ليل لا يهدأ
ٱلْجُزْءِ ٱلرَّابِعِ
مُقَدِّمَةُ
دِمَشْقُ لَمْ تَعُدْ تَكْتَفِي بِأَنْ تَتَغَيَّرَ…
بَلْ بَدَأَتْ تَكْشِفُ مَا كَانَ مَخْفِيًّا.
فِي تِلْكَ ٱلْأَعْوَامِ،
لَمْ يَعُدِ ٱلثِّقْلُ فِي ٱلْحَدَثِ نَفْسِهِ،
بَلْ فِي مَا تَرَكَهُ خَلْفَهُ:
فِي ٱلْفَرَاغَاتِ،
فِي ٱلْبُيُوتِ ٱلَّتِي تَغَيَّرَ أَصْحَابُهَا،
وَلَمْ تَتَغَيَّرْ جُدْرَانُهَا…
وَفِي ٱلْوُجُوهِ ٱلَّتِي تَعَلَّمَتْ
كَيْفَ تَبْتَسِمُ…
وَهِيَ لَا تَشْعُرُ.
ٱلتَّهْجِيرُ لَمْ يَكُنْ رِحْلَةً…
بَلْ ٱقْتِلَاعًا.
لَيْسَ مِنَ ٱلْأَرْضِ فَقَط،
بَلْ مِنَ ٱلذَّاكِرَةِ،
مِنَ ٱلْعَادَاتِ،
مِنْ تِلْكَ ٱلتَّفَاصِيلِ ٱلصَّغِيرَةِ
ٱلَّتِي كَانَتْ تُعَرِّفُ ٱلْإِنْسَانَ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ.
وَفِي ٱلْمُقَابِلِ،
كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَسْكُنُ بُيُوتًا
لَيْسَتْ لَهُ…
وَيَعِيشُ حَيَاةً
لَا تُشْبِهُهُ.
فَأَصْبَحَ ٱلسُّكُونُ نَوْعًا مِنَ ٱلْغُرْبَةِ،
وَأَصْبَحَ ٱلْبَيْتُ…
سُؤَالًا لَا إِجَابَةَ لَهُ.
ٱلْفَقْرُ لَمْ يَعُدْ نُقْصًا فِي ٱلْمَالِ فَقَط…
بَلْ فِي ٱلْقُدْرَةِ عَلَى ٱلِٱخْتِيَارِ.
أَصْبَحَ ٱلنَّاسُ يَخْتَارُونَ
مَا لَا يُرِيدُونَ،
وَيَتْرُكُونَ
مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ ٱلِٱحْتِفَاظَ بِهِ.
رَغِيفُ ٱلْخُبْزِ…
مَوْعِدُ ٱلْكَازِ…
وَسَاعَاتُ ٱلِٱنْتِظَارِ ٱلطَّوِيلَةُ…
لَمْ تَعُدْ تَفَاصِيلَ صَغِيرَةً،
بَلْ أَصْبَحَتْ مَقَايِيسَ
لِمَا تَبَقَّى مِنَ ٱلْحَيَاةِ.
وَفِي زَوَايَا أُخْرَى،
كَانَ شَيْءٌ آخَرُ يَنْهَضُ…
بِهُدُوءٍ،
وَبِثِقَلٍ لَا يُخْفَى:
ٱلْفَسَادُ.
لَيْسَ كَحَادِثَةٍ مُفَاجِئَةٍ،
بَلْ كَعَادَةٍ تَتَكَرَّسُ.
كَأَنَّهُ ٱلْحَلُّ ٱلَّذِي لَا يُقَالُ،
وَٱلطَّرِيقُ ٱلَّذِي يَعْرِفُهُ ٱلْجَمِيعُ،
وَيَتَجَاهَلُونَ ٱلِٱعْتِرَافَ بِهِ.
مَنْ يَدْفَعُ…
يَمُرُّ.
وَمَنْ يَنْتَظِرُ…
يَبْقَى.
وَبَيْنَ ٱلِٱنْتِظَارِ وَٱلْمُرُورِ،
كَانَ ٱلْفَرْقُ أَكْبَرَ مِنْ وَقْتٍ…
كَانَ فَرْقًا فِي ٱلْكَرَامَةِ.
ٱلنَّاسُ لَمْ يَعُودُوا مُتَشَابِهِينَ كَمَا كَانُوا…
بَلْ أَصْبَحُوا مَرَايَا مُتَنَاقِضَةً.
فِي ٱلْبَيْتِ ٱلْوَاحِدِ،
كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ رَأْيَانِ…
لَا يَلْتَقِيَانِ.
صَوْتٌ يُؤَيِّدُ…
وَصَوْتٌ يُعَارِضُ…
وَكَلاَهُمَا يَحْمِلُ
خَوْفًا لَا يَعْتَرِفُ بِهِ.
فَلَمْ يَعُدِ ٱلِٱخْتِلَافُ رَأْيًا…
بَلْ أَصْبَحَ مَسَافَةً.
مَسَافَةً قَدْ تَبْدَأُ بِكَلِمَةٍ،
وَتَنْتَهِي بِصَمْتٍ طَوِيلٍ
لَا يَجِدُ مَنْ يَكْسِرُهُ.
وَفِي وَسَطِ هَذَا ٱلتَّشَابُكِ كُلِّهِ،
كَانَ “سَامِرٌ” يَمْشِي…
لَا كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيقٍ،
بَلْ كَمَنْ يُحَاوِلُ
أَلَّا يَضِيعَ أَكْثَرَ.
كَانَ قَدْ رَأَى مَا يَكْفِي
لِيَفْهَمَ…
وَمَا لَا يَكْفِي
لِيُصَدِّقَ.
وَبَيْنَ ٱلْفَهْمِ وَٱلتَّصْدِيقِ،
كَانَ يَتَّسِعُ فِي دَاخِلِهِ
فَرَاغٌ لَا يُمْلَأُ.
كَانَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ،
لَا لِيَجِدَ إِجَابَةً…
بَلْ لِيَتَأَكَّدَ
أَنَّهُ مَا زَالَ قَادِرًا عَلَى ٱلسُّؤَالِ.
وَكَأَنَّ ٱلْمَدِينَةَ،
فِي تِلْكَ ٱلْمَرْحَلَةِ،
لَمْ تَعُدْ تُخْفِي تَنَاقُضَاتِهَا…
بَلْ تَعِيشُهَا عَلَنًا:
رَفَاهِيَّةٌ تُولَدُ فِي ٱلضِّيقِ،
وَفَقْرٌ يَتَّسِعُ فِي ٱلظِّلِّ…
وُجُوهٌ تَرْتَفِعُ،
وَأُخْرَى تَخْتَفِي…
وَٱلْكُلُّ يَعِيشُ
فِي ٱلْمَكَانِ نَفْسِهِ…
وَلَكِنْ
لَيْسَ فِي ٱلْحَيَاةِ نَفْسِهَا.
فِي مِثْلِ هَذِهِ ٱلْأَزْمِنَةِ…
لَا يَكُونُ ٱلْخَطَرُ فِي مَا نَرَاهُ.
بَلْ فِي مَا نَعْتَادُهُ.
فِي مَا يَتَكَرَّرُ
حَتَّى يُصْبِحَ عَادِيًّا…
وَهُوَ لَمْ يَكُنْ كَذَٰلِكَ أَبَدًا.
وَفِي ٱلْعُمْقِ…
كَانَ شَيْءٌ مَا يَتَحَرَّكُ.
لَيْسَ فِي ٱلشَّوَارِعِ…
وَلَا فِي ٱلْأَخْبَارِ…
بَلْ فِي ٱلْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
فِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ ٱلَّتِي يَقِفُ فِيهَا،
وَيَسْأَلُ:
“مَا ٱلَّذِي بَقِيَ مِنِّي… بَعْدَ كُلِّ هَذَا؟”
وَرُبَّمَا…
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
يَخَافُ
أَنْ يَكُونَ ٱلْجَوَابُ…
أَقَلَّ مِمَّا يَحْتَمِلُ.
—–
وَصَلَ سَامِرُ إِلَى مَحَلِّ « بُنْدُق أَفَندِي لِلْمُثَلَّجَاتِ» قَبْلَ المَوْعِدِ بِعَشْرِ دَقَائِقَ…
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَرِيبًا عَلَيْهِ، فَقَدِ اعْتَادَ أَنْ يَسْبِقَ الوَقْتَ خُطْوَةً، كَأَنَّهُ يُرَاوِضُهُ أَوْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ.
لَكِنَّهُ اليَوْمَ… لَمْ يَكُنْ يُشْبَهُ نَفْسَهُ.
كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُرْتَبِكٌ، شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ، يَتَحَرَّكُ بَيْنَ رَغْبَةٍ فِي اللِّقَاءِ وَخَوْفٍ مِنْهُ…
كَأَنَّهُ يَسِيرُ نَحْوَ حَدَثٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيُغَيِّرُهُ، دُونَ أَنْ يَدْرِي كَيْفَ.
اِخْتَارَ طَاوِلَةً فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ، لَا تُرَى إِلَّا مِمَّنْ يَدْخُلُ أَوْ يُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ…
مَكَانٌ يُشْبِهُ حَالَتَهُ: نِصْفُ حُضُورٍ، وَنِصْفُ اخْتِبَاء.
وَضَعَ هَاتِفَهُ أَمَامَهُ… ثُمَّ أَبْعَدَهُ.
أَعَادَهُ… ثُمَّ أَطْفَأَ شَاشَتَهُ.
كَأَنَّهُ يُجَرِّبُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ هُنَا دُونَ وَسِيطٍ؟ أَمْ أَنَّهُ مَا زَالَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ الحَاجِزِ الصَّغِيرِ لِيَحْتَمِيَ؟
وَهَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
«هَلْ جِئْتُ لِأَرَاهَا… أَمْ لِأخْتَبِرَ قُدْرَتِي عَلَى التَّرَاجُعِ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ؟
وَإِنْ كَانَ التَّرَاجُعُ مُمْكِنًا… فَلِمَاذَا يَبْدُو كَالهَزِيمَةِ؟»
دَخَلَتْ.
لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ…
شَيْءٌ مَا فِيهِ، أَعْمَقُ مِنَ الحِسِّ، قَالَ لَهُ: «هَذِهِ هِي.»
رَفَعَ نَظَرَهُ بِبُطْءٍ…
كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ اللَّحْظَةَ بِعَجَلَةٍ.
لَمْ تَكُنْ مُخْتَلِفَةً عَمَّا تَخَيَّلَ…
وَلَا مُطَابِقَةً لَهُ.
كَانَتْ… أَكْثَرَ صِدْقًا.
أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً مِمَّا تَحْتَمِلُهُ التَّخَيُّلَاتُ.
تَوَقَّفَتْ عِنْدَ البَابِ لَحْظَةً،
كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْهُ…
أَوْ رُبَّمَا تَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهَا فِي هَذَا اللِّقَاءِ.
«هَلْ أَنَا مُسْتَعِدَّةٌ لِأَنْ أَرَاهُ كَمَا هُوَ؟
أَمْ أَنِّي مَا زِلْتُ أُفَضِّلُهُ كَمَا كَانَ فِي كَلِمَاتِي؟»
سَأَلَتْ فِي دَاخِلِهَا، دُونَ صَوْتٍ.
اِلْتَقَتْ أَعْيُنُهُمَا.
وَلَمْ يَبْتَسِمَا فَوْرًا…
كَأَنَّ الِابْتِسَامَةَ تَحْتَاجُ إِذْنًا مِنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ اللِّقَاءِ.
اِقْتَرَبَتْ.
خُطُوَاتُهَا لَمْ تَكُنْ سَرِيعَةً… وَلَا بَطِيئَةً،
بَلْ كَانَتْ مَوْزُونَةً،
كَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَقُولُ: «أَنَا هُنَا… رَغْمَ كُلِّ شَيْء.»
كَانَتْ مَعَهَا ابْنَتَاهَا،
الكُبْرَى وَالصُّغْرَى،
وَفِي حُضُورِهِمَا خَفَتَ التَّوَتُّرُ قَلِيلًا،
وَكَأَنَّ الحَيَاةَ تُصِرُّ أَنْ تُذَكِّرَهُمَا:
أَنَّ اللِّقَاءَ لَيْسَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فَقَط… بَلْ بَيْنَ عَوَالِمَ كَامِلَةٍ.
جَلَسْنَ عَلَى طَاوِلَةٍ تُوَاسِطُ المَحَلَّ،
وَطَلَبَتْ كُلٌّ مِنْهُنَّ مَا تُحِبُّهُ مِنَ المُثَلَّجَاتِ،
فَبَدَتِ اللَّحْظَةُ… عَادِيَّةً جِدًّا،
بِشَكْلٍ يُرْبِكُ العَاطِفَةَ.
لَمْ يَمُدَّ سَامِرُ يَدَهُ إِلَى الهَاتِفِ مُبَاشَرَةً…
ثُمَّ فَعَلَ.
كَتَبَ: «آنا…»
فَأَجَابَتْ: «سامر…»
ثُمَّ سَكَتَا.
جَلَسَ الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا،
لَا كَغَرِيبٍ، بَلْ كَشَاهِدٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يُفْهَمَ.
«لِمَاذَا لَا نَكْتُبُ؟
أَلَيْسَ هَذَا مَا أَتْقَنَّاهُ؟»
سَأَلَتْ فِي دَاخِلِهَا.
«أَمْ أَنَّنَا، حِينَ نَلْتَقِي، نَفْقِدُ تِلْكَ القُدْرَةَ عَلَى الِاخْتِبَاءِ وَرَاءَ الكَلِمَاتِ؟»
أَجَابَهَا صَمْتُهُ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى فِنْجَانِ البُوظَةِ أَمَامَهُ،
ثُمَّ كَتَبَ:
«الصَّوْتُ… مُخْتَلِف.»
اِبْتَسَمَتْ بِخِفَّةٍ:
«وَأَنْتَ… أَقَلُّ هُدُوءً مِمَّا كُنْتَ فِي رَسَائِلِكَ.»
رَفَعَ عَيْنَيْهِ:
«هَلْ هَذَا جَيِّدٌ… أَمْ مُقْلِق؟»
أَجَابَتْ، بَعْدَ تَرَدُّدٍ قَصِيرٍ:
«حَقِيقِي.»
تِلْكَ الكَلِمَةُ…
لَمْ تَكُنْ وَصْفًا فَقَط،
بَلْ كَانَتْ حُكْمًا، وَاعْتِرَافًا، وَبِدَايَةً.
مَرَّتْ لَحَظَاتٌ،
كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَخْتَرِعَ لَهُمَا لُغَةً جَدِيدَةً،
لُغَةً لَا تَعْتَمِدُ عَلَى الشَّاشَةِ.
كَتَبَتْ آنا:
«كُنْتُ أَخَافُ… أَنْ نَلْتَقِي، فَلَا نَجِدَ مَا نَقُولُ.»
أَجَابَ:
«وَأَنَا… كُنْتُ أَخَافُ أَنْ نَجِدَ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا…
لَيْسَ بِنَظْرَةِ جُرْأَةٍ،
بَلْ بِنَظْرَةِ قِرَاءَةٍ.
كَأَنَّهَا تَقُولُ فِي دَاخِلِهَا:
«مَنْ أَنْتَ حَقًّا حِينَ تَكُفُّ عَنِ الكِتَابَةِ؟
وَمَنْ أَنَا فِي عَيْنَيْكَ خَارِجَ النُّصُوصِ؟»
وَكَتَبَتْ:
«وَهَلْ وَجَدْنَا؟»
تَنَفَّسَ بِبُطْءٍ:
«لَا أَعْرِفُ بَعْد…
لَكِنِّي لَمْ أَنْدَمْ.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
تَدَخَّلَتِ الحَيَاةُ بِبَسَاطَتِهَا.
نَادَتْ إِحْدَى البَنَاتِ النَّادِلَةَ،
وَسَأَلَتْ عَنِ المُوسِيقَى،
ثُمَّ اِقْتَرَحَتِ الأُمُّ أُغْنِيَةً لِنَجَاةِ الصَّغِيرَةِ:
«سَاكِنْ قُصَادِي وَبحِبُّه.»
وَمَا إِنْ بَدَأَتِ الأُغْنِيَةُ،
حَتَّى نَظَرَا إِلَى بَعْضِهِمَا…
وَغَنَّيَا بِالصَّمْتِ.
كَأَنَّ الصَّمْتَ هُنَا لَمْ يَعُدْ فَرَاغًا،
بَلْ لُغَةً مُشْتَرَكَةً.
تَبَادَلَتِ البَنَاتُ ضَحِكَاتٍ خَفِيفَةً،
فَانْكَسَرَ شَيْءٌ مِنَ التَّوَتُّرِ،
وَانْفَتَحَ بَابٌ صَغِيرٌ…
نَحْوَ بَسَاطَةٍ تُشْبِهُ البِدَايَاتِ.
كَتَبَ سَامِرُ:
«غَرِيب…
كُلُّ ذَلِكَ الخَوْفِ…
وَهَذِهِ اللَّحْظَةُ تَبْدُو عَادِيَّة.»
أَجَابَتْ:
«رُبَّمَا… لِأَنَّ الحَقِيقَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا صَاخِبَة.»
سَكَتَا مَرَّةً أُخْرَى…
لَكِنَّ الصَّمْتَ هَذِهِ المَرَّةَ
لَمْ يَكُنْ ثَقِيلًا.
كَانَ… مُمْكِنًا.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ:
«آنا…
هَلْ هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأَوَّلُ فِعْلًا؟»
اِبْتَسَمَتْ بِنُعُومَةٍ،
وَكَتَبَتْ:
«لَا…
أَشْعُرُ أَنَّنَا كُنَّا نَلْتَقِي مُنْذُ زَمَنٍ…
فِي كُلِّ مَرَّةٍ كُنَّا نَكْتُبُ فِيهَا بِصِدْق.»
—-
وَظَلَّ يَنْظُرُ إِلَيْهَا…
وَفِي دَاخِلِهِ،
كَانَ يَتَشَكَّلُ إِدْرَاكٌ هَادِئٌ، عَمِيقٌ:
«لَيْسَتْ كُلُّ البِدَايَاتِ تَحْدُثُ عِنْدَ اللِّقَاءِ…
بَعْضُهَا يَحْدُثُ حِينَ نَكُفُّ عَنِ الهَرَب.
وَبَعْضُ النَّاسِ…
لَا نَلْتَقِي بِهِمْ حِينَ نَرَاهُمْ،
بَلْ حِينَ نَعْجِزُ عَنْ تَجَاهُلِهِمْ.»
اِنْتَهَتِ المُثَلَّجَاتُ…
لَكِنَّ النِّهَايَةَ لَمْ تَأْتِ كَمَا تَأْتِي النِّهَايَاتُ عَادَةً،
لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً، وَلَا وَاضِحَةً،
بَلْ جَاءَتْ مُتَثَاقِلَةً، كَأَنَّهَا تَتَرَدَّدُ فِي الِاعْتِرَافِ
بِأَنَّ شَيْئًا مَا… بَلَغَ حَدَّهُ، وَلَمْ يَنْتَهِ بَعْد.
نَظَرَتِ البِنْتَانِ إِلَى أُمِّهِمَا،
ثُمَّ إِلَى البَابِ،
بِذَلِكَ الحِسِّ الطِّفْلِيِّ البَسِيطِ الَّذِي لَا يُخْطِئُ كَثِيرًا:
«هُنَا يَنْبَغِي أَنْ نَمْضِي.»
قَالَتِ الصُّغْرَى، وَفِي صَوْتِهَا شَيْءٌ مِنَ التَّسَاؤُلِ:
«مَامَا… نَمْشِي؟»
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ عَنْ الخُرُوجِ فَقَط،
بَلْ كَأَنَّهُ يَسْأَلُ:
«هَلْ اِنْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ؟»
اِبْتَسَمَتْ آنا…
تِلْكَ الِابْتِسَامَةُ الَّتِي تُخْفِي خَلْفَهَا قَرَارًا لَمْ يُنْطَقْ بَعْد،
وَأَجَابَتْ:
«نَعَم…»
وَقَفَتْ.
وَقَفَ سَامِرُ بَعْدَهَا بِلَحْظَةٍ،
لَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَسْبِقَهَا،
وَلَا أَنْ يَبْدُوَ كَأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا…
كَأَنَّهُ يَتَعَلَّمُ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ،
كَيْفَ يَكُونُ مُتَوَازِنًا بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالحَذَرِ.
مَرَّتْ ثَوَانٍ صَامِتَةٌ،
لَمْ يَجِدْ فِيهَا أَحَدُهُمَا إِجَابَةً:
«أَهَذَا خِتَامٌ؟
أَمْ أَنَّهُ شَكْلٌ آخَرُ لِبِدَايَةٍ لَا نُجِيدُ تَسْمِيَتَهَا؟»
أَمْسَكَتْ آنا حَقِيبَتَهَا،
وَانْحَنَتْ قَلِيلًا تُسَاعِدُ الصُّغْرَى فِي تَرْتِيبِ مِعْطَفِهَا،
بَيْنَمَا كَانَتِ الكُبْرَى تُرَاقِبُ سَامِرَ…
نَظْرَةً قَصِيرَةً،
لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَابِرَةً.
كَانَتْ نَظْرَةً تَحْمِلُ سُؤَالًا صَغِيرًا… وَعَمِيقًا:
«مَنْ أَنْتَ فِي هَذِهِ الحِكَايَةِ؟
وَمَاذَا تَعْنِي لِأُمِّي؟
وَهَلْ سَتَكُونُ جُزْءً مِنَّا… أَمْ مُجَرَّدَ لَحْظَةٍ؟»
شَعَرَ سَامِرُ بِثِقَلِ تِلْكَ النَّظْرَةِ،
لَيْسَ لِأَنَّهَا حَادَّةٌ…
بَلْ لِأَنَّهَا بَرِيئَةٌ،
وَالْبَرَاءَةُ أَحْيَانًا… تَكْشِفُ مَا نُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ.
تَقَدَّمَ خُطْوَةً…
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
«آنا…»
لَمْ يُكْمِلْ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُ الكَلِمَاتِ،
بَلْ كَانَتْ تَنْتَظِرُ… أَنْ يَجِدَ شَجَاعَتَهُ.
قَالَ، وَصَوْتُهُ أَخْفَضُ مِمَّا أَرَادَ:
«أَنَا…»
وَسَكَتَ.
«مَاذَا سَتَقُولُ؟
هَلْ سَتُسَمِّي مَا حَدَثَ؟
أَمْ سَتَتْرُكُهُ كَمَا هُوَ… مُعَلَّقًا بَيْنَ الاِحْتِمَالَاتِ؟»
سَأَلَتْ فِي دَاخِلِهَا.
اِبْتَسَمَتْ بِخِفَّةٍ،
كَأَنَّهَا تُنْقِذُهُ مِنْ جُمْلَةٍ قَدْ تَفْتَحُ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ:
«أَعْرِف…»
لَكِنَّهَا لَمْ تُكْمِلْ أَيْضًا.
اِقْتَرَبَتْ خُطْوَةً،
مَسَافَةٌ تَكْفِي لِتَكُونَ قَرِيبَةً…
وَبَعِيدَةٌ بِمَا يَكْفِي لِتَبْقَى آمِنَةً.
مَدَّ يَدَهُ…
لَا لِيُصَافِحَ كَمَا فِي البِدَايَاتِ،
بَلْ كَأَنَّهُ يَسْأَلُ بِصَمْتٍ:
«هَلْ يُمْكِنُ… أَكْثَرَ قَلِيلًا؟»
تَرَدَّدَتْ لَحْظَةً…
لَيْسَ ضَعْفًا،
بَلْ وُعُورَةَ طَرِيقٍ تُدْرِكُهُ جَيِّدًا.
ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَهَا فِي يَدِهِ.
لَمْ تَكُنْ مُصَافَحَةً،
وَلَا كَانَتْ عِنَاقًا.
كَانَتْ… شَيْئًا بَيْنَهُمَا،
يُشْبِهُهُمَا تَمَامًا:
غَيْرَ مُعَرَّفٍ… لَكِنَّهُ حَقِيقِي.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
«أَنَا سَعِيدَةٌ… أَنِّي جِئْتُ.»
أَجَابَ، بَعْدَ نَفَسٍ ثَقِيلٍ:
«وَأَنَا…»
ثُمَّ أَضَافَ، بِصِدْقٍ فَاجَأَهُ:
«وَأَخَافُ أَكْثَرَ الآن.»
رَفَعَتْ نَظَرَهَا إِلَيْهِ…
وَلَمْ تَبْتَسِمْ هَذِهِ المَرَّةَ.
«وَأَنَا أَيْضًا…
لِأَنَّ الخَوْفَ أَحْيَانًا لَا يَأْتِي مِنَ المَجْهُولِ،
بَلْ مِنَ شَيْءٍ بَدَأَ يُصْبِحُ حَقِيقَةً.»
مَرَّتْ لَحْظَةٌ،
شَعَرَا فِيهَا أَنَّ الصِّدْقَ… لَمْ يَعُدْ خِيَارًا يُمْكِنُ التَّرَاجُعُ عَنْهُ.
سَحَبَتْ يَدَهَا بِبُطْءٍ،
لَا هُرُوبًا…
بَلْ وَضْعًا لِحَدٍّ يَحْمِي مَا لَمْ يَنْضُجْ بَعْد.
اِلْتَفَتَتْ إِلَى ابْنَتَيْهَا:
«يَلَّا.»
تَحَرَّكْنَ نَحْوَ البَابِ.
وَبَقِيَ سَامِرُ يَتْبَعُهُنَّ بِنَظَرِهِ،
خُطْوَةً… ثُمَّ أُخْرَى…
حَتَّى بَدَأَتِ المَسَافَةُ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُهُ دَائِمًا:
تُخَفِّفُ الوُضُوحَ… وَتُثْقِلُ الغِيَابَ.
قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ،
تَوَقَّفَتْ آنا.
لَمْ تَلْتَفِتْ فَوْرًا.
كَأَنَّهَا تُفَاوِضُ نَفْسَهَا:
«هَلْ أَتْرُكُ اللَّحْظَةَ كَمَا هِيَ؟
أَمْ أَمْنَحُهَا إِشَارَةً… تَبْقَى بَعْدِي؟»
ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ.
اِلْتَقَتْ عَيْنَاهُمَا… مَرَّةً أُخْرَى.
رَفَعَتْ يَدَهَا،
إِشَارَةً صَغِيرَةً، عَادِيَّةً جِدًّا…
لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَادِيَّة.
رَفَعَ يَدَهُ أَيْضًا.
لَمْ يَقُولَا شَيْئًا…
لِأَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ،
إِذَا قِيلَتْ… نَقَصَتْ.
خَرَجَتْ.
أُغْلِقَ البَابُ.
وَبَقِيَ سَامِرُ وَاقِفًا…
لَا يَنْظُرُ إِلَى الخَارِجِ،
بَلْ إِلَى الفَرَاغِ الَّذِي تَرَكَتْهُ خَلْفَهَا.
جَلَسَ بِبُطْءٍ،
وَنَظَرَ إِلَى الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ…
كَانَ فَارِغًا،
لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِي.
كَأَنَّ الفَرَاغَ نَفْسَهُ… اِمْتَلَأَ بِذِكْرَى لَا تُرَى.
أَخْرَجَ هَاتِفَهُ.
فَتَحَ المُحَادَثَةَ.
كَتَبَ:
«آنا…»
تَوَقَّفَ.
نَظَرَ إِلَى الكَلِمَةِ،
كَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَكْفِي.
مَسَحَهَا.
أَعَادَ كِتَابَةَ:
«وَصَلْتِ؟»
ثُمَّ تَوَقَّفَ… وَمَسَحَهَا أَيْضًا.
«مَاذَا نَكْتُبُ بَعْدَ أَنْ تَتَحَوَّلَ الكَلِمَاتُ إِلَى وَاقِعٍ؟
وَهَلْ تَبْقَى اللُّغَةُ قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ مَا نَشْعُرُ بِهِ… بَعْدَ أَنْ نَعِيشَهُ؟»
أَطْفَأَ الشَّاشَةَ.
وَهَمَسَ لِنَفْسِهِ:
«الآن…
لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ: هَلْ نَلْتَقِي؟
بَلْ… مَاذَا نَفْعَلُ بِمَا حَدَثَ؟
وَهَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعُودَ كَمَا كُنَّا… بَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا؟»
وَفِي مَكَانٍ آخَرَ،
كَانَتْ آنا تَمْشِي بَيْنَ ابْنَتَيْهَا،
تُمْسِكُ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا…
تَسِيرُ بِخُطًى هَادِئَةٍ،
تُجِيبُ عَلَى أَسْئِلَةٍ صَغِيرَةٍ،
وَتَبْتَسِمُ لِتَفَاصِيلَ عَادِيَّةٍ…
لَكِنَّ دَاخِلَهَا كَانَ فِي مَكَانٍ آخَر.
«هَلْ أَفْعَلُ الصَّوَابَ؟
أَمْ أَنَّ بَعْضَ اللِّقَاءَاتِ… لَا تُقَاسُ بِالصَّوَابِ وَالخَطَأِ؟
وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِقَلْبٍ أَنْ يَنْقَسِمَ بَيْنَ مَا يَعْرِفُهُ… وَمَا يَشْعُرُ بِهِ؟»
شَعَرَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
أَنَّ قَلْبَهَا…
لَمْ يَعُدْ يَسِيرُ فِي الِاتِّجَاهِ نَفْسِهِ الَّذِي تَسِيرُ فِيهِ خُطَاهَا.
وَأَنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ…
تَبْدَأُ هَادِئَةً جِدًّا،
لَكِنَّهَا تَقُودُ إِلَى أَسْئِلَةٍ
لَا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا بَعْدَ اليَوْم.
تَفَرَّقُوا…
بِبَسَاطَةٍ لَا تُشْبِهُ مَا كَانَ يَعْصِفُ فِي الدَّاخِلِ.
كَأَنَّ الخُطُوَاتِ الَّتِي تَبَاعَدَتْ،
لَمْ تَكُنْ سِوَى سَطْحٍ هَادِئٍ
لِمَوْجٍ خَفِيٍّ لَمْ يَهْدَأْ بَعْد.
عَادَتْ آنا إِلَى البَيْتِ،
وَمَعَهَا ضَحِكَاتُ ابْنَتَيْهَا…
وَتِلْكَ الأَسْئِلَةُ الصَّغِيرَةُ
الَّتِي لَا تَنْتَهِي،
وَالَّتِي تَعْرِفُ كَيْفَ تَصِلُ إِلَى أَعْمَقِ مَا نُخْفِيهِ.
لَمْ تَخْلَعْ مِعْطَفَهَا بَعْدُ،
حِينَ قَالَتِ الكُبْرَى،
بِنَبْرَةٍ يَخْتَلِطُ فِيهَا الاِسْتِكْشَافُ بِشَيْءٍ مِنَ الحِرْصِ:
«مَامَا…
هَذَا هُوَ؟»
تَوَقَّفَتْ آنا لَحْظَةً…
لَا لِأَنَّهَا لَمْ تَفْهَمِ السُّؤَالَ،
بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ أَبْسَطَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ جَوَابٌ وَاحِد.
اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهِمَا، وَقَالَتْ بِهُدُوءٍ:
«هَذَا… مَنْ؟»
نَظَرَتِ الصُّغْرَى إِلَى أُخْتِهَا،
ثُمَّ قَالَتْ بِعَفْوِيَّةٍ تُشْبِهُ الصِّدْقَ النَّقِيَّ:
«هَذَا الَّذِي كُنْتِ تَكْتُبِينَ لَهُ كَثِيرًا…
وَتَبْتَسِمِينَ وَأَنْتِ تَقْرَئِينَ.»
اِبْتَسَمَتْ آنا…
لَيْسَتِ ابْتِسَامَةَ إِنْكَارٍ،
بَلْ ابْتِسَامَةَ مَنْ أَدْرَكَ
أَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تُخْفَى عَنِ العُيُونِ الَّتِي تُحِبُّنَا.
«نَعَم… هُوَ.»
تَبَادَلَتِ البِنْتَانِ نَظْرَةً سَرِيعَةً،
تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي تَقُولُ أَكْثَرَ مِمَّا تَقُولُهُ الكَلِمَاتُ.
قَالَتِ الكُبْرَى، بِنُضْجٍ خَفِيّ:
«كَانَ هَادِئًا…
كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ قَبْلَ كُلِّ كَلِمَة.»
وَأَضَافَتِ الصُّغْرَى، وَهِيَ تَتَذَكَّرُ وَجْهَهُ:
«وَكَأَنَّهُ… خَجُولٌ قَلِيلًا.»
ضَحِكَتْ آنا بِخِفَّةٍ،
وَقَالَتْ:
«أَوْ رُبَّمَا…
كَانَ يحَاوَلُ أَنْ لَا يَكُونَ.»
ثُمَّ سَكَتُوا لَحْظَةً…
تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَسْبِقُ السُّؤَالَ الأَصْعَب.
قَالَتِ الكُبْرَى، بِبَسَاطَةٍ لَا تَرْحَمُ:
«هَلْ أَنْتِ تُحِبِّينَهُ؟»
لَمْ تُجِبْ آنا مُبَاشَرَةً.
جَلَسَتْ،
وَنَظَرَتْ إِلَيْهِمَا…
لَيْسَ كَأُمٍّ تُعْطِي جَوَابًا،
بَلْ كَإِنْسَانٍ يَقِفُ أَمَامَ مِرْآةٍ صَغِيرَةٍ
تُرِيهِ مَا لَا يَرَاهُ وَحْدَهُ.
«هَلْ أُسَمِّي هَذَا حُبًّا؟
أَمْ أَنَّ الحُبَّ… يَحْتَاجُ زَمَنًا لِيُثْبِتَ نَفْسَهُ؟
وَهَلْ يَكْفِي أَنْ أَشْعُرَ بِالرَّاحَةِ… لِأُسَمِّيهِ؟»
دَارَتِ الأَسْئِلَةُ فِي دَاخِلِهَا.
ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ هَادِئ:
«لَا أَعْرِفُ بَعْد…»
وَبَعْدَ لَحْظَةٍ، أَضَافَتْ:
«لَكِنِّي…
أُحِبُّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَكُونُ بِهَا حِينَ أَتَحَدَّثُ مَعَهُ.»
لَمْ يَكُنِ الجَوَابُ مُكْتَمِلًا…
لَكِنَّهُ كَانَ صَادِقًا.
قَالَتِ الكُبْرَى، وَفِي صَوْتِهَا حِرْصٌ نَاضِج:
«المُهِمُّ… أَلَّا تَحْزَنِي.»
وَقَالَتِ الصُّغْرَى، وَهِيَ تَرْفَعُ كُوبَ المُثَلَّجَاتِ:
«وَأَنْ لَا يَكُونَ شَخْصًا سَيِّئًا.»
نَظَرَتْ آنا إِلَيْهِمَا…
وَشَعَرَتْ أَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ
اِنْحَصَرَ فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ البَسِيطَيْنِ.
«سَأُحَاوِلُ…»
قَالَتْ بِهُدُوءٍ،
وَكَأَنَّهَا تَعِدُهُمَا… وَتَعِدُ نَفْسَهَا فِي آنٍ مَعًا.
فِي الجِهَةِ الأُخْرَى…
كَانَ سَامِرُ يَجْلِسُ وَحِيدًا،
أَمَامَ هَاتِفِهِ،
كَأَنَّهُ لَمْ يُغَادِرِ المَكَانَ كُلِّيًّا،
وَأَنَّ جُزْءً مِنْهُ مَا زَالَ هُنَاكَ…
عِنْدَ الطَّاوِلَةِ، أَمَامَ كُرْسِيٍّ لَمْ يَعُدْ فَارِغًا كَمَا كَانَ.
فَتَحَ المُحَادَثَةَ…
أَغْلَقَهَا…
ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا،
كَأَنَّهُ يَقْتَرِبُ وَيَبْتَعِدُ فِي آنٍ وَاحِد.
كَتَبَ:
«وَصَلْتِ؟»
لَمْ تَتَأَخَّرِ الإِجَابَةُ:
«نَعَم…
وَأَنْتَ؟»
«نَعَم…
لَكِنِّي…
أَشْعُرُ أَنِّي مَا زِلْتُ هُنَاكَ.»
تَوَقَّفَتْ آنا قَلِيلًا،
وَكَأَنَّهَا تَتَحَقَّقُ مِنْ نَفْسِهَا:
«هَلْ هَذَا الشُّعُورُ مُشْتَرَكٌ؟
أَمْ أَنَّهُ يَخُصُّهُ وَحْدَهُ؟»
ثُمَّ كَتَبَتْ:
«أَنَا أَيْضًا.»
مَرَّ صَمْتٌ قَصِيرٌ…
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا،
بَلْ مُمْتَلِئًا بِكثير مما لَمْ يَتَمَكَنَا مِن قَولهِ.
كَتَبَ سَامِرُ:
«بَنَاتُكِ…
كَانُوا جُزْءً مِنَ اللِّقَاءِ،
بِشَكْلٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ.»
اِبْتَسَمَتْ وَهِيَ تَقْرَأُ،
وَكَأَنَّهَا رَأَتِ اللِّقَاءَ مِنْ عَيْنَيْهِ.
«سَأَلْنِي عَنْكَ.»
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ لَحْظَةً…
ثُمَّ كَتَبَ، بِحَذَرٍ:
«وَمَاذَا قُلْتِ؟»
نَظَرَتْ إِلَى الشَّاشَةِ طَوِيلًا…
كَأَنَّهَا تَزِنُ الكَلِمَاتِ،
لَا بِالخَوْفِ،
بَلْ بِمِقْدَارِ صِدْقِهَا.
«قُلْتُ لَهُنَّ…
إِنَّكَ هَادِئٌ…
وَأَنَّكَ تُحَاوِلُ أَنْ تَكُونَ صَادِقًا.»
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ،
كَأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَصِلْ إِلَى أُذُنِهِ فَقَط،
بَلْ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فِيهِ.
«هَلْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا؟»
جَاءَ الرَّدُّ بَطِيئًا…
وَاضِحًا:
«لَهُنَّ؟ نَعَم.
لِي؟ لَا أَعْرِفُ بَعْد.»
سَكَتَ.
ثُمَّ كَتَبَ، وَكَأَنَّهُ يَخْطُو خُطْوَةً صَغِيرَةً خَارِجَ خَوْفِهِ:
«وَهَلْ سَأَلْنَكِ… إِذَا كُنْتِ تُحِبِّينَنِي؟»
اِبْتَسَمَتْ…
لِأَنَّهُ عَرَفَ،
أَوْ لِأَنَّهُ تَجَرَّأَ.
«نَعَم.»
تَوَقَّفَ قَلْبُهُ لَحْظَةً…
أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ.
«وَمَاذَا قُلْتِ؟»
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لَحْظَةً،
كَأَنَّهَا تَقُولُهَا لِنَفْسِهَا قَبْلَ أَنْ تَكْتُبَهَا:
«قُلْتُ…
إِنِّي لَا أَعْرِفُ بَعْد…
لَكِنِّي أُحِبُّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَكُونُ بِهَا مَعَكَ.»
قَرَأَهَا…
مَرَّةً…
وَمَرَّةً أُخْرَى.
ثُمَّ كَتَبَ:
«هَذَا…
أَكْثَرُ شَيْءٍ صَادِقٍ قَدْ يُقَال.»
وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، أَضَافَ:
«آنا…
هَلْ تَعْلَمِينَ؟
أَشْعُرُ أَنَّ اللِّقَاءَ لَمْ يُجِبْ عَنِ الأَسْئِلَةِ…
بَلْ جَعَلَهَا أَكْثَرَ وُضُوحًا.»
جَاءَ الرَّدُّ، كَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُهُ:
«وَرُبَّمَا…
هَذَا هُوَ مَا كُنَّا نَحْتَاجُهُ.»
تَوَقَّفَ قَلِيلًا…
ثُمَّ كَتَبَ بِصِدْقٍ أَعْمَق:
«لَا أُرِيدُ أَنْ أُؤْذِيَكِ…
وَلَا أَنْ أُرْبِكَ حَيَاةَ بَنَاتِكِ.»
قَرَأَتْهَا…
وَشَعَرَتْ أَنَّهُ لَا يَقُولُهَا خَوْفًا،
بَلْ مَسْؤُولِيَّةً.
«وَأَنَا…
لَا أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ شَيْئًا غَيْرَ صَادِقٍ.»
مَرَّتْ لَحْظَةٌ…
هَادِئَةٌ… مُشْتَرَكَةٌ.
ثُمَّ كَتَبَ:
«إِذًا…
نَسِيرُ بِبُطْءٍ؟
نَتَعَلَّمُ…
وَلَا نَسْتَعْجِلُ تَسْمِيَةَ مَا لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْد؟»
جَاءَ الرَّدُّ، بِبَسَاطَةٍ تُشْبِهُ البِدَايَاتِ:
«نَعَم…
وَلَكِنْ بِصِدْقٍ…
وَبِقَلْبٍ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ.»
أَغْلَقَ سَامِرُ الهَاتِفَ…
لَكِنَّهُ لَمْ يُغْلِقِ الشُّعُور.
وَفِي مَكَانٍ هَادِئٍ فِي دَاخِلِهِ،
تَشَكَّلَ إِدْرَاكٌ خَفِيفٌ، كَأَنَّهُ يَنْبُتُ بِبُطْء:
«لَيْسَ كُلُّ مَا نَخَافُهُ خَطَرًا…
بَعْضُهُ… بَاب.
وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَتَرَدَّدُ أَمَامَهُ ضَعْفًا…
بَعْضُهُ اِحْتِرَامٌ لِشَيْءٍ
نَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِنَا
أَنَّهُ إِذَا بَدَأَ…
لَنْ نَعُودَ كَمَا كُنَّا.»
—
ذاتَ صَباحٍ بَدا عادِيًّا فِي ظاهِرِهِ…
خَرَجَ سامِرُ، لا يَحمِلُ فِي نَفْسِهِ مَشرُوعًا كَبِيرًا، وَلا حُلمًا مُؤَجَّلًا،
بَلْ كانَ كُلُّ ما يُرِيدُهُ… رَغِيفًا يَكفِي أُسبوعًا،
أَو لَعَلَّهُ—دُونَ أَنْ يَدْرِي—كَانَ يَبحَثُ عَن شَيْءٍ آخَر،
شَيْءٍ يَحمِلُ اسْمَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي زَمَنٍ تَآكَلَتْ فِيهِ المَعانِي.
وَصَلَ إِلَى المَخبَزِ،
فَوَجَدَ الطّابُورَ مُمتَدًّا كَأَنَّهُ خَيْطٌ طَوِيلٌ يَشُقُّ الوَقتَ،
وُجُوهٌ مُتَعَبَةٌ، لَكِنَّهَا صامِتَة،
أَجْسادٌ تَحمِلُ ثِقَلَ أَيّامٍ لا تُقالُ حِكايَتُها.
وَقَفَ سامِرُ…
فِي مَكانِهِ المُعتادِ مِنَ الحَياة:
مُنْتَظِرًا،
صَابِرًا،
يُمارِسُ فَنَّ الاِحْتِمالِ كَأَنَّهُ قَدَرٌ لا يُراجَع.
تَساءَلَ فِي داخِلِهِ، وَهُوَ يُراقِبُ الأَقدامَ المُتَلاصِقَة:
«هَلْ نَحنُ نَنتَظِرُ الخُبْزَ فَقَط… أَم نَنتَظِرُ شَيْئًا يُثْبِتُ أَنَّ الحَياةَ ما زالَتْ تَسْتَحِقُّ؟»
قَبلَ أَنْ يُكمِلَ سُؤالَهُ،
اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مُسِنٌّ،
وَفِي صَوْتِهِ تَعبٌ عَمِيق، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ نُبْلَهُ:
«يا بُنَيّ…
هَلْ تَحفَظُ لِي مَكانِي؟
دَوائِي فِي البَيْت… وَلا أَستَطيعُ التَّأَخُّر.»
نَظَرَ سامِرُ إِلَى عَيْنَيْهِ،
فَرَأَى فِيهِما شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ طَلَبٍ عابِر…
رَأَى اِسْتِغاثَةً صامِتَةً،
وَكَرَامَةً تَرفُضُ أَنْ تَنْكَسِر.
فَقالَ، بِبَساطَةٍ خالِصَة:
«تَفَضَّلْ… أَنا هُنا.»
لَمْ يَكُنِ المَوقِفُ غَرِيبًا،
وَلَكِنَّهُ كانَ يَحْمِلُ ذَلِكَ الدِّفءَ الخَفِيَّ
الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ غُرَباءَ
لا يَملِكُونَ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بَعضَهُمْ لِبَعضٍ… لِقَليلٍ مِنَ الوَقت.
عادَ الرَّجُلُ بَعْدَ دَقائِق،
يَلْتَقِطُ أَنفاسَهُ،
وَكَأَنَّهُ عَادَ مِنْ سَفَرٍ قَصِيرٍ فِي التَّعَب.
قالَ، وَفِي صَوْتِهِ اِمتِنانٌ خَفِيف:
«وَإِنِ احْتَجْتَ أَنْتَ…
اِذْهَبْ، وَأَنا أَحفَظُ لَكَ دَوْرَكَ.»
تَرَدَّدَ سامِرُ لَحْظَةً…
ثُمَّ أَحَسَّ بِوَخْزٍ صامِتٍ فِي قَدَمَيْهِ،
كَأَنَّ جَسَدَهُ يَطلُبُ مِنْهُ اِعتِرافًا لَمْ يَقُلْهُ بَعد.
فَكَّرَ:
«هَلِ التَّعَبُ ضَعْفٌ… أَم إِشارَةٌ إِلَى أَنَّنِي ما زِلْتُ حَيًّا؟»
اِبْتَسَمَ، وَقالَ:
«شُكرًا… سَأَعودُ قَريبًا.»
مَشَى…
لا إِلَى وِجهَةٍ مُحَدَّدَة،
بَلْ هُروبًا مُؤَقَّتًا مِنَ الوُقوف،
مِنَ الاِنتِظار،
مِنْ شُعُورٍ ثَقِيلٍ بِأَنَّ الوَقتَ لا يَتَحَرَّك.
كانَ يَمْشِي وَيُحاوِلُ أَنْ يُصْغِيَ إِلَى جَسَدِهِ:
«هَلْ ما زِلْتُ أَشعُرُ؟
هَلْ ما زالَتْ خُطُواتِي لِي… أَم أَنَّهَا مُجرَّدُ عَادَة؟»
بَعْدَ نَحوِ ثَلاثَةِ أَرْباعِ ساعَةٍ،
عادَ…
كُلُّ شَيْءٍ كانَ كَما هُوَ:
الطَّريقُ،
المَخبَزُ،
وُجُوهُ النّاسِ…
وَلَكِنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَمْ يَبْقَ كَما كان.
لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَدَرُّجٌ…
لا تَحذِيرٌ…
لا إِشارَة.
فَجْأَةً—
سَقَطَتْ قَذيفَة.
صَوْتٌ شَقَّ السَّماءَ،
كَأَنَّها اِنْهارَتْ دُفْعَةً واحِدَة،
وَكَأَنَّ الأَرضَ لَمْ تَعُدْ تَحتَمِلُ صَمْتَها.
شَعَرَ سامِرُ بِجَسَدِهِ يُقْذَفُ،
كَأَنَّ قُوَّةً خَفِيَّةً اِنْتَزَعَتْهُ مِنْ مَكانِهِ،
ثُمَّ—
سُقوط.
رعبٌ…
ثُمَّ صُراخٌ يَتَفَجَّرُ مِنْ كُلِّ اِتِّجاه.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْء،
وَتَساءَلَ—بِلا وَعْيٍ كامِل:
«هَلْ هَذا… نَفْسُ المَكان؟»
لَمْ يَكُنْ هُناكَ طابُور.
لا خُبْز.
لا اِنْتِظار.
فَقَطْ—
بَقايا بَشَر،
غُبارٌ يُغَطِّي الحَقِيقَة،
وَأَشياءٌ لَمْ تَعُدْ تُشْبِهُ أَصحابَها.
نَهَضَ بِصُعوبَة،
وَلَمْ يَسأَلْ نَفْسَهُ: «هَلْ أَنا بِخَيْر؟»
لِأَنَّ سُؤالًا آخَرَ كانَ أَكثَرَ إِلْحاحًا:
«مَنْ يَحتاجُ إِلَيَّ الآن؟»
بَدَأَ يَتحَرَّكُ—
يَحمِلُ جَريحًا،
يُنادِي آخَر،
يُشيرُ، يَركُضُ،
كَأَنَّ داخِلَهُ صَوْتًا يَقولُ:
«النَّجاةُ… لا تَكْتَمِلُ إِذا بَقِيتَ وَحْدَكَ.»
سَمِعَ رَجُلًا يَصرُخُ:
«هُنا!… هُناكَ طِفْل!»
فَاِقْتَرَبَ، وَقالَ:
«اِمْسِكْ بِيَدِي… لا تَخَفْ.»
رَدَّ الرَّجُلُ، وَعَيْناهُ تَرتَجِفانِ:
«هَلْ سَنَخْرُجُ؟»
تَوَقَّفَ سامِرُ لَحْظَةً…
ثُمَّ قالَ، لا بِعِلْمٍ، بَلْ بِإِيمانٍ مُؤَقَّت:
«نَعَم… طالَما نُحاوِل.»
وَكَأَنَّ المُحاوَلَةَ—فِي تِلْكَ اللَّحْظَة—
كانَتْ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ النَّجاة.
وَصَلَتْ سَيّاراتُ الإِسعافِ بِسُرْعَةٍ حادَّة،
كَأَنَّهَا كانَتْ تَنتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ قَبلَ البِدايَة.
وَبَعْدَ أَنْ خَفَتَ الضَّجيجُ…
أَو تَظاهَرَ بِالخُفوت،
اِنْسَحَبَ سامِرُ بِهُدوء.
لَمْ يَعُدْ إِلَى الطّابُور،
وَلا إِلَى المَخبَز الذي لَمْ يَبقَ مِنهُ إلَّا الّنِيرَان.
عادَ إِلَى غُرفَتِهِ.
جَلَسَ…
وَكَأَنَّهُ يَجلِسُ أَمامَ نَفْسِهِ لِلمَرَّةِ الأُولى.
يَداهُ فارِغَتانِ،
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَراغًا عادِيًّا…
بَلْ فَراغٌ مَمْلُوءٌ بِما لا يُقال.
قالَ لِنَفْسِهِ، بِهَمسٍ مُتَكسِّر:
«لَمْ أَحصُلْ عَلَى الخُبْز…
فَماذا حَصَلْتُ؟»
لَمْ يَجِدْ إِجابَة.
فَقَطْ شُعُورٌ غامِض،
بَيْنَ الاِمْتِنانِ… وَالرُّعب.
وَبِهُدوءٍ قاسٍ،
تَشَكَّلَ السُّؤالُ الَّذِي لَنْ يُفارِقَهُ:
«لَوْ لَمْ أَمْشِ…
لَوْ بَقِيتُ فِي مَكانِي…
هَلْ كُنْتُ الآنَ جُزءً مِنَ الغِياب؟»
سَكَتَ طَوِيلًا…
ثُمَّ أَضافَ فِي داخِلِهِ،
كَأَنَّهُ يَكْتُبُ حَقِيقَةً جَدِيدَة:
«وَلَوْ أَنَّ خُطوَةً صَغيرَةً…
بِلا قَصْد،
هِيَ الَّتِي أَنْقَذَتْنِي…
فَكَمْ مِنْ خَطواتٍ أُخْرَى
نَمْشِيها…
وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ
إِلَى أَيِّ مَصيرٍ تَقودُنا؟»
آنا…
لا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ،
وَلَا أَعْرِفُ أَهَلْ تُكْتَبُ مِثْلُ هَذِهِ الكَلِماتِ فِي رِسالَةٍ…
أَمْ أَنَّهَا تُعاشُ فَقَط، ثُمَّ تَبْقَى عَالِقَةً فِي الصَّدْرِ، كَأَسْئِلَةٍ لَا تَجِدُ لُغَتَهَا.
اليوم…
خَرَجْتُ كَأَيِّ يَوْمٍ عَادِيّ،
لِأَشْتَرِي خُبْزًا يَكْفِينِي أُسْبُوعًا،
شَيْءٌ بَسِيطٌ جِدًّا…
مِنْ تِلْكَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي نَعْبُرُهَا دُونَ أَنْ نَنْتَبِهَ أَنَّهَا—أَحْيَانًا—تَكُونُ حُدُودًا بَيْنَ حَيَاتَيْنِ.
وَصَلْتُ،
فَوَجَدْتُ الطَّابُورَ طَوِيلًا،
أَطْوَلَ مِمَّا أَعْتَدْتُ،
كَأَنَّهُ يَسْتَطِيلُ لِيَقِيسَ صَبْرَنَا… أَو لِيَكْشِفَ عَمَّا فِي دَوَاخِلِنَا مِنْ تَعَبٍ مُؤَجَّل.
وَقَفْتُ…
كَمَا أَفْعَلُ دَائِمًا،
فِي مَكَانِي الصَّامِتِ،
أُمارِسُ الاِنْتِظَارَ كَأَنَّهُ قِصَّتِي الشَّخْصِيَّة.
بَعْدَ قَلِيلٍ،
اِلْتَفَتَ إِلَيَّ رَجُلٌ مُسِنّ،
وَفِي صَوْتِهِ اِرْتِجَافُ تَعَبٍ لَا يُخْفِي كَرَامَتَهُ:
«يَا بُنَيّ…
هَلْ تَحْفَظُ لِي مَكَانِي؟
دَوَائِي فِي البَيْت… وَلَا أَسْتَطِيعُ التَّأَخُّر.»
نَظَرْتُ إِلَيْهِ…
وَلَمْ أَرَ فِيهِ طَالِبًا لِخِدْمَة،
بَلْ إِنْسَانًا يُحَاوِلُ أَنْ لَا يَنْكَسِرَ أَمَامَ حَاجَتِهِ.
فَقُلْتُ لَهُ:
«تَفَضَّلْ… أَنَا هُنَا.»
غَابَ لِدَقَائِق، ثُمَّ عَادَ،
يَتَنَفَّسُ بِثِقَلٍ،
وَكَأَنَّهُ عَادَ مِنْ مَسَافَةٍ أَبْعَدَ مِنَ الطَّرِيق.
قَالَ، وَفِي عَيْنَيْهِ شُكْرٌ هَادِئ:
«وَإِنِ احْتَجْتَ أَنْتَ…
اِذْهَبْ، وَأَحْفَظُ لَكَ دَوْرَكَ.»
لَمْ أَكُنْ أَحْتَاجُ حَقًّا…
أَو هَكَذَا ظَنَنْتُ.
لَكِنَّ قَدَمَيَّ… كَانَتَا تَقُولَانِ شَيْئًا آخَر.
سَأَلْتُ نَفْسِي:
«هَلِ التَّعَبُ سَبَبٌ كَافٍ لِنُغَادِرَ مَكَانَنَا… أَمْ أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِنُؤَجِّلَ مَا نُرِيدُ؟»
ثُمَّ اِبْتَسَمْتُ،
وَقُلْتُ:
«سَأَمْشِي قَلِيلًا… وَأَعُودُ.»
غَادَرْتُ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ أَمْشِي،
فَقَطْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّ جَسَدِي لَمْ يَتَحَوَّلْ إِلَى حَجَرٍ فِي طَابُورٍ طَوِيل.
كُنْتُ أَمْشِي…
وَأُفَكِّرُ:
«كَمْ مِنْ خُطُوَاتٍ نَمْشِيهَا فِي حَيَاتِنَا… دُونَ أَنْ نَعْلَمَ إِلَى أَيْنَ تَأْخُذُنَا؟
وَكَمْ مِنْ بَقَاءٍ فِي مَكَانٍ… يُكَلِّفُنَا أَكْثَرَ مِمَّا نَتَخَيَّل؟»
بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ السَّاعَة…
عُدْتُ.
كُنْتُ قَرِيبًا جِدًّا مِنَ المَخْبَز،
خَمْسُ دَقَائِق… رُبَّمَا أَقَلّ.
وَفَجْأَة—
لَمْ يَكُنْ صَوْتًا يُوصَف،
وَلَا اِنْفِجَارًا عَادِيًّا…
بَلْ كَأَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ تَشَقَّقَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَة.
قَذِيفَة.
لَمْ أَرَهَا وَهِيَ تَسْقُطُ…
لَكِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَهَا كُلَّ شَيْءٍ يَتَنَاثَرُ:
البَشَر،
الحِجارَة،
وَالمَعانِي أَيْضًا.
كَأَنَّ المَشْهَدَ خَرَجَ مِنْ زَمَنِهِ،
أَو لَعَلَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ خَرَجْنَا مِنْ إِنْسَانِيَّتِنَا لَحْظَةً.
شَعَرْتُ بِنَفْسِي أُرْفَعُ عَنِ الأَرْض…
ثُمَّ أُقْذَفُ،
ثُمَّ—سُقُوط.
لَا أَعْرِفُ كَمْ مَرَّ مِنَ الوَقْت.
ثَوَانٍ؟
أَمْ عُمْرٌ كَامِلٌ اِنْكَسَرَ فِي لَحْظَة؟
عِنْدَمَا وَقَفْتُ…
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ طَابُور.
لَا اِنْتِظَار.
لَا خُبْز.
فَقَطْ—
أَجْسَادٌ عَلَى الأَرْض،
صُرَاخٌ يُمَزِقُ الهَوَاء،
وَدُخَانٌ يُخْفِي مَا لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ.
آنا…
كُنْتُ هُنَاكَ قَبْلَ دَقَائِق.
فِي نَفْسِ المَكَان.
فِي نَفْسِ الصَّفّ.
هَلْ تَتَخَيَّلِينَ؟
كَيْفَ يَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ الحُضُورِ وَالغِيَابِ… خَمْسَ دَقَائِقَ فَقَط؟
بَدَأْتُ أُسَاعِدُ…
لَا أَدْرِي كَيْفَ،
وَلَا لِمَاذَا أَنَا بِالذَّات.
رَجُلٌ صَرَخَ:
«هَلْ أَحَدٌ هُنَا؟!»
فَقُلْتُ:
«أَنَا هُنَا… قُلْ لِي مَاذَا أَفْعَل.»
وَاِمْرَأَةٌ كَانَتْ تَبْكِي:
«لَا تَتْرُكْهُ… لَا تَتْرُكْهُ!»
فَقُلْتُ لَهَا، وَأَنَا لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أُوَاسِيهَا أَمْ أُوَاسِي نَفْسِي:
«لَنْ نَتْرُكَهُ… طَالَمَا نَحْنُ هُنَا.»
كُنْتُ أَرْكُضُ بَيْنَهُمْ،
وَفِي دَاخِلِي صَوْتٌ وَاحِدٌ لَا يَصْمُت:
«أَنْتَ… لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هُنَا الآن.»
ثُمَّ صَوْتٌ آخَرُ يُجِيبُهُ:
«أَوْ… لَعَلَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ.»
أَيُّهُمَا الحَقِيقَةُ يَا آنا؟
وَهَلْ لِلْحَقِيقَةِ وَجْهٌ وَاحِدٌ أَصْلًا؟
عُدْتُ إِلَى البَيْتِ بَعْدَهَا…
بِلَا خُبْز.
لَكِنَّ الخُبْزَ لَمْ يَعُدْ هُوَ المَسْأَلَة.
جَلَسْتُ وَحِيدًا،
وَيَدَايَ فَارِغَتَانِ،
وَلَكِنَّ قَلْبِي… مُمْتَلِئٌ بِسُؤَالٍ وَاحِد:
«لَوْ لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنْ أَبْقَى…
وَلَوْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيَّ أَنْ أَذْهَبَ…
وَلَوْ لَمْ أَقَرِّرْ أَنْ أَمْشِي…
أَيْنَ كُنْتُ سَأَكُونُ الآن؟»
وَالأَصْعَبُ مِنْ ذَلِكَ…
أَنِّي لَا أَعْرِفُ أَيُّ إِجَابَةٍ أَخَفُّ وَقْعًا.
آنا…
أَشْعُرُ أَنَّ الحَيَاةَ اليَوْمَ
لَمْ تَدَعْنِي أَمْشِي كَمَا كُنْتُ.
كَأَنَّهَا أَوْقَفَتْنِي فَجْأَةً،
وَقَالَتْ لِي:
«اُنْظُرْ… جَيِّدًا.»
وَأَنَا نَظَرْتُ…
لَكِنِّي لَا أَدْرِي:
هَلْ مَا رَأَيْتُهُ نَجَاة؟
أَمْ رِسَالَة؟
أَمْ صُدْفَةٌ قَاسِيَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا؟
كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ…
أَنَّنِي، مُنْذُ عُدْتُ،
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَكِّرَ إِلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِد:
كَمْ مِنَ الأَشْيَاءِ نُؤَجِّلُهَا…
كَأَنَّ الوَقْتَ مَضْمُونٌ؟
وَكَمْ مِنَ الكَلِمَاتِ نَكْتُمُهَا…
كَأَنَّنَا سَنَمْلِكُ فُرْصَةً أُخْرَى دَائِمًا؟
لِهَذَا أَكْتُبُ لَكِ الآن…
لَا لِأَنِّي فَهِمْتُ كُلَّ شَيْء،
بَلْ لِأَنِّي—لِلمَرَّةِ الأُولَى—
أَشْعُرُ أَنَّ التَّأْجِيلَ…
قَدْ لَا يَكُونُ خِيَارًا.
وَلَا أَدْرِي…
لِمَاذَا اخْتَرْتُ أَنْ أَكْتُبَ لَكِ أَنْتِ دُونَ غَيْرِكِ.
هَلْ لِأَنَّكِ سَتَفْهَمِينَ؟
أَمْ لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُفْهَمَ أَمَامَكِ كَمَا أَنَا… دُونَ أَنْ أُخْفِي شَيْئًا؟
رُبَّمَا…
لِأَنَّ بَعْضَ الرِّسَائِلِ
لَا تَجِدُ طَرِيقَهَا
إِلَّا إِلَى شَخْصٍ وَاحِد.
أَنْتِ.
سامِرُ.
—
لَمْ تُمْهِلْ آنا نَفْسَها طَوِيلًا بَعْدَ أَنْ فَرَغَتْ مِنْ قِرَاءَةِ الرِّسَالَةِ…
لَمْ تُعِدْ تَقْلِيبَ كَلِماتِها، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ الجُمَلِ الَّتِي تَحْمِلُ وَخْزَ الأَلَمِ، كَأَنَّ فَهْمًا مُباغِتًا قَدِ انْهَمَرَ فِي دَاخِلِها دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَأَغْلَقَ بَابَ التَّرَدُّدِ، وَفَتَحَ أَبْوَابَ الفِعْلِ.
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ، ثُمَّ أَمْسَكَتِ الهاتِفَ بِأَصابِعَ تَكادُ تَرْتَجِفُ—لَيْسَ مِنْ ضَعْفٍ، بَلْ مِنْ إِحْسَاسٍ مُتَسارِعٍ بِأَنَّ الوَقْتَ لَمْ يَعُدْ يَتَّسِعُ لِلتَّفْسِيرِ.
وَكَتَبَتْ، بِسُرْعَةٍ لَمْ تَعْهَدْها فِي نَفْسِها:
“سامِر،
أُرِيدُكَ أَنْ تَأْتِي الآن.
سَأُرْسِلُ إِلَيْكَ العُنْوانَ.
لَا تَسْأَلْ… لَا تُجَادِلْ…
تَعالَ فَقَطْ، وَبِأَقْصَى سُرْعَةٍ مُمْكِنَة.
إِنْ لَمْ تَفْعَلْ… فَسَأَضْطَرُّ أَنْ أَتَصَرَّفَ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى.”
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَتِ الرِّسَالَةَ، كَأَنَّهَا تُصْغِي إِلَى صَدَى قَرَارِها فِي دَاخِلِها.
ثُمَّ أَرْسَلَتِ العُنْوانَ…
وَبَقِيَتْ تَنْتَظِرُ.
لَمْ يَكُنِ الانْتِظارُ سَاكِنًا؛ بَلْ كانَ يَمُورُ بِأَسْئِلَةٍ لَا تَجِدُ سَبِيلًا إِلَى اللِّسَان:
“هَلْ سَيَأْتِي؟”
“هَلْ سَيَفْهَمُ؟”
“أَمْ أَنَّهُ سَيَتَأَخَّرُ… كَما تَتَأَخَّرُ الحَقائِقُ دَائِمًا؟”
نَظَرَ سامِرُ إِلَى الرِّسَالَةِ…
مَرَّةً…
ثُمَّ أَعَادَ النَّظَرَ مَرَّةً أُخْرَى، كَأَنَّهُ يحاوِلُ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْ بَيْنِ الحُرُوفِ مَعْنًى آخَرَ لَمْ يُكْتَبْ.
لَمْ يَفْهَمْ.
بَلْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْهَمَ.
كَأَنَّ شَيْئًا غَامِضًا فِي أَعْماقِهِ هَمَسَ لَهُ:
“لَيْسَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ يُنْقِذُ… وَلا كُلُّ مَا يُنْقِذُ يَحْتاجُ إِلَى فَهْمٍ.”
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَسَأَلَ نَفْسَهُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“أَأَذْهَبُ؟ أَمْ أَنْتَظِرُ تَفْسِيرًا لَنْ يَأْتِي؟”
ثُمَّ، دُونَ أَنْ يُجِيبَ…
نَهَضَ.
وَذَهَبَ.
وَصَلَ إِلَى العُنْوانِ بَعْدَ رِحْلَةٍ قَصِيرَةٍ، لَكِنَّهَا بَدَتْ لَهُ أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي.
كَانَ المَكانُ مَرْكَزًا طِبِّيًّا كَبِيرًا، تَتَعَدَّدُ فِيهِ الأَقْسامُ، وَتَتَشَابَكُ فِيهِ المَصائِرُ فِي صَمْتٍ مُهَذَّبٍ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ البَابِ…
نَظَرَ إِلَى اللَّافِتَةِ، ثُمَّ إِلَى هَاتِفِهِ، كَأَنَّهُ يُحاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ عالَمَيْنِ لَا يَلْتَقِيَانِ:
“رِسَالَةٌ غَامِضَةٌ… وَمَكَانٌ يَعِدُ بِالتَّشْخِيصِ.”
وَقَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ سُؤَالُهُ الدَّاخِلِيّ—
رَآها.
كَانَتْ تَقِفُ هُنَاكَ…
بِجَانِبِ ابْنَتِها الكُبْرَى، وَإِلَى جَانِبِهِما شَابٌّ، تَتَّسِمُ مَلَامِحُهُ بِهُدُوءٍ مِهْنِيٍّ، وَنَظْرَةٍ تُوحِي بِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يَفْعَلُ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ يَعْرِفُ كَيْفَ يُخْفِي مَا لَا يُقالُ.
لَمْ تَتَكَلَّمْ آنا.
لَمْ تَرْكُضْ نَحْوَهُ، وَلَمْ تُلَوِّحْ لَهُ.
فَقَطْ رَفَعَتْ يَدَها قَلِيلًا…
وَأَشَارَتْ.
تَقَدَّمَ الشَّابُّ خُطْوَةً، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ:
“تَفَضَّلْ، نَحْنُ فِي انْتِظارِكَ.”
تَجَمَّدَتْ خُطَى سامِرٍ لَحْظَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ آنا، وَفِي عَيْنَيْهِ سُؤَالٌ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى كَلِماتٍ:
“مَا الَّذِي يَحْدُثُ؟ وَلِماذا أَشْعُرُ أَنَّنِي دَخَلْتُ قِصَّةً لَمْ أَكُنْ جُزْءً مِنْ بَدَايَتِها؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ…
وَلَمْ تُجِبْ.
لَمْ يَكُنْ صَمْتُها عَجْزًا، بَلْ كَانَ قَرَارًا:
أَنْ تُؤَجِّلَ الحَقِيقَةَ، لا أَنْ تُخْفِيَها.
كَأَنَّهَا تَقُولُ لَهُ بِعَيْنَيْها:
“لَيْسَ الآن… لَيْسَ قَبْلَ أَنْ تَطْمَئِنَّ.”
دَخَلَ مَعَ الشَّابِّ.
مَمَرٌّ يُفْضِي إِلَى آخَرَ…
وَأَبْوابٌ تُفْتَحُ ثُمَّ تُغْلَقُ خَلْفَهُ بِهُدُوءٍ يُشْبِهُ الحُكْمَ.
تَحالِيلُ…
صُوَرٌ شُعاعِيَّةٌ…
فُحوصاتٌ دَقِيقَةٌ تَتَكَرَّرُ بِإِلْحاحٍ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ إِحْدَاها، وَسَأَلَ الشَّابَّ:
“أَلَيْسَ فِي هٰذَا كُلِّهِ شَيْءٌ مِنَ المُبالَغَةِ؟ أَمْ أَنَّ الخَوْفَ… لَهُ طُرُقُهُ الخَاصَّةُ فِي القِياسِ؟”
ابْتَسَمَ الشَّابُّ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، وَقَالَ:
“نَحْنُ لا نَقِيسُ الخَوْفَ… بَلْ نُحاوِلُ أَلَّا نَدَعَهُ يَكْبُرُ فِي صَمْتٍ.”
لَمْ يُجِبْ سامِرُ.
لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّهُ، لِمَرَّةٍ نَادِرَةٍ، يَتَخَلَّى عَنْ حَقِّهِ فِي الفَهْمِ، لِيَمْنَحَ غَيْرَهُ حَقَّ الاطْمِئْنانِ.
وَبَعْدَ ساعَاتٍ مُمْتَدَّةٍ كَأَنَّهَا اخْتِبارٌ لِلصَّبْرِ، قالَ الشَّابُّ:
“نُفَضِّلُ أَنْ تَبْقَى هُنَا هٰذِهِ اللَّيْلَةَ… حَتَّى الصَّباحِ، لِنَتَأَكَّدَ مِنْ سَلامَتِكَ تَمامًا.”
رَفَعَ سامِرُ حَاجِبَيْهِ قَلِيلًا:
“لِلَّيْلَةٍ كامِلَةٍ؟”
“نَعَم.”
خَرَجَ إِلَى المَمَرِّ…
وَجَدَها ما زالَتْ هُنَاكَ.
لَمْ تَتَحَرَّكْ كَثِيرًا، كَأَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تَفُوتَ لَحْظَةَ خُرُوجِهِ.
نَظَرَ إِلَيْها طَوِيلًا…
ثُمَّ قالَ، بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى الهُدُوءِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ:
“أَكُلُّ هٰذَا… بِسَبَبِ الرِّسَالَةِ؟ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَمْ أَرَهُ بَعْدُ؟”
رَفَعَتْ عَيْنَيْها إِلَيْهِ…
وَلَمْ تُحاوِلْ هٰذِهِ المَرَّةَ أَنْ تُخْفِيَ مَا فِيهِما:
خَوْفٌ صَافٍ…
وَحُبٌّ يَتَشَكَّلُ فِي هَيْئَةِ قَلَقٍ.
قالَتْ، بِبَساطَةٍ تَحْمِلُ كُلَّ الثِّقَلِ:
“بِسَبَبِكَ.”
سَكَتَ.
وَكَأَنَّ الكَلِمَةَ وَقَعَتْ فِي دَاخِلِهِ مَكانًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ.
ثُمَّ أَضافَتْ، وَصَوْتُها يَخْفُتُ:
“أَنَا لا أُحْسِنُ فَهْمَ الطِّبِّ… وَلَا أُجِيدُ تَفْسِيرَ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ الصَّدَماتِ…
لَكِنِّي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا:
لا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِظَ غَدًا…
وَأَكْتَشِفَ أَنِّي تَرَكْتُكَ تَمْضِي وَحْدَكَ.”
تَحَرَّكَ شَيْءٌ فِي دَاخِلِهِ…
لَيْسَ كَلامًا يُرَدُّ،
بَلْ إِحْسَاسٌ يُعاشُ.
نَظَرَ إِلَيْها طَوِيلًا، ثُمَّ سَأَلَ بِهَمْسٍ:
“أَهٰذَا هُوَ الخَوْفُ عَلَى أَحَدٍ… أَمْ هٰذَا شَيْءٌ آخَرُ أَعْمَقُ مِنَ الخَوْفِ؟”
لَمْ تُجِبْ.
وَلَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ إِجابَةً.
فَقَطْ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ قَلِيلًا، وَقالَ:
“سَأَبْقَى.”
ابْتَسَمَتْ…
لَيْسَ ابْتِسَامَةَ رَاحَةٍ كامِلَةٍ، بَلِ ابْتِسَامَةَ مَنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ لِيُوَاصِلَ اللَّيْلَةَ.
وَهُوَ يَدْخُلُ غُرْفَتَهُ لِيَقْضِيَ لَيْلَتَهُ فِي ذٰلِكَ المَكانِ، كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ تَغَيَّرَ…
لَمْ يَكُنِ القَرارُ طِبِّيًّا فَقَطْ،
بَلْ كَانَ أَعْمَقَ مِنْ ذٰلِكَ:
“أَلَّا يُتْرَكَ إِنْسانٌ وَحْدَهُ…
بَعْدَ أَنْ يَنْجُو،
وَأَلَّا يَنْجُو أَحَدٌ…
دُونَ أَنْ يَجِدَ مَنْ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ البَابِ.”
بَعْدَ أَنْ فَرَغَتِ الفُحوصاتُ،
وَخَفَتَتْ حَرَكَةُ الأَطِبَّاءِ فِي المَمَرَّاتِ، حَتَّى غَدَا المَكانُ أَقْرَبَ إِلَى سُكُونٍ مُرَاقِبٍ مِنْهُ إِلَى ضَجِيجِ مِهْنَةٍ،
وَجَدَ سامِرُ نَفْسَهُ جَالِسًا عَلَى مَقْعَدٍ قُرْبَ النَّافِذَةِ.
كَانَ اللَّيْلُ يَنْسَابُ بِهُدُوءٍ، يُلْقِي بِظِلَالِهِ عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَةِ، وَكَأَنَّهُ يَمْحُو بَقايا النَّهارِ شَيْئًا فَشَيْئًا…
وَفِي ذٰلِكَ السُّكُونِ المُتَثَاقِلِ، كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَشَكَّلُ فِي الدَّاخِلِ… شَيْءٌ يَطْلُبُ أَنْ يُقال.
أَسْنَدَ رَأْسَهُ قَلِيلًا إِلَى الخَلْفِ، وَتَسَاءَلَ فِي صَمْتٍ:
“هَلْ يَنْتَهِي الخَطَرُ حِينَ يَنْتَهِي الحَدَثُ؟ أَمْ أَنَّ بَعْضَ الأَشْياءِ تَبْدَأُ فَقَطْ بَعْدَ أَنْ يَظُنَّ الإِنْسَانُ أَنَّهُ نَجَا؟”
اِقْتَرَبَتِ الابْنَةُ الكُبْرَى…
بِخُطُوَاتٍ مُتَأَنِّيَةٍ، تَكادُ تَخْلُو مِنَ الصَّوْتِ، لَيْسَتْ خُطُوَاتُ فَتاةٍ فَقَط، بَلْ خُطُوَاتُ مَنْ يَتَدَرَّبُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ مَسْؤُولِيَّةً أَكْبَرَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَقَفَتْ لَحْظَةً قُرْبَهُ، كَأَنَّهَا تَسْتَأْذِنُ الصَّمْتَ قَبْلَ أَنْ تَكْسِرَهُ،
ثُمَّ جَلَسَتْ قُبَالَتَهُ.
قالَتْ، بِنَبْرَةٍ يَخْتَلِطُ فِيهَا العِلْمُ بِالاهْتِمامِ:
“كَيْفَ تَشْعُرُ الآن؟”
رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَيْها، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَشَيْءٌ مِنَ التَّعَبِ:
“أَفْضَلُ مِمَّا تَتَوَقَّعُونَ… أَوْ رُبَّمَا أَفْضَلُ مِمَّا أَسْتَحِقُّ بَعْدَ مَا حَدَث.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا، لَيْسَ كَمَنْ يَسْمَعُ الإِجَابَةَ فَقَط، بَلْ كَمَنْ يَزِنُهَا فِي مِيزَانٍ خَفِيّ:
“قالُوا إِنَّهُ لَا يُوجَدُ خَطَرٌ حَقِيقِيّ…”
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ:
“نَعَم… بَعْضُ الجُرُوحِ السَّطْحِيَّةِ، وَقَلِيلٌ مِنَ الكُدُماتِ… كُنْتُ أُدَبِّرُ أَمْرَها بِنَفْسِي.”
رَفَعَتْ حَاجِبَيْهَا بِدَهْشَةٍ خَفِيفَةٍ:
“وَلِمَ لَمْ تَأْتِ إِلَى هُنَا مُبَكِّرًا؟”
أَجابَ بِبَساطَةٍ، كَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ أَمْرٍ بَدِيهِيّ:
“لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنِّي… لَمْ أُرِدْ أَنْ أَشْغَلَ مَكَانًا قَدْ يُنْقِذُ غَيْرِي.”
سَكَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَتْ بِنَبْرَةٍ تَتَسَلَّلُ فِيهَا الحَيْرَةُ:
“أَهٰذَا قُوَّةٌ… أَمْ أَنَّهُ تَعَوُّدٌ عَلَى تَأْجِيلِ نَفْسِكَ؟”
تَوَقَّفَ عِنْدَ سُؤَالِهَا…
وَلَمْ يُجِبْ.
لِأَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ لَا تُطْرَحُ لِتُجَابَ، بَلْ لِتُقِيمَ فِي الدَّاخِلِ.
قالَتْ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، وَصَوْتُها يَلِينُ:
“أُمِّي… خَافَتْ كَثِيرًا.”
رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَيْها، وَشَعَرَ أَنَّ الجُمْلَةَ تَحْمِلُ أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ.
تابَعَتْ:
“حِينَ قَرَأَتْ رِسَالَتَكَ… لَمْ تَتَكَلَّمْ. لَمْ تَصْرُخْ… لَمْ تَسْأَلْ…
فَقَطْ جَلَسَتْ.”
تَوَقَّفَتْ، وَنَظَرَتْ إِلَى الأَرْضِ قَلِيلًا، كَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ تَفاصِيلَ المَشْهَدِ:
اِنْقَبَضَ شَيْءٌ خَفِيّ فِي صَدْرِ سامِرَ…
قالَتِ الفَتاةُ، وَعَيْنَاها تَثْبُتَانِ فِي عَيْنَيْهِ:
“لَمْ تَبْكِ… وَهٰذَا مَا أَخَافَنِي.”
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضافَتْ:
“لِأَنَّهَا… حِينَ لَا تَبْكِي، يَكُونُ الخَوْفُ قَدْ تَجَاوَزَ الدُّمُوع.”
مَرَّ صَمْتٌ ثَقِيلٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَارِغًا…
ثُمَّ سَأَلَتْهُ بِصِدْقٍ لَا يَتَوَارَى:
“أَنْتَ… كَمْ كُنْتَ قَرِيبًا؟”
أَجابَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ:
“أَقْرَبَ مِمَّا كُنْتُ أَتَمَنَّى… وَأَبْعَدَ مِمَّا يَكْفِي لِلنَّجاةِ.”
“وَلَمْ تَخَفْ؟”
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، ثُمَّ قالَ:
“الخَوْفُ جَاءَ مُتَأَخِّرًا… كَأَنَّهُ يَحْتَرِمُ انْشِغَالَ الجَسَدِ بِالبَقَاءِ.”
اِبْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، وَقالَتْ:
“هٰذَا طَبِيعِيّ… أَحْيَانًا، الجَسَدُ يَفْهَمُ أَوَّلًا، ثُمَّ تَأْتِي الرُّوحُ لِتُدْرِكَ مَا حَدَث.”
نَظَرَ إِلَيْها بِاهْتِمامٍ، ثُمَّ قالَ:
“وَأَنْتِ؟ هَلْ تُدْرِكِينَ كُلَّ شَيْءٍ فِي وَقْتِهِ؟”
هَزَّتْ رَأْسَها:
“لَا… لَكِنِّي أُحاوِلُ أَلَّا أُؤَجِّلَ الفَهْمَ كَثِيرًا.”
تَرَدَّدَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قالَتْ:
“أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ كُلِّيَّةَ الطِّبِّ فِي العَامِ القادِمِ.”
تَغَيَّرَتْ نَبْرَتُهُ قَلِيلًا، وَظَهَرَ فِيهَا اهْتِمامٌ صَادِقٌ:
“وَسَتَفْعَلِينَ… لِأَنَّ مَنْ يَسْأَلُ هٰذِهِ الأَسْئِلَةَ، يَعْرِفُ طَرِيقَهُ.”
ابْتَسَمَتْ، لَكِنَّهَا قالَتْ بِجِدٍّ:
“لَا أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أُعالِجَ الجُرُوحَ…
بَلْ أَنْ أَفْهَمَ: مَتَى يَكُونُ الخَوْفُ أَخْطَرَ مِنَ الإِصابَةِ نَفْسِها.”
سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الدُّعابَةِ الخَفِيفَةِ:
“إِذًا… كُنْتُ اليَوْمَ تَجْرِبَةً عِلْمِيَّة؟”
هَزَّتْ رَأْسَها، وَابْتَسَمَتْ:
“لَا…”
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُباشَرَةً، وَقالَتْ:
“كُنْتَ… سَبَبًا.”
“سَبَبًا لِمَاذا؟”
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ، ثُمَّ قالَتْ:
“لِأَنِّي رَأَيْتُ أُمِّي…
وَهِيَ تَخَافُ أَنْ تَفْقِدَ أَحَدًا… قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ إِنْ كَانَ بِخَيْرٍ.”
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ بِهُدُوءٍ تَامّ:
“وَهٰذَا… لَيْسَ أَمْرًا عَادِيًّا.”
نَظَرَ سامِرُ إِلَيْها طَوِيلًا…
وَشَعَرَ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ يُعَادُ تَرْتِيبُهُ، لَيْسَ كَأَفْكارٍ، بَلْ كَإِحْسَاسٍ بِالعَلاقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا حَدَثَ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا…
لَكِنَّهُ سَأَلَ نَفْسَهُ فِي صَمْتٍ:
“هَلْ تَكُونُ النَّجاةُ حَقِيقِيَّةً إِذَا بَقِيَتْ مَحْصُورَةً فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ؟ أَمْ أَنَّهَا تَكْتَمِلُ حِينَ يَشْعُرُ بِهَا آخَرُونَ؟”
وَلِلمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ الصَّباحِ…
لَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ وَحْدَهُ.
بَلْ أَدْرَكَ، بِهُدُوءٍ عَمِيقٍ:
“أَنَّ نَجاتَهُ… لَمْ تَكُنْ لَهُ وَحْدَهُ،
بَلْ كَانَتْ تَمُرُّ—بِطَرِيقَةٍ مَا—فِي قُلُوبِ آخَرِينَ يَخَافُونَ عَلَيْهِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَدَتْ طَوِيلَةً عَلَى نَحْوٍ غَرِيبٍ، لَمْ تَكُنِ السَّاعَاتُ تَمُرُّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ…
بَلْ كَانَتْ تَتَقَطَّعُ بَيْنَ صَحْوٍ وَنُعاسٍ، بَيْنَ وُجُوهٍ تَظْهَرُ ثُمَّ تَغِيبُ، وَبَيْنَ أَسْئِلَةٍ لَا تَجِدُ لَهَا اسْتِقْرَارًا فِي دَاخِلِ سامِر.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ…
كَانَتْ هِيَ هُنَاكَ.
لَيْسَتْ دَائِمًا فِي المَكَانِ نَفْسِهِ، وَلَا بِالوُضُوحِ نَفْسِهِ،
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَحْضُرُ… ثُمَّ تَنْسَحِبُ، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ بِدِقَّةٍ مَتَى يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ إِلَى أَنْ يُرَى، وَمَتَى يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُتْرَكَ.
فِي إِحْدَى مَرَّاتِ الصَّحْوِ، وَجَدَها جَالِسَةً قُرْبَ سَرِيرِهِ، تُمْسِكُ بِكِتَابٍ مَفْتُوحٍ دُونَ أَنْ تَقْرَأَ.
رَفَعَ صَوْتَهُ قَلِيلًا، وَفِيهِ بَقِيَّةُ تَعَبٍ:
“لَمْ تَذْهَبِي بَعْدُ؟”
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ، وَأَغْلَقَتِ الكِتَابَ بِهُدُوءٍ:
“لَا… لَمْ أَذْهَبْ.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ قالَ:
“كَمْ مَرَّةً جِئْتِ؟”
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، كَأَنَّهَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُحَوِّلَ الفِعْلَ إِلَى رَقْمٍ:
“بِقَدْرِ مَا كَانَ يَلْزَمُ.”
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ سَأَلَ:
“وَلِماذا؟”
لَمْ تُجِبْ مُباشَرَةً…
بَلْ قَالَتْ، وَكَأَنَّهَا تَفْتَحُ بَابًا كَانَ مُؤَجَّلًا:
“لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هُنَا… قَبْلَ أَنْ أَتَأَكَّدَ بِنَفْسِي أَنَّكَ بِخَيْرٍ.”
“وَهَلْ أَنْتِ مَسْؤُولَةٌ عَنِّي إِلَى هٰذِهِ الدَّرَجَةِ؟”
سَكَتَتْ قَلِيلًا… ثُمَّ قالَتْ:
“لَا… وَلَكِنِّي اخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ.”
فِي لَحْظَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَكْثَرُ صَحْوًا، قَالَ وَهُوَ يُحاوِلُ أَنْ يَرْبِطَ الخُيُوطَ:
“هٰذَا المَكانُ… لَيْسَ عَادِيًّا.
وَأَنْتِ… تَتَصَرَّفِينَ فِيهِ كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ عَالَمِكِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
“لِأَنَّهُ، بِشَكْلٍ مَا… كَذٰلِكَ.”
“كَيْفَ؟”
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ، كَأَنَّهَا تُقَرِّرُ مَا الَّذِي يُقالُ وَمَا الَّذِي يُؤَجَّلُ:
“وَالِدِي… يَمْلِكُ الحِصَّةَ الأَكْبَرَ فِي هٰذَا المَرْكَزِ.”
تَوَقَّفَ سامِرُ عِنْدَ الجُمْلَةِ، وَظَهَرَ فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المُفاجَأَةِ:
“وَلِذٰلِكَ… كَانَ كُلُّ هٰذَا الاِهْتِمامِ؟”
هَزَّتْ رَأْسَها بِنُعُومَةٍ:
“لَا… لَيْسَ كُلُّهُ.”
ثُمَّ أَضافَتْ:
“هُوَ يَرَاهُ مَشْرُوعًا… رَقْمًا فِي سِجِلِّ الاِسْتِثْمَارِ.
أَمَّا أَنَا… فَأَرَاهُ مَكانًا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقِذَ أَشْيَاءَ لَا تُقَاسُ بِالأَرْقامِ.”
“وَلِذٰلِكَ تَأْتِينَ إِلَى هُنَا؟”
“نَعَم… أَأْتِي كَثِيرًا.”
تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَض:
“أُحاوِلُ أَنْ أُساعِدَ بَعْضَ المَرْضَى… دُونَ أَنْ أَكُونَ جُزْءً رَسْمِيًّا مِنَ المَكانِ.”
“وَلِماذا دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا؟”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَالَتْ:
“لِأَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ… تَفْقِدُ مَعْنَاهَا حِينَ تُكْتَبُ فِي تَقْرِيرٍ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَأَلَ:
“وَوَالِدُكِ؟”
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً فِيهَا قَلِيلٌ مِنَ التَّعَبِ:
“لَا يُحِبُّ هٰذَا الأُسْلُوبَ… يَرَاهُ غَيْرَ مُجْدٍ.”
“وَوَالِدَتُكِ؟”
لَانَتْ مَلامِحُها:
“هِيَ الَّتِي تُشَجِّعُنِي… وَتَقُولُ لِي دَائِمًا:
“إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَا تَفْعَلِينَ أَثَرٌ فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ، فَمَا قِيمَتُهُ؟””
سَكَتَ سامِرُ، وَشَعَرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ شَيْئًا أَبْعَدَ مِنْ مُجَرَّدِ كَلِماتٍ.
وَبَعْدَ لَحْظَةٍ، قَالَ كَأَنَّهُ تَذَكَّرَ:
“وَذٰلِكَ الشَّابُّ… الَّذِي كَانَ مَعَكُمَا.”
تَغَيَّرَتْ نَظْرَتُها قَلِيلًا، لَيْسَ ارْتِباكًا، بَلْ انْتِقَالًا إِلَى حَدِيثٍ آخَر:
“هُوَ طَبِيبٌ هُنَا… فِي بِدايَةِ طَرِيقِهِ.”
“يَبْدُو وَاثِقًا.”
“هُوَ كَذٰلِكَ… وَمُجْتَهِدٌ أَيْضًا.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَأَلَ بِصَرَاحَةٍ هادِئَةٍ:
“هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ بَيْنَكُمَا؟”
لَمْ تَهْرُبْ مِنَ السُّؤالِ…
بَلْ قالَتْ بِوُضُوحٍ:
“هُنَاكَ… قِصَّةٌ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ.”
نَظَرَ إِلَيْها، مُنْتَظِرًا.
قالَتْ:
“تَقَدَّمَ لِخِطْبَتِي قَبْلَ أَشْهُرٍ.”
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضافَتْ:
“وَالِدِي… رَفَضَ أَنْ يُنَاقِشَ الأَمْرَ قَبْلَ أَنْ أُنْهِى دِراسَتِي.”
“وَأَنْتِ؟”
تَنَفَّسَتْ بِعُمْقٍ:
“قُلْتُ لَهُ مَا قُلْتُ لِنَفْسِي:
“لَا أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ فِي عَلاقَةٍ… قَبْلَ أَنْ أَكُونَ قادِرَةً عَلَى أَنْ أَفْهَمَ نَفْسِي.””
“وَهُوَ؟”
“يَنْتَظِرُ.”
“وَأَنْتِ؟”
نَظَرَتْ نَحْوَ النَّافِذَةِ، حَيْثُ كَانَ اللَّيْلُ قَدِ اكْتَمَلَ:
“أُفَكِّرُ… هَلِ الاِنْتِظارُ يَكْشِفُ الحَقِيقَةَ، أَمْ يُؤَجِّلُها فَقَط؟”
سَكَتَا قَلِيلًا…
ثُمَّ قالَ سامِرُ، بِصَوْتٍ خافِتٍ:
“وَأَنَا… أَيْنَ أَقِفُ فِي كُلِّ هٰذَا؟”
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا…
بَلْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةً مُباشِرَةً، وَقَالَتْ:
“أَنْتَ… لَسْتَ جُزْءً مِنْ خُطَّةٍ.”
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضافَتْ بِهُدُوءٍ:
“وَهٰذَا مَا يَجْعَلُكَ مُهِمًّا.”
شَعَرَ أَنَّ الجُمْلَةَ لَا تُفسَّرُ… بَلْ تُحَسُّ.
وَفِي دَاخِلِهِ، مَرَّ سُؤالٌ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ:
“هَلْ تَكُونُ بَعْضُ اللِّقَاءاتِ… هِيَ الأَكْثَرَ صِدْقًا، لِأَنَّهَا لَمْ تُخَطَّطْ مُسْبَقًا؟”
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَ، فِي هٰذِهِ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ…
أَنَّ مَا كَانَ يَجْهَلُهُ، لَمْ يَكُنْ تَفاصِيلَ فَقَط…
بَلْ كَانَ طَرِيقَةً أُخْرَى لِرُؤْيَةِ النَّاسِ.
فِي صَبَاحٍ بَاهِتٍ، كَأَنَّهُ يَنْبَثِقُ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ خِلَالِ سُدُولِ السَّتَائِرِ،
اِسْتَيْقَظَ سَامِرُ عَلَى سُكُونٍ غَرِيبٍ…
سُكُونٍ لَا يُشْبِهُ سُكُونَ اللَّيْلِ، بَلْ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَزِيجًا مُربِكًا مِنَ البِدَايَةِ وَالفَقْدِ،
كَأَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ وُلِدَ فِي دَاخِلِهِ فِي اللَّيْلِ… وَشَيْئًا آخَرَ قَدِ انْسَحَبَ دُونَ أَنْ يُوَدِّعَ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَوْتُ خُطُوَاتٍ فِي المَمَرِّ…
وَلَا ذَلِكَ الحُضُورُ الخَفِيُّ الَّذِي اعْتَادَ أَنْ يَلْمَحَهُ بَيْنَ حَالَتَيْ الصَّحْوِ وَالنُّعَاسِ،
حُضُورٌ لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ قِيمَتَهُ إِلَّا حِينَ غَابَ.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ،
وَجَالَ بِنَظَرِهِ فِي أَرْكَانِ الغُرْفَةِ.
كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ…
وَلَكِنَّ الإِحْسَاسَ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ.
كَأَنَّ الرُّوحَ الَّتِي كَانَتْ تَمْلَأُ الفَرَاغَ قَدِ انْسَحَبَتْ،
وَتَرَكَتْ خَلْفَهَا صَدًى خَافِتًا يُثِيرُ فِي النَّفْسِ سُؤَالًا لَا يُجِيبُ.
اِعْتَدَلَ فِي جِلْسَتِهِ،
وَمَدَّ يَدَهُ لِيُسَوِّي الوِسَادَةَ،
فَتَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ عِنْدَ وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ،
كَأَنَّهُ أَدْرَكَ—قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ—أَنَّهَا لَيْسَتْ كَسَائِرِ الأَوْرَاقِ.
تَرَدَّدَ لَحْظَةً…
وَهَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“هَلْ بَعْضُ الكَلِمَاتِ قَادِرَةٌ أَنْ تُغَيِّرَ مَا لَا تُغَيِّرُهُ الأَحْدَاثُ؟”
ثُمَّ فَتَحَهَا.
“الأستاذ سَامِر…
لَمْ أُرِدْ أَنْ أُوقِظَكَ…
لِأَنَّكَ كُنْتَ تَنَامُ بِهُدُوءٍ،
هُدُوءٍ لَمْ أَرَهُ عَلَى وَجْهِكَ عند قدومك.
أَتَعْلَمُ؟
كُنْتُ أُرَاقِبُ أَنْفَاسَكَ…
وَكَأَنِّي أَتَأَكَّدُ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تَزَالُ تُمْسِكُ بِكَ بِلُطْفٍ.
أُرِيدُ أَنْ أَشْكُرَكَ…
لَيْسَ فَقَطْ لِأَنَّكَ بِخَيْرٍ،
بَلْ لِأَنَّ أُمِّي—لِسَبَبٍ لَا أَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ كُلَّهُ—أَصْبَحَتْ بِخَيْرٍ أَيْضًا.
لَا أَعْنِي جَسَدَهَا…
بَلْ شَيْئًا أَعْمَقَ، شَيْئًا كَانَ مُثْقَلًا وَيَتَآكَلُ فِي صَمْتٍ.
لَمْ أَرَهَا مُنْذُ زَمَنٍ تَبْتَسِمُ بِهَذِهِ الخِفَّةِ…
وَلَمْ أَرَهَا تَنْظُرُ إِلَى الغَدِ دُونَ خَوْفٍ.
رُبَّمَا…
لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَشْعُرُ أَنَّهَا وَحِيدَةٌ فِي هَذَا العَالَمِ.
هُنَاكَ أَشْيَاءٌ لَمْ أُخْبِرْكَ بِهَا مِنْ قَبْلُ…
بَقِيتُ إِلَى جَانِبِكَ فِي المَرْكَزِ الطِّبِّيِّ،
لَيْسَ وَاجِبًا… وَلَا مُصَادَفَةً…
بَلْ لِأَنَّ شَيْئًا مَا فِي دَاخِلِي كَانَ يَرْفُضُ أَنْ أَتْرُكَكَ تُصَارِعُ وَحْدَكَ.
كُنْتُ آتِي لَيْلًا…
حِينَ يَهْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ،
فَأَجِدُكَ بَيْنَ الصَّحْوِ وَالغِيَابِ،
فَأَطْمَئِنُّ… ثُمَّ أَنْسَحِبُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَيْقِظَ.
لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّ أَحَدًا يُرَاقِبُ ضَعْفَكَ…
وَلَكِنِّي—فِي الحَقِيقَةِ—كُنْتُ أَحْرُسُهُ.
قَدْ تَسْتَغْرِبُ…
لَكِنَّ وَالِدِي هُوَ أَكْبَرُ المُسَاهِمِينَ فِي هَذَا المَرْكَزِ.
هُوَ يَرَاهُ مَشْرُوعًا…
وَأَرَاهُ أَنَا مَكَانًا لِتَخْفِيفِ أَلَمٍ لَا يُقَاسُ بِالأَرْقَامِ.
كَانَ يَرْفُضُ أَنْ آتِي إِلَى هُنَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ…
وَكَانَتْ أُمِّي تَقُولُ لِي:
“إِذَا اسْتَطَعْتِ أَنْ تَكُونِي سَبَبًا فِي أَلَّا يَنْهَارَ أَحَدٌ… فَلَا تَتَرَدَّدِي.”
فَاخْتَرْتُ أَنْ أَسْمَعَهَا.
الحِسَابُ قَدْ سُدِّدَ…
وَلَمْ يُسَجَّلِ اسْمُكَ الحَقِيقِيُّ.
اِسْتَخْدَمْنَا اسْمَ خَالِي الأخ الشقيق الوحيد لوالدتي…
سَيَكُونُ فِي انْتِظَارِكَ عِنْدَ البَابِ.
لَا تَخَفْ مِنْهُ…
هُوَ صَامِتٌ، وَلَكِنَّهُ—إِذَا وَقَفَ إِلَى جَانِبِ أَحَدٍ—لَا يَتْرُكُهُ.
سَيَأْخُذُكَ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ…
مَكَانٍ لَا يَعْرِفُكَ فِيهِ أَحَدٌ،
وَلَكِنْ… رُبَّمَا تَجِدُ فِيهِ نَفْسَكَ.
لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ يَحِقُّ لِي أَنْ أَقُولَ هَذَا…
وَلَكِنِّي سَأَقُولُهُ:
أَنْتَ لَمْ تُنْقِذْ نَفْسَكَ فَقَطْ…
بَلْ أَعَدْتَ إِلَى قَلْبٍ آخَرَ سَبَبًا لِيَسْتَمِرَّ.
فَهَلْ كُنْتَ تَعْلَمُ…
أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ نَجَاةً لِغَيْرِهِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ؟
اِعْتَنِ بِنَفْسِكَ…
لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ بَدَأَ يَنْتَبِهُ لِغِيَابِكَ…
قَبْلَ حُضُورِكَ.–”
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَوْقِيعٌ…
وَلَا اسْمٌ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْمٍ.
بَقِيَ سَامِرُ يُحَدِّقُ فِي الوَرَقَةِ طَوِيلًا…
لَيْسَ كَمَنْ يَقْرَأُ،
بَلْ كَمَنْ يُصْغِي إِلَى صَوْتٍ يَتَشَكَّلُ بَيْنَ السُّطُورِ.
هَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“مَتَى أَصْبَحَتِ الكَلِمَاتُ تَمْلِكُ هَذَا الثِّقْلَ؟… وَمَتَى أَصْبَحْتُ أَخَافُ فَقْدَهَا؟”
أَعَادَ طَيَّ الوَرَقَةِ بِعِنَايَةٍ،
وَوَضَعَهَا فِي جَيْبِهِ،
كَأَنَّهُ يُخْفِي شَيْئًا لَا يُرِيدُ لِلزَّمَنِ أَنْ يَمْحُوهُ.
نَهَضَ بِبُطْءٍ…
وَتَوَجَّهَ نَحْوَ البَابِ.
تَوَقَّفَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَهُ،
وَنَظَرَ إِلَى الغُرْفَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ…
بَلْ أَصْبَحَتْ شَاهِدًا صَامِتًا عَلَى تَحَوُّلٍ دَاخِلِيٍّ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ.
فَتَحَ البَابَ…
وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَقِفُ بِهُدُوءٍ،
بِنَظرَةٍ ثَابِتَةٍ، كَأَنَّهُ يَعْرِفُهُ مُنْذُ زَمَنٍ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا…
اِكْتَفَى بِإِيمَاءَةٍ خَفِيفَةٍ.
تَرَدَّدَ سَامِرُ لَحْظَةً،
ثُمَّ تَقَدَّمَ خُطْوَةً.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَتْبَعُهُ…
تَشَكَّلَ فِي دَاخِلِهِ سُؤَالٌ جَدِيدٌ، لَمْ يَعُدْ مُرْتَبِكًا كَمَا كَانَ:
“مَتَى أَصْبَحَ هُنَاكَ مَنْ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِي… قَبْلَ أَنْ أَتَعَلَّمَ أَنَا كَيْفَ أَخْتَارُهُ؟”
خَرَجَ سَامِرُ مِنَ البَابِ…
وَأَغْلَقَهُ خَلْفَهُ بِرِفْقٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ فِي الدَّاخِلِ ذِكْرَى هَذِهِ الَّليلَة،
أَوْ أَنْ يُبَعْثِرَ شُعُورًا لَا يَزَالُ يَتَشَكَّلُ فِي صَمْتٍ.
كَانَ الرَّجُلُ يَقِفُ إِلَى جَانِبِ المَمَرِّ،
بِهَيْئَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالهُدُوءِ،
لَا فِيهَا تَصَنُّعُ قُوَّةٍ، وَلَا اسْتِرْخَاءُ ضَعْفٍ…
وَفِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةٌ عَمِيقَةٌ، تُشْبِهُ مَنْ رَأَى كَثِيرًا… وَاخْتَارَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِمَا رَآهُ دَاخِلَهُ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرَ لَحْظَةً،
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ مُقْتَضَبٍ:
“سَامِر؟”
تَوَقَّفَ سَامِرُ كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ مِنِ اسْمِهِ…
ثُمَّ أَجَابَ:
“نَعَم… أَنَا.”
قَالَ الرَّجُلُ، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ:
“أَنَا خَالُهَا.”
لَمْ يَزِدْ شَيْئًا…
وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذٰلِكَ.
تَبَادَلَا نَظْرَةً قَصِيرَةً،
لَكِنَّهَا كَانَتْ مَحْمُولَةً بِمَا يَكْفِي مِنَ الفَهْمِ الصَّامِتِ،
كَأَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا غَيْرَ مَنْطُوقٍ قَدْ وُلِدَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
قَالَ الرَّجُلُ:
“هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدّ؟”
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الأَمَامِ…
إِلَى طَرِيقٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ نِهَايَتَهُ،
ثُمَّ هَمَسَ:
“لَا أَعْرِفُ… وَلَكِنِّي سَأَمْضِي.”
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، كَأَنَّهُ سَمِعَ مَا أَرَادَ سَمَاعَهُ:
“هٰذَا أَكْثَرُ مِمَّا يَكْفِي.”
سَارَا مَعًا…
بِخُطُوَاتٍ مُتَّزِنَةٍ، لَا هِيَ مُتَسَارِعَةٌ وَلَا مُتَبَاطِئَةٌ،
بَلْ بِإِيقَاعٍ يُشْبِهُ مَنْ يَسِيرُ وَهُوَ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ… حَتَّى لَوْ كَانَ الآخَرُ لَا يَعْرِفُهُ.
كَانَ الصَّبَاحُ قَدِ امْتَلَأَ بِالحَرَكَةِ،
أَصْوَاتُ النَّاسِ، خُطُوَاتُهُمْ، وَمَلامِحُ حَيَاةٍ تَسْتَأْنِفُ دَوْرَتَهَا،
كَأَنَّ العَالَمَ لَا يَتَوَقَّفُ لِأَجْلِ أَحَدٍ.
لَكِنَّ سَامِرَ…
كَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ ذٰلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي كَانَ يَمْشِي فِي هٰذِهِ الطُّرُقِ قَبْلَ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
هَمَسَ فِي دَاخِلِهِ:
“هَلْ يَكْفِي يَوْمٌ وَاحِدٌ… لِيُغَيِّرَ طَرِيقَةَ رُؤْيَتِنَا لِكُلِّ شَيْءٍ؟”
قَالَ الرَّجُلُ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ:
“هِيَ لَمْ تَنَمْ كَثِيرًا.”
لَمْ يَسْأَلْ سَامِرُ مَنْ…
كَأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ.
أَجَابَ:
“وَأَنَا أَيْضًا… كُنْتُ أُفَكِّرُ.”
هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ:
“هِيَ لَمْ تَكُنْ مُتْعَبَةً…
كَانَتْ مُنْشَغِلَةً.”
تَوَقَّفَ سَامِرُ قَلِيلًا، ثُمَّ سَأَلَ:
“بِمَاذَا؟”
نَظَرَ إِلَيْهِ جَانِبِيًّا، وَقَالَ بِوُضُوحٍ:
“بِكَ.”
وَقَعَتِ الكَلِمَةُ فِي دَاخِلِهِ بِهُدُوءٍ…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَمُرَّ دُونَ أَثَرٍ.
فَكَّرَ:
“كَيْفَ يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَشْغَلَ فِكْرَ آخَرَ إِلَى هٰذَا الحَدِّ… دُونَ أَنْ يَدْرِي؟”
وَصَلَا إِلَى سَيَّارَةٍ مُتَوَقِّفَةٍ قُرْبَ الرَّصِيفِ.
فَتَحَ الرَّجُلُ البَابَ،
وَقَالَ:
“تَفَضَّل.”
جَلَسَ سَامِرُ فِي المَقْعَدِ الأَمَامِيِّ،
وَقَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ الرَّجُلُ البَابَ، قَالَ:
“لَا تَجْعَلْ أَمْسَ يَحْتَجِزُكَ.”
نَظَرَ سَامِرُ إِلَيْهِ بِتَسَاؤُلٍ:
“وَكَيْفَ أُفلِتُ مِنْهُ؟”
أَجَابَ الرَّجُلُ:
“لَا تُفْلِتْ…
افْهَمْهُ، ثُمَّ امْضِ.”
ثُمَّ أَغْلَقَ البَابَ،
وَدَارَ المُحَرِّكُ.
اِنْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ،
وَأَخَذَ المَرْكَزُ الطِّبِّيُّ يَبْتَعِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا،
كَأَنَّهُ يَنْسَحِبُ مِنْ ذَاكِرَةٍ تَتَشَكَّلُ مِنْ جَدِيدٍ.
نَظَرَ سَامِرُ مِنَ النَّافِذَةِ…
وَشَعَرَ أَنَّهُ لَا يُغَادِرُ مَكَانًا فَقَط،
بَلْ يُفَارِقُ نُسْخَةً قَدِيمَةً مِنْ نَفْسِهِ.
بَعْدَ صَمْتٍ، سَأَلَ:
“لِمَاذَا تَفْعَلُونَ كُلَّ هٰذَا؟”
لَمْ يُجِبِ الرَّجُلُ فَوْرًا،
بَلْ ظَلَّ يُرَاقِبُ الطَّرِيقَ،
كَأَنَّهُ يَنْتَقِي كَلِمَاتِهِ.
ثُمَّ قَالَ:
“لِأَنَّهَا طَلَبَتْ.”
تَوَقَّفَ…
ثُمَّ أَضَافَ:
“وَلِأَنَّنَا نَعْرِفُهَا جَيِّدًا.”
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرُ:
“وَمَاذَا تَعْرِفُونَ؟”
قَالَ:
“أَنَّهَا لَا تَخْتَارُ عَبَثًا.”
سَكَتَ سَامِرُ…
وَشَعَرَ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي بَدَاخِلِهِ أَصْبَحَ أَثْقَلَ:
“وَهَلْ أَنَا مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارُوا… أَمْ مِمَّنْ تَدْفَعُهُمُ الظُّرُوفُ فَقَط؟”
بَعْدَ قَلِيلٍ، قَالَ الرَّجُلُ:
“هِيَ لَا تَطْلُبُ كَثِيرًا.”
ثُمَّ أَضَافَ:
“وَحِينَ تَطْلُبُ… نُصْغِي.”
تَوَقَّفَتِ السَّيَّارَةُ أَمَامَ بِنَايَةٍ هَادِئَةٍ،
لَا فِيهَا مَظَاهِرُ بَذَخٍ، وَلَا آثَارُ إِهْمَالٍ…
بَلْ تَوَازُنٌ خَفِيٌّ يُشْبِهُ الأَمَانَ.
نَزَلَا…
وَدَخَلَا.
صَعِدَا الدَّرَجَ،
وَكَانَ صَوْتُ خُطُوَاتِهِمَا يَرْتَدُّ بِخُفُوتٍ،
كَأَنَّ المَكَانَ يَحْتَفِظُ بِالصَّمْتِ عَمْدًا.
تَوَقَّفَ الرَّجُلُ،
وَأَخْرَجَ مِفْتَاحًا،
ثُمَّ فَتَحَ البَابَ.
دَخَلَ سَامِرُ…
كَانَتِ الشَّقَّةُ سَاكِنَةً…
وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ خَالِيَةً مِنَ الشُّعُورِ.
كَأَنَّهَا مَكَانٌ يَنْتَظِرُ أَنْ يُعَاشَ فِيهِ،
لَا أَنْ يُزَارَ فَقَط.
قَالَ الرَّجُلُ:
“يُمْكِنُكَ أَنْ تَبْقَى هُنَا مَا شِئْتَ.”
ثُمَّ أَضَافَ:
“سَأُحْضِرُ أَغْرَاضَكَ قَبْلَ المَسَاءِ.”
نَظَرَ سَامِرُ حَوْلَهُ،
وَقَالَ:
“أَشْعُرُ… كَأَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ كُلَّ هٰذَا.”
تَوَقَّفَ الرَّجُلُ عِنْدَ البَابِ،
وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً مُبَاشِرَةً:
“لَا تَقِسِ الأُمُورَ بِمَا تَسْتَحِقُّ…
بَلْ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ.”
ثُمَّ أَضَافَ:
“وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْكُرَ أَحَدًا…
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ: مَنْ رَأَى فِيكَ مَا لَمْ تَرَهُ أَنْتَ؟”
خَرَجَ…
وَأُغْلِقَ البَابُ بِهُدُوءٍ.
بَقِيَ سَامِرُ وَحْدَهُ…
لَكِنَّ الوَحْدَةَ لَمْ تَعُدْ تِلْكَ الفَجْوَةَ البَارِدَةَ الَّتِي كَانَ يَخْشَاهَا،
بَلْ أَصْبَحَتْ مَسَاحَةً لِلتَّفْكِيرِ… وَإِعَادَةِ الاِكْتِشَافِ.
سَارَ نَحْوَ النَّافِذَةِ،
وَنَظَرَ إِلَى الخَارِجِ.
ثُمَّ أَخْرَجَ الوَرَقَةَ…
وَفَتَحَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
قَرَأَهَا…
وَفِي كُلِّ سَطْرٍ، كَانَ يَجِدُ مَعْنًى لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ.
هَمَسَ:
“هَلْ كُنْتُ أَعْمَى… أَمْ أَنَّنِي كُنْتُ لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَى؟”
وَفِي دَاخِلِهِ،
وُلِدَ سُؤَالٌ جَدِيدٌ… هَادِئٌ، وَلَكِنَّهُ عَمِيقٌ:
“إِذَا فُتِحَ لَكَ بَابٌ لَا تَعْرِفُهُ…
فَهَلْ تَدْخُلُ بِثِقَةٍ…
أَمْ تَبْقَى عِنْدَ العَتَبَةِ، تَبْحَثُ عَنْ سَبَبِ فَتْحِهِ؟”
—
بَعْدَ سَاعَاتٍ تَثَاقَلَتْ خُطَاهَا عَلَى سَاعَاتِ الزَّمَنِ…
سَاعَاتٍ لَا تُشْبِهُ انْتِظَارًا مُضْطَرِبًا، وَلَا رَاحَةً مُسْتَقِرَّةً،
بَلْ حَالَةً مُعَلَّقَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ…
كَأَنَّ الوَقْتَ نَفْسَهُ وَقَفَ عِنْدَ حَافَّةِ التَّرَدُّدِ،
يَتَسَاءَلُ: “أَيَتَقَدَّمُ… أَمْ يَعُودُ؟”
وَفِي ذَلِكَ السُّكُونِ المُرْبِكِ…
اِنْشَقَّ الصَّمْتُ عَلَى صَوْتِ مِفْتَاحٍ يَدُورُ فِي قُفْلِ البَابِ.
اِلْتَفَتَ سَامِرُ،
وَكَأَنَّ حَرَكَتَهُ لَمْ تَكُنْ نَاتِجَةً عَنْ صَوْتٍ فَقَط،
بَلْ عَنْ شُعُورٍ خَفِيٍّ بِأَنَّ شَيْئًا سَيَتَغَيَّرُ.
دَخَلَ الرَّجُلُ…
وَلَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ عَادِيًّا.
لَمْ يَكُنْ خَالِيَ اليَدَيْنِ،
بَلْ مَثْقُولًا بِأَكْيَاسٍ وَحَقَائِبَ،
كَأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ أَغْرَاضًا،
بَلْ يَجْمَعُ بَقَايَا حَيَاةٍ وَيُعِيدُ تَرْتِيبَهَا.
مُؤَنٌ… مَلَابِسُ… أَدَوَاتُ نَظَافَةٍ…
تَفَاصِيلُ بَسِيطَةٌ،
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: “هُنَا سَتَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ… فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟”
وَضَعَهَا بِتَرْتِيبٍ مُتَأَنٍّ،
يُسَوِّي هَذَا، وَيُعَدِّلُ ذَاكَ،
كَأَنَّهُ لَا يُنَظِّمُ مَكَانًا،
بَلْ يُعِيدُ صِيَاغَةَ فِكْرَةِ البَقَاءِ فِي دَاخِلِ سَامِر.
رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَقَالَ:
“اتَّصَلْتُ بِصَاحِبِ الغُرْفَةِ…”
نَظَرَ إِلَيْهِ سَامِرُ، وَفِي عَيْنَيْهِ سُؤَالٌ مُعَلَّقٌ:
“وَمَاذَا قَالَ؟”
أَجَابَ الرَّجُلُ بِهُدُوءٍ:
“سَمَحَ لِي بِالدُّخُولِ… وَلَمْ يُكْثِرِ السُّؤَالَاتِ.”
ثُمَّ تَوَقَّفَ لِحْظَةً، كَأَنَّهُ يَنْتَقِي كَلِمَاتِهِ، وَأَضَافَ:
“يَبْدُو أَنَّهُ يَثِقُ بِكَ… أَوْ رُبَّمَا يَثِقُ بِصَمْتِكَ.”
مَرَّتِ الجُمْلَةُ،
هَادِئَةً فِي ظَاهِرِهَا…
عَمِيقَةً فِي أَثَرِهَا.
وَفِي دَاخِلِ سَامِر…
تَحَرَّكَ شَيْءٌ لَمْ يُسَمِّهِ.
جَلَسَ الرَّجُلُ قَلِيلًا،
وَكَأَنَّهُ يُرَاجِعُ فِي ذِهْنِهِ خَرِيطَةَ الحَدِيثِ.
ثُمَّ قَالَ:
“المَكَانُ… كَمَا وَصَفْتَهُ لِي.”
وَلَمْ يَزِدْ.
لِأَنَّ التَّفَاصِيلَ لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ…
فَقَدْ كَانَتْ قَدْ عَادَتْ كُلُّهَا إِلَى سَامِر،
لَا كَصُوَرٍ فَقَط…
بَلْ كَإِحْسَاسٍ يُعَادُ عَيْشُهُ.
دَارٌ قَدِيمَةٌ…
لَا تَقِفُ بِقُوَّةٍ، وَلَا تَسْقُطُ بِضَعْفٍ،
بَلْ تُؤَجِّلُ نِهَايَتَهَا بِعِنَادٍ صَامِتٍ.
جُدْرَانٌ مُتَشَقِّقَةٌ…
تُشْبِهُ وُجُوهًا تَعَلَّمَتِ الصَّبْرَ،
وَلَمْ تَعُدْ تَخَافُ مِنِ الاِنْكِشَافِ.
خَمْسُ عَائِلَاتٍ…
تَتَقَاسَمُ مَكَانًا وَاحِدًا،
وَلَكِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ تَتَقَاسَمُ شَيْئًا أَعْمَقَ:
فقْدًا لَا يُحْكَى… وَنَجَاةً لَا تَكْتَمِلُ.
وَفِي أَعْلَى الدَّارِ…
كَانَتْ غُرْفَتُهُ.
تِلْكَ الغُرْفَةُ الضَّيِّقَةُ،
الَّتِي لَا تَتَّسِعُ إِلَّا لِجَسَدٍ وَاحِدٍ…
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَتَّسِعُ لِكُلِّ أَحْلَامِهِ.
دَرَجٌ حَجَرِيٌّ،
ثُمَّ دَرَجٌ خَشَبِيٌّ يَئِنُّ…
يَتَنَفَّسُ تَحْتَ الأَقْدَامِ،
وَكَأَنَّهُ يَسْأَلُ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ:
“إِلَى مَتَى…؟”
وَفِي الدَّاخِلِ…
سَرِيرٌ صَغِيرٌ…
طَاوِلَةٌ تَحْمِلُ حَاسُوبًا وَبَعْضَ الكُتُبِ…
زَاوِيَةٌ تُدْعَى مَطْبَخًا…
وَأُخْرَى تُدْعَى حَمَّامًا، عَلَى سَبِيلِ التَّجَاوُزِ.
مَاءٌ يَأْتِي حِينًا…
وَيَنْقَطِعُ كَأَنَّهُ يَخْتَبِرُ الصَّبْرَ.
وَكَهْرَبَاءُ…
تَزُورُ كَضَيْفٍ مُتَثَاقِلٍ،
سَاعَةً… ثُمَّ تَغِيبُ سِتًّا.
وَشُمُوعٌ…
كَثِيرٌ مِنَ الشُّمُوعِ،
كَأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الضَّوْءَ لَيْسَ دَائِمًا حَقًّا مُتَاحًا.
قَالَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يُخْرِجُ آخِرَ مَا لَدَيْهِ:
“لَمْ آخُذْ شَيْئًا لَيْسَ لَكَ.”
تَقَدَّمَ سَامِرُ خُطْوَةً،
وَأَلْقَى نَظْرَةً طَوِيلَةً عَلَى الحقَائِبِ،
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“وَلَمْ تَتْرُكْ لِي شَيْئًا هُنَاكَ… أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
هَزَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ:
“لَا يَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى لَكَ حَاجَةٌ تَرْبِطُكَ بِمَكَانٍ لَمْ يَعُدْ يَحْمِلُكَ.”
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَعْمَقَ:
“أَوْ… لَمْ تَعُدْ تَحْمِلُهُ أَنْتَ.”
تَوَقَّفَتِ الجُمْلَةُ…
وَبَدَتْ كَأَنَّهَا أَثْقَلُ مِنْ أَنْ تُقَالَ.
اِنْحَنَى سَامِرُ،
وَفَتَحَ إِحْدَى الحقَائِبِ.
مَلَابِسُهُ…
كُتُبُهُ…
تَفَاصِيلُهُ الصَّغِيرَةُ…
وَحَاسُوبُهُ.
مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ،
وَلَمَسَهُ بِبُطْءٍ،
كَأَنَّهُ يَتَحَسَّسُ خَيْطًا خَفِيًّا يَرْبِطُهُ بِمَا كَانَ.
هَمَسَ لِنَفْسِهِ:
“هَلْ تَكْفِي الأَشْيَاءُ لِنُثْبِتَ أَنَّنَا لَمْ نَتَغَيَّرْ؟… أَمْ أَنَّهَا تُذَكِّرُنَا فَقَطْ بِأَنَّنَا تَغَيَّرْنَا؟”
ثُمَّ أَغْلَقَ الحَقِيبَةَ.
قَالَ الرَّجُلُ:
“هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ.”
رَفَعَ سَامِرُ نَظَرَهُ.
“سَلَّمْتُ المِفْتَاحَ.”
صَمْتٌ قَصِيرٌ…
ثُمَّ:
“وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكَ لَنْ تَعُودَ.”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ…
لَمْ يَشْعُرْ سَامِرُ بِصَدْمَةٍ،
وَلَا بِارْتِيَاحٍ.
بَلْ بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِإِغْلَاقِ بَابٍ…
دُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ أَدَارَ المِفْتَاحَ.
شَيْءٌ يُشْبِهُ نِهَايَةً…
تَحْدُثُ بِهُدُوءٍ،
وَلَا تَطْلُبُ إِذْنًا.
مَشَى بِبُطْءٍ نَحْوَ النَّافِذَةِ…
نَظَرَ إِلَى الخَارِجِ،
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرَ الشَّارِعَ.
رَأَى الدَّرَجَ الخَشَبِيَّ…
وَضَوْءَ الشَّمْعَةِ…
وَصَوْتَ المَاءِ حِينَ يَأْتِي…
وَتِلْكَ اللَّيَالِي الَّتِي كَانَ يُقْنِعُ فِيهَا نَفْسَهُ:
“هَذَا يَكْفِي… مَا دُمْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْلُمَ.”
ثُمَّ سَأَلَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
“أَكَانَ يَكْفِي… فِعْلًا؟ أَمْ أَنِّي كُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي فَقَطْ؟”
قَالَ:
“غَرِيبٌ…”
أَجَابَ الرَّجُلُ:
“مَاذَا تَعْنِي؟”
قَالَ سَامِرُ:
“لَمْ أَخْتَرْ أَنْ أُغَادِرَ…
وَلَكِنِّي لَا أَشْعُرُ أَنِّي أُرِيدُ العَوْدَةَ.”
صَمَتَ الرَّجُلُ قَلِيلًا،
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ يَحْمِلُ خِبْرَةً طَوِيلَةً:
“لِأَنَّ بَعْضَ الأَمَاكِنِ… نُغَادِرُهَا فِي الدَّاخِلِ،
قَبْلَ أَنْ نُغَادِرَهَا فِي الوَاقِعِ.”
ثُمَّ أَضَافَ:
“وَبَعْضُ النِّهَايَاتِ… لَا تَحْتَاجُ قَرَارًا،
بَلْ تَكْفِي لَحْظَةُ وُضُوحٍ.”
اِلْتَفَتَ سَامِرُ إِلَيْهِ…
وَفِي عَيْنَيْهِ،
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حُزْنٌ خَالِصٌ…
وَلَا رَاحَةٌ خَالِصَةٌ…
بَلْ إِدْرَاكٌ يَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ.
إِدْرَاكٌ يَقُولُ:
“لَا أُغَيِّرُ مَكَانِي فَقَطْ…
بَلْ أُغَيِّرُ البِدَايَةَ الَّتِي سَأَنْطَلِقُ مِنْهَا.”
وَفِي دَاخِلِهِ…
كَانَ سُؤَالٌ آخَرُ يَتَشَكَّلُ:
“إِذَا كَانَتِ البِدَايَةُ قَدْ تَغَيَّرَتْ…
فَهَلْ سَيَتَغَيَّرُ أَيْضًا… مَا أَصِلُ إِلَيْهِ؟”
