ليل لا يهدأ 03

ليل لا يهدأ

ٱلْجُزْءِ ٱلثَّالِثِ

مُقَدِّمَةُ
دِمَشْقُ لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ نِهَايَةَ شَيْءٍ.
فِي تِلْكَ ٱلْأَعْوَامِ،
لَمْ يَعُدِ ٱلزَّمَنُ يَسِيرُ كَمَا ٱعْتَادَ ٱلنَّاسُ أَنْ يَفْهَمُوهُ،
بَلْ أَصْبَحَ يَدُورُ…
يُعِيدُ نَفْسَهُ،
وَيُرَاكِمُ أَثْقَالَهُ دُونَ أَنْ يَعِدَ بِخَلَاصٍ قَرِيبٍ.
لَمْ تَعُدِ ٱلْحِكَايَاتُ تُرْوَى لِتُفْهَمَ…
بَلْ لِتُحْتَمَلَ.
أَصْبَحَتِ ٱلْأَيَّامُ مُتَشَابِهَةً،
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُتَطَابِقَةً.
فِي كُلِّ يَوْمٍ،
كَانَ هُنَاكَ نُقْصَانٌ صَغِيرٌ…
شَيْءٌ لَا يَعُودُ،
وَلَا يُلَاحَظُ فَوْرًا،
وَلَكِنَّهُ يَتَرَاكَمُ حَتَّى يُصْبِحَ فَرَاغًا كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ.
ٱلشَّوَارِعُ بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا…
وَٱلْبُيُوتُ أَيْضًا…
وَلَكِنَّ ٱلْمَعَانِي هِيَ ٱلَّتِي تَزَحْزَحَتْ.
أَصْبَحَ ٱلْبَيْتُ سُؤَالًا،
وَٱلطَّرِيقُ ٱحْتِمَالًا،
وَٱلرُّجُوعُ…
حُلْمًا لَا يُقَالُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
فِي رِيفِهَا،
كَانَ ٱلِٱبْتِعَادُ أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةٍ.
كَانَ ٱنْقِطَاعًا…
يُشْبِهُ ٱلصَّمْتَ ٱلَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ لَنْ تَلْتَقِيَا مَرَّةً أُخْرَى.
أَصْبَحَتِ ٱلْأَسْمَاءُ تُفْقَدُ بِبُطْءٍ،
وَٱلْوُجُوهُ تُحْفَظُ فِي ٱلذَّاكِرَةِ…
أَكْثَرَ مِمَّا تُرَى فِي ٱلْوَاقِعِ.
وَكَأَنَّ ٱلْحَيَاةَ،
فِي تِلْكَ ٱلْمَرْحَلَةِ،
لَمْ تَكُنْ تَسْأَلُ ٱلنَّاسَ:
مَاذَا يُرِيدُونَ؟
بَلْ:
مَاذَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَخْسَرُوا بَعْدُ؟
وَفِي وَسَطِ هَذَا ٱلْكُلِّ،
كَانَ “سَامِرٌ” مَا يَزَالُ هُنَاكَ.
لَا فِي ٱلْأَمَامِ…
وَلَا فِي ٱلْخَلْفِ…
بَلْ فِي مَكَانٍ يَصْعُبُ تَسْمِيَتُهُ:
مَكَانٍ تَبْقَى فِيهِ،
لَا لِأَنَّكَ تَخْتَارُ،
بَلْ لِأَنَّ ٱلْخِيَارَاتِ نَفْسَهَا تَضِيقُ.
كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ:
أَنَّ ٱلِٱعْتِيَادَ…
أَخْطَرُ مِنَ ٱلْأَلَمِ.
فَٱلْأَلَمُ يَصْرُخُ…
وَيُذَكِّرُكَ بِوُجُودِهِ…
أَمَّا ٱلِٱعْتِيَادُ،
فَيَسْحَبُ مِنْكَ ٱلْإِحْسَاسَ بِبُطْءٍ،
حَتَّى لَا تَعُودَ تَعْرِفُ:
مَتَى تَغَيَّرْتَ…
وَلَا كَيْفَ.
وَفِي أَعْمَاقِهِ،
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ لَمْ يَخْتَفِ.
لَا ٱلصَّوْتُ…
وَلَا ٱلرَّقْمُ…
بَلْ ذَلِكَ ٱلشُّعُورُ ٱلَّذِي بَدَأَ صَغِيرًا،
ثُمَّ بَقِيَ…
كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ وَقْتَهُ.
وَكَأَنَّ ٱلْحَيَاةَ،
رَغْمَ كُلِّ مَا كَانَ يَحْدُثُ،
لَمْ تَكُنْ قَدْ قَالَتْ كَلِمَتَهَا ٱلْأَخِيرَةَ بَعْدُ.
فِي تِلْكَ ٱلْفَتْرَةِ،
لَمْ تَكُنِ ٱلتَّغْيِيرَاتُ صَاخِبَةً دَائِمًا…
بَلْ كَانَ أَخْطَرُهَا
هُوَ مَا حَدَثَ فِي ٱلصَّمْتِ.
فِي مَا لَمْ يُقَلْ…
فِي مَا تَمَّ تَجَاوُزُهُ…
فِي مَا ظَنَّهُ ٱلنَّاسُ عَادِيًّا،
لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا يَمْلِكُونَ طَاقَةَ ٱلِٱسْتِغْرَابِ.
وَكَأَنَّ ٱلْمَدِينَةَ كُلَّهَا،
كَانَتْ تَمْشِي عَلَى حَافَّةِ شَيْءٍ…
لَا يَنْهَارُ دَفْعَةً وَاحِدَةً،
بَلْ يَتَشَقَّقُ بِبُطْءٍ،
حَتَّى لَا يُسْمَعَ صَوْتُ ٱنْكِسَارِهِ.
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ ٱلْأَزْمِنَةِ…
لَا تَبْدَأُ ٱلْأَشْيَاءُ ٱلْكَبِيرَةُ بِصَوْتٍ عَالٍ.
بَلْ…
بِتَفْصِيلٍ صَغِيرٍ،
يَمُرُّ دُونَ ٱنْتِبَاهٍ…
ثُمَّ يَبْقَى.
حَتَّى يُصْبِحَ،
فِي لَحْظَةٍ مَا،
هُوَ كُلَّ شَيْءٍ.

 لَمْ يَكُنِ ٱلصَّمْتُ فِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ شَبِيهًا بِأَيِّ صَمْتٍ عَرَفَهُ سَامِرٌ مِنْ قَبْلُ…
كَانَ صَمْتًا مُثْقَلًا، مُشْبَعًا بِشَيْءٍ غَامِضٍ، كَأَنَّهُ لَيْسَ فَرَاغًا، بَلْ ٱمْتِلَاءٌ بِمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ.
لقد كانُ يَنْتَظِرُ صَوْتًا…
كَانَ يَخْشَى أَنْ يَنْكَشِفَ مَا يَخْتَبِئُ وَرَاءَ هٰذَا ٱلسُّكُونِ.
جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ ٱلسَّرِيرِ، وَكَأَنَّهُ يُوَازِنُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ:
عَالَمٍ يَعْرِفُهُ… وَآخَرَ يَتَشَكَّلُ دَاخِلَهُ بِبُطْءٍ.
كَانَ ٱلْهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، سَاكِنًا… بَارِدًا… لَا يُضِيءُ، وَلَا يَهْتَزُّ، وَلَا يُرْسِلُ أَيَّ إِشَارَةٍ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ كَجِهَازٍ فَقَطْ…
كَانَ فِيهِ شَيْءٌ يُرَاقِبُهُ… أَوْ رُبَّمَا يُنْتَظِرُهُ.
تَمَادَتِ ٱللَّحَظَاتُ أَوِ ٱنْكَسَرَتْ وَلَمْ يَعُدِ ٱلزَّمَنُ يُقَاسُ.
مُنْذُ أَيَّامٍ، لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ:
كَيفَ سَتَمُرُّ هَذِهِ ٱلسَّاعَاتُ… وَهَلْ سَتَمُّرُ كَمَا تَمُرُّ فِيها ٱلْأَلَامُ؟
رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى ٱلشَّاشَةِ ٱلْمُعْتِمَةِ، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ ظِلًّا كَادَ يَرَاهُ:
“مَاذَا تُرِيدُ مِنِّي؟”
تَوَقَّفَ… ثُمَّ أَضَافَ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ ٱلتَّحَدِّي ٱلْمُرْتَبِكِ:
“أَمْ… مَاذَا أُرِيدُ أَنَا منكَ؟”
لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ جَوَابًا.
وَلَكِنَّ ٱلشَّاشَةَ أَضَاءَتْ.
لَمْ يَرِنَّ ٱلْهَاتِفُ، وَلَمْ يَظْهَرْ ٱسْمٌ، وَلَا رَقْمٌ…
فَقَطْ رِسَالَةٌ، كَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ فَجْوَةٍ بَيْنَ ٱلْوَاقِعِ وَٱلذَّاكِرَةِ:
“لِمَاذَا بَقِيتَ؟”
ٱنْقَبَضَتْ أَصَابِعُهُ، وَتَسَلَّلَ ٱلْبَرْدُ إِلَى صَدْرِهِ.
لَمْ يَكُنِ ٱلسُّؤَالُ غَرِيبًا… بَلْ كَانَ مُؤْلِفًا عَلَى نَحْوٍ يُرْعِبُ.
كَانَ قَدْ سَمِعَهُ قَبْلًا فِي لَيْلٍ سَابِقٍ، أَوْ فِي صَمْتٍ أَعْمَقَ… أَوْ رُبَّمَا فِي نَفْسِهِ، حِينَ كَانَ يَتَجَنَّبُ ٱلْإِجَابَةَ.
رَفَعَ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَنَظَرَ حَوْلَهُ.
ٱلْغُرْفَةُ كَمَا هِيَ…
ٱلْجُدْرَانُ، ٱلطَّاوِلَةُ، ٱلنَّافِذَةُ ٱلْمُغْلَقَةُ…
كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ.
وَلَكِنْ…
لِمَاذَا كَانَ يَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا ٱنْسَحَبَ مِنَ ٱلْمَكَانِ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا؟
هَمَسَ لِنَفْسِهِ، وَفِيهِ ٱضْطِرَابٌ خَفِيّ:
“مَا ٱلَّذِي نَقَصَ؟… أَمْ مَنْ ٱلَّذِي ٱخْتَفَى؟”
نَهَضَ، وَكَأَنَّهُ يُطَارِدُ شَخصًا لَا يُرَى، وَٱتَّجَهَ نَحْوَ الزاوية التي جعلها لِلطبخِ.
وَلَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عِنْدَ ٱلْحَافَةِ.
شَعَرَ بِشَيْءٍ يَسْبِقُ نَظَرَهُ…
كَأَنَّ ٱلْمَعْرِفَةَ تَصِلُ قَبْلَ ٱلرُّؤْيَةِ.
قَالَ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ:
“إِنْ عُدْتُ بالذَاكِرَةِ… رُبَّما سَيَتَغَيَّرُ شَيْءٌ، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟”
وَكَأَنَّ صَوْتًا خَفِيًّا أَجَابَهُ مِنْ أَعْمَاقِهِ:
“بَلْ سَتَرَى مَا كَانَ مُخِيفًا لَكَ دَائِمًا.”
دَفَعَ ٱلْبَابَ بِبُطْءٍ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ…
ٱلطَّاوِلَةُ، ٱلْأَوَانِي، ٱلضَّوْءُ ٱلْخَافِتُ الَّذِي يَنْسَابُ مِنْ شَقٍّ فِي الْجُدْرَانِ…
إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا.
ٱلْكُرْسِيُّ.
ذٰلِكَ ٱلَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ…
لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا.
لَا أَثَرَ لِكَسْرٍ، وَلَا لِنَقْلٍ، وَلَا لِغِيَابٍ طَارِئٍ…
كَأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ أَصْلًا، كَأَنَّ ٱلذَّاكِرَةَ وَحْدَهَا هِيَ ٱلَّتِي ٱخْتَلَقَتْهُ.
تَرَاجَعَ خُطْوَةً، وَٱرْتَعَشَ صَوْتُهُ:
“لَا… كَانَ هُنَا… أَنَا أَتَذَكَّرُ…”
فَجَاءَهُ ٱلصَّوْتُ مَرَّةً أُخْرَى، لَيْسَ مِنَ ٱلْهَاتِفِ، بَلْ مِنْ مَكَانٍ أَقْرَبَ:
“ٱلذَّاكِرَةُ لَا تُثْبِتُ ٱلْوُجُودَ… بَلْ تَكْشِفُ ٱلْفَقْدَ.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ…
فَرَآهَا.
لَيْسَ كَصُورَةٍ وَاضِحَةٍ… بَلْ كَحُضُورٍ دَافِئٍ يَخْتَلِطُ بِٱلْغِيَابِ.
كَإِحْسَاسٍ يَسْتَقِرُّ فِي ٱلصَّدْرِ دُونَ مَلَامِحَ.
قَالَتْبِهُدُوءٍ لَا يَحْمِلُ ٱتِّهَامًا:
“أَنْتَ ٱخْتَرْتَ ٱلْبَقَاءَ.”
ٱنْفَجَرَ صَوْتُهُ، وَفِيهِ مَا بَيْنَ ٱلْإِنْكَارِ وَٱلِاسْتِغَاثَةِ:
“لَمْ أَخْتَرْ!… لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ خِيَارٌ!”
سَكَتَ قَلِيلًا… ثُمَّ هَمَسَ، كَأَنَّهُ يَخَافُ مِنَ ٱلْإِجَابَةِ:
“أَمْ… كَانَ؟”
جَاءَهُ صَوْتُهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَفِيهِ يَقِينٌ هَادِئٌ:
“كُنْتَ تَعْرِفُ… وَلٰكِنَّكَ خِفْتَ أَنْ تَعْتَرِفَ.”
فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَعَادَ إِلَى سَرِيرِهِ كَمَنْ يَعُودُ إِلَى سُؤَالٍ لَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ تَجَاهُلَهُ.
لَمَعَتْ رِسَالَةٌ عَلَى ٱلشَّاشَةِ الَّتِي كَانَتْ سَودَاءَ.
وَتَحْتَهَا…
ظَهَرَ سَطْرٌ جَدِيدٌ:
“ألَمْ تَبْقَ لِأَجْلِي؟.”
تَسَارَعَ نَبْضُهُ…
وَكَأَنَّ ٱلْكَلِمَاتِ تَنْزِعُ عَنْهُ مَا تَبَقَّى مِنْ أَوْهَامِهِ.
ثُمَّ سَطْرٌ آخَرُ، أَكْثَرُ وُضُوحًا… وَأَقْسَى:
“نعم…. أَنْتَ بَقِيتَ لِأَجْلِي!.”
ٱنْزَلَقَ ٱلْهَاتِفُ مِنْ يَدِهِ، وَٱرْتَطَمَ بِٱلْأَرْضِ دُونَ أَنْ يَحَاوِلَ ٱلْتِقَاطَهُ.
لِأَنَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ
لَمْ يَكُنْ خَائِفًا مِمَّا سَيَحْدُثُ…
بَلْ كَانَ خَائِفًا مِنَ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلَّتِي بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ فِيهِ.
تِلْكَ ٱلْحَقِيقَةُ ٱلَّتِي تَسْأَلُهُ الآنَ، لَا عَنْ ٱلْمَاضِي فَقَطْ…
بَلْ عَمَّا سَيَفْعَلُ بِهٰذَا ٱلْفَهْمِ:
هَلْ سَيَتَجَاهَلُهَا كَمَا ٱعْتَادَ أَنْ يَفْعَلَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَابِقَةٍ… أَمْ سَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ أَخِيرًا شَجَاعَةَ ٱلْمُوَاجَهَةِ لِمَا ظَلَّ يَفِرُّ مِنْهُ طُولَ ٱلْوَقْتِ؟
وَقَفَ عِنْدَ حَافَّةِ ٱلصَّمْتِ، كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّ ٱلتَّرَاجُعَ لَيْسَ جُبْنًا، بَلْ حِكْمَةٌ مُقَنَّعَةٌ. لَكِنْ، هَلْ كَانَتْ حِكْمَةً حَقًّا؟ أَمْ أَنَّهُ كَانَ يُخَادِعُ نَفْسَهُ لِيُخْفِيَ ضَعْفًا لَا يُرِيدُ ٱلِٱعْتِرَافَ بِهِ؟
تَرَدَّدَتْ خُطُوَاتُهُ، وَتَعَثَّرَتْ أَفْكَارُهُ بَيْنَ صَوْتَيْنِ يَتَصَارَعَانِ فِي دَاخِلِهِ.
قَالَ ٱلصَّوْتُ ٱلْأَوَّلُ، وَكَأَنَّهُ هَمْسٌ بَعِيدٌ:
«ٱتْرُكْهَا… لَا جَدْوَى مِنَ ٱلْمُوَاجَهَةِ. أَلَمْ تَنْجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَابِقَةٍ بِٱلتَّجَاهُلِ؟»
فَأَجَابَهُ صَوْتٌ آخَرُ، أَكْثَرُ حِدَّةً وَوُضُوحًا:
«وَلَكِنْ، هَلْ كُنْتَ تَنْجُو حَقًّا؟ أَمْ كُنْتَ تُؤَجِّلُ ٱلِٱنْكِسَارَ فَقَطْ؟ كَمْ مَرَّةً سَتَهْرُبُ؟ وَإِلَى مَتَى؟»
ٱرْتَجَفَتْ أَنْفَاسُهُ، وَتَسَارَعَ نَبْضُ قَلْبِهِ، كَأَنَّ كُلَّ ذِكْرَى كَانَ يَحْبِسُهَا فِي أَعْمَاقِهِ قَدْ قَرَّرَتِ ٱلْيَوْمَ أَنْ تَخْرُجَ دُفْعَةً وَاحِدَةً. تِلْكَ ٱلذِّكْرَيَاتُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ مَوَاقِفَ عَابِرَةٍ، بَلْ كَانَتْ شُقُوقًا صَغِيرَةً تَسَلَّلَ مِنْهَا ٱلْخَوْفُ حَتَّى مَلَأَ دَاخِلَهُ.
وَفِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى، كَانَتْ هِيَ تَقِفُ… لَا تَنْتَظِرُ إِجَابَةً فَقَطْ، بَلْ تَنْتَظِرُ ٱعْتِرَافًا. عَيْنَاهَا كَانَتَا تَطْرَحَانِ سُؤَالًا لَمْ يُنْطَقْ:
«لِمَاذَا تَهْرُبُ؟ أَمِنِّي… أَمْ مِنْ نَفْسِكَ؟»
فَأَجَابَهَا فِي دَاخِلِهِ، دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى ٱلنُّطْقِ:
«أَخَافُ أَنْ أَرَى ٱلْحَقِيقَةَ كَمَا هِيَ… أَخَافُ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّنِي كُنْتُ أَخْدَعُ نَفْسِي طُولَ هَذَا ٱلْوَقْتِ.»
ٱقْتَرَبَتْ خُطُوَةً، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ ثِقَلَ ٱلْحَقَائِقِ:
«لَا تَخَفْ مِنَ ٱلْمُوَاجَهَةِ… فَٱلْهُرُوبُ لَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا. أَلَا تَرَى أَنَّ ٱلصَّمْتَ أَثْقَلُ مِنَ ٱلْكَلَامِ أَحْيَانًا؟»
تَوَقَّفَ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، كَأَنَّهُ يَرَاهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. هَلْ كَانَتْ هِيَ ٱلْمُشْكِلَةَ… أَمْ أَنَّهُ هُوَ ٱلَّذِي كَانَ يَخْتَبِئُ وَرَاءَ وَهْمٍ طَوِيلٍ؟
تَسَاءَلَ فِي سِرِّهِ:
«مَاذَا سَيَحْدُثُ إِذَا وَاجَهْتُ؟ هَلْ سَأَخْسَرُ كُلَّ شَيْءٍ… أَمْ سَأَجِدُ نَفْسِي أَخِيرًا؟»
وَكَأَنَّ ٱلْإِجَابَةَ كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ فِي أَعْمَاقِهِ، تُهَامِسُهُ:
«لَنْ تَعْرِفَ… مَا لَمْ تُجَرِّبْ.»
فَأَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَخَطَا خُطْوَةً نَحْوَهَا… لَا لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْ خَوْفِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ ٱلشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ غِيَابَ ٱلْخَوْفِ، بَلِ ٱلْقُدْرَةُ عَلَى مُوَاجَهَتِهِ.
وَهُنَا فَقَطْ، بَدَأَتِ ٱلْحِكَايَةُ حَقًّا… فَهَلْ سَتَكُونُ ٱلْمُوَاجَهَةُ نِهَايَةً لِكُلِّ خَوْفٍ… أَمْ بِدَايَةً لِحَقِيقَةٍ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى ٱعْتِرَافِهَا مِنْ قَبْلُ؟
لَمْ تَكُنِ ٱلْمُوَاجَهَةُ كَمَا نَسَجَهَا خَيَالُ سَامِرٍ فِي لَيَالِيهِ ٱلطَّوِيلَةِ…
لَمْ تَأْتِ مُشْتَعِلَةً بِصُرَاخٍ، وَلَا مُنْفَجِرَةً كَعَاصِفَةٍ تُطِيحُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
بَلْ أَقْبَلَتْ
هَادِئَةً…
رَاسِخَةً…
بِهُدُوءٍ يُثِيرُ ٱلرَّهْبَةَ، لَا ٱلطُّمَأْنِينَةَ.
كَانَتْ جَالِسَةً أَمَامَهُ، عَلَى ٱلْمَكَانِ نَفْسِهِ،
كَأَنَّهَا لَمْ تَغِبْ يَوْمًا…
أَوْ كَأَنَّ ٱلْغِيَابَ كَانَ وَهْمًا، وَٱلْحُضُورَ هُوَ ٱلْحَقِيقَةُ ٱلَّتِي تَأَخَّرَ فَهْمُهَا.
لَمْ يَسْأَلْهَا: كَيْفَ عُدْتِ؟
وَلَمْ تَسْأَلْهُ: لِمَاذَا بَقِيتَ؟
كَأَنَّ ٱلْأَسْئِلَةَ كُلَّهَا…
قَدْ ٱحْتَرَقَتْ فِي دَاخِلِهِمَا قَبْلَ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَهَا إِلَى ٱللِّسَانِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا…
نَظَرةً لَا تُفَتِّشُ فِي وَجْهِهِ، بَلْ فِي مَا وَرَاءَهُ،
ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُسْتَوٍ:
“أَخْرَجْتَهُمْ كُلَّهُمْ… أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟”
ٱرْتَعَشَ صَمْتُهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُجِبْ.
لِأَنَّهُ أَدْرَكَفِي ٱللَّحْظَةِ نَفْسِهَا
أَنَّهَا لَا تَسْأَلُ… بَلْ تُقَرِّرُ.
قَالَ بَعْدَ وَقْفَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَدْفَعُ كَلِمَاتِهِ دَفْعًا:
“لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خِيَارٌ.”
ٱبْتَسَمَتْ…
ٱبْتِسَامَةً خَفِيفَةً، لَا سُخْرِيَّةَ فِيهَا، وَلَا رِقَّةَ…
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَا سَيَأْتِي بَعْدَهَا.
“تُحِبُّ هٰذِهِ ٱلْجُمْلَةَ، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟”
رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَهَا، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ ٱلدِّفَاعِ:
“لِأَنَّهَا ٱلْحَقِيقَةُ.”
مَالَتْ قَلِيلًا، وَقَالَتْ بِهُدُوءٍ يَخْتَرِقُ:
“أَمْ لِأَنَّهَا ٱلرِّوَايَةُ ٱلَّتِي تُنْقِذُكَ مِنْ نَفْسِكَ؟”
تَشَنَّجَ صَوْتُهُ، وَٱنْقَبَضَتْ كَلِمَاتُهُ:
“كَانُوا سَيَمُوتُونَ.”
سَكَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ سَأَلَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ نَبْرَتَهَا:
“وَأَنْتَ؟… مَاذَا كُنْتَ سَتَفْعَلُ بِنَفْسِكَ؟”
تَوَقَّفَ…
وَنَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ، كَأَنَّهُ يَكْتَشِفُهُمَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
هَلْ كَانَتَا تُنْقِذَانِ… أَمْ تُخْفِيَانِ؟
هَمَسَ، وَفِيهِ خُفُوتُ ٱلِاعْتِرَافِ:
“لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ مُهِمًّا.”
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ، كَأَنَّهَا تَحْمِلُ عِبْءَ كَلِمَاتِهِ:
“بَلْ هٰذَا هُوَ ٱلْمُهِمُّ، سَامِر.”
رَفَعَ عَيْنَيْهِ.
وَكَانَ ٱلصَّمْتُ بَيْنَهُمَا يَتَكَلَّمُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ حِوَارٍ.
قَالَتْ، بِكَلِمَاتٍ بَدَتْ كَأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ دَاخِلِهِ هُوَ:
“أَنْتَ لَمْ تُنْقِذْهُمْ فَقَطْ…
أَنْتَ أَقْصَيْتَ نَفْسَكَ مِنَ ٱلْحَيَاةِ مَعَهُمْ.”
هَزَّ رَأْسَهُ، بَطِيئًا… مُرْتَبِكًا:
“لَا… لَا تَقُولِي ذٰلِكَ.”
“بَلْ أَقُولُ مَا تَعْرِفُهُ… وَلَا تُرِيدُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ.”
صَمْتٌ…
صَمْتٌ يَتَشَقَّقُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ.
ثُمَّ قَالَ، وَكَأَنَّهُ يَنْزِعُ ٱلْكَلِمَاتِ مِنْ جُرْحٍ:
“كُنْتُ مَسْؤُولًا عَنْهُمْ.”
أَجَابَتْهُ بِسُرْعَةٍ، كَأَنَّ ٱلسُّؤَالَ كَانَ يَنْتَظِرُ:
“وَمَنْ تَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّتَكَ أَنْتَ؟”
ٱنْكَسَرَ ٱلْوَقْتُ…
أَوْ هٰكَذَا شَعَرَ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، يَسْمَعُ هٰذَا ٱلسُّؤَالَ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، يَخَافُ أَنْ يُفَكِّرَ فِيهِ.
أَبْعَدَ نَظَرَهُ، وَقَالَ بِعِنَادٍ خَافِتٍ:
“لَمْ أَكُنْ أَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ.”
قَاطَعَتْهُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ:
“لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّكَ تَحْتَاجُ.”
سَكَتَ.
وَفِي سُكُوتِهِ، كَانَ شَيْءٌ يَنْهَارُ بِبُطْءٍ… دُونَ ضَجِيجٍ.
نَظَرَ إِلَيْهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَفِي صَوْتِهِ سُؤَالٌ لَمْ يَكْتَمِلْ:
“وَأَنْتِ…؟”
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا.
بَلْ تَرَكَتِ ٱلصَّمْتَ يَمْتَدُّ، حَتَّى أَصْبَحَ جُزْءً مِنَ ٱلْإِجَابَةِ.
“مَاذَا عَنِّي؟”
“لِمَاذَا أَنَا هُنَا؟… وَلِمَاذَا أَنْتِ هُنَا؟”
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَعْمَقَ:
“لِأَنَّكَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ تَعُدْ تَجْرِي.”
ٱرْتَبَكَ، وَقَالَ مُعْتَرِضًا:
“لَمْ أَهْرُبْ قَطُّ!”
ٱبْتَسَمَتْ… ٱبْتِسَامَةً وَاضِحَةً هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ:
“كُنْتَ تَهْرُبُ… وَلٰكِنْ مِنْ دَاخِلِكَ، لَا مِنَ ٱلْعَالَمِ.”
سَادَ بَينَهُ وَبَينَ كَلمَاتَهِ صَمْتٌ ثَقِيلٌ…
ثُمَّ سَأَلَ، وَكَأَنَّهُ يَتَلَمَّسُ طَرِيقًا فِي ٱلظُّلْمَةِ:
“وَهَلْ… وَجَدْتُ نَفْسِي فِيكِ؟”
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَهُ.
وَكَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ جَدِيدٌ… شَيْءٌ يُخِيفُ لِوُضُوحِهِ.
“لَا.”
تَوَقَّفَ نَفَسُهُ.
“أَنَا لَمْ أُعْطِكَ شَيْئًا…”
ٱزْدَادَ ٱرْتِبَاكُهُ:
“إِذًا مَاذَا فَعَلْتِ؟”
مَالَتْ قَلِيلًا، وَقَالَتْ كَمَنْ يَكْشِفُ سِرًّا كَانَ ظَاهِرًا:
“أَنَا كَشَفْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ…
وَأَنْتَ كُنْتَ تُصِرُّ عَلَى أَنْ لَا تَرَاهُ.”
ٱتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ…
كَأَنَّ ٱلْمَعْنَى يَتَشَكَّلُ وَهُوَ يَخْشَاهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
“وَلِذٰلِكَ… بَقِيتَ.”
ٱرْتَجَفَ صَوْتُهُ، وَقَالَ كَمَنْ يُدَافِعُ عَنْ آخِرِ مَا يَمْلِكُ:
“بَقِيتُ لِأَجْلِكِ.”
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ:
“لَا…”
صَمْتٌ.
“بَقِيتَ… لِأَجْلِ ذٰلِكَ ٱلشَّيْءِ ٱلَّذِي ٱسْتَيْقَظَ فِيكَ.”
تَرَاجَعَ خُطْوَةً، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ ٱلِٱبْتِعَادَ عَنْ نَفْسِهِ:
“وَإِذَا لَمْ أُرِدْهُ؟… إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَعُودَ كَمَا كُنْتُ؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا…
نَظرَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ ٱلشَّفَقَةِ… وَشَيْءٌ مِنَ ٱلْحَسْمِ:
“لَقَدْ تَأَخَّرْتَ.”
تَوَقَّفَ ٱلنَّفَسُ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ أَضَافَتْ بِهُدُوءٍ نِهَائِيّ:
“وَهُوَ… لَنْ يَعُودَ إِلَى ٱلنَّوْمِ.”
لَمْ يَسْأَلْ: مَا هُوَ؟
وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى ٱلِاسْتِفْسَارِ.
لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ
لَمْ يَعُدْ يَجْهَلُ…
أَنَّ ٱلْمُوَاجَهَةَ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَقَطْ…
بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلنَّسْخَةِ ٱلَّتِي حَاوَلَ طُولَ عُمْرِهِ أَنْ لَا يَرَاهَا.
لَمْ تَنْتَهِ ٱلْمُوَاجَهَةُ…
بَلْ تَرَاجَعَتْ إِلَى دَاخِلِهِ، كَمَوْجَةٍ ٱنْكَسَرَتْ عَلَى شَاطِئٍ خَفِيٍّ، وَتَرَكَتْ وَرَاءَهَا أَثَرًا لَا يُرَى… وَلٰكِنَّهُ يُحَسُّ.
لَمْ تَكُنْ حِوَارًا عَابِرًا،
وَلَا مُجَرَّدَ تَبَادُلِ كَلِمَاتٍ…
بَلْ كَأَنَّهَا شَيْءٌ مَرَّ فِي أَعْمَاقِهِ،
وَغَيَّرَ مَوَاضِعَ ٱلصَّمْتِ فِيهِ.
وَحِينَ فَتَحَ عَيْنَيْهِ…
كَانَ وَحْدَهُ.
ٱلْغُرْفَةُ عَادَتْ إِلَى هُدُوئِهَا ٱلْمَأْلُوفِ.
ٱلْكُرْسِيُّ فِي مَكَانِهِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَغِبْ قَطُّ.
ٱلْجُدْرَانُ صَامِتَةٌ…
وَلٰكِنَّ ٱلصَّمْتَ هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ ثَقِيلًا كَمَا كَانَ.
كَأَنَّهُ فَقَدَ قُدْرَتَهُ عَلَى ٱلضَّغْطِ…
أَوْ رُبَّمَا فَقَدَ سَامِرٌ قُدْرَتَهُ عَلَى ٱلِٱنْسِحَاقِ تَحْتَهُ.
جَلَسَ بِبُطْءٍ، وَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى ٱلْجِدَارِ.
أَطْلَقَ زَفِيرًا طَوِيلًا، كَأَنَّهُ يُخْرِجُ شَيْئًا كَانَ مُحْتَجَزًا فِي صَدْرِهِ مُنْذُ زَمَنٍ لَا يَعْرِفُهُ.
لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُفَسِّرَ مَا حَدَثَ.
وَلَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُقَاوِمَهُ.
هَمَسَ لِنَفْسِهِ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“هَلْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ… أَمْ كُنْتُ أَخَافُهَا؟”
وَلَمْ يَأْتِهِ جَوَابٌ…
وَلٰكِنَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يَشْعُرْ بِٱلْحَاجَةِ إِلَى ٱلْفِرَارِ مِنَ ٱلسُّؤَالِ.
مَرَّرَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يَكُنْ وَهْمًا،
أَوْ رُبَّمَا يَتَأَكَّدُ أَنَّهُ هُوَ ٱلَّذِي لَمْ يَعُدْ وَهْمًا.
ثُمَّ ٱلْتَفَتَ إِلَى ٱلْهَاتِفِ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ هٰذِهِ ٱللَّحْظَةِ…
لَا لِأَنَّهُ يَخَافُهُ،
بَلْ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَحْمِلُ ٱلْمَعْنَى نَفْسَهُ.
وَهٰذَا بِذَاتِهِ كَانَ غَرِيبًا.
قَالَ بِصَوْتٍ مُتَأَمِّلٍ:
“مَتَى تَحَوَّلْتَ مِنْ وَسِيلَةٍ… إِلَى مِرْآةٍ؟”
مَدَّ يَدَهُ، وَأَمْسَكَ بِهِ بِهُدُوءٍ.
كَانَتِ ٱلشَّاشَةُ مَا تَزَالُ مُضِيئَةً،
وَٱلرِّسَائِلُ لَمْ تَخْتَفِ:
“لِمَاذَا بَقِيتَ؟”
“لَمْ تَبْقَ لِأَجْلِ ٱلْمَدِينَةِ.”
“بَقِيتَ لِأَجْلِهَا.”
تَوَقَّفَ عِنْدَ ٱلجُمْلَةِ ٱلْأَخِيرَةِ.
هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ…
لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُنْكِرَهَا،
وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهَا كُلِّيًّا.
بَلْ سَأَلَ، كَأَنَّهُ يُحَاوِرُهَا:
“وَهَلْ كَانَ ذٰلِكَ خَطَأً… أَمْ طَرِيقًا؟”
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ،
وَفَتَحَ مَسَاحَةَ ٱلرَّدِّ.
تَعَلَّقَتْ أَصَابِعُهُ فَوْقَ ٱلشَّاشَةِ لِثَوَانٍ…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَرْتَعِشْ.
كَتَبَ:
“لَمْ أَبْقَ كَمَا تَظُنِّينَ.”
تَوَقَّفَ.
تَأَمَّلَ ٱلْجُمْلَةَ…
فَشَعَرَ بِمَا فِيهَا مِنْ دِفَاعٍ خَفِيٍّ.
هَمَسَ:
“لِمَاذَا أُدَافِعُ… وَمِمَّنْ؟”
مَسَحَهَا.
صَمْتٌ قَصِيرٌ…
ثُمَّ كَتَبَ مِنْ جَدِيدٍ:
“لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا بَقِيتُ.”
تَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ يَكُنِ ٱلتَّرَدُّدُ خَوْفًا…
بَلْ رَغْبَةً فِي أَنْ تَكُونَ ٱلْكَلِمَاتُ صَادِقَةً بِقَدْرِ مَا تَحْتَمِلُهُ نَفْسُهُ.
أَضَافَ:
“وَلٰكِنِّي لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ أَنْ أَتَجَاهَلَ ٱلْجَوَابَ… حَتَّى لَوْ غَيَّرَنِي.”
قَرَأَ ٱلْكَلِمَاتِ طَوِيلًا…
لَا كَمَنْ يَتَأَكَّدُ مِنْهَا،
بَلْ كَمَنْ يَتَعَرَّفُ عَلَى صَوْتِهِ فِيهَا.
ثُمَّ ضَغَطَ: “إِرْسَال”.
وَكَأَنَّهُ بِهٰذَا ٱلضَّغْطِ
لَمْ يُرْسِلْ رِسَالَةً فَقَطْ…
بَلْ تَخَلَّى عَنْ شَيْءٍ كَانَ يُمْسِكُهُ مُنْذُ أَمَدٍ طَوِيلٍ.
وَضَعَ ٱلْهَاتِفَ إِلَى جَانِبِهِ،
وَأَسْنَدَ رَأْسَهُ إِلَى ٱلْجِدَارِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ.
لَمْ يَأْتِ صَوْتٌ.
لَمْ تَظْهَرْ رِسَالَةٌ.
وَلٰكِنَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ
لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ.
هَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“رُبَّمَا لَيْسَ كُلُّ ٱلْأَجْوِبَةِ تَأْتِي… بَعْضُهَا يُولَدُ.”
مَرَّتْ لَحَظَاتٌ…
أَوْ رُبَّمَا زَمَنٌ لَا يُقَاسُ.
ثُمَّ
ٱهْتَزَّ ٱلْهَاتِفُ.
لَمْ يَفْتَحْ عَيْنَيْهِ فَوْرًا.
ٱبْتَسَمَ ٱبْتِسَامَةً خَفِيفَةً…
لَيْسَ فِيهَا ٱرْتِيَاحٌ، وَلَا قَلَقٌ…
بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى ٱلِٱسْتِعْدَادِ لِلْمَعْرِفَةِ.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَأَمْسَكَ ٱلْهَاتِفَ.
رِسَالَةٌ جَدِيدَةٌ.
جُمْلَةٌ قَصِيرَةٌ:
“هٰذِهِ بَدَايَةٌ نَاقِصَةٌ…
وَلٰكِنَّهَا أَصْدَقُ مِنَ ٱلصَّمْتِ.”
تَوَقَّفَ عِنْدَهَا طَوِيلًا.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ، كَأَنَّهُ يُجِيبُ لَا لَهَا فَقَطْ، بَلْ لِنَفْسِهِ:
“وَرُبَّمَا ٱلصِّدْقُ… هُوَ ٱلْبِدَايَةُ ٱلْوَحِيدَةُ ٱلْمُمْكِنَةُ.”
لَمْ يَغْضَبْ.
لَمْ يَرْتَبِكْ.
بَلْ شَعَرَ… أَنَّهُ فَهِمَ.
رَفَعَ نَظَرَهُ عَنْ ٱلشَّاشَةِ،
وَنَظَرَ أَمَامَهُ.
ٱلْغُرْفَةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ…
وَلَا ٱلْعَالَمُ.
وَلٰكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ
أَنَّ شَيْئًا دَاخِلَهُ قَدِ ٱنْفَتَحَ…
شَيْئًا لَا يُمْكِنُ إِغْلَاقُهُ،
وَلَا إِعَادَتُهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَفِي عُمْقِ ذٰلِكَ ٱلصَّمْتِ ٱلْجَدِيدِ،
وُلِدَ سُؤَالٌ آخَرُ…
لَيْسَ: “لِمَاذَا بَقِيتُ؟”
بَلْ:
“مَاذَا سَأَفْعَلُ… بَعْدَ أَنْ فَهِمْتُ؟”
لَمْ تَكُنِ ٱلرِّسَالَةُ طَوِيلَةً…
وَلَمْ تَكُنْ فِي حَاجَةٍ إِلَى ٱلْإِطَالَةِ.
“ٱنْتَظِرْ… عِنْدَ زَاوِيَةِ المَوقِعِ المُرفَقِ.”
جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ،
لَا تَحْمِلُ شَرْحًا، وَلَا تَطْلُبُ تَفْسِيرًا…
وَمَعَ ذٰلِكَ
كَانَ فِيهَا مَا يَكْفِي لِإِشْعَالِ أَسْئِلَةٍ لَا تَنْتَهِي.
أَيُّ زَاوِيَةٍ؟
وَلِمَاذَا هُنَاكَ؟
وَلِمَاذَا لَمْ تَقُلِ ٱسْمَ ٱلْمَكَانِ؟
ثُمَّ
هَلْ كَانَ بِٱلْفِعْلِ يَحْتَاجُ أَنْ تَقُولَ؟
خَرَجَ سَامِرٌ،
وَكَأَنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَى مَوْعِدٍ…
بَلْ يَنْسَاقُ إِلَى شَيْءٍ
سَبَقَ أَنْ قَرَّرَ عَنْهُ.
كَانَ ٱلشَّارِعُ شِبْهَ خَالٍ،
وَٱللَّيْلُ يَمُدُّ ظِلَالَهُ بِتُؤَدَةٍ،
كَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُفَاجِئَ أَحَدًا.
مِصْبَاحٌ وَاحِدٌ
يُرْسِلُ ضَوْءًا مُتْعَبًا،
يَتَرَنَّحُ فِي ٱلْفَرَاغِ
كَأَنَّهُ آخِرُ شَاهِدٍ عَلَى مَا لَا يُرَى.
تَوَقَّفَ عِنْدَ ٱلزَّاوِيَةِ.
وَقْفَةٌ بَسِيطَةٌ فِي ظَاهِرِهَا،
وَلٰكِنَّهَا فِي دَاخِلِهِ
كَانَتْ مَوْقِفًا بَيْنَ حَالَتَيْنِ.
قَالَ فِي نَفْسِهِ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“هَلْ أَنَا أَنْتَظِرُهَا…
أَمْ أَنْتَظِرُ نَفْسِي؟”
وَكَأَنَّ صَوْتًا آخَرَلَا يُعْرَفُ مَصْدَرُهُ
أَجَابَ:
“وَمَاذَا إِنْ كَانَ ٱلِٱنْتِظَارُ هُوَ ٱلْجَوَابُ نَفْسُهُ؟”
لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ٱلْهَاتِفِ.
لَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ شَيْءٍ.
كَانَ يَعْرِفُ
بِطَرِيقَةٍ لَا تُقَاسُ بِٱلْمَنْطِقِ
أَنَّهُ وَصَلَ.
مَرَّ رَجُلٌ بِجَانِبِهِ،
ثُمَّ ٱمْتَدَّ ٱلصَّمْتُ مَرَّةً أُخْرَى.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَمْتًا ثَقِيلًا…
بَلْ صَمْتٌ يَنْتَظِرُ أَنْ يُفْهَمَ.
رَفَعَ رَأْسَهُ.
لَمْ يَعْرِفْ مَتَى قَرَّرَ ذٰلِكَ،
وَلَا لِمَاذَا…
وَلٰكِنَّهُ فَعَلَ.
وَعِنْدَمَا فَعَلَ
رَآهَا.
فِي ٱلْأَعْلَى،
شُرْفَةٌ تُطِلُّ عَلَى هَذِهِ ٱلزَّاوِيَةِ…
وَعَلَيْهَا
هِيَ.
لَمْ يَقْتَرِبْ.
لَمْ يَتَسَاءَلْ.
فَقَطْ شَعَرَ بِذٰلِكَ ٱلْوُضُوحِ
ٱلَّذِي لَا يَتْرُكُ مَجَالًا لِلشَّكِّ.
كَانَتْ تَرْتَدِي بَيَاضًا
لَا يَعْكِسُ ٱلنُّورَ…
بَلْ كَأَنَّهُ يُولَدُ مِنْهُ.
فَهَمَ دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ
أَنَّ ٱلنُّورَ لَيْسَ فِي ٱلْمِصْبَاحِ،
بَلْ فِيهَا.
وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ،
تَسَاءَلَ:
“هَلْ أَرَاهَا كَمَا هِيَ…
أَمْ كَمَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاهَا؟”
وَجَاءَهُ ٱلرَّدُّ مُرْبِكًا وَبَسِيطًا:
“وَمَا ٱلْفَرْقُ،
إِنْ كَانَ ٱلْأَثَرُ وَاحِدًا؟”
مَدَّتْ نَظَرَهَا إِلَيْهِ.
لَمْ تَبْتَسِمْ.
لَمْ تُشِرْ.
فَقَطْ نَظَرَتْ
نَظْرَةً لَمْ تَكُنْ سُؤَالًا…
وَلَا جَوَابًا…
بَلْ شَيْئًا بَيْنَهُمَا.
وَكَأَنَّهَا تَقُولُ:
“أَنْتَ هُنَا…
وَهٰذَا يَكْفِي.”
خَطَا خُطْوَةً…
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ
رَأَى مَا لَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ مِنْ قَبْلُ.
كَانَ هُنَاكَ نَاسٌ.
يَمْشُونَ، يَعْبُرُونَ، يَتَحَرَّكُونَ…
وَلٰكِنْ
لَا أَحَدَ مِنْهُمْ
نَظَرَ إِلَيْهَا.
ٱنْقَبَضَ قَلْبُهُ قَلِيلًا.
وَهَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“هَلْ هِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ…
أَمْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلَّذِينَ لَا يَرَوْنَ؟”
وَجَاءَهُ ٱلصَّوْتُ نَفْسُهُ:
“لَيْسَ كُلُّ مَا يُرَى يُدْرَكُ…
وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُدْرَكُ يُرَى.”
هَمَسَ بِصَوْتٍ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَمْ إِلَيْهَا:
“آنا…”
لَمْ تُجِبْ.
وَلٰكِنَّ صَمْتَهَا
لَمْ يَكُنْ فَرَاغًا.
رَفَعَتْ يَدَهَا بِبُطْء…
وَأَشَارَتْ.
لَيْسَ إِلَيْهِ
بَلْ إِلَى ٱلْبَابِ ٱلْمُظْلِمِ
أَسْفَلَ ٱلْمَبْنَى.
نَظَرَ.
كَانَ ٱلْبَابُ ثَقِيلًا،
مُغْلَقًا،
يَحْمِلُ فِي صَمْتِهِ
تَارِيخًا مِنَ ٱلِٱنْتِظَارِ.
قَالَ فِي نَفْسِهِ:
“أَهٰذَا بَابٌ…
أَمْ ٱخْتِبَارٌ؟”
وَجَاءَهُ ٱلرَّدُّ:
“وَهَلْ هُنَاكَ فَرْقٌ…
إِذَا كَانَ ٱلدُّخُولُ يُغَيِّرُكَ؟”
عَادَ بِنَظَرِهِ إِلَيْهَا.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ
رَأَى فِي عَيْنَيْهَا شَيْئًا لَمْ يَفْهَمْهُ فَوْرًا.
لَيْسَ حُبًّا.
وَلَا حَنَانًا.
بَلْ…
ٱنْتِظَارٌ.
ٱنْتِظَارٌ لَا يَضْغَطُ،
وَلَا يَسْتَعْجِلُ…
بَلْ يَكْشِفُ.
كَأَنَّهَا تَقُولُ لَهُ:
“لَنْ أَدْعُوكَ…
وَلَنْ أَمْنَعَكَ.
أَنْتَ مَنْ سَيُقَرِّرُ:
هَلْ تَبْقَى حَيْثُ أَنْتَ…
أَمْ تَدْخُلُ حَيْثُ لَمْ تَدْخُلْ مِنْ قَبْلُ؟”
نَظَرَ إِلَى ٱلْبَابِ مَرَّةً أُخْرَى.
ثُمَّ
خَطَا.
وَفِي أَوَّلِ خُطْوَةٍ،
لَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا فَقَطْ…
بَلْ شَعَرَ
أَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْ سُؤَالٍ
تَجَنَّبَهُ طَوِيلًا.
خُطْوَةٌ أُخْرَى…
“مَاذَا سَأَجِدُ؟”
سَأَلَ نَفْسَهُ.
وَلَكِنَّ ٱلْإِجَابَةَ لَمْ تَأْتِ.
بَلْ جَاءَ شَيْءٌ آخَر:
ٱلرَّغْبَةُ فِي ٱلْمَعْرِفَةِ.
وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ
فَهِمَ أَنَّ بَعْضَ ٱلْأَبْوَابِ
لَا تُفْتَحُ لِنَعْرِفَ مَا وَرَاءَهَا…
بَلْ
لِنَعْرِفَ
مَنْ نَحْنُ
عِنْدَمَا نُقْرُرُ أَنْ نَدْخُلَ.
وَقَفَ أَمَامَ ٱلْبَابِ الخَارِجِيِّ لِلمَبْنَى.
وُقُوفًا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ اقْتِرَابٍ،
بَلْ كَأَنَّهُ بُلُوغُ حَدٍّ لَا يُرَى.
كَانَ قَرِيبًا
قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي لِيَمُدَّ يَدَهُ،
وَيُدِيرَ ٱلْمِقْبَضَ،
وَيُنْهِي هٰذَا ٱلتَّرَدُّدَ كُلَّهُ بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلٰكِنَّهُ
لَمْ يَفْعَلْ.
كَانَ ٱلْبَابُ أَقْرَبَ مِمَّا يَجِبُ،
وَأَبْعَدَ مِمَّا يُحْتَمَلُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا…
كَأَنَّهُ لَا يَرَى خَشَبًا وَمِقْبَضًا،
بَلْ يَرَى مَا وَرَاءَهُ…
أَوْ مَا فِيهِ.
وَفِي دَاخِلِهِ،
تَحَرَّكَ صَوْتٌ خَافِتٌ:
“مَا ٱلَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ؟
وَلِمَاذَا يَبْدُو ٱلدُّخُولُ كَأَنَّهُ خُطُوَةٌ لَا تُرَدُّ؟”
وَجَاءَهُ صَوْتٌ آخَرُأَعْمَقُ، أَقْدَمُ:
“لِأَنَّ بَعْضَ ٱلْأَبْوَابِ لَا تُفْتَحُ عَلَى غُرَفٍ…
بَلْ عَلَى نُسَخٍ جَدِيدَةٍ مِنَّا.”
رَفَعَ يَدَهُ.
ٱرْتَفَعَتْ بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهَا لَا تَنْتَمِي إِلَيْهِ كُلِّيًّا.
تَوَقَّفَتْ…
قَبْلَ أَنْ تَلْمِسَ ٱلْمِقْبَضَ.
وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ،
شَدَّهُ شَيْءٌ إِلَى ٱلْخَلْفِ.
لَمْ يَكُنْ خَوْفًا.
وَلَا شَكًّا.
بَلْ شَيْءٌ أَقْدَمُ…
شَيْءٌ يَسْكُنُ فِي ٱلْعَادَاتِ،
فِي ٱلتَّرْبِيَةِ،
فِي ٱلْجُمَلِ ٱلَّتِي قِيلَتْ مَرَّةً…
فَبَقِيَتْ.
وَكَأَنَّ ٱلذَّاكِرَةَ فَتَحَتْ بَابًا آخَرَ
أَشَدَّ عَتَامَةً:
“لَا تَدْخُلْ بَيْتًا…
لَا رَجُلَ يَستَقبِلُكَ فِيهِ.”
تَجَمَّدَ.
لَمْ يَكُنِ ٱلصَّوْتُ صَوْتَهُ.
وَلَا صَوْتَهَا.
كَانَ صَوْتًا تَعَلَّمَهُ…
ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَهُ.
هَمَسَ فِي نَفْسِهِ، مُتَسَائِلًا:
“وَمَنْ أَنَا دُونَ هٰذِهِ ٱلْجُمْلَةِ؟
هَلْ أَفْقِدُ شَيْئًا… أَمْ أَتَحَرَّرُ؟”
تَرَاجَعَ نِصْفَ خُطْوَةٍ.
تَسَارَعَ نَفَسُهُ قَلِيلًا،
كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَنَفَّسُ مِنْ قَبْلُ بِوَعْيٍ.
نَظَرَ إِلَى يَدِهِ…
تِلْكَ ٱلْيَدُ ٱلَّتِي كَانَتْ تَفْعَلُ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ،
تَتَوَقَّفُ ٱلْآنَ…
وَتَسْأَلُ.
“هٰذَا… سَخِيفٌ.”
خَرَجَتِ ٱلْكَلِمَةُ خَافِتَةً،
كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ بِهَا،
لَا أَنْ يُصَدِّقَهَا.
حَاوَلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَرَّةً أُخْرَى
فَلَمْ يَسْتَطِعْ.
وَفِي دَاخِلِهِ،
دَارَ حِوَارٌ لَا يُسْمَعُ:
“ٱمْضِ.”
“لَا.”
“لِمَاذَا؟”
“لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ مَنْ سَأَكُونُ بَعْدَهَا.”
“وَهَلْ تَعْرِفُ مَنْ أَنْتَ ٱلْآنَ؟”
فَصَمَتَ.
رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ ٱلشُّرْفَةِ.
كَانَتْ مَا تَزَالُ هُنَاكَ.
تَنْظُرُ.
لَا تَبْتَسِمُ.
لَا تُلَوِّحُ.
وَلَكِنَّ نَظرَتَهَا
كَانَتْ تَقُولُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَالُ.
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَا يَدُورُ فِيهِ،
لَا كَتَفَاصِيلٍ…
بَلْ كَإِحْسَاسٍ.
هَمَسَ بِصَوْتٍ بَيْنَ ٱلِٱعْتِذَارِ وَٱلِٱعْتِرَافِ:
“لَا أَسْتَطِيعُ…”
وَفِي دَاخِلِهِ،
أَكْمَلَ ٱلْجُمْلَةَ:
“لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ غَيْرَ مَا تَعَلَّمْتُهُ.”
لَمْ تُجِبْ.
وَلَكِنَّ صَمْتَهَا
لَمْ يَكُنْ حُكْمًا…
بَلْ مِرْآةً.
فَقَالَ، أَكْثَرَ خُفُوتًا:
“لَا أَدْخُلُ بَيْتًا…
لَا رَجُلَ فِيهِ.”
ٱرْتَدَّتِ ٱلْكَلِمَاتُ إِلَيْهِ،
أَثْقَلَ…
وَأَغْرَبَ.
وَفَجْأَةً
سَأَلَ نَفْسَهُ:
“وَهَلْ كُنْتُ أَدْخُلُ ٱلْبُيُوتَ…
أَمْ أَدْخُلُ ٱلأَدْوَارَ ٱلَّتِي رُسِمَتْ لِي؟”
فَهِمَ.
لَمْ يَكُنِ ٱلْبَابُ هُوَ ٱلْحَاجِزَ.
وَلَا ٱلْمَكَانُ.
بَلْ صُورَةٌ قَدِيمَةٌ لِنَفْسِهِ…
لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي يَدْخُلُ مُسْتَقْبِلًا،
لَا مُتَرَدِّدًا…
لَا مُنْتَظِرًا.
رَجُلٌ يَحْمِي،
وَيُقَرِّرُ،
وَلَا يَطْرُقُ بَابًا لَا يُفْتَحُ لَهُ.
وَٱلْآنَ
كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا آخَر.
زَائِرًا.
سَائِلًا.
رُبَّمَا… ضَعِيفًا.
فَتَرَاجَعَ خُطْوَةً.
وَفِي دَاخِلِهِ،
لَمْ يَنْكَسِرْ شَيْءٌ بِصَوْتٍ…
بَلْ بِهُدُوءٍ.
كَانَ ٱلِٱنْكِسَارُ
أَشْبَهَ بِٱنْفِتَاحٍ صَغِيرٍ.
رَفَعَ رَأْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ
لَمْ يَرَ فِيهَا ٱلْوُصُولَ…
بَلِ ٱلسُّؤَالَ.
بَلِ ٱلِٱمْتِحَانَ.
وَكَأَنَّهَا تَقُولُ لَهُ دُونَ كَلِمَاتٍ:
“لَا أَنْتَظِرُ أَنْ تَصْعَدَ…
بَلْ أَنْ تَعْرِفَ:
هَلْ تَصْعَدُ إِلَيَّ…
أَمْ تَصْعَدُ إِلَى نَفْسِكَ؟”
بِبُطْءٍ…
أَنْزَلَ يَدَهُ.
وَٱبْتَعَدَ عَنِ ٱلْبَابِ
خُطْوَةً وَاحِدَةً.
وَلَكِنَّهَا
لَمْ تَكُنْ ٱنْسِحَابًا كَامِلًا.
كَانَتْ رُبَّمَا
مَسَافَةً لِلتَّفْكِيرِ.
وَفِي دَاخِلِهِ،
تَشَكَّلَ سُؤَالٌ أَخِيرٌ:
“هَلِ ٱلدُّخُولُ هُوَ أَنْ أَعْبُرَ ٱلْبَابَ…
أَمْ أَنْ أَتَغَيَّرَ حَتَّى أَسْتَطِيعَ عُبُورَهُ؟”
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ
وَهُوَ يَبْتَعِدُ
هَلْ كَانَ يَنْسَحِبُ…
أَمْ يَبْدَأُ،
مِنْ مَكَانٍ آخَرَ،
طَرِيقًا أَعْمَقَ…
لِلدُّخُولِ.
لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ٱلشُّرْفَةِ مَرَّةً أُخْرَى…
لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ عَجْزًا،
وَلَا تَجَاهُلًا…
بَلْ لِأَنَّ ٱلنَّظْرَةَ ٱلْأُولَى
كَانَتْ كَافِيَةً لِتَسْتَقِرَّ فِيهِ،
لَا كَصُورَةٍ تُسْتَعَادُ…
بَلْ كَأَثَرٍ لَا يُمْحَى.
كَأَنَّهُ فَهِمَ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ
أَنَّ بَعْضَ ٱلرُّؤَى
إِذَا تَكَرَّرَتْ…
تَفْقِدُ صِدْقَهَا.
دَارَ بِبُطْءٍ…
دَوَرَانًا لَمْ يَكُنْ جَسَدِيًّا فَقَطْ،
بَلْ كَأَنَّهُ يَنْفَصِلُ عَنْ لَحْظَةٍ
لَمْ يَدْخُلْهَا كَامِلًا…
وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا كَمَا دَخَلَ.
ابْتَعَدَ عَنِ ٱلْبَابِ.
خُطْوَاتُهُ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعْجِلَةً،
وَلَا مُتَرَدِّدَةً.
كَانَتْ…
مُتَوَازِنَةً عَلَى حَدٍّ غَرِيبٍ،
كَأَنَّهُ يَمْشِي فِي مَكَانٍ
لَا يَعْرِفُهُ،
وَمَعَ ذٰلِكَ…
يَعْرِفُهُ جَيِّدًا.
وَهَمَسَ فِي نَفْسِهِ:
“هَلْ خَرَجْتُ…
أَمْ أَنِّي لَمْ أَدْخُلْ أَصْلًا؟”
وَجَاءَهُ صَوْتٌ خَافِتٌ:
“رُبَّمَا كُنْتَ عَلَى ٱلْعَتَبَةِ فَقَطْ…
وَٱلْعَتَبَةُ أَصْعَبُ مِنَ ٱلدُّخُولِ وَٱلْخُرُوجِ.”
عَادَ إِلَى ٱلزَّاوِيَةِ.
نَفْسُ ٱلْمَكَانِ،
نَفْسُ ٱلضَّوْءِ ٱلْمُتْعَبِ،
نَفْسُ ٱلصَّمْتِ ٱلْمُعَلَّقِ بَيْنَ ٱلْأَشْيَاءِ.
كُلُّ شَيْءٍ كَانَ كَمَا هُوَ…
وَلٰكِنَّهُ
لَمْ يَعُدْ كَمَا هُوَ.
تَأَمَّلَ ٱلْمَكَانَ،
ثُمَّ قَالَ فِي دَاخِلِهِ:
“كَيْفَ يَبْقَى كُلُّ شَيْءٍ عَلَى حَالِهِ…
وَأَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ؟”
فَجَاءَهُ ٱلرَّدُّ:
“لِأَنَّ ٱلتَّغْيِيرَ لَا يَبْدَأُ فِي ٱلْأَمَاكِنِ…
بَلْ فِي مَنْ يَرَاهَا.”
سَمِعَ صَوْتَ ٱلْحَافِلَةِ
قَبْلَ أَنْ يَرَاهَا.
صَوْتٌ يَقْتَرِبُ بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهُ يَسْحَبُ ٱلْوَقْتَ مَعَهُ.
وَقَفَ فِي مَكَانِهِ.
لَمْ يُشِرْ،
وَلَمْ يَتَحَرَّكْ،
كَأَنَّ جَسَدَهُ يَحْفَظُ هٰذَا ٱلْمَشْهَدَ…
وَيُعِيدُهُ بِدِقَّةٍ غَامِضَةٍ.
تَوَقَّفَتِ ٱلْحَافِلَةُ.
فُتِحَ ٱلْبَابُ.
صَعِدَ
دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ.
لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَدْعُوهُ لِلنَّظَرِ خَلْفَهُ…
أَوْ رُبَّمَا
كَانَ هُنَاكَ مَا يَخْشَى أَنْ يَرَاهُ مَرَّةً أُخْرَى.
جَلَسَ قُرْبَ ٱلنَّافِذَةِ.
وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى ٱلْخَارِجِ.
كَانَ ٱلزُّجَاجُ
يُعِيدُ وَجْهَهُ إِلَيْهِ،
أَكْثَرَ مِمَّا يُظْهِرُ ٱلشَّارِعَ.
فَبَدَا لِنَفْسِهِ
كَأَنَّهُ عَالِقٌ بَيْنَ صُورَتَيْنِ:
صُورَةٍ يَعْرِفُهَا…
وَأُخْرَى تَتَشَكَّلُ.
سَأَلَ نَفْسَهُ:
“أَيُّهُمَا أَنَا؟
وَأَيُّهُمَا سَأَكُونُ؟”
وَلَمْ تَأْتِ ٱلْإِجَابَةُ…
بَلْ ٱلِٱنْتِظَارُ.
ٱهْتَزَّ ٱلْهَاتِفُ.
لَمْ يَتَفَاجَأْ.
كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ
أَنَّ هٰذَا ٱلصَّمْتَ
لَنْ يَدُومَ.
أَخْرَجَهُ بِبُطْءٍ،
وَفَتَحَ ٱلرِّسَالَةَ.
“لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ.”
تَوَقَّفَ.
وَفِي دَاخِلِهِ،
تَحَرَّكَ سُؤَالٌ:
“إِذًا… لِمَاذَا ٱلْبَابُ؟”
وَكَأَنَّ ٱلرِّسَالَةَ تُكْمِلُ مَا بَدَأَتْ:
“كُنْتُ أُرِيدُ فَقَطْ
أَنْ أَرَاكَ…
عَنْ قُرْبٍ.”
ٱنْخَفَضَ نَفَسُهُ قَلِيلًا.
“لَمْ يَتَسَنَّ لِي ذٰلِكَ مِنْ قَبْلُ.
كُنْتُ أَرَاكَ… مِنْ بَعِيدٍ فَقَطْ.”
تَشَنَّجَتْ أَصَابِعُهُ،
وَكَأَنَّ ٱلْكَلِمَاتِ
لَمْ تَكُنْ خَبَرًا…
بَلْ ٱقْتِرَابًا مُفَاجِئًا.
“يَوْمَ كُنْتَ تَعْبُرُ ٱلشَّارِعَ…
فِي طَرِيقِكَ إِلَى ٱلْعَمَلِ.
تَبِعْتُكَ.”
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا.
لَمْ يَنْظُرْ إِلَى أَحَدٍ…
بَلْ إِلَى فَرَاغٍ
بَدَأَ يَمْتَلِئُ بِمَعْنًى غَامِضٍ.
“أَرَدْتُ أَنْ أَعْرِفَ أَيْنَ تَذْهَبُ.
وَعِنْدَمَا وَصَلْتُ… سَأَلْتُ عَنْكَ.”
ٱبْتَلَعَ رِيقَهُ بِبُطْء.
“قُلْتُ لَهُمْ…
إِنَّكَ صَدِيقٌ قَدِيمٌ لِزَوْجِي.”
تَوَقَّفَتْ عَيْنَاهُ.
“وَأَنَّ بَيْنَكُمَا شَيْئًا لَمْ يَنْتَهِ كَمَا يَجِبُ.”
وَفِي دَاخِلِهِ،
ٱرْتَفَعَ صَوْتٌ:
“مَنْ هُوَ هٰذَا ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي تَخْتَرِعُهُ؟
وَلِمَاذَا أَصْبَحْتُ جُزْءً مِنْ قِصَّتِهِ؟”
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
“قُلْتُ إِنَّهُ يُرِيدُ ٱلِٱعْتِذَارَ…
وَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْكَ مُنْذُ سِنِينَ.”
سَكَتَتِ ٱلرِّسَالَةُ لَحْظَةً…
ثُمَّ جَاءَتِ ٱلْجُمْلَةُ:
“لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ زَوْجٌ صَدِيقٌ لكَ.”
تَوَقَّفَ ٱلْوَقْتُ.
شَعَرَ بِبُرُودَةٍ
تَعْبُرُهُ بِهُدُوءٍ.
“كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ طَرِيقَةٍ…
لِأَصِلَ إِلَيْكَ فَقَطْ.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِثَانِيَةٍ.
“وَٱلْيَوْمَ… فَعَلْتُ.”
فَتَحَ عَيْنَيْهِ.
ٱلْحَافِلَةُ تَسِيرُ،
وَٱلشَّارِعُ يَنْسَابُ خَارِجَ ٱلنَّافِذَةِ
كَصُورَةٍ غَيْرِ مُكْتَمِلَةٍ.
وَفِي ٱلزُّجَاجِ
رَأَى وَجْهَهُ.
لَمْ يَكُنْ مُرْتَبِكًا،
وَلَا غَاضِبًا…
بَلْ
كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ
يَبْدَأُ أَنْ يَتَشَكَّلَ.
هَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“هَلْ وَصَلَتْ إِلَيَّ…
أَمْ أَيْقَظَتْ شَيْئًا كَانَ فِيهِ يَنْتَظِرُهَا؟”
أَنْزَلَ ٱلْهَاتِفَ قَلِيلًا…
ثُمَّ رَفَعَهُ.
فَتَحَ مَسَاحَةَ ٱلرَّدِّ.
هٰذِهِ ٱلْمَرَّةُ
لَمْ تَرْتَعِشْ أَصَابِعُهُ.
كَتَبَ:
“وَصَلْتِ… إِلَى أَيْن؟”
تَوَقَّفَ.
وَفِي دَاخِلِهِ،
جَاءَ ٱلصَّوْتُ:
“ٱسْأَلْهَا…
أَمْ ٱسْأَلْ نَفْسَكَ؟”
فَأَضَافَ:
“إِلَيَّ…
أَمْ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ فِيَّ؟”
نَظَرَ إِلَى ٱلْكَلِمَاتِ.
لَمْ يَمْسَحْهَا.
لِأَنَّهُ
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ
لَمْ يَخَفْ مِنْ مَا تَقُولُهُ.
ضَغَطَ: إِرْسَال.
وَفِي ٱنْعِكَاسِ ٱلزُّجَاجِ…
بَدَا وَجْهُهُ
أَقَلَّ غُمُوضًا…
وَأَكْثَرَ خَطَرًا.
لَا لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ كُلِّيًّا…
بَلْ لِأَنَّهُ
بَدَأَ يَعْرِفُ
أَنَّ ٱلَّذِي يَتَغَيَّرُ فِيهِ
لَيْسَ صُورَتَهُ…
بَلْ حُدُودَهُ.
لَمْ يَنْتَظِرْ طَوِيلًا…
كَأَنَّ ٱلزَّمَنَ، فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ، لَمْ يَعُدْ يُقَاسُ بِٱلثَّوَانِي، بَلْ بِٱلِٱنْتِظَارِ ٱلْمُعَلَّقِ بَيْنَ خَفَقَتَيْ قَلْبٍ وَسُؤَالٍ لَا يُجَابُ.
كَأَنَّ ٱلرَّدَّ
كَانَ مُعَدًّا مُسْبَقًا،
لَا يَنْتَظِرُ إِلَّا لَمْسَةً وَاحِدَةً
لِيَنْفَلِتَ مِنْ خَبَائِهِ.
ٱهْتَزَّ ٱلْهَاتِفُ…
لَمْ يَكُنِ ٱلِٱهْتِزَازُ صَوْتًا فَقَطْ،
بَلْ طَرْقًا خَفِيًّا عَلَى شَيْءٍ دَاخِلَهُ،
شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُغْلَقٌ أَصْلًا.
رِسَالَةٌ جَدِيدَةٌ.
نَظَرَ إِلَيْهَا قَلِيلًا…
كَأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَنْ يَقْرَأَ،
أَوْ أَنْ يَبْقَى عَلَى جَهْلِهِ
فَهَلْ يَكُونُ ٱلجَهْلُ، أَحْيَانًا، رَحْمَةً؟
ثُمَّ فَتَحَهَا.
“لَمْ أَصِلْ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا.”
تَوَقَّفَ.
لَمْ تَكُنِ ٱلْجُمْلَةُ خَبَرًا…
بَلْ مِرْآةً.
وَكَأَنَّهَا تَسْأَلُهُ:
مَاذَا كُنْتَ تُنْكِرُ وَهُوَ فِيكَ؟
“أَنْتَ كُنْتَ هُنَا دَائِمًا…
فَقَطْ لَمْ تَكُنْ تَنْظُرُ.”
ضَاقَ نَفَسُهُ قَلِيلًا.
وَفِي دَاخِلِهِ، ٱرْتَفَعَ صَوْتٌ خَافِتٌ:
“إِلَى أَيْنَ لَمْ أَنْظُرْ؟
وَمَاذَا كُنْتُ أَتَجَاوَزُهُ دُونَ أَنْ أَدْرِي؟”
صَوْتٌ آخَرُ، أَكْثَرُ هُدُوءً، رَدَّ:
“أَمْ لَعَلَّكَ كُنْتَ تَنْظُرُ…
وَلٰكِنَّكَ لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ أَنْ تَرَى؟”
“وَلَا… لَمْ يَكُنْ مَا قُلْتُهُ كَذِبًا كَامِلًا.”
ٱتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ قَلِيلًا،
وَكَأَنَّ ٱلْحَقِيقَةَ لَا تَأْتِي مُكْتَمِلَةً أَبَدًا،
بَلْ نِصْفًا يَجُرُّ نِصْفًا،
وَسُؤَالًا يُفْضِي إِلَى سُؤَالٍ.
“أَنَا مُتَزَوِّجَةٌ.”
سَقَطَتِ ٱلْجُمْلَةُ فِي دَاخِلِهِ
كَنُقْطَةِ حِبْرٍ فِي مَاءٍ سَاكِنٍ…
تَتَّسِعُ…
دُونَ صَوْتٍ…
وَلٰكِنَّهَا تُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.
“وَلَدَيَّ أَبْنَاءٌ… وَبَنَاتٌ.”
ٱنْقَبَضَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى ٱلْهَاتِفِ،
لَا غَيْرُهُ
كَأَنَّهُ يَتَشَبَّثُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ
فِي عَالَمٍ بَدَأَ يَتَزَحْزَحُ.
فِي دَاخِلِهِ، تَكَلَّمَ:
“إِذًا… مَا ٱلَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ عِنْدِي؟
وَمَا ٱلَّذِي يَبْقَى
بَعْدَ كُلِّ هٰذَا ٱلِٱكْتِمَالِ؟”
وَجَاءَهُ ٱلْجَوَابُ
لَيْسَ مِنْهَا… بَلْ مِنْ شَيْءٍ فِيهِ:
“أَحْيَانًا…
لَا يَكُونُ ٱلنَّقْصُ فِي مَا نَمْلِكُ،
بَلْ فِي مَا لَمْ نَفْهَمْهُ بَعْدُ.”
“فِي مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ.”
كَأَنَّهَا لَا تُخْبِرُهُ عَنْ أَبْنَائِهَا،
بَلْ عَنْ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ
تَسِيرُ دُونَهُ…
وَمَعَ ذٰلِكَ، تَتَقَاطَعُ مَعَهُ.
“وَكُنْتُ قَدْ طَلَبْتُ ٱلطَّلَاقَ…
قَبْلَ أَنْ أَرَاكَ بِسِنِينَ.”
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا،
وَنَظَرَ إِلَى ٱنْعِكَاسِهِ فِي ٱلزُّجَاجِ.
“لَا عِلَاقَةَ لَكَ بِذٰلِكَ.”
جُمْلَةٌ قَاطِعَةٌ…
وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِٱلرَّاحَةِ.
بَلْ سَأَلَ نَفْسَهُ:
“وَإِنْ لَمْ أَكُنْ سَبَبًا…
فَلِمَاذَا أَشْعُرُ كَأَنَّنِي دَاخِلُ ٱلْحِكَايَةِ؟”
“وَلَمْ تَكُنْ سَبَبًا فِي قَرَارٍ
ٱتُّخِذَ قَبْلَ أَنْ تَعْبُرَ أَمَامِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.”
ٱبْتَلَعَ رِيقَهُ بِبُطْء…
وَكَأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ بَعْضَ ٱللِّقَاءَاتِ
لَا تَصْنَعُ ٱلْقَرَارَ
بَلْ تَكْشِفُهُ.
“أَنَا لَمْ أَخْتَرْ أَنْ أَرَاكَ.”
تَوَقَّفَ…
“وَلٰكِنِّي
بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُكَ
لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ لَا أَرَاكَ.”
سَكَتَتِ ٱلْحَافِلَةُ حَوْلَهُ…
أَوْ هٰكَذَا شَعَرَ.
وَفِي دَاخِلِهِ، دَارَ حِوَارٌ خَفِيّ:
“هَلْ يُمْكِنُ لِرُؤْيَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ تُغَيِّرَ ٱلْمَسَارَ؟”
“أَمْ أَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ شَيْئًا… بَلْ تُظْهِرُ مَا كَانَ مُخِيفًا؟”
“هَلْ تُرِيدُ ٱلشَّيْءَ ٱلْمُخِيفَ؟”
تَجَمَّدَتْ عَيْنَاهُ.
لَمْ يَكُنْ خَائِفًا بَعْدُ…
وَلٰكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ ٱلْخَوْفَ
قَادِمٌ.
“أَنِّي لَمْ أَتْبَعْكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ.”
بَرَدَ ٱلْهَوَاءُ حَوْلَهُ.
“وَلَمْ أَسْأَلْ عَنْكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ.”
تَسَارَعَ نَبْضُهُ…
وَبَدَأَتِ ٱلشَّوَارِعُ خَارِجَ ٱلنَّافِذَةِ
تَفْقِدُ مَعْنَاهَا.
“كُنْتُ أَعْرِفُ مَتَى تَخْرُجُ…
مَتَى تَتَأَخَّرُ…
وَمَتَى تَمْشِي أَبْطَأَ مِمَّا تَعْتَقِدُ.”
تَوَقَّفَتِ ٱلْكَلِمَاتُ…
ثُمَّ جَاءَتِ ٱلْقَاضِيَةُ:
“كُنْتُ أَرَاكَ…
قَبْلَ أَنْ تَنْتَبِهَ لِنَفْسِكَ.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ…
وَسَأَلَ فِي دَاخِلِهِ:
“مَنْ أَنَا
إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَرَانِي
أَكْثَرَ مِمَّا أَرَى نَفْسِي؟”
“لَا تَخَفْ.”
فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْء.
“لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أُؤْذِيَكَ.”
صَمْتٌ قَصِيرٌ…
“كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ…
لِمَاذَا أَنْتَ
دُونَ غَيْرِكَ؟”
تَوَقَّفَتِ ٱلرِّسَالَةُ هُنَا…
لَا إِجَابَةَ.
فَقَطْ سُؤَالٌ مَفْتُوحٌ
كَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ هُوَ بِٱلرَّدِّ.
ٱلْحَافِلَةُ كَانَتْ تَسِيرُ…
ٱلنَّاسُ حَوْلَهُ كَمَا هُمْ،
وُجُوهٌ عَابِرَةٌ،
أَصْوَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ…
وَلٰكِنَّهُ
لَمْ يَعُدْ عَابِرًا.
بَلْ شَيْئًا…
كَانَ يُرَاقَبُ،
يُفْهَمُ،
أَوْ يُحَاوَلُ فَهْمُهُ
مُنْذُ زَمَنٍ.
خَفَضَ ٱلْهَاتِفَ قَلِيلًا…
ثُمَّ رَفَعَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ يَكْتُبْ.
لَمْ يَسْتَطِعْ.
فَهَلِ ٱلْكَلِمَاتُ تَكْفِي
حِينَ يُصْبِحُ ٱلْإِنْسَانُ سُؤَالًا؟
نَظَرَ إِلَى ٱنْعِكَاسِهِ فِي ٱلزُّجَاجِ…
طَالَ ٱلنَّظَرُ.
وَكَأَنَّهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
لَا يُحَاوِلُ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ
بَلْ أَنْ يَرَى:
مَا ٱلَّذِي…
كَانَتْ
تَرَاهُ فِيهِ؟
لَمْ تَأْتِ ٱلرِّسَالَةُ فَوْرًا…
وَلَمْ تَتَأَخَّرْ كَثِيرًا…
كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ خَاضِعَةً لِزَمَنٍ مَعْرُوفٍ،
بَلْ لِحَالَةٍ دَاخِلِيَّةٍ
كَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْلُغَهَا أَوَّلًا…
نُقْطَةٌ
لَا يَتَرَاجَعُ عِنْدَهَا ٱلْإِنْسَانُ،
وَلَا يَعُودُ كَمَا كَانَ.
ٱهْتَزَّ ٱلْهَاتِفُ.
فِي ٱلْمَرَّةِ هٰذِهِ،
لَمْ يَكُنِ ٱلِٱهْتِزَازُ مُفَاجِئًا…
كَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ…
وَفِي نَظْرَتِهِ شَيْءٌ مِنَ ٱلِٱسْتِسْلَامِ،
أَوْ رُبَّمَا… مِنَ ٱلِٱسْتِعْدَادِ.
لَمْ يَتَرَدَّدْ.
فَتَحَ ٱلرِّسَالَةَ.
“هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ…
يَجِبُ أَنْ تَعْرِفَهُ.”
تَشَدَّدَ نَفَسُهُ…
لَمْ يَكُنِ ٱلْخَبَرُ فِي ٱلْكَلِمَاتِ،
بَلْ فِي ٱلطَّرِيقَةِ ٱلَّتِي قِيلَتْ بِهَا.
كَأَنَّ ٱلْجُمْلَةَ تَفْتَحُ بَابًا…
وَلَا تُخْبِرُهُ مَاذَا وَرَاءَهُ.
“قَبْلَ أَنْ تَتْرُكَ عَمَلَكَ…
بِيَوْمَيْنِ.”
تَوَقَّفَ.
شَيْءٌ فِي دَاخِلِهِ ٱنْتَبَهَ
لَيْسَ ذَاكِرَةً وَاضِحَةً،
بَلْ إِحْسَاسٌ قَدِيمٌ…
كَانَ مُؤَجَّلًا لِلْفَهْمِ.
صَوْتٌ فِيهِ هَمَسَ:
“هُنَاكَ شَيْءٌ حَدَثَ…
وَأَنْتَ لَمْ تَنْتَبِهْ.”
“ذَهَبْتُ إِلَى مَكَانِ عَمَلِكَ مُبَكِّرًا.”
تَسَارَعَ نَبْضُهُ.
وَكَأَنَّ ٱلْحَاضِرَ تَرَاجَعَ خُطْوَةً،
لِيَفْسَحَ ٱلْمَجَالَ لِمَاضٍ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ.
“قَبْلَ أَنْ تَصِلَ.”
ٱنْقَبَضَتْ أَصَابِعُهُ.
فِي دَاخِلِهِ، تَشَكَّلَ سُؤَالٌ:
“مَنْ كَانَ يَدْخُلُ أَمَاكِنِي…
قَبْلَ أَنْ أَكُونَ فِيهَا؟”
وَجَاءَهُ صَوْتٌ آخَرُ:
“أَمْ لَعَلَّكَ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُهَا كَمَا كُنْتَ تَظُنُّ؟”
“سَأَلْتُ عَنْكَ.
عَنْ غُرْفَتِكَ.
عَنْ مَكْتَبِكَ.”
ٱنْحَنَى قَلِيلًا إِلَى ٱلْأَمَامِ…
كَأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ كَلِمَاتٍ،
بَلْ يَدْخُلُ مَشْهَدًا
يُعَادُ بِنَاؤُهُ فِي دَاخِلِهِ.
“وَدَخَلْتُ.”
تَوَقَّفَ ٱلزَّمَنُ…
أَوْ هٰكَذَا شَعَرَ.
فِي دَاخِلِهِ، تَكَلَّمَ:
“دَخَلْتِ… إِلَى أَيْنَ بِالضَّبْطِ؟
إِلَى مَكَانِي…
أَمْ إِلَى شَيْءٍ فِيَّ؟”
“وَتَرَكْتُ لَكَ شَيْئًا.”
تَجَمَّدَ.
“وَرَقَةً.”
ٱتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ…
وَفِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ،
تَفَتَّحَتِ ٱلذَّاكِرَةُ كَجُرْحٍ قَدِيمٍ.
“كُتِبَ عَلَيْهَا رَقْمُ هَاتِفِي.”
سَكَتَ.
لَمْ يَتَحَرَّكْ.
لَمْ يَكُنْ ٱلصَّمْتُ خَارِجِيًّا…
بَلْ ٱنْفِجَارًا دَاخِلِيًّا
لَا صَوْتَ لَهُ.
“وَضَعْتُهَا عَلَى مَكْتَبِكَ.”
تَوَقَّفَ ٱلْعَالَمُ…
لَيْسَ حَوْلَهُ،
بَلْ فِيهِ.
ٱلْمَكْتَبُ…
ٱلصَّبَاحُ…
تِلْكَ ٱللَّحْظَةُ ٱلَّتِي مَرَّتْ عَابِرَةً…
وَٱلْوَرَقَةُ.
تَدَاخَلَتِ ٱلصُّوَرُ…
وَظَهَرَ صَوْتٌ قَدِيمٌ،
كَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ زَاوِيَةٍ مُعْتِمَةٍ فِي ذَاكِرَتِهِ:
“ٱحْذَرْ…
نَحْنُ نُرَاقِبُكَ.”
ٱرْتَجَفَ نَفَسُهُ.
هَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“لَمْ تَكُنْ… تَحْذِيرًا؟
إِذًا… مَا كُنْتِ؟”
“أَظُنُّ…
أَنَّكَ لَمْ تَرَهَا كَمَا هِيَ.”
ٱنْقَطَعَ نَفَسُهُ…
“أَوْ رُبَّمَا… رَأَيْتَهَا.”
تَوَقَّفَتْ…
ثُمَّ أَكْمَلَتْ:
“لٰكِنَّكَ لَمْ تَفْهَمْهَا.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ…
وَفِي ٱلظُّلْمَةِ،
عَادَ كُلُّ شَيْءٍ:
ٱلْوَرَقَةُ…
ٱلرَّقْمُ…
ذٰلِكَ ٱلشُّعُورُ ٱلْمُبْهَمُ ٱلَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى خَوْفٍ.
تَكَلَّمَ مَعَ نَفْسِهِ:
“أَلَمْ أَكُنْ مُحِقًّا؟”
“أَمْ أَنِّي كُنْتُ أَبْنِي خَوْفًا… عَلَى مَا لَا يَحْمِلُهُ؟”
“وَإِذَا كَانَتِ ٱلْبِدَايَةُ خَطَأً… فَمَاذَا عَنْ كُلِّ مَا تَلَاهَا؟”
“أَنَا لَمْ أُرِدْ أَنْ أُخِيفَكَ.”
تَشَقَّقَ شَيْءٌ فِي دَاخِلِهِ…
كَأَنَّ ٱلْخَوْفَ،
ٱلَّذِي ظَنَّهُ حَقِيقَةً،
يَذُوبُ
لِيَكْشِفَ عَنْ فَرَاغٍ أَعْمَقَ.
“وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ…
مَاذَا سَيَحْدُثُ بَعْدَ ذٰلِكَ.”
تَسَارَعَ نَبْضُهُ…
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ
أَنَّكَ سَتَرَاهَا بِهٰذِهِ ٱلطَّرِيقَةِ.”
صَمْتٌ…
ثُمَّ
“وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ…
أَنَّ ذٰلِكَ سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.”
فَتَحَ عَيْنَيْهِ.
ٱلْحَافِلَةُ مَا زَالَتْ تَسِيرُ…
وَلٰكِنَّ ٱلطَّرِيقَ
لَمْ يَعُدْ هُوَ ٱلطَّرِيقُ.
فِي دَاخِلِهِ، تَحَرَّكَتِ ٱلْأَسْئِلَةُ:
“إِذًا…
ٱلْقَرَارُ ٱلَّذِي ٱتَّخَذْتُهُ
هَلْ كَانَ لِي؟
أَمْ بُنِيَ عَلَى وَهْمٍ؟”
“وَٱلْخَوْفُ ٱلَّذِي عِشْتُهُ
هَلْ كَانَ حَقِيقَةً…
أَمْ تَفْسِيرًا خَاطِئًا؟”
“وَٱلْعَالَمُ ٱلَّذِي غَادَرْتُهُ
هَلْ كَانَ خَطِرًا…
أَمْ أَنِّي كُنْتُ أَرَاهُ كَذٰلِكَ فَقَطْ؟”
أَنْزَلَ ٱلْهَاتِفَ قَلِيلًا…
يَدُهُ لَمْ تَعُدْ ثَابِتَةً.
لَمْ يَكُنِ ٱلِٱرْتِجَافُ ضَعْفًا…
بَلْ ٱنْكَشَافًا.
هَمَسَ
لَا إِلَيْهَا…
بَلْ إِلَى نَفْسِهِ:
“إِذًا…
مَنْ كَانَ؟”
ٱلصَّمْتُ كَانَ أَثْقَلَ مِنْ أَيِّ إِجَابَةٍ.
لَا رَدَّ…
لَا تَفْسِيرَ…
فَقَطْ شُعُورٌ بَارِدٌ
يَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ…
كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ:
لَيْسَ ٱلْخَطَأُ فِي ٱلْوَرَقَةِ…
وَلَا فِي ٱلرِّسَالَةِ…
بَلْ فِي ٱلْمَعْنَى ٱلَّذِي مَنَحْتَهُ لَهُمَا.
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا…
وَنَظَرَ إِلَى ٱنْعِكَاسِهِ فِي ٱلزُّجَاجِ.
طَالَ ٱلنَّظَرُ…
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
لَمْ يَسْأَلْ:
“مَاذَا حَدَثَ؟”
بَلْ سَأَلَ:
“كَيْفَ أَرَى؟…
وَكَيْفَ صَنَعَتْ رُؤْيَتِي
هٰذَا ٱلْعَالَمَ؟”
لَمْ يُجِبْهَا فَوْرًا.
بَقِيَتْ أَصَابِعُهُ مُعَلَّقَةً فَوْقَ ٱلْهَاتِفِ، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تَمَسَّ ٱلْكَلِمَاتِ فَتُوقِظَ مَا نَامَ فِي دَاخِلِهِ مُكْرَهًا.
ثُمَّ…
تَنَفَّسَ طَوِيلًا،
وَكَأَنَّهُ يَنْزِلُ دَرَجَاتٍ قَدِيمَةً فِي ذَاكِرَةٍ لَا تُحِبُّ أَنْ تُفْتَحَ.
وَكَتَبَ:
“أتُرِيدِينَ أَنْ تَعْرِفِي؟”
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ،
ثُمَّ تَابَعَ
وَلَكِنَّ صَوْتَهُ فِي ٱلْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ صَوْتَ رَجُلٍ يَرْوِي…
بَلْ صَوْتَ مَنْ يَعِيشُ مَرَّةً أُخْرَى.
“سَأُخْبِرُكِ…
وَلٰكِنْ
هَلْ تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَسْمَعِي حَقِيقَةً
قَدْ تُغَيِّرُ نَظْرَتَكِ إِلَيَّ؟”
جَاءَهَا ٱلرَّدُّ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
“قُلْ…
فَٱلصَّمْتُ أَثْقَلُ مِنَ ٱلْحَقِيقَةِ.”
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا…
وَبَدَأَ.
“عِنْدَمَا وَجَدْتُ ٱلْوَرَقَةَ…
لَمْ أَرَهَا كَوَرَقَةٍ.”
تَوَقَّفَ.
“رَأَيْتُهَا كَعَوْدَةِ شَيْءٍ كُنْتُ أَحْسَبُهُ ٱنْتَهَى.”
“أَيُّ شَيْءٍ؟”
جَاءَ سُؤَالُهَا سَرِيعًا، مُتَوَتِّرًا.
“ٱلِٱبْتِزَازُ.”
سَكَتَتْ.
وَكَأَنَّ ٱلْكَلِمَةَ وَحْدَهَا كَانَتْ تَكْفِي لِتَفْتَحَ أَبْوَابًا مُعْتِمَةً.
“كَانُوا قَدْ بَدَؤُوا مَعِي قَبْلَ ذٰلِكَ بِفَتْرَةٍ…
يَعْرِفُونَ أَيْنَ أَعْمَلُ،
وَمَا أَحْمِلُ،
وَمَا أُدِيرُهُ مِنْ أَمْوَالٍ لَيْسَتْ لِي.”
“وَلِمَاذَا أَنْتَ؟”
“لِأَنَّنِي كُنْتُ ٱلْأَضْعَفَ فِي نَظَرِهِمْ…
أَوْ رُبَّمَا
ٱلْأَكْثَرَ خَوْفًا عَلَى غَيْرِي.”
تَشَدَّدَ نَفَسُهُ…
وَتَابَعَ:
“بَدَؤُوا بِٱلْكَلِمَاتِ…
ثُمَّ بِٱلْإِشَارَاتِ…
ثُمَّ بِٱلْوُضُوحِ ٱلْمُخِيفِ:
أَعْطِنَا…
أَوْ نَأْخُذُ.”
“وَمَاذَا كُنْتَ سَتُعْطِيهِمْ؟”
“لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا أُعْطِيهِمْ…
إِلَّا مَا لَيْسَ لِي.”
سَكَتَتْ طَوِيلًا،
ثُمَّ كَتَبَتْ:
“وَٱلْوَرَقَةُ؟”
“عِنْدَمَا وَجَدْتُهَا عَلَى مَكْتَبِي…
بِذٰلِكَ ٱلصَّبَاحِ
ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ وَصَلُوا.”
“وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا يَنْتَظِرُونَ.”
“وَأَنَّ ٱلْخِيَارَ ٱنْتَهَى.”
ٱهْتَزَّتْ أَنْفَاسُهُ،
وَكَأَنَّهُ يَكْتُبُ بَيْنَ نَبْضَيْنِ.
“فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ…
لَمْ أَفكِرْ بِنَفْسِي.”
“فِيمَنْ إِذًا؟”
“بِأَوْلَادِي.”
تَوَقَّفَتِ ٱلْكَلِمَاتُ…
ثُمَّ جَاءَتْ مُثْقَلَةً:
“ثَلَاثَةٌ…
كَانُوا مِن أَغَلَى وَأَعَزِ مَا أَمْلِكُ مِنَ ٱلْعَالَمِ.”
سَكَتَتْ هِيَ هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ،
وَكَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَسْأَلُ…
بَلْ تُصْغِي.
“قَدَّمْتُ طَلَبَ ٱلِٱسْتِقَالَةِ فَوْرًا.”
“هَرَبْتُ…
قَبْلَ أَنْ يُجْبِرُونِي عَلَى مَا لَا أَسْتَطِيعُ.”
“ظَنَنْتُ أَنَّنِي إِذَا ٱخْتَفَيْتُ…
سَيَنْتَهِي ٱلْأَمْرُ.”
“هَلِ ٱنْتَهَى؟”
“لَا.”
وَكَأَنَّ هٰذِهِ “لَا”
كَانَتْ أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا.
“جَاءُوا بَعْدَهَا…
لٰكِنْ لَيْسَ لِي.”
“لِمَنْ؟!”
“لَهُمْ.”
تَجَمَّدَتِ ٱلْكَلِمَةُ بَيْنَهُمَا.
“أَخَذُوهُمْ.”
“كَيْفَ؟!”
“كَمَا تُؤْخَذُ ٱلْأَشْيَاءُ فِي هٰذَا ٱلْوَطَنِ…
بِلَا تَفْسِيرٍ،
وَبِلَا سُؤَالٍ.”
ٱرْتَجَفَتْ كَلِمَاتُهُ:
“فِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ…
فَهِمْتُ أَنَّ ٱلْخَوْفَ لَيْسَ أَنْ تُهَدَّدَ…
بَلْ أَنْ يُمَسَّ مَنْ تُحِبُّ.”
صَمْتٌ طَوِيلٌ.
ثُمَّ:
“مَاذَا فَعَلْتَ؟”
“مَا يَفْعَلُهُ أَيُّ أَبٍ
عِنْدَمَا يُوضَعُ قَلْبُهُ خَارِجَ صَدْرِهِ.”
“دَفَعْتُ.”
“كُلَّ مَا كَانَ لِي.”
“تَعْوِيضَاتِي…
رَاتِبِي ٱلتَّقَاعُدِي…
كُلَّ شَيْءٍ جَمَعْتُهُ فِي عُمْرِي.”
“وَأَعَادُوهُمْ؟”
“أَعَادُوهُمْ…
وَلٰكِنْ
لَمْ يَعُودُوا كَمَا كَانُوا.”
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ…
ثُمَّ كَتَبَ بِبُطْءٍ:
“وَلَا أَنَا.”
“ثُمَّ؟”
“ثُمَّ أَدْرَكْتُ…
أَنَّ ٱلْبِلَادَ ٱلَّتِي تَأْكُلُ أَبْنَاءَهَا…
لَا تُتْرَكُ بِقَرَارٍ
بَلْ بِٱقْتِلَاعٍ.”
“فَٱقْتَلَعْتُهُمْ.”
“مِنْ كُلِّ شَيْءٍ…
مِنْ بُيُوتِهِمْ،
مِنْ أَسْمَائِهِمْ،
مِنْ ذَاكِرَتِهِمُ ٱلْقَرِيبَةِ.”
“لِأُبْقِيَهُمْ…
فَقَطْ أَحْيَاء.”
صَمْتٌ.
لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَقَطْ…
بَلْ فِي ٱلْحُرُوفِ نَفْسِهَا.
ثُمَّ كَتَبَ أَخِيرًا:
“وَكُلُّ هٰذَا…
بَدَأَ بِوَرَقَةٍ.”
تَأَخَّرَ رَدُّهَا هٰذِهِ ٱلْمَرَّةَ.
وَعِنْدَمَا جَاءَ…
لَمْ يَكُنْ سُؤَالًا:
“أَمْ بِسُوءِ فَهْمِهَا؟”
تَجَمَّدَ.
ثُمَّ هَمَسَ
وَلَا يُعْرَفُ لِمَنْ:
“أَيُّهُمَا أَخْطَرُ؟…
ٱلرِّسَالَةُ…
أَمِ ٱلرُّعْبُ ٱلَّذِي نَقْرَؤُهُ فِيهَا؟”
لَمْ تَكْتُبْ فَوْرًا.
بَقِيَتِ ٱلشَّاشَةُ أَمَامَهَا مُضِيئَةً…
وَكَأَنَّهَا تُطَالِبُهَا بِكَلِمَةٍ،
بِٱعْتِرَافٍ،
أَوْبِٱعْتِذَارٍ لَا يَكْفِي.
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ،
وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا،
كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ قَلْبًا لَمْ يَعُدْ مُسْتَقِرًّا.
ثُمَّ كَتَبَتْ:
“سَامِر…
لَا أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ.”
تَوَقَّفَتْ،
وَمَسَحَتِ ٱلْكَلِمَاتِ،
ثُمَّ كَتَبَتْ مِنْ جَدِيدٍ:
“كُلُّ مَا قُلْتَهُ…
لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ.”
“كَانَ جُرْحًا…
وَأَشْعُرُ
أَنَّنِي لَامَسْتُهُ،
دُونَ أَنْ أَقْصِدَ أَنْ أُؤْذِي.”
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهَا،
وَتَسَاءَلَتْ فِي دَاخِلِهَا:
“هَلْ يَكْفِي ٱلِٱعْتِذَارُ عِنْدَمَا يَكُونُ ٱلْأَلَمُ قَدْ وَقَعَ؟
أَمْ أَنَّ بَعْضَ ٱلْأَخْطَاءِ
لَا تُغْفَرُ…
لِأَنَّهَا لَا تُفْهَمُ إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ ٱلْأَوَانِ؟”
ثُمَّ تَابَعَتْ:
“لَا أَدْرِي…
هَلْ كَانَ مَا حَدَثَ لَكَ سَيَحْدُثُ عَلَى أَيِّ حَالٍ…
أَمْ أَنَّ وَرَقَتِي
كَانَتْ ٱلشَّرَارَةَ ٱلَّتِي أَشْعَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ؟”
“وَهٰذَا مَا يُخِيفُنِي.”
“لَيْسَ لِأَنَّنِي أَخْشَى ٱللَّوْمَ…
بَلْ لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْمِلَ فِكْرَةَ
أَنَّنِي كُنْتُ
وَلَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ
جُزْءً مِنْ أَلَمِكَ.”
صَمَتَتْ قَلِيلًا،
وَكَأَنَّهَا تَجْمَعُ مَا تَبَقَّى مِنْ شَجَاعَتِهَا.
“لٰكِنَّنِي…
لَمْ أَفْعَلْ ذٰلِكَ عَبَثًا.”
تَوَقَّفَتِ ٱلْكَلِمَاتُ،
ثُمَّ عَادَتْ
أَكْثَرَ صِدْقًا:
“وَلَمْ أَفْعَلْهُ بِحُكْمٍ مُسْبَقٍ.”
“وَلَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ…
وَلَا عَنْ أَحَدٍ.”
“حَتَّى رَأَيْتُكَ.”
تَسَارَعَ نَبْضُهَا،
وَهِيَ تَسْتَعِيدُ ٱلصُّورَةَ:
“كَانَ ذٰلِكَ فِي ٱلصَّبَاحِ…
عِنْدَمَا كُنْتَ تَعْبُرُ ٱلشَّارِعَ.”
“لَمْ تَكُنْ مُسْتَعْجِلًا…
وَلَا مُتَبَاهِيًا…
وَلَا حَتَّى مُلْتَفِتًا إِلَى أَحَدٍ.”
“كَأَنَّكَ كُنْتَ تَسِيرُ
فِي عَالَمٍ يَخُصُّكَ وَحْدَكَ.”
تَوَقَّفَتْ…
وَسَأَلَتْ نَفْسَهَا:
“مَا ٱلَّذِي شَدَّنِي؟
هَلْ هُوَ ٱلْهُدُوءُ؟
أَمِ ٱلْغُمُوضُ؟
أَمْ ذٰلِكَ ٱلْإِحْسَاسُ ٱلْخَفِيُّ
بِأَنَّ هٰذَا ٱلرَّجُلَ
يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ شَيْئًا لَا يُقَالُ؟”
ثُمَّ كَتَبَتْ:
“لَمْ أُخَطِّطْ لِأَنْ أَتْبَعَكَ.”
“وَلَمْ أَقُلْ لِنَفْسِي:
سَأَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ.”
“بَلْ وَجَدْتُ نَفْسِي
أَمْشِي…
ثُمَّ أَنْظُرُ…
ثُمَّ أَنْتَظِرُ.”
“كَأَنَّ قَلْبِي
سَبَقَنِي إِلَيْكَ.”
تَنَهَّدَتْ…
وَأَكْمَلَتْ:
“وَعِنْدَمَا سَمِعْتُ عَنْكَ…
لَمْ يَزِدْنِي ذٰلِكَ إِلَّا حَيْرَةً.”
“قَالَتْ زَمِيلَتُكَ:
إِنَّكَ تُدِيرُ أَمْوَالًا طَائِلَةً…
وَلٰكِنَّهَا لَا تَعُودُ لَكَ.”
“وَأَنَّكَ
لَا تُخْطِئُ.”
“وَلَا تَخُونُ.”
“وَلَا تَأْخُذُ مِمَّا لَيْسَ لَكَ…
وَلَوْ كَانَ بِمِقْدَارِ ٱلْقَلِيلِ.”
تَوَقَّفَتْ،
وَكَأَنَّهَا تُقَارِنُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ:
“وَعِنْدَهَا…
شَعَرْتُ بِشَيْءٍ يَنْكَسِرُ فِي دَاخِلِي.”
“لِأَنَّنِي…
لَمْ أَرَ هٰذَا فِي بَيْتِي.”
“لَمْ أَرَهُ فِي زَوْجِي.”
تَثَاقَلَتِ ٱلْكَلِمَاتُ…
ثُمَّ ٱنْسَابَتْ بِأَلَمٍ صَرِيحٍ:
“رَجُلٌ يَمْلِكُ أَضْعَافَ مَا كُنْتَ تُدِيرُهُ…
وَلٰكِنَّهُ
لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ.”
“يَرَى كُلَّ شَيْءٍ مِلْكًا لَهُ…
ٱلْمَالَ…
وَٱلْبَيْتَ…
وَٱلنَّاسَ…
حَتَّى أَنَا.”
“وَيُرِيدُنِي
أَنْ أَبْقَى…
كَأَنَّنِي شَيْءٌ
وُجِدَ لِيُطِيعَهُ فَقَط، دُونَ أَنْ يَكُونَ لِي أَي وُجُودٍ أَو رَأيٍ.”
تَسَاءَلَتْ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِرُهُ وَتُحَاوِرُ نَفْسَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ:
“أَهٰذَا هُوَ ٱلرَّجُلُ ٱلْقَوِيُّ؟
أَمْ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ…
أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ
لَا أَنْ تَمْلِكَ ٱلْآخَرِينَ؟”
ثُمَّ كَتَبَتْ،
بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ:
“لِهٰذَا…
ٱقْتَرَبْتُ.”
“لَا لِأَنَّنِي كُنْتُ أُرِيدُ شَيْئًا مِنْكَ…
بَلْ لِأَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَفْهَمَكَ.”
“أَوْ…
رُبَّمَا
أَفْهَمَ نَفْسِي مِنْ خِلَالِكَ.”
تَوَقَّفَتْ.
وَبَقِيَتِ ٱلْكَلِمَةُ ٱلْأَخِيرَةُ
تَرْتَعِشُ فِي دَاخِلِهَا:
“فَهَلْ…
كُنْتُ خَطَأً فِي حَيَاتِكَ؟”
صَمْتٌ.
لَيْسَ فِي ٱلْهَاتِفِ فَقَطْ…
بَلْ فِي مَكَانٍ أَعْمَقَ
حَيْثُ تَلْتَقِي ٱلنِّيَّاتُ ٱلصَّادِقَةُ…
بِعَوَاقِبَ لَمْ تَكُنْ فِي ٱلْحُسْبَانِ.
رَفَعَ سامِرُ الهاتِفَ بِيَدٍ مُرْتَعِشَةٍ، كَأَنَّ أَصابِعَهُ لَمْ تَعُدْ تُطاوِعُهُ كَما كانَتْ، وَكَأَنَّ القَلْبَ الَّذِي فِي صَدْرِهِ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى طائِرٍ مُرْتَبِكٍ، يَخْفِقُ بَيْنَ أَضْلاعِهِ، يَضْرِبُ جُدْرانَ صَدْرِهِ بِأَجْنِحَةٍ مِنْ غَضَبٍ وَخَوْفٍ وَحَنِينٍ. أَيُّهَا أَثْقَلُ: ذِكْرَى ماضٍ لَمْ يَبْرَأْ بَعْدُ، أَمْ رَهْبَةُ مُسْتَقْبَلٍ يَتَرَبَّصُ بِأَسْئِلَةٍ لا تُجِيبُ عَنْها الأَيَّامُ؟
جَلَسَ وَحْدَهُ، وَالصَّمْتُ يُحاصِرُهُ كَأَنَّهُ شَخْصٌ آخَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَتَبٍ. فَتَحَ الشَّاشَةَ، وَبَدَأَ يَكْتُبُ…
ثُمَّ مَحا…
ثُمَّ كَتَبَ مِنْ جَدِيدٍ…
وَكَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ يَسْتَدْعِي مِنْهُ شَجاعَةً لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَمْتَلِكُها، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى اسْتِخْدامِها.
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ هَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«أَأَكْتُبُ لَها… أَمْ أَكْتُبُ لِنَفْسِي؟ وَإِنْ كَتَبْتُ، فَهَلْ سَتَفْهَمُ، أَمْ أَنَّنِي أُحاوِلُ فَقَطْ أَنْ أُقْنِعَ قَلْبِي بِشَيْءٍ لَا يُصَدِّقُهُ؟»
وَأَخِيرًا، تَشَكَّلَتِ الكَلِماتُ عَلَى الشَّاشَةِ:
«آنا…
كَلِماتُكِ… تَصِلُ إِلَيَّ كَصَدًى لِلَحْظَةٍ أَخِيرَةٍ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَها… كَأَنَّها تَعُودُ بِي إِلَى مَكانٍ حاوَلْتُ كَثِيرًا أَنْ أَفِرَّ مِنْهُ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ.»
تَوَقَّفَ، وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، ثُمَّ عاوَدَ الكِتابَةَ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ تَخْرُجُ كَأَنَّها تُنْتَزَعُ مِنْ داخِلِهِ:
«لَسْتُ مُتَأَكِّدًا…
هَلْ كانَ ما حَدَثَ مَعِي وَمَعَ أُسْرَتِي… جُزْءً مِنْكِ؟ أَمْ أَنَّهُ ظِلٌّ صَنَعْتُهُ أَنَا مِنْ خَوْفِي، ثُمَّ صَدَّقْتُهُ حَتَّى أَصْبَحَ حَقِيقَةً؟
أَيُمْكِنُ لِلإِنْسانِ أَنْ يَخْلِقَ أَلَمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ يَلُومَ الآخَرِينَ عَلَيْهِ؟»
صَمَتَ طَوِيلًا. ابْتَلَعَ رِيقَهُ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ يَبْتَلِعُ سِنِينَ مِنَ الغَضَبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ فِي داخِلِهِ.
وَفِي صَوْتٍ خافِتٍ، كَأَنَّهُ يُخاطِبُ طَيْفًا لا شَخْصًا، تَمَادَى:
«أَعْلَمُ…
أَنَّ قَلْبَكِ لَمْ يَكُنْ يَسْعَى لِلأَذَى… وَأُرِيدُ أَنْ أُصَدِّقَ ذَلِكَ… بَلْ رُبَّما أُصَدِّقُهُ فِعْلًا…
وَلَكِنْ، أَلَمُ ما حَدَثَ… لَمْ يَكُنْ سَهْلًا… وَكانَ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِي عَلَى الاحْتِمالِ… أَكْبَرَ مِنِّي.»
وَكَأَنَّ صَوْتًا آخَرَ انْبَعَثَ مِنْ داخِلِهِ، يُحاوِرُهُ، يُعاتِبُهُ:
«وَماذا تُرِيدُ الآنَ يا سامِر؟ أَتُحاكِمُها أَمْ تُحاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ؟ أَتَبْحَثُ عَنْ حَقٍّ ضائِعٍ، أَمْ عَنْ قَلْبٍ يَرْتاحُ؟»
أَجابَ فِي سِرِّهِ، وَأَصابِعُهُ تَرْتَجِفُ فَوْقَ الشَّاشَةِ:
«أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ… لِأَنِّي تَعِبْتُ مِنَ الهُرُوبِ.»
وَكَتَبَ:
«كُنْتُ أَظُنُّ…
أَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي شَيْئًا… أَنَّكِ كُنْتِ بَعِيدَةً عَمَّا حَدَثَ…
وَلَكِنَّنِي الآنَ… أَراكِ تَقِفِينَ هُناكَ… بَيْنَ كَلِماتِكِ وَبَيْنَ وَجْهِي… تَحْمِلِينَ شُعُورًا… لَمْ أَسْتَطِعْ أَنَا نَفْسِي أَنْ أُسَمِّيَهُ.»
صَمْتٌ آخَرُ تَسَلَّلَ إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَمْتًا فارِغًا؛ بَلْ كانَ مُمْتَلِئًا بِأَسْئِلَةٍ تُثْقِلُ الرُّوحَ:
هَلِ الاعْتِرافُ يُخَفِّفُ الأَلَمَ؟
أَمْ أَنَّهُ يَفْتَحُ جِراحًا كُنَّا نَظُنُّها قَدِ انْدَمَلَتْ؟
وَهَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسانِ أَنْ يُسامِحَ قَبْلَ أَنْ يَفْهَمَ، أَمْ أَنَّ الفَهْمَ هُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ إِلَى السَّلامِ؟
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً، وَرَأَى فِي عَتْمَتِهِما وُجُوهًا، أَصْواتًا، ذِكْرَياتٍ تَتَداخَلُ… ثُمَّ فَتَحَهُما، وَكَأَنَّهُ اتَّخَذَ قَرارًا لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ.
وَبِخُفُوتٍ، كَأَنَّهُ يَهْمِسُ لا يَكْتُبُ، قالَ:
«رُبَّما…
لَمْ أَكُنْ بِحاجَةٍ أَنْ أَفْهَمَكِ…
وَلَكِنَّنِي أَحْتاجُ… أَنْ أَفْهَمَ نَفْسِي…
لِأَنِّي بَيْنَ كَلِماتِكِ… أَرَى انْعِكاسًا لِما كُنْتُ أَجْهَلُهُ عَنِّي طُولَ الوَقْتِ.»
تَوَقَّفَتْ أَصابِعُهُ.
رَفَعَ الهاتِفَ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّاشَةِ طَوِيلًا… كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْها إِجابَةً لَنْ تَأْتِي.
لَمْ يُرْسِلِ الرِّسالَةَ بَعْدُ.
لِأَنَّهُ، فِي أَعْماقِهِ، كانَ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّدَّ لَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ…
بَلْ سَيَكُونُ مُواجَهَةً: مَعَها… وَمَعَ نَفْسِهِ…
مُواجَهَةً لا تَحْتَمِلُ لَوْمًا، وَلا تَقْبَلُ هُرُوبًا.
فَهَلْ سَيَجْرُؤُ؟
أَمْ سَيَبْقَى أَسِيرَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، يُؤَجِّلُ الحَقِيقَةَ… كَما أَجَّلَها سِنِينَ طِوالًا؟
لَمْ يَطُلِ التَّرَدُّدُ هَذِهِ المَرَّةَ كَما فَعَلَ مِنْ قَبْلُ…
فَبَعْدَ صِراعٍ صامِتٍ طَوِيلٍ، بَيْنَ خَوْفٍ يُقَيِّدُهُ وَرَغْبَةٍ تُحَرِّرُهُ، اِتَّخَذَ سامِرُ قَرارًا لَمْ يَكُنْ سَهْلًا، وَلَكِنَّهُ كانَ ضَرُورِيًّا: أَلَّا يَهْرُبَ بَعْدَ الآن، وَأَلَّا يَخافَ مِمَّا يَحْمِلُهُ القَلْبُ مِنْ حَقائِقَ.
ضَغَطَ عَلَى زِرِّ الإِرْسالِ…
وَكَأَنَّهُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يُرْسِلْ رِسالَةً فَقَطْ، بَلْ أَرْسَلَ جُزْءً مِنْ نَفْسِهِ، جُزْءً ظَلَّ سِنِينَ طَوِيلَةً حَبِيسًا خَلْفَ جُدْرانِ الصَّمْتِ.
وَلَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ، حَتَّى أَضاءَتِ الشَّاشَةُ…
جاءَهُ الرَّدُّ.
تَوَقَّفَ قَلْبُهُ لِلَحْظَةٍ، أَوْ لَعَلَّهُ خُيِّلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ فَتَحَ الرِّسالَةَ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي كَلِماتِها شَيْءٌ يُعيدُهُ إِلَى البِدايَةِ مِنْ جَدِيدٍ.
«سامِر…
قَرَأْتُ رِسالَتَكَ مِرارًا، وَكَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ فِيها تَطْرُقُ بابَ قَلْبِي قَبْلَ عَقْلِي… فَتُرْبِكُنِي، وَتُجْبِرُنِي أَنْ أَتَوَقَّفَ عِنْدَها طَوِيلًا.
أَتَساءَلُ…
هَلْ كُنَّا نَعْرِفُ أَنَّ كَلِماتٍ قَلِيلَةً يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ هَذَا الثِّقْلِ؟ أَمْ أَنَّنا نَكْتَشِفُ ذَلِكَ فَقَطْ حِينَ نَكُونُ مُضْطَرِّينَ لِلصِّدْقِ؟»
تَوَقَّفَ سامِرُ عِنْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وَهَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«الصِّدْقُ… أَهُوَ ما نَبْحَثُ عَنْهُ، أَمْ ما نَخْشاهُ؟»
وَتَابَعَ القِراءَةَ، وَكَأَنَّهُ يَنْزِلُ دَرَجًا نَفْسِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي داخِلِهِ:
«أَعْرِفُ…
أَنَّ ما شَعَرْتَ بِهِ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَراغٍ… وَأَنَّ ما عانَيْتَهُ أَنْتَ وَعائِلَتُكَ لَمْ يَكُنْ وَهْمًا، وَلَا مُجَرَّدَ خَوْفٍ عابِرٍ… بَلْ كانَ حَقِيقَةً، لَها جُذُورٌ فِي أَحْداثٍ لَمْ أَكُنْ فِيها سِوَى ظِلٍّ بَعِيدٍ… ظِلٍّ لَمْ يُدْرِكْ عُمْقَ ما يُحيطُ بِهِ.
وَهُنا أَتَوَقَّفُ وَأَسْأَلُ نَفْسِي:
هَلْ يَكْفِي أَنْ نَكُونَ غَيْرَ قاصِدِينَ لِنَكُونَ أَبْرِياء؟ أَمْ أَنَّ الجَهْلَ، أَحْيانًا، يُؤْلِمُ بِقَدْرِ القَصْدِ؟»
شَعَرَ سامِرُ بِانْقِباضٍ خَفِيفٍ فِي صَدْرِهِ…
هَلْ كانَ يَنْتَظِرُ اعْتِرافًا؟ أَمْ تَبْريرًا؟ أَمْ شَيْئًا بَيْنَ هَذَا وَذاكَ؟
«أَعْلَمُ…
أَنَّ الوَرَقَةَ الَّتِي تَرَكْتُها لَكَ… وَرُبَّما كُلَّ ما تَلاها… كانَ سَبَبًا فِي ظَنِّكَ، وَفِي خَوْفِكَ، وَرُبَّما فِي ذَلِكَ القَلَقِ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَى بَيْتِكَ دُونَ إِذْنٍ…
وَأُدْرِكُ الآنَ، بِوُضُوحٍ مُؤْلِمٍ، أَنَّ قَلْبِي حِينَ اقْتَرَبَ مِنْكَ دُونَ وَعْيٍ، لَمْ يَسْأَلْ: مَنْ سَيَتَأَلَّمُ؟ وَمَنْ سَيَخافُ؟ وَمَنْ سَيَدْفَعُ الثَّمَنَ؟»
تَوَقَّفَ سامِرُ عَنِ القِراءَةِ، وَكَأَنَّهُ يُحاوِلُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤالٍ لَمْ يُطْرَحْ عَلَيْهِ مُباشَرَةً:
«وَهَلْ كُنْتُ أَنا أَيْضًا أَسْأَلُ؟ أَمْ كُنْتُ أَهْرُبُ فَقَطْ؟»
«لَكِنْ صَدِّقْنِي…
لَمْ يَكُنْ فِي نِيَّتِي أَبَدًا أَنْ أَجْرَحَكَ… وَلَا أَنْ أَفْتَحَ بابًا لِلأَلَمِ فِي حَياةِ أُسْرَتِكَ…
إِنَّما كانَ قَلْبِي… هُوَ مَنْ قادَنِي، دُونَ إِذْنٍ مِنِّي، دُونَ خُطَّةٍ، دُونَ تَفْكِيرٍ فِي العَواقِبِ.
أَتَذَكُرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ رَأَيْتُكَ فِيها؟
كُنْتَ تَعْبُرُ الشّارِعَ بِبَساطَةٍ لا تَلْفِتُ الانْتِباهَ… وَلَكِنَّها، بِالنِّسْبَةِ لِي، كانَتْ كَأَنَّها لَحْظَةُ اكْتِشافٍ…
هُدوؤُكَ… تَواضُعُكَ… تِلْكَ البَساطَةُ الَّتِي لا تُصْطَنَعُ…
شَيْءٌ فِيكَ بَدا كَأَنَّهُ يَعْرِفُنِي، قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَكَ…
فَهَلْ يُمْكِنُ لِغَرِيبَيْنِ أَنْ يَتَعارَفا بِهَذَا العُمْقِ، دُونَ كَلِماتٍ؟ أَمْ أَنَّنا نُخادِعُ أَنْفُسَنا حِينَ نُسَمِّي ذَلِكَ قَدَرًا؟»
شَعَرَ سامِرُ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي داخِلِهِ…
لَيْسَ غَضَبًا هَذِهِ المَرَّةَ… بَلْ شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى الحَيْرَةِ.
«لَمْ أَكُنْ أُراقِبُكَ بِدافِعِ الفُضولِ… وَلَا لِغايَةٍ مادِّيَّةٍ…
بَلْ كانَ انْجِذابًا إِلَى جَوْهَرٍ نادِرٍ… إِلَى إِنْسانِيَّةٍ لَمْ أَرَها فِي مَنْ حَوْلِي… حَتَّى فِي زَوْجِي.
وَهُنا أَعْتَرِفُ…
أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ اقْتَرَبْتُ بِها مِنْكَ، لَمْ تَكُنْ عَشْوائِيَّةً… بَلْ كانَتْ سُؤالًا جَدِيدًا أَطْرَحُهُ عَلَى نَفْسِي:
ماذا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسانُ صادِقًا فِي عالَمٍ لا يُكافِئُ الصِّدْقَ؟
وَماذا يَعْنِي أَنْ نَكُونَ أُقْوِياءَ… وَنَحْنُ فِي الحَقِيقَةِ أَضْعَفُ مِمَّا نُظْهِرُ؟»
أَغْمَضَ سامِرُ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً…
وَكَأَنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ لَمْ تَعُدْ رِسالَةً، بَلْ مِرْآةً.
«سامِر…
أَنا آسِفَةٌ…
آسِفَةٌ لِكُلِّ لَحْظَةٍ شَعَرْتَ فِيها أَنَّكَ وَحْدَكَ… لِكُلِّ خَوْفٍ دَخَلَ قَلْبَكَ… وَلِكُلِّ أَلَمٍ مَرَرْتَ بِهِ أَنْتَ وَأَوْلادُكَ بِسَبَبِي… حَتَّى إِنْ لَمْ أَقْصِدْ ذَلِكَ أَبَدًا.
لَكِنْ…
هَلْ يَكْفِي الاعْتِذارُ لِيُصْلِحَ ما كُسِرَ؟ أَمْ أَنَّ بَعْضَ الأَشْياءَ لا تُصْلَحُ… بَلْ تُفْهَمُ فَقَطْ؟»
وَكَأَنَّ هَذا السُّؤالَ انْغَرَسَ فِي صَدْرِ سامِرَ، فَهَمَسَ:
«وَهَلْ أَنا مُسْتَعِدٌّ لِلفَهْمِ… أَمْ أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَنْسى؟»
«لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْ مالٍ… وَلَا عَنْ سُلْطَةٍ…
كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْكَ أَنْتَ… عَنْ صِدْقٍ لَمْ أَجِدْهُ… عَنْ إِنْسانٍ يُشْبِهُ ما كُنْتُ أَتَمَنّاهُ…
وَالآنَ…
لا أَطْلُبُ مِنْكَ شَيْئًا سِوَى فُرْصَةٍ لِلصِّدْقِ…
أَنْ نَرَى بَعْضَنا كَما نَحْنُ…
بِلا وَرَقٍ… بِلا رَسائِلَ… بِلا خَوْفٍ…
أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنا مَعًا:
هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَبْنِي شَيْئًا صادِقًا؟
أَمْ أَنَّ كُلَّ ما بَيْنَنا لَمْ يَكُنْ إِلَّا طَرِيقًا لِنَفْهَمَ أَنْفُسَنا أَكْثَر؟
وَإِنِ اخْتَرْنا أَلَّا نُكْمِلَ…
فَهَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْتَرِقَ دُونَ أَلَمٍ جَدِيدٍ؟»
«آنا»
اِنْتَهَتِ الرِّسالَةُ…
وَلَكِنَّ شَيْئًا فِي داخِلِ سامِرَ لَمْ يَنْتَهِ.
أَنْزَلَ الهاتِفَ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ يُنْزِلُ حِمْلًا ثَقِيلًا… ثُمَّ هَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«هَلْ هَذِهِ بِدايَةٌ… أَمْ نِهايَةٌ مُؤَجَّلَةٌ؟»
وَفِي أَعْماقِهِ، كانَ سُؤالٌ آخَرُ يَتَشَكَّلُ، أَكْثَرَ صِدْقًا، وَأَكْثَرَ خَطَرًا:
«إِذا مَنَحْتُ هَذِهِ الفُرْصَةَ لِنَفسِي… فَهَلْ أَكُونُ أُصالِحُ قَلْبِي… أَمْ أُعِيدُ كِتابَةَ أَلَمِي؟»
مَرَّتْ دَقائِقُ قَليلَةٌ بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ سامِرُ رِسالَةَ آنا…
لَمْ تَكُنْ دَقائِقَ عابِرَةً، بَلْ كانَتْ كَأَنَّها امْتِدادٌ لِسِنِينَ مِنَ الصَّمْتِ وَالتَّرَدُّدِ، تَتَزاحَمُ فِيها الأَفْكارُ، وَتَتَصادَمُ فِيها المَشاعِرُ، حَتَّى أَصْبَحَ القَلْبُ ساحَةً لِحِوارٍ لا يَهْدَأُ.
أَمْسَكَ الهاتِفَ مِنْ جَدِيدٍ…
تَرَدَّدَ…
ثُمَّ كَتَبَ، وَكَأَنَّهُ يَخُوضُ مَعْرَكَةً هادِئَةً مَعَ نَفْسِهِ:
«آنا…
قَرَأْتُ كَلِماتِكِ بِبُطْءٍ…
لا، لَمْ أَقْرَأْها فَقَطْ، بَلْ عِشْتُها… كَأَنَّنِي أَحْتاجُ أَنْ أَتَنَفَّسَ بَيْنَ كُلِّ جُمْلَةٍ وَأُخْرَى، كَيْ لا أَخْتَنِقَ بِما فِيها مِنْ ثِقَلٍ.
كُلُّ حَرْفٍ كَأَنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى جُرْحٍ قَدِيمٍ… وَكُلُّ أَلَمٍ ظَنَنْتُ أَنِّي دَفَنْتُهُ… عادَ إِلَيَّ، لَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ… أَكْثَرَ وُضُوحًا، وَأَصْدَقَ وَجْعًا.»
تَوَقَّفَ، وَأَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ هَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«أَأَنا أَكْتُبُ لَها… أَمْ أُحاوِلُ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ بَعْدُ؟»
وَتابَعَ:
«لَمْ أَتَوَقَّعْ…
أَنْ تَصِلَ إِلَيْكِ هَذِهِ الجُرْأَةُ… أَنْ تَتَحَدَّثِي بِهَذَا الوُضُوحِ عَنْ مَشاعِرِكِ، عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الأُولَى، عَنْ ذَلِكَ الانْجِذابِ الَّذِي وُلِدَ دُونِ إِذْنٍ.
وَرُبَّما…
كُنْتُ أَنْتَظِرُ مِنْكِ إِنْكارًا، أَوْ صَمْتًا، أَوْ حَتَّى هُرُوبًا… لِأُقْنِعَ نَفْسِي أَنَّ كُلَّ ما حَدَثَ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً.
لَكِنَّكِ لَمْ تَفْعَلِي… وَهُنا، بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَغَيَّرُ.»
تَباطَأَتْ أَصابِعُهُ…
وَكَأَنَّ سُؤالًا خَفِيًّا يَتَشَكَّلُ فِي داخِلِهِ:
«هَلْ أَخافُ مِنَ الحَقِيقَةِ… أَمْ مِنْ نَفْسِي إِذا وَاجَهْتُها؟»
«أَعْرِفُ…
أَنَّ كَلِمَةَ “آسِفَةٌ” لا تَكْفِي…
وَلَنْ تَكْفِي… لِتَمْحُوَ ذَلِكَ الخَوْفَ الَّذِي عِشْتُهُ، وَلَا ذَلِكَ القَلَقَ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَى بَيْتِي، وَإِلَى قُلُوبِ أَوْلادِي.
هَلْ يُمْكِنُ لِكَلِمَةٍ أَنْ تُعِيدَ الأَمانَ؟
أَمْ أَنَّ الأَمانَ شَيْءٌ إِذا انْكَسَرَ… لا يَعُودُ كَما كانَ أَبَدًا؟»
ثُمَّ، بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، كَتَبَ بِصِدْقٍ لَمْ يَعْتَدْهُ:
«لَكِنَّكِ…
جَعَلْتِنِي أُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى سُؤالِهِ لِنَفْسِي مِنْ قَبْلُ:
هَلْ كانَ قَلْبِي أَيْضًا يَبْحَثُ عَنْكِ… دُونَ أَنْ أَعْلَمَ؟
هَلْ كُنْتُ أَهْرُبُ مِنْكِ… أَمْ مِنْ هَذَا الإِحْساسِ الَّذِي لَا أَفْهَمُهُ؟»
أَرْسَلَ الرِّسالَةَ…
وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ، كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ حُكْمًا، لا رَدًّا.
وَلَمْ تَتَأَخَّرْ آنا.
«سامِر…
أَعْرِفُ… أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَبْدو فَجًّا، مُرْبِكًا، وَسَريعًا… كَأَنَّنا نَسْبِقُ أَنْفُسَنا وَنَخافُ أَنْ نَتَوَقَّفَ.
وَلَكِنْ…
هَلْ دَائِمًا نَخْتارُ الوَقْتَ المُناسِبَ لِنَشْعُرَ؟
أَمْ أَنَّ المَشاعِرَ تَأْتِي حِينَ تَشاءُ، ثُمَّ تَضَعُنا أَمامَ اخْتِبارٍ لا مَفَرَّ مِنْهُ؟»
تَوَقَّفَ سامِرُ عِنْدَ هَذَا السُّؤالِ، وَشَعَرَ أَنَّهُ مُوَجَّهٌ إِلَيْهِ بِقَدْرِ ما هُوَ مُوَجَّهٌ إِلَيْها.
«لَمْ أَسْتَطِعِ التَّراجُعَ…
لِأَنَّ ما شَعَرْتُ بِهِ لَمْ يَكُنْ قَرارًا… بَلْ كانَ حُضُورًا قَوِيًّا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فِي البِدايَةِ، وَلَكِنَّهُ أَصْبَحَ حَقِيقَةً لا يُمْكِنُ إِنْكارُها.
كُلُّ خُطْوَةٍ خَطَوْتُها نَحْوَكَ… كانَتْ صادِقَةً، حَتَّى وَإِنْ أَخْطَأَ قَلْبِي فِي طَرِيقِها.
فَهَلْ يُمْكِنُ لِلصِّدْقِ أَنْ يُؤْلِمَ؟
وَإِذا آَلَمَ… فَهَلْ نَتَوَقَّفُ عَنْهُ، أَمْ نُكْمِلُ لِنَفْهَمَ أَنْفُسَنا أَكْثَر؟»
تَحَرَّكَ شَيْءٌ فِي داخِلِ سامِرَ…
لَمْ يَكُنْ رَدًّا، بَلْ اِهْتِزازًا خَفِيًّا فِي قَناعاتِهِ.
«لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ…
سِوَى أَنْ أَرَى الإِنْسانَ الَّذِي لَمَحْتُ فِيهِ صِدْقًا نادِرًا… أَمانَةً لا تُشْتَرَى…
هُدوءَكَ… تَواضُعُكَ…
تِلْكَ البَساطَةُ الَّتِي لا تَحْتاجُ إِلَى إِثْباتٍ…
كُلُّ ذَلِكَ جَعَلَنِي أَتَساءَلُ:
هَلْ ما زالَ هُناكَ أُناسٌ يُشْبِهُونَ ما كُنَّا نَحْلُمُ بِهِ؟
أَمْ أَنَّكَ كُنْتَ اسْتِثْناءً… وَأَنَا لَمْ أَسْتَطِعْ تَجاهُلَهُ؟»
ثُمَّ كَتَبَتْ، بِبَساطَةٍ مُرْبِكَةٍ:
«سامِر…
هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّ هَذا هُوَ كُلُّ ما دَفَعَنِي؟
فَقَطْ… أَنا… وَأَنْتَ… وَحَقِيقَةٌ لَمْ نُسَمِّها بَعْدُ.»
سَكَتَ سامِرُ طَوِيلًا…
وَكَأَنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ وَضَعَتْهُ أَمامَ مِرْآةٍ لا يُمْكِنُ كَسْرُها.
وَبَعْدَ تَرَدُّدٍ، كَتَبَ:
«آنا…
أَشْعُرُ أَنَّ قَلْبِي يَتَأَرْجَحُ…
بَيْنَ خَوْفٍ يُحَذِّرُنِي… وَرَغْبَةٍ تَدْفَعُنِي نَحْوَكِ.
خَوْفِي… لَيْسَ مِنْكِ فَقَطْ…
بَلْ مِنَ الماضِي كُلِّهِ… مِنْ كُلِّ ما بَنَيْتُهُ فِي صَمْتٍ… مِنْ أَوْلادِي… مِنْ أَنْ يَتَضَرَّرَ كُلُّ شَيْءٍ بِسَبَبِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَهَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ أُغامِرَ بِحَياةٍ بَنَيْتُها… مِنْ أَجْلِ شُعُورٍ لَمْ أَفْهَمْهُ بَعْدُ؟»
تَوَقَّفَ…
ثُمَّ أَضافَ، بِصِدْقٍ أَكْثَرَ هُدُوءً:
«لَكِنَّنِي…
لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْكِرَ شَيْئًا:
كَلِماتُكِ… رسائِلُكِ…
تَجْعَلُنِي أَرْغَبُ فِي سَماعِ صَوْتِكِ… فِي رُؤْيَتِكِ… فِي فَهْمِكِ خَارِجَ هَذِهِ الكَلِماتِ.
فَهَلْ يُمْكِنُ…
أَنْ نَلْتَقِي؟
مَرَّةً واحِدَةً فَقَطْ…
بِلا ضَغْطٍ… بِلا وَرَقٍ… بِلا رَسائِلَ…
فَقَطْ لِنَعْرِفَ: هَلْ ما بَيْنَنا حَقِيقَةٌ… أَمْ وَهْمٌ جَمِيلٌ؟»
لَمْ تَتَأَخَّرْ آنا… وَلَكِنَّ رَدَّهَا كانَ هادِئًا، كَأَنَّهُ يُخْفِي ارْتِجافًا:
«نَعَمْ… سامِر.
مَرَّةً واحِدَةً… لِأَرَى عَيْنَيْكَ، لا كَصُورَةٍ فِي ذاكِرَتِي… بَلْ كَحَقيقَةٍ أَمامِي.
لِأَسْمَعَ صَوْتَكَ… لا كَصَدًى فِي رسائِلِكَ… بَلْ كَوُجودٍ.
لِنَكُونَ صادِقِينَ… مَعَ أَنْفُسِنا قَبْلَ أَنْ نَكُونَ صادِقِينَ مَعَ بَعْضِنا.
وَلا شَيْءَ أَكْثَر.»
ثُمَّ، بَعْدَ لَحْظَةٍ، أَضافَتْ:
«سامِر…
أَعْلَمُ أَنَّ قَلْبَكَ يَخافُ…
وَصِدْقًا… قَلْبِي يَخافُ أَيْضًا.
لَكِنَّهُ يَخافُ أَكْثَرَ…
إِذا لَمْ أُحاوِلْ.»
أَغْمَضَ سامِرُ عَيْنَيْهِ طَوِيلًا…
وَكَأَنَّهُ يُنْصِتُ إِلَى شَيْءٍ عَمِيقٍ فِي داخِلِهِ.
ثُمَّ كَتَبَ، بَعْدَ صَمْتٍ ثَقِيلٍ:
«آنا…
حَسَنًا…
لِنَلْتَقِ.
وَلَكِنْ…
دَعينا نَتَّفِقُ عَلَى شَيْءٍ واحِدٍ:
أَنْ نَكُونَ صادِقِينَ تَمامًا…
بِلا أَقْنِعَةٍ… بِلا خَوْفٍ مُزَيَّفٍ…
بِلا أَيِّ شَيْءٍ يُخْفِي الحَقيقَةَ.
فَإِمَّا أَنْ نَفْهَمَ…
أَوْ نَعْرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ نَفْهَمُهُ.»
أَرْسَلَ الرِّسالَةَ…
وَفِي أَعْماقِهِ، كانَ سُؤالٌ يَنْبِضُ بِهُدُوءٍ:
«هَلْ نَحْنُ نَبْدَأُ الآن…
أَمْ أَنَّنا نُغَيِّرُ طَرِيقًا كَانَ مَرْسُومًا مُنْذُ البِدايَةِ؟»

ليل لا يهدأ 04