قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ الثَّامِنُ
وَقَفَتْ رُوناهي أَمَامَ مُوَظَّفِ التَّسْجِيلِ، تُمْسِكُ بِبِطَاقَةِ هُوِيَّتِهَا السُّورِيَّةِ القَدِيمَةِ كَمَنْ يُمْسِكُ بِبَقِيَّةِ ظِلٍّ، بَيْنَمَا رَاحَ الرَّجُلُ يُحَاوِلُ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهَا فِي النِّظَامِ الإِلِكْتْرُونِيِّ الأَلْمَانِيِّ، وَتَتَعَثَّرُ أَصَابِعُهُ عِنْدَ حُرُوفٍ لَمْ يَعْتَدْ لِسَانُهُ عَلَى نُطْقِهَا.
كَانَتْ رُوناهي قَدْ وُلِدَتْ فِي القَامِشْلِي، فِي بَيْتٍ تُتَكَلَّمُ فِيهِ الكُرْدِيَّةُ خَلْفَ البَابِ، وَتُتَكَلَّمُ العَرَبِيَّةُ بِمُجَرَّدِ عُبُورِ العَتَبَةِ، وَفْقَ مُعَادَلَةٍ صَارِمَةٍ وَرِثَهَا كُلُّ أَطْفَالِ جِيلِهَا دُونَ أَنْ يَشْرَحَهَا لَهُمْ أَحَدٌ بِوُضُوحٍ: البَيْتُ لِلُّغَتِكَ الحَقِيقِيَّةِ، وَالشَّارِعُ لِلُّغَةِ الَّتِي تَحْمِيكَ. وَهِيَ وَاقِفَةٌ أَمَامَ هَذَا المُوَظَّفِ، عَادَتْ إِلَيْهَا كُلُّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ الَّتِي أَمْضَتْهَا تَتَنَقَّلُ بَيْنَ هُوِيَّتَيْنِ، كَأَنَّهَا تَرْتَدِي ثَوْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِحَسَبِ المَكَانِ الَّذِي تَقِفُ فِيهِ.
قَالَ المُوَظَّفُ، بَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ عِدَّةٍ:
— كَيْفَ يُنْطَقُ هَذَا الاِسْمُ بِالضَّبْطِ؟ رُونَا-هِي؟
صَحَّحَتْ لَهُ بِابْتِسَامَةٍ صَبُورَةٍ اعْتَادَتْهَا مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ:
— رُو-نَا-هِي. يَعْنِي «النُّورَ» أَوِ «الضِّيَاءَ» بِالكُرْدِيَّةِ.
رَفَعَ المُوَظَّفُ حَاجِبَيْهِ بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ:
— اسْمٌ جَمِيلٌ. أَشَائِعٌ هُوَ فِي سُورِيَا؟
تَرَدَّدَتْ رُوناهي قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
— شَائِعٌ بَيْنَ الأَكْرَادِ السُّورِيِّينَ، نَعَمْ. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا اسْمًا يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَبَ رَسْمِيًّا فِي أَوْرَاقِنَا هُنَاكَ.
تَوَقَّفَ المُوَظَّفُ عَنِ الكِتَابَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِفُضُولٍ:
— مَاذَا تَقْصِدِينَ؟
شَعَرَتْ رُوناهي بِلَحْظَةِ تَرَدُّدٍ، ثُمَّ قَرَّرَتْ أَنْ تَشْرَحَ، وَلَوْ بِاخْتِصَارٍ:
— لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، كَانَتِ القَوَانِينُ السُّورِيَّةُ تَمْنَعُ تَسْجِيلَ الأَسْمَاءِ الكُرْدِيَّةِ فِي الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ. اضْطُرَّتْ عَائِلَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَّا إِلَى تَسْجِيلِ أَبْنَائِهَا بِأَسْمَاءٍ عَرَبِيَّةٍ فِي السِّجِلَّاتِ، بَيْنَمَا يَسْتَخْدِمُونَ الاِسْمَ الكُرْدِيَّ الحَقِيقِيَّ فِي البَيْتِ وَالحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ فَقَطْ. أَنَا مَحْظُوظَةٌ نِسْبِيًّا، لِأَنَّ اسْمِي «رُوناهي» سُجِّلَ رَسْمِيًّا فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، بَعْدَ تَعْدِيلَاتٍ قَانُونِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ، لَكِنَّ أَخِي الأَكْبَرَ لَا يَزَالُ اسْمُهُ الرَّسْمِيُّ مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الاِسْمِ الَّذِي يُنَادُونَهُ بِهِ فِي البَيْتِ.
صَمَتَ المُوَظَّفُ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهُ يَسْتَوْعِبُ هَذِهِ المَعْلُومَةَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ قَالَ:
— إِذَنْ، هَذِهِ هِيَ المَرَّةُ الأُولَى الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا اسْمُكِ الحَقِيقِيُّ رَسْمِيًّا بِلَا أَيِّ تَحَفُّظٍ؟
أَوْمَأَتْ رُوناهي بِرَأْسِهَا، وَشَعَرَتْ بِغُصَّةٍ غَرِيبَةٍ فِي حَلْقِهَا، مَزِيجٍ مِنَ الفَرَحِ وَالحُزْنِ مَعًا:
— نَعَمْ. المَرَّةُ الأُولَى.
أَضَافَتْ، وَهِيَ تُرَاقِبُ المُوَظَّفَ يُكْمِلُ تَسْجِيلَ بَيَانَاتِهَا:
— أَذْكُرُ أَنَّ جَدِّي، رَحِمَهُ اللهُ، ظَلَّ طَوَالَ حَيَاتِهِ يَحْمِلُ بِطَاقَةَ هُوِيَّةٍ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا اسْمٌ عَرَبِيٌّ لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ يَوْمًا وَاحِدًا فِي حَيَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ. تُوُفِّيَ وَهُوَ يَحْمِلُ هُوِيَّةً بِاسْمٍ غَرِيبٍ عَنْهُ تَمَامًا. أُفَكِّرُ فِيهِ الآنَ، وَأَتَمَنَّى لَوْ كَانَ حَيًّا لِيَرَى هَذِهِ اللَّحْظَةَ.
* * *
فِي المَسَاءِ، أَخْبَرَتْ زَوْجَهَا هُوزَان بِمَا حَدَثَ، وَهُمَا جَالِسَانِ فِي الحَدِيقَةِ الخَلْفِيَّةِ لِمَرْكَزِ الإِيوَاءِ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الاِنْفِعَالِ:
— تَخَيَّلْ يَا هُوزَان، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، اسْمِي أَخِيرًا مَكْتُوبٌ فِي وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ دُونَ أَيِّ تَعْدِيلٍ أَوْ تَحْوِيرٍ. شَعَرْتُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِي المُخْتَبِئَةِ طَوَالَ هَذَا العُمْرِ أَصْبَحَ مَرْئِيًّا أَخِيرًا.
ابْتَسَمَ هُوزَان ابْتِسَامَةً مُرَكَّبَةً، فِيهَا فَرَحٌ، لَكِنْ فِيهَا أَيْضًا مَرَارَةٌ قَدِيمَةٌ:
— أَتَمَنَّى لَوْ كَانَ هَذَا قَدْ حَدَثَ فِي بَلَدِنَا، لَا هُنَا. لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ نُغَادِرَ وَطَنَنَا لِنَحْصُلَ عَلَى حَقٍّ بَسِيطٍ كَهَذَا.
قَالَتْ رُوناهي بِحُزْنٍ:
— أَعْرِفُ. لَكِنْ عَلَى الأَقَلِّ حَدَثَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا وَفِي مَكَانٍ بَعِيدٍ.
* * *
بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، وَأَثْنَاءَ تَسْجِيلِ مَوْلُودِهِمَا الجَدِيدِ، طِفْلٍ رُزِقَا بِهِ بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ وُصُولِهِمَا إِلَى أَلْمَانِيَا، نَشَبَ خِلَافٌ بَيْنَهُمَا حَوْلَ اخْتِيَارِ الاِسْمِ.
قَالَ هُوزَان، بِحَمَاسَةٍ وَاضِحَةٍ:
— أُرِيدُ أَنْ نُسَمِّيَهُ «دِيَار». اسْمٌ كُرْدِيٌّ أَصِيلٌ، يَعْنِي «الوَطَنَ» أَوِ «الأَرْضَ».
تَرَدَّدَتْ رُوناهي:
— أُحِبُّ الاِسْمَ، لَكِنَّنِي أَخْشَى أَنْ يُوَاجِهَ صُعُوبَةً فِي النُّطْقِ هُنَا، أَوْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلتَّنَمُّرِ بِسَبَبِهِ فِي المَدْرَسَةِ لَاحِقًا.
نَظَرَ إِلَيْهَا هُوزَان بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ:
— أَنْتِ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ النَّاسِ، تَخَافِينَ مِنِ اسْمٍ كُرْدِيٍّ؟ أَنْتِ الَّتِي احْتَفَلْتِ قَبْلَ أَسَابِيعَ فَقَطْ بِأَنَّ اسْمَكِ أَخِيرًا سُجِّلَ رَسْمِيًّا دُونَ تَحْوِيرٍ؟
قَالَتْ رُوناهي، مُحَاوِلَةً أَنْ تَشْرَحَ مَوْقِفَهَا بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ:
— لَيْسَ الأَمْرُ أَنَّنِي أَخْجَلُ مِنْ هُوِيَّتِنَا، يَا هُوزَان. الأَمْرُ أَنَّنِي أُفَكِّرُ فِي مُسْتَقْبَلِ ابْنِنَا هُنَا تَحْدِيدًا، فِي مَدْرَسَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ، بَيْنَ أَطْفَالٍ قَدْ لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَى اسْمِهِ أَوْ خَلْفِيَّتَهُ. أُرِيدُ أَنْ يَفْخَرَ بِاسْمِهِ، لَا أَنْ يُثْقَلَ بِهِ.
قَالَ هُوزَان بِحِدَّةٍ لَمْ تَعْتَدْ عَلَيْهَا مِنْهُ:
— وَأَنَا أُرِيدُهُ أَنْ يَحْمِلَ اسْمًا يُذَكِّرُهُ بِمَنْ هُوَ، وَمِنْ أَيْنَ أَتَى، حَتَّى لَوْ كَبِرَ فِي أَلْمَانِيَا. أَخْشَى أَنْ نَنْسَى نَحْنُ أَنْفُسَنَا هُوِيَّتَنَا الكُرْدِيَّةَ هُنَا، وَسَطَ كُلِّ هَذَا الاِنْفِتَاحِ الجَدِيدِ.
وَقَفَ هُوزَان، وَبَدَأَ يَتَحَدَّثُ بِانْفِعَالٍ مُتَصَاعِدٍ، وَكَأَنَّ المَوْضُوعَ لَامَسَ جُرْحًا أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ اخْتِيَارِ اسْمٍ:
— أَتَعْرِفِينَ كَمْ عَامًا انْتَظَرَ أَبِي أَنْ يَسْمَعَ اسْمَهُ الكُرْدِيَّ الحَقِيقِيَّ يُنَادَى بِهِ فِي مَكَانٍ عَامٍّ دُونَ خَوْفٍ؟ مَاتَ دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقَ لَهُ ذَلِكَ. وَالآنَ، حِينَ تُتَاحُ لَنَا أَخِيرًا حُرِّيَّةُ اخْتِيَارِ اسْمٍ لِابْنِنَا دُونَ قَيْدٍ وَلَا خَوْفٍ مِنْ عِقَابٍ، تَتَرَدَّدِينَ أَنْتِ فِي اسْتِخْدَامِهَا؟
شَعَرَتْ رُوناهي بِالجُرْحِ فِي كَلِمَاتِهِ، لَكِنَّهَا حَاوَلَتْ أَلَّا تَنْجَرَّ إِلَى مُوَاجَهَةٍ حَادَّةٍ:
— أَفْهَمُ أَلَمَكَ يَا هُوزَان، وَأُشَارِكُكَ إِيَّاهُ بِصِدْقٍ. لَكِنَّ حُرِّيَّتَنَا الجَدِيدَةَ هُنَا لَا تَعْنِي أَنْ نَتَجَاهَلَ وَاقِعَ أَنَّ ابْنَنَا سَيَكْبَرُ فِي مُجْتَمَعٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ مُجْتَمَعِ وَالِدِكَ. أُرِيدُ أَنْ أُوَازِنَ بَيْنَ تَكْرِيمِ تَارِيخِنَا وَبَيْنَ حِمَايَةِ طِفْلِنَا مِنْ عِبْءٍ إِضَافِيٍّ لَمْ يَخْتَرْهُ.
خَرَجَ هُوزَان مِنَ الغُرْفَةِ دُونَ أَنْ يُجِيبَ، وَتَرَكَ رُوناهي وَحْدَهَا، تَشْعُرُ بِثِقَلِ الخِلَافِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعًا بِهَذِهِ الحِدَّةِ.
* * *
ذَهَبَ هُوزَان إِلَى حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، حَيْثُ وَجَدَ صَدِيقًا كُرْدِيًّا الْتَقَاهُ فِي الأَسَابِيعِ الأَخِيرَةِ، رَجُلًا فِي السِّتِّينَ يُدْعَى آزَاد، كَانَ نَاشِطًا سِيَاسِيًّا مَعْرُوفًا فِي القَامِشْلِي قَبْلَ أَنْ يَضْطَرَّ لِلْهَرَبِ إِثْرَ مُلَاحَقَاتٍ أَمْنِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ.
جَلَسَ هُوزَان بِجَانِبِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى مَعَ رُوناهي، فَاسْتَمَعَ آزَاد بِصَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ بِحِكْمَةِ الرَّجُلِ الَّذِي خَبِرَ الكَثِيرَ:
— يَا هُوزَان، أَفْهَمُ غَضَبَكَ تَمَامًا، فَقَدْ عِشْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا أُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُنْطَقَ اسْمِي الحَقِيقِيُّ بِصَوْتٍ عَالٍ. لَكِنْ دَعْنِي أُخْبِرْكَ بِشَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ النِّضَالِ: القَضِيَّةُ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي الأَسْمَاءِ وَالرُّمُوزِ، بَلْ فِي كَيْفَ نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا لِيَحْمِلُوا القَضِيَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَا فَقَطْ فِي أَوْرَاقِهِمِ الرَّسْمِيَّةِ.
سَأَلَهُ هُوزَان:
— فَمَاذَا تَقْتَرِحُ إِذَنْ؟
أَجَابَ آزَاد:
— اسْمَعْهُ، لَا تَفْرِضْ عَلَيْهِ رَأْيَكَ بِالقُوَّةِ. زَوْجَتُكَ لَيْسَتْ خَصْمًا لَكَ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ، بَلْ شَرِيكَةً تَحْمِلُ هَمًّا مُخْتَلِفًا قَلِيلًا: هَمَّ حِمَايَةِ طِفْلِكُمَا مِنْ عَالَمٍ قَدْ لَا يَرْحَمُ مَنْ يَبْدُو مُخْتَلِفًا عَنْهُ. كِلَاكُمَا مُحِقٌّ مِنْ زَاوِيَتِهِ، وَالحِكْمَةُ أَنْ تَجِدَا طَرِيقًا يَجْمَعُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ، لَا أَنْ يَنْتَصِرَ أَحَدُكُمَا عَلَى الآخَرِ.
فَكَّرَ هُوزَان فِي كَلَامِ آزَاد طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ غَضَبَهُ بَدَأَ يَخِفُّ تَدْرِيجِيًّا، لِيَحِلَّ مَحَلَّهُ شُعُورٌ بِالخَجَلِ مِنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي غَادَرَ بِهَا الغُرْفَةَ قَبْلَ قَلِيلٍ.
سَأَلَهُ هُوزَان، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا:
— وَأَنْتَ، يَا آزَاد، كَيْفَ رَبَّيْتَ أَبْنَاءَكَ عَلَى القَضِيَّةِ دُونَ أَنْ تُثْقِلَهُمْ بِهَا؟
ابْتَسَمَ آزَاد ابْتِسَامَةً حَزِينَةً بَعْضَ الشَّيْءِ:
— أَبْنَائِي كَبِرَ مُعْظَمُهُمْ فِي أُورُوبَّا أَيْضًا، فِي السُّوَيْدِ تَحْدِيدًا. حَاوَلْتُ فِي البِدَايَةِ أَنْ أَفْرِضَ عَلَيْهِمْ كُلَّ تَفَاصِيلِ النِّضَالِ الَّذِي عِشْتُهُ، وَشَعَرْتُ بِخَيْبَةٍ حِينَ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يَبْتَعِدُ تَدْرِيجِيًّا، لَا لِأَنَّهُمْ لَا يَحْتَرِمُونَ القَضِيَّةَ، بَلْ لِأَنَّهُمْ شَعَرُوا أَنَّهَا تَحَوَّلَتْ إِلَى عِبْءٍ أَكْبَرَ مِنْ طَاقَتِهِمْ فِي مَرْحَلَةٍ كَانُوا يُحَاوِلُونَ فِيهَا فَقَطْ أَنْ يَجِدُوا مَكَانًا لَهُمْ فِي مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ. تَعَلَّمْتُ مُتَأَخِّرًا أَنْ أُفْسِحَ لَهُمْ مَسَاحَةً لِيَخْتَارُوا بِأَنْفُسِهِمْ مَتَى وَكَيْفَ يَحْمِلُونَ هَذَا الإِرْثَ، بَدَلَ أَنْ أَضَعَهُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ بِالقُوَّةِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.
اسْتَمَعَ هُوزَان بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، وَقَالَ:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَخْشَاهُ: أَنْ أُكَرِّرَ خَطَأَكَ نَفْسَهُ دُونَ أَنْ أَدْرِيَ.
قَالَ آزَاد بِحِكْمَةٍ:
— الخَطَأُ لَيْسَ فِي نَقْلِ القَضِيَّةِ، يَا هُوزَان، بَلْ فِي نَقْلِهَا كَثِقْلٍ بَدَلَ أَنْ تُنْقَلَ كَهَدِيَّةٍ. الفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ أَنْ تَقُولَ لِابْنِكَ: يَجِبُ أَنْ تَحْمِلَ هَذَا الإِرْثَ، وَبَيْنَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: هَذَا إِرْثٌ جَمِيلٌ أُقَدِّمُهُ لَكَ، اقْبَلْهُ كَمَا تُرِيدُ وَبِالوَتِيرَةِ الَّتِي تُنَاسِبُكَ.
أَوْمَأَ هُوزَان بِرَأْسِهِ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ سَتَبْقَى مَعَهُ طَوِيلًا، لَيْسَ فَقَطْ فِي قَضِيَّةِ الاِسْمِ، بَلْ فِي كُلِّ قَرَارٍ سَيَتَّخِذُهُ لَاحِقًا بِشَأْنِ تَرْبِيَةِ ابْنِهِ عَلَى هُوِيَّتِهِ المُزْدَوِجَةِ أَوِ الثُّلَاثِيَّةِ.
اسْتَمَرَّ الخِلَافُ أَيَّامًا، دُونَ أَنْ يَصِلَا إِلَى قَرَارٍ نِهَائِيٍّ. فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، طَلَبَتْ رُوناهي مِنْ صَدِيقَةٍ كُرْدِيَّةٍ أُخْرَى، الْتَقَتْهَا فِي دَوْرَةِ اللُّغَةِ، رَأْيًا فِي المَوْضُوعِ.
كَانَتْ هَذِهِ الصَّدِيقَةُ، دِلْشَاد، قَدْ وَصَلَتْ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، وَأَنْجَبَتْ وَرَبَّتْ ثَلَاثَةَ أَطْفَالٍ هُنَا، فَبَدَتْ لِرُوناهي مَصْدَرًا ثَمِينًا لِلْخِبْرَةِ العَمَلِيَّةِ لَا النَّظَرِيَّةِ فَقَطْ.
قَالَتِ الصَّدِيقَةُ، وَهِيَ تُقَدِّمُ لِرُوناهي كُوبًا مِنَ الشَّايِ فِي شَقَّتِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي زَارَتْهَا لِلْمَرَّةِ الأُولَى:
— أَنَا فَهِمْتُ مَخَاوِفَكِ يَا رُوناهي، فَقَدْ مَرَرْتُ بِهَا أَنَا أَيْضًا. لَكِنِ اسْمَحِي لِي أَنْ أُخْبِرَكِ بِمَا تَعَلَّمْتُهُ: أَطْفَالِي حَمَلُوا أَسْمَاءَهُمُ الكُرْدِيَّةَ بِفَخْرٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ، لِأَنَّنَا نَحْنُ الوَالِدَيْنِ عَلَّمْنَاهُمْ مَعْنَاهَا وَقِصَّتَهَا مُنْذُ الصِّغَرِ. المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الاِسْمِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي هَلْ سَيَفْهَمُ الطِّفْلُ قِصَّتَهُ أَمْ لَا.
سَأَلَتْهَا رُوناهي:
— وَهَلْ وَاجَهَ أَطْفَالُكِ صُعُوبَاتٍ فِعْلِيَّةً بِسَبَبِ أَسْمَائِهِمْ فِي المَدْرَسَةِ؟
فَكَّرَتْ دِلْشَاد قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
— بِصَرَاحَةٍ، نَعَمْ، فِي البِدَايَةِ. ابْنِي الأَكْبَرُ، آفَان، عَانَى قَلِيلًا مِنْ صُعُوبَةِ زُمَلَائِهِ فِي نُطْقِ اسْمِهِ أَوَّلَ عَامٍ. لَكِنْ بَدَلَ أَنْ أُخَفِّفَ مِنَ الاِسْمِ أَوْ أُغَيِّرَهُ، عَلَّمْتُهُ أَنْ يَشْرَحَ لِزُمَلَائِهِ مَعْنَاهُ بِفَخْرٍ: «آفَان تَعْنِي الأَمَلَ بِالكُرْدِيَّةِ». تَحَوَّلَ الأَمْرُ مِنْ عِبْءٍ إِلَى قِصَّةٍ يَرْوِيهَا بِفَخْرٍ، وَأَصْبَحَ أَصْدِقَاؤُهُ يَسْأَلُونَهُ عَنْهَا بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ بَدَلَ السُّخْرِيَةِ.
قَالَتْ رُوناهي، مُتَأَثِّرَةً بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ:
— إِذَنِ الأَمْرُ يَعْتَمِدُ عَلَى كَيْفَ نُقَدِّمُ الاِسْمَ لَهُمْ، لَا عَلَى الاِسْمِ نَفْسِهِ؟
أَوْمَأَتْ دِلْشَاد:
— بِالضَّبْطِ. الأَطْفَالُ يَتَبَنَّوْنَ مَوْقِفَ آبَائِهِمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، بِمَا فِي ذَلِكَ مَوْقِفَهُمْ مِنْ أَسْمَائِهِمِ الخَاصَّةِ. إِنْ قَدَّمْتِ الاِسْمَ بِفَخْرٍ وَاعْتِزَازٍ، سَيَحْمِلُهُ ابْنُكُمَا بِالفَخْرِ نَفْسِهِ. وَإِنْ قَدَّمْتِهِ وَكَأَنَّهُ عِبْءٌ يَجِبُ الاِعْتِذَارُ عَنْهُ، سَيَشْعُرُ هُوَ بِذَلِكَ أَيْضًا.
فَكَّرَتْ رُوناهي فِي هَذَا الكَلَامِ طَوِيلًا، وَشَعَرَتْ أَنَّهُ يُلَامِسُ جَوْهَرَ خِلَافِهَا مَعَ هُوزَان: لَمْ يَكُنِ الخِلَافُ حَقًّا حَوْلَ الاِسْمِ بِحَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ تَرْبِيَةِ طِفْلِهِمَا لِيَحْمِلَ هُوِيَّتَهُ دُونَ خَجَلٍ وَدُونَ عِبْءٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
* * *
فِي المَسَاءِ، عَادَتْ إِلَى هُوزَان بِمَوْقِفٍ مُخْتَلِفٍ قَلِيلًا، وَوَجَدَتْهُ قَدْ عَادَ هُوَ الآخَرُ مِنْ حَدِيثِهِ مَعَ آزَاد بِنَظْرَةٍ أَهْدَأَ وَوَجْهٍ أَقَلَّ تَوَتُّرًا مِمَّا غَادَرَ بِهِ الغُرْفَةَ.
قَالَتْ رُوناهي، وَهِيَ تَجْلِسُ بِجَانِبِهِ:
— هُوزَان، أَظُنُّ أَنَّنِي كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الاِسْمِ بَدَلَ أَنْ أَخَافَ مِنْ غِيَابِ القِصَّةِ خَلْفَهُ. إِذَا اخْتَرْنَا اسْمَ «دِيَار»، يَجِبُ أَنْ نَعِدَهُ بِأَنْ نَحْكِيَ لَهُ قِصَّتَهُ بِاسْتِمْرَارٍ: لِمَاذَا اخْتَرْنَاهُ، مَاذَا يَعْنِي، وَمِنْ أَيْنَ أَتَتْ عَائِلَتُهُ.
أَشْرَقَ وَجْهُ هُوزَان:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ أُفَكِّرُ فِيهِ، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ صِيَاغَتَهُ بِهَذَا الوُضُوحِ. نَعَمْ، سَنَحْكِي لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، مُنْذُ أَنْ يَبْدَأَ بِفَهْمِ الكَلَامِ.
أَضَافَ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، بِنَبْرَةِ اعْتِذَارٍ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهَا:
— أَعْتَذِرُ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي غَادَرْتُ بِهَا الغُرْفَةَ اليَوْمَ. لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَكِ بِتِلْكَ الحِدَّةِ. أَدْرَكْتُ مِنْ صَدِيقِي آزَاد أَنَّكِ لَسْتِ خَصْمِي فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ، بَلْ شَرِيكَتِي فِيهَا، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ زَاوِيَتُنَا أَحْيَانًا.
ابْتَسَمَتْ رُوناهي، مُتَأَثِّرَةً بِاعْتِذَارِهِ:
— وَلَا دَاعِيَ لِلاِعْتِذَارِ الطَّوِيلِ، يَا هُوزَان. كِلَانَا يَحْمِلُ خَوْفًا مَشْرُوعًا، فَقَطْ مِنِ اتِّجَاهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. المُهِمُّ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى مَكَانٍ مُشْتَرَكٍ فِي النِّهَايَةِ.
جَلَسَا مَعًا، يَتَنَاقَشَانِ بِحَمَاسَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ تَرْبِيَةِ ابْنِهِمَا عَلَى قِصَّةِ اسْمِهِ: كَيْفَ سَيُخْبِرَانِهِ عَنْ جَدِّهِ الَّذِي حَمَلَ هُوِيَّةً بِلَا اسْمِهِ الحَقِيقِيِّ طَوَالَ حَيَاتِهِ، وَعَنِ القَامِشْلِي الَّتِي وُلِدَا فِيهَا، وَعَنِ اللُّغَةِ الكُرْدِيَّةِ الَّتِي سَيَحْرِصَانِ عَلَى أَنْ يَتَعَلَّمَهَا إِلَى جَانِبِ العَرَبِيَّةِ وَالأَلْمَانِيَّةِ.
قَالَتْ رُوناهي، بِحَمَاسَةٍ جَدِيدَةٍ:
— يُمْكِنُنَا أَنْ نُعَلِّمَهُ أُغْنِيَةً كُرْدِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ جَدَّتِي تُغَنِّيهَا لِي، حَتَّى يَحْمِلَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ صَوْتِهَا أَيْضًا، لَا الاِسْمَ فَقَطْ.
ابْتَسَمَ هُوزَان:
— فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ. وَأَنَا سَأُعَلِّمُهُ بَعْضَ الكَلِمَاتِ الَّتِي كَانَ وَالِدِي يَسْتَخْدِمُهَا، تِلْكَ الَّتِي كَانَ يَهْمِسُ بِهَا فَقَطْ دَاخِلَ جُدْرَانِ بَيْتِنَا، خَوْفًا مِنْ أَيِّ أُذُنٍ قَدْ تَسْمَعُهَا فِي الخَارِجِ.
شَعَرَا كِلَاهُمَا، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدْءِ الخِلَافِ، أَنَّ مَا كَانَ يَبْدُو نِزَاعًا حَوْلَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَحَوَّلَ إِلَى مَشْرُوعٍ مُشْتَرَكٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ: مَشْرُوعِ نَقْلِ ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ إِلَى جِيلٍ جَدِيدٍ، بِأَدَوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ تِلْكَ الَّتِي اسْتُخْدِمَتْ مَعَهُمَا، لَكِنْ بِالحُبِّ وَالحِرْصِ نَفْسَيْهِمَا.
* * *
بَعْدَ أَسَابِيعَ، وَفِي حَفْلِ تَسْجِيلِ المَوْلُودِ الرَّسْمِيِّ، وَقَفَا مَعًا أَمَامَ المُوَظَّفِ نَفْسِهِ الَّذِي سَجَّلَ اسْمَ رُوناهي سَابِقًا، وَطَلَبَا تَسْجِيلَ اسْمِ ابْنِهِمَا: دِيَار.
سَأَلَ المُوَظَّفُ، بِابْتِسَامَةٍ تَذَكَّرَ فِيهَا حَدِيثَهُمَا السَّابِقَ:
— أَهَذَا اسْمٌ كُرْدِيٌّ أَيْضًا؟
أَجَابَتْ رُوناهي بِفَخْرٍ وَاضِحٍ هَذِهِ المَرَّةَ:
— نَعَمْ. يَعْنِي «الوَطَنَ». اِخْتَرْنَاهُ لِأَنَّنَا أَرَدْنَا أَنْ يَحْمِلَ جُزْءًا مِنْ قِصَّتِنَا مَعَهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ.
سَأَلَ المُوَظَّفُ، بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ أَكْثَرَ دِرَايَةً بِخَلْفِيَّتِهِمَا:
— وَهَلْ تَنْوِيَانِ أَنْ يَتَعَلَّمَ اللُّغَةَ الكُرْدِيَّةَ أَيْضًا، إِلَى جَانِبِ العَرَبِيَّةِ وَالأَلْمَانِيَّةِ؟
أَجَابَ هُوزَان بِحَمَاسَةٍ:
— بِالتَّأْكِيدِ. سَيَكْبَرُ بِثَلَاثِ لُغَاتٍ، لَا لُغَتَيْنِ، لِأَنَّنَا نُؤْمِنُ أَنَّ كُلَّ لُغَةٍ يَحْمِلُهَا هِيَ جُزْءٌ إِضَافِيٌّ مِنْ هُوِيَّتِهِ، لَا عِبْءٌ عَلَيْهَا.
ابْتَسَمَ المُوَظَّفُ، وَقَالَ وَهُوَ يُدَوِّنُ مُلَاحَظَةً إِضَافِيَّةً فِي المِلَفِّ:
— هَذَا مَا يُعْجِبُنِي فِي عَمَلِي هُنَا، أَنْ أَرَى كُلَّ يَوْمٍ كَيْفَ تُبْنَى هُوِيَّاتٌ جَدِيدَةٌ مِنْ طَبَقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بَدَلَ أَنْ تُخْتَزَلَ فِي طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
كَتَبَ المُوَظَّفُ الاِسْمَ بِعِنَايَةٍ، وَقَالَ وَهُوَ يُسَلِّمُهُمَا الشَّهَادَةَ:
— اسْمٌ جَمِيلٌ، وَيَحْمِلُ مَعْنًى عَمِيقًا. أَتَمَنَّى لَهُ أَنْ يَجِدَ وَطَنَهُ الخَاصَّ، أَيًّا كَانَ شَكْلُهُ حِينَ يَكْبَرُ.
خَرَجَا مِنَ المَكْتَبِ، وَطِفْلُهُمَا الصَّغِيرُ بَيْنَ ذِرَاعَيْ رُوناهي، وَشَعَرَا لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ وُصُولِهِمَا أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا مِنْ هُوِيَّتِهِمَا القَدِيمَةِ بَدَأَ يَتَجَذَّرُ فِي هَذِهِ الأَرْضِ الجَدِيدَةِ، لَا كَعِبْءٍ يَخَافَانِ مِنْهُ، بَلْ كَجِسْرٍ يَبْنِيَانِهِ بِأَيْدِيهِمَا بَيْنَ مَا كَانَا عَلَيْهِ وَمَا سَيُصْبِحُ عَلَيْهِ ابْنُهُمَا يَوْمًا مَا.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمَا، تَوَقَّفَا عِنْدَ مَقْعَدٍ فِي الحَدِيقَةِ العَامَّةِ، وَجَلَسَا يَتَأَمَّلَانِ طِفْلَهُمَا النَّائِمَ بَيْنَ ذِرَاعَيْ أُمِّهِ.
قَالَ هُوزَان، بِصَوْتٍ هَادِئٍ مَلِيءٍ بِالتَّأَمُّلِ:
— أَتَعْرِفِينَ، رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَعْنِيهِ أَنْ نَبْنِيَ وَطَنًا جَدِيدًا: لَيْسَ أَنْ نَنْسَى القَدِيمَ، وَلَا أَنْ نَرْفُضَ الجَدِيدَ، بَلْ أَنْ نَمْنَحَ أَبْنَاءَنَا أَدَوَاتٍ كَافِيَةً لِيَخْتَارُوا هُمْ، حِينَ يَكْبَرُونَ، أَيَّ جُزْءٍ مِنْ كُلِّ هَذَا سَيَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، وَأَيَّ جُزْءٍ سَيَتْرُكُونَهُ خَلْفَهُمْ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ رُوناهي بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ، وَقَالَتْ:
— رُبَّمَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِنَا، أَشْعُرُ أَنَّنَا لَسْنَا فَقَطْ نَاجِينَ مِنْ شَيْءٍ تَرَكْنَاهُ خَلْفَنَا، بَلْ بُنَاةً لِشَيْءٍ جَدِيدٍ نَصْنَعُهُ بِأَيْدِينَا، حَجَرًا حَجَرًا، لِأَجْلِ دِيَار، وَلِأَجْلِ أَنْفُسِنَا أَيْضًا.
بَقِيَا جَالِسَيْنِ فِي الحَدِيقَةِ العَامَّةِ حَتَّى بَدَأَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الغُرُوبِ، يَتَبَادَلَانِ الحَدِيثَ عَنْ أَحْلَامٍ صَغِيرَةٍ لَمْ يَجْرُؤَا عَلَى التَّفْكِيرِ فِيهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ: بَيْتٌ صَغِيرٌ لَهُ حَدِيقَةٌ، وَمَدْرَسَةٌ جَيِّدَةٌ لِـ«دِيَار»، وَرُبَّمَا، يَوْمًا مَا، زِيَارَةٌ قَصِيرَةٌ إِلَى القَامِشْلِي حِينَ تَسْمَحُ الظُّرُوفُ، لِيُرِيَا ابْنَهُمَا الأَرْضَ الَّتِي حَمَلَتِ اسْمَهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ حَتَّى.
قَالَتْ رُوناهي، وَهِيَ تُرَبِّتُ عَلَى رَأْسِ طِفْلِهَا النَّائِمِ:
— حَتَّى لَوْ لَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نَأْخُذَهُ إِلَى هُنَاكَ يَوْمًا، سَنَأْخُذُ هُنَاكَ إِلَيْهِ، بِالقِصَصِ وَاللُّغَةِ وَالأَغَانِي، حَتَّى يَحْمِلَ «دِيَار» وَطَنَهُ مَعَهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ، لَا كَذِكْرَى بَعِيدَةٍ، بَلْ كَجُزْءٍ حَيٍّ مِنْ نَفْسِهِ.
