قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ
فِي مَسَاءِ أَحَدِ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ، طَرَقَ زِيَادٌ بَابَ غُرْفَةِ عَائِلَةِ مُرَادٍ، حَامِلًا مَعَهُ كِيسًا صَغِيرًا مِنَ الْحَلَوِيَّاتِ الشَّرْقِيَّةِ ابْتَاعَهَا مِنْ مَتْجَرٍ عَرَبِيٍّ افْتُتِحَ حَدِيثًا فِي الْمَدِينَةِ.
كَانَ قَدْ مَرَّ نَحْوَ شَهْرَيْنِ عَلَى أَوَّلِ لِقَاءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَمَّامٍ فِي ذَلِكَ الْمَمَرِّ اللَّيْلِيِّ بِمَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، وَقَدْ تَحَوَّلَتْ صَدَاقَتُهُمَا شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ حَدِيثٍ عَابِرٍ بَيْنَ غَرِيبَيْنِ إِلَى مَا يُشْبِهُ أُخُوَّةً اخْتِيَارِيَّةً نَادِرَةً، مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي يَنْشَأُ أَحْيَانًا بِسُرْعَةٍ مُدْهِشَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَجِدَانِ نَفْسَيْهِمَا فَجْأَةً فِي الْمُنْعَطَفِ ذَاتِهِ مِنَ الْحَيَاةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ مَسَارَيْهِمَا السَّابِقَيْنِ.
فَتَحَتْ لَهُ سَلْمَى الْبَابَ، وَابْتَسَمَتْ بِتَرْحَابٍ:
• أَهْلًا زِيَادُ، تَفَضَّلْ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَأْتِي الْيَوْمَ.
قَالَ زِيَادٌ، وَهُوَ يَدْخُلُ بِابْتِسَامَتِهِ الْمُعْتَادَةِ:
• جِئْتُ لِأَزُورَ صَدِيقِي الْكَاتِبَ، وَلِأَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَكْتُبُ فِعْلًا، لَا يَكْتَفِي بِالْحَدِيثِ عَنِ الْكِتَابَةِ فَقَطْ.
ضَحِكَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يَنْهَضُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَسْتَقْبِلَ صَدِيقَهُ:
• أَكْتُبُ فِعْلًا، تَعَالَ وَاطْمَئِنَّ بِنَفْسِكَ.
مَدَّ هَمَّامٌ يَدَهُ وَصَافَحَ زِيَادًا بِحَرَارَةٍ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْكُرْسِيِّ الْفَارِغِ بِجِوَارِ الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ:
• اجْلِسْ، سَلْمَى تُحَضِّرُ الْعَشَاءَ الْآنَ، وَيَسُرُّنَا أَنْ تَبْقَى مَعَنَا.
• • •
جَلَسَ زِيَادٌ بَيْنَهُمْ، وَشَارَكَ الْعَائِلَةَ حَدِيثًا عَامًّا عَنْ أَخْبَارِ الْأُسْبُوعِ، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ رَهَفَ وَكَرِيمًا عَنْ دِرَاسَتِهِمَا، مُبْدِيًا اهْتِمَامًا حَقِيقِيًّا بِتَفَاصِيلِ حَيَاتِهِمَا، وَهُوَ مَا لَاحَظَتْهُ سَلْمَى وَأَعْجَبَهَا فِيهِ.
سَأَلَ زِيَادٌ كَرِيمًا، بِجِدِّيَّةٍ وُدِّيَّةٍ:
• كَيْفَ تَسِيرُ دِرَاسَتُكَ الْجَامِعِيَّةُ؟ سَمِعْتُ مِنْ وَالِدِكَ أَنَّكَ تَفَوَّقْتَ فِي مَسَارِ التَّسْجِيلِ الْمُعَجَّلِ.
أَجَابَ كَرِيمٌ بِحَمَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ:
• تَسِيرُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ جِدًّا، أُسْتَاذُ زِيَادُ. الْأَلْمَانِيَّةُ صَعْبَةٌ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، لَكِنَّنِي أَتَحَسَّنُ أُسْبُوعًا بَعْدَ أُسْبُوعٍ.
الْتَفَتَ زِيَادٌ إِلَى رَهَفَ:
• وَأَنْتِ يَا رَهَفُ، سَمِعْتُ أَنَّكِ تَدْرُسِينَ اللُّغَةَ أَيْضًا بِحَمَاسَةٍ كَبِيرَةٍ. كَيْفَ تَجِدِينَ التَّجْرِبَةَ؟
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ، وَتَجَنَّبَتِ الْخَوْضَ فِي تَفَاصِيلَ شَخْصِيَّةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي أَمَامَ ضَيْفِ الْعَائِلَةِ:
• تَجْرِبَةٌ جَمِيلَةٌ، أَتَعَلَّمُ كَثِيرًا كُلَّ يَوْمٍ، لَيْسَ فَقَطِ اللُّغَةَ، بَلْ أَشْيَاءَ أُخْرَى عَنْ نَفْسِي أَيْضًا.
ابْتَسَمَ زِيَادٌ ابْتِسَامَةَ تَفَهُّمٍ، وَكَأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ ثَمَّةَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا تَقُولُهُ رَهَفُ صَرَاحَةً، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ، مُحْتَرِمًا خُصُوصِيَّتَهَا.
بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ كَرِيمٌ وَرَهَفُ إِلَى شُؤُونِهِمَا، بَقِيَ زِيَادٌ جَالِسًا مَعَ هَمَّامٍ وَسَلْمَى، وَبَدَأَ حَدِيثًا أَكْثَرَ جِدِّيَّةً.
قَالَ زِيَادٌ، وَهُوَ يَحْتَسِي الشَّايَ الَّذِي أَعَدَّتْهُ سَلْمَى:
• أَخْبَرَنِي هَمَّامٌ عَنِ الرِّوَايَةِ الَّتِي بَدَأَ يَكْتُبُهَا. أَخْبَرَنِي أَنَّهُ اسْتَلْهَمَ شَخْصِيَّاتِهَا مِنْ كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ هُنَا.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَقَالَتْ:
• نَعَمْ، بِمَنْ فِيهِمْ أَنَا وَهُوَ، بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالطَّبْعِ.
ضَحِكَ زِيَادٌ:
• هَذَا مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ. أَتَمَنَّى أَنْ أَقْرَأَهَا يَوْمًا، وَلَوْ لِأَتَأَكَّدَ أَنَّكَ لَمْ تَجْعَلْنِي شَخْصِيَّةً سَيِّئَةَ السُّمْعَةِ فِي الْقِصَّةِ.
• • •
بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَتْ سَلْمَى لِتُحَضِّرَ الْعَشَاءَ، بَقِيَ زِيَادٌ وَهَمَّامٌ وَحْدَهُمَا، وَبَدَأَ حَدِيثٌ أَكْثَرُ عُمْقًا.
قَالَ زِيَادٌ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً مِنْ نَبْرَتِهِ الْمَازِحَةِ الْمُعْتَادَةِ:
• أَتَعْرِفُ يَا هَمَّامُ، حَضَرْتُ الْيَوْمَ اجْتِمَاعًا فِي الْمَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ، يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ عَنْ “نَجَاحِ الِانْدِمَاجِ” لِبَعْضِ الْعَائِلَاتِ السُّورِيَّةِ هُنَا. شَعَرْتُ بِضِيقٍ غَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمُصْطَلَحِ نَفْسِهِ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ، بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
• لِمَاذَا؟
فَكَّرَ زِيَادٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
• لِأَنَّ كَلِمَةَ “انْدِمَاجٍ” تُوحِي وَكَأَنَّ ثَمَّةَ خَطًّا وَاضِحًا يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، نُقْطَةً نِهَائِيَّةً تَشْعُرُ بَعْدَهَا أَنَّكَ “انْدَمَجْتَ” بِالْكَامِلِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَصْبَحَ عَلَى مَا يُرَامُ. لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ، مِنْ وَاقِعِ تَجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةِ، أَنَّ الْأَمْرَ أَشْبَهُ بِمُعَادَلَةٍ لَا تَنْتَهِي أَبَدًا، تَوَازُنٍ مُسْتَمِرٍّ بَيْنَ مَا كُنَّاهُ وَمَا نُصْبِحُ عَلَيْهِ، لَا نُقْطَةَ وُصُولٍ ثَابِتَةً.
أَضَافَ زِيَادٌ، بِحَمَاسَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، وَكَأَنَّ الْمَوْضُوعَ لَامَسَ عَصَبًا حَسَّاسًا فِيهِ:
• وَثَمَّةَ شَيْءٌ آخَرُ يُزْعِجُنِي فِي هَذَا الْخِطَابِ: أَنَّهُ يَضَعُ كُلَّ الْعِبْءِ عَلَيْنَا نَحْنُ، وَكَأَنَّ “الِانْدِمَاجَ” مَسْؤُولِيَّتُنَا وَحْدَنَا، دُونَ أَنْ يُطْرَحَ السُّؤَالُ الْمُقَابِلُ: هَلْ يَنْدَمِجُ الْمُجْتَمَعُ الْمُضِيفُ نَفْسُهُ مَعَنَا بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ؟ هَلْ يَبْذُلُ جُهْدًا مُمَاثِلًا لِيَفْهَمَنَا كَمَا نُطَالَبُ نَحْنُ بِفَهْمِهِ؟
اسْتَمَعَ هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ، وَقَالَ:
• هَذَا يُذَكِّرُنِي بِحَدِيثِنَا الْأَوَّلِ، فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى هُنَا، حِينَ قُلْتَ لِي إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُصْبِحُ شَيْئًا جَدِيدًا، لَكِنْ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.
ابْتَسَمَ زِيَادٌ:
• أَذْكُرُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ جَيِّدًا. مَا زِلْتُ أُؤْمِنُ بِهَذَا، لَكِنَّنِي أُضِيفُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ شَيْئًا آخَرَ: الِانْدِمَاجُ الْحَقِيقِيُّ، إِنْ وُجِدَ أَصْلًا، لَيْسَ تَخَلِّيًا عَنِ الْمَاضِي، وَلَا اسْتِسْلَامًا كَامِلًا لِلْحَاضِرِ الْجَدِيدِ، بَلْ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ تَعِيشَ الِاثْنَيْنِ مَعًا، فِي تَوَتُّرٍ دَائِمٍ، دُونَ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّكَ مُضْطَرٌّ لِحَسْمِ الْمَعْرَكَةِ لِصَالِحِ أَحَدِهِمَا نِهَائِيًّا.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ:
• وَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا التَّوَتُّرَ سَيَخِفُّ يَوْمًا، أَمْ سَيَبْقَى مَعَنَا طَوَالَ حَيَاتِنَا؟
فَكَّرَ زِيَادٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
• أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَخِفُّ فِي شِدَّتِهِ، لَكِنَّهُ لَنْ يَخْتَفِيَ كُلِّيًّا أَبَدًا. سَيَتَحَوَّلُ مِنْ صِرَاعٍ حَادٍّ يَوْمِيٍّ إِلَى نَغْمَةٍ خَلْفِيَّةٍ هَادِئَةٍ، حَاضِرَةٍ دَائِمًا لَكِنَّهَا لَا تُعِيقُ الْحَيَاةَ الْيَوْمِيَّةَ بِنَفْسِ الْقَدْرِ الَّذِي تُعِيقُهَا بِهِ الْآنَ. هَذَا، عَلَى الْأَقَلِّ، مَا يُخْبِرُنِي بِهِ السُّورِيُّونَ الَّذِينَ وَصَلُوا هُنَا مُنْذُ عُقُودٍ، حِينَ أَلْتَقِي بِهِمْ أَحْيَانًا.
• • •
سَأَلَ هَمَّامٌ صَدِيقَهُ سُؤَالًا كَانَ يَشْغَلُهُ مُنْذُ فَتْرَةٍ:
• وَأَنْتَ، يَا زِيَادُ؟ كَيْفَ تَصِفُ حَالَتَكَ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَشْهُرِ هُنَا؟
تَنَهَّدَ زِيَادٌ، وَبَدَا لِلَحْظَةٍ أَكْثَرَ انْكِشَافًا مِنْ عَادَتِهِ السَّاخِرَةِ الْمُعْتَادَةِ:
• أَصِفُ حَالَتِي بِأَنَّنِي رَجُلٌ مُعَلَّقٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مَاضٍ لَا أَسْتَطِيعُ الْعَوْدَةَ إِلَيْهِ، حَاضِرٌ لَا أَشْعُرُ أَنَّنِي أَنْتَمِي إِلَيْهِ بِالْكَامِلِ بَعْدُ، وَمُسْتَقْبَلٌ لَا أَعْرِفُ مَلَامِحَهُ الْحَقِيقِيَّةَ بَعْدُ. أَكْتُبُ عَنْ هَذَا التَّعْلِيقِ كَثِيرًا، لَكِنَّ الْكِتَابَةَ عَنْهُ لَا تُلْغِيهِ، بَلْ تَجْعَلُهُ مُحْتَمَلًا أَكْثَرَ فَقَطْ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ، بِصِدْقٍ:
• وَزَوْجَتُكَ السَّابِقَةُ؟ هَلْ مَا زِلْتَ عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَهَا؟
ابْتَسَمَ زِيَادٌ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً:
• أَحْيَانًا، مِنْ أَجْلِ الْأَوْلَادِ فَقَطْ. لَمْ تَنْجَحْ عَلَاقَتُنَا فِي تَحَمُّلِ ضَغْطِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا. كَانَتْ تَلُومُنِي أَحْيَانًا عَلَى “عِنَادِي” فِي الْكِتَابَةِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي دَفَعَتْنَا لِكُلِّ هَذَا التَّهْجِيرِ، وَأَحْيَانًا كُنْتُ أَلُومُهَا أَنَا عَلَى عَدَمِ فَهْمِهَا لِضَرُورَةِ أَنْ أَكْتُبَ مَا كَتَبْتُهُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعْنَاهُ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ:
• هَلِ اسْتَقَرَّتْ هِيَ أَيْضًا فِي أَلْمَانِيَا؟
أَجَابَ زِيَادٌ:
• لَا، انْتَقَلَتْ إِلَى السُّوَيدِ مَعَ الْأَوْلَادِ، حَيْثُ كَانَ لَهَا أَخٌ اسْتَقَرَّ هُنَاكَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. الْفِرَاقُ الْجُغْرَافِيُّ زَادَ الْأَمْرَ تَعْقِيدًا: صَارَ الْأَوْلَادُ يَكْبُرُونَ بَعِيدًا عَنِّي، يَتَحَدَّثُونَ لُغَةً سُوِيدِيَّةً بَدَأْتُ أَعْجِزُ عَنْ فَهْمِهَا، بَيْنَمَا أَنَا هُنَا أَتَعَلَّمُ الْأَلْمَانِيَّةَ وَحْدِي.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِثِقْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَسَأَلَ بِحَذَرٍ:
• كَمْ مَرَّةً تَرَاهُمْ فِي السَّنَةِ؟
تَنَهَّدَ زِيَادٌ:
• مَرَّتَيْنِ، إِنْ سَارَتِ الْأُمُورُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ. أُحَاوِلُ أَنْ أُعَوِّضَ هَذَا الْغِيَابَ بِمُكَالَمَاتِ فِيدْيُو أُسْبُوعِيَّةٍ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بَدِيلًا حَقِيقِيًّا عَنِ الْحُضُورِ الْفِعْلِيِّ فِي حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ.
قَالَ هَمَّامٌ، بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ:
• هَذَا ثَمَنٌ بَاهِظٌ جِدًّا لِلْمَنْفَى، يَا زِيَادُ. أَشْعُرُ بِالِامْتِنَانِ لِأَنَّ عَائِلَتِي بَقِيَتْ مَعًا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الصِّعَابِ، وَأُدْرِكُ الْآنَ أَكْثَرَ كَمْ أَنَا مَحْظُوظٌ بِهَذَا تَحْدِيدًا.
قَالَ زِيَادٌ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَعِيدَ بَعْضَ خِفَّةِ ظِلِّهِ الْمُعْتَادَةِ:
• لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا صَلِيبُهُ الْخَاصُّ يَحْمِلُهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ، يَا صَدِيقِي. صَلِيبِي أَنَا هُوَ الْمَسَافَةُ عَنْ أَوْلَادِي. صَلِيبُكَ أَنْتَ، إِنْ سَمَحْتَ لِي بِالتَّشْخِيصِ، هُوَ الْمَسَافَةُ عَنْ نَفْسِكَ.
ضَحِكَ هَمَّامٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، مُتَأَثِّرًا بِدِقَّةِ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قَسْوَتِهَا الظَّاهِرَةِ:
• أَظُنُّ أَنَّكَ مُحِقٌّ كَعَادَتِكَ.
سَأَلَهُ زِيَادٌ، بِفُضُولٍ وَدُودٍ:
• هَلْ فَكَّرْتَ يَوْمًا أَنْ تُخْبِرَ سَلْمَى بِكُلِّ تَفَاصِيلِ مَا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ أَنَا وَأَنْتَ؟ عَنْ مَخَاوِفِكَ، عَنْ صَمْتِكَ، عَنْ كُلِّ هَذَا الَّذِي تَكْتُبُهُ فِي دَفْتَرِكَ السِّرِّيِّ؟
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ، مُنْدَهِشًا مِنْ مَعْرِفَةِ زِيَادٍ بِوُجُودِ الدَّفْتَرِ:
• كَيْفَ تَعْرِفُ عَنِ الدَّفْتَرِ؟
ضَحِكَ زِيَادٌ:
• لَاحَظْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ حِينَ تَجْلِسُ وَحْدَكَ فِي الْحَدِيقَةِ لَيْلًا. لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْهُ لِأَنَّنِي احْتَرَمْتُ خُصُوصِيَّتَهُ، لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ الْكُتَّابَ دَائِمًا يَحْمِلُونَ دَفْتَرًا سِرِّيًّا، حَتَّى لَوْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، مُعْتَرِفًا:
• نَعَمْ، لَدَيَّ دَفْتَرٌ أَكْتُبُ فِيهِ أَشْيَاءَ لَمْ أُشَارِكْهَا مَعَ أَحَدٍ، حَتَّى مَعَ سَلْمَى نَفْسِهَا. أَشْيَاءَ عَنْ خَوْفِي، عَنْ تَرَدُّدَاتِي، عَنْ أَجْزَاءٍ مِنْ نَفْسِي لَا أَجْرُؤُ عَلَى إِظْهَارِهَا حَتَّى لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيَّ.
سَأَلَهُ زِيَادٌ بِجِدِّيَّةٍ:
• أَلَا تَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الصَّمْتَ الْمُزْدَوِجَ، الدَّفْتَرَ السِّرِّيَّ وَالصَّمْتَ الْعَلَنِيَّ، يُثْقِلُ عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُخَفِّفُ؟
فَكَّرَ هَمَّامٌ طَوِيلًا فِي هَذَا السُّؤَالِ، الَّذِي لَامَسَ شَيْئًا لَمْ يُوَاجِهْهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ حَتَّى مَعَ نَفْسِهِ:
• رُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ. رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأُشَارِكَ جُزْءًا أَكْبَرَ مِمَّا أَكْتُبُهُ مَعَ سَلْمَى، بَدَلَ أَنْ أُبْقِيَهُ حَبِيسًا بَيْنِي وَبَيْنَ الْوَرَقِ فَقَطْ.
• • •
اسْتَمَعَ هَمَّامٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ، وَقَالَ:
• يُؤْسِفُنِي سَمَاعُ ذَلِكَ. لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّ ثَمَّةَ قُوَّةً غَرِيبَةً فِيكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذَا، قُوَّةً تَجْعَلُكَ قَادِرًا عَلَى مُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَزْمَتِكَ الْخَاصَّةِ.
ضَحِكَ زِيَادٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً مَرِيرَةً:
• رُبَّمَا لِأَنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنْ أَفْصِلَ بَيْنَ حِكْمَتِي الَّتِي أُقَدِّمُهَا لِلْآخَرِينَ، وَبَيْنَ قُدْرَتِي الْفِعْلِيَّةِ عَلَى تَطْبِيقِهَا فِي حَيَاتِي الْخَاصَّةِ. أَنَا جَيِّدٌ فِي تَحْلِيلِ مَشَاكِلِ الْآخَرِينَ، لَكِنَّنِي أَحْيَانًا أَعْمَى تَمَامًا عَنْ حُلُولٍ مُشَابِهَةٍ لِمَشَاكِلِي الْخَاصَّةِ.
قَالَ هَمَّامٌ بِصِدْقٍ:
• رُبَّمَا هَذَا حَالُ كُلِّ الْكُتَّابِ تَقْرِيبًا، يَا زِيَادُ. نَرَى بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ حِينَ نَنْظُرُ مِنَ الْخَارِجِ، وَنَتُوهُ حِينَ نُحَاوِلُ أَنْ نُطَبِّقَ الرُّؤْيَةَ نَفْسَهَا عَلَى أَنْفُسِنَا.
فَكَّرَ زِيَادٌ فِي هَذَا الْكَلَامِ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
• أَتَعْرِفُ، أَحْيَانًا أُفَكِّرُ أَنَّ كِتَابَتِي عَنِ الْآخَرِينَ هِيَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْهَرَبِ مِنْ كِتَابَةِ نَفْسِي. أَسْهَلُ بِكَثِيرٍ أَنْ أُحَلِّلَ مَوْقِفَ أَبِي خَالِدٍ مِنَ الِانْدِمَاجِ، أَوْ أَزْمَةَ فِرَاسٍ الْمِهْنِيَّةَ، مِنْ أَنْ أُوَاجِهَ سُؤَالِي الْخَاصَّ: لِمَاذَا انْهَارَ زَوَاجِي، وَلِمَاذَا لَا أَزَالُ عَاجِزًا عَنْ إِصْلَاحِ مَا تَبَقَّى مِنْهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْوَقْتِ الَّذِي مَضَى؟
اسْتَمَعَ هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ، ثُمَّ سَأَلَهُ بِحَذَرٍ:
• هَلْ فَكَّرْتَ يَوْمًا فِي مُحَاوَلَةِ إِصْلَاحِ الْعَلَاقَةِ، لَا مِنْ أَجْلِ اسْتِعَادَةِ الزَّوَاجِ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ تَحْسِينِ الْعَلَاقَةِ كَوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ؟
فَكَّرَ زِيَادٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
• فَكَّرْتُ فِي ذَلِكَ مِرَارًا. لَكِنَّ كُلَّ مَرَّةٍ أُحَاوِلُ فِيهَا، أَجِدُ نَفْسِي أَعُودُ إِلَى الْأَنْمَاطِ الْقَدِيمَةِ نَفْسِهَا مِنَ اللَّوْمِ الْمُتَبَادَلِ. رُبَّمَا أَحْتَاجُ مُسَاعَدَةَ مُخْتَصٍّ نَفْسِيٍّ، لَا مُجَرَّدَ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ فَقَطْ.
قَالَ هَمَّامٌ، بِتَشْجِيعٍ صَادِقٍ:
• رُبَّمَا هَذِهِ فِكْرَةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُجَرِّبَهَا فِعْلًا، يَا زِيَادُ. رَأَيْتُ إِعْلَانَاتٍ هُنَا عَنِ اسْتِشَارَاتٍ نَفْسِيَّةٍ مَجَّانِيَّةٍ لِلَّاجِئِينَ، بِلُغَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِمَا فِيهَا الْعَرَبِيَّةُ.
أَوْمَأَ زِيَادٌ بِرَأْسِهِ، مُتَأَثِّرًا بِاقْتِرَاحِ صَدِيقِهِ:
• سَأُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ جِدِّيًّا هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا مُجَرَّدَ تَفْكِيرٍ عَابِرٍ كَمَا فَعَلْتُ مِنْ قَبْلُ.
• • •
دَخَلَتْ سَلْمَى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ حَامِلَةً صِينِيَّةَ الْعَشَاءِ، وَسَأَلَتْ وَهِيَ تَضَعُهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ:
• عَمَّ تَتَحَدَّثَانِ بِكُلِّ هَذِهِ الْجِدِّيَّةِ؟
قَالَ زِيَادٌ، وَقَدِ اسْتَعَادَ بَعْضَ خِفَّةِ ظِلِّهِ الْمُعْتَادَةِ:
• كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ الِانْدِمَاجِ، وَعَنِ الْفَشَلِ فِي تَطْبِيقِ نَصَائِحِنَا الْخَاصَّةِ عَلَى أَنْفُسِنَا.
ضَحِكَتْ سَلْمَى:
• هَذَا مَوْضُوعٌ يَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِينَا تَقْرِيبًا، أَظُنُّ.
سَأَلَهَا زِيَادٌ، بِابْتِسَامَةٍ فُضُولِيَّةٍ:
• وَأَنْتِ يَا سَلْمَى، مَا هِيَ نَصِيحَتُكِ الَّتِي لَا تُطَبِّقِينَهَا عَلَى نَفْسِكِ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَتْ بِصِدْقٍ مُبَاغِتٍ:
• أَنْصَحُ رَهَفَ دَائِمًا أَنْ تَثِقَ بِنَفْسِهَا وَتَتَّخِذَ قَرَارَاتِهَا بِجُرْأَةٍ، بَيْنَمَا أَجِدُ نَفْسِي أَنَا نَفْسِي أَتَرَدَّدُ كَثِيرًا قَبْلَ أَيِّ قَرَارٍ يَخُصُّنِي وَحْدِي، خَارِجَ إِطَارِ الْأُسْرَةِ.
قَالَ زِيَادٌ، بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
• إِجَابَةٌ صَادِقَةٌ جِدًّا. يَبْدُو أَنَّ هَذَا الدَّاءَ يَنْتَشِرُ فِي عَائِلَتِكُمْ كُلِّهَا، لَا هَمَّامٌ وَحْدَهُ.
ضَحِكَ الْجَمِيعُ عَلَى هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ، وَجَلَسُوا الثَّلَاثَةُ يَتَنَاوَلُونَ الْعَشَاءَ مَعًا، وَتَحَوَّلَ الْحَدِيثُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى مَوَاضِيعَ أَخَفَّ، عَنْ أَحْوَالِ الْجِيرَانِ، عَنْ أَخْبَارِ الْعَائِلَاتِ الْأُخْرَى فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، عَنْ مُسْتَجَدَّاتِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَنْسِجُ شَيْئًا فَشَيْئًا نَسِيجَ حَيَاتِهِمُ الْجَدِيدَةِ مَعًا.
أَثْنَاءَ الْعَشَاءِ، سَأَلَتْ سَلْمَى زِيَادًا عَنْ رَأْيِهِ فِي فِكْرَةِ الرِّوَايَةِ الَّتِي بَدَأَ هَمَّامٌ يَكْتُبُهَا:
• مَا رَأْيُكَ أَنْتَ، يَا زِيَادُ، بِصِفَتِكَ كَاتِبًا أَيْضًا؟ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اسْتِلْهَامَ قِصَصٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ حَيَاتِنَا هُنَا خِيَارٌ جَيِّدٌ؟
أَجَابَ زِيَادٌ بِحَمَاسَةٍ صَادِقَةٍ:
• أَظُنُّهُ خِيَارًا مُمْتَازًا، بَلْ ضَرُورِيًّا. نَحْنُ نَعِيشُ لَحْظَةً تَارِيخِيَّةً فَرِيدَةً، هِجْرَةً جَمَاعِيَّةً بِهَذَا الْحَجْمِ وَهَذَا التَّنَوُّعِ نَادِرًا مَا وُثِّقَتْ أَدَبِيًّا بِهَذَا الْعُمْقِ مِنْ قَبْلُ، مِنْ شَاهِدِ عِيَانٍ يَعِيشُهَا بِنَفْسِهِ لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ. لَوْ لَمْ يَكْتُبْ هَمَّامٌ هَذِهِ الْقِصَصَ، لَضَاعَتْ تَفَاصِيلُ ثَمِينَةٌ جِدًّا مَعَ الْوَقْتِ، تَفَاصِيلُ لَا تُسَجِّلُهَا الْإِحْصَاءَاتُ وَلَا الْأَخْبَارُ الْعَابِرَةُ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِفَخْرٍ وَاضِحٍ تُجَاهَ زَوْجِهَا:
• هَذَا مَا أُحَاوِلُ أَنْ أُقْنِعَهُ بِهِ أَيْضًا، أَنَّهُ يَقُومُ بِعَمَلٍ مُهِمٍّ، لَا مُجَرَّدَ هِوَايَةٍ شَخْصِيَّةٍ.
• • •
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ زِيَادٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، تَوَقَّفَ عِنْدَ الْبَابِ، وَالْتَفَتَ إِلَى هَمَّامٍ بِجِدِّيَّةٍ أَخِيرَةٍ:
• هَمَّامُ، أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ شَيْئًا. حِينَ تَنْتَهِي مِنْ كِتَابَةِ الْفَصْلِ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنِّي فِي رِوَايَتِكَ، أَرِنِي إِيَّاهُ قَبْلَ أَنْ تَنْشُرَهُ. لَا لِأَنَّنِي أَخْشَى أَنْ تُسِيءَ تَصْوِيرِي، بَلْ لِأَنَّنِي أَثِقُ أَنَّ رُؤْيَتَكَ لِي، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَنْ رُؤْيَتِي لِنَفْسِي، قَدْ تُعَلِّمُنِي شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، مُتَأَثِّرًا بِهَذَا الطَّلَبِ:
• أَعِدُكَ بِذَلِكَ، يَا زِيَادُ. أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ سَيَقْرَأُ ذَلِكَ الْفَصْلَ تَحْدِيدًا.
أَضَافَ زِيَادٌ، وَهُوَ يَرْتَدِي مِعْطَفَهُ اسْتِعْدَادًا لِلْمُغَادَرَةِ:
• وَشَيْءٌ أَخِيرٌ، يَا هَمَّامُ: لَا تَجْعَلْ شَخْصِيَّتِي فِي الرِّوَايَةِ حَكِيمًا مِثَالِيًّا بِلَا عُيُوبٍ. اجْعَلْنِي إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا، بِكُلِّ تَنَاقُضَاتِي: الرَّجُلُ الَّذِي يُقَدِّمُ نَصَائِحَ مُمْتَازَةً لِلْآخَرِينَ بَيْنَمَا يَفْشَلُ فِي تَطْبِيقِهَا عَلَى نَفْسِهِ، الْأَبُ الَّذِي يُحِبُّ أَوْلَادَهُ جُنُونًا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْهُمْ بِحُكْمِ الْجُغْرَافِيَا، الزَّوْجُ السَّابِقُ الَّذِي لَا يَزَالُ يَحْمِلُ لَوْمًا غَيْرَ مَحْلُولٍ تُجَاهَ زَوَاجٍ انْتَهَى. هَذَا أَنَا الْحَقِيقِيُّ، لَا نُسْخَةٌ مُجَمَّلَةٌ مِنِّي.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الطَّلَبِ الصَّادِقِ:
• أَعِدُكَ بِذَلِكَ أَيْضًا. سَأَكْتُبُكَ كَمَا أَرَاكَ فِعْلًا، بِكُلِّ تَعْقِيدِكَ الْإِنْسَانِيِّ الْجَمِيلِ.
غَادَرَ زِيَادٌ، وَبَقِيَ هَمَّامٌ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَابِ لِدَقَائِقَ، يُفَكِّرُ فِي صَدِيقِهِ الَّذِي يَحْمِلُ كُلَّ هَذَا الثِّقَلَ بِابْتِسَامَةٍ سَاخِرَةٍ دَائِمَةٍ، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِوُجُودِهِ فِي حَيَاتِهِ الْجَدِيدَةِ، ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي عَلَّمَهُ، مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ الْقَدَرَ الْوَحِيدَ الْمُتَاحَ، وَأَنَّ السُّخْرِيَّةَ أَحْيَانًا قِنَاعٌ لِأَعْمَقِ أَنْوَاعِ الْحِكْمَةِ.
عَادَ هَمَّامٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، فَوَجَدَ سَلْمَى تَجْمَعُ أَطْبَاقَ الْعَشَاءِ، فَسَاعَدَهَا بِصَمْتٍ لِدَقَائِقَ، ثُمَّ قَالَ فَجْأَةً:
• أَشْعُرُ أَنَّ زِيَادًا أَعْطَانِي اللَّيْلَةَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتُهُ أَنَا لَهُ. حَدِيثُهُ عَنْ أَوْلَادِهِ الْبَعِيدِينَ جَعَلَنِي أُدْرِكُ كَمْ أَنَا مَحْظُوظٌ بِوُجُودِكُمْ جَمِيعًا مَعِي، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ صُعُوبَةِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَقَالَتْ بِحَنَانٍ:
• هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَفْعَلُهُ الصَّدَاقَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ، يَا هَمَّامُ: تَجْعَلُنَا نَرَى نِعَمَنَا الْخَاصَّةَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، مِنْ خِلَالِ مَعْرِفَتِنَا بِمُعَانَاةِ الْآخَرِينَ.
