Numan Albarbari نعمان البربري

لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 05

الجزء الخامس

في الشتاء الذي أتمّت فيه ميري عامها العاشر، طلبت منها معلمتها مشروعًا عن “يوم عادي في عائلتي”.
عادت إلى البيت بورقة مطبوعة وجلست على الأرض في غرفة الجلوس، وبدأت تكتب على الدفتر بخط كبير متعرج. ثم توقفت.
كان سامي في الزاوية يقرأ، وقد اعتاد منذ أشهر أن يبقى في فايسارن معظم الأسبوع، وأن يحمل كتابه من غرفة إلى غرفة كما يحمل المرء قطة.
قالت ميري دون أن ترفع رأسها:
— سامي.
— نعم.
— سؤال.
— تفضلي.
— ماذا قالت لك أمك في آخر مكالمة؟
أغلق الكتاب.
لم يكن السؤال مفاجئًا تمامًا. كان يعرف منذ أشهر أنه سيأتي، وكان قد وعد نورا وأمام نفسه أنه سيستجيب له ولو كان غير مستعد. لكن معرفة أن الشيء سيأتي لا تجعله أخف حين يأتي.
— من أخبرك أن هناك مكالمة؟
— سمعتك تتحدث مع ماما في الليل. لم أكن أتصنت. كان الباب مفتوحًا.
— حسنًا.
— هل هو سر؟
— لا. لكنه ثقيل.
— هل أسحب السؤال؟
نظر إليها.
كانت قد كبرت بطريقة لم ينتبه إليها: في الوقفة، وفي النظرة المباشرة، وفي هذا الاحترام الغريب لأن الأسئلة قد تجرح.
— لا. أريد أن أجيبك. لكنني لا أريد أن أجيبك الآن.
— متى؟
— غدًا. بعد أن أفكر كيف.
— هل تحتاج إلى وقت طويل؟
— يوم واحد.
— حسنًا.
أعادت القلم إلى الدفتر، ثم قالت بعد لحظة:
— أنا أعرف أنك إن قلت “غدًا” ستقولها غدًا. أنت لا تؤجل أكثر من اللازم.
ابتسم.
— من علّمك هذا؟
— أنت.
في الليل حكى لنورا.
— سألتني.
— أعرف. سمعتها عند الباب. كانت قد ظنت أنني نائمة.
— وماذا تقولين؟
— لا أقول شيئًا.
— أعرف. ولهذا أسأل.
— أقول لك ما قلته لك قبل أشهر: لو سألتك لن تجيب إلا إذا كنت مستعدًا.
— وأنا لست مستعدًا.
— إذن قل لها.
— أنني لست مستعدًا؟
— نعم.
— هذا ليس جوابًا.
— هو أصدق جواب. وهي تعرف الفرق بين الجواب الناقص والجواب الكاذب.
— وهل ستسمحين لي أن أقول لها ما سمعت؟
— في الكلمات، لا في التسجيل؟
— نعم.
— أنت الوحيد الذي يقرر ذلك.

في الصباح جلس معها في غرفة الجلوس، على السجادة قرب المدفأة.
قال:
— سأحكي لك، لكن دون أن أشغّل شيئًا. هل هذا مناسب؟
— نعم.
— هناك تسجيل محفوظ في أرشيف بعيد. لم آخذ منه نسخة، لأنني لا أستطيع أن أسمعه وأنا أتكلم.
— هل فيه صوتها؟
— نعم.
— هل تحفظ الصوت؟
— لا. لا أحفظه. أحفظ ما قالت.
— قل.
أخذ نفسًا.
— اتصلت بها في تلك الليلة، وسألتني إن كنت قد أكلت.
ضحكت ميري.
— كما تسأل ماما.
— نعم. ثم قالت لي إنها لا تريدني أن أتصل في اليوم التالي.
— لماذا؟
— لأنها كانت تعرف أن أحدًا يسمع المكالمة، وأن الخطر قريب. ولم تقل لي. قالت: “الخط خربان، خلّينا يومين”.
قطّبت جبينها.
— كانت تكذب؟
— كانت تحميني.
— بالكذب؟
— بالكذب. وكان كذبًا لطيفًا.
فكرت.
— هذا مثل ما قالت جدتي إنغريد في الرسالة. إن الكذب هذه المرة هبة.
— من أين عرفتِ؟
— قرأتُها. كانت على الطاولة.
أمسك سامي رأسه بين يديه وضحك.
— بالطبع قرأتِها.
— هل أخطأت؟
— لا. ولا مرة.
ثم عاد جادًا.
— وفي آخر المكالمة قالت لي: “سلامتك يا ولدي”. وأنا قلت لها: “تمام يا أمي، سأغلق”. وأغلقت. وبعد ذلك لم أكلمها.
أنزلت ميري رأسها.
— هل كانت آخر مرة؟
— نعم.
— هل تحزن لأنك لم تقل لها شيئًا أجمل؟
— كنت أحزن لسنوات. ثم سمعت التسجيل. وعرفت أنها لم تكن تنتظر شيئًا أجمل. كانت تريد أن تكون المكالمة عادية.
— لماذا؟
— لأنها كانت تعرف أن الأشياء العادية هي التي تحمينا حين يأتي الخوف.
نظرت إليه.
— مثل “يوم الجمعة. لا شيء حدث”؟
— بالضبط.
ثم، بعد لحظة صمت طويلة، قالت:
— هل تريدني أن أرسم لها شيئًا؟
— لمن؟
— لأمك. أنا لم أعرفها، لكنني أعرف أنها كانت تقول “بعد قليل يا حبيبتي”. ماما أخبرتني. أريد أن أرسم ما أظن أنها كانت تفعله في المطبخ.
— ماذا ستفعل فيه؟
— تعجن، وتنظر إلى الباب، وتقول بعد قليل.
— وكيف عرفتِ أنها تعجن؟
— لأنك تحب الخبز.
لم يعرف بماذا يجيب.
كان في قلبه شيء يتحرك ببطء.
مدّت ميري يدها، ووضعتها على ظهر يده.
— سامي؟
— نعم.
— شكرًا لأنك أجبت.
— شكرًا لأنك سألتِ.
ونهضت تركض إلى غرفتها لتبحث عن أقلامها.

ماتت إنغريد في كانون الثاني، بعد أسبوع من الثلج.
لم يكن موتًا دراميًّا. كانت قد ضعفت في الشهور الأخيرة، وكفّت عن الخروج إلى الحديقة، ثم عن النزول إلى الطابق الأول، ثم عن إدراك الأيام. وكان الطبيب قد قال: قد تكون عشر سنوات وقد تكون أقل، لكنه لم يتوقع أن تكون أقل إلى هذا الحد. أصابها التهاب في الرئة مع أول الثلج، ولم يحتمله جسدها. كانت تقضي نهارها على سريرها، بجانب النافذة المطلة على شجرة التفاح التي لم يبقَ فيها ورقة.
في آخر أسبوع جلست نورا إلى جانبها كل ليلة.
لم تكن تدرّس. لم تكن تحلل. كانت تفتح يديها، وتقول كل مرة:
— أنا نورا.
وكانت إنغريد تبتسم أحيانًا، وتهمس أحيانًا بكلمة عربية، وتنام.
في الليلة الأخيرة قالت، بصوت لا يكاد يُسمع:
— معلش.
قالت نورا:
— أنا هنا.
— إنتِ كويسة؟
— أنا بخير يا أمي.
— طيب.
أغمضت عينيها.
بعد ساعتين لم تعد تتنفس.
لم تبكِ نورا فورًا. جلست بجانبها، وأمسكت يدها، وبقيت كذلك طويلًا. ثم خرجت من الغرفة، ووجدت كاترين واقفة عند الباب، وقد عرفت من وجهها.
لم تقولا شيئًا.
ثم قالت كاترين:
— كانت تقول دائمًا: لا تبكيا عليّ قبل أن أموت.
— أعرف.
— الآن يمكننا.
— نعم.
وبكتا معًا، في الممر، ويدا كل منهما في يد الأخرى، بطريقة لم تبكياها من قبل.
في الطابق الأسفل، كان سامي قد أشعل الضوء في المطبخ وجلس وحده، دون أن يقترب. لم يكن يحتاج إلى أن يسأل.
وقف بعد ساعة، وصنع الشاي.
كانت ميري قد نزلت، بقميص النوم وشعر أشعث، ووقفت عند الباب.
— هل ماتت؟
— نعم.
— هل كانت تتألم؟
— لا أظن.
— هل كانت خائفة؟
— قالت لماما: معلش. وهي كلمة تقولها حين لا تكون خائفة.
فكرت.
— هل أستطيع أن أقول لها شيئًا؟
— نعم.
— أين هي الآن؟
— فوق.
— هل أستطيع أن أدخل؟
— اسألي ماما.
صعدت الدرج، ودخلت الغرفة، وجلست بجانب السرير.
بعد دقائق نزلت.
قالت نورا من الأعلى:
— ماذا قلتِ لها؟
— قلت لها ما حدث اليوم.
— ماذا حدث؟
— لا شيء. كان يومًا عاديًا. وقد ثلجت قليلًا.

أُقيمت الجنازة بعد ثلاثة أيام، ثم اجتمع الناس في بيت إنغريد.
لم تكن كبيرة. لم يكن هناك قس. جاء أربعون شخصًا ووقفوا في الحديقة الباردة حول الشجرة العارية.
تكلم كونراد أولًا، بصوت جاف لم يخفِ ارتجافه، عن امرأة لم تسمح لأحد أن يقرر عنها.
ثم تكلم هنريك، ببضع جمل:
— عرفتها قبل أن أعرف ابنتها. كانت الوحيدة في هذه المدينة التي تجرأت أن تقول لي في وجهي إن محاضرتي مملة.
ضحك الحضور.
— وكانت محقة.
وبعده قرأت كاترين الرسالة. الرسالة التي وجدتها في الدرج. قرأتها كاملة، بالألمانية، بنبرة ثابتة، دون أن ترفع عينيها.
عند الجملة الأخيرة، “لا تبكيا عليّ قبل أن أموت. أنا لم أمت بعد”، توقفت.
قالت:
— والآن ماتت.
ثم أضافت، بصوت هادئ:
— وسنبكي.
ولم يكن في الحديقة من لم يبكِ.
بعد الكلمات، حين بدأ الناس يتفرقون إلى الداخل، اقتربت كاترين من سامي، وقد وضعت شالًا أسود على كتفيها.
قالت:
— هل أكلت؟
رفع رأسه.
— ماذا؟
— قالت إنغريد: “تأكدوا أنه يأكل”.
أخرجت من حقيبتها شطيرة ملفوفة بورق أبيض، ومدتها إليه.
— من هذا الصباح.
أخذها.
— كاترين…
— لا تقل شيئًا. لا أحبك. لكنني أتأكد.
— أعرف.
— وسأظل أتأكد.
— سأظل آكل.
— جيد.
ثم أضافت، وهي تنظر إلى الشجرة:
— لقد ربحتَ شيئًا في هذه العائلة لم أربحه أنا.
— ماذا؟
— إنها سمحت لك أن تكون الرجل الذي يأكل في الحديقة. وأنا لم تسمح لي أن أكون إلا الابنة التي تتولى الأوراق.
— هذا ليس صحيحًا.
— بل هو. لكنني لست غاضبة.
— ولماذا لا تكونين؟
— لأن الرسالة كانت لي أيضًا.

مرت الشهور الثلاثة التالية بطيئة.
عادت نورا إلى الجامعة، لكنها لم تعد كما كانت. كانت تدرّس بنبرة أخفض، وتترك في الفصل فترات صمت لم تكن تحتملها من قبل. وذات ليلة، وهي تقرأ أوراق الطلاب، قالت لسامي:
— أشعر أنني صرت قديمة.
— ليس قديمة. مفتوحة.
— ما الفرق؟
— القديم يغلق. والمفتوح لا يزال يسمح بالهواء.
— هذا مؤلم.
— نعم.
— هل تعرف ما الذي أفتقده؟
— ماذا؟
— أنني لم أعد ابنة أحد.
لم يجب. جلس بجانبها، وقال بعد لحظة:
— أنتِ ابنة من ولدتك وابنة من علمتك. لا ينتهي ذلك بموتهما.
— أعرف. لكنني أشعر أنني لم أعد أحمل أحدًا على ظهري.
— ولماذا لا ترتاحين؟
— لا أعرف كيف.
— جربي.
— كيف؟
— لا تفعلي شيئًا اليوم. لا تقرئي ولا تكتبي ولا تتذكري.
— هذا مستحيل.
— إذن افعلي شيئًا صغيرًا. اطبخي.
— أنا لا أطبخ.
— أنا أعلمك.
— هذا أسوأ.
ضحكت.
وفي تلك الليلة طبخا معًا للمرة الأولى: أرزًا وخضارًا ودجاجًا كما يحبه سامي، وكانت نورا تقطع الجزر بخطوط غير متساوية وتضحك على نفسها. ولاحظ سامي أنها، لأول مرة منذ شهور، كانت تضحك من جوفها.
بعد العشاء، وبينما كانت تجلس على الأريكة بكوب الشاي، رنّ الهاتف.
كان يوسف.
— سامي؟
— نعم.
— هل أنت جالس؟
— نعم.
— وصلتني رسالة من دمشق.
تجمد.
— من؟
— من أبو نزار.
لم يقل سامي شيئًا.
كان أبو نزار صيدلانيًا متقاعدًا، عاش في الشارع نفسه. لم يره منذ سبعة عشر عامًا.
— أين هو؟
— لا يزال في الحي. أعطاه أحدهم رقمي. قال إنه يبحث عنك.
— لماذا؟
— يقول إن البلدية قررت إزالة الأنقاض في الشارع كله هذا الصيف. وأن هناك شركة تريد شراء الأرض.
— أي أرض؟
— أرض البيت.
ساد صمت.
— أعرف.
— يقول إن عليك أن تسجّل ملكيتك قبل نهاية حزيران. وإلا ستُعتبر الأرض بلا وريث.
— أنا وريثها الوحيد.
— نعم. وأنت الوحيد الذي يستطيع أن يقرر.
— أقرر ماذا؟
— أن تبيع. أو تهدم. أو تعيد بناءها. أو تتركها.
— لا أعرف.
— لا أحد يعرف. لكنك إن لم تذهب، فسيقرر غيرك.
أغلق سامي الهاتف، ونظر إلى نورا.
كانت قد سمعت.
لم تسأل. وضعت كوب الشاي ببطء على الطاولة.
قال:
— كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي.
— نعم.
— وكنت أعرف أنني سأؤجله.
— ونعم.
— وأنا الآن أخاف.
— ممَّ؟
— من أن أقف هناك.
— وهل أنت خائف من الوقوف، أم من أن لا تشعر بشيء؟
نظر إليها طويلًا.
— الاثنان.
— إذن أنت لست وحدك.
— لا أعرف.
— بلى. أنا أخاف أن لا أشعر بشيء حين أزور قبر أمي. وأخاف أن أشعر بكل شيء.
— نعم.
— اقتربنا.
— من أين؟
— من الخوف نفسه.

تحدثا في اليوم التالي ساعات.
قال سامي:
— أريد أن أذهب. لكنني لا أريد أن يتحول الأمر إلى “زيارة”.
— ماذا تريده؟
— أريده أن يكون قرارًا لا رحلة.
— وأنا؟
— ماذا عنكِ؟
— هل تريدني معك؟
— لا أعرف.
— حسنًا.
— لا تقولي “حسنًا” هكذا.
— كيف أقولها؟
— كأنك لا تهتمين.
— أنا أهتم. لكنني تعلمت منك أن “لا أعرف” جواب مشروع.
— ولماذا أنا متردد؟
— لأنك تخشى أن يكون ما سأفعله هناك فضولًا مهنيًا.
رفع عينيه.
— هذا ما أخشاه فعلًا.
— وأنا أعرف أنه قد يكون.
— كيف؟
— لأنني أسأل نفسي كل مرة: هل أنا هنا لأنني أحبك أم لأنني أريد أن أرى مكانًا بقي في ذاكرتك؟
— وما الجواب؟
— الاثنان. لكنني أعرف أن الأول هو الأهم.
— وكيف أتأكد؟
— لا تستطيع. لكنك تستطيع أن تضع شروطًا.
— مثل ماذا؟
— ألا أصوّر دون إذن. وألا أكتب شيئًا عنك إلا بعد أن تقرأه. وأن أجلس حيث تقول لي أجلس.
— وهذه شروطك؟
— هذه اقتراحاتي. الشروط شروطك أنت، وأنت لا تعرفها بعد.
— إذن أنتِ تقررين؟
— لا. أنا أقول إنني سأكون هناك إذا أردتني، ولن أكون إذا لم تُرد، ولن أفسر أي جواب منك على أنه رفض.
وقف سامي، وذهب إلى النافذة.
— أمل.
— ماذا؟
— يجب أن أقول لأمل.
— لماذا؟
— لأنها ستسمع من يوسف. وأريدها أن تسمع مني.
— هل تعتقد أنها ستريد أن تأتي؟
— لا أعرف. لكنني أعرف أنها تريد أن تعرف.
— ماذا تعرف؟
— شيئًا عن أخيها.

جاءت أمل إلى فايسارن بنفسها بعد أسبوع.
لم تأتِ من قبل إلا في العرس. وصلت بقطار الصباح، بمعطف رمادي وحقيبة صغيرة، ودخلت بيت نورا بخطوات مترددة، كما تدخل امرأة مكانًا لا تعرف قواعده.
جلست في المطبخ، وتناولت الشاي، ونظرت إلى سامي طويلًا.
— ستذهب؟
— أظن.
— متى؟
— في أيار.
— وستعود؟
— نعم.
— لا أقصد هذا.
— وماذا تقصدين؟
— أقصد: هل ستعود كما كنت؟
— لا أعرف.
— أنا أعرف.
— ماذا؟
— لن تعود كما كنت. ولا أنا.
— أنتِ؟
— سأذهب معك.
رفع رأسه.
— أمل…
— قلت لك إنني لا أستطيع أن أشهد أمام قاضٍ. لم أقل إنني لا أستطيع أن أبحث عن أخي.
— ماذا تغيّر؟
— سمعت أن ملفات السجون فُتحت منذ تغيّر الحال هناك. وأن هناك قوائم. وأن من يأتي بأوراق وأسماء قد يجد شيئًا.
— وإن لم تجدي؟
— سأعرف أنني حاولت.
— وإن وجدتِ؟
— سأعرف.
سكتت.
— سامي، أنا لست شجاعة. لكنني تعبت من أن أقول إنني لا أستطيع.
نظرت إلى نورا.
— وأنتِ؟ هل تأتين؟
قالت نورا:
— إن سمح سامي.
— سامي؟
— نعم.
— وأنا؟ هل تسمح لي؟
— لا أحتاج أن أسمح. أنا أتمنى.
— حسنًا.
ثم قالت أمل، وقد أخذت قطعة خبز:
— وأريد أن أقول لك شيئًا يا نورا.
— تفضلي.
— في أول عشاء قلت لك إنني لا أثق بالأغنياء.
— أذكر.
— لم أتغير.
— وأنا أعرف.
— لكنني أثق بك.
نظرت إليها نورا، ثم ابتسمت.
— هذا أجمل ما قيل لي هذا الشتاء.

لم تكن ميري سعيدة.
حين سمعت القرار، جلست على الدرج، وذراعاها حول ركبتيها، ولم تتكلم.
جاءت نورا إليها وجلست بجانبها.
— هل أنتِ غاضبة؟
— نعم.
— من من؟
— منكما.
— لأنني لن آخذك معي؟
— نعم.
— ميري، لأن المكان ليس آمنًا تمامًا. وأنتِ في العاشرة.
— أنا أعرف.
— وبيت سامي ليس موجودًا. هو أنقاض.
— أعرف.
— فلماذا تريدين أن تأتي؟
— لأنه بيت عائلتي أيضًا.
توقفت نورا.
— ميري…
— ألم تقولي إننا نحكي كل يوم عن الذين نحبهم، فيبقون في العائلة؟
— بلى.
— وسامي يحكي لي عن لينا. إذن هو بيتي.
نظرت إليها نورا.
لم تجد في الجدل ما تقوله. كانت طفلتها تقول حقيقة بطريقة أكبر من سنها.
قالت أخيرًا:
— ليس هذه المرة.
— وفي المرة القادمة؟
— حين تكبرين قليلًا.
— وعد؟
— وعد.
— إذن سأعطيك شيئًا.
نهضت وذهبت إلى غرفتها، وعادت بورقة كبيرة مطوية.
— هذه لتضعيها هناك.
فتحتها نورا.
كانت رسمة بألوان زاهية. مطبخ صغير، وامرأة بوشاح قصير على رأسها تعجن، ترفع رأسها إلى الباب، وفي الزاوية طفلة صغيرة بوجه غاضب تمد يدها إلى صحن. وفي الأسفل، بخط ميري الكبير المتعرج:
“بعد قليل يا حبيبتي. — رسمتها ميري.”
لم تستطع نورا أن تتكلم.
— هل تعتقدين أنها ستحب؟
— أنا متأكدة.
— وهل تعرفين أين تضعينها؟
— سنجد مكانًا.
— حسنًا.
وقفت ميري، ثم أضافت:
— وأخبري سامي أنني أغفر له.
— على ماذا؟
— على أنه لن يأخذني.
وابتسمت، ابتسامة طفلة تعرف أن الغفران قد يكون هدية.

وصلوا إلى بيروت في أواخر أيار، في قطار الليل ثم طائرة ثم حافلة صغيرة مزدحمة.
كانوا أربعة: سامي ونورا وأمل ويوسف، الذي أصرّ على أن يأتي بعد أن ترك رنا في بلدتهما مع عدنان الصغير، ابن الأشهر الأربعة، الذي لا يعرف بعد أن يسمّي شيئًا.
في الفندق الصغير عند الحدود قال يوسف، وهو يوزع مفاتيح الغرف:
— لن أقول شيئًا.
— هذا أول وعد في حياتك لم تكسره، قال سامي.
— لأنني خائف.
— من ماذا؟
— من أنني إن بدأت الكلام فلن أتوقف.
— وأنا أيضًا.
— إذن نقول الحد الأدنى.
— اتفقنا.
في الفجر عبروا الحدود.
لم يكن سامي يعرف ماذا سيشعر. كان يتخيل قلبًا يخفق وعيونًا تدمع. لكنه شعر بشيء آخر: ثقلًا مسطحًا، كأن الجو نفسه أكثف هنا.
جلست نورا بجانبه في المقعد الخلفي.
لم تقل شيئًا.
مدت يدها، ووضعتها على المقعد بين جسديهما. لم تمسكه. تركتها هناك، قريبة، كما فعلت في الممر الرمادي منذ سنوات.
أمسكها.
كان الطريق يمتد بين تلال جافة، وقرى صغيرة بأسطح مكسورة، وأشجار زيتون متفرقة. ومن بعيد، بين غبار الظهيرة، ظهرت المدينة.
قالت أمل، من المقعد الأمامي، بصوت لا يشبه صوتها:
— ها هي.
لم يجب أحد.

وجدهم أبو نزار في مدخل الحي.
رجل في الثمانين، نحيل جدًا، في سترة بنية باهتة، وعينين صغيرتين ملتهبتين خلف نظارات سميكة. ما إن رأى سامي حتى فتح ذراعيه، ثم أنزلهما فجأة، كأنه تذكر شيئًا.
— سامي.
— عمّ أبو نزار.
— ابن عدنان.
— نعم.
اقترب، ولمس كتفه بكفه، ثم وضع يده على صدره.
— كم كبرت.
— أنت الذي صغرت.
ضحك الرجل.
— لا. أنا أنتظرك.
— عفوًا؟
— سبع عشرة سنة وأنا أقول: سيأتي. وكلما مرت الشهور قلت: ربما لن يأتي. ثم قلت: سيأتي.
— أنا هنا.
— نعم.
نظر إلى نورا، ثم إلى أمل، ثم إلى يوسف.
— هؤلاء؟
— زوجتي. وصديقة. وصديق قديم تعرفه.
— يوسف؟ أنت يوسف ابن الخياط؟
— نعم.
— ما أشبه وجهك بأبيك!
— سمعت ذلك.
ضحك أبو نزار مرة ثانية.
ثم قال، وصوته ينخفض:
— تعالوا. البيت في آخر الشارع.

كان الشارع أضيق مما يذكر.
في ذاكرته كان شارعًا واسعًا يتسع لعرسين. الآن رآه على حقيقته: ممر بين جدارين مقشّرين، ودراجة نارية مركونة عند ركن، وسلك كهرباء يتدلى، وجرس باب معلق بلا يد.
وفي نهايته، حيث كان البيت، لم يكن هناك شيء.
كانت هناك أرض مستوية، مغطاة بالركام. حجارة متراكمة مع قطع خشب محروق وأسياخ حديد ملتوية. وفي وسطها، بين كتلتين من الإسمنت، نبتة صغيرة خضراء لا يعرف اسمها.
وقف.
لم يتحرك أحد.
قال أبو نزار من خلفه:
— حاولنا أن نزيل الركام في السنة الأولى. لم نستطع. كان الجيران يخافون أن يقتربوا.
— وبعد ذلك؟
— بعد ذلك اعتادوا.
— اعتادوا؟
— نعم.
لم يكن في صوته لوم.
خطا سامي خطوة إلى الأمام.
كان يعرف أين كان باب البيت. خمس خطوات من الرصيف. كان باب خشب أخضر، بمقبض نحاسي، وله صرير يشبه سعالًا صغيرًا. هكذا يتذكره، ولا يستطيع أن يتأكد.
أين المقبض الآن؟
وقف عند المكان الذي كان فيه الباب.
ثم، دون أن يقرر، خلع حذاءه.
لم يعرف لماذا. كان الأمر كما كان في طفولته، حين يدخل البيت ويترك حذاءه عند العتبة لأن أمه لا تحب الغبار.
وقف على الحجارة بجواربه.
لم يكن أحد خلفه يتنفس.
مشى ثلاث خطوات، ثم أربعًا، حتى وصل إلى المكان الذي يظن أنه كان المطبخ.
جلس.
لم يبكِ.
وضع كفه على الحجر. كان دافئًا من الشمس.
قال بصوت منخفض، للركام:
— أنا هنا.
ولم يجب الركام.
لكنه سمع، من بعيد، صوتًا خافتًا يقول: “بعد قليل يا حبيبتي”.
لم يكن في الشارع أحد. كانت ذاكرته.
ومع ذلك ابتسم.

اقتربت نورا بعد وقت.
رفعت هاتفها لحظة، وعيناها على المشهد، وإصبعها فوق الزر.
قال سامي، دون أن يلتفت:
— لا.
أنزلت الهاتف فورًا.
— آسفة.
— لا تعتذري.
— كنت أريد أن…
— أعرف. لكنني لا أريدها.
— فهمت.
— شكرًا.
جلست على حجر قريب، وتركت مسافة.
بعد وقت قال:
— هل تعرفين أنني كنت أتوقع أن تصوّري؟
— وأنا كنت أتوقع أن تسمح.
— ولماذا لم أسمح؟
— لأنك لا تريد أن تكون المكان الذي تصوره أحد.
— بل لأنني لا أريد أن أقف أمام الصورة بعد ذلك وأعتقد أنني كنت هنا.
— هذا أعمق.
— هل تعرفين ما أريد؟
— ماذا؟
— أن تأخذي صورة واحدة.
رفعت حاجبيها.
— واحدة؟
— لأرضية المطبخ. هناك.
أشار إلى قطعة من بلاط قديم مكسور، كانت لا تزال ملتصقة بالأرض بين الركام، بنقوش زرقاء وبيضاء باهتة.
— فقط هذه.
— سأفعل.
انحنت، وصورتها، ثم أعادت الهاتف إلى جيبها.
نظر إليها.
— ألا تسألين لماذا؟
— لا.
— سأقول على أي حال.
— قل.
— كانت أمي تمسح هذه البلاطات كل يوم. كنا نقول لها: لماذا؟ فتقول: لأن من لا يحب الأرض التي يمشي عليها لا يحب من يمشي معه.
— جملة جميلة.
— كانت تقولها كل مرة ونحن نضحك.
— وأنت الآن لا تضحك؟
— أنا أبتسم.
— هذا كافٍ.

أخذه أبو نزار إلى بيته لشرب الشاي.
كانت الشقة صغيرة جدًا، فيها صور قديمة وعلب أدوية قديمة وكتب عن الأعشاب. جلس سامي على الكنبة، وكان يوسف وأمل ونورا قد توزعوا على الكراسي.
قال أبو نزار:
— يجب أن أقول لك شيئًا يا ابني.
— قل.
— هناك رجل جاء يسأل عنك قبل ثلاثة أشهر. يمثل شركة. لا أعرف اسمها.
— وماذا قال؟
— أراد أن يعرف من هو وريث الأرض. أعطيته اسمك. أنا لم أقصد أي أذى. كان يعرض مبلغًا كبيرًا.
— كم؟
— لا أعرف. لم أسأل. لكنه قال إنه يكفي لتشتري بيتًا في أي مكان.
نظر سامي إلى نورا، ثم إلى يوسف.
قال يوسف:
— أنا سأقول رأيي، ولا تغضب.
— قل.
— خذ المبلغ.
— يوسف!
— اسمعني. هذه أرض دُفن فيها أهلك. لا أحد يريدك أن تعيش فيها. خذ المال، واشتر بيتًا صغيرًا في بلدتنا قرب بيتنا، وعش حياتك.
— هل تقول ذلك حقًا؟
— أقوله لأنني أحبك. ولأنني رأيت وجهك اليوم.
قالت أمل:
— وأنا أقول: لا.
— لماذا؟
— لأن هذه الأرض هي الشيء الوحيد الذي بقي لك ولهم. إن بعتها، فستصبح عمارة.
— وما الضرر؟
— الضرر أن بسام لا قبر له. وربما لن أجد له قبرًا أبدًا. وأتمنى أن يبقى له اسم على الأقل في مكان.
نظر أبو نزار إلى الأرض.
— وأنا أقول لك ما يقوله كل من في الحي: بِع. لقد تعبنا. نريد أن نسكن حيًّا لا تتذكر جدرانه شيئًا.
ساد الصمت.
قال سامي:
— وأنتِ يا نورا؟
— لا أقول شيئًا.
— لماذا؟
— لأن هذا ليس قراري.
— أعرف. لكنني أسألك.
— لا أريد أن أقرر عنك.
— ولا أطلب ذلك. أسألك عما تفكرين.
نظرت إليه.
— أفكر أن القرارات الكبرى يشارك فيها الجسد قبل الرأس. وأن جسدك عاد إلى الأرض بجواربك.
ابتسم.
— رأيتِني؟
— رأيت كل شيء.
— وماذا يقول جسدي؟
— أنه لا يريد أن يبيع. لكنه لا يعرف بعد ماذا يريد.
— وأنا أتفق.
وضع كوب الشاي.
— سأنتظر. لن أقرر اليوم.
— متى؟
— بعد أن أنتهي من شيء آخر.

في الصباح التالي ذهبت أمل وحدها إلى مكتب في وسط المدينة، عند مبنى قديم بلا لافتة، حيث تتجمع عائلات المفقودين.
أصرت أن تذهب وحدها.
انتظرها الثلاثة في مقهى صغير مقابل، حول طاولة خضراء. لم يتكلم أحد كثيرًا. كان يوسف يقلب فنجانه. وكانت نورا تنظر إلى الباب. وكان سامي ينظر إلى يديه.
بعد ساعتين ونصف خرجت أمل.
لم تكن تسير بخطى من يحمل خبرًا. كانت تسير بخطى من يحمل شيئًا لا يعرف أين يضعه.
جلست أمامهم.
لم تتكلم.
طلب لها يوسف شايًا، فلم تشربه.
قالت أخيرًا:
— وجدوه.
تجمد الجميع.
— اسمه مكتوب في سجل. تاريخ الوفاة: العام الرابع من اعتقاله. لا يوجد سبب. لا يوجد قبر.
أخرجت من حقيبتها ورقة واحدة مطوية بعناية.
— هذه.
وضعتها على الطاولة.
كانت ورقة بسيطة، مطبوعة، فيها اسم، ورقم، وتاريخ، وختم لا يدل على شيء.
نظرت أمل إليها طويلًا.
— سبع عشرة سنة وأنا أنتظر هذا.
— أمل…
— لا.
رفعت كفها.
— دعوني.
ثم قالت، بصوت لم يعرفوه:
— كنت أعتقد أنني سأبكي. وأنا لا أبكي.
— لا بأس.
— لا. أنا أشعر بشيء آخر. أشعر بأنني أخيرًا أستطيع أن أتوقف.
— عن ماذا؟
— عن الانتظار.
مدت يدها إلى الفنجان، وشربت الشاي، ببطء، كمن يشرب شيئًا لم يذقه منذ زمن.
قالت نورا:
— هل تريدين أن نبقى معك؟
— لا.
— هل تريدين أن نتركك؟
— لا.
— إذن؟
— أريد فقط أن أجلس.
— نجلس.
وجلسوا.
مرت دقائق.
ثم قالت أمل، دون أن ترفع رأسها:
— كان بسام يحب الكتّاب. كان يكتب قصصًا صغيرة. كنت أقول له: ستكون كاتبًا. وكان يضحك ويقول: أنا قارئ.
ابتسمت.
— يا ليته قرأ “المتحف”.
قال سامي:
— سأكتب له فصلًا.
— لا تقل ذلك.
— أنا جاد.
— لا أريد فصلًا. أريد أن يُذكر اسمه في مكان.
— سيُذكر.
— أين؟
— سأخبرك غدًا.

في ذلك المساء عاد سامي وحده إلى الأرض.
كان الغروب قد أدخل الشارع في ضوء برتقالي مائل. جلس على حجر قرب النبتة الصغيرة التي لاحظها في النهار.
كان قد أخرج من جيب معطفه الظرف الأبيض الذي أعطته إياه ديما منذ سنتين.
لم يفتحه.
نظر إليه طويلًا.
ثم فتحه.
كان في الداخل شيئان: ورقة صغيرة مطوية، وورقة أكبر مطوية أيضًا.
بدأ بالصغيرة.
كان الخط عربيًا دقيقًا، خط معلم.
“إلى سامي، ابن عدنان.
لا أطلب غفرانًا. لا أملك حقًا أن أطلبه.
أعرف أنني كتبت اسمك. كنت الاسم الوحيد الذي عرفته كاملًا من بين الجالسين في المقهى. وحين لم أعد أجد في رأسي شيئًا سوى الخوف، وجدت اسمك. أخذوني تسعة أيام. لن أقول لك ماذا حدث. لا أريد أن أجعل من ألمي عذرًا.
لكنني أريد أن تعرف أنني كنت أرسمك.
كل يوم، في المقهى، قبل أن أتحول إلى هذا، كنت أرسم وجوهكم. وبعد أن خرجت رسمت ما أستطيع أن أتذكره. هذه الورقة الثانية. هي الشيء الوحيد الذي أملكه ولا أخجل منه.
إن أردت أن تمزقها فمزّقها. وإن أردت أن تحفظها، فهي لك.
فواز.”
فتح الورقة الثانية.
وتوقف قلبه.
كان رسمًا بالحبر الأسود على ورق قديم.
بيت كبير وضيق في آن واحد، من الخارج، بنوافذ مضاءة. وفي إحدى النوافذ، على اليسار، خيال أمه وهي تمد يدها بصحن. وخلفها ظل رجل يلتفت. وفتاة تضحك. وطفلة تتسلق مقعدًا.
لم تكن الوجوه مرسومة. كانت ظلالًا. لكنه عرف كل ظل.
وفي الأسفل، بخط صغير:
“بيت عدنان. مساء عادي.”
جلس سامي على الحجر، والورقة بين يديه، وقد غطت الشمس المائلة جانبها الأيمن.
لم يتحرك.
مرت دقائق.
ثم، وهو ينظر إلى الرسم، قال بصوت عالٍ، للشارع الفارغ:
— لا أسامحك.
لم يكن في الشارع أحد.
— لكنني أحتفظ بهذا.
طوى الورقة بحذر، ووضعها في الظرف.
وعندما رفع رأسه وجد نورا واقفة على مسافة عشرة أمتار، عند مدخل الشارع، لا تقترب.
قال:
— تعالي.
اقتربت.
— لم أقصد أن أتتبعك.
— لا. أنا أعرف.
— كنت قلقة.
— وأنا كنت أعرف أنك قلقة. ولهذا لم أُغلق الباب.
جلست بجانبه.
أعطاها الورقة.
قرأت الرسالة. نظرت إلى الرسم. وعيناها تمسحان النوافذ واحدة واحدة.
قالت:
— هذا رسم رجل رأى الحياة التي ساهم في ضياعها.
— نعم.
— وأنت؟
— لن أقول إنني أغفر.
— لا تقل.
— ولن أقول إنني أكرهه.
— لا تقل.
— سأقول إنني أحتفظ بالرسم.
— وأين؟
— هنا.
نظر إلى الأرض.
— هل تعرفين ما أريد أن أفعل بهذه الأرض؟
— ماذا؟
— لا أريد أن أبيعها. ولا أريد أن أعيد بناء البيت.
— ماذا تريد؟
— أريد أن أحفظ منها ما يكفي.
— كيف؟
— بيت صغير. غرفة واحدة فقط. بمساحة المطبخ نفسها. وحديقة حولها. وفيها مائدة طويلة. وعلى الجدار الرسم الذي أعطاني إياه فواز. ورسمة ميري. ورسمة أخرى من ديما. وأسماء كل من فقدوا في الحي، يكتبها أهلهم بأيديهم على الجدار.
— وبسام؟
— بالطبع.
— ومن يديره؟
— أهل الحي. أبو نزار. وكل من يريد. وديما تأتي في الصيف لتعلّم الأطفال الرسم.
— هل اتصلت بها؟
— لا. لكنها ستقبل.
— لماذا؟
— لأن ما كانت تبحث عنه هو المكان نفسه.
نظرت إليه طويلًا.
— أنت لا تعلم.
— ماذا؟
— أنك قلت الآن أول جملة في هذه الرحلة بلا تردد.
ابتسم.
— ربما.
— لقد قررت.
— نعم.
— وماذا عن المال الذي عرضوه؟
— سأقول لهم لا.
— وإن غضبوا؟
— سأقول لهم لا مرة ثانية.
— وإن لم يفهموا؟
— أقول لهم لا بلهجة دمشقية.
ضحكت.
ثم مدت يدها وأمسكت يده.
— وأنا هنا لأنني أحبك. لم أعرف ذلك بيقين إلا حين رأيتك تخلع حذاءك.
— لم أفكر.
— هذا هو السبب.

في اليوم الأخير طرقت امرأة باب أبو نزار.
كانت في الستين، قصيرة القامة، بوجه مدور وعينين تبتسمان حتى وهي جادة. حملت بين يديها وعاءً من الفخار القديم، فيه نبتة خضراء كثيفة.
قالت:
— أنا أم خالد.
وقف سامي.
— أعرفك.
— أنا جارة أمك.
— أذكر.
— كنا نتبادل الأوعية. كانت تعطيني شيئًا من مطبخها وأعطيها شيئًا من مطبخي.
— نعم.
— وقبل أسبوع من ذلك اليوم، أعطتني هذه.
مدّت الوعاء.
— ريحان.
تأمل سامي النبتة.
— هي لم تقل لماذا. قالت فقط: “خذيها يا أم خالد، اسقيها. إن احتجناها سنسترجعها”.
— ولم تُسترجع.
— نعم.
— وأنتِ سقيتِها.
— سبع عشرة سنة.
نظرت إلى النبتة.
— هذه ليست النبتة نفسها طبعًا. نبتة ابنة ابنة ابنة النبتة. لكنها منها.
مدّت يدها.
أخذ سامي الوعاء، وشعر بثقله الدافئ، وبرائحة الريحان الحادة التي لم يشمها منذ سبعة عشر عامًا.
لم يقل شيئًا.
قالت أم خالد:
— أنا أعرف أنك لا تستطيع أن تعيدها. لكنني لا أستطيع أن أمسك بها أكثر.
— أنتِ أمسكتِها جيدًا.
— وأنا أعطيها لك.
— سآخذها.
— إلى أين؟
— إلى فايسارن.
— أين هذا؟
— في ألمانيا.
— في بلاد بعيدة؟
— نعم.
— هل فيها شمس؟
— قليلًا.
— إذن اسقها كثيرًا.
وضحكت.

عادوا في أول حزيران.
كانت شجرة التفاح في حديقة إنغريد قد أنهت إزهارها، وعلقت بها ثمار صغيرة خضراء، وأوراقها الفتية تتحرك في الهواء الدافئ، وكاترين واقفة عند الباب بجانب ميري، الواقفة على أطراف أصابعها.
نزل سامي من السيارة، وفي يده الوعاء الفخاري.
ركضت ميري.
— هل رأيتها؟
— من؟
— الأرض.
— نعم.
— ورسمتي؟
— تركناها عند عمّ أبو نزار، في إطار، حتى نبني الغرفة.
— أي غرفة؟
— التي سنبنيها.
— هل أستطيع أن أراها؟
— حين نبني الغرفة.
— وعد؟
— وعد.
أخذت الوعاء من يده وقرّبته من أنفها.
— ريحان.
— نعم.
— من جدتي؟
— من جدتك ومن أم خالد. ومن كل من سقاها.
— هل أزرعها بجانب شجرة التفاح؟
— إن سمحت كاترين.
نظرت كاترين إلى الشجرة، ثم إلى الوعاء.
— بجانبها؟
— أو حيث تشائين.
— بجانبها.
— حقًا؟
— إنغريد قالت: “لا تقطعا الشجرة”. لم تقل: “لا تضيفا إليها”.
ابتسم سامي.
وفي العصر جلسوا جميعًا تحت الشجرة: نورا وميري وكاترين وماركوس وسامي، وكونراد الذي جاء متأخرًا ومعه ملف لا أحد يعرف ما فيه.
كانت ميري قد زرعت الريحان في حفرة صغيرة عند جذع التفاح، وغطّته بالتراب، وسقته بزجاجة ماء.
قالت:
— هل سينمو؟
— أظن.
— كيف تعرف؟
— لأن أم خالد سقتها سبع عشرة سنة.
— وهل هي حزينة؟
— من؟
— النبتة. لأنها انتقلت.
فكر سامي.
— لا أعرف.
— سأسألها.
— ماذا ستقولين لها؟
جثت على ركبتيها بجانب الحفرة.
— سأقول لها: اليوم كان فيه مطر خفيف، ورأينا أرضًا كبيرة، وجاء سامي من مكان بعيد.
— وتنتظرين جوابها؟
— أنا لا أنتظر. أنا أحكي.
— جميل.
— وهي تسمع.
نظرت نورا إلى سامي، وابتسمت.
بعد لحظة، حين كانت ميري تشرح لكاترين كيف يجب أن تُسقى النبتة، قالت نورا لسامي بصوت منخفض:
— فكرتُ في شيء.
— ماذا؟
— عندما كنا في الطائرة، قلت لنفسي: ماذا لو لم تعد؟
— أنا؟
— نعم. ماذا لو اكتشف أن كل ما يريده هناك؟
— وماذا قلتِ لنفسك؟
— قلت: سأسمح.
— حقًا؟
— حقًا.
— لكنني عدتُ.
— نعم.
— لماذا؟
— اسألني أنت.
فكر.
— لأنني وجدت هناك ما أحمله، ولم أجد ما أعيش فيه. أما ما أعيش فيه فهنا.
— وأنا؟
— وأنتِ.
مدت يدها، فأمسك بها.
— سأقول لك شيئًا أخيرًا.
— قولي.
— حين كنت في بيتك المهدم، وخلعت حذاءك، لم أكن أعرف إن كان علي أن أبتعد أم أقترب. وقررت أن أنتظر. لأنني تعلمت شيئًا مهمًا منك.
— ماذا؟
— أن الحب لا يعني أن أكون حاضرة في كل لحظة من ألمك. بل أن أكون قريبة بما يكفي حين تحتاجني، وبعيدة بما يكفي حين تحتاج نفسك.
— وهذه هي المسافة.
— نعم.
— وهي لم تختفِ.
— ولن تختفي.
ثم قالت:
— أتعرف؟ عندما وصلنا إلى بيروت، نظرت إلى الخريطة في المطار، ورأيت المسافة بين فايسارن ودمشق. ثلاثة آلاف كيلومتر تقريبًا. وفكرت: كم هي صغيرة.
— صغيرة؟
— لأنني قطعتها معك.
ابتسم.
وكانت الشجرة فوقهما، والريحان عند جذعها، والشمس تميل، والهواء يحمل رائحة شيء أخضر حاد، لم تكن غريبة على سامي ولا على أحد منهم.
وتحت الشجرة، في ظل هادئ، كان الكرسي الفارغ الذي وُضع يوم العرس، وما زالوا يخرجونه إلى مكانه كل صيف.
كان فارغًا.
لكنه لم يكن وحيدًا.

تمت بعون الله

نعمان البربري


لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ (رواية)