الِابْنُ الْغَرِيبُ 08

الِابْنُ الْغَرِيبُ 07


الِابْنُ الْغَرِيبُ

الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ
مَعَ اقْتِرَابِ نِهَايَةِ العَامِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مَعَ هِير مُولِرَ، بَدَأَ كَرِيمٌ وَلِينَا يُوَاجِهَانِ وَاقِعَ العَوْدَةِ القَادِمَةِ إِلَى مِيُونِخَ، بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ بَيْنَ الِامْتِنَانِ لِهَذَا العَامِ الِاسْتِثْنَائِيِّ الَّذِي قَضَيَاهُ قَرِيبَيْنِ مِنْ عَائِلَةِ كَرِيمٍ، وَالحُزْنِ الطَّبِيعِيِّ لِفِرَاقٍ قَادِمٍ.
جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ وَالِدِهِ غَسَّانَ فِي أَحَدِ الأَمَاسِي، يُنَاقِشَانِ هَذَا المَوْضُوعَ بِصَرَاحَةٍ:
— بَابَا، صَعْبٌ عَلَيَّ التَّفْكِيرُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى مِيُونِخَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي قَضَيْنَاهَا قَرِيبِينَ مِنْكُمْ.
ابْتَسَمَ غَسَّانُ بِحِكْمَةٍ هَادِئَةٍ اكْتَسَبَهَا عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّعَلُّمِ:
— كَرِيمُ، هَذِهِ السَّنَةُ كَانَتْ هَدِيَّةً حَقِيقِيَّةً، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَحْظَى بِهَا. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ حَيَاتَكَ المِهَنِيَّةَ فِي أَلْمَانِيَا مُهِمَّةٌ، وَأَنَّ الفِرَاقَ الجُغْرَافِيَّ، بَعْدَ كُلِّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ، لَا يَعْنِي فِرَاقًا حَقِيقِيًّا فِي القَلْبِ.
— بَابَا، سَنُحَاوِلُ أَنْ نَزُورَكُمْ بِانْتِظَامٍ أَكْبَرَ هَذِهِ المَرَّةَ، وَنَسْتَخْدِمَ كُلَّ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ المُتَاحَةِ حَتَّى نَبْقَى قَرِيبِينَ رَغْمَ البُعْدِ.
— أَعْرِفُ يَا كَرِيمُ. وَ صِحَّتِي تَحَسَّنَتْ كَثِيرًا هَذِهِ السَّنَةَ، وَأَشْعُرُ أَنِّي اسْتَطَعْتُ أَنْ أَبْنِيَ عَلَاقَةً حَقِيقِيَّةً مَعَ أَحْفَادِي لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُهَا مُمْكِنَةً، وَهَذَا رَصِيدٌ سَيَبْقَى مَعَنَا حَتَّى لَوِ ابْتَعَدْتُمْ جُغْرَافِيًّا.
بَدَأَ كَرِيمٌ وَلِينَا بِالتَّخْطِيطِ لِعَوْدَتِهِمَا التَّدْرِيجِيَّةِ: سَيُسَافِرُ كَرِيمٌ أَوَّلًا لِبِضْعَةِ أَسَابِيعَ لِإِعَادَةِ الِانْدِمَاجِ فِي مَكْتَبِهِ، بَيْنَمَا تَبْقَى لِينَا وَالأَطْفَالُ فَتْرَةً إِضَافِيَّةً قَصِيرَةً فِي سُورِيَا لِإِنْهَاءِ بَعْضِ التَّرْتِيبَاتِ، قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِقَ بِهِ لَاحِقًا.
———–
فِي خِضَمِّ هَذِهِ التَّطَوُّرَاتِ العَائِلِيَّةِ، كَانَتْ رِيمَا قَدْ قَرَّرَتْ، بِنَاءً عَلَى نَجَاحِ مَحَلِّهَا الأَوَّلِ المُتَنَامِي بِاسْتِمْرَارٍ، افْتِتَاحَ فَرْعٍ ثَانٍ فِي حَيٍّ مُجَاوِرٍ، مِمَّا اسْتَدْعَى تَوْظِيفَ مُسَاعِدَتَيْنِ جَدِيدَتَيْنِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى.
فِي يَوْمِ افْتِتَاحِ الفَرْعِ الثَّانِي، قَالَتْ رِيمَا لِكَرِيمٍ بِفَخْرٍ:
— كَرِيمُ، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَصِلُ إِلَى مِثْلِ هَذَا النَّجَاحِ. مِنِ امْرَأَةٍ خَائِفَةٍ تَطْلُبُ دَعْمَ زَوْجِهَا لِحُلْمٍ بَسِيطٍ، إِلَى صَاحِبَةِ مَشْرُوعٍ بِفَرْعَيْنِ وَمُوَظَّفَاتٍ.
كَانَ كَمَالُ يَقِفُ بِجَانِبِهَا بِفَخْرٍ وَاضِحٍ:
— وَأَنَا فَخُورٌ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْهُ. رِيمَا عَلَّمَتْنِي دَرْسًا مُهِمًّا: دَعْمُ أَحْلَامِ شَرِيكَةِ حَيَاتِكَ يَرْجِعُ بِفَوَائِدَ مُضَاعَفَةٍ عَلَى العَلَاقَةِ كُلِّهَا.
اسْتَعَانَتْ رِيمَا بِأُمِّهَا سَلْمَى لِتَدْرِيبِ المُوَظَّفَاتِ الجَدِيدَاتِ عَلَى تِقْنِيَّاتِ الخِيَاطَةِ المُتَقَدِّمَةِ، مِمَّا مَنَحَ سَلْمَى فُرْصَةً إِضَافِيَّةً لِاسْتِخْدَامِ خِبْرَتِهَا المُتَرَاكِمَةِ بِطَرِيقَةٍ مُثْمِرَةٍ اجْتِمَاعِيًّا، لَا فَقَطْ كَهِوَايَةٍ شَخْصِيَّةٍ.
———-
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَبَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ زَوَاجِهِمَا، وَاجَهَ زِيَادٌ وَغْرِيتَا أَوَّلَ خِلَافٍ حَقِيقِيٍّ كَزَوْجَيْنِ: تَبَايَنَتْ آرَاؤُهُمَا حَوْلَ قَرَارٍ مِهَنِيٍّ مُهِمٍّ لِزِيَادٍ، الَّذِي تَلَقَّى عَرْضَ عَمَلٍ فِي مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَكَانِ دِرَاسَةِ غْرِيتَا وَعَمَلِهَا الفَنِّيِّ النَّاشِئِ.
بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكْتُمَا تَوَتُّرَهُمَا أَوْ يَتَجَنَّبَا المُوَاجَهَةَ، تَذَكَّرَ الِاثْنَانِ مُبَاشَرَةً الدُّرُوسَ الَّتِي تَعَلَّمَاهَا مِنْ قِصَصِ العَائِلَةِ، وَقَرَّرَا أَنْ يَتَحَدَّثَا بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ.
قَالَتْ غْرِيتَا بِصِدْقٍ: — زِيَادُ، أَشْعُرُ بِالقَلَقِ. لَقَدْ بَنَيْتُ لِلتَّوِّ شَبَكَةَ عَلَاقَاتٍ فَنِّيَّةً هُنَا، وَالِانْتِقَالُ قَدْ يَعْنِي بِدَايَةً مِنَ الصِّفْرِ بِالنِّسْبَةِ لِي.
أَجَابَ زِيَادٌ بِتَفَهُّمٍ:
— غْرِيتَا، أَفْهَمُ قَلَقَكِ تَمَامًا. لَكِنَّ هَذَا العَرْضَ فُرْصَةٌ مِهَنِيَّةٌ كَبِيرَةٌ لِي. مَا رَأْيُكِ أَنْ نُفَكِّرَ مَعًا فِي حَلٍّ يُرَاعِي طُمُوحَاتِنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُضَحِّيَ أَحَدُنَا بِالكَامِلِ؟
بَعْدَ نِقَاشٍ طَوِيلٍ وَصَادِقٍ، تَوَصَّلَا إِلَى حَلٍّ وَسَطٍ: سَيَقْبَلُ زِيَادٌ العَرْضَ، لَكِنْ بِشَرْطِ العَمَلِ عَنْ بُعْدٍ جُزْئِيًّا لِعِدَّةِ أَشْهُرٍ، رَيْثَمَا تَتَمَكَّنُ غْرِيتَا مِنْ إِنْشَاءِ شَبَكَةِ تَوَاصُلٍ فَنِّيٍّ فِي المَدِينَةِ الجَدِيدَةِ أَيْضًا، مُسْتَفِيدَةً مِنْ بَعْضِ مَعَارِفِ زِيَادٍ المِهَنِيِّينَ هُنَاكَ.
اتَّصَلَتْ غْرِيتَا بِلِينَا، أَخْبَرَتْهَا بِهَذَا الحَلِّ الَّذِي تَوَصَّلَا إِلَيْهِ، فَقَالَتْ لِينَا بِابْتِسَامَةٍ:
— غْرِيتَا، يَبْدُو أَنَّكُمَا تُطَبِّقَانِ بِالضَّبْطِ النَّهْجَ نَفْسَهُ الَّذِي اسْتَخْدَمْنَاهُ أَنَا وَكَرِيمٌ فِي قَرَارَاتٍ مُمَاثِلَةٍ: البَحْثَ عَنْ حُلُولٍ وَسَطٍ تُرَاعِي طُمُوحَاتِ الطَّرَفَيْنِ، بَدَلًا مِنَ التَّضْحِيَةِ الكَامِلَةِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ أَدْرَكْتُ أَنَّ رِحْلَتَنَا الطَّوِيلَةَ نَحْوَ الصِّدْقِ وَالتَّوَازُنِ لَمْ تَعُدْ تَقْتَصِرُ عَلَى جِيلِي وَحْدَهُ، بَلْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ ثَقَافَةٍ عَائِلِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَنْتَقِلُ تِلْقَائِيًّا إِلَى الأَجْيَالِ وَالعَلَاقَاتِ الجَدِيدَةِ: زِيَادٌ وَغْرِيتَا يُطَبِّقَانِ أَدَوَاتِ الحِوَارِ وَالتَّفَاوُضِ نَفْسَهَا الَّتِي بَنَيْنَاهَا أَنَا وَلِينَا بِصُعُوبَةٍ أَكْبَرَ فِي البِدَايَةِ؛ وَرِيمَا تَبْنِي مَشْرُوعًا مُتَنَامِيًا يَمْتَدُّ أَثَرُهُ لِيَشْمَلَ وَالِدَتَنَا أَيْضًا؛ وَأَنَا، بَيْنَمَا أَسْتَعِدُّ لِعَوْدَةٍ صَعْبَةٍ عَاطِفِيًّا إِلَى مِيُونِخَ، أُدْرِكُ أَنَّ الفِرَاقَ الجُغْرَافِيَّ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الصِّدْقِ المُتَبَادَلِ، لَمْ يَعُدْ يَعْنِي انْقِطَاعًا حَقِيقِيًّا، بَلْ مُجَرَّدَ شَكْلٍ مُخْتَلِفٍ مِنْ أَشْكَالِ القُرْبِ المُسْتَمِرِّ.»


الفصل الرابع والأربعون
جَاءَ أَخِيرًا يَوْمُ رَحِيلِ كَرِيمٍ إِلَى مِيُونِخَ، بَعْدَ عَامٍ كَامِلٍ قَضَاهُ بَيْنَ أَحْضَانِ عَائِلَتِهِ فِي سُورِيَا. كَانَ الْوَدَاعُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ كُلِّ وَدَاعٍ سَابِقٍ: لَا خَوْفَ مِنِ انْقِطَاعٍ، بَلْ ثِقَةٌ عَمِيقَةٌ بِأَنَّ الرَّوَابِطَ الَّتِي بُنِيَتْ خِلَالَ هَذَا الْعَامِ لَنْ تَتَأَثَّرَ بِالْمَسَافَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ.
وَقَفَ غَسَّانُ مَعَ ابْنِهِ عِنْدَ الْبَابِ، وَقَالَ بِهُدُوءٍ: “كَرِيمُ، هَذِهِ السَّنَةُ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ سِنِينِ حَيَاتِي. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ حَيَاتَكَ وَمُسْتَقْبَلَكَ فِي أَلْمَانْيَا، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ وَمُهِمٌّ.”
“أَبِي، سَنَزُورُكُمْ كُلَّ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ، وَسَنَتَّصِلُ كُلَّ أُسْبُوعٍ، كَمَا وَعَدْتُكَ مُنْذُ زَمَنٍ، وَهَذِهِ الْمَرَّةَ بِخِبْرَةٍ أَعْمَقَ فِي كَيْفِيَّةِ الْحِفَاظِ عَلَى الْقُرْبِ رَغْمَ الْبُعْدِ.”
عَانَقَ كَرِيمٌ أَبَاهُ بِحَرَارَةٍ، ثُمَّ أُمَّهُ، الَّتِي بَكَتْ بِصَمْتٍ لَكِنْ بِلَا ذَلِكَ الْخَوْفِ الْقَدِيمِ الَّذِي رَافَقَ وَدَاعَاتِهِ السَّابِقَةَ: “كَرِيمُ، اذْهَبْ بِسَلَامٍ، وَاعْرِفْ أَنَّنَا فَخُورُونَ بِكَ دَائِمًا، أَيْنَمَا كُنْتَ.”
بَقِيَتْ لِينَا وَالْأَطْفَالُ أَسَابِيعَ إِضَافِيَّةً لِإِنْهَاءِ بَعْضِ التَّرْتِيبَاتِ، عَلَى أَنْ يَلْتَحِقُوا بِكَرِيمٍ قَرِيبًا فِي مِيُونِخَ، بَيْنَمَا بَدَأَ كَرِيمٌ بِالْفِعْلِ تَخْطِيطًا لِزِيَارَاتٍ مُنْتَظَمَةٍ كُلَّ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ، مُسْتَفِيدًا مِنْ مُرُونَةِ عَمَلِهِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي تَفَاوَضَ عَلَيْهَا مَعَ هَيْر مُولَر.
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَبَعْدَ نَجَاحِ مَعْرِضِهَا الْأَوَّلِ، تَلَقَّتِ الْخَالَةُ أَمَلُ عَرْضًا مِنْ دَارِ نَشْرٍ مَحَلِّيَّةٍ صَغِيرَةٍ لِإِصْدَارِ كِتَابٍ فُوتُوغْرَافِيٍّ يَجْمَعُ أَفْضَلَ أَعْمَالِهَا، مُرْفَقًا بِنُصُوصٍ قَصِيرَةٍ تَكْتُبُهَا هِيَ بِنَفْسِهَا عَنْ كُلِّ صُورَةٍ وَقِصَّتِهَا.
عَمِلَتْ أَمَلُ بِحَمَاسَةٍ عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ أَشْهُرًا، مُسْتَعِينَةً بِمُسَاعَدَةِ كَرِيمٍ فِي تَحْرِيرِ بَعْضِ النُّصُوصِ قَبْلَ سَفَرِهِ، وَبِدَعْمٍ مُسْتَمِرٍّ مِنْ سَلْمَى وَرِيمَا فِي مُرَاجَعَةِ الْمُحْتَوَى.
عِنْدَ صُدُورِ الْكِتَابِ أَخِيرًا، أُقِيمَ حَفْلُ تَوْقِيعٍ صَغِيرٌ حَضَرَهُ كُلُّ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ تَقْرِيبًا، بِمَنْ فِيهِمْ كَرِيمٌ الَّذِي حَرَصَ أَنْ يَحْضُرَ قَبْلَ مَوْعِدِ سَفَرِهِ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.
قَالَتْ أَمَلُ، خِلَالَ كَلِمَتِهَا فِي الْحَفْلِ: ” هَذَا الْكِتَابُ يُمَثِّلُ رِحْلَةَ حَيَاتِي كَامِلَةً: مِنِ امْرَأَةٍ ضَحَّتْ بِشَبَابِهَا وَأَحْلَامِهَا مِنْ أَجْلِ وَاجِبٍ عَائِلِيٍّ، إِلَى امْرَأَةٍ، بَعْدَ عُقُودٍ، وَجَدَتْ أَخِيرًا صَوْتَهَا الْخَاصَّ وَشَجَاعَتَهَا لِمُشَارَكَتِهِ مَعَ الْعَالَمِ.”
اقْتَرَبَ كَرِيمٌ مِنْهَا بَعْدَ الْحَفْلِ، وَقَالَ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ: “خَالَتِي أَمَلُ، أَنْتِ مِثَالٌ حَيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَقْتٌ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا لِاكْتِشَافِ مَوْهِبَتِنَا الْحَقِيقِيَّةِ وَاسْتِخْدَامِهَا.”


الفَصْلُ الخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ
بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى مِيُونِخَ، وَجَدَ كَرِيمٌ نَفْسَهُ، لِدَهْشَتِهِ، يَعِيشُ نَوْعًا مَعْكُوسًا مِنْ «صَدْمَةِ الثَّقَافَةِ»: بَعْدَ عَامٍ كَامِلٍ مِنَ الِانْغِمَاسِ فِي حَيَاةِ سُورِيَا اليَوْمِيَّةِ، شَعَرَ بِغُرْبَةٍ خَفِيفَةٍ تِجَاهَ الهُدُوءِ الأَلْمَانِيِّ المُعْتَادِ، تِجَاهَ غِيَابِ زِيَارَاتِ الجِيرَانِ العَفْوِيَّةِ، وَتِجَاهَ الرُّوتِينِ الفَرْدِيِّ الَّذِي اعْتَادَ عَلَيْهِ سَابِقًا لَكِنَّهُ صَارَ الآنَ يَبْدُو لَهُ مُخْتَلِفًا.
شَارَكَ كَرِيمٌ هَذَا الشُّعُورَ مَعَ لِينَا، بَعْدَ الْتِحَاقِهَا بِهِ مَعَ الأَطْفَالِ:
— لِينَا، أَشْعُرُ بِغُرْبَةٍ عَكْسِيَّةٍ. بَعْدَ سَنَةٍ فِي سُورِيَا، صِرْتُ أَفْتَقِدُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً هُنَا كُنْتُ أَعْتَبِرُهَا عَادِيَّةً.
تَفَهَّمَتْ لِينَا هَذَا الشُّعُورَ بِعُمْقٍ:
— كَرِيمُ، هَذَا طَبِيعِيٌّ تَمَامًا. لَقَدْ عِشْتَ تَجْرِبَةً غَنِيَّةً جِدًّا فِي سُورِيَا، وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ تَحْتَاجَ وَقْتًا لِإِعَادَةِ التَّكَيُّفِ، تَمَامًا كَمَا احْتَجْتُ أَنَا وَقْتًا لِلتَّكَيُّفِ حِينَ انْتَقَلْنَا إِلَى هُنَاكَ.
بَدَأَ كَرِيمٌ، بِدَعْمٍ مِنْ لِينَا، بِالبَحْثِ عَنْ طُرُقٍ لِلْحِفَاظِ عَلَى بَعْضِ عَنَاصِرِ الحَيَاةِ الَّتِي أَحَبَّهَا فِي سُورِيَا حَتَّى وَهُوَ فِي مِيُونِخَ: انْضَمَّ إِلَى جَمْعِيَّةٍ ثَقَافِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ أَلْمَانِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَبَدَأَ يَطْبُخُ أَطْبَاقًا سُورِيَّةً بِانْتِظَامٍ أَكْبَرَ فِي المَنْزِلِ، وَحَافَظَ عَلَى مُكَالَمَاتٍ أُسْبُوعِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ وَمُطَوَّلَةٍ مَعَ عَائِلَتِهِ، بَدَلًا مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِمُكَالَمَاتٍ سَرِيعَةٍ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ سَابِقًا.
ثَانِيًا: زَهْرَةُ الصَّغِيرَةُ تَبْدَأُ الرَّوْضَةَ
فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، بَدَأَتِ الصَّغِيرَةُ زَهْرَةُ، الَّتِي كَبِرَتِ الآنَ وَأَصْبَحَتْ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا، أَوَّلَ يَوْمٍ لَهَا فِي الرَّوْضَةِ الأَلْمَانِيَّةِ. فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، عَادَتْ إِلَى المَنْزِلِ بِسُؤَالٍ بَرِيءٍ:
— بَابَا، لِمَ أَنَا أَتَحَدَّثُ عَرَبِيًّا وَأَلْمَانِيًّا، وَأَصْحَابِي فِي الرَّوْضَةِ يَتَحَدَّثُونَ أَلْمَانِيَّةً فَقَطْ؟
جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ ابْنَتِهِ، وَشَرَحَ لَهَا بِبَسَاطَةٍ تُنَاسِبُ عُمْرَهَا:
— حَبِيبَتِي، أَنْتِ مَحْظُوظَةٌ كَثِيرًا، لِأَنَّكِ تَعْرِفِينَ لُغَتَيْنِ، وَثَقَافَتَيْنِ، لَا لُغَةً وَاحِدَةً فَقَطْ. هَذَا غِنًى كَبِيرٌ، لَا شَيْءٌ غَرِيبٌ.
— يَعْنِي أَنَا مُخْتَلِفَةٌ عَنْ أَصْحَابِي؟
— كُلُّ إِنْسَانٍ مُخْتَلِفٌ بِطَرِيقَتِهِ يَا زَهْرَةُ، وَهَذَا أَمْرٌ جَمِيلٌ، لَا مُشْكِلَةً. أَنْتِ تَعْرِفِينَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَا يَعْرِفُهَا أَصْحَابُكِ، مِثْلَ حِكَايَاتِ جَدَّتِكِ زَهْرَةَ الكَبِيرَةِ، وَأَطْبَاقِ جَدَّتِكِ سَلْمَى اللَّذِيذَةِ، وَهَذَا كَنْزٌ خَاصٌّ فِيكِ.
فَكَّرَتِ الطِّفْلَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتَسَمَتْ بِثِقَةٍ طُفُولِيَّةٍ جَمِيلَةٍ:
— أُحِبُّ أَنِّي أَعْرِفُ لُغَتَيْنِ! غَدًا سَأُعَلِّمُ أَصْحَابِي كَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةً!
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ، مُدْرِكًا أَنَّ ابْنَتَهُ، بِفِطْرَتِهَا البَرِيئَةِ، كَانَتْ تَسْتَوْعِبُ بِسُهُولَةٍ الدَّرْسَ نَفْسَهُ الَّذِي اسْتَغْرَقَ هُوَ نَفْسُهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً وَرِحْلَةً مُعَقَّدَةً لِيَتَعَلَّمَهُ: أَنَّ الهُوِيَّةَ المُزْدَوِجَةَ كَنْزٌ لَا عِبْءٌ.
———-
بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ عَوْدَةِ كَرِيمٍ، وَبِتَشْجِيعٍ مِنْ تَحَسُّنِ صِحَّةِ غَسَّانَ المَلْحُوظِ، قَرَّرَ الوَالِدَانِ زِيَارَةَ مِيُونِخَ، لَا فَقَطْ لِرُؤْيَةِ أَحْفَادِهِمَا، بَلْ أَيْضًا لِاسْتِكْشَافِ المَدِينَةِ كَسَائِحَيْنِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِمَا.
تَجَوَّلَ كَرِيمٌ مَعَ وَالِدَيْهِ فِي شَوَارِعِ مِيُونِخَ القَدِيمَةِ، وَزَارُوا المَتَاحِفَ وَالحَدَائِقَ العَامَّةَ، وَحَتَّى حَضَرُوا عَرْضًا مُوسِيقِيًّا كِلَاسِيكِيًّا، تَجْرِبَةً جَدِيدَةً كُلِّيًّا عَلَى غَسَّانَ وَسَلْمَى.
قَالَ غَسَّانُ، وَهُوَ يَتَجَوَّلُ فِي حَدِيقَةِ «الحَدِيقَةِ الإِنْكِلِيزِيَّةِ» الشَّهِيرَةِ فِي مِيُونِخَ:
— كَرِيمُ، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَزُورُ أُورُوبَّا كَسَائِحٍ عَادِيٍّ، بَعِيدًا عَنِ القَلَقِ وَالخَوْفِ الَّذِي كَانَ يَمْلَؤُنِي أَوَّلَ مَرَّةٍ سَمِعْتُ فِيهَا عَنْ عَلَاقَتِكَ بِلِينَا.
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِتَأَثُّرٍ:
— بَابَا، رِحْلَتُنَا سَوِيًّا، مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ عُدْتُ فِيهِ إِلَى سُورِيَا، غَيَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ مَعًا.
خِلَالَ الزِّيَارَةِ، الْتَقَى غَسَّانُ وَسَلْمَى بِهَانْسَ وَأَنَّا، وَالِدَيْ لِينَا، فِي عَشَاءٍ عَائِلِيٍّ دَافِئٍ، حَيْثُ تَبَادَلَ الجَمِيعُ قِصَصًا وَضَحَكَاتٍ، مُتَجَاوِزِينَ حَاجِزَ اللُّغَةِ بِمُسَاعَدَةِ كَرِيمٍ وَلِينَا، لَكِنْ أَيْضًا بِدِفْءٍ إِنْسَانِيٍّ تَجَاوَزَ الحَاجَةَ لِلتَّرْجَمَةِ الكَامِلَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ اللَّحَظَاتِ.
قَالَتْ أَنَّا لِسَلْمَى، عَبْرَ تَرْجَمَةِ لِينَا:
— سَلْمَى، رِحْلَةُ عَائِلَتَيْنَا مَعًا كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ مَا عِشْتُهُ فِي حَيَاتِي. تَعَلَّمْتُ مِنْكُمْ كَثِيرًا عَنِ الصِّدْقِ وَالمَحَبَّةِ العَائِلِيَّةِ العَمِيقَةِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنْ وَدَّعَ وَالِدَيْهِ فِي نِهَايَةِ زِيَارَتِهِمَا:
«نَصِلُ اليَوْمَ إِلَى مُنْتَصَفِ رِحْلَتِنَا الطَّوِيلَةِ، وَنَحْنُ نَقِفُ عَلَى أَرْضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ حَيْثُ بَدَأْنَا: أَبِي وَأُمِّي يَزُورَانِ أُورُوبَّا بِفَرَحٍ وَاسْتِكْشَافٍ حَقِيقِيٍّ، بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ وَالقَلَقِ؛ وَابْنَتِي الصَّغِيرَةُ تَتَعَلَّمُ بِفِطْرَةٍ جَمِيلَةٍ أَنَّ هُوِيَّتَهَا المُزْدَوِجَةَ كَنْزٌ لَا عِبْءٌ؛ وَأَنَا، رَغْمَ صُعُوبَةِ التَّكَيُّفِ العَكْسِيِّ، أَجِدُ طُرُقًا جَدِيدَةً لِدَمْجِ كُلِّ مَا تَعَلَّمْتُهُ وَأَحْبَبْتُهُ فِي سُورِيَا مَعَ حَيَاتِي المُسْتَمِرَّةِ هُنَا فِي أَلْمَانِيَا. أَدْرَكْتُ أَنَّ نِصْفَ الطَّرِيقِ لَيْسَ نُقْطَةَ تَوَقُّفٍ، بَلْ مَحَطَّةً لِلتَّأَمُّلِ فِي المَسَافَةِ الَّتِي قَطَعْنَاهَا، وَاسْتِجْمَاعِ القُوَّةِ لِلنِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الرِّحْلَةِ، الَّذِي أَثِقُ أَنَّهُ، مَهْمَا حَمَلَ مِنْ تَحَدِّيَاتٍ جَدِيدَةٍ، سَيُبْنَى عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ مِنَ الصِّدْقِ الَّذِي بَنَيْنَاهُ مَعًا، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.»


الفَصْلُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ النِّسْبِيِّ، بَدَأَتِ البَلْدَةُ، وَمَعَهَا مُعْظَمُ السُّوقِ المَحَلِّيِّ، تُعَانِي مِنْ صُعُوبَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ عَامَّةٍ أَثَّرَتْ عَلَى حَرَكَةِ التِّجَارَةِ بِشَكْلٍ وَاسِعٍ، بِمَا فِيهَا مَحَلُّ غَسَّانَ، الَّذِي شَهِدَ تَرَاجُعًا جَدِيدًا فِي المَبِيعَاتِ، هَذِهِ المَرَّةَ لِأَسْبَابٍ اقْتِصَادِيَّةٍ عَامَّةٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِإِشَاعَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ كَمَا حَدَثَ سَابِقًا.
جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ زِيَادٍ، الَّذِي عَادَ لِزِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ أَلْمَانِيَا، يُنَاقِشَانِ الوَضْعَ:
— زِيَادُ، الوَضْعُ الِاقْتِصَادِيُّ صَعْبٌ هَذِهِ الفَتْرَةَ عَلَى الجَمِيعِ، لَا عَلَيْنَا فَقَطْ. يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ بِطَرِيقَةٍ نَتَأَقْلَمُ بِهَا.
اقْتَرَحَ زِيَادٌ، مُسْتَفِيدًا مِنْ بَعْضِ مَا تَعَلَّمَهُ فِي دِرَاسَتِهِ وَعَمَلِهِ فِي أَلْمَانِيَا:
— بَابَا، مَا رَأْيُكَ أَنْ نُفَكِّرَ فِي إِضَافَةِ خِدْمَةِ تَوْصِيلٍ لِلزَّبَائِنِ، وَنَسْتَخْدِمَ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلتَّرْوِيجِ لِلْمَحَلِّ؟ هَكَذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُوَسِّعَ قَاعِدَةَ الزَّبَائِنِ حَتَّى لَوْ كَانَ الوَضْعُ المَحَلِّيُّ صَعْبًا.
اسْتَمَعَ غَسَّانُ لِاقْتِرَاحِ ابْنِهِ بِانْفِتَاحٍ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ:
— فِكْرَةٌ مُثِيرَةٌ يَا زِيَادُ. تَعَلَّمْتُ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ أَنَّ الِانْفِتَاحَ عَلَى أَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قَادِمَةً مِنْ جِيلٍ مُخْتَلِفٍ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلْحَلِّ.
————
فِي خِضَمِّ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، بَدَأَتْ رِيمَا تُفَكِّرُ فِي فِكْرَةٍ جَرِيئَةٍ: تَوْسِيعَ مَشْرُوعِهَا لِيَشْمَلَ بَيْعَ تَصَامِيمِهَا عَبْرَ الإِنْتَرْنِتِ لِزَبَائِنَ خَارِجَ سُورِيَا، مُسْتَفِيدَةً مِنْ شَبَكَةِ عَلَاقَاتِ كَرِيمٍ وَلِينَا فِي أَلْمَانِيَا، وَمِنْ خِبْرَةِ زِيَادٍ التِّقْنِيَّةِ.
اتَّصَلَتْ رِيمَا بِكَرِيمٍ تَسْتَشِيرُهُ:
— كَرِيمُ، أُفَكِّرُ أَنْ أَفْتَحَ مَتْجَرًا إِلِكْتُرُونِيًّا لِبَيْعِ تَصَامِيمِي لِزَبَائِنَ خَارِجَ سُورِيَا، خَاصَّةً الجَالِيَةَ العَرَبِيَّةَ فِي أُورُوبَّا الَّتِي قَدْ تَكُونُ مُهْتَمَّةً بِتَصَامِيمَ تُرَاثِيَّةٍ أَصِيلَةٍ.
دَعَمَ كَرِيمٌ الفِكْرَةَ بِحَمَاسَةٍ:
— رِيمَا، فِكْرَةٌ مُمْتَازَةٌ. أَعْرِفُ كَثِيرًا مِنَ الأَشْخَاصِ فِي مِيُونِخَ، مِنَ الجَالِيَةِ العَرَبِيَّةِ، رُبَّمَا يَكُونُونَ مُهْتَمِّينَ فِعْلًا. دَعِينِي أُسَاعِدُكِ عَلَى البَدْءِ بِحَمْلَةٍ تَسْوِيقِيَّةٍ بَسِيطَةٍ.
بَدَأَتْ رِيمَا، بِدَعْمٍ تِقْنِيٍّ مِنْ زِيَادٍ وَتَسْوِيقِيٍّ مِنْ كَرِيمٍ وَلِينَا، بِإِطْلَاقِ مَتْجَرِهَا الإِلِكْتُرُونِيِّ الأَوَّلِ، الَّذِي حَقَّقَ نَجَاحًا مُتَوَاضِعًا لَكِنْ حَقِيقِيًّا خِلَالَ أَشْهُرِهِ الأُولَى، فَاتِحًا أَمَامَهَا آفَاقًا جَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ لِتَتَخَيَّلَهَا مِنْ قَبْلُ.
————
أَمَامَ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ العَامَّةِ، وَمُسْتَفِيدَةً مِنْ كُلِّ ثَقَافَةِ الحِوَارِ الصَّادِقِ الَّتِي بَنَتْهَا العَائِلَةُ عَلَى مَدَى السَّنَوَاتِ المَاضِيَةِ، دَعَتْ سَلْمَى إِلَى مَا أَسْمَتْهُ مَازِحَةً «مَجْلِسَ العَائِلَةِ»: اجْتِمَاعٌ شَامِلٌ يَضُمُّ كُلَّ أَفْرَادِ العَائِلَةِ الكَبِيرَةِ، بِمَنْ فِيهِمْ فُؤَادُ وَنَجَاةُ وَسَامِرُ، لِمُنَاقَشَةِ كَيْفِيَّةِ دَعْمِ بَعْضِهِمُ البَعْضَ خِلَالَ هَذِهِ الفَتْرَةِ الصَّعْبَةِ اقْتِصَادِيًّا.
خِلَالَ الِاجْتِمَاعِ، طَرَحَ كُلُّ فَرْدٍ أَفْكَارَهُ وَمَوَارِدَهُ المُمْكِنَةَ: اقْتَرَحَ فُؤَادُ أَنْ يُوَجِّهَ بَعْضَ زَبَائِنِ مَحَلِّهِ التِّجَارِيِّ نَحْوَ مَحَلِّ غَسَّانَ كُلَّمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ؛ وَعَرَضَتْ مُنَى، الَّتِي حَضَرَتْ بِصِفَتِهَا صَدِيقَةً مُقَرَّبَةً لِلْعَائِلَةِ، مُسَاعَدَةَ رِيمَا فِي تَصْمِيمِ وَاجِهَةِ مَتْجَرِهَا الإِلِكْتُرُونِيِّ بِخِبْرَتِهَا الفَنِّيَّةِ؛ وَتَطَوَّعَ سَامِرُ، بِخِبْرَتِهِ المُحَاسَبِيَّةِ، لِمُسَاعَدَةِ العَائِلَةِ فِي وَضْعِ خُطَّةٍ مَالِيَّةٍ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا لِمُوَاجَهَةِ الأَزْمَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ.
قَالَ غَسَّانُ، مُتَأَثِّرًا بِهَذَا التَّكَاتُفِ العَائِلِيِّ:
— مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّ أَزْمَةً اقْتِصَادِيَّةً يُمْكِنُ أَنْ تَكْشِفَ كُلَّ هَذَا التَّكَاتُفِ وَالدَّعْمِ المُتَبَادَلِ فِي عَائِلَتِنَا. حَتَّى فُؤَادُ وَسَامِرُ، الَّذِينَ عِشْنَا مَعَهُمْ تَحَدِّيَاتٍ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا، يَقِفُونَ الآنَ مَعَنَا بِكُلِّ قُوَّةٍ.
اقْتَرَحَ كَرِيمٌ، عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو مِنْ مِيُونِخَ، أَنْ يُسَاهِمَ هُوَ وَزِيَادٌ بِدَعْمٍ مَالِيٍّ شَهْرِيٍّ بَسِيطٍ لِلْعَائِلَةِ خِلَالَ هَذِهِ الفَتْرَةِ الصَّعْبَةِ، رَيْثَمَا تَتَحَسَّنُ الأَوْضَاعُ الِاقْتِصَادِيَّةُ العَامَّةُ:
— بَابَا، هَذَا أَقَلُّ وَاجِبٍ عَلَيْنَا، بَعْدَ كُلِّ مَا قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا طَوَالَ حَيَاتِنَا.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ أَنَّ ثَقَافَةَ الصِّدْقِ وَالحِوَارِ الَّتِي بَنَيْنَاهَا كَعَائِلَةٍ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، أَصْبَحَتْ أَدَاةً عَمَلِيَّةً حَقِيقِيَّةً لِمُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، لَا مُجَرَّدَ مَبْدَإٍ نَظَرِيٍّ جَمِيلٍ. التَّحَدِّي الِاقْتِصَادِيُّ الَّذِي يُوَاجِهُهُ أَبِي اليَوْمَ لَيْسَ فَرْدِيًّا، بَلْ تَحَدٍّ تُوَاجِهُهُ العَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا، بِتَكَاتُفٍ حَقِيقِيٍّ يَتَجَاوَزُ حَتَّى الخِلَافَاتِ وَالتَّوَتُّرَاتِ السَّابِقَةِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الأَزَمَاتِ، رَغْمَ قَسْوَتِهَا، قَدْ تَكُونُ أَحْيَانًا فُرْصَةً لِاخْتِبَارِ وَتَعْمِيقِ الرَّوَابِطِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي بَنَيْنَاهَا بِصُعُوبَةٍ، وَأَنَّ العَائِلَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي تَخْلُو مِنَ الأَزَمَاتِ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تُوَاجِهُ أَزَمَاتِهَا مَعًا، بِصِدْقٍ وَتَكَاتُفٍ حَقِيقِيَّيْنِ.»


الفَصْلُ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ
بِفَضْلِ الجُهُودِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي بَذَلَتْهَا العَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا، بَدَأَ مَحَلُّ غَسَّانَ يَسْتَعِيدُ عَافِيَتَهُ تَدْرِيجِيًّا: خِدْمَةُ التَّوْصِيلِ الجَدِيدَةُ الَّتِي اقْتَرَحَهَا زِيَادٌ جَذَبَتْ زَبَائِنَ لَمْ يَكُونُوا يَتَرَدَّدُونَ عَلَى المَحَلِّ سَابِقًا، وَالحَمْلَةُ التَّسْوِيقِيَّةُ البَسِيطَةُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا سَامِرُ بِخِبْرَتِهِ التِّقْنِيَّةِ، وَسَّعَتْ مِنْ قَاعِدَةِ الزَّبَائِنِ المُحْتَمَلِينَ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ العَائِلَةِ، يَسْتَعْرِضُ الأَرْقَامَ الجَدِيدَةَ بِفَرَحٍ وَاضِحٍ:
— مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّ أَزْمَةً اقْتِصَادِيَّةً يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى فُرْصَةٍ نُطَوِّرُ فِيهَا المَحَلَّ بِطُرُقٍ مَا كُنْتُ لِأُفَكِّرَ فِيهَا وَحْدِي.
قَالَ فُؤَادُ بِفَخْرٍ:
— غَسَّانُ، أَرَأَيْتَ كَيْفَ اسْتَطَاعَ التَّعَاوُنُ العَائِلِيُّ أَنْ يُوَاجِهَ حَتَّى أَصْعَبَ التَّحَدِّيَاتِ؟ زِيَادٌ وَسَامِرُ، بِأَفْكَارِهِمَا الجَدِيدَةِ، سَاعَدَاكَ عَلَى تَخَطِّي أَزْمَةٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَصْعَبَ بِكَثِيرٍ.
ثَانِيًا: مَوْلُودٌ ثَانٍ لِعَلِيٍّ وَسَنَاءَ
بِالتَّزَامُنِ مَعَ هَذَا التَّحَسُّنِ، رُزِقَ عَلِيٌّ وَسَنَاءُ بِمَوْلُودِهِمَا الثَّانِي، طِفْلَةً صَغِيرَةً سَمَّيَاهَا «يَاسَمِينَ». جَاءَتْ هَذِهِ الوِلَادَةُ فِي وَقْتٍ كَانَ فِيهِ عَلِيٌّ لَا يَزَالُ يَتَعَامَلُ مَعَ تَبِعَاتِ مَوْقِفِهِ المِهَنِيِّ الشُّجَاعِ بِخُصُوصِ الأَطْرُوحَةِ الأَكَادِيمِيَّةِ المَرْفُوضَةِ، لَكِنَّهُ وَجَدَ فِي وِلَادَةِ ابْنَتِهِ الجَدِيدَةِ دَافِعًا إِضَافِيًّا لِلِاسْتِمْرَارِ بِثَبَاتٍ عَلَى قَنَاعَاتِهِ.
قَالَ عَلِيٌّ لِكَرِيمٍ، خِلَالَ مُكَالَمَةِ فِيدِيُو:
— كَرِيمُ، وِلَادَةُ يَاسَمِينَ ذَكَّرَتْنِي لِمَ قَرَّرْتُ أَنْ أَرْفُضَ التَّوْقِيعَ عَلَى تِلْكَ الأَطْرُوحَةِ رَغْمَ كُلِّ الثَّمَنِ. أُرِيدُ ابْنَتَيَّ، زُهَيْرَ وَيَاسَمِينَ، أَنْ تَكْبُرَا وَهُمَا فَخُورَتَانِ بِأَبِيهِمَا، لَا أَنْ تَعْرِفَاهُ فَقَطْ رَجُلًا نَاجِحًا مِهَنِيًّا عَلَى حِسَابِ مَبَادِئِهِ.
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ:
— عَلِيُّ، أَنْتَ مَصْدَرُ إِلْهَامٍ حَقِيقِيٍّ لِي فِي هَذَا المَوْضُوعِ. القِيَمُ الَّتِي تُرَبِّي عَلَيْهَا بَنَاتِكَ أَهَمُّ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ مَنْصِبٍ أَوْ تَرْقِيَةٍ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الضَّغْطِ المِهَنِيِّ، بَدَأَتِ الأُمُورُ تَتَحَسَّنُ تَدْرِيجِيًّا لِعَلِيٍّ أَيْضًا: أَعَادَتْ إِدَارَةُ الجَامِعَةِ النَّظَرَ فِي سِيَاسَاتِ القَبُولِ بِنَاءً عَلَى الجَدَلِ الَّذِي أَثَارَهُ مَوْقِفُهُ، وَمَنَحَتْهُ لَجْنَةٌ أَكَادِيمِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ تَقْدِيرًا خَاصًّا عَلَى نَزَاهَتِهِ العِلْمِيَّةِ، مِمَّا عَوَّضَهُ مَعْنَوِيًّا عَنْ تَأَخُّرِ تَرْقِيَتِهِ الرَّسْمِيَّةِ.
———–
فِي مَدِينَتِهِمَا الجَدِيدَةِ، بَدَأَ زِيَادٌ وَغْرِيتَا، بَعْدَ اسْتِقْرَارٍ نِسْبِيٍّ فِي حَيَاتِهِمَا الزَّوْجِيَّةِ وَالمِهَنِيَّةِ، يُنَاقِشَانِ فِكْرَةَ تَأْسِيسِ أُسْرَةٍ صَغِيرَةٍ خَاصَّةٍ بِهِمَا. أَثَارَ هَذَا النِّقَاشُ تَسَاؤُلَاتٍ مُشَابِهَةً لِتِلْكَ الَّتِي وَاجَهَهَا كَرِيمٌ وَلِينَا سَابِقًا، لَكِنْ بِخِبْرَةٍ إِضَافِيَّةٍ مُكْتَسَبَةٍ مِنْ تَجْرِبَةِ الجِيلِ السَّابِقِ.
قَالَتْ غْرِيتَا لِزِيَادٍ ذَاتَ مَسَاءٍ: — زِيَادُ، إِذَا قَرَّرْنَا أَنْ نُنْجِبَ أَطْفَالًا، كَيْفَ نُرِيدُ أَنْ نُرَبِّيَهُمْ؟ بِأَيِّ لُغَةٍ، بِأَيِّ ثَقَافَةٍ أَسَاسِيَّةٍ؟
ابْتَسَمَ زِيَادٌ، مُتَذَكِّرًا نِقَاشَاتِ أَخِيهِ المُمَاثِلَةَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ:
— يَا غْرِيتَا، أَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْضَلَ طَرِيقَةٍ هِيَ الطَّرِيقَةُ نَفْسُهَا الَّتِي طَبَّقَهَا كَرِيمٌ وَلِينَا: أَنْ نُعَلِّمَهُمُ اللُّغَتَيْنِ وَالثَّقَافَتَيْنِ بِعُمْقٍ وَاحْتِرَامٍ مُتَسَاوٍ، وَأَنْ نَتْرُكَهُمْ يَخْتَارُونَ هُوِيَّتَهُمُ الخَاصَّةَ حِينَ يَكْبُرُونَ.
— وَأَيْنَ نُرَبِّيهِمْ؟ هُنَا فِي أَلْمَانِيَا، أَمْ نُفَكِّرُ أَنْ نَقْضِيَ وَقْتًا طَوِيلًا فِي سُورِيَا أَيْضًا، كَمَا فَعَلْتُمَا أَنْتُمَا؟
فَكَّرَ زِيَادٌ طَوِيلًا:
— رُبَّمَا نُطَبِّقُ الفِكْرَةَ نَفْسَهَا، نُمْضِي فَتَرَاتٍ طَوِيلَةً فِي البَلَدَيْنِ، حَتَّى يَكْبَرُوا قَرِيبِينَ مِنْ عَائِلَتَيْنَا كِلْتَيْهِمَا، كَمَا فَعَلْتُ أَنَا وَكَرِيمٌ.
اتَّصَلَا بِكَرِيمٍ وَلِينَا لِمُنَاقَشَةِ هَذِهِ الأَفْكَارِ، فَقَدَّمَ لَهُمَا كَرِيمٌ نَصَائِحَ عَمَلِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى تَجْرِبَتِهِ الخَاصَّةِ:
— زِيَادُ، غْرِيتَا، أَهَمُّ شَيْءٍ هُوَ الصِّدْقُ المُسْتَمِرُّ بَيْنَكُمَا، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلتَّكَيُّفِ مَعَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ بِمُرُونَةٍ، بَدَلًا مِنَ التَّخْطِيطِ لِكُلِّ التَّفَاصِيلِ مُسْبَقًا بِجُمُودٍ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ أَنَّ التَّحَدِّيَاتِ، حِينَ تُوَاجَهُ بِتَكَاتُفٍ حَقِيقِيٍّ، تَتَحَوَّلُ إِلَى فُرَصٍ لِلنُّمُوِّ المُشْتَرَكِ: أَزْمَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَشْرُوعٍ عَائِلِيٍّ نَاجِحٍ؛ وَاخْتِبَارٌ مِهَنِيٌّ صَعْبٌ لِعَلِيٍّ أَثْمَرَ تَقْدِيرًا أَكَادِيمِيًّا حَقِيقِيًّا وَسْطَ وِلَادَةِ ابْنَتِهِ الثَّانِيَةِ؛ وَجِيلٌ جَدِيدٌ، زِيَادٌ وَغْرِيتَا، يَسْتَعِدُّ لِخَوْضِ الأَسْئِلَةِ العَمِيقَةِ نَفْسِهَا حَوْلَ الهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ الَّتِي خُضْتُهَا أَنَا وَلِينَا، لَكِنْ بِخِبْرَةٍ إِضَافِيَّةٍ مُكْتَسَبَةٍ مِنْ رِحْلَتِنَا السَّابِقَةِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ جِيلٍ يَبْنِي عَلَى إِرْثِ مَنْ سَبَقَهُ، لَا بِتَكْرَارِ الأَخْطَاءِ وَالدُّرُوسِ نَفْسِهَا مِنَ الصِّفْرِ، بَلْ بِاسْتِلْهَامِ الحِكْمَةِ المُتَرَاكِمَةِ وَتَطْبِيقِهَا بِثِقَةٍ أَكْبَرَ فِي سِيَاقَاتٍ جَدِيدَةٍ.»


الفَصْلُ الثامن والأربعون
فِي تَطَوُّرٍ سَعِيدٍ آخَرَ، تَلَقَّتِ الْخَالَةُ أَمَلُ دَعْوَةً لِعَرْضِ أَعْمَالِهَا الْفُوتُوغْرَافِيَّةِ فِي مَعْرِضٍ فَنِّيٍّ بِمِيُونِخَ، بِفَضْلِ شَبَكَةِ عَلَاقَاتِ كَرِيمٍ الثَّقَافِيَّةِ هُنَاكَ. كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُسَافِرُ فِيهَا أَمَلُ خَارِجَ سُورِيَا، تَجْرِبَةً مُثِيرَةً وَمُخِيفَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ لِامْرَأَةٍ تَجَاوَزَتِ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهَا.
سَافَرَتْ أَمَلُ بِرِفْقَةِ كَرِيمٍ وَلِينَا، وَأُقِيمَ الْمَعْرِضُ فِي قَاعَةٍ فَنِّيَّةٍ صَغِيرَةٍ لَكِنَّهَا مَرْمُوقَةٌ، حَيْثُ عَرَضَتْ صُوَرًا تَجْمَعُ بَيْنَ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ السُّورِيَّةِ وَلَمَحَاتٍ جَدِيدَةٍ الْتَقَطَتْهَا خِلَالَ زِيَارَتِهَا لِأَلْمَانْيَا.
قَالَتْ أَمَلُ، خِلَالَ حَفْلِ الِافْتِتَاحِ، بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالْفَخْرِ وَالتَّأَثُّرِ: ” مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَعْرِضُ أَعْمَالِي خَارِجَ بَلَدِي. هَذِهِ الرِّحْلَةُ، مِثْلَ رِحْلَةِ حَيَاتِي كُلِّهَا، بَدَأَتْ مُتَأَخِّرَةً، لَكِنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى مَكَانٍ جَمِيلٍ.”
حَضَرَ الْمَعْرِضَ عَدَدٌ مِنْ زُمَلَاءِ كَرِيمٍ فِي الْعَمَلِ، بِمَنْ فِيهِمْ شْتِيفَانُ، الَّذِي أُعْجِبَ بِشِدَّةٍ بِالصُّوَرِ: “هَذِهِ الصُّوَرُ تَحْمِلُ حِسًّا إِنْسَانِيًّا عَمِيقًا. أَشْعُرُ أَنِّي أَرَى سُورِيَا بِعُيُونٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَمَّا اعْتَدْتُ رُؤْيَتَهُ فِي الْأَخْبَارِ.”
فِي سُورِيَا، وَبَيْنَمَا كَانَ مَخْبَزُ طَارِقٍ وَمَنَالَ يُوَاصِلُ نَجَاحَهُ الْمُتَنَامِيَ، بَدَأَ ابْنُهُمَا الْأَكْبَرُ، الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، يُظْهِرُ اهْتِمَامًا حَقِيقِيًّا بِالِانْضِمَامِ إِلَى الْمَشْرُوعِ الْعَائِلِيِّ، لَا بِضَغْطٍ مِنْ وَالِدَيْهِ، بَلْ بِرَغْبَةٍ شَخْصِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ اكْتَسَبَهَا مِنْ مُرَاقَبَتِهِ لَهُمَا طَوَالَ سِنِينَ.
قَالَ الِابْنُ لِوَالِدَيْهِ ذَاتَ مَسَاءٍ: “مَامَا، بَابَا، أُحِبُّ كَثِيرًا أَنْ أَتَعَلَّمَ كَيْفَ أُدِيرُ الْمَشْرُوعَ، وَأُرِيدُ أَنْ أُسَاعِدَكُمَا أَكْثَرَ، لَا فِي الْعُطَلِ الصَّيْفِيَّةِ فَقَطْ.”
تَبَادَلَ طَارِقٌ وَمَنَالُ نَظْرَةَ فَخْرٍ عَمِيقَةً، مُتَذَكِّرَيْنِ مُحَادَثَتَهُمَا الْأُولَى الصَّادِقَةَ قَبْلَ سِنِينَ حَوْلَ أَهَمِّيَّةِ تَرْكِ مَسَاحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِلِاخْتِيَارِ الْحُرِّ لِأَبْنَائِهِمَا.
قَالَ طَارِقٌ لِابْنِهِ: “بِصَرَاحَةٍ يَا بُنَيَّ، إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ ذَلِكَ فِعْلًا، فَنُرَحِّبُ بِكَ بِكُلِّ سُرُورٍ. لَكِنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَتَأَكَّدَ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُكَ الْحَقِيقِيُّ، لَا مُجَرَّدُ مُحَاوَلَةٍ لِتُرْضِيَنَا.”
أَجَابَ الِابْنُ بِثِقَةٍ: “بَابَا، أَنَا مُتَأَكِّدٌ. أُحِبُّ الْمَكَانَ، وَأُحِبُّ الزَّبَائِنَ، وَأُحِبُّ فِكْرَةَ أَنِّي أُكْمِلُ شَيْئًا بَنَيْتُمَاهُ بِصُعُوبَةٍ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ أَلْمَانْيَا مَعَ الْخَالَةِ أَمَلَ:
“الْيَوْمَ رَأَيْتُ خَالَتِي أَمَلُ تُحَقِّقُ حُلْمًا لَمْ تَتَخَيَّلْهُ يَوْمًا فِي عُمْرِهَا هَذَا؛ وَابْنُ طَارِقٍ وَمَنَالَ يَخْتَارُ، بِحُرِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، أَنْ يُكْمِلَ مَسِيرَةَ وَالِدَيْهِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ جِيلٍ يُوَاجِهُ اخْتِيَارَاتِهِ الْخَاصَّةَ بَيْنَ الرَّحِيلِ وَالْبَقَاءِ، بَيْنَ بِنَاءِ شَيْءٍ جَدِيدٍ أَوْ مُوَاصَلَةِ إِرْثٍ قَائِمٍ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي اخْتِيَارِ مَسَارٍ وَاحِدٍ صَحِيحٍ لِجَمِيعِ الْحَالَاتِ، بَلْ فِي احْتِرَامِ حُرِّيَّةِ كُلِّ فَرْدٍ لِيَجِدَ طَرِيقَهُ الْخَاصَّ، مَدْعُومًا بِحُبٍّ عَائِلِيٍّ لَا يَتَزَعْزَعُ مَهْمَا بَعُدَتِ الْمَسَافَاتُ أَوِ اخْتَلَفَتِ الِاخْتِيَارَاتُ.”


الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ
بِالتَّزَامُنِ تَقْرِيبًا، وَصَلَتْ أَخْبَارٌ سَعِيدَةٌ مِنْ أَلْمَانِيَا: أَعْلَنَتْ غْرِيتَا حَمْلَهَا الأَوَّلَ، خَبَرٌ اسْتَقْبَلَتْهُ العَائِلَتَانِ بِفَرَحٍ كَبِيرٍ، خَاصَّةً بَعْدَ كُلِّ النِّقَاشَاتِ الجَادَّةِ الَّتِي دَارَتْ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ تَرْبِيَةِ الجِيلِ القَادِمِ بَيْنَ الثَّقَافَتَيْنِ.
اتَّصَلَ زِيَادٌ بِأَخِيهِ كَرِيمٍ:
— كَرِيمُ، مُتَحَمِّسٌ وَمُتَوَتِّرٌ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ. أُحِبُّ أَنْ أَسْتَفِيدَ مِنْ كُلِّ نَصَائِحِكَ وَتَجْرِبَتِكَ.
ضَحِكَ كَرِيمٌ:
— زِيَادُ، سَتَكْتَشِفُ أَنَّ كُلَّ تَجْرِبَةِ أُبُوَّةٍ فَرِيدَةٌ بِطَرِيقَتِهَا، لَكِنْ أَهَمُّ نَصِيحَةٍ: كُونَا صَادِقَيْنِ مَعَ بَعْضِكُمَا، وَمَعَ أَنْفُسِكُمَا، فِي كُلِّ خُطْوَةٍ.
————-
فِي خِضَمِّ هَذِهِ الأَحْدَاثِ المُتَشَابِكَةِ، احْتَفَلَتِ العَائِلَةُ بِعِيدِ مِيلَادِ غَسَّانَ الخَامِسِ وَالسِّتِّينَ، بِحُضُورِ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنْ أَفْرَادِ العَائِلَةِ، بِمَنْ فِيهِمْ كَرِيمٌ وَلِينَا وَطِفْلَاهُمَا اللَّذَانِ سَافَرَا خِصِّيصًا لِهَذِهِ المُنَاسَبَةِ.
خِلَالَ الِاحْتِفَالِ، وَبَعْدَ أَنْ نَفَخَ غَسَّانُ شُمُوعَ كَعْكَتِهِ، طَلَبَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً، فَوَقَفَ وَسْطَ الجَمِيعِ، وَنَظَرَ حَوْلَهُ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالتَّأَثُّرِ:
— وَأَنَا وَاقِفٌ الآنَ، بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي أُحِبُّهَا، أَتَذَكَّرُ أَوَّلَ يَوْمٍ عَادَ فِيهِ كَرِيمٌ مِنْ أَلْمَانِيَا، قَبْلَ سَنَوَاتٍ، وَكَيْفَ اسْتَقْبَلْتُهُ بِجُمْلَةٍ نَاقِصَةٍ، خَائِفًا مِنَ التَّغْيِيرِ الَّذِي شَعَرْتُ أَنَّهُ قَادِمٌ. وَاليَوْمَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، أَرَى عَائِلَةً تَغَيَّرَتْ جَذْرِيًّا: كَرِيمٌ مُتَزَوِّجٌ مِنْ لِينَا، وَعِنْدَهُمَا زَهْرَةُ وَهَانْسُ؛ وَزِيَادٌ مُتَزَوِّجٌ مِنْ غْرِيتَا، وَيَنْتَظِرَانِ مَوْلُودَهُمَا الأَوَّلَ؛ وَرِيمَا بَنَتْ مَشْرُوعَهَا الخَاصَّ وَوَسَّعَتْهُ دَوْلِيًّا؛ حَتَّى أَمَلُ، الَّتِي ضَحَّتْ بِشَبَابِهَا، وَجَدَتْ صَوْتَهَا الفَنِّيَّ وَعَرَضَتْهُ لِلْعَالَمِ.
تَوَقَّفَ غَسَّانُ لَحْظَةً، يُعَالِجُ مَشَاعِرَهُ، ثُمَّ أَكْمَلَ:
— كُلُّ هَذَا التَّغْيِيرِ بَدَأَ بِسُؤَالٍ بَسِيطٍ سَأَلَنِيهِ كَرِيمٌ أَوَّلَ لَيْلَةٍ عَادَ فِيهَا: «لِمَ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ شُعُورِنَا؟» سُؤَالٌ غَيَّرَ حَيَاتِي، وَحَيَاةَ عَائِلَتِنَا كُلِّهَا، لِلْأَفْضَلِ بِشَكْلٍ مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ يَوْمًا.
بَكَتْ سَلْمَى بِصَمْتٍ، وَدُمُوعُ فَرَحٍ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهَا، بَيْنَمَا وَقَفَ كَرِيمٌ مُتَأَثِّرًا بِعُمْقٍ بِرُؤْيَةِ وَالِدِهِ يُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ هَذِهِ المَشَاعِرِ بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ أَمَامَ الجَمِيعِ، دُونَ أَيٍّ مِنَ الصَّمْتِ أَوِ التَّحَفُّظِ الَّذِي مَيَّزَ شَخْصِيَّتَهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ.
قَالَ كَرِيمٌ، وَهُوَ يُعَانِقُ وَالِدَهُ:
— بَابَا، أَنْتَ مَنْ عَلَّمَنِي أَهَمِّيَّةَ الِاسْتِمْرَارِ فِي المُحَاوَلَةِ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ صَعْبَةً. شُكْرًا لِأَنَّكَ كُنْتَ شُجَاعًا بِمَا يَكْفِي لِتَتَغَيَّرَ مَعِي.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ شَهِدْنَا أَحْدَاثٍ تُلَخِّصُ جَوْهَرَ رِحْلَتِنَا الطَّوِيلَةِ: بُشْرَى جَدِيدَةٌ تَحْمِلُ مَعَهَا اسْتِمْرَارِيَّةَ الحَيَاةِ وَالأَمَلَ عَبْرَ جِيلٍ جَدِيدٍ قَادِمٍ مِنْ زِيَادٍ وَغْرِيتَا؛ وَاحْتِفَالٌ بِعِيدِ مِيلَادِ أَبِي، الَّذِي أَصْبَحَ رَمْزًا حَيًّا لِكُلِّ التَّحَوُّلِ الَّذِي مَرَّتْ بِهِ عَائِلَتُنَا. أَدْرَكْتُ أَنَّ رِحْلَتَنَا لَمْ تَكُنْ أَبَدًا عَنِ الوُصُولِ إِلَى نُقْطَةِ نِهَايَةٍ مِثَالِيَّةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الأَلَمِ أَوِ التَّعْقِيدِ، بَلْ عَنْ بِنَاءِ عَائِلَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى احْتِضَانِ كُلِّ أَشْكَالِ الحَيَاةِ: الفِرَاقِ وَالبُشْرَى، المَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِ، بِصِدْقٍ وَمَحَبَّةٍ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ حِكَايَتِنَا الطَّوِيلَةِ.»


الفصل الخمسون
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ التَّرَقُّبِ، وَضَعَتْ غِرِيتَا مَوْلُودَهَا الْأَوَّلَ: طِفْلًا صَغِيرًا سَمَّيَاهُ “سَلِيمًا”، تَكْرِيمًا لِجَدِّ زِيَادٍ الَّذِي رَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ كُلَّ هَذَا التَّحَوُّلِ الْعَائِلِيِّ، وَأَيْضًا تَكْرِيمًا لِزَوْجِ مُنَى الْجَدِيدِ الَّذِي أَصْبَحَ صَدِيقًا مُقَرَّبًا لِلْعَائِلَةِ.
سَافَرَ غَسَّانُ وَسَلْمَى، رَغْمَ تَعَبِ السَّفَرِ الْمُتَكَرِّرِ، لِرُؤْيَةِ حَفِيدِهِمَا الْجَدِيدِ فَوْرَ وِلَادَتِهِ، وَحَمَلَ غَسَّانُ الطِّفْلَ بِحَنَانٍ عَمِيقٍ: “سَلِيمُ الصَّغِيرُ، أَهْلًا بِكَ فِي عَائِلَتِنَا الْكَبِيرَةِ وَالْمُتَنَوِّعَةِ.”
قَالَتْ غِرِيتَا لِسَلْمَى، بِعَرَبِيَّتِهَا الْمُتَحَسِّنَةِ تَدْرِيجِيًّا: “سَلْمَى، شُكْرًا لِأَنَّكِ جَعَلْتِنِي أَشْعُرُ أَنِّي جُزْءٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ.”
بَعْدَ سِنِينَ مِنْ تَدْوِينِ مُلَاحَظَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ فِي دَفْتَرِهِ الشَّخْصِيِّ، قَرَّرَ كَرِيمٌ، بِتَشْجِيعٍ مِنْ لِينَا وَأُمِّهِ سَلْمَى، أَنْ يَبْدَأَ بِتَحْوِيلِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَاتِ إِلَى كِتَابٍ مُتَكَامِلٍ يَرْوِي قِصَّةَ عَائِلَتِهِ: مِنْ رِحْلَتِهِ الْأُولَى إِلَى أَلْمَانْيَا، مُرُورًا بِعَوْدَتِهِ وَكُلِّ التَّحَوُّلَاتِ الَّتِي عَاشَتْهَا عَائِلَتُهُ، وَصُولًا إِلَى الْحَاضِرِ.
قَالَتْ لِكَرِيمٍ لِينَا، وَهِيَ تُشَجِّعُهُ عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ: “كَرِيمُ، أَعْتَقِدُ أَنَّ قِصَّتَكُمْ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى، لَا لِعَائِلَتِكُمْ فَقَطْ، بَلْ لِكُلِّ مَنْ قَدْ يَجِدُ فِيهَا إِلْهَامًا لِمُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِهِ الْخَاصَّةِ بِصِدْقٍ وَشَجَاعَةٍ.”
بَدَأَ كَرِيمٌ بِمُرَاجَعَةِ دَفَاتِرِهِ الْقَدِيمَةِ، مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ عَوْدَتِهِ وَحَتَّى الْيَوْمِ، مُسْتَرْجِعًا كُلَّ التَّفَاصِيلِ وَالْمَشَاعِرِ الَّتِي عَاشَهَا: صَمْتَ أَبِيهِ الْأَوَّلَ، وَاعْتِرَافَ أُمِّهِ، وَصَدَاقَاتِهِ الْمُتَنَوِّعَةَ، وَحُبَّهُ لِلِينَا، وَكُلَّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا مِنْ كُلِّ شَخْصٍ الْتَقَاهُ فِي رِحْلَتِهِ.
اسْتَشَارَ كَرِيمٌ عَائِلَتَهُ حَوْلَ فِكْرَةِ الْكِتَابِ، فَوَجَدَ دَعْمًا مُتَحَمِّسًا مِنَ الْجَمِيعِ تَقْرِيبًا، بِمَنْ فِيهِمْ فُؤَادٌ الَّذِي قَالَ: “كَرِيمُ، إِنْ كُنْتَ سَتَحْكِي قِصَّتَنَا، أَتَمَنَّى أَنْ تَحْكِيَهَا بِصِدْقٍ كَامِلٍ، حَتَّى الْأَجْزَاءَ الصَّعْبَةَ وَالْمُعَقَّدَةَ. هَكَذَا فَقَطْ تَكُونُ الْقِصَّةُ مُفِيدَةً فِعْلًا لِغَيْرِنَا.”
بَدَأَ كَرِيمٌ بِالْفِعْلِ بِكِتَابَةِ الْفُصُولِ الْأُولَى، مُسْتَعِينًا بِذِكْرَيَاتِهِ وَمُذَكَّرَاتِهِ، وَبِمُسَاهَمَاتِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ الَّذِي شَارَكَهُ تَفَاصِيلَ إِضَافِيَّةً عَنْ تَجْرِبَتِهِ الْخَاصَّةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يُرَاجِعُ دَفْتَرَهُ الْأَوَّلَ مِنْ لَيْلَةِ عَوْدَتِهِ، اتَّصَلَ بِأَبِيهِ غَسَّانَ لِيَقْرَأَ لَهُ بَعْضَ الْمَقَاطِعِ الْأُولَى: “أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ لَكَ أَوَّلَ فِقْرَةٍ كَتَبْتُهَا، مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ عُدْتُ فِيهَا.”
اسْتَمَعَ غَسَّانُ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، مُتَأَثِّرًا بِعُمْقٍ بِرُؤْيَةِ كُلِّ تِلْكَ الْمَشَاعِرِ الَّتِي عَاشَهَا كَرِيمٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، مُوَثَّقَةً بِالتَّفْصِيلِ: “كَرِيمُ، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكَ شَعَرْتَ بِكُلِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَنْتَ وَاقِفٌ أَمَامِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ. هَذَا الْكِتَابُ سَيُعَلِّمُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ دَرْسًا مُهِمًّا.”
“أَبِي، أَكْبَرُ تَحَدٍّ فِي الْكِتَابَةِ هُوَ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا تَمَامًا، حَتَّى فِي الْأَجْزَاءِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَصَرُّفَاتِي فِيهَا مِثَالِيَّةً، مِثْلَ غَضَبِي وَغُرُورِي فِي الْبِدَايَةِ.”
“هَكَذَا بِالضَّبْطِ يَجِبُ أَنْ تَكْتُبَهَا يَا كَرِيمُ. الصِّدْقُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْقِصَّةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى.”


الفصل الحادي والخمسون
بَعْدَ عَامَيْنِ مِنَ الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، أَكْمَلَ كَرِيمٌ مَخْطُوطَةَ كِتَابِهِ الَّذِي وَثَّقَ فِيهِ رِحْلَةَ عَائِلَتِهِ الْكَامِلَةَ، مِنْ لَيْلَةِ عَوْدَتِهِ الْأُولَى وَحَتَّى اللَّحْظَةِ الْحَالِيَّةِ. تَرَدَّدَ كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ عَرْضَهُ عَلَى دُورِ نَشْرٍ، خَائِفًا مِنْ كَشْفِ تَفَاصِيلَ حَسَّاسَةٍ مِنْ حَيَاةِ عَائِلَتِهِ لِلْعَلَنِ.
اسْتَشَارَ الْعَائِلَةَ بِأَكْمَلِهَا مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ النِّهَائِيِّ، فَحَصَلَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْجَمِيعِ، بِشَرْطِ تَغْيِيرِ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ لِحِمَايَةِ خُصُوصِيَّةِ مَنْ يَرْغَبُ فِي ذَلِكَ، مُؤْمِنًا بِأَهَمِّيَّتِهَا لِمُسَاعَدَةِ آخَرِينَ يَمُرُّونَ بِتَجَارِبَ مُمَاثِلَةٍ.
تَلَقَّى كَرِيمٌ رَدًّا إِيجَابِيًّا مِنْ دَارِ نَشْرٍ صَغِيرَةٍ مُهْتَمَّةٍ بِقَصَصِ الْهُوِيَّةِ وَالْهِجْرَةِ، وَوَافَقَتْ عَلَى نَشْرِ الْكِتَابِ. عِنْدَ صُدُورِهِ أَخِيرًا، أُقِيمَ حَفْلُ تَوْقِيعٍ بَسِيطٌ حَضَرَهُ كُلُّ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ.
قَالَ غَسَّانُ، خِلَالَ الْحَفْلِ، بِصَوْتٍ مَلِيءٍ بِالْفَخْرِ: ” مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّ قِصَّتَنَا الْعَائِلِيَّةَ، بِكُلِّ تَعْقِيدَاتِهَا وَأَخْطَائِنَا، سَتُصْبِحُ كِتَابًا يَقْرَؤُهُ نَاسٌ غُرَبَاءُ عَنَّا. لَكِنِّي، فَخُورٌ بِأَنَّ قِصَّتَنَا يُمْكِنُ أَنْ تُسَاعِدَ عَائِلَاتٍ أُخْرَى عَلَى مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِهَا بِشَجَاعَةٍ أَكْبَرَ.”
لَاقَى الْكِتَابُ اسْتِقْبَالًا جَيِّدًا، خَاصَّةً بَيْنَ الْجَالِيَاتِ الْعَرَبِيَّةِ فِي أُورُوبَّا، الَّتِي وَجَدَتْ فِي قِصَّةِ كَرِيمٍ وَعَائِلَتِهِ انْعِكَاسًا صَادِقًا لِتَحَدِّيَاتٍ مُشَابِهَةٍ تُوَاجِهُهَا فِي حَيَاتِهَا الْيَوْمِيَّةِ.
مَرَّتِ السِّنُونَ، وَكَبُرَتِ ابْنَةُ رِيمَا، الَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهَا، طَالِبَةً مُتَفَوِّقَةً تُظْهِرُ شَغَفًا حَقِيقِيًّا بِالطِّبِّ، حُلْمًا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ لَدَيْهَا مُنْذُ زِيَارَتِهَا الْمُتَكَرِّرَةِ لِجَدِّهَا غَسَّانَ خِلَالَ فَتْرَةِ مَرَضِهِ الْقَلْبِيِّ.
قَالَتِ الْفَتَاةُ لِأُمِّهَا ذَاتَ يَوْمٍ: “مَامَا، أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ الطِّبَّ، أَشْعُرُ أَنِّي بِهَذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسَاعِدَ نَاسًا كَثِيرِينَ، مِثْلَمَا سَاعَدَ الْأَطِبَّاءُ جَدِّي.”
تَذَكَّرَتْ رِيمَا فَوْرًا مُحَادَثَاتِهَا الْقَدِيمَةَ مَعَ أُمِّهَا سَلْمَى حَوْلَ أَهَمِّيَّةِ دَعْمِ أَحْلَامِ الْأَبْنَاءِ دُونَ فَرْضِ تَوَقُّعَاتٍ جَاهِزَةٍ: “حَبِيبَتِي، أَدْعَمُكِ بِكُلِّ قَلْبِي. لَكِنْ دَعِينِي أَسْأَلُكِ: أَهَذَا حُلْمُكِ الْحَقِيقِيُّ، أَمْ مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ؟”
فَكَّرَتِ الْفَتَاةُ قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَتْ بِثِقَةٍ: “مَامَا، فَكَّرْتُ فِيهَا كَثِيرًا، لَيْسَ مُجَرَّدَ قَرَارٍ لَحْظِيٍّ. أُحِبُّ الْعُلُومَ، وَأُحِبُّ فِكْرَةَ مُسَاعَدَةِ النَّاسِ، وَأَشْعُرُ أَنَّ هَذَا أَنَا فِعْلًا، لَا مُجَرَّدَ تَقْلِيدٍ لِأَحَدٍ.”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا بِفَخْرٍ عَمِيقٍ، مُدْرِكَةً أَنَّ ابْنَتَهَا، بِفَضْلِ بِيئَةِ الصِّدْقِ وَالْحِوَارِ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا، اكْتَسَبَتْ مُبَكِّرًا قُدْرَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ رَغَبَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ الْعَابِرَةِ، وَهِيَ مَهَارَةٌ اسْتَغْرَقَتْ هِيَ نَفْسَهَا سِنِينَ طَوِيلَةً لِتَكْتَسِبَهَا.
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَبَعْدَ نَجَاحِ مَعْرِضِهَا الدَّوْلِيِّ وَصُدُورِ كِتَابِهَا الْفُوتُوغْرَافِيِّ، تَلَقَّتِ الْخَالَةُ أَمَلُ، الَّتِي تَجَاوَزَتِ الْآنَ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهَا، اهْتِمَامًا مِنْ رَجُلٍ أَرْمَلَ مِنْ مَعَارِفِ الْعَائِلَةِ، أَبْدَى إِعْجَابَهُ بِهَا وَبِأَعْمَالِهَا.
فَكَّرَتْ أَمَلُ طَوِيلًا فِي هَذَا الْعَرْضِ الْمُحْتَمَلِ، ثُمَّ قَرَّرَتْ، بَعْدَ تَأَمُّلٍ عَمِيقٍ، أَنْ تَرْفُضَهُ بِلُطْفٍ، مُوَضِّحَةً لِكَرِيمٍ سَبَبَ قَرَارِهَا: “كَرِيمُ، لَيْسَ لِأَنِّي خَائِفَةٌ أَوْ نَادِمَةٌ عَلَى حَيَاتِي. لَكِنِّي اكْتَشَفْتُ أَنَّ حَيَاتِي الْحَالِيَّةَ، بِفَنِّي وَحُرِّيَّتِي وَاسْتِقْلَالِيَّتِي، هِيَ بِالضَّبْطِ مَا أُرِيدُهُ الْآنَ. لَيْسَ كُلُّ قِصَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَنْتَهِيَ بِشَرِيكِ حَيَاةٍ، بَعْضُ الْقِصَصِ تَكْتَمِلُ بِالسَّلَامِ مَعَ الذَّاتِ.”
تَفَهَّمَ كَرِيمٌ قَرَارَهَا بِعُمْقٍ: “خَالَتِي، هَذَا أَنْضَجُ قَرَارٍ يُمْكِنُ أَنْ تَتَّخِذِيهِ. الْمُهِمُّ أَنْ تَكُونِي سَعِيدَةً بِحَيَاتِكِ كَمَا هِيَ الْآنَ، لَا أَنْ تَتْبَعِي نَمُوذَجًا مُعَيَّنًا لِأَنَّهُ كَذَلِكَ يَنْبَغِي.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ تَسْتَمِرُّ رِحْلَتُنَا الْعَائِلِيَّةُ بِالتَّجَدُّدِ وَالتَّنَوُّعِ: كِتَابِي الَّذِي وَثَّقَ رِحْلَتَنَا يَجِدُ طَرِيقَهُ إِلَى قُرَّاءَ غُرَبَاءَ قَدْ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ دُرُوسِنَا؛ وَابْنَةُ رِيمَا تَكْبُرُ لِتَطْمَحَ بِحُلْمٍ طِبِّيٍّ حَقِيقِيٍّ نَابِعٍ مِنْ تَجْرِبَتِهَا الْخَاصَّةِ مَعَ جَدِّهَا؛ وَخَالَتِي أَمَلُ تَخْتَارُ، بِنُضْجٍ نَادِرٍ، أَنْ يَكُونَ سَلَامُهَا مَعَ ذَاتِهَا هُوَ اكْتِمَالَ قِصَّتِهَا، لَا شَرِيكَ حَيَاةٍ جَدِيدًا بِالضَّرُورَةِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ النُّضْجَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي اتِّبَاعَ مَسَارٍ وَاحِدٍ مُتَوَقَّعٍ لِلسَّعَادَةِ، بَلْ مَعْرِفَةً عَمِيقَةً بِالذَّاتِ تَسْمَحُ لِكُلِّ شَخْصٍ أَنْ يَخْتَارَ شَكْلَ اكْتِمَالِهِ الْخَاصَّ، بَعِيدًا عَنْ أَيِّ قَالَبٍ اجْتِمَاعِيٍّ جَاهِزٍ.”


الفَصْلُ الثَّانِي وَالخَمْسُونَ
مَرَّتْ عَشْرُ سَنَوَاتٍ أُخْرَى بِسُرْعَةٍ، حَمَلَتْ مَعَهَا تَفَاصِيلَ حَيَاةٍ هَادِئَةٍ نِسْبِيًّا بَعْدَ كُلِّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ المَلِيئَةِ بِالتَّحَوُّلَاتِ الكُبْرَى: أَصْبَحَ كَرِيمٌ الآنَ شَرِيكًا كَامِلًا فِي مَكْتَبِهِ الهَنْدَسِيِّ فِي مِيُونِخَ، وَطَوَّرَتْ لِينَا مَسِيرَتَهَا المِهَنِيَّةَ الخَاصَّةَ فِي مَجَالِ التَّصْمِيمِ الدَّاخِلِيِّ، مُسْتَفِيدَةً مِنْ إِلْهَامٍ ثَقَافِيٍّ مُزْدَوِجٍ. أَمَّا زَهْرَةُ، ابْنَتُهُمَا الكُبْرَى، فَقَدْ أَصْبَحَتِ الآنَ فِي الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا، مُرَاهِقَةً ذَكِيَّةً وَفُضُولِيَّةً، تَدْرُسُ فِي مَدْرَسَةٍ ثَانَوِيَّةٍ أَلْمَانِيَّةٍ، بَيْنَمَا أَصْبَحَ شَقِيقُهَا هَانْسُ فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، يُشَارِكُ وَالِدَهُ شَغَفَهُ بِالهَنْدَسَةِ وَالتَّصْمِيمِ.
———-
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، فَاجَأَتْ زَهْرَةُ وَالِدَيْهَا بِطَلَبٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ:
— بَابَا، مَامَا، أُرِيدُ أَنْ أَقْضِيَ الصَّيْفَ هَذِهِ السَّنَةَ وَحْدِي فِي سُورِيَا، عِنْدَ جَدِّي وَجَدَّتِي، مِنْ غَيْرِكُمَا. أُرِيدُ أَنْ أَتَعَرَّفَ عَلَى جُذُورِي أَكْثَرَ، بِطَرِيقَتِي الخَاصَّةِ.
تَبَادَلَ كَرِيمٌ وَلِينَا نَظْرَةَ دَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِفَخْرٍ: كَانَ طَلَبُ ابْنَتِهِمَا صَدًى مُبَاشِرًا لِرِحْلَةِ كَرِيمٍ نَفْسِهِ قَبْلَ عُقُودٍ، لَكِنْ بِمَنْطِقٍ مَعْكُوسٍ تَمَامًا: بَدَلًا مِنْ أَنْ تَهْرُبَ مِنْ جُذُورِهَا، كَانَتْ تَطْلُبُ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنْهَا بِمُفْرَدِهَا، بِوَعْيٍ وَاخْتِيَارٍ حُرٍّ.
سَأَلَهَا كَرِيمٌ بِفُضُولٍ:
— زَهْرَةُ، لِمَ هَذَا الطَّلَبُ بِالذَّاتِ الآنَ؟
أَجَابَتِ الفَتَاةُ بِصِدْقِ مُرَاهَقَةٍ نَاضِجَةٍ:
— بَابَا، أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنِّي لَسْتُ مُتَأَكِّدَةً مَنْ أَنَا فِعْلًا: أَلْمَانِيَّةٌ، سُورِيَّةٌ، الِاثْنَتَانِ مَعًا، أَمْ لَا وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا بِالكَامِلِ. وَأُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ هَذَا الأَمْرَ وَحْدِي، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَا أَنْتُمَا مَوْجُودَيْنِ فَتُؤَثِّرَا عَلَى تَجْرِبَتِي أَوْ تُفَسِّرَاهَا لِي.
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، مُتَذَكِّرًا أَسْئِلَتَهُ الخَاصَّةَ عَنِ الهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ الَّتِي وَاجَهَهَا فِي رِحْلَتِهِ الأُولَى:
— زَهْرَةُ، أَفْهَمُكِ تَمَامًا. وَ فَخُورٌ بِكِ لِأَنَّكِ تَطْلُبِينَ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ بِنَفْسِكِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَنْتَظِرِي مِنَّا أَنْ نُقَرِّرَ لَكِ.
بَعْدَ نِقَاشٍ عَائِلِيٍّ طَوِيلٍ، وَبَعْدَ التَّأَكُّدِ مِنِ اسْتِعْدَادِ غَسَّانَ وَسَلْمَى لِاسْتِضَافَةِ حَفِيدَتِهِمَا بِمُفْرَدِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَافَقَ كَرِيمٌ وَلِينَا عَلَى الفِكْرَةِ، بِشَرْطِ الحِفَاظِ عَلَى تَوَاصُلٍ مُنْتَظِمٍ لِلِاطْمِئْنَانِ.
———————
اسْتَقْبَلَ غَسَّانُ، الَّذِي تَجَاوَزَ الآنَ الخَامِسَةَ وَالسَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِهِ لَكِنَّهُ لَا يَزَالُ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ نِسْبِيًّا بِفَضْلِ نَمَطِ حَيَاتِهِ المُنْضَبِطِ، هَذَا الخَبَرَ بِفَرَحٍ غَامِرٍ، مَمْزُوجٍ بِإِحْسَاسٍ عَمِيقٍ بِالمَسْؤُولِيَّةِ.
قَالَ لِسَلْمَى بَعْدَ أَنْ أَنْهَى المُكَالَمَةَ مَعَ كَرِيمٍ:
— سَلْمَى، حَفِيدَتُنَا زَهْرَةُ سَتَأْتِي لِتَعِيشَ مَعَنَا الصَّيْفَ، وَحْدَهَا، تَبْحَثُ عَنْ هُوِيَّتِهَا. هَذَا شَرَفٌ كَبِيرٌ، لَكِنَّهُ مَسْؤُولِيَّةٌ كَبِيرَةٌ أَيْضًا.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى:
— غَسَّانُ، تُذَكِّرُنِي هَذِهِ الفِكْرَةُ بِرِحْلَةِ كَرِيمٍ الأُولَى، لَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ مَعْكُوسَةٌ تَمَامًا. بَدَلًا مِنْ أَنْ يَهْرُبَ أَحَدٌ مِنْ عَائِلَتِهِ، حَفِيدَتُنَا آتِيَةٌ لِتَقْتَرِبَ مِنْهَا بِمَحْضِ إِرَادَتِهَا.
بَدَأَ غَسَّانُ يُخَطِّطُ بِعِنَايَةٍ لِكَيْفِيَّةِ اسْتِقْبَالِ حَفِيدَتِهِ: قَرَّرَ أَنْ يَحْكِيَ لَهَا قِصَصَ العَائِلَةِ كَامِلَةً، مِنْ جَدِّهِ الحَاجِّ سَلِيمٍ الصَّارِمِ، إِلَى جَدَّتِهِ زَهْرَةَ وَحُبِّهَا القَدِيمِ لِتَوْفِيقَ، إِلَى قِصَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ مَعَ كَرِيمٍ، بِصِدْقٍ كَامِلٍ هَذِهِ المَرَّةَ، دُونَ حَذْفٍ أَوْ تَجْمِيلٍ، تَمَامًا كَمَا تَعَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
عِنْدَمَا وَصَلَتْ زَهْرَةُ أَخِيرًا إِلَى سُورِيَا فِي بِدَايَةِ الصَّيْفِ، اسْتَقْبَلَهَا غَسَّانُ وَسَلْمَى بِحَفَاوَةٍ بَالِغَةٍ، وَبَدَأَتْ رِحْلَةٌ صَيْفِيَّةٌ غَنِيَّةٌ بِالِاكْتِشَافِ: تَعَلَّمَتِ العَرَبِيَّةَ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ، وَطَهَتْ مَعَ جَدَّتِهَا سَلْمَى أَطْبَاقًا تَقْلِيدِيَّةً، وَاسْتَمَعَتْ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ لِحِكَايَاتِ جَدِّهَا عَنْ تَارِيخِ العَائِلَةِ الكَامِلِ.
فِي أَحَدِ الأَمَاسِي، سَأَلَتْ زَهْرَةُ جَدَّهَا سُؤَالًا مُبَاشِرًا:
— جَدُّو، لِمَ رَجَعَ أَبِي مِنْ أَلْمَانِيَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ دَرَسَ وَعَمِلَ هُنَاكَ؟
ابْتَسَمَ غَسَّانُ بِحِكْمَةٍ اكْتَسَبَهَا عَبْرَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّعَلُّمِ:
— زَهْرَةُ، حَبِيبَتِي، أَبُوكِ رَجَعَ لِأَنَّهُ شَعَرَ أَنَّ ثَمَّةَ أَسْئِلَةً مُهِمَّةً بَيْنَنَا، نَحْنُ كَعَائِلَةٍ، لَمْ تَكُنْ مَحْلُولَةً. وَرُجُوعُهُ، غَيَّرَ حَيَاتَنَا جَمِيعًا لِلْأَفْضَلِ، بِطَرِيقَةٍ لَمْ نَكُنْ نَتَخَيَّلُهَا.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنِ اتَّصَلَتْ بِهِ زَهْرَةُ لِتُخْبِرَهُ بِمَشَاعِرِهَا الأُولَى فِي سُورِيَا:
«اليَوْمَ أَدْرَكْتُ أَنَّ التَّارِيخَ، حِينَ يُبْنَى عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الصِّدْقِ، لَا يُعِيدُ نَفْسَهُ بِنَفْسِ الأَلَمِ، بَلْ يَتَطَوَّرُ إِلَى نُسْخَةٍ أَكْثَرَ وَعْيًا وَحُرِّيَّةً. ابْنَتِي زَهْرَةُ تَطْلُبُ اليَوْمَ مَا طَلَبْتُهُ أَنَا يَوْمًا: فَهْمَ هُوِيَّتِهَا وَجُذُورِهَا، لَكِنَّهَا تَطْلُبُهُ بِثِقَةٍ وَاخْتِيَارٍ حُرٍّ، لَا بِهُرُوبٍ أَوْ غَضَبٍ. أَدْرَكْتُ أَنَّ أَعْظَمَ إِرْثٍ يُمْكِنُ أَنْ نَتْرُكَهُ لِأَبْنَائِنَا لَيْسَ تَجْنِيبَهُمُ الأَسْئِلَةَ الصَّعْبَةَ، بَلْ مَنْحَهُمُ الشَّجَاعَةَ وَالثِّقَةَ الكَافِيَةَ لِيَطْرَحُوا هَذِهِ الأَسْئِلَةَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلِيَجِدُوا إِجَابَاتِهِمُ الخَاصَّةَ، مَدْعُومِينَ بِمَحَبَّةٍ عَائِلِيَّةٍ لَا تَفْرِضُ عَلَيْهِمْ إِجَابَةً جَاهِزَةً، بَلْ تُرَافِقُهُمْ بِصِدْقٍ فِي رِحْلَةِ اكْتِشَافِهِمُ الشَّخْصِيِّ.»


الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالخَمْسُونَ
خِلَالَ إِقَامَتِهَا الصَّيْفِيَّةِ، تَعَرَّفَتْ زَهْرَةُ عَلَى ابْنَةِ طَارِقٍ وَمَنَالَ، الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ «سَارَةَ»، فَتَاةً فِي مِثْلِ عُمْرِهَا تَقْرِيبًا، وَنَشَأَتْ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ سَرِيعَةٌ وَعَمِيقَةٌ. اصْطَحَبَتْ سَارَةُ زَهْرَةَ فِي جَوَلَاتٍ يَوْمِيَّةٍ فِي البَلْدَةِ، وَعَرَّفَتْهَا عَلَى أَصْدِقَائِهَا، وَشَارَكَتْهَا تَفَاصِيلَ حَيَاةِ المُرَاهِقَاتِ المَحَلِّيَّاتِ، مِنْ أَحْلَامِهِنَّ الدِّرَاسِيَّةِ إِلَى هُمُومِهِنَّ اليَوْمِيَّةِ البَسِيطَةِ.
قَالَتْ سَارَةُ لِزَهْرَةَ ذَاتَ مَسَاءٍ، وَهُمَا تَجْلِسَانِ فِي شُرْفَةِ مَنْزِلِ عَائِلَتِهَا:
— زَهْرَةُ، غَرِيبٌ أَنَّكِ جِئْتِ مِنْ أَلْمَانِيَا وَحْدَكِ بِهَذَا العُمْرِ. أَهْلِي مَا كَانُوا لِيَسْمَحُوا لِي أَنْ أَفْعَلَ هَكَذَا.
ضَحِكَتْ زَهْرَةُ:
— بِصَرَاحَةٍ يَا سَارَةُ، أَهْلِي أَيْضًا تَرَدَّدُوا كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُوَافِقُوا. لَكِنِّي شَعَرْتُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ أُجَرِّبَ أَنْ أَفْهَمَ جُذُورِي بِطَرِيقَتِي.
— وَمَاذَا وَجَدْتِ إِلَى الآنَ؟
فَكَّرَتْ زَهْرَةُ قَلِيلًا:
— وَجَدْتُ أَنَّ الحَيَاةَ هُنَا مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرًا عَنْ أَلْمَانِيَا، لَكِنْ لَا بِمَعْنَى أَسْوَأَ أَوْ أَحْسَنَ، بَلْ مُخْتَلِفَةٌ. النَّاسُ هُنَا أَقْرَبُ إِلَى بَعْضِهِمْ، لَكِنِّي أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّ ثَمَّةَ ضَغْطًا اجْتِمَاعِيًّا أَكْبَرَ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، أَشْعُرُ بِرَاحَةٍ كَبِيرَةٍ، كَأَنِّي وَجَدْتُ جُزْءًا مِنِّي كَانَ نَاقِصًا.
كَانَتْ هَذِهِ الصَّدَاقَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، نَافِذَةً حَقِيقِيَّةً لِزَهْرَةَ عَلَى حَيَاةٍ يَوْمِيَّةٍ سُورِيَّةٍ أَصِيلَةٍ، بَعِيدَةً عَنِ الصُّورَةِ السِّيَاحِيَّةِ أَوِ العَائِلِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي عَرَفَتْهَا فِي زِيَارَاتِهَا القَصِيرَةِ السَّابِقَةِ.
———–
فِي أَحَدِ الأَمَاسِي الهَادِئَةِ، جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ زَهْرَةَ عَلَى الشُّرْفَةِ نَفْسِهَا الَّتِي جَلَسَ فِيهَا يَوْمًا مَعَ أُمِّهِ الرَّاحِلَةِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ: أَنْ يَرْوِيَ لَهَا تَارِيخَ العَائِلَةِ كَامِلًا، دُونَ حَذْفٍ أَوْ تَجْمِيلٍ.
حَكَى لَهَا عَنْ جَدِّهِ الحَاجِّ سَلِيمٍ الصَّارِمِ، وَعَنْ رَفْضِهِ القَاطِعِ لِحُلْمِهِ بِالرَّسْمِ فِي شَبَابِهِ؛ وَحَكَى لَهَا عَنْ جَدَّتِهِ الكُبْرَى زَهْرَةَ، وَحُبِّهَا القَدِيمِ لِرَجُلٍ يُدْعَى تَوْفِيقَ، وَزَوَاجِهَا المُرَتَّبِ الَّذِي حُرِمَتْ فِيهِ مِنَ الِاخْتِيَارِ؛ وَحَكَى لَهَا عَنِ اللَّيْلَةِ الأُولَى الَّتِي عَادَ فِيهَا وَالِدُهَا كَرِيمٌ مِنْ أَلْمَانِيَا، وَكَيْفَ اسْتَقْبَلَهُ بِبُرُودٍ وَخَوْفٍ مِنَ التَّغْيِيرِ.
اسْتَمَعَتْ زَهْرَةُ بِانْتِبَاهٍ تَامٍّ، أَحْيَانًا بِدُمُوعٍ، وَأَحْيَانًا بِضَحَكَاتٍ مُفَاجِئَةٍ عِنْدَ تَفَاصِيلَ طَرِيفَةٍ.
— جَدُّو، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ أَنَّ عَائِلَتَنَا عِنْدَهَا كُلُّ هَذِهِ القِصَصِ المُعَقَّدَةِ.
— زَهْرَةُ، كُلُّ عَائِلَةٍ عِنْدَهَا قِصَصٌ مُعَقَّدَةٌ، لَكِنْ لَيْسَتْ كُلُّ عَائِلَةٍ تَجْرُؤُ عَلَى أَنْ تَحْكِيَهَا بِصَرَاحَةٍ. عَائِلَتُنَا تَعَلَّمَتْ هَذَا الدَّرْسَ بِصُعُوبَةٍ، بِفَضْلِ شَجَاعَةِ أَبِيكِ.
حَكَى لَهَا غَسَّانُ أَيْضًا عَنْ قِصَّةِ سَامِرَ، بِحَذَرٍ وَاحْتِرَامٍ كَامِلٍ، مُوَضِّحًا كَيْفَ تَعَلَّمَتِ العَائِلَةُ، رَغْمَ كُلِّ التَّعْقِيدِ الدِّينِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ، أَنْ تَحْمِلَ المَحَبَّةَ وَالتَّنَاقُضَ مَعًا.
— جَدُّو، وَأَنْتَ، كَيْفَ شَعَرْتَ وَأَنْتَ تَتَعَلَّمُ كُلَّ هَذِهِ الدُّرُوسِ فِي عُمْرِكَ المُتَقَدِّمِ؟
ابْتَسَمَ غَسَّانُ بِصِدْقٍ:
— بِصَرَاحَةٍ يَا زَهْرَةُ، صَعْبٌ جِدًّا أَنْ تَتَعَلَّمَ أَشْيَاءَ جَدِيدَةً كُلِّيًّا بَعْدَ عُمْرٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّفْكِيرِ بِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ. لَكِنِّي تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّعَلُّمَ لَيْسَ لَهُ عُمْرٌ مُحَدَّدٌ، وَأَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالخَطَإِ، مَهْمَا كَانَ مُتَأَخِّرًا، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِيهِ صَامِتًا.
فِي نِهَايَةِ الصَّيْفِ، عَادَتْ زَهْرَةُ إِلَى مِيُونِخَ، حَامِلَةً مَعَهَا تَجْرِبَةً غَنِيَّةً غَيَّرَتْ نَظْرَتَهَا لِنَفْسِهَا وَلِعَائِلَتِهَا بِعُمْقٍ. اسْتَقْبَلَهَا كَرِيمٌ وَلِينَا بِشَوْقٍ كَبِيرٍ، وَلَاحَظَا فَوْرًا نُضْجًا جَدِيدًا فِي طَرِيقَةِ حَدِيثِهَا وَتَفْكِيرِهَا.
قَالَتْ زَهْرَةُ لِوَالِدَيْهَا، فِي أَوَّلِ أُمْسِيَةٍ بَعْدَ عَوْدَتِهَا:
— بَابَا، مَامَا، هَذَا الصَّيْفُ غَيَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ. فَهِمْتُ أَنَّ هُوِيَّتِي لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا مُحَدَّدًا وَثَابِتًا. أَنَا أَلْمَانِيَّةٌ وَسُورِيَّةٌ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ تَنَاقُضًا، بَلْ غِنًى حَقِيقِيٌّ.
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ، رَائِيًا فِي كَلِمَاتِ ابْنَتِهِ صَدًى نَاضِجًا لِكُلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمَهَا هُوَ نَفْسُهُ بِصُعُوبَةٍ أَكْبَرَ قَبْلَ عُقُودٍ:
— زَهْرَةُ، فَخُورٌ بِكِ كَثِيرًا. وَصَلْتِ إِلَى فَهْمٍ اسْتَغْرَقَنِي أَنَا وَقْتًا أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ لِأَصِلَ إِلَيْهِ.
— بَابَا، وَصَلْتُ إِلَى هَذَا الفَهْمِ بِسُهُولَةٍ أَكْبَرَ لِأَنَّكَ وَجَدُّو وَجَدَّتِي، وَكُلَّ العَائِلَةِ، مَهَّدْتُمْ لِي الطَّرِيقَ بِصِدْقِكُمْ. لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ أَنْ أُعَانِيَ كَمَا عَانَيْتَ أَنْتَ، لِأَنَّكُمْ عَلَّمْتُمُونِي مِنَ البِدَايَةِ أَنَّ الصِّدْقَ أَهَمُّ مِنَ الصَّمْتِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ اسْتَقْبَلْتُ ابْنَتِي عَائِدَةً مِنْ رِحْلَةٍ غَيَّرَتْهَا بِعُمْقٍ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ثَمَرَةً حَقِيقِيَّةً لِكُلِّ الجُهْدِ الَّذِي بَذَلَتْهُ عَائِلَتُنَا عَلَى مَدَى عِقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ: جِيلٌ جَدِيدٌ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَمُرَّ بِنَفْسِ الأَلَمِ وَالصِّرَاعِ الَّذِي مَرَرْتُ بِهِ أَنَا، لِأَنَّهُ وَرِثَ مُبَاشَرَةً ثِمَارَ الصِّدْقِ الَّذِي بَنَيْنَاهُ بِصُعُوبَةٍ. أَدْرَكْتُ أَنَّ هَذَا، رُبَّمَا، هُوَ أَعْمَقُ مَعْنًى لِكَلِمَةِ «إِرْثٍ»: لَيْسَ المُمْتَلَكَاتِ أَوْ حَتَّى الحِكَايَاتِ فَقَطْ، بَلِ القُدْرَةَ عَلَى مَنْحِ الجِيلِ التَّالِي فَهْمًا أَعْمَقَ لِذَاتِهِ، بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الأَلَمِ الَّذِي احْتَجْنَا إِلَيْهِ نَحْنُ لِنَصِلَ إِلَى الفَهْمِ نَفْسِهِ.»


الفصل الرابع والخمسون
بَيْنَمَا كَانَتْ زَهْرَةُ تَكْتَشِفُ هُوِيَّتَهَا الثَّقَافِيَّةَ الْمُزْدَوِجَةَ، كَانَ شَقِيقُهَا هَانْزُ، الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، يَكْتَشِفُ شَغَفًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا: الْمُوسِيقَى. بَدَأَ يَتَعَلَّمُ الْعَزْفَ عَلَى الْعُودِ، آلَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ شَرْقِيَّةٍ أَهْدَاهُ إِيَّاهَا جَدُّهُ غَسَّانُ فِي إِحْدَى زِيَارَاتِهِ، وَوَجَدَ فِيهَا طَرِيقَةً فَرِيدَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرِهِ وَهُوِيَّتِهِ الْمُزْدَوِجَةِ.
قَالَ هَانْزُ لِوَالِدِهِ كَرِيمٍ ذَاتَ مَسَاءٍ: “أَبِي، أَنَا لَسْتُ مِثْلَ زَهْرَةَ، لَا أَشْعُرُ بِحَاجَةٍ لِأَنْ أَذْهَبَ لِأَعِيشَ فِي سُورِيَا وَحْدِي كَيْ أَفْهَمَ هُوِيَّتِي. أَشْعُرُ بِهُوِيَّتِي الْمُزْدَوِجَةِ أَكْثَرَ مِنْ خِلَالِ الْمُوسِيقَى، حِينَ أَعْزِفُ أَلْحَانًا عَرَبِيَّةً بِآلَةٍ أَهْدَانِي إِيَّاهَا جَدِّي.”
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِهَذَا الِاخْتِلَافِ الْجَمِيلِ بَيْنَ ابْنَيْهِ: “هَانْزُ، كُلُّ وَاحِدٍ يَجِدُ طَرِيقَتَهُ الْخَاصَّةَ، وَهَذَا أَمْرٌ رَائِعٌ. لَيْسَ لَازِمًا أَنْ يَعِيشَ كُلُّ وَاحِدٍ التَّجْرِبَةَ نَفْسَهَا بِالضَّبْطِ لِيَصِلَ إِلَى الْفَهْمِ الْعَمِيقِ نَفْسِهِ.”
بَدَأَ هَانْزُ بِتَنْظِيمِ أُمْسِيَاتٍ مُوسِيقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي الْمَدْرَسَةِ، يَمْزُجُ فِيهَا بَيْنَ الْمَقْطُوعَاتِ الْكْلَاسِيكِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ وَأَلْحَانٍ شَرْقِيَّةٍ تَعَلَّمَهَا مِنْ جَدِّهِ، مِمَّا جَذَبَ اهْتِمَامًا وَاحْتِرَامًا مُتَزَايِدَيْنِ مِنْ زُمَلَائِهِ وَأَسَاتِذَتِهِ.
بِالتَّزَامُنِ، بَدَأَتِ ابْنَةُ رِيمَا، الَّتِي حَقَّقَتْ حُلْمَهَا بِالْقَبُولِ فِي كُلِّيَّةِ الطِّبِّ بِتَفَوُّقٍ، مَسِيرَتَهَا الْأَكَادِيمِيَّةَ الْجَدِيدَةَ. حَضَرَتِ الْعَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا حَفْلَ اسْتِقْبَالِ الطُّلَّابِ الْجُدُدِ، فَخُورَةً بِهَذَا الْإِنْجَازِ الَّذِي بَدَأَ حُلْمًا بَسِيطًا قَبْلَ سِنِينَ.
قَالَتْ رِيمَا لِابْنَتِهَا، بِدُمُوعِ فَخْرٍ: “حَبِيبَتِي، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأَرَاكِ تَدْخُلِينَ كُلِّيَّةَ الطِّبِّ، وَأَنَا فَخُورَةٌ بِكِ أَكْثَرَ مِمَّا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْهُ.”
ابْتَسَمَتِ الْفَتَاةُ: “مَامَا، هَذَا الْحُلْمُ بَدَأَ حِينَ كُنْتُ أَزُورُ جَدِّي وَأَرَى كَيْفَ سَاعَدَهُ الْأَطِبَّاءُ فِي مَرَضِهِ الْقَلْبِيِّ. وَبِفَضْلِكِ، تَعَلَّمْتُ أَنْ أَثِقَ بِحُلْمِي وَأَسْعَى وَرَاءَهُ بِجِدِّيَّةٍ.”
حَضَرَ غَسَّانُ الْحَفْلَ بِفَخْرٍ خَاصٍّ، مُدْرِكًا أَنَّ قِصَّتَهُ الصِّحِّيَّةَ الْخَاصَّةَ، رَغْمَ كُلِّ قَلَقِهَا، أَلْهَمَتْ جِيلًا جَدِيدًا بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا.
فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، وَبَعْدَ تَأَمُّلٍ عَمِيقٍ فِي تَقَدُّمِهِ بِالْعُمْرِ وَتَجْرِبَتِهِ الصِّحِّيَّةِ السَّابِقَةِ، قَرَّرَ غَسَّانُ أَنْ يَبْدَأَ مَشْرُوعًا شَخْصِيًّا هَادِئًا: كِتَابَةَ رَسَائِلَ مُنْفَصِلَةٍ لِكُلِّ حَفِيدٍ مِنْ أَحْفَادِهِ، لِيَقْرَؤُوهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فِي لَحَظَاتٍ مُهِمَّةٍ مِنْ حَيَاتِهِمْ أَوْ بَعْدَ رَحِيلِهِ.
شَارَكَ الْفِكْرَةَ مَعَ سَلْمَى، الَّتِي دَعَمَتْهَا بِحَمَاسَةٍ: “غَسَّانُ، فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ جِدًّا. الرَّسَائِلُ تَبْقَى مَوْجُودَةً حَتَّى حِينَ لَا نَبْقَى نَحْنُ مَوْجُودِينَ، وَتَحْمِلُ حِكْمَتَنَا لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ.”
بَدَأَ غَسَّانُ بِكِتَابَةِ أُولَى رَسَائِلِهِ لِزَهْرَةَ، بَعْدَ رِحْلَتِهَا الصَّيْفِيَّةِ الْأَخِيرَةِ، عَبَّرَ فِيهَا عَنْ فَخْرِهِ بِشَجَاعَتِهَا فِي الْبَحْثِ عَنْ هُوِيَّتِهَا، وَعَنْ أَمَلِهِ أَنْ تُحَافِظَ دَائِمًا عَلَى هَذَا الْفُضُولِ الصَّادِقِ تِجَاهَ ذَاتِهَا وَعَالَمِهَا.
كَتَبَ أَيْضًا رِسَالَةً لِهَانْزَ، تَحَدَّثَ فِيهَا عَنْ أَهَمِّيَّةِ إِيجَادِ الشَّغَفِ الشَّخْصِيِّ، مَهْمَا بَدَا مُخْتَلِفًا عَنْ مَسَارِ الْآخَرِينَ فِي الْعَائِلَةِ.
وَكَتَبَ رِسَالَةً لِابْنَةِ رِيمَا، الطَّبِيبَةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ، شَكَرَهَا فِيهَا عَلَى إِلْهَامِهَا مِنْ تَجْرِبَتِهِ الصِّحِّيَّةِ، وَمُتَمَنِّيًا لَهَا مَسِيرَةً مِهَنِيَّةً تَجْمَعُ بَيْنَ الْكَفَاءَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
عِنْدَمَا شَارَكَ غَسَّانُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ مَعَ كَرِيمٍ، تَأَثَّرَ الْأَخِيرُ بِعُمْقٍ: “أَبِي، فِكْرَةُ الرَّسَائِلِ هَذِهِ جَمِيلَةٌ جِدًّا. تُذَكِّرُنِي بِرِسَالَةِ جَدَّتِي زَهْرَةَ الْقَدِيمَةِ لِتَوْفِيقٍ، وَكَيْفَ كَانَتْ أَمَانَةً ثَمِينَةً حَتَّى بَعْدَ عُقُودٍ.”
“بِالضَّبْطِ يَا كَرِيمُ. تَعَلَّمْتُ مِنْ أُمِّي أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةَ بِصِدْقٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُقْرَأْ فَوْرًا، تَحْمِلُ قِيمَةً تَدُومُ أَطْوَلَ مِنْ أَيِّ حَدِيثٍ عَابِرٍ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ رَأَيْتُ كَيْفَ تَتَشَعَّبُ رِحْلَةُ عَائِلَتِنَا إِلَى مَسَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَغَنِيَّةٍ: هَانْزُ يَجِدُ هُوِيَّتَهُ الْمُزْدَوِجَةَ عَبْرَ الْمُوسِيقَى، بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ أُخْتِهِ لَكِنْ بِالْعُمْقِ نَفْسِهِ؛ وَابْنَةُ رِيمَا تَبْدَأُ مَسِيرَةً طِبِّيَّةً أَلْهَمَتْهَا تَجْرِبَةُ جَدِّهَا الصِّحِّيَّةُ؛ وَأَبِي، فِي حِكْمَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، يَبْدَأُ بِكِتَابَةِ رَسَائِلَ سَتَحْمِلُ صَوْتَهُ وَحِكْمَتَهُ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، حَتَّى بَعْدَ رَحِيلِهِ يَوْمًا مَا. أَدْرَكْتُ أَنَّ الْإِرْثَ الْحَقِيقِيَّ لِعَائِلَتِنَا لَمْ يَعُدْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْحِكَايَاتِ الشَّفَهِيَّةِ الْمُتَنَاقَلَةِ، بَلِ امْتَدَّ لِيَشْمَلَ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ التَّعْبِيرِ: كِتَابٌ، وَمُوسِيقَى، وَرَسَائِلُ مَكْتُوبَةٌ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَرِيقَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لِتَخْلِيدِ الْجَوْهَرِ نَفْسِهِ: الصِّدْقُ، وَالْمَحَبَّةُ، وَالشَّجَاعَةُ عَلَى أَنْ نَكُونَ أَنْفُسَنَا الْحَقِيقِيَّةَ.”


الفصل الخامس والخمسون
فِي لَيْلَةٍ شِتْوِيَّةٍ بَارِدَةٍ، وَبَعْدَ سِنِينَ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ الصِّحِّيِّ النِّسْبِيِّ، أُصِيبَ غَسَّانُ بِنَوْبَةٍ قَلْبِيَّةٍ أَكْثَرَ خُطُورَةً مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. أَسْرَعَتْ بِهِ سَلْمَى إِلَى الْمُسْتَشْفَى، حَيْثُ خَضَعَ لِعَمَلِيَّةِ قَسْطَرَةٍ عَاجِلَةٍ أَنْقَذَتْ حَيَاتَهُ، لَكِنَّهَا تَرَكَتْهُ فِي حَالَةِ ضَعْفٍ تَسْتَدْعِي فَتْرَةَ نَقَاهَةٍ طَوِيلَةً.
اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِكَرِيمٍ فَوْرًا، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ مِنَ الْخَوْفِ: “كَرِيمُ، أَبُوكَ فِي الْمُسْتَشْفَى، الْوَضْعُ خَطِيرٌ جِدًّا هَذِهِ الْمَرَّةَ.”
سَافَرَ كَرِيمٌ فَوْرًا مِنْ مِيُونِخَ، تَارِكًا لِينَا وَالْأَطْفَالَ خَلْفَهُ مُؤَقَّتًا، بَيْنَمَا بَدَأَ زِيَادٌ بِدَوْرِهِ التَّرْتِيبَ لِرِحْلَةٍ عَاجِلَةٍ مِنْ أَلْمَانْيَا أَيْضًا. اجْتَمَعَتِ الْعَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا خِلَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ حَوْلَ سَرِيرِ غَسَّانَ فِي الْمُسْتَشْفَى: كَرِيمٌ وَزِيَادٌ، رِيمَا وَكَمَالٌ وَابْنَتُهُمَا، فُؤَادٌ وَنَجَاةُ، حَتَّى سَامِرٌ الّذَي سَافَرَ مِنْ هُولَنْدَا بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ.
اسْتَيْقَظَ غَسَّانُ بَعْدَ الْعَمَلِيَّةِ، ضَعِيفًا لَكِنْ وَاعِيًا، وَابْتَسَمَ بِضَعْفٍ حِينَ رَأَى كُلَّ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمُحِبَّةِ حَوْلَهُ: ” مَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ كُلَّ هَذَا التَّجَمُّعِ بِسَبَبِي. أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ أَزْعَجْتُكُمْ جَمِيعًا.”
قَالَ كَرِيمٌ، مُمْسِكًا بِيَدِ أَبِيهِ بِقُوَّةٍ: “أَبِي، أَبَدًا لَا تُزْعِجُنَا. نَحْنُ هُنَا لِأَنَّكَ أَهَمُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِنَا.”
——–
خِلَالَ أَيَّامِ النَّقَاهَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْمُسْتَشْفَى ثُمَّ فِي الْمَنْزِلِ، تَحَدَّثَ غَسَّانُ مَعَ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ بِعُمْقٍ وَوُضُوحٍ أَكْبَرَ، مُدْرِكًا هَشَاشَةَ الْحَيَاةِ بِشَكْلٍ مَلْمُوسٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
قَالَ لِسَامِرٍ، الَّذَيْ حَضَرَ بِجَانِبِ سَرِيرِهِ: “سَامِرُ، أَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ كَبِيرٍ أَنَّكَ هُنَا. رَغْمَ كُلِّ التَّعْقِيدِ، فِيهَا مَحَبَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَهَذَا أَهَمُّ شَيْءٍ فِي النِّهَايَةِ.”
قَالَ لِفُؤَادٍ: “فُؤَادُ، أَخِي، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَنَحْنُ مَعًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، بِخَيْرِهَا وَشَرِّهَا. شُكْرًا لَكَ لِأَنَّكَ كُنْتَ بِجَانِبِي دَائِمًا، حَتَّى فِي أَصْعَبِ لَحَظَاتِ تَغَيُّرِنَا.”
عِنْدَمَا جَلَسَ مَعَ كَرِيمٍ وَحْدَهُمَا، قَالَ غَسَّانُ بِصِدْقٍ عَمِيقٍ: “كَرِيمُ، هَذِهِ النَّوْبَةُ ذَكَّرَتْنِي أَنَّ الْوَقْتَ مَحْدُودٌ، مَهْمَا شَعَرْنَا أَنَّ عِنْدَنَا وَقْتًا كَافِيًا. أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي مُمْتَنٌّ جِدًّا لِكُلِّ رِحْلَتِنَا مَعًا، مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ عُدْتَ فِيهَا إِلَى الْآنَ.”
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ: “أَبِي، وَأَنَا مُمْتَنٌّ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ. أَنْتَ عَلَّمْتَنِي مَعْنَى الشَّجَاعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ: لَيْسَتْ غِيَابَ الْخَوْفِ، بَلْ مُوَاجَهَتَهُ رَغْمَ وُجُودِهِ.”
————-
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ النَّقَاهَةِ الدَّقِيقَةِ، بَدَأَتْ صِحَّةُ غَسَّانَ تَتَحَسَّنُ تَدْرِيجِيًّا، لَكِنَّ الطَّبِيبَ أَوْصَى هَذِهِ الْمَرَّةَ بِتَقْلِيصٍ كَبِيرٍ فِي نَشَاطِهِ، بِمَا فِي ذَلِكَ التَّخَلِّي شِبْهِ الْكَامِلِ عَنْ إِدَارَةِ الْمَحَلِّ التِّجَارِيِّ.
بَعْدَ نِقَاشٍ عَائِلِيٍّ طَوِيلٍ، تَقَرَّرَ أَنْ يَتَوَلَّى زِيَادٌ، الَّذِي انْتَقَلَ مُؤَقَّتًا مَعَ غِرِيتَا وَابْنِهِمَا الصَّغِيرِ لِلْعَيْشِ فِي سُورِيَا فَتْرَةً، إِدَارَةَ الْمَحَلِّ بِشَكْلٍ كَامِلٍ، بَيْنَمَا يَتَفَرَّغُ غَسَّانُ أَخِيرًا لِلرَّاحَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِوَقْتِهِ مَعَ أَحْفَادِهِ وَكِتَابَةِ رَسَائِلِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ لَهُمْ.
قَالَ غَسَّانُ لِزِيَادٍ، بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ: “زِيَادُ، مَا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنِّي سَأُسَلِّمُكَ الْمَحَلَّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، لَكِنِّي، مُرْتَاحٌ كَثِيرًا لِأَنَّهُ فِي أَيْدٍ أَمِينَةٍ.”
ابْتَسَمَ زِيَادٌ: “أَبِي، تَشَرَّفْتُ أَنِّي أُكْمِلُ الْمَسِيرَةَ الَّتِي بَنَيْتَهَا، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَضْمَنُ رَاحَتَكَ وَصِحَّتَكَ.”
قَرَّرَتِ الْعَائِلَةُ أَيْضًا تَنْظِيمَ جَدْوَلِ زِيَارَاتٍ أَكْثَرَ انْتِظَامًا، بِحَيْثُ يَزُورُ كَرِيمٌ وَلِينَا وَأَطْفَالُهُمَا سُورِيَا مَرَّتَيْنِ سَنَوِيًّا عَلَى الْأَقَلِّ، بَدَلَ زِيَارَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ، مُدْرِكِينَ أَنَّ الْوَقْتَ الْمُتَبَقِّيَ مَعَ غَسَّانَ، مَهْمَا طَالَ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاشَ بِحُضُورٍ أَكْبَرَ وَأَعْمَقَ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ أَبُوهُ أَخِيرًا فِي الْمَنْزِلِ بِصِحَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ نِسْبِيًّا:
“الْيَوْمَ وَاجَهْنَا كَعَائِلَةٍ تَذْكِيرًا قَاسِيًا بِهَشَاشَةِ الْحَيَاةِ، لَكِنَّنَا وَاجَهْنَاهُ، كَمَا تَعَلَّمْنَا طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ، بِتَكَاتُفٍ وَصِدْقٍ حَقِيقِيَّيْنِ. رَأَيْتُ أَبِي، فِي لَحْظَةِ ضَعْفِهِ الْجَسَدِيِّ، يُظْهِرُ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعَاطِفِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ: صَادِقًا مَعَ مَشَاعِرِهِ، مُمْتَنًّا لِرِحْلَتِهِ، وَوَاثِقًا مِنْ أَنَّ الْإِرْثَ الَّذِي بَنَاهُ مَعَ عَائِلَتِهِ سَيَسْتَمِرُّ بِأَمَانٍ فِي أَيْدِي الْجِيلِ التَّالِي. أَدْرَكْتُ أَنَّ مُوَاجَهَةَ هَشَاشَةِ الْحَيَاةِ، حِينَ تُوَاجَهُ بِصِدْقٍ وَمَحَبَّةٍ مُتَبَادَلَيْنِ، لَا تَجْلِبُ الْخَوْفَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا وُضُوحًا عَمِيقًا حَوْلَ مَا يُهِمُّ فِعْلًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْقَصِيرَةِ: لَيْسَ الْإِنْجَازَاتِ الْمَادِّيَّةَ أَوْ حَتَّى الصِّحَّةَ نَفْسَهَا، بَلْ جَوْدَةَ الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي نَبْنِيهَا وَنُحَافِظُ عَلَيْهَا بِصِدْقٍ مُسْتَمِرٍّ.”


الفصل السادس والخمسون – الأَخِيرُ
مَرَّتْ خَمْسُ سِنِينَ أُخْرَى، هَادِئَةٌ فِي ظَاهِرِهَا، حَافِلَةٌ فِي بَاطِنِهَا بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ الْحَيَاةُ مِنْ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ تَصْنَعُ، مَجْتَمِعَةً، مَعْنَى الْعُمْرِ. وَجَاءَ صَبَاحٌ رَبِيعِيٌّ صَافٍ، اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ: بَيْتِ غَسَّانَ وَسَلْمَى الْقَدِيمِ، الَّذِي ظَلَّ، رَغْمَ كُلِّ مَا تَغَيَّرَ، مَرْكَزَ الْجَاذِبِيَّةِ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ كُلُّ الْقِصَصِ.
كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ زِفَافَ زَهْرَةَ، ابْنَةِ كَرِيمٍ وَلِينَا، الَّتِي كَبُرَتْ لِتُصْبِحَ امْرَأَةً تَحْمِلُ اسْمَ جَدَّتِهَا وَرُوحَهَا مَعًا: فُضُولٌ لَا يَهْدَأُ، وَشَجَاعَةٌ عَلَى طَرْحِ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي يَتَهَيَّبُهَا كَثِيرُونَ. اخْتَارَتْ زَهْرَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي الْبَيْتِ نَفْسِهِ الَّذِي وُلِدَتْ فِيهِ حِكَايَاتُ الْعَائِلَةِ كُلُّهَا، مِنْ رَجُلٍ يُدْعَى يُوسُفَ، أَلْمَانِيٌّ الْأُمِّ، مِصْرِيٌّ الْأَبِ، كَأَنَّ الْحَيَاةَ أَرَادَتْ أَنْ تُذَكِّرَ الْجَمِيعَ أَنَّ خُيُوطَ الِانْتِمَاءِ لَمْ تَعُدْ تُنْسَجُ عَلَى نَوْلٍ وَاحِدٍ.
جَلَسَ غَسَّانُ، الَّذِي تَجَاوَزَ الْآنَ الْخَامِسَةَ وَالسَّبْعِينَ، فِي كُرْسِيِّهِ الْمُفَضَّلِ فِي الْحَدِيقَةِ، أَخَفَّ جِسْمًا مِمَّا كَانَ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ احْتَفَظَتَا بِبَرِيقٍ لَمْ يَخْبُ. أَحَاطَ بِهِ أَحْفَادُهُ: هَانْزُ، الَّذِي صَارَ عَازِفَ عُودٍ مَعْرُوفًا يُحْيِي أُمْسِيَاتٍ تَجْمَعُ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ فِي لَحْنٍ وَاحِدٍ؛ وَابْنَةُ رِيمَا، الَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ طَبِيبَةً شَابَّةً تَعْمَلُ فِي قِسْمِ الْقَلْبِيَّةِ فِي الْمُسْتَشْفَى نَفْسِهِ الَّذِي أُنْقِذَتْ فِيهِ حَيَاةُ جَدِّهَا يَوْمًا؛ وَسَلِيمٌ الصَّغِيرُ، ابْنُ زِيَادٍ وَغِرِيتَا، الَّذِي كَبُرَ لِيَحْمِلَ اسْمَ رَجُلَيْنِ أَحَبَّا بِصِدْقٍ فِي عَائِلَتِهِ.
وَقَفَ كَرِيمٌ، فِي مُنْتَصَفِ الْحَدِيقَةِ، يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِأَكْمَلِهِ: مُنَى وَسَلِيمٌ يَتَبَادَلَانِ حَدِيثًا هَادِئًا مَعَ طَارِقٍ وَمَنَالَ، اللَّذَيْنِ حَضَرَا وَمَعَهُمَا أَحْفَادُهُمَا الْآنَ؛ عَلِيٌّ وَسَنَاءُ يَضْحَكَانِ مَعَ فُؤَادٍ وَنَجَاةَ، وَنَجَاةُ، الَّتِي قَطَعَتْ فِي شَيْخُوخَتِهَا شَوْطًا بَعِيدًا فِي رِحْلَةِ الْقَبُولِ، تَجْلِسُ إِلَى جِوَارِ سَامِرٍ، تُدَاعِبُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ؛ الشَّيْخُ رَاتِبٌ، الَّذِي شَابَتْ لِحْيَتُهُ أَكْثَرَ لَكِنَّ صَوْتَهُ لَمْ يَفْقِدْ ثَبَاتَهُ، يَتَحَدَّثُ بِهُدُوءٍ مَعَ يُوسُفَ عَنِ اخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ وَوَحْدَةِ الْمَعْنَى؛ وَالْخَالَةُ أَمَلُ، الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ يَوْمًا وَلَمْ تَنْدَمْ، تَلْتَقِطُ بِكَامِيرَاتِهَا الْقَدِيمَةِ صُوَرًا لِهَذَا الْيَوْمِ الَّذِي سَتَكْتُبُ عَنْهُ لَاحِقًا فِي كِتَابِهَا الثَّانِي.
اقْتَرَبَتْ لِينَا مِنْ كَرِيمٍ، وَاتَّكَأَتْ عَلَى كَتِفِهِ: “كَرِيمُ، فِيمَ تُفَكِّرُ؟”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ ابْتِسَامَةً بَعِيدَةً: “أُفَكِّرُ، لِينَا، أَنَّ كُلَّ وَجْهٍ فِي هَذِهِ الْحَدِيقَةِ كَانَ يَوْمًا سُؤَالًا صَعْبًا، أَوْ صَمْتًا طَوِيلًا، أَوْ خَوْفًا لَمْ يُقَلْ. وَهَا هُوَ الْيَوْمَ، صَارَ ضِحْكَةً، أَوْ عِنَاقًا، أَوْ طِفْلًا يَلْعَبُ بَيْنَ الْكَرَاسِيِّ.”
فِي لَحْظَةٍ مَا، طَلَبَ غَسَّانُ مِنْ كَرِيمٍ أَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى الْوُقُوفِ، وَتَوَجَّهَ بِخُطًى بَطِيئَةٍ نَحْوَ زَهْرَةَ، الَّتِي كَانَتْ تَقِفُ بِفُسْتَانِ زِفَافِهَا الْأَبْيَضِ، تَنْتَظِرُ بَدْءَ الِاحْتِفَالِ. أَمْسَكَ غَسَّانُ بِيَدِهَا، وَقَالَ لَهَا، بِصَوْتٍ لَمْ يَعُدْ قَوِيًّا كَمَا كَانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ دِفْأَهُ: “زَهْرَةُ، حَمَلْتِ اسْمَ امْرَأَةٍ عَاشَتْ عُمْرَهَا كُلَّهُ صَامِتَةً عَنْ حُبِّهَا الْأَوَّلِ، خَوْفًا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَأَنْتِ، الْيَوْمَ، تَتَزَوَّجِينَ مَنْ اخْتَرْتِهِ، بِصَوْتٍ عَالٍ، أَمَامَ الْجَمِيعِ. أَتَعْرِفِينَ أَيَّ مَسَافَةٍ قَطَعَتْهَا هَذِهِ الْعَائِلَةُ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ؟”
دَمَعَتْ عَيْنَا زَهْرَةَ: “جَدِّي، أَعْرِفُ. وَأَعِدُكَ أَنِّي لَنْ أَنْسَى.”
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الِاحْتِفَالُ وَخَلَتِ الْحَدِيقَةُ إِلَّا مِنْ بَقَايَا الضَّوْءِ وَأَصْدَاءِ الْمُوسِيقَى، جَلَسَ كَرِيمٌ وَحْدَهُ عَلَى الشُّرْفَةِ الَّتِي شَهِدَتْ، قَبْلَ عِقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ، أَوَّلَ حِوَارٍ صَادِقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ. أَخْرَجَ دَفْتَرًا جَدِيدًا، فَقَدْ أَنْهَى مُنْذُ سِنِينَ ذَلِكَ الدَّفْتَرَ الْأَوَّلَ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى كِتَابٍ يَقْرَؤُهُ الْغُرَبَاءُ، وَكَتَبَ:
“الْيَوْمَ زَوَّجْتُ ابْنَتِي فِي الْبَيْتِ الَّذِي عُدْتُ إِلَيْهِ يَوْمًا غَرِيبًا خَائِفًا. جَلَسْتُ أُرَاقِبُ كُلَّ الْوُجُوهِ الَّتِي عَبَرَتْ حَيَاتِي: أَبِي الَّذِي تَعَلَّمَ أَنْ يُحِبَّ دُونَ أَنْ يُسَيْطِرَ، وَأُمِّي الَّتِي وَجَدَتْ صَوْتَهَا بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الصَّمْتِ، وَأُخْتِي الَّتِي كَسَرَتْ قَالَبًا صَاغَهُ لَهَا آخَرُونَ، وَأَخِي الَّذِي حَمَلَ الشُّعْلَةَ بَعْدِي، وَأَصْدِقَاءَ صَارُوا عَائِلَةً، وَعَائِلَةً وَسَّعَتْ تَعْرِيفَهَا حَتَّى ضَمَّتْ مَنْ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا تَتَخَيَّلُ أَنَّهَا سَتَحْتَضِنُهُمْ. أَدْرَكْتُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا فِي هَذَا الْمَسَاءِ، أَنَّ الْغُرْبَةَ الَّتِي هَرَبْتُ مِنْهَا يَوْمًا لَمْ تَكُنْ سِوَى صَمْتٍ مُؤَقَّتٍ فِي حِوَارٍ طَوِيلٍ، حِوَارٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، وَلَنْ يَكْتَمِلَ رُبَّمَا أَبَدًا، لَكِنَّهُ صَارَ الْآنَ حِوَارًا حَقِيقِيًّا، لَا صَمْتًا يُشْبِهُ الْمَوْتَ. لَسْتُ الِابْنَ الْغَرِيبَ بَعْدَ الْيَوْمَ. أَنَا، وَكُلُّ مَنْ فِي هَذِهِ الْحَدِيقَةِ، صِرْنَا أَهْلًا لِبَعْضِنَا، بِكُلِّ اخْتِلَافِنَا، بِكُلِّ مَا كُنَّا نَخْشَاهُ يَوْمًا مِنْ بَعْضِنَا الْبَعْضِ. وَهَذَا، فِي النِّهَايَةِ، كَانَ كُلَّ مَا أَرَدْتُهُ حِينَ عُدْتُ.”
أَغْلَقَ كَرِيمٌ الدَّفْتَرَ، وَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانِ الْغُرُوبِ الْأَخِيرَةِ، وَابْتَسَمَ بِسَلَامٍ لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ.
—————————-

خَاتِمَةٌ


لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فِي جَوْهَرِهَا، عَنْ عَوْدَةِ ابْنٍ إِلَى بَيْتِهِ، بَلْ عَنْ بَيْتٍ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَفْتَحَ أَبْوَابَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
لَقَدْ رَافَقْنَا كَرِيمًا مِنْ لَحْظَةِ الْمُصَافَحَةِ الْبَارِدَةِ الْأُولَى إِلَى لَحْظَةِ الْعِنَاقِ الْأَخِيرِ، وَرَافَقْنَا مَعَهُ غَسَّانَ، الَّذِي كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّمْتَ حِمَايَةٌ فَاكْتَشَفَ أَنَّهُ كَانَ عُزْلَةً؛ وَسَلْمَى، الَّتِي حَمَلَتْ حَسْرَتَهَا سِنِينَ قَبْلَ أَنْ تَجِدَ لَهَا اسْمًا؛ وَزَهْرَةَ الْجَدَّةَ، الَّتِي عَلَّمَتْنَا أَنَّ بَعْضَ الرَّسَائِلِ تَصِلُ وَلَوْ بَعْدَ عُقُودٍ؛ وَمُنَى وَرِيمَا وَأَمَلَ، اللَّوَاتِي أَثْبَتْنَ أَنَّ الْعُمْرَ لَا يُغْلِقُ بَابَ الْبِدَايَاتِ الْجَدِيدَةِ؛ وَفُؤَادَ وَنَجَاةَ، اللَّذَيْنِ عَلَّمَانَا أَنَّ الْحُبَّ قَدْ يَسْبِقُ الْفَهْمَ الْكَامِلَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ لِلْبَدْءِ.
لَمْ نُرِدْ، فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ، أَنْ نُقَدِّمَ عَائِلَةً مِثَالِيَّةً تَجَاوَزَتْ كُلَّ خِلَافَاتِهَا بِيُسْرٍ، بَلْ عَائِلَةً حَقِيقِيَّةً، أَخْطَأَتْ وَأَصَابَتْ، صَمَتَتْ ثُمَّ تَكَلَّمَتْ، خَافَتْ ثُمَّ تَجَرَّأَتْ. فَإِنْ كَانَ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ غَايَةٍ، فَهِيَ أَنْ تُذَكِّرَ كُلَّ قَارِئٍ بِأَنَّ الْغَرِيبَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنْ يَعُودُ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ، بَلْ مَنْ يَجْلِسُ إِلَى مَائِدَةِ أَهْلِهِ دُونَ أَنْ يُقَالَ لَهُ يَوْمًا: “أَخْبِرْنِي، مَاذَا يُوجِعُكَ؟”
وَأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ، مَهْمَا طَالَ صَمْتُهُ، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ إِمْكَانِيَّةَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْكَلَامَ مِنْ جَدِيدٍ.

——— تَمَّتِ الرِّوَايَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ ———

———- نعمــان البربــري ———-
——– فايسخ ام تال – ألمانيا ——–
الأربعاء الواقع في 11 جُمادى الأولى 1443 هــ
الموافق لـ 15 كانون الأول (ديسمبر) 2021 مـ