قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 16

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ
وَصَلَتِ الرِّسَالَةُ الْإِلِكْتْرُونِيَّةُ فِي صَبَاحٍ عَادِيٍّ، لَا يَخْتَلِفُ ظَاهِرِيًّا عَنْ أَيِّ صَبَاحٍ آخَرَ: دَارُ نَشْرٍ أَلْمَانِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، مُتَخَصِّصَةٌ فِي تَرْجَمَةِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ الْمُعَاصِرِ، تَبْحَثُ عَنْ مُتَرْجِمِينَ مُسْتَقِلِّينَ لِلْعَمَلِ عَلَى مَشَارِيعَ قَصِيرَةِ الْأَمَدِ، بَدْءًا بِتَرْجَمَةِ مَجْمُوعَةِ مَقَالَاتٍ لِكُتَّابٍ سُورِيِّينَ شُبَّانٍ.
كَانَ هَمَّامٌ قَدْ بَدَأَ، مُنْذُ أَسَابِيعَ، يَنْشُرُ مَقَالَاتٍ قَصِيرَةً عَلَى مَوْقِعِهِ الشَّخْصِيِّ مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ قَرَارِهِ الَّذِي اتَّخَذَهُ عَقِبَ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ مَعَ زِيَادٍ وَكَرِيمٍ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتُ كَثِيرَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتَلْفِتَ انْتِبَاهَ بَعْضِ الْقُرَّاءِ الْمُهْتَمِّينَ بِالْأَدَبِ السُّورِيِّ الْمُعَاصِرِ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ، كَمَا اتَّضَحَ لَاحِقًا، مُحَرِّرٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْأَلْمَانِيَّةِ الصَّغِيرَةِ نَفْسِهَا.
قَرَأَ هَمَّامٌ الرِّسَالَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَتَالِيَاتٍ، غَيْرَ مُصَدِّقٍ أَنَّ هَذِهِ الْفُرْصَةَ وَصَلَتْ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ، عَبْرَ مَنْشُورٍ رَآهُ زِيَادٌ عَلَى أَحَدِ الْمَوَاقِعِ وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَوْرًا.
اتَّصَلَ بِزِيَادٍ عَلَى الْفَوْرِ:
– هَلْ رَأَيْتَ هَذَا الْإِعْلَانَ؟ دَارُ نَشْرٍ تَبْحَثُ عَنْ مُتَرْجِمِينَ!
أَجَابَ زِيَادٌ بِحَمَاسَةٍ:
– بِالطَّبْعِ رَأَيْتُهُ، وَلِهَذَا أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكَ مُبَاشَرَةً. تَقَدَّمْ فَوْرًا، فَمِثْلُ هَذِهِ الْفُرَصِ لَا تَأْتِي كَثِيرًا.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ، بِتَرَدُّدٍ لَمْ يُفَارِقْهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْحَمَاسَةِ:
– أَلَا تَظُنُّ أَنَّنِي أَفْتَقِرُ لِلْخِبْرَةِ الْكَافِيَةِ فِي التَّرْجَمَةِ تَحْدِيدًا؟ أَنَا كَاتِبٌ، لَا مُتَرْجِمٌ مُحْتَرِفٌ.
قَالَ زِيَادٌ بِحَزْمٍ:
– تَوَقَّفْ عَنْ هَذَا النَّمَطِ مِنَ التَّفْكِيرِ، يَا هَمَّامُ. كُلُّ مُتَرْجِمٍ بَدَأَ يَوْمًا بِلَا خِبْرَةٍ رَسْمِيَّةٍ. الْمُهِمُّ أَنْ تَمْلِكَ حَسَاسِيَّةً تُجَاهَ اللُّغَتَيْنِ، وَأَنْتَ تَمْلِكُ هَذَا بِلَا شَكٍّ. تَقَدَّمْ، وَدَعْهُمْ هُمْ يُقَرِّرُونَ إِنْ كُنْتَ مُؤَهَّلًا أَمْ لَا، لَا أَنْ تُقَرِّرَ أَنْتَ مُسْبَقًا نِيَابَةً عَنْهُمْ بِالرَّفْضِ الذَّاتِيِّ.
أَرْسَلَ هَمَّامٌ سِيرَتَهُ الذَّاتِيَّةَ الْمُخْتَصَرَةَ، مُرْفَقَةً بِنَمَاذِجَ مِنْ كِتَابَاتِهِ الْقَدِيمَةِ، وَانْتَظَرَ بِقَلَقٍ شَدِيدٍ اسْتَمَرَّ أَيَّامًا طَوِيلَةً، يَتَفَقَّدُ بَرِيدَهُ الْإِلِكْتْرُونِيَّ كُلَّ سَاعَةٍ تَقْرِيبًا.
أَخِيرًا، وَصَلَ رَدٌّ يَطْلُبُ مِنْهُ إِجْرَاءَ مُقَابَلَةٍ عَبْرَ الْفِيدْيُو مَعَ مُحَرِّرِ الدَّارِ، رَجُلٍ أَلْمَانِيٍّ يُدْعَى هِيرَ مُولِرَ، مُتَخَصِّصٍ فِي الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ، وَيَتَحَدَّثُ الْعَرَبِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ نِسْبِيَّةٍ اكْتَسَبَهَا مِنْ سَنَوَاتِ دِرَاسَتِهِ وَإِقَامَتِهِ فِي الْقَاهِرَةِ.
فِي يَوْمِ الْمُقَابَلَةِ، جَلَسَ هَمَّامٌ أَمَامَ حَاسُوبِهِ الْمَحْمُولِ، يَرْتَدِي قَمِيصًا أَنِيقًا اسْتَعَارَهُ مِنْ كَرِيمٍ لِأَنَّ مَلَابِسَهُ الْخَاصَّةَ بَدَتْ لَهُ فَجْأَةً غَيْرَ لَائِقَةٍ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمِثْلِ هَذَا اللِّقَاءِ الْمُهِمِّ.
بَدَأَ هِيرَ مُولِرَ الْمُقَابَلَةَ بِابْتِسَامَةٍ وُدِّيَّةٍ:
– شُكْرًا لِوَقْتِكَ، أُسْتَاذُ هَمَّامُ. قَرَأْتُ نَمَاذِجَ مِنْ كِتَابَاتِكَ، وَأَعْجَبَنِي أُسْلُوبُكَ كَثِيرًا. أَخْبِرْنِي، مَا الَّذِي دَفَعَكَ لِتَقْدِيمِ طَلَبٍ لِلْعَمَلِ كَمُتَرْجِمٍ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ خَلْفِيَّتَكَ الْأَسَاسِيَّةَ كَكَاتِبٍ أَصِيلٍ، لَا مُتَرْجِمٍ؟
فَكَّرَ هَمَّامٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
– أَظُنُّ أَنَّ التَّرْجَمَةَ وَالْكِتَابَةَ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ نَاحِيَةِ الْحَاجَةِ الْعَمِيقَةِ لِنَقْلِ مَعْنًى مِنْ لُغَةٍ أَوْ سِيَاقٍ إِلَى آخَرَ. أَنَا فِي الْحَقِيقَةِ أَعِيشُ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ يَوْمِيًّا مُنْذُ وُصُولِي إِلَى أَلْمَانِيَا: أُتَرْجِمُ نَفْسِي بِاسْتِمْرَارٍ، مِنْ رَجُلٍ عَاشَ بِالْعَرَبِيَّةِ طَوَالَ حَيَاتِهِ، إِلَى رَجُلٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ وَيُفْهَمَ بِلُغَةٍ جَدِيدَةٍ كُلِّيًّا عَلَيْهِ.
أَعْجَبَتْ هَذِهِ الْإِجَابَةُ هِيرَ مُولِرَ بِوُضُوحٍ، وَتَابَعَ الْمُقَابَلَةَ بِأَسْئِلَةٍ أَكْثَرَ تَقْنِيَّةً عَنْ خِبْرَةِ هَمَّامٍ فِي التَّرْجَمَةِ تَحْدِيدًا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِلَّتِهَا الْفِعْلِيَّةِ، لَكِنَّهُ أَظْهَرَ فَهْمًا عَمِيقًا لِلْفُرُوقِ الدَّقِيقَةِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وَحَسَاسِيَّةً أَدَبِيَّةً وَاضِحَةً حَتَّى فِي إِجَابَاتِهِ الْمُرْتَجَلَةِ.
سَأَلَهُ هِيرَ مُولِرَ، بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ:
– هَلْ وَاجَهْتَ مِنْ قَبْلُ تَحَدِّيًا فِي تَرْجَمَةِ نَصٍّ أَدَبِيٍّ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَجْرِبَةً غَيْرَ رَسْمِيَّةٍ؟
تَذَكَّرَ هَمَّامٌ فَوْرًا مُحَاوَلَاتِهِ الْأَخِيرَةَ فِي تَرْجَمَةِ بَعْضِ أَشْعَارِهِ الْقَدِيمَةِ إِلَى الْأَلْمَانِيَّةِ، لِمُجَرَّدِ التَّمْرِينِ الشَّخْصِيِّ:
– نَعَمْ، حَاوَلْتُ مُؤَخَّرًا أَنْ أُتَرْجِمَ بَعْضَ قَصَائِدَ قَدِيمَةٍ كَتَبْتُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَوَجَدْتُ التَّحَدِّيَ الْأَكْبَرَ لَيْسَ فِي نَقْلِ الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، بَلْ فِي نَقْلِ الْإِيقَاعِ وَالْمُوسِيقَى الدَّاخِلِيَّةِ لِلنَّصِّ، وَهَذَا شَيْءٌ يَصْعُبُ أَحْيَانًا أَنْ يَجِدَ مُقَابِلًا دَقِيقًا لَهُ فِي لُغَةٍ أُخْرَى.
ابْتَسَمَ هِيرَ مُولِرَ بِإِعْجَابٍ وَاضِحٍ:
– هَذَا بِالضَّبْطِ نَوْعُ الْوَعْيِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ فِي مُتَرْجِمٍ. كَثِيرُونَ يُتَرْجِمُونَ الْكَلِمَاتِ، لَكِنَّ قَلِيلِينَ يُتَرْجِمُونَ الرُّوحَ وَالْإِيقَاعَ.
اسْتَمَرَّتِ الْمُقَابَلَةُ قُرَابَةَ السَّاعَةِ، تَحَدَّثَا خِلَالَهَا عَنِ الْأَدَبِ السُّورِيِّ الْمُعَاصِرِ، عَنْ كُتَّابٍ يُحِبُّهُمَا كِلَاهُمَا، وَعَنْ رُؤْيَةِ هِيرَ مُولِرَ لِدَوْرِهِ فِي تَقْدِيمِ أَصْوَاتٍ عَرَبِيَّةٍ جَدِيدَةٍ لِلْقَارِئِ الْأَلْمَانِيِّ، خَاصَّةً فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ الَّتِي يَتَزَايَدُ فِيهَا اهْتِمَامُ الْجُمْهُورِ الْأَلْمَانِيِّ بِفَهْمِ خَلْفِيَّاتِ اللَّاجِئِينَ الَّذِينَ وَصَلُوا حَدِيثًا إِلَى بِلَادِهِمْ.
فِي نِهَايَةِ الْمُقَابَلَةِ، قَالَ هِيرَ مُولِرَ:
– أُرِيدُ أَنْ أَمْنَحَكَ فُرْصَةً تَجْرِيبِيَّةً: تَرْجَمَةَ ثَلَاثِ مَقَالَاتٍ قَصِيرَةٍ، بِأَجْرٍ مُنَاسِبٍ، وَنَرَى نَتِيجَةَ الْعَمَلِ قَبْلَ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ عَقْدٍ أَطْوَلَ أَمَدًا. هَلْ تُوَافِقُ؟
شَعَرَ هَمَّامٌ بِمَوْجَةِ فَرَحٍ غَامِرَةٍ، وَأَجَابَ بِسُرْعَةٍ:
– بِالتَّأْكِيدِ، أُوَافِقُ فَوْرًا.
عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ، وَأَخْبَرَ سَلْمَى بِالْخَبَرِ، فَاحْتَضَنَتْهُ بِفَرَحٍ صَادِقٍ:
– أَخِيرًا! هَذَا خَبَرٌ رَائِعٌ، يَا هَمَّامُ. أَنْتَ تَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْفُرْصَةَ بِجَدَارَةٍ.
قَالَ هَمَّامٌ، وَقَدْ بَدَأَ الْقَلَقُ يَتَسَلَّلُ إِلَى فَرْحَتِهِ:
– أَخْشَى أَلَّا أَكُونَ كُفْأً بِمَا يَكْفِي. التَّرْجَمَةُ مَهَارَةٌ مُخْتَلِفَةٌ عَنِ الْكِتَابَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَنَا لَمْ أَتَدَرَّبْ عَلَيْهَا بِشَكْلٍ احْتِرَافِيٍّ مِنْ قَبْلُ.
قَالَتْ سَلْمَى بِثِقَةٍ:
– أَنْتَ تُتْقِنُ اللُّغَتَيْنِ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، وَتَمْتَلِكُ حَسَاسِيَّةً أَدَبِيَّةً نَادِرَةً. سَتَتَعَلَّمُ تَفَاصِيلَ الْحِرْفَةِ أَثْنَاءَ الْمُمَارَسَةِ، كَمَا يَتَعَلَّمُ أَيُّ مُتَرْجِمٍ مُبْتَدِئٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِجِدِّيَّةٍ إِضَافِيَّةٍ، وَأَضَافَتْ:
– أَتَذَكَّرُ حِينَ أَخْبَرْتُكَ، بَعْدَ زِيَارَتِي الْأُولَى لِلطَّبِيبَةِ، أَنَّكَ لَسْتَ مُضْطَرًّا أَنْ تَكُونَ كَاتِبًا طَوَالَ الْوَقْتِ؟ رُبَّمَا هَذَا الْعَمَلُ بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ أَقْصِدُهُ: طَرِيقَةٌ جَدِيدَةٌ تَكُونُ فِيهَا نَفْسَكَ، دُونَ أَنْ تَحْمِلَ عِبْءَ تَوَقُّعَاتِكَ الْقَدِيمَةِ عَنْ نَفْسِكَ كَكَاتِبٍ مُكَرَّسٍ فَقَطْ.
فَكَّرَ هَمَّامٌ فِي كَلَامِهَا طَوِيلًا:
– رُبَّمَا أَنْتِ مُحِقَّةٌ. أَشْعُرُ بِخِفَّةٍ غَرِيبَةٍ فِي هَذَا الْعَمَلِ تَحْدِيدًا، لِأَنَّنِي لَا أَحْمِلُ فِيهِ عِبْءَ أَنْ أَكُونَ “عَبْقَرِيًّا” أَوْ “مُبْدِعًا أَصِيلًا”، بَلْ فَقَطْ أَنْ أَكُونَ دَقِيقًا وَأَمِينًا فِي نَقْلِ كَلِمَاتِ كَاتِبٍ آخَرَ. ثَمَّةَ تَوَاضُعٌ فِي هَذَا الدَّوْرِ يُرِيحُنِي بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا.
بَدَأَ هَمَّامٌ الْعَمَلَ عَلَى الْمَقَالَاتِ الثَّلَاثِ بِجِدِّيَّةٍ شَدِيدَةٍ، يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً كُلَّ يَوْمٍ، يُقَارِنُ كُلَّ جُمْلَةٍ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْأَدَقِّ لِكُلِّ تَعْبِيرٍ عَرَبِيٍّ، وَيَسْتَشِيرُ قَامُوسًا بَعْدَ آخَرَ حَتَّى يَشْعُرَ بِالرِّضَا الْكَافِي عَنْ كُلِّ فِقْرَةٍ.
خَصَّصَ لَهُ مَكْتَبُ اسْتِقْبَالِ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ زَاوِيَةً هَادِئَةً قُرْبَ النَّافِذَةِ، بَعْدَ أَنْ لَاحَظَتِ الْمُوَظَّفَةُ الْمَسْؤُولَةُ جِدِّيَّتَهُ فِي الْعَمَلِ، وَسَمَحَتْ لَهُ بِاسْتِخْدَامِ طَاوِلَةٍ إِضَافِيَّةٍ غَيْرِ مُخَصَّصَةٍ عَادَةً لِسُكَّانِ الْمَرْكَزِ. جَلَسَ هَمَّامٌ هُنَاكَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً كُلَّ يَوْمٍ، مُحَاطًا بِقَوَامِيسِهِ الْوَرَقِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي أَحْضَرَهَا مِنْ دِمَشْقَ، وَتَطْبِيقَاتِ التَّرْجَمَةِ عَلَى هَاتِفِهِ، وَمُلَاحَظَاتٍ مَكْتُوبَةٍ بِخَطِّ يَدِهِ عَلَى هَوَامِشِ الصَّفَحَاتِ الْمَطْبُوعَةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَعْمَلُ، سَأَلَهُ كَرِيمٌ، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُهُ مِنْ بَعِيدٍ:
– أَبِي، أَلَا تَشْعُرُ بِالْإِرْهَاقِ مِنْ كُلِّ هَذَا التَّدْقِيقِ الْمُفْرِطِ؟
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ:
– أَشْعُرُ، لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَيْضًا بِمُتْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ. هَذَا الْعَمَلُ يُعِيدُ إِلَيَّ إِحْسَاسًا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي فَقَدْتُهُ تَمَامًا: إِحْسَاسَ أَنَّ كَلِمَاتِي، حَتَّى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَلِمَاتِي الْأَصْلِيَّةَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، تَخْدُمُ غَرَضًا حَقِيقِيًّا، وَسَتُقْرَأُ مِنْ قِبَلِ أُنَاسٍ حَقِيقِيِّينَ.
جَلَسَ كَرِيمٌ بِجِوَارِ وَالِدِهِ، وَسَأَلَهُ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
– هَلْ يُمْكِنُ أَنْ أَرَى مِثَالًا عَلَى صُعُوبَةِ التَّرْجَمَةِ الَّتِي تُوَاجِهُهَا؟
أَشَارَ هَمَّامٌ إِلَى جُمْلَةٍ عَلَى الشَّاشَةِ:
– انْظُرْ، هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْعَرَبِيَّةُ تَحْمِلُ تَوْرِيَةً جَمِيلَةً عَلَى كَلِمَةِ “غُرْبَةٍ”، تَحْمِلُ مَعْنَى الْبُعْدِ عَنِ الْوَطَنِ وَمَعْنَى الْغَرَابَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. بِاللُّغَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، لَا تُوجَدُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَحْمِلُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا، فَاضْطُرِرْتُ أَنْ أَخْتَارَ: هَلْ أُضَحِّي بِالتَّوْرِيَةِ وَأُتَرْجِمُ الْمَعْنَى الْأَوْضَحَ، أَمْ أُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ حَلًّا إِبْدَاعِيًّا يُحَافِظُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْجَمَالِ اللُّغَوِيِّ؟
فَكَّرَ كَرِيمٌ فِي هَذَا التَّحَدِّي، ثُمَّ قَالَ بِإِعْجَابٍ:
– لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ تَحْمِلُ كُلَّ هَذَا الْعُمْقَ مِنَ الْقَرَارَاتِ الدَّقِيقَةِ. ظَنَنْتُهَا مُجَرَّدَ اسْتِبْدَالِ كَلِمَاتٍ بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ:
– هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُهَا فَنًّا، لَا عَمَلًا آلِيًّا. كُلُّ جُمْلَةٍ تَحْمِلُ قَرَارًا، وَكُلُّ قَرَارٍ يَحْمِلُ جُزْءًا مِنْ ذَوْقِ الْمُتَرْجِمِ وَفَهْمِهِ الْعَمِيقِ لِكِلْتَا اللُّغَتَيْنِ وَالثَّقَافَتَيْنِ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، أَرْسَلَ هَمَّامٌ التَّرْجَمَاتِ الثَّلَاثَ إِلَى هِيرَ مُولِرَ، وَانْتَظَرَ بِقَلَقٍ مُضَاعَفٍ عَنْ قَلَقِهِ الْأَوَّلِ، فَهَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ حَجْمَ الْجُهْدِ الَّذِي بَذَلَهُ، وَكَانَ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ هَذَا الْجُهْدِ غَيْرَ كَافٍ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
مَرَّتِ الْأَيَّامُ بَطِيئَةً، وَكُلَّ صَبَاحٍ كَانَ هَمَّامٌ يَفْتَحُ بَرِيدَهُ الْإِلِكْتْرُونِيَّ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، ثُمَّ يُغْلِقُهُ بِخَيْبَةٍ حِينَ لَا يَجِدُ رَدًّا. سَأَلَتْهُ سَلْمَى، فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنَ الِانْتِظَارِ:
– أَلَا تَظُنُّ أَنَّ الصَّمْتَ عَلَامَةٌ جَيِّدَةٌ؟ رُبَّمَا يَقْرَؤُونَ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَهَذَا يَسْتَغْرِقُ وَقْتًا؟
أَجَابَ هَمَّامٌ، وَقَدْ بَدَأَ التَّوَتُّرُ يَظْهَرُ فِي صَوْتِهِ:
– أَوْ رُبَّمَا يَعْنِي الصَّمْتُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ كَانَتْ سَيِّئَةً لِدَرَجَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يُخْبِرُونَنِي بِذَلِكَ بِلُطْفٍ.
ضَحِكَتْ سَلْمَى:
– دَائِمًا تَفْتَرِضُ أَسْوَأَ الِاحْتِمَالَاتِ، يَا هَمَّامُ. حَاوِلْ أَنْ تَنْتَظِرَ بِهُدُوءٍ أَكْبَرَ.
جَاءَ الرَّدُّ أَخِيرًا بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، رِسَالَةٌ مُطَوَّلَةٌ مِنْ هِيرَ مُولِرَ، أَشَادَ فِيهَا بِدِقَّةِ التَّرْجَمَةِ وَحَسَاسِيَّتِهَا الْأَدَبِيَّةِ، مَعَ بَعْضِ الْمُلَاحَظَاتِ التَّقْنِيَّةِ الْبَسِيطَةِ حَوْلَ بَعْضِ التَّعَابِيرِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ.
كَتَبَ هِيرَ مُولِرَ فِي خِتَامِ رِسَالَتِهِ: «أَعْتَقِدُ أَنَّنَا وَجَدْنَا مُتَرْجِمًا مَوْهُوبًا حَقًّا. أَرْغَبُ فِي عَرْضِ عَقْدِ عَمَلٍ حُرٍّ مُنْتَظِمٍ عَلَيْكَ، بَدْءًا بِتَرْجَمَةِ كِتَابٍ كَامِلٍ لِكَاتِبٍ سُورِيٍّ شَابٍّ، إِنْ كُنْتَ مُهْتَمًّا.»
قَرَأَ هَمَّامٌ الرِّسَالَةَ، وَشَعَرَ بِدُمُوعٍ تَكَادُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ، دُمُوعِ فَرَحٍ لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يَذْرِفَهَا لِمُجَرَّدِ رِسَالَةٍ إِلِكْتْرُونِيَّةِ عَمَلٍ، لَكِنَّهَا حَمَلَتْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ فُرْصَةٍ مِهَنِيَّةٍ: حَمَلَتْ لَهُ تَأْكِيدًا بِأَنَّ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ، الْكَاتِبَ الَّذِي يُجِيدُ التَّعَامُلَ مَعَ اللُّغَةِ، لَا يَزَالُ لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْجَدِيدِ.
قَرَأَ هَمَّامٌ الرِّسَالَةَ بِصَوْتٍ عَالٍ عَلَى مَسْمَعِ الْعَائِلَةِ كُلِّهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَشَعَرَ بِفَخْرٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ مُغَادَرَتِهِ دِمَشْقَ.
قَالَتْ رَهَفُ، بِحَمَاسَةٍ صَادِقَةٍ:
– أَبِي، هَذَا رَائِعٌ! أَوَّلُ عَمَلٍ حَقِيقِيٍّ لَكَ هُنَا!
قَالَ كَرِيمٌ، بِابْتِسَامَةٍ فَخُورَةٍ:
– أَرَأَيْتَ؟ لَمْ تَكُنْ بِحَاجَةٍ لِكُلِّ هَذَا الْقَلَقِ بِشَأْنِ مُسْتَقْبَلِكَ الْمِهَنِيِّ هُنَا.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، مُتَأَثِّرًا بِفَخْرِ أَبْنَائِهِ بِهِ:
– لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَأْتِيَ فُرْصَتِي الْأُولَى هُنَا مِنْ بَابِ التَّرْجَمَةِ، لَا الْكِتَابَةِ الْأَصْلِيَّةِ. لَكِنَّنِي أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ قَدْ يَقُودُنِي لَاحِقًا إِلَى أَبْوَابٍ أُخْرَى لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُهَا.
سَأَلَتْهُ رَهَفُ، بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
– وَأَيُّ كَاتِبٍ سُورِيٍّ سَتُتَرْجِمُ كِتَابَهُ الْآنَ؟
أَجَابَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يَتَصَفَّحُ تَفَاصِيلَ الْعَرْضِ مُجَدَّدًا:
– كَاتِبٌ شَابٌّ، مِنْ جِيلٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ جِيلِي، يَكْتُبُ عَنْ تَجْرِبَةِ الشَّبَابِ السُّورِيِّ فِي الْمَنَافِي الْمُخْتَلِفَةِ. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا سَيَكُونُ تَحَدِّيًا مُثِيرًا، أَنْ أُتَرْجِمَ صَوْتًا مُخْتَلِفًا عَنْ صَوْتِي الْخَاصِّ، بِأُسْلُوبِهِ وَحَسَاسِيَّتِهِ الْخَاصَّةِ.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ الْعَائِلِيَّ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ:
– هَذَا مَسَاءٌ يَسْتَحِقُّ الِاحْتِفَالَ. سَأُحَضِّرُ عَشَاءً خَاصًّا اللَّيْلَةَ.
خَرَجَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا إِلَى الْمَطْبَخِ الْمُشْتَرَكِ مَعًا، وَأَعَدَّتْ سَلْمَى وَجْبَةً أَكْثَرَ تَفْصِيلًا مِنَ الْمُعْتَادِ، بِمُسَاعَدَةِ رَهَفَ، بَيْنَمَا جَلَسَ هَمَّامٌ وَكَرِيمٌ يَتَحَدَّثَانِ عَنْ تَفَاصِيلِ الْعَقْدِ الْجَدِيدِ، وَعَنِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمِهَنِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَفْتَحُهَا هَذِهِ الْفُرْصَةُ الْأُولَى.
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، وَقَّعَ هَمَّامٌ عَقْدَهُ الْأَوَّلَ رَسْمِيًّا مَعَ دَارِ النَّشْرِ، عَقْدًا بَسِيطًا نِسْبِيًّا، لَا يَضْمَنُ دَخْلًا ثَابِتًا كَبِيرًا، لَكِنَّهُ يُمَثِّلُ، كَمَا وَصَفَهُ لِسَلْمَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَوَّلَ خَيْطٍ حَقِيقِيٍّ يَرْبِطُهُ بِحَيَاةٍ مِهَنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فِي هَذَا الْبَلَدِ.
وَصَلَ الْعَقْدُ عَبْرَ الْبَرِيدِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ، وَثِيقَةً رَسْمِيَّةً بِالْأَلْمَانِيَّةِ، قَرَأَهَا هَمَّامٌ بِمُسَاعَدَةِ قَامُوسِهِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً قَبْلَ أَنْ يَفْهَمَ كُلَّ بَنْدٍ فِيهَا بِوُضُوحٍ كَافٍ. لَاحَظَ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ عَنْ نِظَامِ الْعَمَلِ الْحُرِّ فِي أَلْمَانِيَا: كَيْفِيَّةَ التَّصْرِيحِ الضَّرِيبِيِّ، وَأَهَمِّيَّةَ التَّأْمِينِ الصِّحِّيِّ الْمُسْتَقِلِّ، وَضَرُورَةَ فَتْحِ حِسَابٍ مَصْرِفِيٍّ مُخَصَّصٍ لِلْعَمَلِ الْحُرِّ مُنْفَصِلٍ عَنِ الْحِسَابِ الشَّخْصِيِّ.
اسْتَعَانَ بِمُسَاعَدَةِ مُوَظَّفٍ فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ مُتَخَصِّصٍ فِي تَقْدِيمِ الْمَشُورَةِ لِأَصْحَابِ الْمَشَارِيعِ الصَّغِيرَةِ وَالْعَامِلِينَ لِحِسَابِهِمُ الْخَاصِّ، وَأَمْضَى مَعَهُ سَاعَةً كَامِلَةً يَتَعَلَّمُ فِيهَا تَفَاصِيلَ بِيرُوقْرَاطِيَّةً جَدِيدَةً كُلِّيًّا عَلَيْهِ، شَعَرَ خِلَالَهَا بِمَزِيجٍ مِنَ الْإِرْهَاقِ وَالْفَخْرِ: إِرْهَاقٍ مِنْ كَثَافَةِ الْمَعْلُومَاتِ الْجَدِيدَةِ، وَفَخْرٍ لِأَنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، يَخْطُو خُطْوَةً حَقِيقِيَّةً نَحْوَ اسْتِقْلَالِيَّةٍ مِهَنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَلَدِ.
قَالَ لَهَا وَهُمَا يَتَأَمَّلَانِ نُسْخَةَ الْعَقْدِ الْمُوَقَّعَةِ مَعًا:
– أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا التَّوْقِيعَ يُشْبِهُ نَجَاةً صَغِيرَةً، يَا سَلْمَى. لَيْسَ لِأَنَّهُ يَحُلُّ كُلَّ مَشَاكِلِنَا الْمَادِّيَّةَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَالْمَبْلَغُ مُتَوَاضِعٌ فِي الْبِدَايَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِي أَنَّ ثَمَّةَ مَكَانًا هُنَا لِمَا أَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالشَّكْلِ الَّذِي تَخَيَّلْتُهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ.
أَضَافَ هَمَّامٌ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ تَأَمُّلًا:
– أَتَذَكَّرُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى هُنَا، كَتَبْتُ فِي دَفْتَرِي أَنَّنِي أَخَافُ مِنْ أَنْ أُسْبَقَ بِاسْمِ “لَاجِئٍ” أَيْنَمَا ذَهَبْتُ. الْيَوْمَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، أَشْعُرُ أَنَّ ثَمَّةَ اسْمًا آخَرَ بَدَأَ يُرَافِقُنِي: “مُتَرْجِمٌ”. لَيْسَ اسْمًا كَبِيرًا، وَلَا يُلْغِي الْأَوَّلَ، لَكِنَّهُ يُضِيفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً لِهُوِيَّتِي هُنَا، طَبَقَةً اخْتَرْتُهَا أَنَا بِنَفْسِي، لَا فُرِضَتْ عَلَيَّ مِنَ الظُّرُوفِ وَحْدَهَا.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَقَالَتْ بِحَنَانٍ:
– هَذِهِ بِالضَّبْطِ النَّجَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ، يَا هَمَّامُ: لَيْسَتِ الْعَوْدَةَ إِلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ بِالضَّبْطِ، بَلِ اكْتِشَافَ طَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ تَكُونُ فِيهَا نَفْسَكَ، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَ شَكْلُهَا عَنِ الصُّورَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي كُنْتَ تَحْمِلُهَا فِي ذِهْنِكَ.
وَضَعَ هَمَّامٌ الْعَقْدَ الْمُوَقَّعَ بِعِنَايَةٍ فِي مِلَفٍّ خَاصٍّ، بِجِوَارِ دَفْتَرِهِ السِّرِّيِّ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، الدَّفْتَرَ الَّذِي يَحْمِلُ مَخَاوِفَهُ الصَّامِتَةَ، وَالْعَقْدَ الَّذِي يَحْمِلُ أُولَى خُطُوَاتِهِ الْمِهَنِيَّةِ الْمَلْمُوسَةِ، يُمَثِّلَانِ مَعًا وَجْهَيْ رِحْلَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي هَذَا الْبَلَدِ: رِحْلَةً دَاخِلِيَّةً بَطِيئَةً نَحْوَ الصِّدْقِ مَعَ نَفْسِهِ، وَرِحْلَةً خَارِجِيَّةً أَسْرَعَ نَحْوَ إِعَادَةِ بِنَاءِ مَكَانِهِ فِي الْعَالَمِ.
فِي الْمَسَاءِ، مَرَّ زِيَادٌ لِتَهْنِئَتِهِ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ الْخَبَرَ مِنْ كَرِيمٍ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِحَمَاسَةٍ فِي مَمَرِّ الْمَرْكَزِ.
قَالَ زِيَادٌ، وَهُوَ يُعَانِقُ صَدِيقَهُ بِحَرَارَةٍ:
– مَبْرُوكٌ، يَا هَمَّامُ! أَخْبَرْتُكَ أَنَّ الْأُمُورَ سَتَتَحَسَّنُ، لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنَّهَا سَتَتَحَسَّنُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ:
– لَوْلَا أَنَّكَ أَرْسَلْتَ لِي ذَلِكَ الْإِعْلَانَ، لَمَا حَدَثَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا أَصْلًا. أَنْتَ مَنْ بَدَأَ هَذِهِ السِّلْسِلَةَ كُلَّهَا.
قَالَ زِيَادٌ، بِتَوَاضُعٍ نَادِرٍ:
– أَنَا فَقَطْ أَرْسَلْتُ رَابِطًا. أَنْتَ مَنْ كَتَبَ النَّمَاذِجَ، وَمَنْ أَمْضَى سَاعَاتٍ طَوِيلَةً يُتَرْجِمُ بِدِقَّةٍ، وَمَنْ أَقْنَعَ الْمُحَرِّرَ بِمَوْهِبَتِكَ. لَا تُقَلِّلْ مِنْ دَوْرِكَ فِي نَجَاحِكَ الْخَاصِّ، يَا صَدِيقِي.
جَلَسَا مَعًا يَتَحَدَّثَانِ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي سَيُتَرْجِمُهُ هَمَّامٌ، وَعَنِ احْتِمَالِ أَنْ يَكْتُبَ زِيَادٌ يَوْمًا مَقَالًا عَنْ تَجْرِبَةِ هَمَّامٍ كَنَمُوذَجٍ لِكُتَّابٍ سُورِيِّينَ يَجِدُونَ طُرُقًا جَدِيدَةً لِمُمَارَسَةِ الْكِتَابَةِ فِي الْمَنْفَى.
قَالَ زِيَادٌ، بِحَمَاسَةٍ مِهَنِيَّةٍ:
– هَذَا مَوْضُوعٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُكْتَبَ عَنْهُ فِعْلًا: كَيْفَ يُعِيدُ الْكُتَّابُ وَاللَّاجِئُونَ الْمُثَقَّفُونَ تَعْرِيفَ أَدَوَاتِهِمِ الْمِهَنِيَّةِ حِينَ تُغْلَقُ الْأَبْوَابُ الْقَدِيمَةُ وَتُفْتَحُ أَبْوَابٌ جَدِيدَةٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ تَمَامًا.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، وَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ الصَّدَاقَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ، مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى فِي الْمَمَرِّ الْمُظْلِمِ، وَاحِدَةً مِنْ أَثْمَنِ مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِحْلَتِهِ الْجَدِيدَةِ كُلِّهَا.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 17


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 15