعْدَ تَفْكِيرٍ، بِشَرْطِ أَنْ يُحَدِّدَ كَرِيمٌ فَتْرَةً زَمَنِيَّةً وَاضِحَةً لِهَذَا التَّرْتِيبِ، لَا أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ.
“كَرِيمُ، أُقَدِّرُ مُرُونَتَكَ، لَكِنِّي أَحْتَاجُ إِلَى الْتِزَامٍ وَاضِحٍ بِخُطَّةٍ تَعُودُ بِمُوجِبِهَا لِحُضُورٍ أَكْبَرَ فِي الْمَكْتَبِ خِلَالَ عَامٍ مِنَ الْآنَ.”
وَافَقَ كَرِيمٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، مُدْرِكًا أَنَّ إِقَامَتَهُ الْعَائِلِيَّةَ فِي سُورِيَا، رَغْمَ أَهَمِّيَّتِهَا الْعَاطِفِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَمِرَّ إِلَى الْأَبَدِ دُونَ التَّأْثِيرِ عَلَى اسْتِقْرَارِهِ الْمِهَنِيِّ، وَأَنَّ التَّوَازُنَ الْحَقِيقِيَّ يَتَطَلَّبُ أَحْيَانًا قَبُولَ حُدُودٍ زَمَنِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، لَا حُلُولًا مَفْتُوحَةً بِلَا نِهَايَةٍ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ شَهِدْنَا فَرْحَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ: زِفَافَ أَخِي زِيَادٍ وَغِرِيتَا، وَزِفَافَ صَدِيقَتِي مُنَى وَسَلِيمٍ، كِلَاهُمَا يُمَثِّلَانِ ثِمَارَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ الشَّخْصِيَّةِ. لَكِنِّي وَاجَهْتُ أَيْضًا تَذْكِيرًا بِأَنَّ كُلَّ قَرَارٍ فِي الْحَيَاةِ، مَهْمَا بَدَا مِثَالِيًّا عَاطِفِيًّا، يَحْمِلُ ثَمَنًا حَقِيقِيًّا يَجِبُ إِدَارَتُهُ بِوَعْيٍ: عَوْدَتِي الْمُؤَقَّتَةُ إِلَى سُورِيَا مَنَحَتْنِي قُرْبًا ثَمِينًا مِنْ عَائِلَتِي، لَكِنَّهَا تَتَطَلَّبُ الْآنَ الْتِزَامًا وَاضِحًا بِمَسَارٍ وَاقِعِيٍّ يُوَازِنُ بَيْنَ حَيَاتِي الْعَائِلِيَّةِ وَمَسِيرَتِي الْمِهَنِيَّةِ، بَدَلَ الِاسْتِمْرَارِ فِي حَالَةِ تَعْلِيقٍ غَيْرِ مُحَدَّدَةِ الْمُدَّةِ.”
