ليل لا يهدأ
الجزء الأول
مقدمـــــة:
دِمَشْقُ لَيْسَتْ كَمَا كَانَتْ.
الْأَزِقَّةُ الَّتِي تَعَوَّدَتْ عَلَى صَخَبِ الْحَيَاةِ أَصْبَحَتْ تَحْمِلُ صَدَى الْغِيَابِ وَالرَّحِيلِ، صَدَى مَنِ اضْطُرُّوا لِتَرْكِ مُدُنِهِمْ وَاللُّجُوءِ إِلَى قَلْبِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، لِيَجْمَعُوا أُسَرَهُمْ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ.
فِي هَذِهِ الشَّقَّةِ الصَّغِيرَةِ، كُلُّ غُرْفَةٍ تَخْتَزِنُ حَيَاةً كَامِلَةً: أَحْلَامًا، ضَحِكَاتٍ، دُمُوعًا، وَمَسْؤُولِيَّاتٍ لَا تَنْتَهِي.
سَامِرٌ، فِي مُنْتَصَفِ الْخَمْسِينَاتِ، يَعْرِفُ ثَمَنَ كُلِّ صَمْتٍ، كُلِّ ابْتِسَامَةٍ، وَكُلِّ خُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ فِي هَذِهِ الشَّقَّةِ. كُلُّ يَوْمٍ يَبْدَأُ بِرُوتِينٍ يَبْدُو عَادِيًّا، لَكِنَّهُ مُحَمَّلٌ بِثِقْلٍ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. بَيْنَ الْأَبْنَاءِ الْمُتَزَوِّجِينَ، الْأَحْفَادِ، وَالضُّغُوطِ الْمَالِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، كُلُّ لَحْظَةٍ هي اخْتِبَارٌ لِلصَّبْرِ، لِلْحُبِّ، وَلِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّحَمُّلِ.
فِي هَذَا اللَّيْلِ الَّذِي لَا يَهْدَأُ، يَبْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ… يَوْمٌ عَادِيٌّ يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَ مُفَاجَآتٍ تُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.
—–
لَمْ يَكُنِ ٱلْجُوعُ هُوَ مَا أَيْقَظَهُ.
بَلْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ، خَفِيٌّ، غَيْرُ مَرْئِيٍّ، يَنْهَضُ فِي دَاخِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ نِدَاءَ ٱلْحَيَاةِ. فَتَحَ عَيْنَيْهِ قَبْلَ ٱلْفَجْرِ بِلَحَظَاتٍ، لَا لِأَنَّهُ ٱسْتَرَاحَ، بَلْ لِأَنَّ ٱلْعَادَةَ—تِلْكَ ٱلْقُوَّةُ ٱلصَّامِتَةُ—قَدْ أَصْبَحَتْ أَقْوَى مِنَ ٱلتَّعَبِ.
بَقِيَ مُسْتَلْقِيًا، يُحَدِّقُ فِي سَقْفٍ لَمْ يَعُدْ يَرَاهُ. أَوْ لَعَلَّهُ يَرَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي. فَقَدْ حَفِظَتْ عَيْنَاهُ شُقُوقَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، حَتَّى أَصْبَحَ ٱلنَّظَرُ إِلَيْهِ تَكْرَارًا لِذَاكِرَةٍ، لَا لِمَشْهَدٍ.
قَالَ فِي سِرِّهِ:
“كَمْ مَرَّةً أَفْتَحُ عَيْنَيَّ عَلَى ٱلْمَكَانِ نَفْسِهِ… وَكَأَنَّ ٱلْحَيَاةَ تَخَافُ أَنْ تُغَيِّرَ مَوْضِعَ شَيْءٍ وَاحِدٍ؟”
فِي ٱلْغُرْفَةِ ٱلْمُجَاوِرَةِ، سَعَلَ أَحَدُ ٱلْأَطْفَالِ. تَوَقَّفَ ٱلصَّوْتُ، ثُمَّ عَادَ خَافِتًا، مُتَرَدِّدًا، كَأَنَّ ٱلسُّعَالَ نَفْسَهُ يَخْشَى أَنْ يُزْعِجَ هَذَا ٱلصَّمْتَ ٱلْمُتَعَبَ.
ٱنْقَبَضَ قَلْبُهُ لِوَهْلَةٍ، وَهَمَسَ دَاخِلَهُ:
“أَأَصْبَحَ ٱلْأَلَمُ فِي هَذَا ٱلْبَيْتِ يَسْتَأْذِنُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ؟”
مَدَّ يَدَهُ بِبُطْءٍ نَحْوَ ٱلْهَاتِفِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ ٱلْوَقْتَ، بَلْ أَنْ يُؤَجِّلَ ٱلْقِيَامَ، أَنْ يُمَدِّدَ هَذِهِ ٱللَّحْظَةَ ٱلَّتِي لَا هِيَ نَوْمٌ وَلَا يَقَظَةٌ.
أَضَاءَ ٱلضَّوْءُ ٱلْبَارِدُ وَجْهَهُ، فَكَشَفَ مَا كَانَ ٱلظَّلَامُ يَرْحَمُهُ مِنْهُ:
تَعَبًا قَدِيمًا… لَا صِلَةَ لَهُ بِهَذَا ٱلْيَوْمِ.
قَالَ صَوْتٌ خَفِيٌّ فِي دَاخِلِهِ:
“هَذَا لَيْسَ إِرْهَاقَ لَيْلَةٍ… هَذَا عُمْرٌ يُثْقِلُ وَجْهَكَ.”
نَهَضَ أَخِيرًا، كَمَنْ يُطِيعُ أَمْرًا لَا يُمْكِنُ تَأْجِيلُهُ.
فِي ٱلْمَطْبَخِ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ: ٱلْكُوبُ ذُو ٱلْحَافَّةِ ٱلْمَكْسُورَةِ، ٱلرَّفُّ ٱلصَّامِتُ، وَٱلْبَرَّادُ ٱلَّذِي يُصْدِرُ صَوْتَهُ المُزعِجَ ٱلْمَأْلُوفَ، كُلَّمَا فُتِحَ، كَأَنَّهُ يَشْكُو هُوَ ٱلْآخَرُ مِنْ تَكْرَارِ ٱلْأَيَّامِ.
وَكَأَنَّ ٱلْأَشْيَاءَ هِيَ ٱلَّتِي تُفَكِّرُ، فَقَالَ ٱلْبَرَّادُ فِي خَيَالِهِ:
“أَلَا تَسْأَمُ كَمَا أَسْأَمُ؟ نَفْتَحُ وَنُغْلَقُ… وَلَا شَيْءَ يَتَغَيَّرُ.”
صَبَّ ٱلْمَاءَ فِي إِبْرِيقِ الشَّايِ، وَوَضَعَهُ عَلَى ٱلنَّارِ… ثُمَّ نَسِيَهُ.
لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى غَلَيَانِهِ إِلَّا عِنْدَمَا خَرَجَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ ٱلْغُرْفَةِ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ بَيْنَ ٱلْعَادَةِ وَٱلْقَلَقِ:
“هَلِ ٱسْتَيْقَظْتَ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ؟”
هَزَّ رَأْسَهُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ.
لَمْ تَكُنِ ٱلْإِجَابَةُ مُهِمَّةً…
وَلَا ٱلسُّؤَالُ أَيْضًا.
جَلَسَ أَمَامَ ٱلطَّاوِلَةِ، وَأَخَذَ يُحَدِّقُ فِي يَدَيْهِ طَوِيلًا.
تَأَمَّلَهُمَا، كَمَنْ يَرَى شَيْئًا غَرِيبًا عَنْهُ، ثُمَّ هَمَسَ:
“مَتَى أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ هَاتَيْنِ ٱلْيَدَيْنِ؟”
كَانَتَا خَشِنَتَيْنِ، مُثْقَلَتَيْنِ بِعَمَلٍ لَا يُرَى، كَأَنَّهُمَا تَعُودَانِ لِرَجُلٍ آخَرَ…
رَجُلٍ يَعْمَلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعِيشُ.
فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ، تَدَخَّلَ صَوْتٌ آخَرُ فِي دَاخِلِهِ، صَوْتٌ يُشْبِهُ مُعَلِّمًا قَدِيمًا:
“أَلَيْسَ ٱلْعَمَلُ حَيَاةً؟”
فَأَجَابَ نَفْسُهُ بِمَرَارَةٍ:
“لَا… ٱلْعَمَلُ بَدِيلٌ عَنْهَا، حِينَ لَا نَجِدُهَا.”
وَكَأَنَّ فِيلَسُوفًا مَجْهُولًا مَرَّ بِخَاطِرِهِ، فَقَالَ:
“لَيْسَ أَخْطَرُ مَا فِي ٱلْإِنْسَانِ أَنْ يَتْعَبَ… بَلْ أَنْ يَعْتَادَ ٱلتَّعَبَ حَتَّى لَا يَعُودَ يَشْعُرُ بِهِ.”
رَنَّ ٱلْهَاتِفُ.
ٱهْتَزَّ ٱلصَّمْتُ.
نَظَرَ إِلَى ٱلشَّاشَةِ…
رَقْمٌ غَرِيبٌ، لَا ٱسْمَ لَهُ، لَا ذَاكِرَةَ.
تَرَدَّدَ لِثَانِيَةٍ.
وَفِي دَاخِلِهِ دَارَ سُؤَالٌ حَادٌّ:
“مَاذَا لَوْ كَانَ هَذَا ٱلصَّوْتُ ٱلَّذِي أَنْتَظِرُهُ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ؟ أَمْ هُوَ مُجَرَّدُ ٱمْتِدَادٍ آخَرَ لِهَذِهِ ٱلْأيَاْمِ؟”
ثُمَّ رَفَعَ ٱلْهَاتِفَ، وَقَالَ بِصَوْتٍ بَيْنَ ٱلتَّعَبِ وَٱلِٱنْتِظَارِ:
“أَلُو؟”
وَكَأَنَّ هَذِهِ ٱلْكَلِمَةَ ٱلصَّغِيرَةَ لَمْ تَكُنْ بَدْءَ مُكَالَمَةٍ…
بَلْ بَدْءَ حِكَايَةٍ لَمْ تَحدُث بَعْدُ.
لَمْ يُجِبْهُ ٱلصَّوْتُ مُبَاشَرَةً.
كَانَ هُنَاكَ نَفَسٌ خَافِتٌ فِي ٱلطَّرَفِ ٱلْآخَرِ، أَقْرَبُ إِلَى حُضُورٍ غَيْرِ مُكْتَمِلٍ، كَأَنَّ ٱلْمُتَّصِلَ لَمْ يَحْسِمْ بَعْدُ أَمْرَهُ: أَيَتَكَلَّمُ… أَمْ يَنْسَحِبُ فِي صَمْتٍ؟
قَطَّبَ جَبِينَهُ قَلِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ فِي هَذَا ٱلتَّرَدُّدِ شَيْئًا يَشْبِهُهُ.
قَالَ، بِنَبْرَةٍ أَقْرَبَ إِلَى ٱلِٱسْتِفْهَامِ ٱلْمُتْعَبِ:
“أَلُو… مَنْ مَعِي؟”
مَرَّتْ ثَانِيَةٌ…
ثُمَّ ثَانِيَتَانِ…
وَكَأَنَّ ٱلزَّمَنَ نَفْسَهُ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ: مَنْ سَيَبْدَأُ أَوَّلًا؟
ثُمَّ جَاءَهُ ٱلصَّوْتُ.
صَوْتُ ٱمْرَأَةٍ… مُنْخَفِضٌ، مُتَرَدِّدٌ، وَلَكِنَّهُ وَاضِحٌ بِقَدْرٍ يَكْفِي لِيَتْرُكَ أَثَرًا لَا يُمْحَى.
قَالَتْ:
«آسِفَةٌ… يَبْدُو أَنَّنِي اتَّصَلْتُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُنَاسِبٍ.»
كَادَ يُغْلِقُ.
تَوَقَّفَتْ يَدُهُ قَبْلَ أَنْ تَلْمِسَ ٱلزِّرَّ، كَأَنَّ شَيْئًا خَفِيًّا أَمْسَكَ بِهَا.
وَفِي دَاخِلِهِ، مَرَّ خَاطِرٌ سَرِيعٌ:
“لِمَاذَا لَمْ أُغْلِقْ بَعْدُ؟ أَلِأَنَّ ٱلْجُمْلَةَ غَيْرُ عَادِيَّةٍ… أَمْ لِأَنِّي أَنَا مَنْ لَمْ يَعُدْ عَادِيًّا؟”
لَمْ يَكُنْ فِي ٱلْكَلِمَاتِ مَا يَلْفِتُ…
وَلَكِنَّ طَرِيقَةَ قَوْلِهَا، ذَلِكَ ٱلِٱنْكِسَارُ ٱلْخَفِيُّ فِي آخِرِ ٱلصَّوْتِ، كَانَ كَافِيًا لِيَجْعَلَ ٱلْخَطَأَ يَبْدُو كَأَنَّهُ لَيْسَ خَطَأً تَمَامًا.
قَالَ، بِبُرُودٍ يَشْبِهُ ٱلْعَادَةَ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبِهُ ٱلْلُّطْفَ:
“لَا بَأْسَ.”
صَمْتٌ قَصِيرٌ…
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا.
كَأَنَّ ٱلْكَلِمَاتِ ٱلَّتِي لَمْ تُقَلْ، كَانَتْ أَكْثَرَ حُضُورًا مِنَ ٱلَّتِي قِيلَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ، بِتَرَدُّدٍ يُشْبِهُ مَنْ يُرَاجِعُ نَفْسَهُ:
“هَلْ… هَذَا رَقْمُ…”
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً.
وَفِي ذَلِكَ ٱلتَّوَقُّفِ، شَعَرَ أَنَّهَا لَا تَبْحَثُ عَنْ ٱسْمٍ… بَلْ عَنْ سَبَبٍ لِتَبْقَى.
ثُمَّ أَكْمَلَتْ:
“شَرِكَةِ ٱلصِّيَانَةِ؟”
نَظَرَ إِلَى ٱلْهَاتِفِ مَرَّةً أُخْرَى، كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّهُ هُوَ فِعْلًا مَنْ أَجَابَ، وَأَنَّ هَذَا ٱلصَّوْتَ لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَاكِرَتِهِ.
قَالَ، هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ بِسُرْعَةٍ أَوْضَحَ:
“لَا.”
عَادَ ٱلصَّمْتُ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدِ ٱلصَّمْتَ نَفْسَهُ.
أَصْبَحَ أَثْقَلَ…
أَعْمَقَ…
كَأَنَّ شَيْئًا مَا بَقِيَ مُعَلَّقًا بَيْنَهُمَا، رَغْمَ أَنَّ ٱلْمُنْطِقَ يَقُولُ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدِ ٱنْتَهَى.
وَفِي دَاخِلِهِ، هَمَسَ صَوْتٌ غَامِضٌ:
“لَوْ أَغْلَقْتُ ٱلْآنَ… هَلْ سَيَنْتَهِي هَذَا ٱلشَّعُورُ أَيْضًا؟ أَمْ سَيَبْقَى كَسُؤَالٍ لَا إِجَابَةَ لَهُ؟”
قَالَتْ أَخِيرًا:
“حَسَنًا… آسِفَةٌ مَرَّةً أُخْرَى.”
كَانَتْ نَبْرَتُهَا أَخَفَّ…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ حَذَرًا.
بَلْ كَأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ، فِي ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ، أَنْ تُخْفِيَ مَا كَانَ يَكْشِفُهُ ٱلتَّرَدُّدُ.
ٱنْتَهَتِ ٱلْمُكَالَمَةُ.
لَكِنْ…
هَلِ ٱنْتَهَى شَيْءٌ فِعْلًا؟
بَقِيَ ٱلْهَاتِفُ فِي يَدِهِ لِثَوَانٍ.
لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ٱلرَّقْمِ…
لَمْ يُحَاوِلْ حِفْظَهُ…
كَأَنَّهُ يَعْلَمُ، دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ:
“بَعْضُ ٱلْأَشْيَاءِ لَا تُحْفَظُ بِٱلْأَرْقَامِ… بَلْ بِٱلْأَثَرِ.”
أَعَادَ ٱلْهَاتِفَ إِلَى ٱلطَّاوِلَةِ بِبُطْءٍ.
لَمْ تَكُنْ ٱلْحَرَكَةُ نَفْسُهَا بَسِيطَةً كَمَا تَبْدُو.
كَأَنَّهُ يَضَعُ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ جِهَازٍ صَغِيرٍ…
يَضَعُ سُؤَالًا.
وَفِي أَعْمَاقِهِ، قَالَ صَوْتٌ هَادِئٌ، يُشْبِهُ حِكْمَةً تَأَخَّرَتْ طَوِيلًا:
“لَيْسَ كُلُّ ٱلِٱتِّصَالَاتِ تُقْصَدُ… بَعْضُهَا يَجِدُ طَرِيقَهُ إِلَيْنَا، لِأَسْبَابٍ لَا نَفْهَمُهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَ.”
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا…
وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ شَيْئًا لَا يَعْرِفُهُ.
أَوْ رُبَّمَا…
يَنْتَظِرُ أَنْ يَرِنَّ ٱلْهَاتِفُ مَرَّةً أُخْرَى.
فِي ٱلْخَارِجِ، بَدَأَ ٱلضَّوْءُ يَتَسَلَّلُ… لَا كَانْفِجَارٍ مُبَاغِتٍ، بَلْ كَهَمْسٍ بَطِيءٍ، يَمُدُّ أَصَابِعَهُ عَلَى ٱلْأَشْيَاءِ كَأَنَّهُ يَخْتَبِرُهَا قَبْلَ أَنْ يُوقِظَهَا.
نَهَضَ.
كَانَتْ حَرَكَتُهُ خَفِيفَةً، لَا تَدُلُّ عَلَى نَشَاطٍ، بَلْ عَلَى اعْتِيَادٍ طَوِيلٍ. أَطْفَأَ ٱلنَّارَ تَحْتَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي تَبَخَّرَ نِصْفُهُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَغْلِ فَقَط… بَلْ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ مَعْنَاهُ أَيْضًا.
سَكَبَ مَا تَبَقَّى فِي ٱلْكُوبِ، دُونَ أَنْ يَتَأَكَّدَ: أَهُوَ صَالِحٌ لِلشُّرْبِ… أَمْ لِلْعَادَةِ فَقَط؟
وَفِي دَاخِلِهِ، سَأَلَ نَفْسَهُ:
“مُنْذُ مَتَى نَشْرَبُ ٱلْأَشْيَاءَ لِأَنَّهَا هُنَاكَ… لَا لِأَنَّنَا نُرِيدُهَا؟”
ٱرْتَشَفَ.
كَانَ ٱلطَّعْمُ عَادِيًّا…
بَلْ مُطْمَئِنًّا فِي عَادِيَّتِهِ.
وَلَكِنَّهُ، لِسَبَبٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُسَمِّيهِ، شَعَرَ أَنَّ ٱلصَّبَاحَ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ قَبْلَ دَقَائِقَ.
كَأَنَّ شَيْئًا دَقِيقًا تَحَرَّكَ فِي دَاخِلِهِ…
شَيْءٌ لَا يُرَى، وَلَا يُسْمَعُ، وَلَكِنَّهُ يُغَيِّرُ مَوَازِينَ ٱلْأَيَّامِ.
هَمَسَ صَوْتٌ فِي أَعْمَاقِهِ:
“أَحَيَاتُنَا تَتَغَيَّرُ بِأَحْدَاثٍ كَبِيرَةٍ… أَمْ بِتَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ لَا نَنْتَبِهُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِهَا؟”
خَرَجَ.
—
لَمْ يَكُنِ ٱلطَّرِيقُ إِلَى ٱلْعَمَلِ طَوِيلًا…
وَلَكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا لِيُشْعِرَهُ أَنَّهُ ٱنْتَقَلَ مِنْ حَيَاةٍ إِلَى أُخْرَى.
مِنْ صَمْتٍ دَاخِلِيٍّ ثَقِيلٍ…
إِلَى ضَجِيجٍ خَارِجِيٍّ لَا يَحْمِلُ مَعْنًى.
ٱلشَّارِعُ نَفْسُهُ…
ٱلْوُجُوهُ نَفْسُهَا…
وَٱلْبَاعَةُ، يَفْرِشُونَ يَوْمَهُمْ عَلَى ٱلْأَرْصِفَةِ كَأَنَّهُمْ يَضَعُونَ قُلُوبَهُمْ لِلِٱخْتِبَارِ كُلَّ صَبَاحٍ.
مَرَّ بَيْنَهُمْ.
لَمْ يُبْطِئْ.
كَأَنَّهُ يَعْرِفُ مُسْبَقًا:
“لَا شَيْءَ هُنَاكَ يَنْتَظِرُنِي… وَلَا شَيْءَ مِنِّي سَيَبْقَى لَدَيْهِمْ.”
وَكَأَنَّ بَائِعًا مُتَخَيَّلًا نَادَاهُ فِي خَيَالِهِ:
“تَوَقَّفْ لَحْظَةً… لَيْسَ كُلُّ مَا نَبِيعُهُ يُقَاسُ بِٱلنُّقُودِ.”
فَأَجَابَ فِي دَاخِلِهِ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
“وَلَا كُلُّ مَا نَفْقِدُهُ نَعْرِفُ كَيْفَ نَسْتَعِيدُهُ.”
عِنْدَ مَدْخَلِ ٱلْبِنَاءِ، تَوَقَّفَ قَلِيلًا.
رَفَعَ رَأْسَهُ.
كَانَتِ ٱلْوَاجِهَةُ ٱلزُّجَاجِيَّةُ لَا تَزَالُ مُتَّسِخَةً قَلِيلًا، لَا تُظْهِرُ ٱلْعَالَمَ كَمَا هُوَ، بَلْ كَمَا يَنْكَسِرُ فِيهَا.
وَلَكِنَّهَا، فِي نَفْسِ ٱلْوَقْتِ، تَعْكِسُ مَا يَكْفِي…
لِتُظْهِرَ ٱلدَّاخِلَ أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ نَفْسَهَا.
فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ ٱلْقَصِيرَةِ، لَمَحَ نَفْسَهُ.
لَمْ يَكُنْ ٱلِٱنْعِكَاسُ وَاضِحًا…
وَلَكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا.
تَوَقَّفَ ٱلزَّمَنُ لِوَهْلَةٍ.
وَفِي دَاخِلِهِ، قَالَ صَوْتٌ عَمِيقٌ، يُشْبِهُ حِكْمَةَ رَجُلٍ عَاشَ طَوِيلًا:
“لماذا نَصْبِحُ غُرَبَاءَ عَنْ أَنْفُسِنَا؟ أَنَتَغَيَّرُ… أَمْ نَكُفُّ عَنْ ٱلنَّظَرِ إِلَيْهَا؟”
أَشَاحَ بِنَظَرِهِ.
كَأَنَّ ٱلْمُوَاجَهَةَ، وَلَوْ لثَانِيَةٍ، كَانَتْ أَثْقَلَ مِمَّا يَحْتَمِلُ.
وَدَخَلَ.
لَكِنَّهُ، وَهُوَ يَعْبُرُ ٱلْبَابَ، شَعَرَ بِشَيْءٍ خَفِيٍّ يَتَبِعُهُ…
لَيْسَ صَوْتَ ٱلْمَرْأَةِ…
وَلَا ٱلْمُكَالَمَةَ…
بَلْ ذَلِكَ ٱلِٱنْكِسَارُ ٱلصَّغِيرُ ٱلَّذِي حَدَثَ فِي دَاخِلِهِ،
وَلَمْ يُغْلَقْ بَعْدُ.
فِي ٱلدَّاخِلِ، كَانَ ٱلصَّوْتُ أَوَّلَ مَا ٱسْتَقْبَلَهُ.
لَمْ يَكُنْ صَوْتًا وَاحِدًا… بَلْ تَشَابُكًا مِنَ ٱلْأَصْوَاتِ، كَأَنَّهَا خُيُوطٌ مُتَدَاخِلَةٌ لَا تَنْتَظِمُ فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ. ضَحْكَةٌ هُنَا، جِدَالٌ خَافِتٌ هُنَاكَ، رَنِينُ هَاتِفٍ يَقْطَعُ ٱلْهَوَاءَ، وَوَقْعُ خُطُوَاتٍ مُسْتَعْجِلَةٍ تَمُرُّ كَأَنَّهَا تَلْحَقُ بِشَيْءٍ لَنْ تَلْحَقَ بِهِ أَبَدًا.
كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَتَحَرَّكُ…
وَلَكِنْ بِلَا ٱتِّجَاهٍ.
كَأَنَّ ٱلْمَكَانَ لَا يَعْمَلُ بِقُوَّةِ ٱلنِّظَامِ…
بَلْ بِقُوَّةِ ٱلْعَادَةِ.
تَوَقَّفَ لِوَهْلَةٍ عِنْدَ ٱلْبَابِ، وَسَأَلَ نَفْسَهُ فِي دَاخِلِهِ:
“أَهَكَذَا تَبْدُو ٱلْأَيَّامُ عِنْدَمَا تَفْقِدُ مَعْنَاهَا… تَسِيرُ، وَلَكِنْ إِلَى أَيْنَ؟”
— “تَأَخَّرْتَ ٱلْيَوْمَ.”
جَاءَهُ ٱلصَّوْتُ مِنْ جَانِبٍ، جَافًّا، مُعْتَادًا.
كَانَ “سَامِرٌ”، مُنْهَمِكًا فِي تَرْتِيبِ أَوْرَاقٍ أَمَامَهُ، دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ:
“دَقِيقَتَانِ.”
وَهُوَ يَخْلَعُ سُتْرَتَهُ، وَيُعَلِّقُهَا عَلَى ٱلْكُرْسِيِّ—ذَلِكَ ٱلْكُرْسِيِّ ٱلَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مَوْضِعُهُ مُنْذُ شُهُورٍ، كَأَنَّهُ أَيْضًا يَرْفُضُ ٱلتَّغْيِيرَ.
قَالَ “سَامِرٌ”، مُبْتَسِمًا لِنَفْسِهِ، كَأَنَّهُ وَجَدَ فِكْرَةً تَسْتَحِقُّ ٱلِٱحْتِفَاظَ:
“ٱلدَّقِيقَتَانِ تَصْنَعَانِ فَرْقًا… إِذَا تَرَاكَمَتَا.”
لَحْظَةُ صَمْتٍ.
وَفِي دَاخِلِهِ، مَرَّ خَاطِرٌ خَفِيفٌ، مَائِلٌ إِلَى ٱلسُّخْرِيَةِ:
“وَكَذَلِكَ ٱلْأَيَّامُ… وَكَذَلِكَ ٱلتَّعَبُ… وَكَذَلِكَ ٱلْأَشْيَاءُ ٱلَّتِي لَا نَنْتَبِهُ لِتَرَاكُمِهَا.”
لَمْ يَرُدَّ.
جَلَسَ.
كَانَ ٱلْمَكْتَبُ أَمَامَهُ فِي تِلْكَ ٱلْحَالَةِ ٱلْمُرْبِكَةِ:
لَا فَارِغًا… فَيَرْتَاحَ،
وَلَا مُثْقَلًا… فَيَسْتَعْجِلَ.
بَلْ شَيْءٌ بَيْنَ بَيْنٍ…
يُوهِمُكَ أَنَّ ٱلْعَمَلَ بَسِيطٌ،
ثُمَّ يُثْبِتُ لَكَ، مَعَ ٱلْوَقْتِ، أَنَّهُ لَا يَنْتَهِي.
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ أَوَّلِ وَرَقَةٍ، ثُمَّ تَوَقَّفَ قَلِيلًا.
وَفِي دَاخِلِهِ، تَسَاءَلَ:
“أَنُجِزُ ٱلْأَعْمَالَ… أَمْ هِيَ ٱلَّتِي تُنْجِزُنَا؟”
مَرَّتْ “لَيْلَى” بِجَانِبِهِ كَنَسْمَةٍ مُسْتَعْجِلَةٍ، تَحْمِلُ كُوبَ قَهْوَةٍ أَكْبَرَ مِنْ يَدِهَا بِقَلِيلٍ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ عَنْهَا ثِقَلَ ٱلصَّبَاحِ.
مَالَتْ نَحْوَهُ دُونَ أَنْ تَتَوَقَّفَ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ سَرِيعَةٍ:
“ٱنْتَبِهْ، ٱلْيَوْمَ عِنْدَنَا زِيَارَةٌ.”
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا:
“مِمَّنْ؟”
قَالَتْ، وَهِيَ تَبْتَعِدُ:
“لَا أَعْرِفُ… لَكِنْ وَاضِحٌ أَنَّهُمْ مُهِمُّونَ.”
ٱخْتَفَتْ.
كَمَا تَخْتَفِي ٱلْأَخْبَارُ ٱلَّتِي تَتْرُكُ أَثَرًا أَكْبَرَ مِنْ حَجْمِهَا.
بَقِيَ لِثَوَانٍ، يُحَدِّقُ فِي ٱلْفَرَاغِ ٱلَّذِي تَرَكَتْهُ.
وَفِي دَاخِلِهِ، قَالَ صَوْتٌ هَادِئٌ:
“مُهِمُّونَ لِمَنْ؟ لِلْمَكَانِ… أَمْ لَنَا؟”
ثُمَّ تَدَخَّلَ صَوْتٌ آخَرُ، أَكْثَرُ عُمْقًا:
“أَمْ أَنَّ ٱلْأَهَمِّيَّةَ نَفْسَهَا أَصْبَحَتْ شَيْئًا نُرَدِّدُهُ… دُونَ أَنْ نَعْرِفَ مَعْنَاهُ؟”
أَخَذَ نَفَسًا بَطِيئًا.
وَعَادَ إِلَى أَوْرَاقِهِ.
وَلَكِنَّهُ، وَهُوَ يُقَلِّبُهَا، شَعَرَ أَنَّ شَيْئًا مَا قَدِ ٱخْتَلَّ فِي إِيقَاعِ ٱلْيَوْمِ.
لَمْ تَكُنِ ٱلزِّيَارَةُ…
وَلَا كَلِمَةُ “مُهِمُّونَ”…
بَلْ ذَلِكَ ٱلصَّبَاحُ ٱلَّذِي تَغَيَّرَ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ،
وَذَلِكَ ٱلصَّوْتُ ٱلَّذِي جَاءَ… ثُمَّ ٱخْتَفَى.
وَفِي أَعْمَاقِهِ، لَمَعَ سُؤَالٌ صَغِيرٌ… لَكِنَّهُ عَنِيدٌ:
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَعْضُ ٱلصُّدَفِ…
بِدَايَاتٍ لِأَشْيَاءٍ لَا تُشْبِهُ ٱلصُّدْفَةَ فِي شَيْءٍ؟”
فِي ٱلْجِهَةِ ٱلْأُخْرَى، كَانَ “حُسَامٌ” يَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ، ضَحِكَةً مُتَفَجِّرَةً، تَخْرُجُ مِنْهُ كَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى سَبَبٍ مُكْتَمِلٍ. كَانَ يَرْوِي حِكَايَةً تَفَصَّلَتْ أَطْرَافُهَا فِي ٱلْهَوَاءِ، وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ كَامِلَةً، وَلَكِنَّ نِهَايَتَهَا وَحْدَهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتُشْعِلَ ٱلضَّحِكَ فِي وُجُوهِ ٱلْآخَرِينَ.
ضَحِكَ ٱثْنَانِ مَعَهُ…
لَا لِأَنَّهُمَا فَهِمَا ٱلْقِصَّةَ،
بَلْ لِأَنَّ ٱلضَّحِكَ—فِي بَعْضِ ٱلْأَحْيَانِ—أَسْهَلُ مِنَ ٱلْفَهْمِ.
نَظَرَ إِلَيْهِمْ لَحْظَةً.
لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُمْ…
وَلَكِنَّهُ، فِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.
وَفِي دَاخِلِهِ، تَسَلَّلَ صَوْتٌ هَادِئٌ:
“أَيُمْكِنُ أَنْ نَكُونَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ… دُونَ أَنْ نَكُونَ مَعَهُمْ؟”
تَحَرَّكَ ببطءٍ، وَفَتَحَ دُرْجَ ٱلْمَكْتَبِ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ هُنَاكَ كَمَا تَرَكَهُ:
ٱلْأَوْرَاقُ ٱلْمُرَتَّبَةُ بِعَادَةٍ،
ٱلدَّفْتَرُ ٱلْقَدِيمُ ٱلَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَثَرَ سِنِينَ،
وَٱلْقَلَمُ ٱلَّذِي يُصِرُّ عَلَى ٱسْتِخْدَامِهِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَكْتُبُ كَمَا كَانَ.
كَأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ…
لَا لِأَنَّهُ جَيِّدٌ،
بَلْ لِأَنَّهُ يَعْرِفُهُ.
هَمَسَ فِي نَفْسِهِ:
“هَلْ نُحِبُّ ٱلْأَشْيَاءَ لِقِيمَتِهَا… أَمْ لِأَنَّهَا بَقِيَتْ مَعَنَا حِينًا طَوِيلًا؟”
ثُمَّ…
تَوَقَّفَتْ يَدُهُ.
لَحْظَةٌ قَصِيرَةٌ…
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتَفْصِلَ بَيْنَ مَا يَعْرِفُهُ… وَمَا سَيَأْتِي.
هُنَاكَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَانِهِ.
وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ…
لَيْسَتْ مِنْ أَوْرَاقِهِ.
مَوْضُوعَةٌ بِعِنَايَةٍ فَوْقَ ٱلدَّفْتَرِ، كَأَنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ صُدْفَةً… بَلْ وُضِعَتْ لِتُرَى.
رَفَعَ نَظَرَهُ سَرِيعًا.
دَارَ بِعَيْنَيْهِ فِي ٱلْمَكَانِ.
لَا أَحَدَ كَانَ يُرَاقِبُهُ…
أَوْ هَكَذَا بَدَا.
وَلَكِنْ فِي أَعْمَاقِهِ، قَالَ صَوْتٌ خَفِيٌّ:
“أَوْ لَعَلَّ أَحَدًا مَا زَالَ يُرَاقِبُكَ… دُونَ أَنْ تَرَاهُ.”
مَدَّ يَدَهُ، وَرَفَعَ ٱلْوَرَقَةَ.
كَانَتْ خَفِيفَةً…
وَلَكِنَّهَا، لِسَبَبٍ لَا يُفْهَمُ، شَعَرَ أَنَّهَا أَثْقَلُ مِمَّا يَجِبُ.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِوَى رَقْمٍ.
لَا ٱسْمَ…
لَا مُلَاحَظَةَ…
لَا شَرْحَ…
رَقْمٌ فَقَط.
تَجَمَّدَتِ ٱللَّحْظَةُ.
وَفِي دَاخِلِهِ، ٱنْبَثَقَ سُؤَالٌ مُبَاغِتٌ:
“أَهُوَ نَفْسُ ٱلرَّقْمِ؟”
لَمْ يُجِبْ نَفْسَهُ.
بَلْ قَلَبَ ٱلْوَرَقَةَ بِسُرْعَةٍ، كَأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ—بِعِنَادٍ خَفِيٍّ—أَنْ يَجِدَ فِي ٱلْخَلْفِ تَفْسِيرًا… أَوِ ٱعْتِذَارًا… أَوْ أَيَّ شَيْءٍ يُعِيدُ ٱلْأُمُورَ إِلَى بَسَاطَتِهَا.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ.
فَرَاغٌ.
كَأَنَّ ٱلْوَرَقَةَ تَقُولُ:
“لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يُكْتَبُ… بَعْضُهُ يُتْرَكُ لِتُكْمِلَهُ أَنْتَ.”
وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ، مَرَّ بِخَاطِرِهِ صَوْتُ ٱمْرَأَةٍ—بَعِيدٌ، خَافِتٌ—لَمْ يَكُنْ قَدْ نَسِيَهُ بَعْدُ.
ٱنْقَبَضَ قَلْبُهُ قَلِيلًا.
وَقَالَ فِي سِرِّهِ:
“أَصُدْفَةٌ… أَمْ أَنَّ ٱلصُّدَفَ تَجِدُ طَرِيقَهَا إِلَيْنَا، حِينَ نَكُونُ مُسْتَعِدِّينَ لِأَنْ نَرَاهَا؟”
وَكَأَنَّ مُفَكِّرًا خَفِيًّا مَرَّ بِوَعْيِهِ، فَقَالَ:
“أَخْطَرُ ٱلْأَسْئِلَةِ… هِيَ تِلْكَ ٱلَّتِي تَبْدَأُ بِرَقْمٍ، وَلَا تَنْتَهِي بِإِجَابَةٍ.”
أَعَادَ نَظَرَهُ إِلَى ٱلْوَرَقَةِ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دُخُولِهِ…
شَعَرَ أَنَّ هَذَا ٱلْيَوْمَ لَنْ يَمْضِي كَغَيْرِهِ.
وَأَنَّ شَيْئًا مَا…
قَدْ بَدَأَ، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ إِذْنًا.
فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ، رَنَّ هَاتِفُ أَحَدِهِمْ فِي ٱلْجِهَةِ ٱلْأُخْرَى مِنَ ٱلْغُرْفَةِ.
فَٱنْكَسَرَ ٱلِٱنْتِبَاهُ…
وَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى صَوْتِهِ ٱلطَّبِيعِيِّ، كَأَنَّ مَا حَدَثَ قَبْلَ لَحْظَةٍ لَمْ يَحْدُثْ أَصْلًا.
ٱلضَّحِكَاتُ تَعُودُ…
ٱلْأَصْوَاتُ تَتَدَاخَلُ…
وَٱلْحَرَكَةُ تَسْتَعِيدُ فَوْضَاهَا ٱلْمُأْلُوفَةَ.
لَكِنَّهُ…
لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ.
بَقِيَ مُمْسِكًا بِٱلْوَرَقَةِ.
يَنْظُرُ إِلَى ٱلرَّقْمِ…
لَا كَمَنْ يَقْرَأُهُ،
بَلْ كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ.
كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ…
بَلْ نَسِيَ مَتَى رَآهُ.
وَفِي دَاخِلِهِ، هَمَسَ صَوْتٌ مُرْتَبِكٌ:
“أَيْنَ مَرَّ هَذَا ٱلرَّقْمُ؟ فِي حُلْمٍ؟ فِي صَوْتٍ؟ أَمْ فِي شَيْءٍ أَقْرَبَ مِمَّا أُرِيدُ أَنْ أُقِرَّ بِهِ؟”
— “مَا الذي مَعَكَ؟”
رَفَعَ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ، كَمَنْ أُخِذَ عَلَى غِرَّةٍ.
كَانَ “حُسَامٌ” وَاقِفًا أَمَامَهُ، يَمِيلُ قَلِيلًا نَحْوَ ٱلْمَكْتَبِ، وَعَيْنَاهُ—وَإِنْ بَدَتَا عَابِرَتَيْنِ—لَمْ تَكُونَا تَنْظُرَانِ إِلَيْهِ…
بَلْ إِلَى ٱلْوَرَقَةِ فِي يَدِهِ.
قَالَ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا يَنْبَغِي:
“لَا شَيْء.”
وَفِي دَاخِلِهِ، ٱنْتَبَهَ إِلَى ٱرْتِجَافٍ خَفِيفٍ فِي صَوْتِهِ، فَسَأَلَ نَفْسَهُ:
“لِمَاذَا أَدَافِعُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ بَعْدُ؟”
ٱبْتَسَمَ “حُسَامٌ”.
تِلْكَ ٱلِٱبْتِسَامَةُ ٱلَّتِي لَا تَعْنِي بِٱلضَّرُورَةِ أَنَّهُ ٱقْتَنَعَ…
بَلْ رُبَّمَا تَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْأَلَ أَكْثَرَ.
قَالَ:
“شَكْلُهَا مُهِمَّة.”
مَدَّ يَدَهُ، كَأَنَّهُ سَيَأْخُذُ ٱلْوَرَقَةَ…
ثُمَّ تَوَقَّفَ قَبْلَ أَنْ يَلْمِسَهَا، كَأَنَّهُ أَدْرَكَ—بِحَاسَّةٍ خَفِيَّةٍ—أَنَّ فِي ٱلْأَمْرِ حَدًّا لَا يُنْبَغِي تَجَاوُزُهُ.
قَالَ هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ بِهُدُوءٍ مُتَعَمَّدٍ، كَأَنَّهُ يُفَرِّغُ ٱلْكَلِمَةَ مِنْ كُلِّ ثِقَلٍ:
“رَقْم.”
تَوَقَّفَ “حُسَامٌ” لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ، وَفِي صَوْتِهِ مَزِيجٌ مِنَ ٱلْخِفَّةِ وَٱلْمُرَاقَبَةِ:
” كُلُّ ٱلْأَرْقَامِ تَظَلُّ أَرْقَامًا… وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّهَا يُوضَعُ عَلَى هَٰذِهِ ٱلطَّرِيقَةِ..”
ٱرْتَفَعَ حَاجِبُهُ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ تَرَكَ جُمْلَتَهُ تَعْمَلُ وَحْدَهَا، ثُمَّ ٱبْتَعَدَ خُطْوَةً.
وَلَكِنَّهُ، وَهُوَ يُدِيرُ ظَهْرَهُ، قَالَ جُمْلَةً أُخْرَى، أَخَفَّ… وَأَعْمَقَ:
” ٱنْتَبِهْ… فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَأْتِيكَ يَكُونُ صُدْفَةً..”
تَوَقَّفَ ٱلزَّمَنُ لِثَانِيَةٍ.
لَمْ تَكُنِ ٱلْجُمْلَةُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ…
بَلْ كَأَنَّهَا وَضَعَتْ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ، ثُمَّ مَضَتْ.
بَقِيَتْ مُعَلَّقَةً…
لَا فِي ٱلْهَوَاءِ،
بَلْ فِي وَعْيِهِ.
وَفِي دَاخِلِهِ، تَكَرَّرَ صَدَاهَا:
” ٱنْتَبِهْ… فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَأْتِيكَ يَكُونُ صُدْفَةً. …”
فَتَدَخَّلَ صَوْتٌ آخَرُ، أَعْمَقُ، أَقْرَبُ إِلَى تَأَمُّلٍ فَلْسَفِيٍّ:
“إِذَا لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً… فَمَاذَا تَكُونُ؟ دَعْوَةً؟ ٱخْتِبَارًا؟ أَمْ شَيْئًا قَدِ ٱخْتَارَكَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَهُ؟”
لَمْ يَتْبَعْهُ بِنَظَرِهِ.
بَلْ أَنْزَلَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ إِلَى ٱلْوَرَقَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
كَانَ ٱلرَّقْمُ مَا يَزَالُ هُنَاكَ…
صَامِتًا…
بَسِيطًا…
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ فَارِغًا كَمَا كَانَ.
طَوَاهَا.
بِحَرَكَةٍ هَادِئَةٍ، لَا تَخْلُو مِنْ حَذَرٍ، كَأَنَّهُ لَا يُخْفِي وَرَقَةً…
بَلْ يُؤَجِّلُ سُؤَالًا.
وَوَضَعَهَا دَاخِلَ ٱلدَّفْتَرِ.
وَكَأَنَّهُ، وَهُوَ يُغْلِقُ ٱلدَّفْتَرَ، قَالَ فِي سِرِّهِ:
“لَيْسَ ٱلْأَمْرُ أَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ…
بَلْ أَنِّي لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ مُسْتَعِدًّا لِمَا سَأَعْرِفُهُ.”
وَفِي عُمْقِهِ…
كَانَ شَيْءٌ مَا قَدْ ٱسْتَيْقَظَ.
وَلَمْ يَعُدْ مِنَ ٱلسَّهْلِ أَنْ يَعُودَ إِلَى نَوْمِهِ.
— “شَبَاب…!”
جَاءَ صَوْتُ “سَامِرٍ” هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ أَعْلَى مِنَ ٱلْمُعْتَادِ، لَا كَأَمْرٍ، بَلْ كَإِشَارَةٍ تُذَكِّرُ ٱلْمَكَانَ بِنَفْسِهِ.
تَدَرَّجَتِ ٱلْأَصْوَاتُ فِي ٱلْخُفُوتِ، كَأَنَّ ٱلْغُرْفَةَ تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَتَذَكَّرَتْ أَنَّ لَهَا وَجْهًا آخَرَ… وَجْهًا يَجِبُ أَنْ يَبْدُو مُنَظَّمًا.
قَالَ:
” فَلْيَنْتَبِهْ ٱلْجَمِيعُ قَلِيلًا. …”
ثُمَّ أَضَافَ، وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ مِنَ ٱلْحَذَرِ:
“سَتَكُونُ هُنَاكَ زِيَارَةٌ خِلَالَ عَشْرِ دَقَائِقَ؛ أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ وَاضِحًا جَلِيًّا… وَلَا أُرِيدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ بِمَا لَا دَاعِيَ لَهُ..”
مِنْ بَعِيدٍ، جَاءَ صَوْتُ “حُسَامٍ”، خَفِيفًا، مَشُوبًا بِسُخْرِيَّةٍ لَا تُخْفَى:
” أَيَعْنِي ذَٰلِكَ كَمَا جَرَتِ ٱلْعَادَةُ؟”
ٱنْفَلَتَتْ ضَحِكَةٌ صَغِيرَةٌ مِنْ أَحَدِهِمْ، سَرْعَانَ مَا ٱنْطَفَأَتْ، كَأَنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ لَهَا وَقْتًا غَيْرَ هَذَا.
لَمْ يُشَارِكْهُمْ.
فَتَحَ ٱلدَّفْتَرَ.
حَاوَلَ أَنْ يَقْرَأَ.
وَلَكِنَّ ٱلْكَلِمَاتِ بَدَتْ كَأَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِلُغَةٍ أُخْرَى، لُغَةٍ يَعْرِفُ حُرُوفَهَا… وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهَا.
لَمْ يَثْبُتْ نَظَرُهُ عَلَى سَطْرٍ.
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَجْذِبُهُ بَعِيدًا…
شَيْءٌ أَبْسَطُ مِمَّا يَنْبَغِي،
وَأَثْقَلُ مِمَّا يُفْهَمُ.
“رَقْم.”
قَالَهَا فِي دَاخِلِهِ.
“مُجَرَّدُ رَقْم…”
وَلَكِنْ، كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَيْءٍ بِهَذِهِ ٱلْبَسَاطَةِ أَنْ يُزْعِجَ هَذَا ٱلْقَدْرَ؟
وَفِي أَعْمَاقِهِ، قَالَ صَوْتٌ يُشْبِهُ تَحْلِيلًا نَفْسِيًّا هَادِئًا:
“لَيْسَ ٱلرَّقْمُ مَا يُقْلِقُكَ… بَلْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ.”
— “مُمْكِنْ دَقِيقَة؟”
رَفَعَ رَأْسَهُ.
كَانَتْ “لَيْلَى” تَقِفُ بِجَانِبِهِ، هَذِهِ ٱلْمَرَّةَ دُونَ كُوبِ ٱلْقَهْوَةِ، وَكَأَنَّ غِيَابَهُ سَحَبَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ خِفَّتِهَا.
مَلَامِحُهَا أَكْثَرُ جِدِّيَّةً…
أَقَلُّ ٱنْزِلَاقًا فِي ٱلْعَادَةِ.
قَالَ:
“نَعَم؟”
تَرَدَّدَتْ قَلِيلًا، وَفِي ذَلِكَ ٱلتَّرَدُّدِ شَعَرَ أَنَّهَا لَا تَخْتَارُ كَلِمَاتِهَا فَقَط…
بَلْ تَخْتَارُ مَا إِذَا كَانَتْ سَتَقُولُ أَمْ لَا.
ثُمَّ قَالَتْ:
” سَأَلَ عَنْكَ أَحَدٌ فِي الصَّبَاحِ.”
تَجَمَّدَ شَيْءٌ خَفِيفٌ فِي دَاخِلِهِ.
لَمْ يَكُنْ خَوْفًا…
وَلَا دَهْشَةً…
بَلْ شَيْءٌ بَيْنَهُمَا، كَأَنَّهُ تَوَقُّعٌ لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا حَتَّى ٱلْآنَ.
قَالَ:
” مَنْ هُوَ؟”
لَا أَدْرِي… لَمْ تُعْطِ ٱسْمًا..”
تَضَاعَفَ ٱلصَّمْتُ فِي دَاخِلِهِ.
قَالَ:
” وَمَاذَا تُرِيدُ؟”
قَالَتْ إِنَّها سَتَعُودُ لِتَتَوَاصَلَ مَعَكَ.”
لَحْظَةُ فَرَاغٍ.
وَكَأَنَّ كُلَّ ٱلْأَصْوَاتِ مِنْ حَوْلِهِ بَعُدَتْ خُطْوَةً.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ “لَيْلَى” لَحْظَةً أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي.
لَحْظَةً لَمْ تَكُنْ سُؤَالًا…
وَلَا إِجَابَةً…
بَلْ شَيْئًا بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ قَالَتْ، بِخُفُوتٍ:
” يَبْدُو أَنَّ ٱلأَمْرَ لَيْسَ مِنْ بَابِ ٱلْعَمَلِ..”
ٱرْتَفَعَ فِي دَاخِلِهِ صَوْتٌ خَافِتٌ:
“إِذًا… مَاذَا يَكُونُ؟”
وَقَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ…
فُتِحَ ٱلْبَابُ.
دَخَلَ رَجُلَانِ.
تَغَيَّرَ ٱلْجَوُّ فَوْرًا.
لَيْسَ بِٱلضَّجِيجِ…
بَلْ بِٱلنَّبْرَةِ.
قَامَ “سَامِرٌ” مُسْرِعًا، عَدَّلَ مِنْ وَضْعِ قَمِيصِهِ، وَتَقَدَّمَ بِخُطُوَاتٍ أَسْرَعَ مِنْ عَادَتِهِ، كَأَنَّهُ يَلْحَقُ بِصُورَةٍ يَجِبُ أَنْ تَكْتَمِلَ.
قَالَ، بِٱبْتِسَامَةٍ مُرَتَّبَةٍ:
“أَهْلًا وَسَهْلًا…”
عَادَتِ ٱلْأَصْوَاتُ…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَفْسَهَا.
أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ ٱنْضِبَاطًا…
أَقَلَّ صِدْقًا…
كَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ٱرْتَدَى قِنَاعًا سَرِيعًا.
نَهَضَ هُوَ أَيْضًا.
بِبُطْءٍ.
لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ٱلدَّاخِلَيْنِ.
لَمْ تَكُنِ ٱلزِّيَارَةُ مَا يَشْغَلُهُ.
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ…
شَيْءٌ لَا يُرَى،
وَلَا يُسَمَّى…
وَلَكِنَّهُ يَتَحَرَّكُ.
وَفِي دَاخِلِهِ، تَشَكَّلَ ٱلشُّعُورُ بِوُضُوحٍ أَكْثَرَ:
“هَذَا ٱلْيَوْمُ…”
تَوَقَّفَتِ ٱلْجُمْلَةُ لَحْظَةً، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ تُكْمِلُهَا.
ثُمَّ أَكْمَلَ فِي سِرِّهِ:
“ٱلَّذِي بَدَأَ عَادِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي…”
صَمْتٌ قَصِيرٌ…
“بَدَأَ يَنْحَرِفُ.”
وَكَأَنَّ صَوْتًا آخَرَ، أَعْمَقَ، أَكْثَرَ حِكْمَةً، هَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“وَلَيْسَ كُلُّ ٱلِٱنْحِرَافَاتِ خَطَأً… بَعْضُهَا طَرِيقٌ لَمْ تَكُنْ تَجْرُؤُ عَلَى ٱخْتِيَارِهِ.”
وَقَفَ فِي مَكَانِهِ…
وَشَعَرَ—لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ صَبَاحِهِ—
أَنَّهُ لَا يَقِفُ فِي ٱلْمَكَانِ ٱلَّذِي كَانَ يَعْرِفُهُ تَمَامًا.
بَلْ عَلَى حَافَّةِ شَيْءٍ…
لَمْ يَتَّضِحْ بَعْدُ.
لكنَّ…
لَمْ يَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ طَبِيعِيًّا.
بَقِيَ وَاقِفًا لِثَوَانٍ، بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَ البَابُ خَلْفَ الرَّجُلَيْنِ، كَأَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي تَرَكاهُ لَمْ يَغَادِرِ المَكَانَ بَعْدُ. لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى كُرْسِيِّهِ، بَلْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بَيْنَ حَرَكَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ وَلَحْظَةٍ لَمْ تَنْتَهِ.
فِي دَاخِلِهِ، كَانَ صَوْتٌ خَافِتٌ يَهْمِسُ: “لِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا مَا لَمْ يُقَلْ بَعْدُ؟ أَلَيْسَ كُلُّ مَا حَدَثَ قَدِ انْتَهَى؟ أَمْ أَنَّ النِّهَايَاتِ أَحْيَانًا تَكُونُ أَقْنِعَةً لِبِدَايَاتٍ خَفِيَّةٍ؟”
بَعْدَ ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ غَادَرَ الرَّجُلَانِ دُونَ أَيِّ كَلَامٍ.
حَوْلَهُ، عَادَتِ الحَيَاةُ تَتَسَرَّبُ كَمَاءِ نَهْرٍ بَعْدَ جَفَافٍ قَصِيرٍ.
جَاءَ صَوْتُ حُسَامٍ أَوَّلًا:
“وَٱللَّهِ لَقَدْ خَفَّفُوا عَنَّا ٱلْيَوْمَ… كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ نَدُورَ فِي حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ!”
ضَحِكَةٌ خَفِيفَةٌ، وَهَمْسٌ مُتَقَطِّعٌ، وَأَوْرَاقٌ تُعَادُ إِلَى أَمَاكِنِهَا… كَأَنَّ المَشْهَدَ يُفَكِّكُ نَفْسَهُ بِيَدٍ خَفِيَّةٍ، وَيُعِيدُ تَرْتِيبَ ذَاكِرَتِهِ لِيَبْدُو عَادِيًّا.
أَمَّا هُوَ…
فَلَمْ يَعُدْ.
جَلَسَ أَخِيرًا.
بِبُطْءٍ يَكْشِفُ ثِقَلًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ.
وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الطَّاوِلَةِ كَمَا فَعَلَ صَبَاحًا، وَتَأَمَّلَهُمَا لِحَظَةً… ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ الفَرَاغِ.
ذَلِكَ الرَّجُلُ…
لَمْ يَسْأَلْهُ شَيْئًا.
لَمْ يُعَارِضْهُ.
لَمْ يُعَلِّقْ.
وَمَعَ ذَلِكَ…
كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
لَيْسَ كَمُوَظَّفٍ يُقَيِّمُ عَمَلَهُ…
وَلَا كَزَائِرٍ عَابِرٍ…
بَلْ كَمَنْ يَحْمِلُ مَعْرِفَةً صَامِتَةً.
شَيْئًا… لَمْ يُقَلْ.
فِي دَاخِلِهِ، ارْتَفَعَ صَوْتٌ آخَرُ، أَكْثَرُ وُضُوحًا: “هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ مَرْئِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا يَظُنُّ؟ هَلْ نَحْمِلُ أَسْرَارَنَا عَلَى وُجُوهِنَا دُونَ أَنْ نَدْرِي؟”
اِبْتَلَعَ هَذَا الإِحْسَاسَ سَرِيعًا، كَمَنْ يُخْفِي فِكْرَةً مُقْلِقَةً قَبْلَ أَنْ تَنْضُجَ.
فَتَحَ الدَّفْتَرَ.
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ عِنْدَ الصَّفْحَةِ الَّتِي تَخْبِئُ الوَرَقَةَ.
تَرَدَّدَ.
ثُمَّ أَخْرَجَهَا.
الرَّقْمُ.
نَفْسُهُ.
بَسِيطٌ… سَاكِنٌ…
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ.
مَرَّرَ إِصْبَعَهُ عَلَيْهِ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْأَلُهُ: “هَلْ أَنْتَ حَقِيقَةٌ… أَمْ بَابٌ لِشَيْءٍ لَا أُرِيدُهُ؟”
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ…
عَادَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الشُّعُورُ الغَامِضُ.
أَنَّهُ رَآهُ مِنْ قَبْلُ.
لَيْسَ ذِكْرَى… بَلْ أَثَرُهَا.
لَيْسَ مَوْقِفًا… بَلْ ظِلُّهُ.
صَوْتٌ فِي أَعْمَاقِهِ قَالَ: “بَعْضُ الأَشْيَاءِ لَا تَأْتِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ… بَلْ تَعُودُ، وَنَحْنُ نَظُنُّهَا جَدِيدَةً.”
هَلْ زِلْتَ تُفَكِّرُ فِيهَا؟؟”
رَفَعَ رَأْسَهُ.
لَيْلَى.
كَانَتْ نَظْرَتُهَا هَذِهِ المَرَّةَ أَعْمَقَ، لَا فُضُولَ فِيهَا فَقَطْ، بَلْ شَيْءٌ مِنَ الحَذَرِ أَيْضًا.
قَالَ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ:
“لَا أَعْرِفْ.”
ثُمَّ فِي دَاخِلِهِ: “أَوْ رُبَّمَا أَعْرِفُ… وَلَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أُسَمِّيَهُ.”
اِقْتَرَبَتْ خُطْوَةً، وَخَفَّضَتْ صَوْتَهَا:
“هَلْ تُرِيدُ أَنْ تُجَرِّبَ أَنْ تَدُقَّ؟”
نَظَرَ إِلَيْهَا… ثُمَّ إِلَى الرَّقْمِ… ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا.
كَانَ السُّؤَالُ أَثْقَلَ مِمَّا يَبْدُو.
فِي دَاخِلِهِ، صَوْتٌ جَدِيدٌ، كَأَنَّهُ صَوْتُ رَجُلٍ حَكِيمٍ لَا يُرَى، قَالَ: “لَيْسَ كُلُّ طَرْقٍ لِبَابٍ اسْتِكْشَافًا… بَعْضُهَا اسْتِدْعَاءٌ لِمَا خَلْفَهُ.”
قَالَ مُتَرَدِّدًا:
“كُلُّ شَيْءٍ قَدْ أن يَكُونَ خَطَأً… حَتَّى نَتَأَكَّدَ مِنْهُ..”
وَلَكِنَّ قَلْبَهُ أَجَابَ فَوْرًا: “وَمَاذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ؟”
اِبْتَسَمَتْ لَيْلَى:
“كُلُّ شَيْءٍ قَدْ أن يَكُونَ خَطَأً… حَتَّى نَتَأَكَّدَ مِنْهُ..”
صَمَتَ.
وَامْتَدَّ الصَّمْتُ هَذِهِ المَرَّةَ كَأَنَّهُ زَمَنٌ صَغِيرٌ مُسْتَقِلٌّ.
لَمْ يَقَاطِعْهُ أَحَدٌ.
حَتَّى الأَصْوَاتُ مِنْ حَوْلِهِ بَدَتْ بَعِيدَةً، كَأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْهَا دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ.
أَعَادَ النَّظَرَ إِلَى الوَرَقَةِ.
ثُمَّ… مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الهَاتِفِ.
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ فَوْقَ الشَّاشَةِ.
لِثَانِيَةٍ…
ثَانِيَتَيْنِ…
وَفِي دَاخِلِهِ مَرَّ شُعُورٌ غَرِيبٌ.
لَيْسَ خَوْفًا مِنَ المُكَالَمَةِ…
بَلْ مِنَ الإِجَابَةِ.
صَوْتٌ آخَرُ، كَأَنَّهُ صَوْتُ مُحَلِّلٍ نَفْسِيٍّ، هَمَسَ: “الإِنْسَانُ لَا يَخَافُ الحَقِيقَةَ… بَلْ مَا سَتُغَيِّرُهُ فِيهِ.”
ضَغَطَ عَلَى الأَرْقَامِ… وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ.
رَفَعَ الهَاتِفَ إِلَى أُذُنِهِ.
رَنَّةٌ…
ثَانِيَةٌ…
ثَالِثَةٌ…
ثُمَّ…
اِنْقَطَعَ الرَّنِينُ.
جَاءَ الصَّوْتُ.
نَفْسُهُ.
صَوْتُ المَرْأَةِ.
لَكِنَّهُ هَذِهِ المَرَّةِ… لَمْ يَكُنْ مُتَرَدِّدًا.
“كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَتَّصِلُ.”
تَجَمَّدَ.
فِي دَاخِلِهِ، صَرَخَ سُؤَالٌ: “كَيْفَ؟ وَمَتَى بَدَأَ هَذَا الأَمْرُ؟”
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
أَكْمَلَتْ بِهُدُوءٍ ثَقِيلٍ:
“تَأَخَّرْتَ قَلِيلًا… لَكِنْ لَا بَأْسَ.”
شَدَّ الهَاتِفَ إِلَى أُذُنِهِ، كَأَنَّ القُرْبَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْشِفَ مَا خَفِيَ.
قَالَ:
“مِينْ حَضْرَتِكْ؟”
صَمْتٌ قَصِيرٌ…
ثُمَّ:
“هَذَا السُّؤَالُ… لَيْسَ أَوَّلَ مَا يَجِبُ أَنْ تَسْأَلَهُ.”
تَوَقَّفَتْ.
وَكَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ مَعَهَا.
ثُمَّ قَالَتْ، بِصَوْتٍ أَبْطَأَ… أَثْقَلَ:
“السُّؤَالُ الأَهَمُّ…”
وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي دَاخِلِهِ أَنْصَتَ:
“كَيْفَ وَصَلَ الرَّقْمُ إِلَيْكَ؟”
لَمْ يُجِبْ.
لِأَنَّهُ…
فَجْأَةً…
لَمْ يَعُدْ مُتَأَكِّدًا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ.
وَفِي أَعْمَاقِهِ، كَانَ سُؤَالٌ آخَرُ يَنْبِضُ بِبُطْءٍ:
“هَلِ الحَقِيقَةُ دَائِمًا نَجَاةٌ… أَمْ أَنَّهَا أَحْيَانًا بَدَايَةُ ضَيَاعٍ أَكْبَرَ؟”
جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، مُسْتَنْشِقًا الْهَوَاءَ بِعُمْقٍ، وَكَأَنَّ كُلَّ شَهِيقٍ يَمْلَؤُهُ بِجُرُعَاتٍ مِنْ صَبْرِهِ وَهُدُوئِهِ الدَّاخِلِيِّ. أَدَارَ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ نَحْوَ زُمَلَائِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ مَا وَرَاءَ وُجُوهِهِمْ:
— «هَلْ عَادَتِ الْأُمُورُ إِلَى طَبِيعَتِهَا أَخِيرًا؟» سَأَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ هَمَسَهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ كَأَنَّهُ يَخْتَبِرُ الْوَاقِعَ.
ضَحِكَ حُسَامٌ بِخِفَّةٍ، ذَلِكَ الضَّحِكُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ إِلَّا سِتَارًا يُخْفِي خَلْفَهُ قَلَقَهُ الدَّاخِلِيَّ، بَيْنَمَا رَفَعَتْ لَيْلَى حَاجِبَهَا بِعَيْنَيْنِ لَامِعَتَيْنِ، وَكَأَنَّهَا تَلْمِسُ خَيْطًا مِنْ سِرٍّ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا.
جَلَسَ عَلَى الْمَقْعَدِ، يُحَدِّقُ فِي الرَّقْمِ الَّذِي يَلُوحُ فِي دَفْتَرِهِ: «لِمَاذَا يَظَلُّ هَذَا الرَّقْمُ يُلَاحِقُنِي؟ هَلْ هُوَ مُجَرَّدُ صُدْفَةٍ، أَمْ رِسَالَةٌ خَفِيَّةٌ؟» كَانَ شُعُورٌ بِالِانْقِبَاضِ يَضْغَطُ عَلَى صَدْرِهِ، وَكَأَنَّ الْهَوَاءَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ ثَقِيلًا، مُحَمَّلًا بِتَوَقُّعَاتٍ لَمْ تَجْرُؤِ الْكَلِمَاتُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا.
وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ مُنْهَمِكًا فِي حِوَارَاتِهِمُ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، لَمْ يَسْتَطِعِ التَّخَلُّصَ مِنَ الشُّعُورِ بِأَنَّ الْيَوْمَ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ، وَأَنَّ شَيْئًا مَا، رُبَّمَا مُقْلِقًا أَوْ مُدْهِشًا، يَقْتَرِبُ بِخُطًى هَادِئَةٍ، يَخْتَبِرُ صَبْرَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْمَجْهُولِ.
—-
الْبَيْتُ لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفًا عَنْ أَيِّ صَبَاحٍ آخَرَ، إِلَّا أَنَّ الصَّمْتَ بَدَا أَكْثَرَ ثِقَلًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَمَا لَوْ أَنَّ الْجُدْرَانَ تَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا سِوَى مَنْ عَاشَ بَيْنَ أَرْكَانِهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً.
فَتَحَ أَيْمَنُ بَابَ غُرْفَتِهِ بِهُدُوءٍ، مُتَرَقِّبًا أَنْ لَا تُوقِظَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَلَا طِفْلَهُمَا الَّذِي كَانَ مَا يَزَالُ غَارِقًا فِي نَوْمِهِ الْعَمِيقِ. شُعُورٌ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ غَمَرَ صَدْرَهُ، كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ وَكُلَّ خُطْوَةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَحْسُوبَةً، لِكَيْ لَا يُحْدِثَ أَيَّ اضْطِرَابٍ فِي نِظَامِ الصَّبَاحِ الدَّقِيقِ الَّذِي اعْتَادَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ.
كَانَ سَامِرٌ يَقِفُ فِي الْمَمَرِّ، كَظِلِّهِ الدَّائِمِ، يُرَاقِبُ بِحَذَرٍ وَاهْتِمَامٍ؛ عَيْنَاهُ تُحْصِيَانِ كُلَّ حَرَكَةٍ، وَكُلَّ لَحْظَةِ تَأْخِيرٍ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ قَدْ تَعَلَّقَ فِي حَرَكَتِهِ.
“صَبَاحُ الْخَيْرِ، يَا بُنَيَّ.”
قَالَهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، لَكِنَّهُ مَشْحُونٌ بِالْحَزْمِ، يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ خِبْرَةَ سَنَوَاتِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَوَعْيًا بِأَنَّ أَيْمَنَ قَدْ يَشْعُرُ بِثِقْلِ الْحُرُوفِ قَبْلَ سَمَاعِهَا.
“صَبَاحُ الْخَيْرِ، أَبِي.”
رَدَّ أَيْمَنُ بِخِفَّةٍ، وَهُوَ يَلْتَقِطُ حَقِيبَتَهُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَيُحَاوِلُ تَرْتِيبَ نَفْسِهِ لِلْعَمَلِ، بَيْنَمَا يَضَعُ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ عَلَى كَتِفِهِ بِحَذَرٍ.
رَاقَبَ سَامِرٌ الْمَشْهَدَ، صَامِتًا، لَكِنَّ أَفْكَارَهُ تَتَشَابَكُ: «هَلْ سَيَنْجَحُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ عَمَلِهِ وَضَغْطِ الْحَيَاةِ؟ هَلْ سَتَكْفِي قُوتُ يَوْمِهِ لِعَائِلَتِهِ؟»
“الْمَحَلُّ؟ الْيَوْمُ مُزْدَحِمٌ؟”
سَأَلَ سَامِرٌ، دُونَ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ كَانَ السُّؤَالُ كَافِيًا لِيُشْعِلَ شَرَارَةَ الِانْتِبَاهِ فِي ذِهْنِ أَيْمَنَ.
“نَعَمْ… الزَّبَائِنُ أَكْثَرُ مِنَ الْمُعْتَادِ… لَكِنَّ الْبَيْعَ… إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالدَّيْنِ فَلَنْ يَنْتَهِيَ أَيُّ شَيْءٍ.”
تَوَقَّفَ أَيْمَنُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِحَاجَةٍ لِإِكْمَالِ الْجُمْلَةِ؛ سَامِرٌ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ: الضَّغْطَ، الْقَلَقَ، نَقْصَ الدَّخْلِ، ثِقْلَ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُزْدَوِجَةِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْأُسْرَةِ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ بِخِفَّةٍ، لَكِنَّهَا كَانَتِ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، تَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا خِبْرَةَ أَعْوَامٍ مِنَ الصَّبْرِ وَالْمُرَاقَبَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، انْطَلَقَتْ أَفْكَارُ أَيْمَنَ كَتَيَّارٍ سَرِيعٍ فِي دَاخِلِهِ: “كَيْفَ سَأُوَازِنُ بَيْنَ مُتَطَلِّبَاتِ الْعَمَلِ، بَيْنَ طَلَبِيَّاتِ الزَّبَائِنِ، وَبَيْنَ بُكَاءِ الطِّفْلِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ؟ هَلْ سَأَكُونُ أَبًا كَافِيًا؟ وَهَلْ سَأَبْقَى زَوْجًا دَاعِمًا؟”
لَاحَظَ سَامِرٌ نَظَرَاتِ أَيْمَنَ، وَفَهِمَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَشَكَّلَ الْكَلِمَاتُ عَلَى شَفَتَيْهِ: “تَذَكَّرْ، أَيْمَنُ، أَيَّ شَيْءٍ يَحْتَاجُهُ الطِّفْلُ أَوْ زَوْجَتُكَ، لَا تَتَرَدَّدْ فِي أَنْ تَقُولَ لِي.”
“أَعْلَمُ يَا أَبِي… أَعْلَمُ.”
رَدَّ أَيْمَنُ، لَكِنَّ كَلِمَاتِهِ كَانَتْ مُثْقَلَةً بِالْمَسْؤُولِيَّةِ نَفْسِهَا، وَكَأَنَّهَا تُذَكِّرُهُ دَائِمًا بِأَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رُوتِينٍ، بَلْ صِرَاعٌ مُتَوَاصِلٌ بَيْنَ وَاجِبَاتِهِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، بَيْنَ عَمَلِهِ الصَّغِيرِ وَأَحْلَامِهِ الْكَبِيرَةِ.
دَاخِلَ أَيْمَنَ، ارْتَسَمَتْ فِكْرَةٌ جَدِيدَةٌ: “رُبَّمَا لَوْ نَظَّمْتُ وَقْتِي بِشَكْلٍ أَفْضَلَ، وَرُبَّمَا لَوْ خَصَّصْتُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً أَكْثَرَ لِابْتِسَامَةِ زَوْجَتِي، لَنْ يَكُونَ الْعِبْءُ بِهَذِهِ الثِّقَلِيَّةِ… هَلْ يُمْكِنُنِي حَقًّا إِيجَادُ هَذَا التَّوَازُنِ؟”
أَمَّا سَامِرٌ، فَظَلَّ وَاقِفًا، صَامِتًا، يُرَاقِبُ، مُتَفَهِّمًا، لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ دَرْسٍ يُعْطَى، وَكُلَّ نَصِيحَةٍ تُقَالُ، سَتَكُونُ عَلَى قَدْرِ تَحَمُّلِ أَيْمَنَ، وَأَنَّ هَذَا الصَّبَاحَ، مِثْلَ كُلِّ صَبَاحٍ، مَا هُوَ إِلَّا بِدَايَةُ اخْتِبَارٍ آخَرَ لِلصَّبْرِ وَالصُّمُودِ.
بَعْضُ الصِّغَارِ يَصْرُخُونَ مِنَ الْغُرْفَةِ الْمُجَاوِرَةِ، يَطْلُبُونَ الْإِفْطَارَ، كَأَنَّ الصَّوْتَ نَفْسَهُ يَسْرِقُهُمْ مِنْ أَحْلَامِهِمْ وَيَنْقُلُهُمْ مُبَاشَرَةً إِلَى طَاوِلَةِ الْمَائِدَةِ. صَوْتُهُمْ الْمُفْعَمُ بِالْحَيَاةِ يَمْلَأُ الْمَكَانَ، وَيَتْرُكُ أَثَرَهُ عَلَى جُدْرَانِ الْبَيْتِ الصَّامِتَةِ مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ»
زَوْجَتُهُ كَانَتْ تُرَتِّبُ الْمَائِدَةَ بِصَمْتٍ، إِلَّا مِنْ خُطُوَاتِ قَدَمَيْهَا الْخَفِيفَةِ عَلَى الْبِلَاطِ، كَأَنَّهَا تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِتَحْتَفِظَ بِالْهُدُوءِ الَّذِي يَسْبِقُ صَخَبَ الصَّبَاحِ. وَكُلُّ حَرَكَةٍ مِنْهَا كَانَتْ تَحْمِلُ اهْتِمَامًا صَغِيرًا بِالْأَشْيَاءِ الْكَبِيرَةِ: تَرْتِيبُ الصُّحُونِ، رَصُّ الْكُؤُوسِ، وَضَبْطُ الشَّايِ عَلَى الْمَوْقِدِ.
جَلَسَ هُوَ عَلَى الْكُرْسِيِّ، يُزِيلُ الْغُبَارَ عَنْ دَفْتَرِهِ الَّذِي أَحْضَرَهُ مِنَ الْعَمَلِ، مُحَاوِلًا دَفْنَ أَيِّ فِكْرَةٍ عَنِ الرَّقْمِ الْغَامِضِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ صَبَاحَ الْأَمْسِ خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ خَافِتَةٍ. كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَكَادُ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، لَكِنَّهَا تَوَقَّفَتْ أَمَامَ ضَوْءِ الصَّبَاحِ الَّذِي يَتَسَلَّلُ عَبْرَ السَّتَائِرِ، وَكَأَنَّهُ يُرَاقِبُهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ الصِّدْقَ مَعَ نَفْسِهِ.
“صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا جَمَاعَةُ.”
رَدَّ الْأَوْلَادُ بِصَخَبٍ، كَأَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ تَعْوِيضَ الصَّمْتِ الَّذِي غَطَّى الْبَيْتَ طِوَالَ اللَّيْلِ، كَأَنَّ كُلَّ صَرْخَةٍ مِنْهُمْ تَقُولُ: “نَحْنُ هُنَا، نُرِيدُ أَنْ نَحْيَا، نُرِيدُ أَنْ نَبْدَأَ يَوْمَنَا!”
جَلَسَ أَحَدُهُمْ بِجَانِبِهِ، يَسْأَلُهُ عَنْ وَاجِبَاتِهِ الْمَدْرَسِيَّةِ، بِعَيْنَيْنِ مُتَحَمِّسَتَيْنِ تَتُوقَانِ لِاهْتِمَامِهِ الْكَامِلِ. ابْتَسَمَ لَهُ، وَبَدَأَ يَشْرَحُ، لَكِنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ نِصْفَ الْكَلِمَاتِ فَقَطْ. النِّصْفُ الْآخَرُ كَانَ مَشْغُولًا بِالْأَفْكَارِ الْغَامِضَةِ الَّتِي لَمْ يَفْهَمْهَا تَمَامًا، بِشُعُورٍ غَرِيبٍ يُثْقِلُ حَرَكَتَهُ وَكَلِمَاتِهِ، كَمَا لَوْ أَنَّ ثِقْلَ الْحَيَاةِ نَفْسِهِ يُحَاوِلُ اخْتِبَارَهُ فِي هُدُوءِ الصَّبَاحِ.
زَوْجَتُهُ نَظَرَتْ إِلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَعَيْنَاهَا تَقُولَانِ مَا لَمْ تَجْرُؤْ شَفَتَاهَا عَلَى قَوْلِهِ: “أَنْتَ دَائِمًا بَعِيدٌ… حَتَّى هُنَا.” ابْتَسَمَ لَهَا بِخِفَّةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَجَرَّأْ عَلَى الْكَلَامِ. كَانَتْ هُنَاكَ أَشْيَاءُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَالَ أَمَامَ الصِّغَارِ، وَأَشْيَاءُ أُخْرَى لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَالَ أَمَامَ أَيِّ أَحَدٍ، رُبَّمَا لِأَنَّهَا تَحْمِلُ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً، أَوْ لِأَنَّهَا تُؤْلِمُ أَكْثَرَ مِمَّا تُحْتَمَلُ.
وَبَيْنَمَا كَانَ يُرَاقِبُ حَرَكَةَ الْأَطْفَالِ، شَعَرَ بِشَيْءٍ… إِحْسَاسٌ غَرِيبٌ، لَا يَعْرِفُ مَصْدَرَهُ، كَأَنَّ الْهَوَاءَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ أَثْقَلَ. لَمْ يَظْهَرْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَتَّصِلْ أَحَدٌ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِثِقْلٍ خَفِيٍّ عَلَى حَرَكَاتِهِ، وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ يَهْمِسُ بِهَا أَصْبَحَتْ أَثْقَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَكَأَنَّ مَا لَمْ يُقَلْ يَزِنُ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَا نَطَقَ بِهِ.
فِي لَحْظَةِ صَمْتٍ قَصِيرَةٍ، سَمِعَ صَدَى أَفْكَارِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَكَأَنَّ صَوْتًا آخَرَ يُنَادِيهِ مِنْ بَعِيدٍ: “هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ أَنَّكَ تَعْرِفُ كُلَّ مَا يَدُورُ حَوْلَكَ؟”
فَكَّرَ: “رُبَّمَا هَذِهِ هِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ أُوَاجِهَ فِيهَا الْغُمُوضَ، الرَّقْمَ، الْأَسْئِلَةَ… الْحَيَاةَ نَفْسَهَا.”
وَفَجْأَةً، كَأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا آخَرَ، هَادِئًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، صَوْتَ سَامِرٍ، صَوْتَهُ الدَّاخِلِيَّ الْمَعْرُوفَ: “تَذَكَّرْ، أَيْمَنُ، لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَمَّلَ وَحْدَهُ كُلَّ شَيْءٍ. لَا تَخَفْ مِنَ الْمُشَارَكَةِ، لَا تَخَفْ مِنَ السَّمَاحِ لِلْحَيَاةِ أَنْ تَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ مَخَاوِفِكَ.”
ابْتَسَمَ أَيْمَنُ، شُعُورٌ بِالِارْتِيَاحِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا. فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ، وَأَنَّ كُلَّ صَبَاحٍ سَيَحْمِلُ مَعَهُ صُرَاخَ الْأَطْفَالِ، خُطُوَاتِ الزَّوْجَةِ، وَأَفْكَارَهُ الْغَرِيبَةَ… لَكِنَّهَا، مَعَ كُلِّ ذَلِكَ، كَانَتْ حَيَاتَهُ، وَكَانَتِ الْبِدَايَةَ.
الصَّبَاحُ نَفْسُهُ كَانَ عَادِيًّا، لَكِنَّهُ بَدَا لَهُ مُخْتَلِفًا. كُلُّ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي اعْتَادَ عَلَيْهَا تَحَوَّلَتْ فَجْأَةً إِلَى اخْتِبَارَاتٍ صَامِتَةٍ، لِوَاجِبِهِ، لِحُبِّهِ، وَلِحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَيْشُ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ. حَتَّى الضَّوْءُ الَّذِي يَتَسَلَّلُ مِنَ النَّوَافِذِ، وَرَائِحَةُ الْقَهْوَةِ الصَّبَاحِيَّةِ، وَصَوْتُ الْأَطْفَالِ فِي الْمَمَرِّ، كُلُّهَا شَعَرَتْ لَهُ وَكَأَنَّهَا أَسْئِلَةٌ صَغِيرَةٌ تُطْرَحُ عَلَيْهِ بِصَمْتٍ: “هَلْ أَنْتَ حَاضِرٌ بِمَا يَكْفِي؟ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِيَهُمْ؟ هَلْ سَتَظَلُّ صَادِقًا مَعَ نَفْسِكَ؟”
نَهَضَ بَعْدَ قَلِيلٍ، جَهَّزَ حَقِيبَتَهُ الصَّغِيرَةَ، بِعِنَايَةٍ كَمَنْ يَحْزِمُ شَيْئًا ثَمِينًا. قَبْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْأَوْلَادَ فِي حِضْنِ رُوتِينِهِمُ الْمُعْتَادِ، شَعَرَ بِثِقْلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَكَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ لَهُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَصَائِرَ صَغِيرَةٍ تُحِيطُ بِهِ.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْيَوْمَ لَنْ يَنْتَهِيَ كَمَا بَدَأَ، وَأَنَّ الْمَنْزِلَ، رَغْمَ كُلِّ الْحُبِّ الَّذِي يَحْمِلُهُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوَفِّرَ لَهُ الرَّاحَةَ الْكَامِلَةَ. هُنَاكَ دَائِمًا شَيْءٌ يُطَالِبُهُ أَكْثَرَ، أَوْ سُؤَالٌ يَطْرُقُ بَابَ ذِهْنِهِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ.
وَقَفَ سَامِرٌ جَانِبًا، يُشَاهِدُ أَيْمَنَ يُحَاوِلُ أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ حَقِيبَتِهِ، طِفْلِهِ، أَوْرَاقِ الْعَمَلِ الصَّغِيرَةِ، وَالْعِبْءِ النَّفْسِيِّ. كُلُّ خُطْوَةٍ لَهَا وَزْنُهَا، وَكُلُّ حَرَكَةٍ كَانَتْ اخْتِبَارًا لِلصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ، كَأَنَّ الشَّقَّةَ نَفْسَهَا تَتَنَفَّسُ مَعَهُ، وَتَشْهَدُ عَلَى كُلِّ تَرَدُّدٍ وَكُلِّ قَرَارٍ.
— “هَلْ سَتَتَمَكَّنُ الْيَوْمَ مِنَ الْعَوْدَةِ قَبْلَ الْعَشَاءِ؟”
سَأَلَ ابنه، نَبْرَةُ صَوْتِهِ حَادَّةٌ قَلِيلًا، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لَوْمًا، بَلْ تَحْذِيرًا مُبَطَّنًا، وَكَأَنَّهَا رِسَالَةٌ صَامِتَةٌ: ” تَذَكَّرْ أَنَّ الْجَمِيعَ يَنْتَظِرُكَ، وَدَعَوَاتُنَا لَكَ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ لَكَ، أَنْتَ وَإِخْوَتُكَ عَلَى الطَّرِيقِ، حَتَّى تَعُودوا إليْنَا سَالمِينَ..”
— “سَأُحَاوِلُ… لَكِنْ لَا أَعِدُكَ.”
قَالَهَا أَيْمَنُ بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ، وَهُوَ يَضَعُ الطِّفْلَ فِي الْعَرَبَةِ الصَّغِيرَةِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَبْدَأَ يَوْمَهُ الطَّوِيلَ. كَانَتِ ابْتِسَامَتُهُ مُحَاوَلَةً لِإِخْفَاءِ قَلَقِهِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَنْجَحْ تَمَامًا؛ كَانَ الْخَوْفُ مِنَ الْفَشَلِ يَخْتَبِئُ خَلْفَ عَيْنَيْهِ، يَسْأَلُ: “هَلْ سَأَكُونُ كَافِيًا؟ هَلْ سَيَشْعُرُونَ بِحُبِّي إِذَا تَأَخَّرْتُ؟”
سَامِرٌ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، يَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاةِ أَيْمَنَ، وَكُلَّ قَرَارٍ صَغِيرٍ، يَعُودُ إِلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ مَا. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ أَبٍ، بَلْ كَانَ الْعَمُودَ الَّذِي يَحْمِلُ هَذِهِ الشَّقَّةَ بِأَكْمَلِهَا عَلَى كَتِفِهِ، يَحْمِلُ الضَّحِكَاتِ، الْبُكَاءَ، الْحُبَّ، وَالْوَاجِبَ. كُلُّ خُطْوَةٍ لِأَيْمَنَ كَانَتْ رَمْزِيَّةً، كُلُّ حَرَكَةٍ لَهُ كَانَتْ تَتَنَاغَمُ مَعَ نَبْضِ الْبَيْتِ.
فِي الْمَمَرِّ، تَوَقَّفَ أَيْمَنُ لِلَحْظَةٍ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، مُسْتَشْعِرًا الْهَوَاءَ الْبَارِدَ الَّذِي يُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الْعَالَمَ الْخَارِجِيَّ أَكْبَرُ وَأَوْسَعُ، وَأَنَّهُ فِي مُوَاجَهَةِ يَوْمٍ طَوِيلٍ، يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ حَقِيبَةٍ وَطِفْلٍ… يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ أَحْلَامِهِ، أَمَانَ أُسْرَتِهِ، وَصِدْقَ نَفْسِهِ.
غَادَرَ أَيْمَنُ وَهُوَ يَحْمِلُ طِفْلَهُ، وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقْلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ يَتَضَاعَفُ. لَمْ تَكُنِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ غُرَفِهِمْ بَعِيدَةً، لَكِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ كَانَتْ مِثْلَ قَوْسٍ يُشَدُّ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْحُبِّ وَالْوَاجِبِ، وَكَأَنَّ كُلَّ حَيَاةٍ صَغِيرَةٍ فِي الشَّقَّةِ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَكُلَّ قَرَارٍ صَغِيرٍ يَنْعَكِسُ عَلَى الْجَمِيعِ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى كُرْسِيِّ الْمَطْبَخِ، يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ لِلَحْظَةٍ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَضْغَطَ عَلَى كُلِّ الْأَفْكَارِ الْمُتَرَاكِمَةِ بِدَاخِلِهِ قَبْلَ أَنْ يُشَارِكَهَا، وَكَأَنَّ عَقْلَهُ يُحْصِي كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ مَرَّتْ عَلَى هَذِهِ الشَّقَّةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ أَبْنَائِهِ، كُلُّ مَوْقِفٍ، كُلُّ ضَحْكَةٍ أَوْ دَمْعَةٍ، كَانَ يَزِنُ فِي ذِهْنِهِ أَثْقَالًا لَا تُرَى.
لَيْلَى جَلَسَتْ مُقَابِلَهُ، تَصْنَعُ الْقَهْوَةَ بِصَمْتٍ، ثُمَّ وَضَعَتِ الْكُوبَ أَمَامَهُ دُونَ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً، كَأَنَّهَا تَقُولُ: “أَنَا هُنَا، أَفْهَمُكَ، لَكِنْ لَا حَاجَةَ لِلْكَلِمَاتِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.”
— “الْيَوْمُ، كَيْفَ مَرُّوا؟”
سَأَلَ سَامِرٌ أَخِيرًا، مُحَاوِلًا بَدْءَ الْحَدِيثِ بِطَرِيقَةٍ عَادِيَّةٍ، بَيْنَمَا كَانَ قَلْبُهُ يَهْمِسُ دَاخِلَهُ: “هَلْ أَسْتَطِيعُ حَقًّا أَنْ أَسْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يُنْهِكَنِي؟”
“كَالْعَادَةِ… أَيْمَنُ أَرْهَقَ نَفْسَهُ مَعَ فَتْحِ الْمَحَلِّ، قَالَ لِي إِنَّهُ بِالْكَادِ يَكْفِي دَخْلُهُ لِتَغْطِيَةِ جُزءٍ من مَصَارِيفِ الْعَائِلَةِ الصَّغِيرَةِ…”
أَضَافَتْ لَيْلَى، وَهِيَ تُحَرِّكُ مِلْعَقَةً فِي الْكُوبِ، دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ تُحَاوِلُ أَنْ تَحْفَظَ جُزْءً مِنْ سَلَامِهَا الدَّاخِلِيِّ بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
— “رَيَّانُ مَشْغُولٌ فِي الْمشفى، بِالْكَادِ يَجِدُ وَقْتًا لِيَأْخُذَ اسْتِرَاحَةً، لَكِنَّهُ لَا يَشْكُو. هَالَةُ… كَعَادَتِهَا، نَشِيطَةٌ وَمَرِحَةٌ، لَكِنَّهَا تُثِيرُ الْفَوْضَى فِي كُلِّ مَكَانٍ تَمُرُّ مِنْهُ، وَأَحْيَانًا يَصْعُبُ السَّيْطَرَةُ عَلَى الْأَطْفَالِ… وَلِيَا… لِيَا بِالْكَادِ تَتَأَقْلَمُ بَعْدَ الْجَامِعَةِ، تُحَاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ نَفْسَهَا كَأُمٍّ وَزَوْجَةٍ، لَكِنَّ الضُّغُوطَ كَثِيرَةٌ عَلَيْهَا.»
تَنَهَّدَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ، وَشَعَرَ بِثِقْلِ كُلِّ اسْمٍ يَنْطِقُ بِهِ، وَكَأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ يَضَعُ عَلَيْهِ قِطْعَةً مِنْ حَيَاتِهِمْ، مَسْؤُولِيَّةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَكِنَّهَا لَا تَقِلُّ ثِقْلًا عَنِ الْجِبَالِ.
— “الْكُلُّ يَعْتَمِدُ عَلَيَّ… وَكُلُّ غُرْفَةٍ فِي هَذِهِ الشَّقَّةِ الصَّغِيرَةِ تَخْتَزِنُ مَشَاعِرَهُمْ، مَشَاكِلَهُمْ، وَأَحْلَامَهُمْ… وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أُوَزِّعَ الْوَقْتَ وَالْمَالَ وَالْهُدُوءَ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا.”
وَضَعَتْ لَيْلَى يَدَهَا عَلَى يَدِهِ لِلَحْظَةٍ، كَلَمْسَةٍ صَامِتَةٍ تَقُولُ: “أَعْلَمُ كَمْ تَحَمَّلْتَ.”
— “أَعْلَمُ يَا سَامِرُ… وَأَعْرِفُ كَمْ تَحَمَّلْتَ طِوَالَ السِّنِينَ. أَنْتَ كَابِحٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ أَحْيَانًا… أَحْيَانًا أَنْتَ بِحَاجَةٍ لِأَنْ تَتْرُكَ لِنَفْسِكَ بَعْضَ الْحُرِّيَّةِ.”
ابْتَسَمَ بِخِفَّةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ. كَانَتِ الْحُرِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ كَلِمَةً غَرِيبَةً، شَيْئًا لَمْ يَرَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. كُلُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِهِ مُخَصَّصٌ لِلْآخَرِينَ، لِكُلِّ ابْنٍ، لِكُلِّ حَفِيدٍ، لِكُلِّ ضَحْكَةٍ وَدَمْعَةٍ فِي هَذِهِ الشَّقَّةِ.
هَمَسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: “الْحُرِّيَّةُ… كَلِمَةٌ تَبْدُو بَعِيدَةً، وَكَأَنَّهَا حُلْمٌ مَمْنُوعٌ.”
— “أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ بِخَيْرٍ… وَأَنْ لَا أَشْعُرَ أَنَّ أَحَدًا يُعَانِي بِسَبَبِ قِلَّةِ شَيْءٍ مِنِّي… أَوْ مِنِّي أَنَا.”
قَالَهَا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، لَكِنَّهُ وَاضِحٌ لِلَيْلَى، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ تَخْفِيفَ ثِقْلِ الْعِبْءِ عَنْ قَلْبِهِ دُونَ أَنْ يَضَعَهُ عَلَى أَكْتَافِ أَحَدٍ.
— “وَأَنْتَ… مَاذَا عَنْكَ؟”
سَأَلَتْ لَيْلَى بِهُدُوءٍ، نَبْرَةٌ صَامِتَةٌ تَحْمِلُ كُلَّ الْوَعْيِ وَالْحَنَانِ، وَكَأَنَّهَا تَقُولُ: “حَتَّى الْقَوِيُّ بِحَاجَةٍ لِأَنْ يُسْأَلَ عَنْ ضَعْفِهِ.”
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَيْهَا لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ أَوْمَأَ.
— “سَأَبْقَى عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ… حَتَّى لَوْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَرَى نَفْسِي حَقِيقِيًّا.”
صَمْتٌ. كَانَ صَمْتًا مُمتَلِئًا بِالْمَعْنَى، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ كَلِمَاتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَهَا أَيٌّ مِنْهُمَا.
الْبَيْتُ فَارِغٌ جُزْئِيًّا، الْأَصْوَاتُ صَمَتَتْ، لَكِنَّ الْعِبْءَ بَدَا مَوْجُودًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، فِي كُلِّ غُرْفَةٍ، فِي كُلِّ سَرِيرٍ صَغِيرٍ يَشْغَلُهُ أَبْنَاؤُهُ وَأَحْفَادُهُ.
فِي زَاوِيَةِ الْمَطْبَخِ، مَرَّتْ فِكْرَةٌ مُفَاجِئَةٌ فِي ذِهْنِ سَامِرٍ، كَأَنَّهَا صَوْتُ خَبِيرٍ نَفْسِيٍّ افْتِرَاضِيٍّ، تَقُولُ: “هَلْ تَتَحَمَّلُ وَحْدَكَ كُلَّ شَيْءٍ؟ رُبَّمَا تَوْزِيعُ الْأَعْبَاءِ لَا يُقَلِّلُ مِنْكَ، بَلْ يَزِيدُ مِنْ قُوَّتِكَ.”
نَهَضَ سَامِرٌ أَخِيرًا، أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى لَيْلَى.
— “لِنَسْتَعِدَّ لِبَقِيَّةِ الْيَوْمِ… مَا زَالَ أَمَامَنَا الْكَثِيرُ.”
ابْتَسَمَتْ لَيْلَى بِخِفَّةٍ، وَعَرَفَتْ أَنَّ الْكَلِمَاتِ انْتَهَتْ، لَكِنَّ التَّفَاهُمَ وَالِاحْتِرَامَ وَالضَّغْطَ الْمُسْتَمِرَّ سَيَسْتَمِرُّ، كَمَا هُوَ الْحَالُ دَائِمًا، كَإِيقَاعٍ ثَابِتٍ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْحُبِّ وَالصَّبْرِ.
