قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 07

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ السَّابِعُ
فِي أَوَّلِ أَحَدٍ لَهُ فِي أَلْمَانِيَا، اسْتَيْقَظَ جُورْجُ فَرَنْسِيسَ بَاكِرًا، أَيْقَظَتْهُ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ أَعْمَقُ مِنْ أَيِّ مُنَبِّهٍ: عَادَةُ الذَّهَابِ إِلَى الْقُدَّاسِ. اِرْتَدَى قَمِيصَهُ الْأَنِيقَ الْوَحِيدَ الَّذِي أَحْضَرَهُ مَعَهُ مِنْ حَلَبَ، وَنَظَرَ إِلَى مِيرَا الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ نَائِمَةً، وَتَرَدَّدَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُوقِظَهَا.
كَانَتْ كَنِيسَتُهُمْ فِي حَلَبَ، كَنِيسَةُ السَّيِّدَةِ الْعَذْرَاءِ فِي الْحَيِّ الْمَسِيحِيِّ الْقَدِيمِ، قَدْ نَجَتْ بِأُعْجُوبَةٍ مِنَ الْقَصْفِ الَّذِي طَالَ الْأَحْيَاءَ الْمُجَاوِرَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَظَلَّ جُورْجُ يَذْهَبُ إِلَيْهَا كُلَّ أَحَدٍ حَتَّى آخِرِ أُسْبُوعٍ قَضَاهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَأَنَّ ذَهَابَهُ إِلَيْهَا كَانَ تَأْكِيدًا أُسْبُوعِيًّا عَلَى أَنَّ شَيْئًا مَا لَا يَزَالُ قَائِمًا وَسْطَ كُلِّ هَذَا الْخَرَابِ.
قَالَتْ مِيرَا، وَهِيَ تَفْتَحُ عَيْنَيْهَا بِبُطْءٍ: — إِلَى أَيْنَ تُفَكِّرُ أَنْ تَذْهَبَ بِهَذَا الثَّوْبِ الْأَنِيقِ؟ — أُفَكِّرُ فِي أَنْ أَبْحَثَ عَنْ كَنِيسَةٍ قَرِيبَةٍ. سَأَلْتُ أَحَدَ الْمُوَظَّفِينَ أَمْسِ، وَقَالَ إِنَّ هُنَاكَ كَنِيسَةً كَاثُولِيكِيَّةً عَلَى بُعْدِ عَشْرِ دَقَائِقَ مَشْيًا.
جَلَسَتْ مِيرَا فِي السَّرِيرِ، وَابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً فِيهَا حَنِينٌ مُفَاجِئٌ: — كَمِ اشْتَقْتُ لِصَوْتِ الْجَرَسِ يَوْمَ الْأَحَدِ. فِي حَلَبَ، كَانَ جَرَسُ كَنِيسَتِنَا يُوقِظُ الْحَيَّ كُلَّهُ، لَا نَحْنُ فَقَطْ.
• • •
وَصَلَ جُورْجُ وَمِيرَا إِلَى الْكَنِيسَةِ قَبْلَ بِدَايَةِ الْقُدَّاسِ بِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، وَوَقَفَا عِنْدَ الْبَابِ لِلَحْظَةٍ، يَتَأَمَّلَانِ الْمَبْنَى الْحَجَرِيَّ الْقَدِيمَ، بِزَخَارِفِهِ الْمُخْتَلِفَةِ تَمَامًا عَنْ كَنِيسَتِهِمْ فِي حَلَبَ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ الصَّلِيبَ نَفْسَهُ فَوْقَ بَابِهِ، وَالْهُدُوءَ نَفْسَهُ فِي مُحِيطِهِ.
لَاحَظَ جُورْجُ أَنَّ الْمَبْنَى، رَغْمَ قِدَمِهِ الظَّاهِرِ مِنَ الْخَارِجِ، كَانَ شِبْهَ فَارِغٍ مِنَ الدَّاخِلِ: صُفُوفٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْمَقَاعِدِ الْخَشَبِيَّةِ، لَا يَشْغَلُ مِنْهَا سِوَى رُبُعِهَا تَقْرِيبًا، مُعْظَمُ الْحَاضِرِينَ مِنْ كِبَارِ السِّنِّ. تَذَكَّرَ كَنِيسَتَهُ فِي حَلَبَ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ، حِينَ كَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ فِي الْمَمَرَّاتِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَقَاعِدَ كَافِيَةٍ، وَشَعَرَ بِحُزْنٍ غَرِيبٍ لِهَذَا التَّبَايُنِ.
دَخَلَا، وَجَلَسَا فِي صَفٍّ خَلْفِيٍّ، مُحَاطَيْنِ بِوُجُوهٍ أَلْمَانِيَّةٍ لَمْ يَعْرِفَا مِنْهَا أَحَدًا. بَدَأَ الْقُدَّاسُ بِلُغَةٍ لَمْ يَفْهَمَا مِنْهَا سِوَى كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ: «آمِينَ»، وَ«هَلِّلُويَا»، وَأَسْمَاءِ قِدِّيسِينَ يَعْرِفَانِهَا مِنَ التَّرْتِيلِ الْعَرَبِيِّ الْمُخْتَلِفِ كُلِّيًّا فِي لَحْنِهِ وَنَبْرَتِهِ.
هَمَسَتْ مِيرَا فِي أُذُنِ جُورْجَ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ جِدًّا: — الطُّقُوسُ هِيَ نَفْسُهَا تَقْرِيبًا، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ مُخْتَلِفٌ. حَتَّى طَرِيقَةُ وُقُوفِ النَّاسِ، وَطَرِيقَةُ تَنَاوُلِهِمُ الْقُرْبَانَ، أَكْثَرُ صَمْتًا وَانْضِبَاطًا مِمَّا اعْتَدْنَا.
أَوْمَأَ جُورْجُ بِرَأْسِهِ، شَاعِرًا بِغُرْبَةٍ مُضَاعَفَةٍ: غُرْبَةُ اللُّغَةِ، وَغُرْبَةُ الطَّقْسِ دَاخِلَ الْإِيمَانِ الْوَاحِدِ الَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ مَلَاذَهُ الْآمِنَ مِنْ كُلِّ غُرْبَةٍ أُخْرَى.
• • •
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْقُدَّاسِ، اقْتَرَبَ مِنْهُمَا كَاهِنٌ أَلْمَانِيٌّ مُسِنٌّ، بِابْتِسَامَةٍ وَدُودَةٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَهُمَا بِإِنْجِلِيزِيَّةٍ بَسِيطَةٍ: — Welcome. New here?
أَجَابَ جُورْجُ بِإِنْجِلِيزِيَّتِهِ الْمُتَوَاضِعَةِ: — Yes. From Syria. Christians from Aleppo.
أَضَاءَتْ عَيْنَا الْكَاهِنِ، وَأَشَارَ لَهُمَا بِالِانْتِظَارِ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ دَقَائِقَ بِرِفْقَةِ امْرَأَةٍ تَبْدُو فِي الْأَرْبَعِينَ، قَدَّمَهَا عَلَى أَنَّهَا مُتَطَوِّعَةٌ تَتَحَدَّثُ الْعَرَبِيَّةَ.
قَالَتِ الْمَرْأَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ، بِلَهْجَةٍ عِرَاقِيَّةٍ وَاضِحَةٍ: — أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمَا. أَنَا سَلْوَى، مِنَ الْمَوْصِلِ أَصْلًا، لَكِنَّنِي هُنَا مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ. الْأَبُ هَانْس سَعِيدٌ جِدًّا بِوُجُودِكُمَا، وَيَسْأَلُ إِنْ كُنْتُمَا تَحْتَاجَانِ أَيَّ مُسَاعَدَةٍ.
شَعَرَ جُورْجُ بِرَاحَةٍ فَوْرِيَّةٍ لِسَمَاعِ اللَّهْجَةِ الْعَرَبِيَّةِ دَاخِلَ هَذَا الْمَكَانِ الْغَرِيبِ، وَقَالَ: — شُكْرًا جَزِيلًا. نَحْنُ فَقَطْ نَبْحَثُ عَنْ جَمَاعَةٍ، عَنْ أُنَاسٍ نَشْعُرُ مَعَهُمْ أَنَّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا.
ابْتَسَمَتْ سَلْوَى ابْتِسَامَةَ تَفَهُّمٍ عَمِيقٍ: — أَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ جَيِّدًا، صَدِّقْنِي. فِي الْحَقِيقَةِ، تُوجَدُ هُنَا مَجْمُوعَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الْمَسِيحِيِّينَ الشَّرْقِيِّينَ، عِرَاقِيِّينَ وَسُورِيِّينَ وَلُبْنَانِيِّينَ، نَجْتَمِعُ كُلَّ أُسْبُوعٍ بَعْدَ الْقُدَّاسِ مُبَاشَرَةً فِي الْقَاعَةِ الْجَانِبِيَّةِ. لُغَتُنَا فِيهَا عَرَبِيَّةٌ وَسُرْيَانِيَّةٌ وَأَلْمَانِيَّةٌ مَكْسُورَةٌ، لَكِنَّهَا كَافِيَةٌ لِنَشْعُرَ أَنَّنَا بَيْتٌ وَاحِدٌ.
• • •
فِي الْقَاعَةِ الْجَانِبِيَّةِ، اِلْتَقَى جُورْجُ وَمِيرَا بِحَوَالَيْ خَمْسَ عَشْرَةَ عَائِلَةً، بَعْضُهُمْ مِنْ حَلَبَ، وَبَعْضُهُمْ مِنَ الْقَامِشْلِي، وَبَعْضُهُمْ مِنَ الْمَوْصِلِ وَبَغْدَادَ. جَلَسُوا حَوْلَ طَاوِلَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَتَبَادَلُونَ قِصَصَهُمْ بِحَرَارَةِ مَنْ لَمْ يَتَحَدَّثْ بِصَرَاحَةٍ مُنْذُ أَسَابِيعَ.
قَدَّمَتْ سَلْوَى جُورْجَ وَمِيرَا لِعَائِلَةٍ عِرَاقِيَّةٍ جَالِسَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ نَفْسِهَا، فَقَالَتِ الْأُمُّ، وَهِيَ تَصُبُّ الشَّايَ فِي أَكْوَابٍ صَغِيرَةٍ: — نَحْنُ هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا. فِي الْبِدَايَةِ، كُنَّا نَأْتِي إِلَى هَذَا اللِّقَاءِ بَحْثًا عَنِ الطَّعَامِ الْعَرَبِيِّ فَقَطْ، بِصَرَاحَةٍ. لَكِنْ مَعَ الْوَقْتِ، أَصْبَحَ هَذَا الْمَكَانُ أَقْرَبَ إِلَى بَيْتِنَا الْحَقِيقِيِّ مِنْ غُرْفَتِنَا نَفْسِهَا.
سَأَلَتْهَا مِيرَا: — وَهَلِ انْدَمَجْتُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ الْأَلْمَانِيِّ رَغْمَ ذَلِكَ؟
ابْتَسَمَتِ الْمَرْأَةُ: — اِنْدَمَجْنَا، نَعَمْ، لَكِنْ بِطَرِيقَتِنَا الْخَاصَّةِ. أَوْلَادِي يَتَحَدَّثُونَ الْأَلْمَانِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ الْآنَ، وَلَدَيْهِمْ أَصْدِقَاءُ أَلْمَانٌ فِي الْمَدْرَسَةِ، لَكِنَّهُمْ أَيْضًا يَأْتُونَ مَعَنَا كُلَّ أَحَدٍ إِلَى هُنَا، وَيَعْرِفُونَ كُلَّ تَرَانِيمِنَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ. أَظُنُّ أَنَّ الِانْدِمَاجَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ أَنْ نَتَخَلَّى عَمَّا كُنَّاهُ، بَلْ أَنْ نُضِيفَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ نَفْقِدَهُ.
قَالَ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، مِنَ الْقَامِشْلِي، بِلَهْجَةٍ تَحْمِلُ نَكْهَةً كُرْدِيَّةً خَفِيفَةً رَغْمَ أَنَّهُ مَسِيحِيٌّ سُرْيَانِيٌّ: — نَحْنُ، كَمَسِيحِيِّينَ شَرْقِيِّينَ، اعْتَدْنَا أَنْ نَكُونَ أَقَلِّيَّةً أَيْنَمَا ذَهَبْنَا، حَتَّى فِي بِلَادِنَا الْأَصْلِيَّةِ أَحْيَانًا. رُبَّمَا هَذَا مَا يَجْعَلُنَا أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى التَّكَيُّفِ مِنْ غَيْرِنَا، فَقَدْ تَدَرَّبْنَا عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى هُوِيَّتِنَا وَسْطَ بَحْرٍ أَكْبَرَ مِنَّا طَوَالَ قُرُونٍ.
اِسْتَمَعَ جُورْجُ إِلَى هَذِهِ الْأَصْوَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَشَعَرَ بِارْتِيَاحٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ وُصُولِهِ، ارْتِيَاحُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ أُنَاسٍ يَفْهَمُونَ، دُونَ شَرْحٍ طَوِيلٍ، ثِقَلَ مَا يَحْمِلُهُ وَمَا يَخْشَاهُ.
قَالَ رَجُلٌ مُسِنٌّ، قَدَّمَ نَفْسَهُ بِاسْمِ أَبُونَا يُوسُفَ رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَاهِنًا بَلْ مُعَلِّمًا مُتَقَاعِدًا، لُقِّبَ بِهَذَا الِاسْمِ لِحِكْمَتِهِ: — كُلُّ وَاحِدٍ فِينَا هُنَا فَقَدَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا. الْبَعْضُ فَقَدَ بَيْتًا، وَالْبَعْضُ فَقَدَ كَنِيسَةً كَامِلَةً أُحْرِقَتْ، وَالْبَعْضُ فَقَدَ أَقَارِبَ. لَكِنَّنَا جَمِيعًا نُحَاوِلُ أَنْ نَبْنِيَ هُنَا جَمَاعَةً صَغِيرَةً تُشْبِهُ، وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ، مَا تَرَكْنَاهُ وَرَاءَنَا.
سَأَلَتْهُ مِيرَا، بِفُضُولٍ مَمْزُوجٍ بِأَمَلٍ: — وَهَلْ تَشْعُرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ كَافِيَةٌ؟ أَنْ تُعَوِّضَ مَا فَقَدْتُمُوهُ؟
فَكَّرَ أَبُونَا يُوسُفُ قَلِيلًا، بِحِكْمَةِ مَنْ يَعْرِفُ أَلَّا يُجِيبَ بِسُرْعَةٍ عَلَى سُؤَالٍ كَهَذَا: — لَا شَيْءَ يُعَوِّضُ مَا فَقَدْنَاهُ تَمَامًا، يَا ابْنَتِي. لَكِنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ تَمْنَحُنَا شَيْئًا آخَرَ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً: تَمْنَحُنَا مَكَانًا نُذَكِّرُ فِيهِ أَنْفُسَنَا كُلَّ أُسْبُوعٍ بِمَنْ كُنَّا، حَتَّى لَا نَضِيعَ كُلِّيًّا فِي مُحَاوَلَةِ أَنْ نُصْبِحَ شَيْئًا آخَرَ بِالْكَامِلِ.
• • •
فِي الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ، أَصْبَحَ جُورْجُ وَمِيرَا مِنَ الْحُضُورِ الْمُنْتَظِمِينَ لِهَذَا اللِّقَاءِ الْأُسْبُوعِيِّ، وَبَدَآ يَشْعُرَانِ بِجُذُورٍ صَغِيرَةٍ تَنْمُو تَدْرِيجِيًّا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْغَرِيبَةِ. لَكِنَّ مُشْكِلَةً جَدِيدَةً بَدَأَتْ تَلُوحُ فِي الْأُفُقِ، حِينَ أَعْلَنَتْ شَقِيقَةُ جُورْجَ الصُّغْرَى، سَلْوَى فَرَنْسِيسَ (وَهِيَ حَالَةُ تَشَابُهِ أَسْمَاءٍ عَابِرَةٍ مَعَ الْمُتَطَوِّعَةِ الَّتِي عَرَفَاهَا، لَكِنَّ جُورْجَ ابْتَسَمَ حِينَ لَاحَظَ ذَلِكَ، مُعْتَبِرًا إِيَّاهُ إِشَارَةً طَيِّبَةً)، أَنَّهَا تُخَطِّطُ لِلزَّوَاجِ مِنْ شَابٍّ أَلْمَانِيٍّ الْتَقَتْهُ فِي دَوْرَةِ اللُّغَةِ، لَمْ يَكُنْ مَسِيحِيًّا بَلْ مُسْلِمًا.
اسْتَقْبَلَ جُورْجُ الْخَبَرَ بِصَدْمَةٍ وَاضِحَةٍ، وَجَلَسَ مَعَ مِيرَا فِي الْغُرْفَةِ يَتَحَدَّثَانِ بِقَلَقٍ: — كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا؟ عَائِلَتُنَا حَافَظَتْ عَلَى إِيمَانِهَا الْمَسِيحِيِّ عَبْرَ أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ فِي حَلَبَ، رَغْمَ كُلِّ الضُّغُوطِ. هَلْ سَتَكُونُ هِيَ مَنْ تَكْسِرُ هَذَا الْخَطَّ الْآنَ، هُنَا، فِي أَوَّلِ سَنَةٍ لَنَا فِي الْمَنْفَى؟
قَالَتْ مِيرَا بِهُدُوءٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ تَوَتُّرِهِ: — جُورْجُ، نَحْنُ فِي بَلَدٍ مُخْتَلِفٍ كُلِّيًّا الْآنَ. الْقَوَاعِدُ الَّتِي حَكَمَتْ حَيَاتَنَا هُنَاكَ قَدْ لَا تَكُونُ قَابِلَةً لِلتَّطْبِيقِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا هُنَا. رُبَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَمِعَ إِلَيْهَا أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ نَحْكُمَ.
— أَخْشَى أَنْ نَسْتَمِعَ، ثُمَّ نَجِدَ أَنْفُسَنَا مُضْطَرِّينَ لِلْقَبُولِ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ تِلْوَ الْآخَرِ، حَتَّى نَسْتَيْقِظَ يَوْمًا فَنَجِدَ أَنَّ كُلَّ مَا حَاوَلْنَا الْحِفَاظَ عَلَيْهِ قَدْ تَلَاشَى.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مِيرَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِصَرَاحَةٍ لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تَسْتَخْدِمَهَا مَعَهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ: — جُورْجُ، أَنَا أَفْهَمُ خَوْفَكَ، لَكِنَّنِي أَسْأَلُكَ: هَلْ تَخَافُ عَلَى إِيمَانِ سَلْوَى فِعْلًا، أَمْ تَخَافُ عَلَى صُورَتِنَا أَمَامَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي الْتَقَيْنَا بِهَا الْيَوْمَ لِلتَّوِّ؟ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
صَمَتَ جُورْجُ، مُتَفَاجِئًا مِنْ مُبَاشَرَةِ سُؤَالِهَا: — لَا أَعْرِفُ بِصَرَاحَةٍ. رُبَّمَا كِلَاهُمَا مَعًا. أَخْشَى أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ عَائِلَةَ فَرَنْسِيسَ، الَّتِي حَافَظَتْ عَلَى إِيمَانِهَا فِي أَحْلَكِ ظُرُوفِ الْحَرْبِ، فَقَدَتِ ابْنَتَهَا الْأُولَى فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنَ اللُّجُوءِ.
قَالَتْ مِيرَا بِلُطْفٍ: — وَرُبَّمَا، يَا جُورْجُ، هَذَا الْخَوْفُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ هُوَ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ نَتَحَرَّرَ مِنْهُ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ نَطْلُبَ مِنْ سَلْوَى أَنْ تَتَحَرَّرَ مِنِ اخْتِيَارِهَا.
• • •
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ جُورْجُ إِلَى أَبُونَا يُوسُفَ يَطْلُبُ نَصِيحَتَهُ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ يَثِقُ بِرَأْيِهِ خِلَالَ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ.
اسْتَمَعَ أَبُونَا يُوسُفُ إِلَى قِصَّتِهِ بِصَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: — جُورْجُ، أَفْهَمُ خَوْفَكَ تَمَامًا، فَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْخَوْفَ فِي عُيُونِ كَثِيرٍ مِنَ الْآبَاءِ وَالْإِخْوَةِ هُنَا. لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلُكَ سُؤَالًا: هَلْ إِيمَانُكَ أَنْتَ، وَإِيمَانُ عَائِلَتِكَ، مُرْتَبِطٌ بِمَنْ تَتَزَوَّجُهُ شَقِيقَتُكَ، أَمْ بِمَا تَحْمِلُهُ أَنْتَ وَهِيَ فِي قُلُوبِكُمَا مِنْ عَلَاقَةٍ مَعَ اللَّهِ؟
تَوَقَّفَ جُورْجُ، لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ: — لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَفْصِلُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.
قَالَ أَبُونَا يُوسُفُ بِلُطْفٍ: — لَسْتَ مُضْطَرًّا أَنْ تَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسُهُولَةٍ، فَهَذَا سُؤَالٌ يَحْتَاجُ وَقْتًا طَوِيلًا مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّفْكِيرِ. لَكِنِ اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ عَائِلَاتِنَا هُنَا تَمُرُّ بِتَجَارِبَ مُشَابِهَةٍ، وَالْحَلَّ الَّذِي نَجَحَ مَعَ بَعْضِهَا لَمْ يَكُنِ الرَّفْضَ الْقَاطِعَ، بَلِ الْحِوَارَ الْمُسْتَمِرَّ، وَالْبَقَاءَ قَرِيبِينَ مِنْ أَبْنَائِنَا مَهْمَا اخْتَلَفَتْ خِيَارَاتُهُمْ، حَتَّى لَا نَخْسَرَهُمْ كُلِّيًّا فِي سَبِيلِ مَبْدَأٍ قَدْ يَكْسِرُهُمْ دُونَنَا لَا مَعَنَا.
سَأَلَهُ جُورْجُ، بِصِدْقِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ مِثَالٍ حَقِيقِيٍّ لَا نَصِيحَةً نَظَرِيَّةً فَقَطْ: — هَلْ حَدَثَ هَذَا مَعَكَ، يَا أَبُونَا؟ هَلْ وَاجَهْتَ مَوْقِفًا مُشَابِهًا؟
ابْتَسَمَ أَبُونَا يُوسُفُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً قَلِيلًا: — ابْنَتِي تَزَوَّجَتْ مِنْ شَابٍّ أَلْمَانِيٍّ قَبْلَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، لَمْ يَكُنْ مَسِيحِيًّا حِينَ تَزَوَّجَهَا، بَلْ مُلْحِدًا مُعْلَنًا. رَفَضْتُ فِي الْبِدَايَةِ رَفْضًا قَاطِعًا، وَمَنَعْتُهَا مِنْ زِيَارَتِي لِأَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ. كَانَتْ أَقْسَى فَتْرَةٍ فِي حَيَاتِي، أَقْسَى حَتَّى مِنْ فَتْرَةِ الْحَرْبِ نَفْسِهَا. حِينَ عَادَتْ إِلَيَّ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنْ أَلْحَحْتُ أَنَا هَذِهِ الْمَرَّةَ طَالِبًا الصَّفْحَ، أَدْرَكْتُ أَنَّ مَا خَسِرْتُهُ مِنْ وَقْتٍ مَعَهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَهُ أَيُّ مَبْدَأٍ مَهْمَا كَانَ صَحِيحًا فِي ظَاهِرِهِ.
شَعَرَ جُورْجُ بِثِقَلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَسَأَلَ: — وَهَلِ اهْتَدَى زَوْجُهَا لَاحِقًا؟ — لَا، لَمْ يَهْتَدِ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْهَدَفُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ أَسْعَى إِلَيْهِ أَصْلًا. الْهَدَفُ هُوَ أَنْ تَبْقَى ابْنَتِي قَرِيبَةً مِنِّي، تُشَارِكُنِي حَيَاتَهَا وَأُشَارِكُهَا حَيَاتِي، وَأَنْ يَبْقَى بَابِي مَفْتُوحًا لَهَا وَلِأَحْفَادِي، أَيًّا كَانَ الدِّينُ الَّذِي سَيَخْتَارُونَهُ حِينَ يَكْبَرُونَ.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، عَادَ جُورْجُ إِلَى غُرْفَتِهِ، وَطَلَبَ مِنْ شَقِيقَتِهِ سَلْوَى أَنْ تَتَحَدَّثَ مَعَهُ عَلَى انْفِرَادٍ. جَلَسَا فِي الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ، وَالتَّوَتُّرُ وَاضِحٌ عَلَى وَجْهَيْهِمَا.
قَالَ جُورْجُ، بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يُبْقِيَهُ هَادِئًا: — أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ، لَا أَنْ أُحَاكِمَ. لِمَاذَا هَذَا الشَّابُّ بِالذَّاتِ؟
أَجَابَتْ سَلْوَى، بِصِدْقٍ شُجَاعٍ: — لِأَنَّهُ الْوَحِيدُ الَّذِي عَامَلَنِي كَإِنْسَانَةٍ كَامِلَةٍ مُنْذُ وُصُولِي، لَا كَلَاجِئَةٍ يَجِبُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهَا. تَحَدَّثَ مَعِي عَنْ أَحْلَامِي، لَا عَنْ مَأْسَاتِي فَقَطْ. أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا قَدْ يَبْدُو غَرِيبًا لَكَ، لَكِنَّنِي لَمْ أَشْعُرْ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاحْتِرَامِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
صَمَتَ جُورْجُ طَوِيلًا، يَتَأَمَّلُ كَلِمَاتِهَا، ثُمَّ سَأَلَهَا: — وَمَاذَا عَنْ إِيمَانِنَا؟ هَلْ يَحْتَرِمُ اخْتِلَافَكِ الدِّينِيَّ؟ — يَحْتَرِمُهُ تَمَامًا، وَلَمْ يَطْلُبْ مِنِّي يَوْمًا أَنْ أَتَخَلَّى عَنْهُ. اتَّفَقْنَا أَنْ نَحْتَرِمَ إِيمَانَ بَعْضِنَا، وَأَنْ نُرَبِّيَ أَطْفَالَنَا، إِنْ رَزَقَنَا اللَّهُ بِهِمْ، عَلَى مَعْرِفَةِ الدِّيَانَتَيْنِ مَعًا، لِيَخْتَارُوا هُمْ لَاحِقًا بِأَنْفُسِهِمْ حِينَ يَكْبَرُونَ.
سَأَلَهَا جُورْجُ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ لِيُونَةً: — وَهَلْ تَخَافِينَ أَنْتِ مِنْ فُقْدَانِ شَيْءٍ مِنْ نَفْسِكِ فِي هَذِهِ الْعَلَاقَةِ؟
فَكَّرَتْ سَلْوَى قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ: — أَخَافُ أَحْيَانًا، نَعَمْ. أَخَافُ أَنْ يَكْبَرَ أَطْفَالِي وَلَا يَعْرِفُوا مَعْنَى أَنْ يَصُومُوا الصَّوْمَ الْكَبِيرَ كَمَا تَعَلَّمْنَاهُ نَحْنُ، أَوْ أَنْ يُرَتِّلُوا تَرْنِيمَةَ عِيدِ الْمِيلَادِ بِالْعَرَبِيَّةِ كَمَا اعْتَدْنَا. لَكِنَّنِي أَيْضًا أَثِقُ أَنَّنِي، مَا دُمْتُ أَنَا نَفْسِي مُتَمَسِّكَةً بِإِيمَانِي، سَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُلَ شَيْئًا مِنْهُ لَهُمْ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالشَّكْلِ التَّقْلِيدِيِّ الْكَامِلِ الَّذِي عَرَفْنَاهُ فِي حَلَبَ.
نَظَرَ جُورْجُ إِلَى شَقِيقَتِهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ غَضَبَهُ الْأَوَّلَ بَدَأَ يَتَزَحْزَحُ قَلِيلًا أَمَامَ هَذَا الْوُضُوحِ وَالصِّدْقِ: — لَنْ أَعِدَكِ بِأَنَّنِي سَأُوَافِقُ بِسُهُولَةٍ، يَا سَلْوَى. لَكِنَّنِي أَعِدُكِ أَنَّنِي لَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ فِي وَجْهِكِ مَهْمَا كَانَ قَرَارِي النِّهَائِيُّ. أَنْتِ أُخْتِي، قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
أَضَافَ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ: — هَلْ يُمْكِنُ أَنْ أَلْتَقِيَ بِهِ؟ لَا لِأُحَاكِمَهُ، بَلْ لِأَعْرِفَهُ كَمَا تَعْرِفِينَهُ أَنْتِ.
أَشْرَقَ وَجْهُ سَلْوَى فَجْأَةً، وَكَأَنَّ هَذَا الطَّلَبَ الْبَسِيطَ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ أَنْ تَسْمَعَهُ فِي هَذَا الْحِوَارِ: — بِالتَّأْكِيدِ، جُورْجُ. هَذَا كُلُّ مَا كُنْتُ أَتَمَنَّاهُ مِنْكَ، أَنْ تَمْنَحَهُ فُرْصَةً قَبْلَ أَنْ تَحْكُمَ.
اِبْتَسَمَتْ سَلْوَى، وَدُمُوعُهَا تَكَادُ تَنْهَمِرُ، وَعَانَقَتْ أَخَاهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ وُصُولِهِمَا إِلَى أَلْمَانِيَا بِهَذَا الشَّكْلِ الْحَقِيقِيِّ، عِنَاقًا يَحْمِلُ خِلَافًا لَمْ يُحَلَّ بَعْدُ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ أَيْضًا وَعْدًا بِأَلَّا يَتَحَوَّلَ هَذَا الْخِلَافُ إِلَى قَطِيعَةٍ.
دَخَلَتْ مِيرَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ إِلَى الْحَدِيقَةِ، وَرَأَتِ الْمَشْهَدَ مِنْ بَعِيدٍ، فَابْتَسَمَتْ لِنَفْسِهَا ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، مُدْرِكَةً أَنَّ زَوْجَهَا قَطَعَ، رَغْمَ كُلِّ صُعُوبَةِ الطَّرِيقِ، خُطْوَةً أَكْبَرَ مِمَّا بَدَا عَلَيْهَا فِي الْبِدَايَةِ.
• • •
بَعْدَ أُسْبُوعٍ، رَتَّبَتْ سَلْوَى لِقَاءً بَيْنَ جُورْجَ وَخَطِيبِهَا، فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ. جَاءَ جُورْجُ مُتَوَتِّرًا، يَتَوَقَّعُ مُوَاجَهَةً صَعْبَةً، لَكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ شَابٍّ هَادِئٍ، مُهَذَّبٍ، حَرِيصٍ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ انْطِبَاعًا جَيِّدًا دُونَ أَنْ يُبَالِغَ فِي التَّوَدُّدِ.
سَأَلَهُ جُورْجُ مُبَاشَرَةً، بَعْدَ تَبَادُلِ التَّحِيَّاتِ الْأُولَى: — مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ تَارِيخِ عَائِلَتِنَا، وَعَنْ مَا مَرَرْنَا بِهِ فِي حَلَبَ؟
أَجَابَ الشَّابُّ بِجِدِّيَّةٍ: — أَخْبَرَتْنِي سَلْوَى الْكَثِيرَ. أَعْرِفُ أَنَّكُمْ فَقَدْتُمْ أَقَارِبَ، وَأَنَّ كَنِيسَتَكُمْ نَجَتْ بِأُعْجُوبَةٍ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ كَانَ مَصْدَرَ قُوَّةٍ كَبِيرٍ لَكُمْ خِلَالَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ. أَحْتَرِمُ هَذَا التَّارِيخَ كَثِيرًا، حَتَّى لَوْ لَمْ أُشَارِكْهُ دِينِيًّا.
اسْتَمَرَّ الْحِوَارُ قُرَابَةَ السَّاعَةِ، تَحَدَّثَا فِيهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ: عَنِ الْحَرْبِ، وَعَنْ أَلْمَانِيَا، وَعَنْ خُطَطِ الشَّابِّ الْمِهَنِيَّةِ، وَعَنْ رُؤْيَتِهِ لِمُسْتَقْبَلٍ مُشْتَرَكٍ مَعَ سَلْوَى. لَاحَظَ جُورْجُ، رَغْمَ تَحَفُّظِهِ الْمُسْتَمِرِّ، أَنَّ هَذَا الشَّابَّ يَحْمِلُ جِدِّيَّةً وَاحْتِرَامًا حَقِيقِيَّيْنِ، لَا مُجَرَّدَ كَلَامٍ مُعَسَّلٍ لِإِرْضَاءِ أَخٍ قَلِقٍ.
فِي نِهَايَةِ اللِّقَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَهُمَّانِ بِالِانْصِرَافِ، صَافَحَ جُورْجُ الشَّابَّ بِحَرَارَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا كَانَ يَتَوَقَّعُ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ: — لَنْ أُخْفِيَ عَلَيْكَ أَنَّنِي مَا زِلْتُ قَلِقًا. لَكِنَّنِي أَرَى فِي عَيْنَيْكَ احْتِرَامًا حَقِيقِيًّا لِأُخْتِي، وَهَذَا يَكْفِينِي كَبِدَايَةٍ.
اِبْتَسَمَ الشَّابُّ بِامْتِنَانٍ وَاضِحٍ: — هَذَا كُلُّ مَا كُنْتُ أَطْلُبُهُ، سَيِّدَ جُورْجَ. فُرْصَةٌ لِأُثْبِتَ نَفْسِي عَبْرَ الزَّمَنِ، لَا عَبْرَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي لِقَاءٍ أَوَّلَ.
عَادَ جُورْجُ إِلَى الْغُرْفَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَخْبَرَ مِيرَا بِتَفَاصِيلِ اللِّقَاءِ، وَقَالَ فِي خِتَامِ حَدِيثِهِ: — مَا زِلْتُ لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَحْضُرُ الزِّفَافَ بِقَلْبٍ مُرْتَاحٍ تَمَامًا حِينَ يَأْتِي ذَلِكَ الْيَوْمُ، لَكِنَّنِي أَعْرِفُ الْآنَ أَنَّنِي سَأَحْضُرُهُ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِمَّا كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ قَبْلَ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
اِبْتَسَمَتْ مِيرَا، وَقَالَتْ وَهِيَ تَحْتَضِنُهُ: — هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَطْلُبَهُ مِنْ أَنْفُسِنَا فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، يَا جُورْجُ: أَلَّا نَتَحَوَّلَ كُلِّيًّا بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، لَكِنْ أَلَّا نَبْقَى مُتَجَمِّدِينَ فِي مَكَانِنَا أَيْضًا. خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ صَادِقَةٌ فِي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ تَكْفِي لِهَذَا الْأُسْبُوعِ.
فِي الْأَحَدِ التَّالِي، حِينَ ذَهَبَا مَعًا إِلَى الْقُدَّاسِ كَعَادَتِهِمَا، لَاحَظَ جُورْجُ أَنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ وُصُولِهِمَا، بَدَأَ يُمَيِّزُ بَعْضَ الْوُجُوهِ مِنْ حَوْلِهِ: سَلْوَى الْمُتَطَوِّعَةَ الَّتِي ابْتَسَمَتْ لَهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَبُونَا يُوسُفَ الَّذِي لَوَّحَ لَهُ بِيَدِهِ، وَالْعَائِلَةَ الْعِرَاقِيَّةَ الَّتِي شَارَكَتْهُمُ الشَّايَ فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ. شَعَرَ أَنَّ هَذَا الْمَبْنَى الْحَجَرِيَّ الْغَرِيبَ، الَّذِي بَدَا لَهُ فِي الْبِدَايَةِ بَارِدًا وَبَعِيدًا عَنْ كُلِّ مَا عَرَفَهُ، بَدَأَ يَتَحَوَّلُ، بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، إِلَى مَكَانٍ يُشْبِهُ، وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ، ذَلِكَ الْبَيْتَ الَّذِي تَرَكَهُ خَلْفَهُ فِي حَلَبَ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 08


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 06