ليل لا يهدأ 02

ليل لا يهدأ

الجزء الثاني

مُقَدِّمَةُ:
دِمَشْقُ لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ نَفْسَهَا.
لَمْ يَكُنِ ٱلتَّغْيِيرُ صَاخِبًا كَمَا تَخَيَّلَهُ ٱلْجَمِيعُ فِي ٱلْبِدَايَةِ…
بَلْ جَاءَ، كَكُلِّ ٱلْأَشْيَاءِ ٱلَّتِي تُغَيِّرُ مَصِيرَ ٱلْأَمَاكِنِ،
بِهُدُوءٍ خَادِعٍ،
ثُمَّ ٱسْتَقَرَّ كَثِقْلٍ لَا يُرَى… وَلَا يَرْحَلُ.
فِي تِلْكَ ٱلْأَعْوَامِ، لَمْ يَكُنِ ٱلْخَوْفُ حَادِثًا طَارِئًا…
بَلْ أَصْبَحَ جُزْءً مِنَ ٱلْيَوْمِ،
يَدْخُلُ مَعَ ٱلنَّفَسِ،
وَيَخْرُجُ دُونَ أَنْ يُلَاحَظَ.
ٱلشَّوَارِعُ لَمْ تَفْرُغْ…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ مُمْتَلِئَةً كَمَا كَانَتْ.
كَانَ هُنَاكَ فَرْقٌ خَفِيٌّ،
لَا يُقَاسُ بِٱلْعَدَدِ…
بَلْ بِٱلْحُضُورِ.
وُجُوهٌ تَمُرُّ…
وَلَا تَبْقَى،
وُجُوهٌ تَبْقَى…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ هِيَ نَفْسَهَا.
أَصْبَحَتِ ٱلْأَسْمَاءُ تُذْكَرُ بِٱلْحَذَرِ،
وَٱلْأَخْبَارُ تُقَالُ بِٱلْهَمْسِ،
وَٱلصَّمْتُ…
أَكْثَرَ صِدْقًا مِنْ كُلِّ مَا يُقَالُ.
فِي رِيفِهَا ٱلْقَرِيبِ،
كَانَ ٱلْمَشْهَدُ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُرْوَى،
وَأَبْسَطَ مِنْ أَنْ يُفْهَمَ:
بُيُوتٌ تَبْقَى مَفْتُوحَةً دُونَ أَصْحَابِهَا،
وَأُخْرَى تُغْلَقُ…
وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ إِنْ كَانَتْ سَتُفْتَحُ مَرَّةً أُخْرَى.
كَانَ ٱلنَّاسُ يَنْتَقِلُونَ…
لَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ فَقَط،
بَلْ مِنْ حَيَاةٍ إِلَى أُخْرَى،
مِنْ يَقِينٍ كَانَ يَكْفِيهِمْ…
إِلَى أَسْئِلَةٍ لَا تَنْتَهِي.
وَفِي قَلْبِ هَذِهِ ٱلْمَدِينَةِ،
كَانَ “سَامِرٌ” وَاحِدًا مِنْ كَثِيرِينَ…
لَا يَبْدُونَ مُخْتَلِفِينَ،
وَلَكِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ فِي دَاخِلِهِمْ مَا لَا يُرَى.
لَمْ يَكُنْ بَطَلًا…
وَلَا شَاهِدًا كَامِلًا…
بَلْ كَانَ،
كَمَا كَانَ ٱلْوَطَنُ نَفْسُهُ فِي تِلْكَ ٱلْأَيَّامِ،
شَيْئًا بَيْنَ ٱلِٱثْنَيْنِ:
يَعِيشُ…
وَيُقَاوِمُ…
وَيَنْتَظِرُ شَيْئًا لَا يَعْرِفُهُ.
كَانَ يَسْمَعُ ٱلْأَصْوَاتِ…
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُمَيِّزُ:
أَيُّهَا يَأْتِي مِنَ ٱلْخَارِجِ،
وَأَيُّهَا يَنْهَضُ مِنْ دَاخِلِهِ.
وَكَأَنَّ ٱلْأَيَّامَ،
فِي صَمْتِهَا ٱلطَّوِيلِ،
كَانَتْ تُعِدُّ شَيْئًا…
شَيْئًا لَا يَأْتِي بِٱلصُّدْفَةِ،
وَلَا يُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهِ.
بَلْ يَبْدَأُ…
بِتَفْصِيلٍ صَغِيرٍ.
بِصَوْتٍ عَابِرٍ…
بِرَقْمٍ لَا يُفْهَمُ…
أَوْ بِلَحْظَةٍ،
يَظُنُّهَا ٱلْإِنْسَانُ عَادِيَّةً…
ثُمَّ يَكْتَشِفُ،
بَعْدَ فَوَاتِهَا،
أَنَّهَا…
لَمْ تَكُنْ كَذَٰلِكَ أَبَدًا.
—-
لَمْ يَكُنِ الضَّجِيجُ المُتَقَاطِعُ لِأَصْوَاتِ سَيَّارَاتِ الإِسْعَافِ وَالإِطْفَاءِ، وَلَا أَصْدَاءُ بَعْضِ القَذَائِفِ الَّتِي تَسَاقَطَتْ فِي الخَارِجِ، هُوَ مَا أَيْقَظَهُ مِنْ سُبَاتِهِ المُتَقَطِّعِ…
بَلْ كَانَ شَيْئًا آخَرَ، أَدَقَّ، وَأَعْمَقَ، وَأَشَدَّ غُمُوضًا… ذٰلِكَ الشُّعُورُ الخَفِيُّ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى الجَسَدِ كَالنَّفَسِ البَارِدِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرَاكِزِ الوَعْيِ، كَأَنَّ فِي أَعْمَاقِهِ مَنْ يَعْرِفُ… قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَ، وَيُدْرِكَ، وَيُسَمِّي الأَشْيَاءَ بِأَسْمَائِهَا.
تَحَرَّكَتْ جُفُونُهُ بِبُطْءٍ، ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ عَلَى مَهَلٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ لَحْظَةً لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ، أَوْ أَنْ يُوقِظَ حَقِيقَةً تُفَضِّلُ البَقَاءَ فِي العَتْمَةِ.
وَفِي دَاخِلِهِ، تَرَدَّدَ صَوْتٌ خَافِتٌ يَسْأَلُ: “مَاذَا هُنَاكَ؟ وَلِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الاِسْتِيقَاظِ؟”
كَانَ السَّقْفُ فَوْقَهُ كَمَا هُوَ… صَامِتًا، بَارِدًا، مُتَجَرِّدًا مِنْ كُلِّ تَغْيِيرٍ، يَحْمِلُ فِي شُرُوخِهِ الصَّغِيرَةِ ذِكْرَيَاتِ لَيَالٍ مُتَشَابِهَةٍ، تَكَرَّرَتْ حَتَّى فَقَدَتِ الاِخْتِلَافَ، وَلٰكِنَّهُ، عَلَى رُغْمِ كُلِّ شَيْءٍ، مَا زَالَ قَائِمًا… كَمَا بَقِيَتْ عَائِلَتُهُ، مُتَمَاسِكَةً عَلَى حَافَّةِ الهَشَاشَةِ.
فَهَلْ كَانَ الثَّبَاتُ نَجَاةً… أَمْ شَكْلًا آخَرَ مِنْ أَشْكَالِ التَّأْجِيلِ؟
تِلْكَ الشُّرُوخُ الَّتِي أَلِفَ عَدَّهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُحْصِيَ بِهَا مَا تَبَقَّى مِنِ اتِّسَاعِ الوَقْتِ، لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَمْ تَتَزَحْزَحْ، كَأَنَّهَا تُصِرُّ عَلَى ثَبَاتِهَا العَنِيدِ، فِي مُوَاجَهَةِ عَالَمٍ فِي الخَارِجِ لَا يَكُفُّ عَنِ الاِهْتِزَازِ.
فَتَمَتْمَتَ فِي سِرِّهِ: “أَيَكُونُ الثَّبَاتُ قُوَّةً… أَمْ عَجْزًا عَنِ التَّغْيِيرِ؟”
تَسَلَّلَ الضَّوْءُ الرَّمَادِيُّ مِنْ طَرَفِ السِّتَارَةِ، يَزْحَفُ عَلَى الجُدْرَانِ فِي صَمْتٍ، ثُمَّ يَنْفَرِدُ فِي الغُرْفَةِ كَخَيْطٍ وَاهِنٍ مِنْ نَهَارٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُعْلِنَ وُجُودَهُ كَامِلًا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ أَنَّ الضَّوْءَ نَفْسَهُ مُتَرَدِّدٌ… كَمَا هُوَ.
فِي الخَارِجِ، كَانَتْ دِمَشْق نِصْفَ نَائِمَةٍ، تَتَمَطَّى عَلَى مَهَلٍ، وَتُخْفِي فِي أَزِقَّتِهَا وَجُوهَ اللَّيْلِ وَآثَارَهُ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا أَنَّ النَّهَارَ قَادِرٌ عَلَى المَحْوِ.
وَلٰكِنْ… هَلْ تَمْحُو الأَيَّامُ مَا تَكْتُبُهُ اللَّيَالِي؟
أَمَّا هُوَ، فَلَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ.
كَانَ فِي دَاخِلِهِ شَيْءٌ يَقِظٌ، مُتَوَتِّرٌ، مَشْدُودٌ كَخَيْطٍ دَقِيقٍ بَيْنَ فِكْرَتَيْنِ لَا تَلْتَقِيَانِ، وَلَا تَتَصَالَحَانِ.
وَسَمِعَ ذٰلِكَ الصَّوْتَ يَعُودُ لِيَسْأَلَهُ: “إِلَى أَيْنَ يَقُودُنِي هٰذَا التَّوَتُّرُ؟ وَمَا الَّذِي أَخْشَاهُ… أَنَا أَمِ العَالَمُ؟”
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يَمُدُّهَا نَحْوَ حَدٍّ فَاصِلٍ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالاِنْكِشَافِ، بَيْنَ المَعْرِفَةِ وَالخَشْيَةِ.
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ لَحْظَةً، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ كَأَنَّهَا تَتَرَدَّدُ… أَوْ تَسْتَأْذِنُ.
كَانَ الهَاتِفُ فِي مَكَانِهِ… سَاكِنًا، بَسِيطًا، خَالِيًا مِنْ أَيِّ إِشَارَةٍ، يُشْبِهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَظَاهَرُ بِالبَرَاءَةِ، وَلَا تُثِيرُ الشَّكَّ.
لٰكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ.
وَفِي دَاخِلِهِ، هَمَسَ شَيْءٌ لَا يُرَى: “لَا تَنْخَدِعْ… فَبَعْضُ الأَشْيَاءِ تَبْدُو صَامِتَةً، لِأَنَّهَا تُخْفِي أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ.”
“كَيْفَ يُمْكِنُ لِشَيْءٍ صَغِيرٍ أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ هٰذَا الثِّقَلِ؟”
هٰكَذَا تَسَاءَلَ فِي دَاخِلِهِ، دُونَ أَنْ تَرْتَعِشَ شَفَتَاهُ، وَدُونَ أَنْ يُفْصِحَ الصَّوْتُ عَمَّا يَضْجُّ بِهِ الصَّدْرُ.
تَوَقَّفَتْ يَدُهُ قُبَيْلَ أَنْ تَبْلُغَ الهَاتِفَ، كَأَنَّهَا أَدْرَكَتْ—بِغَرِيزَةٍ غَامِضَةٍ—أَنَّ اللَّمْسَ لَيْسَ فِعْلًا عَابِرًا، بَلْ بَوَّابَةٌ لِشَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ التَّرَاجُعُ عَنْهُ بَعْدَ الآن.
وَمَرَّ فِي خَاطِرِهِ سُؤَالٌ خَاطِفٌ، لَا صَوْتَ لَهُ، وَلَا مَلَامِحَ، وَلٰكِنَّهُ كَانَ أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُهْمَلَ:
“أَأَخَافُ مِنْهُ… أَمْ أَنْتَظِرُ مِنْهُ مَا يَفْتَحُ لِي أَبْوَابًا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهَا؟ أَمْ أَنَّنِي، فِي العُمْقِ، أَخْشَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى الإِطْلَاقِ؟”
شَدَّ أَصَابِعَهُ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَعِيدَ خُيُوطَ سَيْطَرَتِهِ المُتَفَلِّتَةِ، ثُمَّ التَقَطَ الهَاتِفَ بِحَذَرٍ، كَمَنْ يَلْمِسُ حَقِيقَةً قَابِلَةً لِلِانْكِسَارِ.
كَانَتِ الشَّاشَةُ مُضَاءَةً.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يَتَوَقَّفِ الزَّمَنُ فَقَطْ… بَلْ تَرَاجَعَ، أَوْ تَشَظَّى، أَوْ فَقَدَ مَعْنَاهُ كُلَّهُ.
هٰكَذَا شَعَرَ… وَكَأَنَّ الدَّقَائِقَ تَنْسَحِبُ مِنْ حَوْلِهِ، وَتَتْرُكُهُ وَحْدَهُ فِي مُوَاجَهَةِ لَحْظَةٍ مُفْرَدَةٍ لَا تَتَكَرَّرُ.
نَفْسُ الرَّقْمِ.
تَجَمَّدَتْ أَنْفَاسُهُ فِي صَدْرِهِ، وَشَعَرَ بِقَلْبِهِ يَنْقُرُ جُدْرَانَ صَدْرِهِ بِعُنْفٍ خَفِيٍّ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُنَبِّهَهُ، أَوْ يُحَذِّرَهُ، أَوْ يَدْفَعَهُ نَحْوَ شَيْءٍ لَا يُرِيدُهُ وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَطِيعُ تَجَنُّبَهُ.
أَعَادَ النَّظَرَ مَرَّةً أُخْرَى… ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى، كَأَنَّهُ يُفَاوِضُ عَيْنَيْهِ عَلَى الحَقِيقَةِ، أَوْ يَرْجُوهُمَا أَنْ تُخْطِئَا هٰذِهِ المَرَّةَ فَقَطْ.
وَتَرَدَّدَ فِي أَعْمَاقِهِ هَمْسٌ مُرْتَبِكٌ:
“أَهُوَ نَفْسُهُ… تَمَامًا؟ أَمْ أَنَّنِي أُعِيدُ رُؤْيَتَهُ كَمَا أُرِيدُ، لَا كَمَا هُوَ؟”
لَا مُكَالَمَاتٍ فَائِتَةً.
لَا رَسَائِلَ جَدِيدَةً.
لَا إِشْعَارَاتٍ تُذْكَرُ.
كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُشِيرُ إِلَى العَادِيِّ… إِلَى الأَمْسِ، إِلَى تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِي تَمْضِي دُونَ أَنْ تَتْرُكَ أَثَرًا يُذْكَرُ، إِلَى نَسَقٍ مُكَرَّرٍ مِنَ الوُجُودِ لَا يَحْمِلُ فِيهِ سِوَى الاِسْتِمْرَارِ.
وَلٰكِنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ كَانَ يَرْفُضُ هٰذَا التَّفْسِيرَ السَّهْلَ.
شَيْءٌ صَامِتٌ، وَلٰكِنَّهُ عَنِيدٌ، يَهْمِسُ فِي العُمْقِ:
“لَا تَنْخَدِعْ بِهٰذَا الهُدُوءِ… فَبَعْضُ الأَشْيَاءِ تَبْدُو عَادِيَّةً، لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ كَلِمَتَهَا بَعْدُ.”
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُصْغِي… لَا لِصَوْتٍ فِي الخَارِجِ، بَلْ لِذٰلِكَ الِارْتِجَافِ الدَّقِيقِ فِي دَاخِلِهِ.
ثُمَّ تَسَاءَلَ، وَفِي سُؤَالِهِ مَسْحَةُ خَوْفٍ وَشَيْءٌ مِنَ التَّرَقُّبِ:
“أَهٰذَا بَدْءُ شَيْءٍ… أَمْ عَوْدَةُ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ انْتَهَى؟”
اِنْقَبَضَتْ جَبْهَتُهُ، وَتَشَابَكَتْ أَفْكَارُهُ تَشَابُكَ خُيُوطٍ تَائِهَةٍ، لَا تَهْتَدِي إِلَى طَرَفٍ تَبْدَأُ مِنْهُ، وَلَا إِلَى نِهَايَةٍ تَسْتَقِرُّ عِنْدَهَا.
وَفِي أَعْمَاقِ ذٰلِكَ التَّشَابُكِ، اِنْبَثَقَ صَوْتٌ خَافِتٌ، كَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ آخِرِ مَا تَبَقَّى مِنْ يَقِينٍ:
“أَنَا رَأَيْتُهُ…”
قَالَهَا فِي صَمْتٍ مُثْقَلٍ، صَمْتٍ يُشْبِهُ الاِعْتِرَافَ، أَوِ الاِحْتِجَاجَ عَلَى شَكٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى ذَاكِرَتِهِ.
ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِتَرَدُّدٍ يَكْشِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يُخْفِي:
“فِي اللَّيْلِ… لَمْ يَكُنْ حُلْمًا… أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ تَمَامًا. أَمْ أَنَّ الأَحْلَامَ أَصْبَحَتْ تُجِيدُ تَقْلِيدَ الوَاقِعِ إِلَى هٰذَا الحَدِّ؟”
جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، وَانْحَنَى قَلِيلًا، لَا نَحْوَ الهَاتِفِ فَقَطْ، بَلْ نَحْوَ فِكْرَةٍ تَتَمَرَّدُ عَلَيْهِ، تَفِرُّ مِنْهُ كُلَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ أَمْسَكَ بِهَا.
كَأَنَّ العَقْلَ نَفْسَهُ يُخْفِي عَنْهُ شَيْئًا… أَوْ يَحْمِيهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَسَلَّلَ إِلَيْهِ إِحْسَاسٌ ثَقِيلٌ: لَمْ يَكُنْ نَوْمُهُ فِي هٰذِهِ اللَّيْلَةِ نَوْمًا حَقِيقِيًّا… بَلْ كَانَ اِسْتِسْلَامًا مُؤَقَّتًا لِتَعَبٍ لَمْ يَخْتَفِ.
وَلَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ خَالِيَةً كَمَا يَبْدُو.
لَيْسَ بِوُجُودٍ يُرَى، وَلَا بِظِلٍّ يُلَاحَظُ…
بَلْ بِذٰلِكَ الإِحْسَاسِ الغَامِضِ الَّذِي يُرَاقِبُ فِي صَمْتٍ، يَنْتَظِرُ بِثِقَلٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُ.
إِحْسَاسٌ يَجْعَلُ الهَوَاءَ أَثْقَلَ، وَاللَّحْظَةَ أَبْطَأَ، وَالقَلْبَ أَكْثَرَ حَذَرًا.
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَتَلَفَّتَ حَوْلَهُ بِتَرَقُّبٍ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتَقِطَ دَلِيلًا، أَوْ يَفْضَحَ حُضُورًا خَفِيًّا.
ثُمَّ هَمَسَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، مُتَرَدِّدٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ لِصَوْتِهِ صَدًى يُجِيبُهُ:
“أَنَا لَمْ أَتَخَيَّلْ… أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟”
وَلٰكِنَّ صَوْتًا آخَرَ، أَعْمَقَ، أَهْدَأَ، وَأَشَدَّ إِرْبَاكًا، اِنْبَعَثَ مِنْ دَاخِلِهِ، لَا يُجَادِلُ… بَلْ يَسْأَلُ:
“إِذًا… إِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ تَخَيَّلْتَ… فَمَا الَّذِي كَانَ يُؤَرِّقُكَ؟ وَمَنْ الَّذِي كَانَ يَسْهَرُ فِي دَاخِلِكَ حِينَ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ نَائِمٌ؟”
اِرْتَعَشَتْ أَطْرَافُهُ خَفِيفًا، ثُمَّ مَدَّ إِصْبَعَهُ نَحْوَ الشَّاشَةِ، وَمَرَّرَهُ عَلَيْهَا بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَكْشِفَ سِرًّا يَكْمُنُ تَحْتَ سَطْحٍ أَمْلَسَ.
فَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ.
وَكَأَنَّ العَدَمَ نَفْسَهُ كَانَ الجَوَابَ.
وَلٰكِنَّ شَيْئًا فِي أَعْمَاقِهِ اِنْقَبَضَ فَجْأَةً، كَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً أَحْكَمَتِ القَبْضَ عَلَى دَاخِلِهِ دُونَ أَنْ تَتْرُكَ أَثَرًا يُرَى.
لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ الاِنْقِبَاضُ نَاتِجًا عَمَّا رَآهُ… بَلْ عَمَّا لَمْ يَعُدْ يَرَاهُ.
وَكَأَنَّ الغِيَابَ، لَا الحُضُورَ، هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ الثِّقَلَ كُلَّهُ.
“أَيَكُونُ قَدِ اخْتَفَى… أَمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَصْلًا؟”
تَسَاءَلَ فِي صَمْتٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُفْصِحَ السُّؤَالُ عَنْ حَقِيقَةٍ تُفْلِتُ مِنْهُ إِذَا نُطِقَتْ، أَوْ تُصْبِحُ أَثْقَلَ إِذَا تَجَلَّتْ.
تَنَفَّسَ بِبُطْءٍ، يُرَتِّبُ أَنْفَاسَهُ كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ جَسَدَهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَا زَالَ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَنَّ الاِضْطِرَابَ الَّذِي يَعْبُرُهُ لَيْسَ إِلَّا وَهْمًا عَابِرًا.
وَلٰكِنْ… هَلْ تَكُونُ الأَوْهَامُ بِهٰذَا الوُضُوحِ؟
نَهَضَ أَخِيرًا، وَخُطُوَاتُهُ تَبْدُو عَادِيَّةً فِي ظَاهِرِهَا، مُنْتَظِمَةً، لَا تَشِي بِشَيْءٍ.
وَلٰكِنَّهُ كَانَ يَشْعُرُ بِثِقَلٍ خَفِيٍّ يَجُرُّهَا مِنَ الدَّاخِلِ، كَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَحْمِلُ سُؤَالًا لَا يُجَابُ عَنهُ.
دَخَلَ المَطْبَخَ.
كَانَ ضَيِّقًا، جُدْرَانُهُ مُتَقَارِبَةٌ، كَأَنَّهَا لَا تَكْتَفِي بِتَحْدِيدِ المَكَانِ، بَلْ تُضَيِّقُ الأَفْكَارَ نَفْسَهَا، وَتُحَاصِرُ الصَّمْتَ فِي زَوَايَا لَا مَهْرَبَ مِنْهَا.
وَفِي هٰذَا الضِّيقِ، شَعَرَ أَنَّ أَفْكَارَهُ أَكْثَرُ تَزَاحُمًا… وَأَقَلُّ وُضُوحًا.
تَسَلَّلَ إِلَى سَمْعِهِ صَوْتُ المَاءِ فِي الغَلَّايَةِ، يَغْلِي فِي إِيقَاعٍ مُنْتَظِمٍ، رَتِيبٍ، كَأَنَّهُ يُعِيدُ تَذْكِيرَهُ بِعَادَةِ صَبَاحٍ لَا يَخْتَلِفُ، بِحَيَاةٍ تَسِيرُ عَلَى نَفْسِ النَّسَقِ، دُونَ أَنْ تَسْأَلَ أَوْ تُجِيبَ.
وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مُتَأَكِّدًا… هَلْ مَا زَالَ كُلُّ شَيْءٍ كَمَا هُوَ؟
كَانَتْ زَوْجَتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ قَبْلَهُ بِلَحَظَاتٍ، كَمَا تَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ، وَلٰكِنَّ حَرَكَتَهَا هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَةً تَمَامًا.
كَانَ فِي هُدُوئِهَا شَيْءٌ زَائِدٌ… أَوْ نَاقِصٌ… شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَدَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ العِيشَ.
كَأَنَّهَا لَا تَتَحَرَّكُ بِعَفْوِيَّةٍ، بَلْ تُؤَدِّي دَوْرًا تَعْرِفُهُ جَيِّدًا، وَتُخْفِي وَرَاءَهُ مَا لَا يُرَى.
لَمْ تَنْظُرْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً، وَبَقِيَتْ عَيْنَاهَا مُنْشَغِلَتَيْنِ بِأَعمَالِ المَطبَخِ الصَّبَاحِيَةِ، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا سُؤَالًا غَيْرَ مَنْطُوقٍ:
“اسْتَيْقَظْتَ مُبَكِّرًا اليَوْم.”
هَزَّ رَأْسَهُ فِي هُدُوءٍ، وَجَلَسَ دُونَ أَنْ يُضِيفَ شَيْئًا.
وَلٰكِنَّ صَمْتَهُ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا… بَلْ كَانَ مُثْقَلًا بِمَا لَا يُقَالُ.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَجْلِسُ، تَسَاءَلَ فِي دَاخِلِهِ، دُونَ أَنْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ:
“هَلْ تَلَاحِظُ هِيَ أَيْضًا؟ أَمْ أَنَّ مَا يَحْدُثُ لَا يَتَجَاوَزُ حُدُودِي أَنَا؟”
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ… أَيُّهُمَا أَشَدُّ وَطْأَةً: أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ فِي مَا يَشْعُرُ بِهِ… أَمْ أَنْ لَا يَكُونَ وَحْدَهُ فِيهِ.
كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ الكَلِمَاتِ تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ تَتَرَاجَعُ كُلَّمَا حَاوَلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَكْلًا أَوْ يَهَبَهَا صَوْتًا.
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَا لَا يَعْرِفُهُ، وَتَخْشَى أَنْ تَكْشِفَهُ إِذَا نُطِقَتْ.
“هَلْ أَقُولُ لَهَا؟ وَمَاذَا سَأَقُولُ أَصْلًا؟”
تَرَدَّدَ السُّؤَالُ فِي دَاخِلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ تَحَوَّلَ إِلَى ثِقْلٍ صَامِتٍ، يَسْتَقِرُّ فِي أَعْمَاقِهِ دُونَ أَنْ يَجِدَ مَخْرَجًا.
لَمْ يَكُنِ الأَطْفَالُ قَدِ اسْتَيْقَظُوا بَعْدُ، وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّحَظَاتُ القَلِيلَةُ هِيَ مَلَاذَهُ الوَحِيدُ…
فُسْحَةٌ هَادِئَةٌ بَيْنَ وَاجِبٍ وَوَاجِبٍ، لَا يُطَالَبُ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ.
وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الفُسْحَةَ لَمْ تَعُدْ صَامِتَةً كَمَا كَانَتْ.
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَمْلَؤُهَا، شَيْءٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَلٰكِنَّهُ حَاضِرٌ بِثِقْلِهِ فِي التَّفكِيرِ، يَزْحَفُ فِي الفَرَاغِ، وَيَتَسَلَّلُ إِلَى التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ حَتَّى يُفْسِدَ بَسَاطَتَهَا.
“هَلْ هُنَاكَ أَمْرٌ مَا؟”
سَأَلَتْهُ، وَمَا زَالَتْ تُوَلِّي وَجْهَهَا عَنْهُ، كَأَنَّهَا تَتَجَنَّبُ نَظْرَةً قَدْ تَكْشِفُ مَا لَا يُقَالُ، أَوْ تُفْصِحُ عَمَّا لَا يُرَادُ لَهُ أَنْ يُفْهَمَ.
تَرَدَّدَ لَحْظَةً، شَعَرَ فِيهَا أَنَّ الصِّدْقَ يَقِفُ عَلَى بَابِهِ، وَأَنَّ الكَذِبَ يَتَرَقَّبُهُ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ:
“لَا… وَلٰكِنَّهُ… حُلْمٌ غَرِيبٌ.”
لَمْ تَكُنْ إِجَابَتُهُ كَذِبًا خَالِصًا…
وَلَا صِدْقًا مُطْلَقًا.
بَلْ كَانَتْ مَنْطِقَةً بَيْنَهُمَا، تِلْكَ المَنْطِقَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إِلَيْهَا الإِنْسَانُ حِينَ يَعْجِزُ عَنِ الاِعْتِرَافِ… وَيَخْشَى فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ مِنَ الإِنْكَارِ.
وَضَعَتِ الفِنْجَانَ أَمَامَهُ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ المُلاحَظَةِ وَخَيْطٍ رَفِيعٍ مِنَ القَلَقِ:
“أَصْبَحَتْ أَحْلَامُكَ تَزْدَادُ غَرَابَةً يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ… أَمْ أَنَّكَ تَبْدَأُ فَقَطْ بِالاِنْتِبَاهِ إِلَيْهَا؟”
رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهَا لِوَهْلَةٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ سُؤَالٌ لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ إِلَى الكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَشَاحَ بَصَرَهُ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ تُكْمِلَ نَظْرَتُهُ مَا بَدَأَتْهُ.
وَفِي دَاخِلِهِ، تَرَدَّدَ سُؤَالٌ آخَرُ، أَكْثَرُ عُمْقًا، وَأَشَدُّ إِقْلَاقًا:
“وَإِذَا لَمْ تَكُنْ أَحْلَامًا… فَمَاذَا تَكُونُ؟ وَمَنْ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا… أَنَا، أَمْ شَيْءٌ آخَرُ؟”
شَعَرَ بِقَلَقٍ خَفِيٍّ يَتَسَلَّلُ إِلَى أَفْكَارِهِ، كَمَاءٍ بَارِدٍ يَتَسَرَّبُ فِي شُقُوقٍ لَا تُرَى، وَلَا يُمْكِنُ إِيقَافُهُ.
فَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، بَدَتْ كَأَنَّهَا مُجَرَّدُ مُحَاوَلَةٍ لِتَجَاوُزِ اللَّحْظَةِ، أَوْ لِتَغْطِيَةِ مَا لَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ.
وَلٰكِنَّهُ، فِي أَعْمَاقِهِ، كَانَ يَعْلَمُ… أَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ لَا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا، بَلْ تَبْقَى، وَتَتَخَفَّى، وَتَنْتَظِرُ وَقْتَهَا لِتَعُودَ.
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الفِنْجَانِ، وَأَمْسَكَهُ ببطء، كَأَنَّهُ يُلَامِسُ شَيْئًا هَشًّا لَا يَحْتَمِلُ اللَّمْسَ القَوِيَّ..
وَلَكِنَّهُ تَوَقَّفَ فِي مُنْتَصَفِ الحَرَكَةِ، فارتدّت يدهُ وكأنّها تسمع نبضًا خفيًا داخله، نبضًا يوقِظُ حواسَّه الواعية قبل أن يصل إليه الوعي الكامل.
عَادَ إِلَيْهِ ذٰلِكَ الإِحْسَاسُ…
نَفْسُهُ، بِدِقَّتِهَا، بِوَخْزِهَا الهادئ، بِصَمْتٍ يَحْمِلُ شيئًا يرفض أن يُفسَّر.
كَأَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا…
يَتَرَقَّبُهُ، يَسْتَدْعِيهِ بِخَفَتِه، لا ليُفهم، بَل ليُنَبِّهَهُ، لِيُوَقِظَ داخله شيئًا لم يلتفت إليه من قبل.
انْخَفَضَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ الفِنْجَانِ، ثُمَّ ارْتَفَعَتَا مُجَدَّدًا، كأنَّه يُلاحِظ فراغًا صامتًا، يكتنز أسرارًا لا تكشف عن نفسها، يحدّها الصمتُ والانتظار.
همس في أعماقه:
“مَاذَا تُرِيدُ مِنِّي؟”
وَكَأَنَّ الصَّمْتَ أَجَابَهُ، لا بصوتٍ، ولا بكلمة، بل بإحساسٍ يتشكل ببطء، يحيطه دفءٌ من الغموض واليقظة:
“أَنْ تُصْغِي لنفسك”

فِي الطَّرِيقِ إِلَى العَمَلِ، كَانَتْ دِمَشْقُ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ كَأَنَّها تَمَتَّعَتْ بِنَفَسٍ جَدِيدٍ.
الوجوه تتدافَع في الشوارع، والسيارات تتزاحم كأنها تعزف سيمفونيةً لا تنقطع، وأصوات الباعة تصعد مُتسارعةً كأنها نشيد صباحٍ أبدي.
كل شيءٍ يتحرك في إيقاع مألوف، إيقاعٌ حفِظه عن ظهر قلب، حتى كاد أن يُصبح جزءًا منه، امتدادًا لذاته قبل جسده.
همس في داخله:
“أَنَا جُزءٌ مِنْ هٰذَا الإِيقَاعِ…”
ثم عدّل لنفسه كلامه، كأنه يُصحح ذاكرةً ضائعة:
“بَلْ… كُنْتُ.”
لأنَّ شيئًا ما في هذا الصباح لم يكن منسجمًا تمامًا.
خللٌ خفيف…
لا يُرى، ولا يُقاس، ولا يُمكن تحديد موقعه،
ومع ذلك كان حاضرًا، ثقلٌ خفيٌّ كنبضٍ غير منتظمٍ في جسد يبدو سليمًا.
كَأَنَّ المَدِينَةَ نَفْسَهَا…
تَنْظُرُ إِلَيْهِ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً خَافِتَةً، يَخْتَلِطُ فِيهَا الهُدُوءُ بِسُخْرِيَّةٍ خَفِيَّةٍ مِنْ نَفْسِهِ:
«أَبَدَأْتُ أُبَالِغُ أَيْضًا؟»
هَمَسَ لِنَفْسِهِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ إِقْنَاعَهَا بِشَيْءٍ تَرْفُضُ أَنْ تُصَدِّقَهُ.
شَدَّ عَلَى حَقِيبَتِهِ، وَأَسْرَعَ فِي خُطَاهُ، كَأَنَّهُ يُوَدُّ أَنْ يَسْبِقَ فِكْرَةً تَتَرَبَّصُ بِهِ مُنْذُ الأَمْسِ:
“إِلَى أَيْنَ أَهْرُب… إِذَا كَانَ ما أَفِرُّ مِنْهُ يَسْكُنُ دَاخِلِي؟”
تَسَلَّلَ السُّؤَالُ إِلَيْهِ، فَزَادَ خُطُوَاتِهِ سُرْعَةً، دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى الإِجَابَةِ، وَكَأَنَّ المَدِينَةَ كُلَّهَا تُرَاقِبُهُ، تَنْتَظِرُ أَنْ يُقَابِلَ هَذَا الخَلَلَ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ بَعْدُ.
كَانَ المَكْتَبُ فِي الطَّابِقِ الأَرْضِيِّ، يَفْتَحُ بَابُهُ عَلَى مَمَرٍّ طَوِيلٍ، تَغْمُرُهُ إِضَاءةٌ خَافِتَةٌ، أَضْعَفُ مِمَّا يَنْبَغِي، كَأَنَّ النُّورَ يَرْغَبُ فِي تَرْكِ بَعْضِ الظِّلَالِ حَيَّةً، تُرَاقِبُ الدُّخُولَ وَتَسْتَمِعُ لِلصَّمْتِ.
دَخَلَ، فاستَقبَلتهُ الوُجُوهُ المألوفة، ثَابِتَةً، لا تَتَغَيَّرُ، كأنها مَشَاهِدُ صُورٍ أُرِيدَتْ لِتَكُونَ غَيرَ مُبَدَّلَة.
بَعْضُهُمْ أَلْقَى عَلَيْهِ إِيمَاءَةً سَرِيعَةً، بَعْضُهُمْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، غَارِقًا فِي شُؤُونِهِ.
ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ شَخْصًا يَعْمَلُونَ هُنَا.
رَقْمٌ مُحَدَّد… وَلٰكِنَّهُ لَا يَفْصَحُ عَنْ القُرْبِ وَلا المَعْرِفَة.
همس في داخله سؤالٌ خافت:
“هَلْ يَعْرِفُ أَحَدُنَا الآخَرَ حَقًّا؟”
تَسَلَّلَتِ الفِكْرَةُ، فَاسْتَبْعَدَهَا عَلَى الفَوْرِ، كَأَنَّهُ يَخْشَى الغَوْصَ فِي عُمْقِهَا.
أَغْلَبُهُمْ لَا يَعْرِفُ الآخَرَ جَيِّدًا…
وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، يَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى الأَقَلِّ:
يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْدُو التَّعَبُ، كَيْفَ يَطِلُّ فِي العُيُونِ البَاهِتَةِ، فِي الحَرَكَاتِ المُتَكَرِّرَةِ، فِي الصَّمْتِ الَّذِي يَمْلَأُ الفَرَاغَ بَيْنَ كَلِمَةٍ وَأُخْرَى.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِي الوُجُوهِ حَوْلَهُ، كَأَنَّهُ يَرَاهَا لِلْمَرَّةِ الأُولَى.
ثُمَّ سَأَلَ نَفْسَهُ، بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ خَافِتٍ:
“هَلْ يَرَوْنَ فِيَّ ما أَرَاهُ فِيهِمْ؟”
شَعَرَ بِالإِحْسَاسِ ذَاتِهِ يَعُودُ إِلَيْهِ، هَادِئًا، مُصِرًّا، مِثْلَ نَبْضٍ خَفِيٍّ لَا يَزُولُ.
ذَلِكَ الإِحْسَاسُ…
أَنَّ شَيْئًا مَا لَمْ يَعُدْ فِي مَكَانِهِ،
أَوْ رُبَّمَا…
يَبْدَأُ فِي الظُّهُورِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يُرَى مِنْ قَبْلُ.
جَلَسَ فِي مَكَانِهِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ تَثْبِيتَ نَفْسِهِ فِي وَاقِعٍ يَتَزَحْزَحُ ببطء، كَظِلٍّ يَمْتَدُّ فِي زَاوِيَةٍ لا تُرى.
فَتَحَ الحَاسُوبَ، وَانْتَظَرَ الشَّاشَةَ أَنْ تَتَشَكَّلَ أَمَامَهُ، كَأَنَّهُ يَرْغَبُ فِي أَنْ تَرُدَّ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الِاعْتِيَادِ، مِنْ رُوتِينٍ يَعْرِفُهُ وَيُشْعِرُهُ بِالأَمْنِ.
وَقَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الصُّورَةُ… رَنَّ الهَاتِفُ.
تَجَمَّدَ.
لم يكن الرنُّ في ذاته مخيفًا… بل ما يَحْمِلُه.
رقمٌ جديد.
هٰذِهِ المَرَّةَ، لم يَخْتَفِ؛ بَقِيَ مُضَاءً عَلَى الشَّاشَةِ، ثَابِتًا، كَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرَاقَبُ… يَنْتَظِرُ.
شَعَرَ فجأةً أنَّ الغُرْفَةَ ضَاقَتْ قَلِيلًا، أو لَعَلَّ أنفاسَهُ هِيَ الَّتِي ضَاقَتْ فِيهَا، تَتَثَاقَّلُ كَالأَوْزَانِ الَّتِي لَا تُرَى.
همس في داخله:
“لِمَاذَا الآن؟ وَلِمَاذَا أَنَا؟”
وَتَجَمَّدَ مع السُّؤال، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُحرِّكَهُ وَيُغَيِّرَ وَاقِعَهُ.
لم يمدّ يده فورًا، بل رَاقَبَ الهَاتِفَ… كَأَنَّهُ كائِنٌ حَيٌّ، يَتَنَفَّسُ، يَخْفِي شَيْئًا خَلْفَ صَمْتِهِ.
تساءل بصوت داخلي خافت:
“إِنْ لَمْ أُجِبْ… هَلْ يَنْتَهِي الأَمْرُ؟ أَمْ يَبْدَأُ؟”
شَعَرَ بِنَفَسٍ يَتَمَزَّقُ بَيْنَ الرهبة وَالفضول، وكأن كل ثانيةٍ تَمُرُّ تُثقِّلُ صَدْرَهُ، وتُشَكِّلُ مساحةً صغيرةً لِلشَّكِّ والانتظار.
ثُمَّ، بِبُطْءٍ يَحْمِلُ ثِقَلَ التَّرَقُّبِ، كَأَنَّهُ يَسْحَبُ يَدَهُ مِنْ دَاخِلِهِ، التَقَطَ الهَاتِفَ… وَأَجَابَ.
لم يَقُل “أَلُو”.
لم يَسْأَل.
فَقَطْ… انْتَظَرَ.
صَمْتٌ.
ثُمَّ… صَوْتٌ.
قريبٌ جدًّا.
أَقْرَبُ مِمَّا يَنْبَغِي، كَأَنَّهُ لا يَأْتِي مِنَ الهَاتِفِ، بَلْ مِن مَكَانٍ آخَرَ… أَقْرَبَ، يَسْكُنُ عُمقَ صَدْرِهِ.
هَمَسَ الصَّوْتُ، بِبُطْءٍ يُثْقِلُ اللَّحْظَةَ:
“تَأَخَّرْتَ.”
انْقَبَضَ صَدْرُهُ فجأةً.
لم يَكُنِ الصَّوْتُ غَرِيبًا تَمَامًا…
وَلَا مألوفًا تَمَامًا.
كَانَ شَيْئًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ…
كَذِكْرَى لَا تَتَذَكَّرُهَا بوضوح، وَلَكِنَّهَا تَعْرِفُكَ، تَتَرَصَّدُكَ مِنْ داخِلِك.
قال، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِمَّا أَرَادَ، وَبِهِ رجفةٌ صغيرةٌ:
“مَنْ أَنْتَ؟”
ضحكةٌ خَفِيفَة…
لم تَكُنْ مُطْمَئِنَّةً،
بَلْ كَأَنَّها تَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ المَعْرِفَةِ… معرِفةً لا تُفْصَحُ عَنْ نَفْسِهَا، تَتَسلَّلُ إلَى كُلِّ خَفْيَةٍ فِي الذِّهْنِ.
ثُمَّ جَاءَ الصَّوْتُ، خَافِتًا، حَادًّا بِهُدُوءٍ:
“أَنْتَ تَعْرِفُ.”
تَجَمَّدَ.
رَفَعَ نَظَرَهُ حَوْلَهُ.
كُلُّ شَيْءٍ كان طبيعيًّا، كما لو أن الزمن لم يفلح في أن يُحرِّك أيَّ شيءٍ هنا.
زُمَلاؤُهُ في أماكنهم، يَعْمَلُون، يَتَحَرَّكُون، يَتَحَدَّثُون بهدوءٍ مألوف، بلا صخبٍ يخرق سكون المكان.
الأَصْوَاتُ مَأْلُوفَةٌ، وَالإِيقَاعُ مَحْفُوظٌ كَمَا اعْتَادَ، كَأَنَّهَا مُوسِيقَى عَمَلٍ يَوْمِيَّةٌ تُرَدِّدُهَا الجُدْرَانُ.
وَلٰكِنَّ هٰذَا الصَّوْتَ…
لَمْ يَكُنْ جُزءًا من هذا المكان، لم يَعُدْ من ضمن المنطق المألوف، كأنه يتسلل من فراغٍ آخر، من عمقٍ لم يُدركه من قبل.
«مَاذَا تُرِيدُ؟»
سَأَلَ، مُحَاوِلًا أن يُثبّت صوته، ويجعل من كلماته قوس أمانٍ يبعد عن قلبه ارتجافه، رغم أن داخله كان يتفكَّك شيئًا فشيئًا.
تَوَقَّفَ الصَّوْتُ لِلَحْظَةٍ…
لحظةٌ بَدَت أطول من أن تُحتمل، كأنها تمددت في الفراغ لتطوقه بصمتٍ ثقيل.
ثُمَّ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ، حَادٍّ، لَا يَتْرُكُ مَجَالًا لِلشَّكِّ:
“النقود.”
شَعَرَ بِانْقِبَاضٍ فِي صَدْرِهِ، كَمَا لَوْ أَنَّ الهَوَاءَ نَفْسَهُ احْتَشَدَ حَوْلَهُ، ثَقِيلًا، يَضْغَطُ عَلَى رِئَتَيْهِ، وَيُجْبِرُ عَقْلَهُ عَلَى التَّفْكِيرِ بِسُرْعَةٍ مُفَاجِئَةٍ، بَيْنَمَا كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُ يَظَلُّ طَبِيعِيًّا، مَأْلُوفًا، لَا يُصَدِّقُ هَذَا الخَطَرَ الَّذِي جَاءَ مِنْ فَرَاغٍ لَا يُرَى.
سَكَتَ.
تَجَمَّعَتِ الأفكارُ في رأسه، مُتَشابِكَةً، وكأنها ضَاعَت في متاهةٍ بلا مخرج، لم تجد شكلًا يُعبّر عنها.
“أَيّةُ نقود؟”
كان الصمتُ الجوابَ، ثَقيلًا، يضغط على صدره، ثم جاء الصوتُ، بهدوءٍ أَثقل من أي تهديدٍ مرّ عليه في حياته:
«الَّتِي سَنُؤْمِنُ لَكَ الحِمَايَةَ مُقَابِلَهَا.»
تَجَمَّدَ تمامًا، كأنَّ الزمان توقف لحظةً واحدة، وسُكنت أصابعُه على حافة الطاولة، ينتظر أن ينهار كل شيء من حوله.
“ولكن ليس لدي أية نقود.”
«بَلْ لَدَيْكَ…!»
شَعَرَ بِوَخْزٍ بَارِدٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى أَطْرَافِهِ، كَأَنَّ الدَّمَ تَرَاجَعَ خُطْوَةً إِلَى الوَرَاءِ، تَارِكًا جَسَدَهُ رَهِينَ صَمْتٍ مُوحِشٍ وَثِقَلٍ كَالْحَجَرِ.
«لَكِن… هَذَا المَالُ لَيْسَ لِي.»
عَادَ الصَّوْتُ، هَذِهِ المَرَّةَ أَهْدَأ وَأَكْثَر قَسْوَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ، يَجُرُّ الكَلِمَةَ كَمَنْ يُحَدِّدُ مَصِيرًا:
«إِذَنْ… ابْنُكَ؟ أَوْ أَحَدُ أَفْرَادِ أُسْرَتِكَ؟»
تَجَمَّدَتِ الكَلِمَاتُ فِي حَلْقِهِ، وَفَجْأَةً أَحَسَّ أَنَّ الغُرْفَةَ قَدِ انْكَمَشَتْ حَوْلَهُ، وَأَنَّ أَنْفَاسَهُ تَتَسَارَعُ بِلَا رَحْمَةٍ، وَأَنَّ قَلْبَهُ صَارَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ جَسَدِهِ، يُقَرِّعُ الطُّبُولَ الصَّامِتَةَ من الرهْبَةِ. كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهِ بَدَا كَأَنَّهُ تَوَقَّفَ؛ أَصْوَاتُ العَادَةِ، حَرَكَةُ الزَّمَنِ، حَتَّى الضَّوْءُ بَدَا مُتَرَدِّدًا فِي الانْسِيَابِ. صَارَ كُلُّ شَيْءٍ لُعْبَةً خَطِرَةً عَلَى حَافَةِ المَجْهُولِ.
تَفَجَّرَ السُّؤَالُ دَاخِلَهُ، كَصَاعِقَةٍ تَهْبِطُ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ، تَهزُّ أَعْمَاقَهُ وَتُرْبِكُ أَنْفَاسَهُ: هَل كَانَ الأَمْرُ مُصَادَفَةً؟ أَم مُؤَامَرَةً مُخَطَّطَةً بِعِنَايَةٍ؟ وَلِمَاذَا هَذَا الاهْتِمَامُ المُفَاجِئُ بِهِ وَبِأُسْرَتِهِ؟
تَلَفَّتَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ خَزنَةِ النُّقُودِ بِجَانِبِهِ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ تَبْحَثَانِ عَنْ صِلَةٍ بِالوَاقِعِ، مُحَاوِلَةً الإمْسَاكَ بِخُيُوطِ الحَقِيقَةِ قَبْلَ أَنْ تَهْوِيَ بِهِ إِلَى هَاوِيَةِ اللايَقِينِ.
«نَعَم… هَا قَدْ عَرَفْتُ!» هَمَسَ فِي نَفْسِهِ، صَوْتُهُ مُرْتَجِفٌ لَكِنَّهُ مُشْحُونٌ بِنَارِ الاكْتِشَافِ، كَمَنْ يَلْمِسُ بِيَدَيْهِ الحَقِيقَةَ المُحَرَّمَةَ، الحَقِيقَةَ الَّتِي تلْهَبُ قَلْبَهُ وَتُوقِظُهُ مِنْ سَبَاتِ الأَمَانِ الزَّائِفِ.
جَلَسَ لِلْحظَةِ، يَضْغَطُ عَلَى حَاجِبَيْهِ، تَتَقَاذَفُ أَفْكَارُهُ بَيْنَ الغَضَبِ وَالخَوْفِ، بَيْنَ الذُّهُولِ وَالتَّحَدِّي. تَسَاءَلَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَأَنَّهُ يُنَاجِي رُوحَهُ:
«كَيْفَ وَصَلُوا إِلَى مَا أَكنُهُ؟ وَمَنْ يَجْرُؤُ عَلَى العَبَثِ بِمَصِيرِ عَائِلَتِي؟»
كَانَتِ الرِّيَاحُ تَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ المُفْتُوحَةِ، تُصَفِّرُ فِي الغُرْفَةِ، وَكَأَنَّهَا تُضِيفُ نَغْمَةً إِلَى سُكُونِ الرّهْبَةِ، وَتَزِيدُ مِنْ ثِقَلِ اللَّحْظَةِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ جَسَدُهُ كُلُّهُ يَصْرُخُ بِصَمْتٍ: الحَذَرُ… الحَذَرُ… الحَذَرُ.
ثُمَّ نَهَضَ، خُطُوَاتُهُ الثَّقِيلَةُ تُحفَرُ فِي الأَرْضِ كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَحْفِرُ عَلَامَةً عَلَى قَدَرِهِ الجَدِيدِ، وَعَيْنَاهُ لَمْ تُفَارِقِ الخَزنَةَ، تُحَاوِلُ الإمْسَاكَ بِالمَالِ المُهَدَّدِ، وَالسِّرِّ المُكْتَشَفِ، وَالمَصِيرِ الَّذِي بَاتَ عَلَى المِحْكِ.
ثمَّ تَحَدُّثُهُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، لَكِنَّهُ مُحَمَّلٌ بِالْعَزْمِ، كَمَنْ يَضَعُ حُدُودًا لَا يُمْكِنُ تَخَطِّيها:
“لَكِنَّهَا لَيْسَتْ لِي… أَنَا مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا فَقَطْ، لَا أَكْثَرَ.”
جَاءَ الرَّدُّ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، هَادِئًا، دَقِيقًا، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ تَهْدِيدًا صَامِتًا، كَظِلٍّ يُلَاحِقُهُ بِلَا رَحْمَةٍ:
“سَتَجِدُ طَرِيقَكَ إِلَيْهَا… وَسَنَحْرِصُ عَلَى أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا.”
اِرْتَجَفَ جسْدُهُ لَحْظَةً، وَكَأَنَّ الْهَوَاءَ حَوْلَهُ أَصْبَحَ أَثْقَلَ، وَضَغْطٌ خَفِيٌّ يَضْغَطُ عَلَى صَدْرِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُفْلِحْ فِي كَسْرِ إِرَادَتِهِ. رَفَعَ صَوْتَهُ، هَذِهِ الْمَرَّةَ أَكْثَرَ حِزْمًا وَثبَاتًا، كَأَنَّ كَلِمَاتَهُ تُنْقَشُ فِي الْهَوَاءِ:
“لَنْ أَفْعَلَ!”
ثُمَّ، بِلَا تَرَدُّدٍ، أَغْلَقَ الْهَاتِفَ بِسُرْعَةٍ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ يُغْلِقُ بَابًا عَلَى تَهْدِيدٍ يَزْحَفُ نَحْوَ قَلْبِهِ، وَعَلَى عَالَمٍ أَصْبَحَ لَا يُطَاقُ الْبَقَاءُ فِيهِ لَحْظَةً أَطْوَلَ.
وَقَفَ لِلَّحْظَةٍ، تَتَقَاذَفُ أَعْصَابُهُ بَيْنَ الْغَضَبِ وَالْخَوْفِ، بَيْنَ الإِحْسَاسِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالرَّهْبَةِ مِنَ الْمَجْهُولِ. نَظَرَ حَوْلَهُ، الْغُرْفَةُ بَدَتْ أَكْثَرَ ضِيقًا، الظِّلَالُ أَطْوَلُ وَأَكْثَرُ كَثَافَةً، وَكَأَنَّهَا تَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ زَاوِيَةٍ.
ثُمَّ أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، يُحَاوِلُ تَهْدِئَةَ قَلْبِهِ الْمُتَسَارِعِ، لَكِنْ كُلُّ خَفْقَةٍ كَانَتْ تذْكُرُهُ بِضَرُورَةِ الْحَذَرِ، وَبِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي اِخْتَارَهُ – طَرِيقُ الْأَمَانَةِ وَالْوَفَاءِ – محفُوفٌ بِالْمَخَاطِرِ، وَأَنَّ كُلَّ لَحْظَةِ تَأْخِيرٍ قَدْ تُكَلِّفُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُ.
فَتَحَ الحَقِيبَةَ بِحَرَكَةٍ مُتَوَتِّرَةٍ، كَأَنَّ كُلَّ وَرَقَةٍ نَقْدِيَّةٍ تُثْقِلُ كَاهِلَهُ، وَيَبْدُو أَنَّ ثِقَلَ الْعَالَمِ كُلِّهِ يَسْتَقِرُّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. أَخْرَجَ النُّقُودَ بِعِنَايَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كِيسٍ صَغِيرٍ، وَارْتَجَفَتْ يَدُهُ وَهُوَ يُمِدُّهُ نَحْوَ رَئِيسِهِ، كَأَنَّهُ يُسَلِّمُ جُزْءً مِنْ رُوحِهِ مَعَ كُلِّ وَرَقَةٍ، مَعَ كُلِّ ليرةٍ، وَكَأَنَّهَا عَهْدٌ لَا يُنْكَرُ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ مُثَقَّلٌ بِالتَّوَتُّرِ:
“سَيِّدِي… عَلَيَّ أَنْ أُودِعَ مَا بِحُوزَتِي مِنْ نُقُودٍ فِي الْمَصْرِفِ.”
رَفَعَ رَئِيسُهُ حَاجَبَهُ، وَعَيْنَاهُ تَمْتَلِئَانِ بِفُضُولٍ مُتَحَفِّظٍ:
“لِمَاذَا؟”
تَنَهَّدَ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ تَوَتُّرِ صَوْتِهِ، كَمَنْ يَضَعُ قِنَاعًا عَلَى قَلْبِهِ الْمُتَسَارِعِ:
“أودُّ الْحُصُولَ عَلَى إِجَازَةٍ.”
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، دَافِئَةً، كَأَشِعَّةِ شَمْسٍ تَتَخَلَّلُ نَافِذَةَ مَكْتَبٍ مُغْلَقٍ، وَقَالَ:
“إِذَنْ ضَعْهَا فِي الْخَزنَةِ الْحَدِيدِيَّةِ، وَأَقْلِفْهَا رَيْثَمَا تَعُودُ مِنَ الْإِجَازَةِ.”
تَرَدَّدَ لِلَّحْظَةٍ، كَأَنَّ كَلِمَةَ “لَكِن” تَعَلَّقَتْ فِي حَلْقِهِ قَبْلَ أَنْ تُنْطَقَ، ثُمَّ هَمَسَ:
“لَكِن…”
اقْتَرَبَ مِنْهُ الرَّئِيسُ بِنَظْرَةٍ صَارِمَةٍ، لَامَسَتْ عُمقَ اللَّحْظَةِ، وَقَالَ:
“لَكِنْ مَاذَا؟”
خَفَضَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَهَمَسَ كَمَا لَوْ كَانَ يهْمِسُ لِرُوحِهِ قَبْلَ سِوَاهُ:
“رُبَّمَا تَطُولُ إِجَازَتِي…”
“لِمَاذَا؟” سَأَلَ الرَّئِيسُ بِحِدَّةٍ، كَأَنَّ السُّؤَالَ يَزِنُ ثِقَلَ كُلِّ ثَانِيَةٍ، يُقَيِّمُ مِقْدَارَ الْمَسْؤُولِيَّةِ قَبْلَ الْقَرَارِ.
اِرْتَجَفَتْ كَلِمَاتُهُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالِاحْتِرَامِ:
“أَرَدْتُ أَنْ أُمَدِّدَهَا… حَتَّى يصْدَرَ قَرَارُ قَبُولِ اسْتِقَالَتِي.”
ارْتَسَمَ عَلَى وَجْهِ الرَّئِيسِ مَزِيجٌ مِنَ الاسْتِغْرَابِ وَالْقَلَقِ:
“لَكِنْ، منْ سَيَقُومُ بِمَهَامِّكَ حَالَ غِيَابِكَ؟”
ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، تَحْمِلُ ثِقَةً نَابِعَةً مِنْ تَحْضِيرٍ مُسْبَقٍ:
“مُعَاوِنِي.”
“وَمَنْ سَيُسَلِّمُ الْمُسْتَحَقَّاتِ إِلَى أَصْحَابِهَا؟”
ابْتَسَمَ بِخِفَّةٍ، وَحَمَلَ صَوْتَهُ ثِقَةً رَغْمَ التَّوَتُّرِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَمْ يُفَارِقْهُ:
“مُعَاوِنِي أَيْضًا؛ فَقَدْ دَرَّبْتُهُ جَيِّدًا.”
تَرَدَّدَ الرَّئِيسُ لِلَّحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِحِزْمٍ لَكِنَّهُ مُتَفَهِّمٌ:
“إِذَنْ، قُمْ بِتَسْلِيمِ الْخَزَنَةِ وَمُحْتَوَاهَا إِلَى مُعَاوِنِكَ.”
رَفَعَ رَأْسَهُ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ بِتَأَمُّلٍ:
“أَحْتَاجُ مِنْكُمْ إِلَى قَرَارٍ رَسْمِيٍّ بِذَلِكَ.”
أَجَابَ الرَّئِيسُ مُطمئِنًّا، صَوْتُهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِزْمِ وَالطُّمَأْنِينَةِ:
“سَنُنَظِّمُ الْقَرَارَ اللَّازِمَ الْيَوْمَ أَثْنَاءَ اجْتِمَاعِ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ؛ لَا تَقْلَقْ.”
غَادَرَ الْمَكْتَبَ، وَعَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ، حَيْثُ أَلْقَى نَظْرَةً سَرِيعَةً عَلَى الْخَزنَةِ الْحَدِيدِيَّةِ. أَعَادَ النُّقُودَ إِلَيْهَا بِعِنَايَةٍ، كَأَنَّهُ يُعِيدُ تَرْتِيبَ ثِقْلٍ مِنْ رُوحِهِ، وَيُنَظِّمُ عَبْءَ الْمَسْؤُولِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ الْبَابَ خَلْفَهُ.
وَقَفَ لِلَّحْظَةٍ، يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ، مُسْتَشْعِرًا ثِقَلَ كُلِّ مَا فِي يَدَيْهِ، وَمُدْرِكًا أَنَّ الْقَرَارَ الَّذِي اتَّخَذَهُ لَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ رُوتِينِيٍّ، بَلْ نُقْطَةُ تَحَوُّلٍ سَتَتْرُكُ أَثَرَهَا فِي مَسَارِ أَيَّامِهِ الْقَادِمَةِ، كَظِلٍّ طَوِيلٍ يَتْبَعُهُ أَيْنَمَا سَارَ.
بَعْدَ مُرُورِ سَاعَتَيْنِ مِنَ الاجْتِمَاعِ الْحَاسِمِ لِمَجْلِسِ الْإِدَارَةِ، صَدَرَتْ عِدَّةُ قَرَارَاتٍ، وَكَانَ أَهَمُّهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ الْمُوَافَقَةُ عَلَى طَلَبِ اسْتِقَالَتِهِ. شَعَرَ حِينَئِذٍ بِمَزِيجٍ مِنَ الرَّاحَةِ وَالْقَلَقِ، كَأَنَّ قَلْبَهُ يُرْفُرِفُ بَيْنَ فَرَحٍ بِحُرِّيَّةٍ مُقْبِلَةٍ، وَخَوْفٍ مِنَ الْمَجْهُولِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْخُطْوَةِ الْمصِيرِيَّةِ.
كُلِّفَ مُعَاوِنُهُ بِالْقِيَامِ بِجَمِيعِ أَعْمَالِهِ، لَكِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَفْوِيضٍ رُوتِينِيٍّ، بَلْ كَانَ مُحَاطًا بِالإِجْرَاءَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الصَّارِمَةِ لِضَمَانِ سَيْرِ الْعَمَلِ بِسَلَاسَةٍ. أُعْلِنَ أَنَّ الاسْتِلَامَ وَالتَّسْلِيمَ سَيَتِمَّانِ بِمُوجبِ مَحْضَرٍ رَسْمِيٍّ، يُحَرَّرُ بِحُضُورِ لَجْنَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْضَاءٍ، اُخْتِيرُوا بِعِنَايَةٍ مِنْ بَيْنِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ، لِتَأْكِيدِ كُلِّ خُطْوَةٍ، وَضَمَانِ عَدَمِ حُدُوثِ أَيِّ خَلَلٍ قَدْ يُزَعْزِعُ اسْتِقْرَارَ الْعَمَلِ.
جَلَسَ لِلَّحْظَةٍ، يَتَأَمَّلُ التَّفَاصِيلَ، وَأَسْئِلَةٌ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهِ: هَلْ سَيَسْتَطِيعُ مُعَاوِنُهُ حَمْلَ الْمَسْؤُولِيَّةِ كَمَا يَنْبَغِي؟ هَلْ سَتَسِيرُ الْأُمُورُ عَلَى النَّحْوِ الْمُخَطَّطِ لَهُ؟ أَمْ أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ يَفْلِتُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ؟
رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ نَافِذَةِ مَكْتَبِهِ، وَالضَّوْءُ يَتَسَلَّلُ بَيْنَ السّتَائِرِ، يُلْقِي بِظِلَالِهِ عَلَى وَجْهِهِ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ يَهْمِسُ لَهُ: “كُلُّ قَرَارٍ لَهُ ثَمَنُهُ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ سَتَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّتَهَا.”
ثُمَّ تَمَالَكَ نَفْسَهُ، وَأَعَادَ تَرْتِيبَ أَفْكَارِهِ، مُؤَكِّدًا فِي دَاخِلِهِ أَنَّ الثِّقَةَ الَّتِي وَضَعَهَا فِي مُعَاوِنِهِ لَيْسَتِ اعْتِبَاطِيَّةً، وَأَنَّهُ قَدْ دَرَّبَهُ بِمَا يَكْفِي لِيُوَاجِهَ الْمَوَاقِفَ الصَّعْبَةَ. وَمَعَ ذَلِكَ، بَقِيَتْ أَصَابِعُ الْقَلَقِ تَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِهِ، تُذَكِّرُهُ بِأَنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ كَبِيرٍ فِي الْحَيَاةِ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مُفَاجَآتٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الزَّمَنُ نَفْسُهُ.
هَكَذَا، وَقَفَ عَلَى أَعْتَابِ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ، مَرْحَلَةٍ يَزْحَفُ إِلَيْهَا بِخُطُوَاتٍ محسُوبَةٍ، مُحَمَّلًا بِثِقَلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَمَفْعَمًا بِالْأَمَلِ، وَفِي عَيْنَيْهِ انْعِكَاسُ إِحْسَاسٍ عَمِيقٍ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: “لَقَدِ اتَّخَذْتُ الْقَرَارَ… فَهَلْ سَأَكُونُ عَلَى قَدْرِ اللَّحْظَةِ؟”
—-
عَادَ إِلَى بَيْتِهِ فِي الْمَسَاءِ، مُنْهَكًا بَعْدَ يَوْمِ عَمَلٍ طَوِيلٍ وَشَاقٍ، تَتَدَافَعُ فِيهِ الْمَسْؤُولِيَّاتُ كَأَمْوَاجٍ عَنيفَةٍ عَلَى شَاطِئِ صَبْرِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، شَعَرَ بِارْتِيَاحٍ غَامِرٍ، كَأَنَّ ثِقَلَ الْمَسْؤُولِيَّةِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ طِوَالَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ—ثِقَلَ الْمَالِ الْهَائِلِ الَّذِي كَانَ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ—قَدْ أُزِيحَ أَخِيرًا، وَتَرَكَتْ رُوحَهُ مَجَالًا لِلتَّنَفُّسِ وَالرَّاحَةِ.
جَلَسَ لِلَّحْظَةٍ عَلَى حَافَةِ الْأَرِيكَةِ، يَنْظُرُ حَوْلَهُ، تَلْمُسُ عَيْنَاهُ تَفَاصِيلَ الْبَيْتِ الَّتِي اعْتَادَهَا، الرَّوَائِحُ الْمَأْلُوفَةُ، أَصْوَاتُ الْأَطْفَالِ الْبَعِيدَةِ، هَمْسُ الرِّيحِ عَبْرَ النَّافِذَةِ، وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْمِسُ لَهُ: “لَقَدْ نَجَوْتَ، لَقَدْ أَدَيْتَ وَاجِبَكَ.”
وَفِي اللَّيْلِ، اسْتَسْلَمَ لِلْنَّوْمِ نَوْمًا عَمِيقًا، لَمْ يُعَكِّرْهُ شُعُورُ بِالْقَلَقِ أَوِ اضْطِرَابٍ. كَانَ نَوْمُهُ هَادِئًا، كَأَنَّهُ بَحْرٌ سَاكِنٌ بَعْدَ عَاصِفَةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّ رُوحَهُ قَدْ وَجَدَتْ مُتَنَفَّسَهَا أَخِيرًا بَعْدَ رِحْلَةٍ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالتَّوَتُّرِ، رِحْلَةٍ مَلَأَتْهَا الْمَشَاعِرُ الْمُتَضَارِبَةُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَبَيْنَ الْحَذَرِ وَالِارْتِيَاحِ.
وَفِي أَعْمَاقِ عَقْلِهِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَى هَمْسَةٍ خَافِتَةٍ، تَتَرَدَّدُ كَصَدًى بَعِيدٍ: “لَقَدْ أَنْجَزْتَ مَهَمَّتَكَ… فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِمَا سَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ؟”
—–
مَعَ فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، اقْتَحَمَ الصَّمْتَ فَجْأَةً ضَجِيجٌ مُفَاجِئٌ وَصَرَخَاتٌ مُتَلَاحِقَةٌ، وَصَوْتُ الْفَوْضَى يَخْتَرِقُ أَرْكَانَ الْمَنْزِلِ كَعَاصِفَةٍ لَا تَرْحَمُ، تَرْتَجِفُ لَهَا الْجُدْرَانُ وَتَخْتَلِطُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ بِالْأَهْوَالِ. دَاهَمَتْ عَنَاصِرُ أَمْنِيَّةٍ مُجَهولَةُ الْجِهَةِ مَنْزِلَهُ، لَمْ يَعْرِفْ إِلَى أَيِّ سُلْطَةٍ يَتَبَعُونَ، وَلَمْ يُبْدُوا لَهُمْ سَبَبُ وُجُودِهِمُ الْمُفَاجِئُ، وَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ عَالَمٍ آخَرَ، لَا عَقْلَ فِيهِ وَلَا مِنْطِق، عَالَمٌ تَتَحَرَّكُ فِيهِ الْقَوَانِينُ بِقَسْوَةٍ عَمِيَاءَ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ سَرِيعًا، عَنِيفًا، كَأَنَّ الزَّمَنَ قَدْ تَجَمَّدَ لِلَّحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَأَنَّ كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَنْزِلِ تَصْرُخُ مِنَ الرُّعْبِ. الرِّيحُ الَّتِي تَسَلَّلَتْ مِنَ الشُّرْفَةِ الْمَفْتُوحَةِ حَمَلَتْ مَعَهَا رَائِحَةَ الْخَوْفِ وَالْهَلَعِ، وَلَفَّتْ قَلْبَهُ بِشِدَّةٍ، كَمَا لَوْ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَهُ أَنَّ عَالَمَهُ الْمَأْلُوفَ قَدِ انْهَارَ فَجْأَةً أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ اعْتَادَ عَلَيْهِ أَصْبَحَ عَرْضَةً لِلْاِنْكِسَارِ.
هَرَعَ نَحْوَ الصَّالَةِ، عَيْنَاهُ تَتَفَحَّصَانِ كُلَّ حَرَكَةٍ، كُلَّ ظِلٍّ، وَكُلَّ ابْتِسَامَةٍ مُحْبِطَةٍ أَوْ صَدْمَةٍ عَلَى وُجُوهِ أَبْنَائِهِ، مُحَاوِلًا فَهْمَ مَا يَحْدُثُ. ارْتَجَفَ صَوْتُهُ، وَهُوَ يُنَادِي:
“مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ مَنْ أَنْتُمْ؟ لِمَاذَا تَأْخُذُونَهُمْ؟”
زَوْجَتُهُ، الَّتِي ارْتَعَشَتْ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ، أَمْسَكَتْ بِذِرَاعِهِ، وَارْتَفَعَ صَوْتُهَا كَصَرْخَةٍ يَائِسَةٍ:
“أَرْجُوكُمْ… أَطْفَالِي… لَا تُؤْذُوهُمْ!”
حَتَّى حفيدَتُهُ الصَّغِيرَةُ، لَمْ يَتَجَاوَزْ عُمْرُهَا الْخَامِسَةَ، صَرَخَتْ بِصَوْتٍ يَخْتَنِقُ بِالْخَوْفِ:
“بَابَا… لَا! لَا تَلْمِسُوهُمْ!”
لَكِنَّ كُلَّ تِلْكَ النِّدَاءَاتِ لَمْ تَجِدْ صَدًى، لَمْ يَفْتَحِ الضَّابِطُ الْمَسْؤُولُ قَلْبَهُ لِلرَّحْمَةِ، وَلَمْ تُثْمِرْ دُمُوعُ الْأَبِ أَوْ صَرَخَاتُ الْأَطْفَالِ عَنْ أَيِّ اسْتِجَابَةٍ. كَانَ الْهُدُوءُ عَلَى وَجْهِهِ صَارِمًا، كَأَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ قَدِ انْسَحَبَتْ مِنَ الْمَكَانِ، تَارِكَةً خَلْفَهَا خَوْفًا وَجُنُونًا لَا يُحْتَمَلُ.
جَلَسَ عَلَى حَافَةِ الْأَرِيكَةِ، يَضْغَطُ عَلَى وَجْهِهِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، يَشْعُرُ بِقَلْبِهِ يَكَادُ يَنْفَجِرُ مِنْ مَزِيجِ الْغَضَبِ وَالْعَجْزِ وَالذُّعْرِ، وَيَسْأَلُ نَفْسَهُ فِي صَمْتٍ يَقْطَعُ الصَّدْرَ:
“هَلْ هَذَا مَا أَصْبَحَ عَلَيْهِ الْعَالَمُ؟ هَلِ الْعَدَالَةُ أَصْبَحَتْ بِلَا صَوْتٍ، وَالرَّحْمَةُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ؟”
ثُمَّ نَهَضَ بِبُطْءٍ، يُجَمِّعُ مَا تَبَقَّى مِنْ شُجَاعَتِهِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَعِيدَ وَعْيَهُ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ خُطَّةٍ، أَيِّ أَمَلٍ، أَيِّ مَهْرَبٍ مِنْ هَذَا الْجُنُونِ الْمُفَاجِئِ الَّذِي اقْتَحَمَ حَيَاتَهُ، وَكَأَنَّ اللَّيْلَ قَدْ حَلَّ عَلَى قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَنفتحَ النَّهَارُ.
كَانَتِ النَّتِيجَةُ صَادِمَةً، لَا تَقْوَى الْكَلِمَاتُ عَلَى وَصْفِهَا: اعْتُقِلَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ وَزَوْجَي ابْنَتَيْهِ، دُونَ أَيِّ تَفْسِيرٍ، دُونَ أَيِّ إِنْذَارٍ، وَكَأَنَّهُمْ اخْتُطِفُوا فَجْأَةً مِنْ عَالَمِهِمِ الْمَأْلُوفِ إِلَى هَاوِيَةٍ مجهولَةٍ.
وَقَفَ عَاجِزًا، يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِعَيْنَيْنِ يَمْلَؤُهُمَا الرُّعْبُ وَالذُّهُولُ، يُحَاوِلُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِأَيِّ خَيْطٍ لِلْأَمَلِ، فَتَقَدَّمَ نَحْوَ الضَّابِطِ الْمَسْؤُولِ، صَوْتُهُ يَرْتَجِفُ، دُمُوعُهُ تَتَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِهِ، وَالِارْتِجَافُ يَتَمَلَّكُهُ كَمَا لَوْ كَانَ يَذُوبُ مِنَ الدَّاخِلِ:
“مِنْ فَضْلِكُمْ… أَرْجُوكُمْ… أَعِيدُوا لِي أَبْنَائِي… أَعِيدُوا لِي عَائِلَتِي!”
لَكِنَّ كُلَّ تِلْكَ النِّدَاءَاتِ لَمْ تَجِدْ صَدًى، لَمْ تُثْمِرْ دُمُوعًا، لَمْ تَفْتَحْ بَابَ رَحْمَةٍ. كَانَ الضَّابِطُ هَادِئًا، صَارِمًا، صَامِتًا، لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِتَنْفِيذِ مَا أُمِرَ بِهِ، كَأَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً فِي هَذَا الْعَالَمِ.
جَلَسَ عَلَى حَافَةِ الْأَرِيكَةِ، يَضْغَطُ عَلَى وَجْهِهِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَيَشْعُرُ بِأَنَّ قَلْبَهُ يَكَادُ يَنْفَجِرُ مِنْ مَزِيجِ الْغَضَبِ وَالْعَجْزِ وَالذُّعْرِ. تَسَاءَلَ فِي صَمْتٍ يَقْطَعُ الصَّدْرَ: هَلْ هَذِهِ الْعَدَالَةُ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِلْعَالَمِ أَنْ يُصْبِحَ مَكَانًا بِلَا سَبَبٍ، بِلَا رَحْمَةٍ؟
كَانَ الْبَيْتُ، الَّذِي كَانَ مَلَاذَهُ، أَصْبَحَ فَجْأَةً مَسْرَحًا لِلرُّعْبِ، وَصَوْتُ الرِّيحِ مِنَ النَّافِذَةِ الْمَفْتُوحَةِ يَهْمِسُ لَهُ: “كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي لَحْظَةٍ… كُلُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُسْلَبَ بِلَا سَابِقِ إِنْذَارٍ…”
وَقَفَ مَرَّةً أُخْرَى، يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَجْمِعَ مَا تَبَقَّى مِنْ قُوَّتِهِ، يَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ خُطَّةً، أَيُّ خُطَّةٍ، لِإِعَادَةِ مَنْ أَحَبَّهُمْ، لَكِنَّ كُلَّ فِكْرَةٍ تَصْطَدِمُ بِجِدَارٍ مِنَ الْغُمُوضِ، كَأَنَّ اللَّيْلَ قَدْ حَلَّ مُبَكِّرًا عَلَى قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ النَّهَارُ.
—-
تَمُرُّ الْأَيَّامُ عَلَيْهِ بِبُطْءٍ ثَقِيلٍ، وَهُوَ يَنْهَلُ مِنْ بَحْرِ الْاِنْتِظَارِ وَالْقَلَقِ، كَمَنْ يَغُوصُ فِي مُحِيطٍ بِلَا شَاطِئٍ، يَسْأَلُ، يَسْتَقْصِي، يَطْرُقُ كُلَّ بَابٍ، يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ خَيْطٍ، أَيِّ مُؤَشِّرٍ، يُمْكِنُ أَنْ يَقُودَهُ إِلَى أَبْنَائِهِ الْمَفْقُودِينَ. لَكِنَّ كُلَّ الطُّرُقِ تَبْدُو مُسْدُودَةً، وَكُلُّ الْأَبْوَابِ تُغْلَقُ فِي وَجْهِهِ بِلَا رَحْمَةٍ، بِلَا شَفَقَةٍ، وَكَأَنَّ الْعَالَمَ جَمَعَ غَضَبَهُ كُلَّهُ ضِدَّ قَلْبٍ يَنْزِفُ خَوْفًا وَحَيْرَةً.
جَلَسَ عَلَى حَافَةِ الْكُرْسِيِّ، يَضَعُ رَأْسَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَالدُّمُوعُ تَخْتَلِطُ بِالْغَضَبِ فِي عَيْنَيْهِ، مُتَسَائِلًا فِي صَمْتٍ مُؤْلِمٍ: “أَيْنَ أَنْتُمْ؟ وَمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ أُنْجِزَهُ لِأُعِيدَكُمْ إِلَيَّ؟”
نَصَحَهُ أَحَدُ أَصْدِقَائِهِ بِصَرَاحَةٍ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ مُحَمَّلٍ بِالْمُرَارَةِ، كَهَمْسٍ مِنْ عَالَمٍ لَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ:
“لَا نَفْعَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَّا بِالْمَالِ… الْمَالُ وَحْدَهُ يَفْتَحُ الْأَبْوَابَ الْمُغْلَقَةَ.”
تَوَقَّفَ لِلَّحْظَةٍ، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَسْتَجْمِعَ شَتَاتَ نَفْسِهِ، مُسْتَحْضِرًا فِكْرَةً أَنَّ الْمَالَ وَحْدَهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنقِذَ مَنْ أَحَبَّهُ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِغَصَّةٍ عَمِيقَةٍ تَخْنِقُهُ:
“وَأَيْنَ لِي بِهَذَا الْمَالِ؟” هَمَسَ لِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ تَقْطَعُ أَوْصَالَهُ:
“ثَلَاثَةُ شُبَّانٍ… أَبْنَائِي… أُخِذُوا مِنْ بَيْتِي، مِنْ أَمَانَتِي، مِنْ حِمَايَتِي لِكُلِّ مَا هُوَ ثَمِين… لِيَكُونَ انْتِقَامًا لَا يُمْكِنُ دَفْعُ ثَمَنِهِ بِسُهُولَةٍ.”
اقْتَرَبَ مِنَ النَّافِذَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّارِعِ الْمَهْجُورِ، وَتَسَلَّلَتْ إِلَى قَلْبِهِ أَسْئِلَةٌ لَا تَجِدُ إِجَابَةً:
“هَلْ يَكْفِي الْمَالُ لِشِرَاءِ الْحُرِّيَّةِ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِلثَّمَنِ أَنْ يُعِيدَهُمْ إِلَيَّ كَمَا كَانُوا؟ أَمْ أَنَّ مَا فُقِدَ قَدْ صَارَ خَارِجَ مُتَناوَلِ كُلِّ قُوَّةٍ وَكُلِّ وَسِيلَةٍ؟”
جَلَسَ صَامِتًا، كَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ مَعَهُ، يَغُوصُ فِي بَحْرٍ مِنَ الْأَسَى وَالْحِيرَةِ، وَبَيْنَ صَرَخَاتِهِ الْمَكْتُومَةِ وَدُمُوعِهِ الْخَفِيَّةِ، بَدَا لَهُ أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى شَفِيرِ هَاوِيَةٍ لَا يَعْلَمُ مَا بِدَاخِلِهَا، وَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مَحْفُوفَةٌ بِالْخَطَرِ، وَكُلُّ لَحْظَةِ تَأْخِيرٍ تَزِيدُ مِنْ أَلَمِهِ.
ثُمَّ نَهَضَ بِبُطْءٍ، عَازِمًا عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَيِّ طَرِيقٍ، أَيِّ نَافِذَةِ أَمَلٍ، أَيِّ شَقٍّ صَغِيرٍ فِي الظَّلَامِ، لِيَجِدَ أَبْنَاءَهُ، رَغْمَ أَنْفِهِ، رَغْمَ قَسْوَةِ الْعَالَمِ، رَغْمَ ثِقَلِ الْفَقْدَانِ الَّذِي يَضْغَطُ عَلَى صَدْرِهِ كَمَا لَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْحَقَ قَلْبَهُ بِالْكَامِلِ.
كَانَ قَلْبُهُ مُثَقَّلًا بِالْحُزْنِ، يثْقُلُ صَدْرَهُ كَصَخْرَةٍ لَا تَنْكَسِرُ، وَيَدُهُ تَرْتَجِفُ مَعَ كُلِّ مُحَاوَلَةٍ لِلْعُثُورِ عَلَى حَلٍّ، بَيْنَمَا تَتَكَرَّرُ الْأَسْئِلَةُ فِي ذِهْنِهِ بِلَا جَوَابٍ: “أَيْنَ الْعَدَالَةُ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَحْمِينَا مِنْ هَذَا الظُّلْمِ الْبَالِغِ؟ هَلْ أَصْبَحْنَا جَمِيعًا فِي قَبْضَةٍ لَا تَرْحَمُ؟”
كَانَتْ لَيَالِي هَذَا الْبَيْتِ تَتَدَفَّقُ عَلَى وَقْعِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، أَصْوَاتٌ تَمْلَأُ الصَّمْتَ، تَنْهَالُ عَلَى الْجُدْرَانِ كَالْمَطَرِ الْحَزِينِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُبَلِّلَ الْقَلْبَ الْمَلِيءَ بِالْوَجَعِ.

تَجَمَّعَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْجِيرَانِ، يُحَاوِلُونَ سَدَّ الْفَرَاغِ الَّذِي خَلَّفَهُ الْغِيَابُ الْقَسْرِيُّ لِأَبْنَائِهِ، يحْرِسُونَ مَا تَبَقَّى مِنْ أُسْرَتِهِ، يُخَفِّفُونَ عَنْهُمْ وَطَأَةَ الظُّلْمِ وَالِاعْتِقَالِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ قَلْبَهُ مَفْتُوحًا لِلآخَرِ، وَكُلُّ يَدٍ تَمَتدَّ لِتُمْنَحَ الْأَمَانَ وَالدِّفْءَ فِي مُوَاجَهَةِ لَيْلٍ بِلَا رَحْمَةٍ.
جَلَسَ عَلَى حَافَةِ الْأَرِيكَةِ، يَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِهِمْ، يَبْحَثُ عَنْ بَصِيصِ أَمَلٍ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ وَهَمْسَاتِهِ: “كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْيَأْسِ أَنْ يغْتَالَ كُلَّ بَصِيصِ أَمَلٍ؟ كَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى غِيَابِهِمْ؟”
زَوْجَتُهُ اقْتَرَبَتْ، عَيْنُهَا تَلْمَعُ بِالدُّمُوعِ، وَصَوْتُهَا يَرْتَجِفُ:
“سَنَصْمُدُ… لَا شَيْءَ يَقْدِرُ عَلَى كَسْرِنَا… حَتَّى لَوْ أَخَذُوا أَعَزَّ مَا لَدَيْنَا، سَنَبْقَى مَعًا.”
أَجَابَهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ، مزِيجٍ مِنَ الْحُزْنِ وَالِإصْرَارِ:
“نَعَمْ… لَكِنْ هَلْ يَكْفِي الْإصْرَارُ وَحْدَهُ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِلدُّعَاءِ أَنْ يُعِيدَهُمْ إِلَيَّ؟ أَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَصْبَحَ رَهِينَةً لِلظُّلْمِ وَالْفَسَادِ؟”
فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، بَدَا الْبَيْتُ وَكَأَنَّهُ عَالَمٌ صَغِيرٌ مِنَ الْمُقَاوَمَةِ، مِنْ صُمُودٍ مُتَوَاصِلٍ، حَيْثُ يَمْتَزِجُ الْخَوْفُ بِالْعَزْمِ، وَالْيَأْسُ بِالْأَمَلِ، كُلُّ شَخْصٍ فِيهِ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ نُقْطَةَ ضَوْءٍ فِي ظَلاَمٍ دَامِسٍ، وَكُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ تُحَفَرُ فِي ذَاكِرَةِ الْقَلْبِ، كَدَلِيلٍ عَلَى صَبْرِ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِ مَا لَا يُطَاقُ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ يَخْتَبِرُ الْقُدْرَةَ عَلَى الصُّمُودِ قَبْلَ أَنْ يُمْنَحَ أَيَّ مَكْسَبٍ.

بَعْدَ كُلِّ الْمُحَاوَلَاتِ وَالتَّضَرُّعَاتِ الَّتِي بَاءَتْ بِالْفَشَلِ، رَفَعَ هَاتِفَهُ الْمُرْتَجِفَ، كَأَنَّ كُلَّ عَصَبٍ فِي جَسَدِهِ مُتَوَتِّرٌ، وَكُلُّ نَفَسٍ يَلْتَقِطُهُ يَحْمِلُ وِزْرَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ. ضَغَطَ عَلَى الْأَزْرَارِ الْمُتَكَرِّرَةِ، طَالِبًا الرَّقْمَ ذَاتَهُ الَّذِي سَبَقَ أَنْ هُدِّدَ بِهِ قَبْلَ اسْتِقَالَتِهِ، كَأَنَّ هَذِهِ الْمُكَالَمَةَ الْأَخِيرَةَ قَدْ تَحْمِلُ خَلَاصَهُ أَوْ تَهْوِي بِهِ أَكْثَرَ فِي هَاوِيَةِ الْيَأْسِ.
قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، مُرْتَجِفٍ، لَكِنَّهُ مُشْحُونٌ بِالْعَزْمِ الْمُمَزَّجِ بِالْيَأْسِ:
“سَأَضَعُ نَفْسِي بَيْنَ يَدَيْكَ حَالًا… عَلَى أَنْ تَتْرُكَ أَوْلَادِي لِشَأْنِهِمْ.”
عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، جَاءَ الصَّوْتُ حَادًّا، مُحَمَّلًا بِاللَّوْمِ وَالسُّخْرِيَةِ، كَالْسَّوْطِ الَّذِي يَجْلِدُ قَلْبَهُ:
“كُنْتُ قَدْ عَرَضْتَ عَلَيْكَ مَرَارًا بَدَائِلَ، حِينَ كَانَتِ الْحُلُولُ مُتَاحَةً، وَالْخِيَارَاتُ وَاضِحَة… وَقُلْتَ لَكَ: لَا تَخَفْ، سَنَقُومُ بِحِمَايَتِكَ، وَلَنْ تَضْطَرَّ إِلَى هَذَا الْمَأْزِقِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ الآن… لَكِنَّكَ رَفَضْتَ، وَاسْتَبَقْتَ الْهُرُوبَ مِنَّا بِالِاسْتِقَالَةِ. فَلَا تُلُمْ أَحَدًا سِوَى نَفْسِكَ.”
وَقَفَ لَحْظَةً، يَسْتَمِعُ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ تَتَسَلَّلُ إِلَى أُذْنِهِ تَحْفُرُ أَثْقَالَهَا فِي صَدْرِهِ، كَأَنَّهَا شُعَلَاتٌ تِلْهَبُ قَلْبَهُ. تَسَاءَلَ فِي صَمْتٍ مُحَمَّلٍ بِالْأَلَمِ وَالْمَرَارَةِ:
“هَلْ كَانَ الْخِيَارُ حَقًّا لِي؟ أَمْ أَنَّ الْقَدَرَ قَدْ رَسَمَ خُيُوطَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، وَأَلْقَى بِي فِي شَبَكَةٍ لَا مَفَرَّ مِنْهَا؟ هَلْ كَانَ بِإمْكَانِي أَنْ أَفْعَلَ أَكْثَرَ، أَمْ أَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ كَانَ مسَدُّودًا قَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ؟”
زَوْجَتُهُ، الَّتِي كَانَتْ تَقِفُ خَلْفَهُ، أَمْسَكَتْ بِذِرَاعِهِ وَارْتَجَفَ صَوْتُهَا مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ:
“أَرْجُوك… أَيُّ حَلٍّ هُنَاكَ… كُلُّ مَا نُرِيدُهُ أَنْ يَعِيشَ أَبْنَاؤُنَا بِسَلَام… هَلْ تَسْمَعُهُمْ؟ هَلْ تَسْمَعُ صُرْخَاتِهِمْ فِي اللَّيْلِ؟”
أَجَابَهَا بِصَوْتٍ هَادِئٍ، يَحْمِلُ أَلَمَهُ وَثِقْلَهُ، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ تَكَادُ تَتَفَتَّتُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ:
“أَعْلَمُ… أَعْلَمُ… وَأقْسِمُ أَنِّي سَأَفْعَلُ كُلَّ مَا أَسْتَطِيعُ… لَكِنْ هَلْ يَكْفِي صَوْتُ الْأَبِ لِحِمَايَةِ الْأَطْفَالِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الَّذِي لَا يَرْحَمُ؟”
كَانَ الصَّمْتُ يُخِيمُ بَعْدَ الْمُكَالَمَةِ، ثِقَلُ الْكَلِمَاتِ الْمُلْقَاةِ عَلَى قَلْبِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَيِّ تَهْدِيدٍ خَارِجِيٍّ، كَأَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ السَّابِقَةِ كَانَتْ مُجَرَّدَ تَدْرِيبٍ عَلَى مُوَاجَهَةِ هَذَا الْيَوْمِ. وَكُلُّ فِكْرَةٍ، كُلُّ خَفقَةِ قَلْبٍ، كُلُّ ارْتِجَافِ يَدٍ، كَانَتْ تُنذِرُ بِأَنَّهُ عَلَى أَعْتَابِ اخْتِبَارٍ أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ امْتِحَانٍ عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ: امْتِحَانُ الْبَقَاءِ، الْاِمْتِثَالُ، وَالْحِمَايَةُ، فِي عَالَمٍ يَبْدُو فِيهِ الْأَمَانُ مُجَرَّدَ وَهْمٍ.
عَاوَدَ الْاِتِّصَالَ ثَانِيَةً، وَكَانَ الْهَاتِفُ يَرْتَجِفُ فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ كَانَ يُحَاوِلُ الْهُرُوبَ مِنْ وَاقِعِهِ الْقَاسِي. ارْتَجَفَ صَوْتُهُ وَهُوَ يُجِيبُ، وَحُرُوفُ كَلِمَاتِهِ تَكَادُ تَنْقَطِعُ بَيْنَ ضِيقِ النَّفَسِ وَحَجْمِ الظُّلْمِ الَّذِي يُثْقِلُ صَدْرَهُ:
“وَلَكِن، يَا سِيدِي… هَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِي، وَلَمْ يَكُنْ لِي مِنْهُ سِوَى رَاتِبِي الْبَسِيطِ الَّذِي كُنْتُ أَتَقَاضَاهُ كُلَّ شَهْرٍ، وَالَّذِي بِالْكَادِ يَكْفِي لِقِيمَاتٍ قَلِيلَةٍ لِعَائِلَتِي.”
رَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْتُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، حَادًّا وَقَاسِيًا، كَأَنَّهُ يَضْرِبُهُ بِقَسْوَةِ الْحَقِيقَةِ نَفْسِهَا:
“هَا أَنْتَ تَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ مَالَكَ! وَإِنَّكَ مَا كُنْتَ لِتَحْتَاجَ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ مِنْهُ شَيْئًا. إِذًا، نَحْنُ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، وَسَنَحْصُلُ عَلَيْهِ بِكَ أَوْ مِنْ دُونِكَ… لَكِن، وَرَأفَةً بِكَ، سَأُخْرِجُ لَكَ وَاحِدًا مِنْ أَفْرَادِ أُسْرَتِكَ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، تَنَفَّسَ بِصُعُوبَةٍ، وَتَشَبَّثَ بِمَا تَبَقَّى مِنْ شُعَاعِ أَمَلٍ فِي قَلْبِهِ:
“سَأَكُونُ لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ إِذَا أَخْرَجْتَهُم جَمِيعًا، وَأَخَذْتَنِي بَدَلًا عَنْهُمْ.”
أَجَابَ الصَّوْتُ بِلَا هَوَادَةٍ، بِلَهْجَةٍ تَقْطَعُ الصَّمْتَ مِثْلَ السَّيْفِ:
“وَمَا أَصْنَعُ بِكَ وَأَنْتَ فِي الْمُعْتَقَلِ؟ فَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْتَدِيكَ… لَكِنْ لَا يَزَالُ بِمَقْدُورِكَ أَنْ تَفْتَدِي أَبْنَاءَكَ الْآخَرِينَ.”
ارْتَجَفَ قَلْبُهُ، وَتَرَدَّدَ صَدَى الْكَلِمَاتِ فِي أُذْنِهِ، يُثْقِلُ عَلَيْهِ كُلَّ نَفَسٍ:
“يَا سِيدِي…!”
وفَجْأَةً، انْقَطَعَ الْاِتِّصَالُ، وَتَرَكَهُ وَحِيدًا مَعَ شُعُورِ الْفَرَاغِ وَالرُّعْبِ. ارْتَجَفَتْ يَدَاهُ، وَامْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، وَصَارَ صَمْتُ اللَّيْلِ الثَّقِيلِ يُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَكَأَنَّ الْجُدْرَانَ نَفْسَهَا تَتَنَفَّسُ الْخَوْفَ. جَلَسَ يُرَاقِبُ مَا تَبَقَّى مِنَ الأَمَلِ وَهُوَ يَتَلَاشَى بَيْنَ ظِلَالِ قَلَقِهِ الْعَمِيقِ، وَيَطْرَحُ عَلَى نَفْسِهِ الْأَسْئِلَةَ الَّتِي لَا جَوَابَ لَهَا:
“كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَمِرَّ الْإِنْسَانُ فِي الْحَيَاةِ حِينَ يُصْبِحُ كُلُّ مَا يُحِبُّ رَهِينَةً؟ هَلْ يَكْفِي الْأَمَلُ وَحْدَهُ لِمُوَاجَهَةِ هَذَا الظَّلَامِ؟ أَمْ أَنَّ قَلْبَهُ سَيُكْسَرُ قَبْلَ أَنْ يَنْجُو أَحَدٌ؟”
حَتَّى أَنْفَاسُهُ كَانَتْ تَتَرَدَّدُ بِصَمْتٍ، كَأَنَّهَا تَدْعُوهُ إِلَى الصَّبْرِ، وَإِلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَيِّ خَيْطٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعِيدَ إِلَيْهِ أَبْنَاءَهُ، فِي عَالَمٍ يَبْدُو فِيهِ الْأَمَانُ مُجَرَّدَ وَهْمٍ، وَالرَّحْمَةُ كَلِمَةٌ تَتَلَاشَى بَيْنَ أَصَابِعِ الزَّمَنِ.

فِي مَسَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَصَلَ زَوْجُ ابْنَةِ الرَّجُلِ الْكُبْرَى إِلَى الْبَيْتِ سَالِمًا، وَحِيدًا، دُونَ أَنْ يُرَافِقَهُ الْآخَرُونَ الْمُحْتَجَزُونَ. كَانَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ ثِقْلَ الْأَحْدَاثِ، وَعَيْنَاهُ تَنُطِقُ بِمَا تَعْجِزُ الْكَلِمَاتُ عَنْ قَوْلِهِ.
اقْتَرَبَ الرَّجُلُ، وَقَلْبُهُ يَعْتَصِرُ أَلَمًا، كَأَنَّ كُلَّ نَبْضَةٍ فِيهِ تُذْبَحُ صَمْتًا تَحْتَ وَطَأَةِ الْفَقْدِ وَالْخَوْفِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَخْنِقُهُ الْقَلَقُ:
“عَلَيْكَ مُنْذُ الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ أَنْ تُجَهَزَ أَوْرَاقَكَ وَحَوَائِجَكَ… أَنْتَ وَابْنَتِي، وَالْأَوْلَادُ الصِّغَارُ، وَتُغَادِرُونَ هَذَا الْبَلَدَ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَإِلَى أَيِّ اتِّجَاهٍ يُمْكِنُكُمْ الْوُصُولُ إِلَيْهِ.”
ارْتَعَشَتْ يَدُ زَوْجِ ابْنَتِهِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ، وَتَمَلّكَتْهُ الدَّهْشَةُ، وَعَيْنَاهُ تَبْحَثَانِ عَنْ مَعْنًى آخَرَ، عَنْ سَبَبٍ لِهَذَا الْقَرَارِ الْمُفَاجِئِ:
“لَكِن… لِمَاذَا؟ إِلَى أَيْنَ نَذْهَبُ؟ وَهَلْ هُنَاكَ أَمَانٌ فِي الطَّرِيقِ؟”
رَدَّ الرَّجُلُ، بِصَوْتٍ يَمْزِجُ بَيْنَ الْحَزْمِ وَالْحُزْنِ، وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحْمِلُ صَدَى الْخَوْفِ وَالْوَاجِبِ مَعًا:
“لَيْسَ لَنَا خِيَار… لَقَدْ أَصْبَحَتْ حَيَاتُكُمْ هُنَا مُعَرَّضَةً لِلْخَطَر… كُلُّ لَحْظَةِ تَأْخِيرٍ تَعْنِي الْمَزِيدَ مِنَ الْمَخَاطِر… أَفَلَا تَرَى مَا حَدَثَ لِأَشْخَاصٍ آخَرِينَ؟ أَفَلَا تَشْعُرُ بِظِلَالِ الرُّعْبِ الَّتِي تُحِيطُ بِنَا؟”
جَلَسَتِ الزَّوْجَةُ إِلَى جَانِبِهِ، وَعَيْنُهَا تَلْمَعُ بِالدُّمُوعِ، وَيَدُهَا ارْتَعَشَتْ وَهِيَ تَمْسِكُ بِيَدِ الْأَبِ:
“كَيْفَ نَتْرُكُ وَطَنَنَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟ كَيْفَ نُغَادِرُ بُيُوتَنَا، وَذِكْرَيَاتِنَا، وَأَحِبَّاءَنَا… وَكُلَّ شَيْءٍ نَعْرِفُهُ؟”
تَنَهَّدَ الْأَبُ بِعُمْقٍ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ عِبْءَ الدُّنْيَا كُلَّهَا عَلَى كَتِفَيْهِ، ثُمَّ أَجَابَ بِصَوْتٍ مَفْعُومٍ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، رَغْمَ الْأَلَمِ:
“أَعْرِف… أَعْلَمُ أَنَّ الرَّحِيلَ صَعْبٌ، لَكِنَّ حَيَاتَكُمْ ثَمِينَة… أَنْتُمْ أَغْلَى مَا أَمْلِكُ. لَنْ أَسْمَحَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْكُمْ شَيْءٌ، وَلَنْ أَدَعَكُمْ تُدْفَعُونَ ثَمَنَ مَا لَمْ تَفْعَلُوهُ… عَلَيْنَا فَقَطْ أَنْ نَعِيشَ لِنَتَمَكَّنَ مِنَ الْمُحَاوَلَةِ مَرَّةً أُخْرَى… رُبَّمَا هُنَاكَ طَرِيقٌ لِلسَّلَامِ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا.”
ظَلَّتْ كَلِمَاتُ الرَّجُلِ تَتَرَدَّدُ فِي الْبَيْتِ، تَتَسَلَّلُ إِلَى الْجُدْرَانِ، وَتُتْرُكُ أَثَرَهَا فِي قُلُوبِ مَنْ كَانُوا يَسْتَمِعُونَ، بَيْنَ رَهْبَةِ الْمَجْهُولِ وَأَمَلِ الْبَقَاءِ، وَبَيْنَ الْخَوْفِ مِنَ الْفَقْدِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْحَيَاةِ.
لَقَدْ تَهَدَّمَ بَيْتُهُ فِي الْغُوطَةِ، وَتَحَطَّمَتْ جُدْرَانُهُ كَمَا تَحَطَّمَتْ أَحْلَامُهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَرْغَبُ فِي شِرَاءِ مَا تَبَقَّى مِنْهُ، وَكَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ أَغْلَقَ أَبْوَابَهُ فِي وَجْهِهِ. ضَاعَ الْأَمَلُ فِي مَوَارِدَ تَكْفِي لِإِعَالَةِ أُسْرَتِهِ، وَتَحَوَّلَتْ كُلُّ مُحَاوَلَاتِهِ لِلحُصُولِ عَلَى بَعْضِ الْمعُونَةِ إِلَى طُرُقٍ مُسَدَّدَةٍ، وَأَبْوَابُ الْأَمَانِ إِلَى جُدْرَانٍ بَارِدَةٍ لَا تُفْتَحُ إِلَّا بِالْمُعْجِزَاتِ.

تَوَاصَلَ مَعَ الْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ، عَسَى أَنْ يَجِدَ بَيْنَهُمْ مَنْ يُسْعِفُهُ بِبَعْضِ نُقُودٍ، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الدَّيْنِ، وَلَكِنَّ كُلَّ الْجُهُودِ بَاءَتْ بِالْفَشَلِ، وَكَأَنَّ الْمَصِيرَ نَفْسَهُ قَدْ تَآمَرَ عَلَى رَغَبَاتِهِ فِي الْبَقَاءِ. جَلَسَ فِي الصَّمْتِ، مُسْتَسْلِمًا لِلضِّيقِ، يُرَاقِبُ اللَّيْلَ وَكَأَنَّهُ يَمْتَدُّ بِلَا نِهَايَةٍ، وَيَطْرَحُ فِي ذِهْنِهِ السُّؤَالَ الَّذِي لَا جَوَابَ لَهُ:
“أَيْنَ الْأَمَانُ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَقِفُ مَعَنَا حِينَ يَنْهَارُ كُلُّ شَيْءٍ؟ هَلْ بَقِيَ فِي هَذَا الْعَالَمِ قَلْبٌ وَاحِدٌ يَشْعُرُ بِنَا؟”

وَفَجْأَةً، قَطَعَ صَمْتَ الْمَسَاءِ رَنِينُ الْهَاتِفِ، فَأَوْمَأَ قَلْبُهُ الْمُرْتَعِشُ كَمَنْ يَسْتَيْقِظُ مِنْ كَابُوسٍ طَوِيلٍ. كَانَ الْاِتِّصَالُ مِنَ الرَّقْمِ نَفْسِهِ الَّذِي أَصْبَحَ مَأْلُوفًا، رَقْمٌ يَحْمِلُ مَعَهُ تَارَةً تَهْدِيدًا وَتَارَةً وَعْدًا، وَلَكِنَّهُ الْيَوْمَ جَاءَ حَامِلًا بَادِرَةً غَرِيبَةً:
“سَنُسَاعِدُكَ عَلَى إِيجَادِ حُلُولٍ لِمَشَاكِلِكَ.”
ارْتَجَفَ صَوْتُهُ قَلِيلًا، وَكَادَ الْخَوْفُ يَبْتَلِعُهُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَجْمَعَ قُوَاهُ، وَابْتَلَعَ رَهْبَةَ اللَّحْظَةِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
“حَقًّا؟… وَكَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ؟ وَمَا الضَّمَانُ أَنْ لَا يَتَحَوَّلَ الْأَمْرُ إِلَى مَأْزَقٍ أَكْبَرَ؟”
صَمْتٌ قَصِيرٌ، ثُمَّ أَتَى الصَّوْتُ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، هَادِئًا وَلَكِنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلَ السُّلْطَةِ وَالْيَقِينِ:
“لَنْ نَتْرُكَكَ وَحِيدًا… كُلُّ خُطْوَةٍ سَنُرْشِدُكَ إِلَيْهَا، وَكُلُّ خِيَارٍ سَنَجْعَلُكَ تَرَى نَتِيجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذَ الْقَرَارَ… وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ تثِقَ، وَيَجِبُ أَنْ تَتَحَرَّكَ بِحَذَرٍ.”
جَلَسَ الرَّجُلُ يَضَعُ الْهَاتِفَ جَانِبًا، وَعَيْنَاهُ تَتَلَأْلَأَانِ بِوَمِضِ الْأَمَلِ، يُخَلِطُهَا الْقَلَقُ، وَيَطْرَحُ عَلَى نَفْسِهِ أَلْفَ سُؤَالٍ:
“هَلْ هَذَا حَقًّا فُرْصَةٌ؟ أَمْ فَخٌّ آخَرُ فِي طَرِيقِ الْحَيَاةِ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَثِقَ بَعْدَ كُلِّ مَا خَسِرَ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِلْمُعْجِزَاتِ أَنْ تُشْرِقَ فِي عَالَمٍ اِنْهَارَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ؟”
كَانَ قَلْبُهُ يَرْفُرِفُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَبَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي النَّجَاةِ وَحَقِيقَةِ أَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ مَأْوًى لِأَهْلِهِ، كَأَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنَ الصَّمْتِ الْثَّقِيلِ تَحْمِلُ مَعَهَا قَرَارًا مَصِيرِيًّا، وَكُلُّ نَفَسٍ هُوَ بَدَايَةُ اخْتِبَارٍ جَدِيدٍ… اخْتِبَارٌ لِلْحَيَاةِ، وَلِلْأَمَلِ، وَلِلْقُوَّةِ الَّتِي قَدْ تَكْتَشِفُ فِي أَعْمَاقِهِ.
—-
فِي صَبَاحِ يَوْمٍ آخَرَ، جَاءَهُ الْخَبَرُ كَمَا لَوْ أَنَّهُ صَاعِقَةٌ تَهُزُّ كِيَانَهُ، لَا مَجَالَ لِلِارْتِجَالِ أَوِ التَّأْجِيلِ. كَانَ الرَّدُّ حَازِمًا، بِلَا أَيِّ تَرَدُّدٍ، كَأَنَّهُ قَاطِعُ النَّهَارِ عَلَى كُلِّ أَمَلٍ فِي الْمرَاوَغَةِ:
“سَتَتَنَازَلُ لَنَا عَنْ جَمِيعِ اسْتِحْقَاقَاتِكَ فِي تَعْوِيضِ نِهَايَةِ خِدْمَتِكَ، وَعَنْ رَاتِبِكَ التَّقَاعُدِيِّ أَيْضًا.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتَقِطَ أَنْفَاسَهُ، وَيَسْتَجْمِعَ شَتَاتَ قلبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ. قَلْبُهُ يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الْخَسَارَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ، وَلَكِنَّ صَوْتَهُ خَرَجَ ثَقِيلًا وَوَاضِحًا، كَأَنَّهُ يَقْطَعُ مَعَ كُلِّ تَرَدُّدٍ دَاخِلِيٍّ:
“مُوَافِق!”
كَانَ هُنَاكَ لَحْظَةُ صَمْتٍ، لَمْ يُبَدِّدْهَا سِوَى وَقَعُ قَلْبِهِ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ جَاءَ التَّوْضِيحُ الْأَخِيرُ، بِلَهْجَةٍ رَسْمِيَّةٍ تَحْفَظُ كُلَّ تَفَاصِيلِ الصَّفْقَةِ وَتَتْرُكُ أَثَرًا مِنَ الْحَزْمِ عَلَى الْكَلِمَاتِ:
“سَنُرْسِلُ لَكَ غَدًا شَخْصًا يُرَافِقُكَ إِلَى الْكَاتِبِ بِالْعَدْلِ، لِتُنْجِزَا مَعًا وِكَالَةً بِمَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ.”
ارْتَجَفَ قَلِيلًا، وَحَاوَلَ أَنْ يُثْبِتَ نَفْسَهُ أَمَامَ الْقَلَقِ الَّذِي يَنْهَشُ قَلْبَهُ مِنَ الدَّاخِلِ، كَأَنَّهُ يَقِفُ عَلَى حَافَةِ هَاوِيَةٍ لَا يَعْرِفُ مَدَى عُمقِهَا:
“مُوَافِق.”
جَلَسَ لِلْحظَةِ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ ثَانِيَةً، يَطْرَحُ عَلَى نَفْسِهِ أَسْئِلَةً لَمْ يَجِدْ لَهَا جَوَابًا:
“هَلْ هَذَا حَقًّا نِهَايَةُ الطَّرِيقِ؟ أَمْ مُجَرَّدُ بَدَايَةٍ لِفَقْدٍ أَكْبَرَ؟ وَهَلْ سَأَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ حُقُوقِي وَأَمَانُ مُسْتَقْبَلِي؟”
وَعَيْنَاهُ تَتَلَمَّسَانِ خُيُوطَ الْأَمَلِ الْبَاهِتَةِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ فِي الْمُوَافَقَةِ قُوَّةً تَرْفَعُ رُوحَهُ عَنِ الْأَلَمِ، لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ إِلَى الْأَمَامِ سَتَكُونُ محْفُوفَةً بِالْخَوْفِ، وَأَنَّ هَذِهِ الصَّفْقَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَوْقِيعٍ عَلَى وَرَقَةٍ، بَلْ هِيَ امْتِحَانٌ لِشَجَاعَتِهِ وَصَبْرِهِ فِي وَجْهِ عَالَمٍ صَارَ قَاسِيًا بِلَا رَحْمَةٍ.
—-
وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَ الْهُدُوءُ النِّسْبِيُّ يُغَلِّفُ الْبَيْتَ، حِينَ طُرِقَ الْبَابُ بِخِفَّةٍ حَذِرَةٍ، مُصَحُوبًا بِخُطُوَاتِ الرَّجُلِ الْمُرْسَلِ لِمُرَافَقَتِهِ إِلَى الْكَاتِبِ بِالْعَدْلِ. ارْتَجَفَ قَلْبُهُ لَحْظَةً وَهُوَ يَفْتَحُ الْبَابَ، وَيَدَاهُ تَمْسِكَانِ بِالْشَّيْءِ الْمَلْمُوسِ الَّذِي سَيُغَيِّرُ حَيَاتَهُ، كَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ بَسِيطَةٍ تَحْمِلُ مَعَهَا ثَقْلَ الْقَدَرِ.
خَرَجَ إِلَى الْخَارِجِ، يَمْشِي إِلَى الْكَاتِبِ بِالْعَدْلِ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا قَدَمَاهُ تُبْعِدُهُ عَنْ وَطَنِهِ، عَنْ بَيْتِهِ الْمُهَدَّمِ، عَنْ شَوَارِعِ اعْتَادَ عَلَيْهَا، وَعَنْ الْجُدْرَانِ الَّتِي شَهِدَتْ كُلَّ لَحَظَاتِهِ السَّعِيدَةِ وَالْحَزِينَةِ. شُعُورٌ غَرِيبٌ اخْتَلَطَ فِي صَدْرِهِ، مِزيجٌ مِنَ الْخَوْفِ وَالِارْتِيَاحِ؛ خَوْفٌ مِنَ الْمَجْهُولِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ، وَارْتِيَاحٌ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْإِجْرَاءِ أَتَاحَ لِأَوْلَادِهِ فُرْصَةَ أَمَانٍ مُؤَقَّتٍ، وَلَوْ كَانَ مُؤَقَّتًا.
وَخِلَالَ الطَّرِيقِ، حَاوَرَ نَفْسَهُ بِصَمْتٍ، صَوْتُهُ الدَّاخِلِيُّ يُرَدِّدُ الْأَسْئِلَةَ بِلَا تَوَقُّفٍ:
“هَلْ هَذَا حَقًّا الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ؟ أَمْ مُجَرَّدُ مَهْرَبٍ مِنْ أَزْمَةٍ إِلَى أُخْرَى؟ هَلْ سَيَسْتَطِيعُ أَوْلَادِي الْبَقَاءَ بِأَمَانٍ بَعِيدًا عَنِّي؟”
ثُمَّ أَضَافَ وَهَمَسَ لِنَفْسِهِ بِمَرَارَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِالْأَمَلِ:
“لَكِنْ، رَغْمَ كُلِّ الْأَلَمِ، رَغْمَ كُلِّ الْفَرَاغِ الَّذِي تَرَكْتُهُ وَرَائِي، أَرَى فِي أَعْيُنِهِمْ شُعَاعًا صَغِيرًا مِنَ الْأَمَانِ… وَهَلْ يُمْكِنُ لِذَلِكَ الشُّعَاعِ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِيَحْمِلَ قَلْبِي الْمُمَزَّقَ؟”
وَعِنْدَ وُصُولِهِ، أَنْجَزَ الْمَهَمَّةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَوَقَّعَ عَلَى كُلِّ مَا يَلْزَمُ، مُحَقِّقًا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مُسْبَقًا. وَفِي كُلِّ تَوْقِيعٍ كَانَ قَلْبُهُ يَهْفُو لِأَوْلَادِهِ، مُتَشَبِّثًا بِالْأَمَلِ كَمَا يَتَشَبَّثُ الْغَرِيقُ بِقَشَّةٍ، مُعْتَرِفًا أَنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، وَأَنَّ الْأَمَانَ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ مُؤَقَّتٌ، لَكِنَّهُ شُعُورٌ يَكْفِي لِيَمْنَحَهُ لَحْظَةَ هُدُوءٍ وَسَطَ زَوْبَعَةِ الْقَلَقِ الَّتِي تَعْصِفُ بِرُوحِهِ.

فِي مَسَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، اجْتَمَعَتِ الْأُسْرَةُ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ أَنْ عَادَ الْابْنُ الْأَكْبَرُ وَزَوْجُ ابْنَتهِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمُعْتَقَلِ، وَقَدْ بَدَا عَلَى وُجُوهِهِمْ مَزِيجٌ مِنَ التَّعَبِ وَالِارْتِيَاحِ، وَكَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ نَفَقٍ طَوِيلٍ مُظْلِمٍ إِلَى شُعَاعِ ضَوْءٍ خَافِتٍ، لَكِنَّهُ مَلْمُوسٌ.
جَلَسَ الْأَبُ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ، يُرَاقِبُ تَحَرُّكَاتِ أَبْنَائِهِ وَهُمْ يُوَدِّعُونَ وَطَنْهُمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ وَقَلْبَهُ مُثْقَلٌ بِالْخَوْفِ وَالْأَمَلِ مَعًا. كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى أَلَّا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَفْرَادِ عَائِلَتِهِ فِي هَذَا الْوَطَنِ، خَوْفًا أَنْ يَطَالَهُمْ سُوءٌ آخَرُ، أَوْ خَطَرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ، خَطَرٌ يَخْتَبِئُ وَرَاءَ كُلِّ بَابٍ مُغْلَقٍ وَكُلِّ زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ.
وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، خَرَجَ الْأَبْنَاءُ نَحْوَ بِلَادِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ، يُرَافِقُهُمْ الْأَزْوَاجُ وَالْأَقَارِبُ، لِتَتَوَلَّى الْحِمَايَةُ عَنِ الْأَطْفَالِ، لَعَلَّهُ بِذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ وَطَأَةَ الْغُرْبَةِ وَالْقَلَقِ الْمُسْتَمِرِّ، وَلَعَلَّ رَحِيلَهُمْ يَكُونُ بَدِيلًا عَنْ مَأْسَاةٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهَا مَوْعِدُ انْتِهَاءٍ.
أَمَّا هُوَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُرَافِقَهُمْ. الْمَالُ الَّذِي جَمَعَهُ عَلَى مَدَى السَّنَوَاتِ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا لِتَأْمِينِ خُرُوجِ الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ سِوَى إِرَادَتِهِ الْمُمَزَّقَةِ بَيْنَ الْحُبِّ لَهُمْ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِمْ. فَظَلَّ وَحِيدًا فِي وَطَنْهِ، يُحَدِّقُ فِي الْفَرَاغِ الَّذِي تَرَكَهُ رَحِيلُهُمْ، فِي زَوَايَا الْبَيْتِ الَّتِي صَارَتْ أَوْسَعَ وَأَطْوَلَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، كَأَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ وَحْدَتَهُ كُلَّهَا.
—-
جَلَسَ عَلَى الْمَقْعَدِ، وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَكَرَّرَ لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ تُعِيدُ لَهُ بَعْضَ تَوَازُنِهِ الْمُمَزَّقِ:
“هَلْ هَذَا هُوَ الْقَدَرُ؟ هَلْ كُنْتُ لِأَفْعَلَ أَكْثَرَ؟ هَلْ سَيَكُونُ أَمَانُهُمْ كَافِيًا لِيَحْمِلَ قَلْبِي؟”
وَاسْتَمَرَّ فِي مُرَاقَبَةِ الْغُرُوبِ مِنْ نَافِذَةِ الْبَيْتِ، يَشْعُرُ بِثِقَلِ الْوَحْدَةِ وَالاغْتِرَابِ يَغْمُرُ قَلْبَهُ، وَكَأَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ تُثقِلُهُ أَكْثَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ فِي أَعْمَاقِهِ شُعَاعٌ صَغِيرٌ مِنَ الْأَمَلِ، يَرْبِطُهُ بِمَا تَبَقَّى لَهُ مِنْ أُسْرَةٍ، وَيَهْمِسُ لَهُ: “حَتَّى لَوْ رَحَلُوا، فَإِنَّ حِمَايَتَكَ لَهُمْ لَمْ تَنْتَهِ.”
“أَيْنَ أَذْهَبُ؟ وَمَاذَا أَفْعَلُ؟” تَمَتَمَ بِهَا فِي أَعْمَاقِهِ، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ يَرْبِطُهُ بِمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِهِ. وَقَفَ أَمَامَ الْبَيْتِ الْخَالِي، عَيْنَاهُ تَتَأَمَّلَانِ الْأَثَاثَ الصَّامِتَ، كَأَنَّهَا أَشْبَاحٌ لِأَيَّامٍ مَضَتْ، تَرَدَّدَ صَدَى خُطُوَاتِهِمْ الْغَائِبَةِ، وَصَمْتُ الْجُدْرَانِ أَصْبَحَ ثَقِيلًا عَلَى قَلْبِهِ، كَجِدَارٍ يفْصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاتِهِ.
جَلَسَ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَالْجُدْرَانُ حَوْلَهُ تَهْمِسُ بِذِكْرَيَاتٍ لَا تَنْطَفِئُ، تَتَقَاذَفُهُ كَأَمْوَاجٍ لَا تَهْدَأُ، تُذَكِّرُهُ بِابْتِسَامَةٍ كَانَتْ، وَبِكَلِمَةٍ كَانَتْ، وَبِصَوْتٍ صَارَ خَافِتًا فِي الْذَّاكِرَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ حُضُورُ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِ مُجَرَّدَ وَاجِهَةٍ، مُجَرَّدَ قِشْرَةٍ تغْطِي فَرَاغًا عَمِيقًا.
“هَلْ أَنَا هُنَا أَمْ هُنَاكَ؟” سَأَلَ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ نُقْطَةَ ارْتِكَازٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي صَارَ يُشْبِهُهُ فِي صَمْتِهِ: مهْجُورٌ، مُغْلَقٌ، بِلَا حَيَاةٍ، كَجُزْءٍ مِنْ قَلْبِهِ الَّذِي بَدَا وَكَأَنَّهُ تَجَمَّدَ. رَائِحَةُ الْوَطَنِ، الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا تُعَانِقُ رُوحَهُ، أَصْبَحَتِ الْآنَ مرِيرَةً، تُذَكِّرُهُ بِمَا فَقَدَ، وَبِمَا لَنْ يَعُودَ أَبَدًا.
تَسَاءَلَ: “هَلْ يَسْتَطِيعُ الْحَنِينُ أَنْ يَكُونَ نَافِذَةً لِلْعَوْدَةِ، أَمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ قُيُودٍ تُثقِلُ كَاهِلِي؟” وَكُلُّ فِكْرَةٍ تَتَوَلَّدُ فِي ذِهْنِهِ كَانَتْ تَتَحَوَّلُ إِلَى مُوْجَةٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ، إِلَى صَرَخَاتٍ صَامِتَةٍ، لَا يُجِيبُ عَلَيْهَا سِوَى صَدَى نَفْسِهِ.
وَمَرَّتِ السَّاعَاتُ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي الزَّوَايَا، فِي الْفَرَاغِ، وَفِي نَفْسِهِ، مُتَسَائِلًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ: عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ، عَنْ أَمْسِهِ، عَنْ ذَاتِهِ الَّتِي ضَاعَتْ بَيْنَ مَا كَانَ وَمَا أَصْبَحَ. كَانَتْ كُلُّ زَاوِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ تَعْكِسُ جُزْءً مِنْ وِجْدَانِهِ، وَكُلُّ ضَوْءٍ خَافِتٍ مِنَ النَّافِذَةِ يُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الْحَيَاةَ تَمْضِي، حَتَّى لَوْ بَدَا هُوَ عَلِقًا بَيْنَ طَيَّاتِهَا، كَغَيْمَةٍ بِلَا سَمَاءٍ.
وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي هَذِهِ الْحِيرَةِ، بَدَأَ يُسَجِّلُ لِنَفْسِهِ حَدِيثًا صَامِتًا:
— “رُبَّمَا عَلَيَّ أَنْ أَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ… لَكِنْ مِنْ أَيْنَ؟ وَمِمَنْ بِإمَكَانِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصِيحَةَ؟”
ثُمَّ أَجَابَ نَفْسَهُ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ، أَشَدَّ قَسْوَةً:
— “النَّصِيحَةُ لَا تَأْتِي لِمَنْ فَقَدُوا الطَّرِيقَ… الطَّرِيقُ يَجِبُ أَنْ يُخْلَقَ بِأَقْدَامِكَ، وَلَوْ كَانَتْ مُرْتَعِشَةً.”
وَهَكَذَا، جَلَسَتْ رُوحُهُ بَيْنَ الْأَمْسِ وَالْيَوْمِ، بَيْنَ الْحَنِينِ وَالْخُذْلَانِ، تَتَصَارَعُ فِي صَمْتٍ، فِي صَمْتٍ أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ جُدْرَانٍ، صَمْتٍ يَرْبِطُ بَيْنَ قَلْبِهِ وَمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاةٍ… حَيَاةٍ يُوشِكُ أَنْ تُعِيدَ تَعْرِيفَهُ فِيهَا لِنَفْسِهِ وَلِلْعَالَمِ كُلِّهِ.
——
أَصْبَحَ الْبَيْتُ غُرْفَةً وَاحِدَةً، تَضُمُّ كُلَّ شَيْءٍ: غُرْفَةَ نَوْمِهِ، مَطْبَخَهُ، وَحَمَّامَهُ الصَّغِيرَ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ صَخَبِ الْمَدِينَةِ، بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ النَّاسِ وَحَرَكَتِهِمِ الدُّؤُوبَةِ. لَا كَهْرَبَاءَ تُضِيءُ الزَّوَايَا، وَلَا اتِّصَالَ يَصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَالَمِ، وَلَا حَيَاةَ حَوْلَهُ سِوَى دَفَاتِرٍ يَسْكُبُ فِيهَا مَا يَخْتَلِجُ فِي رُوحِهِ، وَيُعِيدُ قِرَاءَتَهَا مِرَارًا وَتِكْرَارًا، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا تَحْفَظُ لَهُ وُجُودَهُ.
كَانَ يُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ بِسُرْعَةٍ مُتَلَاحِقَةٍ، ثُمَّ يُبَطِّئُ فَجْأَةً. صَفْحَة… ثُمَّ أُخْرَى… يَتَوَقَّفُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ تَحْوِي سِرًّا غَائِبًا، يَبْحَثُ فِيهَا عَنْ نَفْسِهِ، عَنْ صَدَى فِكْرِهِ، عَنْ ذِكْرَى غَائِمَةٍ بَيْنَ حِبْرِهِ وَذَاكِرَتِهِ. وَمَعَ شُرُوقِ الصَّبَاحِ، يَجِدُ الْكَلِمَاتِ نَفْسَهَا، مَكْتُوبَةً بِخَطِّهِ، بِلَا شَكٍّ فِيهَا، عَلَى عَجَلٍ، بِحِبْرِهِ الْأَسْوَدِ، كَأَنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَخْشَى أَنْ تَفْلِتَ مِنْهُ هَذِهِ اللَّحَظَاتُ، أَنْ تَخْتَفِي بَيْنَ أَصَابِعِ الزَّمَنِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْعِبَهَا.
“مَتَى كَتَبْتُ هَذَا؟” تَمتمَ بِهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَيَدَاهُ تَرْتَعِشَانِ قَلِيلًا، وَهُوَ يُحَاوِلُ اسْتِعَادَةَ ذِكْرَى تَرْفُضُ أَنْ تَتَشَكَّلَ، كَأَنَّهَا شَبَحٌ يَلُوذُ بِالْفِرَارِ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَقْتَرِبُ فِيهَا مِنْهُ.
كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَتَرَاقَصُ أَمَامَهُ، حَيَّةً، تَنْبُضُ بِحَسَّاسِيَّةِ ذَلِكَ الْحِبْرِ، كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ نَفْسِهِ، جُزْءٌ مِنْ حَيَاتِهِ الَّتِي انْكَفَأَتْ عَلَى نَفْسِهَا دَاخِلَ هَذَه الْغرفةِ الصَّغِيرةِ. كُلُّ سَطْرٍ، كُلُّ حَرْفٍ، كَانَ يَحْمِلُ صِرَاعًا دَاخِلِيًّا، تَرَدُّدًا، أَلَمًا، حَنِينًا… أَحْيَانًا فَرَحًا مُخْتَبِئًا بَيْنَ خُطُوطٍ مُتَعَجِّلَةٍ، وَأَحْيَانًا صَمْتًا صَاخِبًا يَصْرُخُ فِي رُوحِهِ.
جَلَسَ هُنَاكَ، عَلَى حَافَّةِ فِرَاشِهِ الْمُتَوَاضِعِ، وَحَوْلَهُ ظِلَالُ اللَّيْلِ تَتَسَلَّلُ مِنَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ، مُسْتَمِعًا إِلَى صَمْتِ الْمَكَانِ، مُسْتَشْعِرًا ثِقْلَهُ، وَمُرُورَ الْوَقْتِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يُرَدِّدُ لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ:
— “هَلْ مَا كَتَبْتُهُ أَنَا، أَمْ أَنَّ الْكَلِمَاتِ نَفْسَهَا كَتَبَتْنِي؟”
كَانَتْ هَذِهِ الْحِيرَةُ جُزْءً مِنْ يَوْمِهِ، جُزْءً مِنْ حَيَاتِهِ الْجَدِيدَةِ، حَيْثُ لَمْ يَعُدْ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا نَفْسُهُ، وَدَفْتَرُهُ، وَصَدَى خَطٍّ يَرْبِطُهُ بِالْعَالَمِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ قَدِ اخْتَفَى خَارِجَ هَذِهِ الْجُدْرَانِ.
رَفَعَ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَالْهَاتِفُ لَا يَزَالُ مُلْتَصِقًا بِأُذْنِهِ، كَأَنَّ جَسَدَهُ كُلَّهُ يَرْفُضُ التَّخَلِّي عَمَّا تَبَقَّى مِنْ صِلَةٍ، عَنْ ذَلِكَ الْخَيْطِ الرَّفِيعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ. لَكِنَّهُ… لَمْ يَعُدْ يَسْمَعُ شَيْئًا. صَمْتٌ… صَمْتٌ ثَقِيلٌ، مُمتَدٌّ، يَنْسَابُ فِي أَرْجَاءِ الْمَكَانِ كَمَا لَوْ كَانَ مَادَّةً حَيَّةً تَمْلأُ كُلَّ زَاوِيَةٍ، كُلَّ جِدَارٍ، حَتَّى بَاتَتْ غُرْفَتُهُ كُلُّهَا صَدًى لِهَذَا الْخَوَاءِ الصَّوْتِيِّ.
وَفِي أَعْمَاقِ ذَلِكَ الصَّمْتِ، هُنَاكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَزُولُ، يُثقِلُ قَلْبَهُ وَيَشُدُّ نَفْسَهُ إِلَى أَعْمَاقِ سُؤَالٍ بِلَا جَوَابٍ: الطَّرَفُ الْآخَرُ لَمْ يُغْلِقِ الْخَطَّ، بَلْ يَنْتَظِرُ… يَنْتَظِرُ لِيَجِدَ صَوْتَهُ، لِيَقْرَأَ صَمْتَهُ، لِيُلَاحِظَ تَرَدُّدَاتِهِ، لِيَقِفَ عَلَى مَسَافَةٍ بَيْنَ الْفَهْمِ وَالتَّظَاهُرِ.
تَسَاءَلَ فِي صَمْتٍ، بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ لَا يَجْرُؤُ عَلَى الْإِفْصَاحِ عَنْهُ:
— “هَلْ سَيَسْتَوْعِبُ مَا أُحَاوِلُ قَوْلَهُ، أَمْ سَيَظَلُّ صَامِتًا كَمَا أَنَا الْآنَ؟”
ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ خُشُوعًا وَارْتِبَاكًا:
— “وَهَلْ أَنَا أَنَا الَّذِي لَمْ يَفْهَمْ… أَمْ أَنَا الَّذِي أَرْفُضُ أَنْ يَفْهَمَ؟”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً، كَأَنَّهَا مُحَاوَلَةٌ لِتَصْغِيرِ الْعَالَمِ، لِتَبْسِيطِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِأَنَّ الْفَرَاغَ يَكْبُرُ، وَأَنَّ الْأَسْئِلَةَ تَتَكَاثَرُ، كَأَنَّهَا تُرَاقِبُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، تَتَحَدَّى صَمْتَهُ:
— “مَاذَا لَوْ لَمْ يَسْمَعْ… مَاذَا لَوْ لَمْ يَفْهَمْ… مَاذَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ مِنِّي شَيْئًا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُبَلِّغَهُ؟”
ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ، وَأَحَسَّ بِأَنَّ الْهَاتِفَ فِي يَدِهِ صَارَ أَثْقَلَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ، لَيْسَ مُجَرَّدَ قِطْعَةِ بِلَاسْتِيكٍ وَمَعْدِنٍ، بَلْ وَسِيلَةُ اخْتِبَارٍ وَمِرْآةٌ صَامِتَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ: خَجَلُهُ، حِيرَتُهُ، خَوْفُهُ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ، وَأَلَمُهُ الْخَفِيُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ كُلُّهُ قَدِ اخْتُزَلَ فِي هَذِهِ الْمُكَالَمَةِ الْوَاهِيَةِ.
وَقَبْلَ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى أَيِّ خُطْوَةٍ، اكْتَشَفَ أَنَّهُ يُرَدِّدُ فِي نَفْسِهِ، كَأَنَّهُ حِوَارٌ دَاخِلِيٌّ حَيٌّ مَعَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ مَا بَيْنَ السُّطُورِ الَّتِي لَمْ تُقَلَّ:
— “هَلْ سَأَجْرُؤُ عَلَى الْكَلَامِ… أَمْ سَأَظَلُّ أَسِيرَ صَمْتِي، مِثْلَمَا يَسِيرُ هَذَا الصَّمْتُ عَلَى مَسَارٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ؟”
وَهَكَذَا، بَقِيَتِ اللَّحْظَةُ مُعَلَّقَةً، بَيْنَ صَمْتٍ يَمْلأُ الْمَكَانَ، وَبَيْنَ انْتِظَارٍ يَرْبِطُ الْقَلْبَ بِمَا لَمْ يُقَلْ، بَيْنَ سُؤَالٍ بِلَا جَوَابٍ، وَبَيْنَ جَوَابٍ مُحْتَمَلٍ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيَأْتِي.
لَمْ يَتْرُكِ الْهَاتِفَ مُطْلَقًا. بَقِيَ مُمْسِكًا بِهِ كَأَنَّ كُلَّ خَيْطٍ مِنْ صَمْتِهِ مُرْتَبِطٌ بِهَذَا الْجِهَازِ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَنْكَسِرَ الصَّمْتُ إِذَا تَحَرَّكَ، أَوْ أَنْ يَتَبَدَّدَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْغَامِضُ الَّذِي لَمْ يَتَشَكَّلْ بَعْدُ فِي دَاخِلِهِ، شَيْءٌ يُشْبِهُ ظِلَّ ذِكْرَى أَوْ شُعُورًا لَمْ يكْتَملْ.
رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى الشَّاشَةِ، فَوَجَدَهَا خَاوِيَةً، صَامِتَةً، كَمِرْآةٍ لَا تَعْكِسُ شَيْئًا. الْمُكَالَمَاتُ انْتَهَتْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، لَا رَقْمَ ظَاهِرٌ، لَا أَثَرَ فِي سِجِلِّ الْهَاتِفِ… كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ قَطُّ.
تَمتمَ لِنَفْسِهِ، وَقَدِ ارْتَجَفَ صَوْتُهُ قَلِيلًا فِي صَمْتِ الْغُرْفَةِ:
— “أَيُمْكِنُ لِحَدَثٍ أَنْ يَقَعَ… دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا؟”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، مُسْتَشْعِرًا بَرُودَةً خَفِيفَةً تَتَسَلَّلُ إِلَى قَلْبِهِ، بَرُودَةً لَا تَأْتِي مِنَ الْجَوِّ، بَلْ مِنْ فَرَاغٍ مُفَاجِئٍ فِي الْمَكَانِ، مِنْ فَرَاغٍ بِدَاخِلِهِ، مِنْ لَحْظَةِ اخْتِفَاءِ كُلِّ مَا كَانَ يَرْبِطُهُ بِالآخَرِينَ، بِكُلِّ مَا كَانَ يَجْعَلُ وُجُودَهُ مَحْسُوسًا.
ثُمَّ تَجَرَّأَ عَلَى سُؤَالٍ آخَرَ، أَكْثَرَ حِدَّةً:
— “هَلْ أَنَا مَنْ اخْتَفَى… أَمْ أَنَّ مَا حَدَثَ قَدْ رَفَضَ أَنْ يُسَجَّلَ؟”
جَلَسَ فِي مَكَانِهِ، يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ، بَيْنَمَا عَقْلُهُ يُسَافِرُ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ، بَيْنَ مَا حَدَثَ وَمَا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ. كُلُّ ثَانِيَةٍ تَمُرُّ كَانَتْ ثَقِيلَةً، وَكَأَنَّهَا تَتْرُكُ أَثَرًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ عَلَى قَلْبِهِ، أَثَرًا يُذَكِّرُهُ بِأَنَّ مَا هُوَ غَائِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ، مَوْجُودٌ… وَأَنَّ صَمْتَ الْهَاتِفِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ صَمْتٍ، بَلْ مِرْآةً لِحَقِيقَةٍ أَعْمَقَ، لِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ، لِحَقِيقَةِ كُلِّ مَا تَرَدَّدَ أَنْ يُقَالَ وَلَمْ يُقَلَّ.
ثُمَّ تَمتمَ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ، كَأَنَّهُ يُحَاوِرُ ظِلَّهُ:
— “رُبَّمَا يَكُونُ الْأَمْرُ كُلُّهُ مُجَرَّدَ وَهْمٍ… أَوْ رُبَّمَا الصَّمْتُ هُوَ الْحَدَثُ ذَاتُهُ… وَنَحْنُ وَحْدَنَا مَنْ نَبْحَثُ عَنْ أَثَرِهِ.”
وَبَقِيَ الْهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، صَامِتًا، وَثِقْلُهُ يَمْلأُ يَدَيْهِ، وَيَدَاهُ تَمْلأَانِ قَلْبَهُ، وَكُلُّ مَا حَوْلَهُ يَزْدَادُ وُضُوحًا فِي فَرَاغِهِ، حَتَّى أَصْبَحَ الصَّمْتُ كِيَانًا حَيًّا، لَهُ نَبْضٌ، وَلَهُ ثِقْلٌ، وَلَهُ صَدًى، يُرَاقِبُهُ… وَيَجْعَلُ قَلْبَهُ يَتَرَقَّبُ كُلَّ حَرَكَةٍ مُحْتَمَلَةٍ، كُلَّ هَمْسَةٍ مُحْتَمَلَةٍ، كُلَّ أَثَرٍ قَدْ يَظْهَرُ فَجْأَةً، لِيَكْشِفَ لَهُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَيُّ مُكَالَمَةٍ أَنْ تَكْشِفَهُ.

ليل لا يهدأ 03