مقدمة
لم أُرِد لهذه الرواية أن تكون قصة حبٍّ كما تُروى عادة.
أعرف ذلك الحبّ الذي يأتي في الفصل الأول كعاصفة، ويُحسم في الأخير بقبلة أو فراق. وأحترمه.
لكنني كنت أفكر منذ سنوات في حبٍّ آخر، أهدأ وأثقل وأكثر ندرة:
حبٍّ بين إنسانين بلغا من العمر ما يكفي ليعرفا ما يخسران.
كلٌّ منهما يحمل بيتًا لا يستطيع أن يتركه، وماضيًا لا يستطيع أن يمحوه، ومدينة لا يستطيع أن ينقلها معه في حقيبة.
ومع ذلك يقرران أن يمشيا في الطريق نفسه.
السؤال الذي بدأتُ منه بسيط في ظاهره:
كيف يختار إنسانان ناضجان بعضهما دون أن يفقد أحدهما نفسه؟
لم أجد له جوابًا في الكتب. وجدتُه، إن صحّ القول، في الأيام العادية:
في مكالمة تُغلَق قبل أوانها،
في سؤال «هل أكلت؟» الذي يبدو تافهًا حتى تكتشف أنه من أصدق ما يقوله إنسان لإنسان،
في قطار يقطع ساعات بين مدينتين لا تجدهما في الخرائط، ولا تحتاج إلى أن تجدهما.
في هذه الصفحات سامي ونورا. هو كاتب نجا حيث لم ينجُ أهله، وهي أستاذة تدرّس كيف يتذكر الناس ما يتذكرونه، وقد فقدت من تحب، وتربّي ابنة صغيرة تسأل عن الأيام إلى أين تذهب حين ننام.
لا أحد منهما بطل بالمعنى القديم.
كلاهما يخاف، وكلاهما يخطئ، وكلاهما يتعلّم أن يقول «لا أعرف» دون أن يشعر بأنه هُزم.
ولم أشأ أن يكونا وحدهما. حولهما جيران وأصدقاء وأقارب، لكلٍّ منهم رأيه: من يشجّع، ومن يشكّك، ومن لا يبالي، ومن يعارض وفاءً لميت. وأردتُ أن يبقى كل رأي كما هو، دون أن يغيّر من قرار الاثنين شيئًا، فهذا في ظني هو الفرق بين أن تُصغي إلى الناس وأن تُسلّمهم حياتك.
أما المسافة، وهي أكثر ما شغلني، فقد أردتُ أن أكتب عنها دون أن أكون قاسيًا معها. المسافة ليست عدوّة الحب دائمًا. ليست ما يجب أن نقهره حتى نصل. هي أحيانًا ما يسمح لنا أن نعود. وما بين مدينتين يتعلم الواحد منا أن الشوق ليس نقصًا، وأن الوصول ليس نهاية.
وقد حاولتُ ألا أكذب في الحزن. هناك ما لا يُعوَّض، وما لا يُفسَّر، وما لا يُسامَح. وهناك أيضًا يوم عادي، كان فيه مطر خفيف وأكل أحدهم شيئًا حين طُلب منه ذلك. وأظنّ أن الأدب الصادق لا يرضى بأحدهما دون الآخر.
إن عثر القارئ في هذه الرواية على خزانة بستارة سوداء لم يصل صاحبها بعد، فهي من بيت آخر كتبتُه قبلها.
وإن عثر على ستة أسماء تُقال بصوت عالٍ في مكان عادي، فأرجو أن يقولها معي.
وأخيرًا: هذه رواية، وكل ما فيها، الأسماء والمدن والمحاكم والبيوت، متخيَّل. لكنني لا أعرف كاتبًا يستطيع أن يكتب عن الفقد والحب معًا دون أن يضع فيهما شيئًا من نفسه. فإن بدا لك في مكان منها أنها تعرفك، فلا تظن أنني كنت أقصدك. ربما كنتُ أنا وأنت نعرف الشيء نفسه.
ليس علينا أن نعرف كل شيء.
يكفي أن نعرف ما يكفي كي نمشي.
نعمان البربري

