الجزء الثاني
في الصباح كانت رسالة قصيرة تنتظره على الهاتف
“هل استيقظت؟”
كتب:
“نعم.”
“جيد. لا ترتب شيئًا لليوم. وأريدك أن تثق بي.”
نظر إلى الرسالة.
كتب:
“هذا أمر أم دعوة؟”
تأخرت قليلًا.
“دعوة. وإذا لم تعجبك، تستطيع أن تقول لا.”
قرأ الجملة الأخيرة مرتين. كانت المرة الأولى التي يجد فيها في دعوة امرأة بابًا للخروج مفتوحًا منذ البداية.
كتب:
“أثق بك. لكنني سآكل أولًا.”
بعد ساعة وقفت سيارتها الرمادية أمام الفندق.
لم تكن وحدها. كانت إلى جانبها طفلة صغيرة تمسك بيدها، بمعطف أحمر أكبر منها بمقاس، وقبعة صوفية غطت نصف جبينها.
توقفت نورا أمامه.
— صباح الخير.
— صباح الخير.
ثم نظرت إلى ميري.
— ميري، هذا سامي.
كانت ميري تخاطبه بالألمانية، ويجيبها بها؛ أما العربية فكانت لغة الكبار حين يريدون أن يتحدثوا دون أن تسمعهم.
رفعت الطفلة رأسها وتأملته لحظة بجدية طفولية لا تخلو من حساب.
— أنت الذي تتحدث معه أمي كثيرًا؟
ساد الصمت.
نظر سامي إلى نورا، فكانت تحاول ألا تضحك.
— يبدو أنني كذلك.
— هل أنت كاتب؟
— نعم.
— ماذا تكتب؟
— أشياء كثيرة.
— هل هي مملة؟
— ميري!
— أحيانًا، قال سامي.
نظرت إليه ميري بإعجاب صغير.
— جيد.
— لماذا؟
— لأن أمي تقول إن أبي كان يقول إن الأشياء التي لا تكون مملة أحيانًا هي الأشياء التي لا نفهمها.
سكتت نورا لحظة.
ثم قالت بخفة أرادتها طبيعية:
— لا تستجوبي ضيفي.
— أنا لا أستجوبه. أنا فقط أريد أن أعرفه.
— وهذا حقك، قال سامي.
في السيارة جلست ميري في الخلف. وفي أثناء الطريق ظلت تنظر إليه من المرآة.
— هل اقتربنا؟ سألت ميري فجأة.
— بعد قليل يا ميري، قالت نورا.
رأت نورا في المرآة شيئًا يمر على وجه سامي ثم يختفي. لم تسأل.
— هل تعرف إلى أين يذهب اليوم عندما ننام؟
رفعت نورا عينيها إلى المرآة بسرعة.
— ميري، لقد قلنا…
— لا بأس، قال سامي. سؤال جميل.
التفت إليها من مقعده.
— جوابي أنه يبقى مكانه ينتظرك. وإذا حكيتِه لأحد قبل أن تنامي، يصبح أخف وزنًا.
فكرت ميري.
— وإذا لم يكن لدي شيء أحكيه؟
— عندئذ ابحثي عن شيء صغير. لون. قطة. طعم شيء. وقولي: “اليوم كان فيه هذا”.
— هذا سهل.
— هو كذلك.
— أمي تقول إنه صعب.
— أمك تحتاج إلى ثلاثمئة صفحة لتقول ما تقولينه أنتِ في جملة.
انفجرت نورا ضاحكة، ونظرت إليه نظرة قصيرة.
— هل أخبرك أحد بالندوة؟
— ليلى.
— طبعًا.
كان بيت نورا هادئًا.
ليس فخمًا بالطريقة التي توقعها سامي بعد أن عرف عن الفنادق. كان دافئًا: كتب في كل مكان، وصور عائلية، وألعاب ميري على الأرض، ونباتات قرب النوافذ، وفي غرفة الجلوس بيانو صغير مغطى بشال.
قال:
— لم أتوقع هذا.
— أي شيء؟
— أن يكون بيتك هكذا.
— وكيف توقعته؟
— أكبر.
— هذا ليس فندقًا.
— أحب ذلك.
— لهذا أحبه.
دخلت ميري غرفتها وعادت بدفتر، وأعطته إياه.
— انظر.
كانت فيه رسومات طفولية: بيوت، وأشجار، وأشخاص بأذرع طويلة، وقطة بلا ذيل، وشمس كبيرة في أعلى كل صفحة.
— ترسمين جيدًا.
— أعرف.
— الثقة بالنفس موجودة، قالت نورا.
— أمي تقول إنني يجب أن أتعلم الصبر.
— وهل تقول ذلك؟
— دائمًا. وهي لا تصبر أيضًا.
— ميري.
— أمي عندما تغضب تتحدث بالعربية. وأحيانًا لا أفهم.
ضحك سامي.
— هذه معلومة سرية.
— لا أصدق أنني أحضرتك إلى البيت، قالت نورا.
في الظهيرة، وبينما كانت نورا في المطبخ تعد الغداء، وكانت ميري ترسم على الأرض قرب الأريكة، رفعت رأسها فجأة.
— هل تحب أمي؟
رفع سامي عينيه عن الدفتر.
كان السؤال مفاجئًا، لكنه لم يكن غريبًا. تعلّم في حياته أن الأطفال يسألون السؤال الذي يخاف الكبار أن يسمعوه.
نظر إلى المطبخ من بعيد. كانت نورا تعطيهما ظهرها، ولم تسمع.
— أنا أحب أن أكون قريبًا منها، قال بهدوء.
— هذا ليس جوابًا.
— هذا جواب حقيقي. أما الجواب الكبير فليس لي وحدي.
فكرت ميري.
— لمن؟
— لأمك.
— هذا جواب أفضل.
وعادت إلى الرسم.
كانت نورا قد سمعت الجملة الأخيرة من الباب. لم تقل شيئًا، لكنها وقفت لحظة ثم عادت إلى المطبخ.
بعد الغداء نامت ميري على الأريكة، وقد غلبها النعاس وهي تمسك قلمًا أخضر.
جلس الاثنان قرب النافذة، وخفضا صوتيهما.
قالت نورا:
— هل أحرجتك؟
— ميري؟
— نعم.
— لا. لقد كانت صادقة.
— ولهذا أخاف عليها.
— هل تخافين مني؟
— أخاف من كل ما يمكن أن يعطيها شيئًا ثم يأخذه.
لم يجب سامي فورًا.
ثم قال:
— وأنا لا أريد أن أعطيها ما لا أضمن أن يبقيني.
نظرت إليه.
— هذا جواب مسؤول.
— وهو أيضًا خائف.
— أعرف.
ثم قالت:
— في السيارة، حين سألت ميري: “هل اقتربنا؟”، تغيّر وجهك. رأيتك في المرآة.
سكت طويلًا.
— لم تكن ميري. كان صوت طفلة أخرى في سيارة أخرى، قبل خمسة عشر عامًا. لينا كانت تسأل السؤال نفسه بالنبرة نفسها، حين كنا في طريقنا إلى بيت جدتها لأمها في الغوطة.
أخذت نورا نفسًا ببطء.
— هل تريد أن نتوقف؟ أن تعود إلى الفندق؟
— لا.
— أنا أقصد ذلك جديًا. إن أردت أن تخرج، أخرج. لن أتبعك، ولن أسألك غدًا لماذا خرجت.
نظر إليها.
كانت تقول ذلك بهدوء مدهش: لا شفقة فيه، ولا خوف، ولا استسلام. كانت تضع الباب أمامه وتترك له أن يقرر.
— لا أريد أن أخرج، قال. أريد أن أبقى وأن أتألم قليلًا. هذا الألم ليس عدوًّا. هو الجسر الذي يصل بين ما كان وما يمكن أن يكون.
نظرت إلى ميري النائمة على الأريكة.
— وإذا زاد؟
— أقول لك.
— وإذا لم تقل؟
— تسألينني.
— وإذا لم تجب؟
— عندها تتصرفين كما فعلتِ للتو: تفتحين الباب وتتركين لي أن أقرر.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
— هذه أول قاعدة لنا.
— وأول اتفاق.
جاء الاتصال في المساء، قبل أن تنتهي القهوة.
— نورا؟ أنا أمك.
جاء صوت إنغريد واضحًا من هاتف نورا، فقد فتحت مكبر الصوت لأنها كانت تحمل ميري النائمة بين ذراعيها.
— نعم يا أمي.
— هل الرجل عندك؟
— اسمه سامي.
— هل سامي عندك؟
— نعم.
— جيد. أنا وكاترين ننتظركما غدًا على الغداء في الساعة الواحدة.
نظرت نورا إلى سامي بذعر خفيف.
— أمي، لم أقل…
— ميري أخبرتني منذ الأسبوع الماضي أن “عندنا ضيفًا مهمًا”. وأنا أريد أن أراه قبل أن يصبح ضيفًا أكثر أهمية.
— أمي.
— لا أحب أن أفاجأ بالرجال الذين يجالسونني على المائدة بعد أن يصبحوا حقائق. الواحدة يا حبيبتي. ولا تحضري حلوى، كاترين أحضرت.
انقطع الخط.
ساد صمت.
قالت نورا أخيرًا:
— أعتذر.
— عن ماذا؟
— عن أمي.
— لا. أحب أمك.
— لم تقابلها بعد.
— لكنني أحب ما فعلته: قالت لي ما تريد قبل أن أرى وجهها.
ابتسمت نورا رغمًا عنها.
— هي هكذا. ألمانية، وصريحة، ولا تستأذن.
— ودمها مصري؟
— لا. دم أبي مصري. أمي تقول إنها تزوجت رجلًا يضحك عندما يخطئ، وكانت تظن أن هذا عيب حتى اكتشفت أنه الحل.
كان بيت إنغريد على أطراف فايسارن، بيتًا قديمًا بحديقة صغيرة وشجرة تفاح عارية.
فتحت الباب امرأة في أواخر الستينات، طويلة، بشعر فضي مرفوع إلى الخلف، وعينين زرقاوين حادتين لا تفوتهما شاردة.
— أهلًا.
— مساء الخير، سيدتي…
— إنغريد. لا نستعمل الألقاب في المطبخ.
— سامي.
— أعرف. ميري قالت: “أستاذ سامي الذي لا يدخن ولا يصرخ”.
— هذا وصف دقيق.
— هذا وصف مؤقت.
كان الغداء ثقيلًا بطريقة مختلفة: لم تكن الأطباق هي الثقيلة.
على رأس الطاولة جلست كاترين، امرأة في الخامسة والأربعين، بعينين متعبتين وشعر أسود مربوط بإحكام، وابتسامة تظهر وتختفي بالسرعة نفسها. وإلى جانبها زوجها ماركوس، رجل بدين لطيف لا يتكلم كثيرًا، يبدو أنه اعتاد أن يكون جالسًا أمام نساء عائلته وأنه يفضل ذلك.
قدمتهما إنغريد:
— أخت فيليكس وزوجها.
نظرت إليه كاترين بتمعّن.
— أنت من سوريا؟
— نعم.
— من أي مدينة؟
— دمشق.
— هل عائلتك هناك؟
سكتت نورا وتوقفت الملعقة في يدها.
قال سامي بهدوء:
— لا.
— آسفة.
— لا بأس.
— لكن سؤالي الحقيقي، قالت كاترين بصوت هادئ، هو: ماذا تريد من نورا؟
— كاترين! قالت إنغريد.
— أنا أسأل. هذا سؤال مشروع.
— هذا سؤال ليس ملكك.
— بل ملكي، لأن ميري…
توقفت.
قال سامي:
— دعيها تسأل.
نظرت إليه إنغريد، ثم إلى نورا.
— لا أعرف كيف أجيبك يا كاترين. ليس لأنني لا أعرف، بل لأنني لا أريد أن أعطيك جوابًا جاهزًا تحتفظين به أو ترفضينه. لكنني أستطيع أن أقول لك ما لا أريده.
— ماذا؟
— لا أريد أن آخذ مكان فيليكس. لا عند نورا، ولا عند ميري، ولا عندك. هذا المكان مملوء ولن أقترب منه.
— هذا كلام جميل.
— ولن أطلب منك أن تصدقيه.
— لا. ولن أصدقه، قالت كاترين.
— لا بأس.
— لا بأس؟ تقول “لا بأس” لكل شيء؟
— لا. أقول “لا بأس” لما لا أملك أن أغيره.
ساد صمت قصير.
ثم ضحك ماركوس فجأة، ضحكة قصيرة كأنه سعل، وقال:
— أخيرًا رجل يقول لها ذلك.
— ماركوس!
— ماذا؟ عشرين سنة وأنا أحاول.
ضحكت إنغريد، ثم نورا، ثم حتى كاترين، وإن حاولت أن تكتم ضحكتها.
لكن الجو لم يتغير تمامًا.
بعد الغداء، حين خرج سامي إلى الحديقة مع إنغريد لتريه شجرة التفاح، قالت له وهي تنظر إلى الأغصان:
— كاترين لن تحبك.
— أعرف.
— ليس لأنك لا تستحق. بل لأنها لو أحبتك، فسوف تشعر أنها خانت أخاها.
— أفهم.
— هل تفهم؟
— نعم. الوفاء أحيانًا يتخذ شكل العناد.
نظرت إليه بعينيها الزرقاوين.
— ولا تحاول أن تكسبها. سيحدث ما يحدث.
— لن أحاول.
— أنا لا أقول ذلك لأجلك. أقوله لأن نورا ستحاول. وهي دائمًا تحاول أن تصلح ما ليس لها.
قال سامي:
— سأذكرها بذلك.
— لا. ستنزعج. اتركها تكتشف.
ابتسم.
— لا أعرف إن كان علي أن أشكرك.
— لا تشكرني. أنا لست لطيفة. أنا أريد أن أرى ابنتي تضحك، وقد ضحكت خمس مرات اليوم. عددتها.
في المساء، وبعد أن نامت ميري، اتصلت نورا به وهو في الفندق.
— كيف كانت أمي؟
— أحبها.
— هل تقول ذلك حقًا؟
— جدًا.
— وكاترين؟
— لا أحاول أن أكسبها.
— أحسنت. أنا سأحاول.
— أعرف. أمك قالت لي.
— ماذا قالت؟
— أنك ستحاولين.
سكتت لحظة.
— أمي كاذبة أنيقة.
ضحك.
— لم تكذب.
— قلت لك: هي ألمانية.
ثم ساد صمت.
ثم قالت نورا بصوت أقل ثباتًا:
— سامي؟
— نعم؟
— هل تعرف ما الذي أخافني اليوم؟
— كاترين؟
— لا.
سكتت.
— أنني كنت سعيدة.
لم يقل شيئًا.
— ليس مجرد يوم جميل. شعرت أن وجودك في بيت أمي طبيعي. جلست على الطاولة، وأكلت، وضحكت. ولم أفكر ولا مرة: ماذا لو لم يعد؟
— وهذا أخافك؟
— أكثر من كل شيء آخر. لأن الأشياء الطبيعية هي أصعب ما نتراجع عنه.
قال:
— هل تريدين أن نتراجع؟
— لا.
جاء الجواب سريعًا.
— لكنني أريد أن أفهم.
— وأنا أيضًا.
ثم قال:
— نورا.
— نعم؟
— أنا لم أعد أنتظر زيارتك لأنني أريد الحديث فقط.
لم تجب.
— في البداية أردت أن أعرفك. ثم أردت أن أراك. والآن…
توقف.
كان قلبه يخفق.
— والآن أريد أن تكوني في حياتي.
طال الصمت.
لم يسمع إلا أنفاسها.
ثم قالت:
— لا تقل المزيد.
— لماذا؟
— لأنني إذا سمعت المزيد الآن، سأقول شيئًا لست مستعدة لقوله.
— حسنًا.
— هذا كل شيء؟ “حسنًا”؟
— لا أريد أن أضغط عليك.
— لهذا أحبك.
توقف الاثنان.
قالت بسرعة:
— لا. قصدت… لهذا أحب أن أتحدث معك.
— لم تقوليها هكذا.
— أعرف.
— لكنني سمعتها.
— أعرف.
ضحكت ضحكة مرتبكة.
— قلتها فعلًا.
— نعم.
— كنت أريد أن أقول شيئًا آخر.
— لا. أنتِ قلتِ ما أردتِ.
سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض:
— وأنت؟
— أنا كنت أنتظر أن تقوليها. لكنني لم أكن أريد أن أقولها أولًا.
— لماذا؟
— لأنني أريدك أن تعرفي أنني لا أقولها لأنك قلتِها.
— وأنت تحبني؟
— أحبك.
قالها ببساطة، دون مقدمات.
ولم تجب نورا فورًا.
لكن سامي سمع في الخط شيئًا يشبه صوت شخص جلس أخيرًا بعد وقوف طويل.
قالت أخيرًا:
— أنا أحبك.
ثم أضافت:
— وأنا خائفة.
— أعرف.
— وأنت؟
— خائف أيضًا.
— جيد.
— جيد؟
— لأنني لا أريد أن أحب رجلًا لا يخاف.
في الصباح الأخير، كانت نورا قد اختارت أن تأتي بنفسها إلى الفندق.
نزل سامي إلى المدخل، فوجدها تنتظره، وقد حملت حقيبتها الصغيرة على كتفها وأمسكت في يدها الأخرى حقيبته.
قال:
— أنتِ مصرة.
— جدًا. قلت لك: نتبادل. في المرة السابقة حملتَ الحقيبة وحملتُ الطريق. الآن العكس.
— أنتِ تحملين الحقيبتين.
— لأنني قوية.
— وأنا أتنازل لك عن هذه الجولة لأنني بحاجة إلى ذراع سليمة للكتابة.
ضحكت.
في السيارة لم يتحدثا كثيرًا في البداية. ثم قال:
— هل أنتِ حزينة؟
— قليلًا.
— وأنا.
— كنت أعرف.
— كيف؟
— لأنك صرت تصمت حين تكون الإجابة مهمة.
— وأنتِ صرتِ تعرفينني أكثر مما ينبغي.
— ربما.
عند المحطة وضع يده بهدوء فوق يدها للحظة.
لم تنظر إليه. لكنها لم تسحب يدها.
قالت:
— متى أراك؟
— لا أعرف.
— لا أحب هذه الإجابة.
— ولا أنا. لذلك أقترح شيئًا.
— ماذا؟
— أنت جئتِ بي إلى فايسارن مرتين. أريد أن آتي بكِ إلى بارغافن.
نظرت إليه.
— هل هذا عرض؟
— نعم. لكنه عرض بشرط.
— أي شرط؟
— أن تأتي بالقطار.
ضحكت.
— لماذا؟
— لأنني أريدك أن ترى المسافة أيضًا.
كانت الجملة جملتها في الأصل. فلما رددها أمامها، ارتفع حاجباها بدهشة صغيرة ثم لمعت عيناها بابتسامة.
— هل تستعير جملي؟
— أعيدها إليك. هي لك.
أُعلن عن القطار.
قال:
— يجب أن أذهب.
— أعرف.
— أنتِ تحبين هذه الكلمة.
— لأنها تساعدني على ألا أبكي.
اقترب منها.
مدّت يدها إليه، فأمسك بها.
— نورا.
— نعم؟
— شكرًا.
— على ماذا؟
— على الأسماء.
هزت رأسها.
— لا تشكرني.
ثم قالت:
— فقط عد.
— وأنتِ فقط تعالي.
نظرت إليه طويلًا.
— أعدك.
ثم أضافت:
— وهذه المرة أنا أقول لك: لا أعدك بما لا أعرف. أعدك أن أحاول.
— هذا يكفي.
صعد القطار، ووقف عند النافذة.
رفع يده.
رفعت يدها.
وتحرك القطار ببطء، وظل ينظر إليها حتى ابتعدت المحطة.
ثم جلس.
لم يكن يشعر أنه يعود إلى حياته السابقة. كان يعود إلى بيته فقط. أما حياته نفسها، فقد بقي جزء منها في فايسارن.
وفي الجهة الأخرى بقيت نورا واقفة للحظات بعد مغادرة القطار.
لم تكن تفكر في الرجل الذي غادر، بل في السؤال الذي أصبح أكثر وضوحًا:
إذا كان هذا ما تشعر به بعد أيام قليلة، فماذا سيحدث عندما يصبح سامي جزءًا من أيامها فعلًا؟
ثم ابتسمت للمرة الأولى.
لم تحاول أن تجد جوابًا.
كان يكفيها أن تعرف شيئًا واحدًا: أنها طلبت منه أن يرى المسافة، وأن المسافة، الآن، لم تعد بين مدينتين.
وصل سامي إلى بارغافن بعد الظهر.
كانت الرحلة هادئة. قرأ قليلًا ثم أغلق الكتاب. حاول أن يكتب فلم يستطع.
عندما دخل البيت شعر بالهدوء المعتاد، لكنه لم يكن كما كان. وضع حقيبته، وخلع معطفه، ووقف في منتصف الغرفة. كان كل شيء في مكانه: المكتب، والكتب، والنافذة، والكرسي الذي يكتب عليه. ومع ذلك شعر أن البيت أصبح أوسع من اللازم.
رنّ الهاتف.
— وصلت؟
— نعم.
— كيف كانت الرحلة؟
— طويلة.
— لأنك كنت تفكر؟
— ربما. وأنتِ؟
— أحاول أن أعمل.
— ونجحتِ؟
— ليس تمامًا. ميري سألتني حين استيقظت: متى يعود سامي؟
ضحك.
— بهذه السرعة؟
— قلت لها إنه عاد إلى بيته. قالت: “إذن لماذا يبدو البيت هادئًا؟”
— ذكية.
— جدًا.
ثم سكتا.
قالت:
— كيف تشعر؟
— كأنني عدت إلى المكان نفسه، لكنني لست الشخص نفسه.
— وأنا.
كان الصمت بينهما مختلفًا. لم يعد صمت شخصين يحاولان التعارف، بل صمت شخصين يعرف كل منهما أن الآخر موجود على الطرف الآخر من الخط.
قالت:
— هل اشتقت إليّ؟
— نعم.
سمع ضحكتها الخافتة.
— كنت أريد أن أسمعها منك.
— لماذا؟
— لأنني اشتقت إليك أيضًا.
سكت.
كانت هذه أول مرة تقولها دون أن تختبئ خلف جملة أخرى.
— هذا يجعل المسافة أصعب، قال.
— لا. يجعلها واضحة.
— وما الفرق؟
— عندما لا نعرف ما بيننا، تكون المسافة مجرد مسافة. أما الآن فقد أصبحت شيئًا يجب أن نتعامل معه.
في تلك اللحظة سمع صوت ميري من بعيد:
— ماما! هل تتحدثين مع سامي؟
— نعم.
— أعطيني الهاتف!
— لا.
— لماذا؟
— لأنك تحدثتِ معه أمس بما يكفي.
— لكنني أريد أن أسأله شيئًا.
— دعيها، قال سامي.
جاء صوت الطفلة مباشرة:
— سامي؟
— نعم.
— هل ستعود؟
نظر إلى النافذة.
— نعم.
— متى؟
— لا أعرف بعد.
— يجب أن تعرف.
ثم أعادت الهاتف إلى أمها.
قالت نورا:
— كما ترى، لم يعد القرار لي وحدي.
— وأنا لا أمانع.
بعد يومين وصلته رسالة:
“أنا في الطريق.”
كتب:
“بالقطار؟”
“بالقطار. وأحمل حقيبتي بنفسي.”
“سأكون في المحطة.”
“لا. سأجد الطريق بنفسي.”
“أنا لا أعرض عليك مساعدة. أريد أن أراكِ تنزلين.”
تأخر الرد قليلًا.
“حسنًا. لكن لا تحمل الحقيبة.”
عندما نزلت من القطار في بارغافن، كانت أول من رآه على الرصيف.
توقفت، وأنزلت حقيبتها على الأرض، ثم رفعتها ثانية.
قال:
— أنتِ تحملينها.
— قلت لك.
— أنا أحمل الطريق.
— أي طريق؟ هذا رصيف.
— هذا أقصر طريق أعرفه.
ضحكت، وسارا معًا نحو الخارج.
كانت بارغافن مدينة صغيرة بشوارع ضيقة ومقهى عند كل زاوية، ودكان خبز يفوح منه الدفء، وكنيسة قديمة بجرس لا يخطئ الساعة.
قالت:
— هل هذا كل شيء؟
— هذا كل شيء.
— أحبها.
— لماذا؟
— لأنها لا تحاول أن تكون شيئًا آخر.
في البيت وقفت أمام الباب لحظة.
— هنا؟
— هنا.
ابتسمت.
— إذن هذا هو المكان الذي كتبت فيه كل الأشياء التي جعلتني أقطع كل هذه المسافة.
— لا تحمّلي الكتابة المسؤولية كلها.
— ولماذا؟
— ربما كنتِ فضولية.
— كنت. لكن الفضول لم يعد السبب الوحيد.
دخلت. لم يكن المنزل فخمًا، لكنه كان يشبه صاحبه: كتب كثيرة، وأوراق على المكتب، ومكتبة ممتدة على الجدار، وفنجان قهوة لم يغسله بعد.
قالت:
— هذا أنت.
— ماذا تقصدين؟
— المكان لا يحاول أن يكون شيئًا ليس هو.
ثم اقتربت من المكتب، ونظرت إلى الأوراق، ولم تلمسها.
— هل تكتب عني؟
— ليس بعد.
— لماذا؟
— لأنني لا أريد أن أحولك إلى فكرة.
التفتت إليه.
— هذه الجملة أحببتها.
— لكن هناك شيئًا لم أنشره.
— ماذا؟
— فصل لا يزال مسودة. ومقطع صغير كتبته الأسبوع الماضي.
— أريد أن أقرأه.
— هذا أصعب من أن أريك بيتي.
— لماذا؟
— لأن البيت لا يستطيع أن يخيّب ظنك. أما النص فيستطيع.
— أنت تجيد اختيار جمل تخيف.
— ولا أزيلها.
— حسنًا. سأقرأ كقارئة، لا كأستاذة، ولا كحبيبتك.
— ولا كحبيبتي؟
— هذه أصعب. لا أستطيع أن أعدك.
ضحك، وفتح الحاسوب.
بدأت القراءة. قرأت الصفحة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ولم تتكلم. وكان سامي يراقب وجهها دون أن يسأل.
بعد وقت طويل رفعت عينيها.
— هذا النص مختلف عما قرأته على الموقع.
— كيف؟
— فيه شيء منك لم أره.
— ماذا؟
— خوف.
لم يرد.
— لماذا؟
— ربما لأنك قرأتِ جيدًا.
— أنت تكتب عن سامر وهو يقف أمام الخزانة ذات الستارة السوداء. الخزانة التي لم يصل صاحبها بعد.
— نعم.
— لكن سامر لا يخاف من أن يفتحها. هو يخاف من أن يكون صاحبها.
سكت.
— هذا ما لم أقله لأحد.
— هل هذا عنك؟
— كان عني قبل أن أعرفك.
— والآن؟
— لا أعرف.
وضعت يدها على يده.
— لا تغيّر النص من أجلي.
— لن أفعل.
— ولا تكتب ما تريد أن أكونه.
— لن أفعل.
— ولا تجعلني أجمل مما أنا.
ابتسم.
— هذا صعب.
ضحكت.
— أنا جادة.
— أعرف. لهذا أحبك.
خفضت عينيها.
— أحيانًا أحبك أكثر حين تختلف معي.
— لأنني لا أخاف من فقدانك؟
— ربما. لا أريد رجلًا يوافقني كي يبقى.
— ولا أريد امرأة توافقني كي تحبني.
في الليلة التالية أقام سامي عشاءً صغيرًا في بيته، قال إنه لا يريد أن يجعلها تنتظر أصدقاءه دون أن تعرفهم.
قالت:
— هل هذا امتحان؟
— هو كذلك.
— لمن؟
— لي. أريد أن أرى كيف تتحدثين مع الناس الذين أحبهم.
— وأنا أريد أن أراك بينهم.
— اتفقنا.
جاء يوسف أولًا، بعلبة حلويات وابتسامة، وقال عند الباب وهو ينظر إلى نورا:
— أنتِ إذن…
— نورا.
— أعرف. أعرف من خمس مكالمات.
— ثلاث، قال سامي.
— أربع.
ثم جاء ديتر، جار سامي العجوز، مدرس تاريخ متقاعد في الثمانين، بعصا وسترة قديمة وكيس من التفاح. وبعده أمل، صاحبة مكتبة صغيرة في وسط المدينة، سورية في الخمسين، بعينين ذكيتين وصوت يعرف كيف يصمت. وآخر الواصلين كان توبياس، جار شاب في الثلاثين، يعمل في ورشة سيارات، لا يقرأ كثيرًا، جاء لأن سامي دعاه ولأن الطعام مجاني.
جلسوا حول المائدة الصغيرة.
قال ديتر وهو يقشر تفاحة:
— سمعت أن الدكتورة تدرّس الذاكرة.
— نعم.
— هذه وظيفة غريبة. أنا أدرّس التاريخ وأعاني من نسيان أسماء تلاميذي.
— هذا يجعلك خبيرًا بالنسيان.
— هذا ما أقوله دائمًا.
ضحك الجميع.
بعد أن بدأ الطعام، قالت أمل، وهي تنظر إلى نورا باهتمام:
— هل هذا فندق عائلتك الذي يقيم فيه سامي؟
— نعم.
— وهل دفع؟
— نعم. بسعر عادي.
— لأنه أصر؟
— لأنه أصر. وأنا احترمت ذلك.
رفعت أمل حاجبها.
— هذه أول مرة أسمع أن امرأة غنية تحترم إصرار رجل على الدفع.
— هل تقولين ذلك مديحًا أم تحذيرًا؟
— الاثنين.
— إذن أشكرك على الاثنين.
قال يوسف:
— أمل، هذا ليس تحقيقًا.
— هو كذلك، قالت أمل. أنا لا أثق بالأغنياء، ولا أحاول أن أخفي ذلك. ولا أثق بأي شخص يحب صديقًا لنا في أقل من ستة أشهر.
— أنا أفهم، قالت نورا.
— هل تفهمين؟
— أفهم أنك تحمين شخصًا. أنا أفعل الشيء نفسه.
— من تحمين؟
— ابنتي. وأنا أيضًا لا أثق بأي رجل يريد أن يدخل حياتها في أقل من ستة أشهر.
ساد الصمت لحظة.
ثم ضحك ديتر ضحكة عجوز، وقال:
— هذه أول مرة أرى أمل تخسر جولة.
— لم أخسر.
— أنا لم أقل إنك خسرتِ. قلت إنك رأيتِ.
قال توبياس، وهو يملأ طبقه للمرة الثانية:
— هل هي ثرية فعلًا؟ لأنني حاولت أن أشتري سيارة الشهر الماضي ولم أستطع.
— توبياس!
— ماذا؟ سؤال بسيط.
قالت نورا، وهي تكتم ابتسامة:
— كان لدي جد يملك ورشة سيارات. لكنه أنفق كل ما جمعه على الفنادق.
— هذا يشبه قصصي، قال توبياس. أنا أنفق كل ما أجمعه على قطع الغيار.
لم يكن توبياس مهتمًا بأي شيء سوى أن يأكل ويضحك، وكان ذلك بالضبط ما جعل الحضور يرتاحون.
قال ديتر بعد أن انتهى من تفاحته:
— سأقول لكما شيئًا، وأنا أعرف أنكما لم تطلبا رأيي.
— تفضل، قال سامي.
— تزوجا.
— ديتر!
— أنا في الثمانين. لا أملك وقتًا لأتظاهر بالتردد. رأيت الاثنين وأنتما تجلسان، ورأيت كيف تنظر هي إليك حين تظن أن أحدًا لا يراها. هذا يكفي.
— أنت لا تعرفنا.
— أعرف ما يكفي. أما ما لا أعرفه فلن أعرفه أبدًا، فلماذا أنتظر؟
قالت أمل:
— وأنا أقول: انتظرا.
— أمل!
— أقول ما أرى. الحب سهل حين يكون الوقت قصيرًا. الصعب حين تجتمع حياتان وحسابان وأهلان.
— كلانا يعرف ذلك، قالت نورا.
— كلاكما يقول ذلك.
— ونفعل ما نستطيع.
— هذا ما يقوله الجميع.
— وأنتِ؟ ماذا فعلتِ حين تزوجتِ؟
سكتت أمل.
— لم أتزوج.
— إذن أنتِ تعرفين من الخارج.
— أعرف من الخارج أكثر مما يعرف من في الداخل.
— هذا عدل.
ثم ابتسمت أمل ابتسامة صغيرة لم تكن تنوي أن تظهر.
— لن أحبك بسرعة.
— ولن أطلب.
— جيد.
وكان هذا كل ما حدث بينهما، لكنه كان كافيًا.
بعد أن خرج الجميع، وقفت نورا في المطبخ تغسل الأكواب، وقال سامي من خلفها:
— هل كان صعبًا؟
— جدًا.
— هل تريدين أن تنسي أنه حدث؟
— لا. أحببتهم.
— حتى أمل؟
— خاصة أمل. لو كنت مكانها لقلت الشيء نفسه.
— وديتر؟
— هو الوحيد الذي لم أخف منه.
— وتوبياس؟
— أنا لا أعرف ماذا أفعل بـ توبياس. هو يجعلني أشعر أن الحياة يمكن أن تكون بسيطة.
— هذه موهبة.
— أنا أحسده.
ثم التفتت إليه وقالت:
— لاحظت شيئًا.
— ماذا؟
— أنهم يعرفونك بطريقة مختلفة.
— طبيعي.
— نعم. وأنا بدأت أتعرف إليك من طريقة نظرهم إليك.
— ماذا رأيتِ؟
— أنك لست الرجل الذي أراه حين تكون معي فقط.
— وهذا جيد؟
— جدًا.
في اليوم التالي كانت ميري في بيت إنغريد، ولم تتحمل أن تبقى هناك ساعة واحدة أخرى، فاتصلت بأمها وقالت بصوت صارم:
— ماما، أريد أن أذهب إلى بيت سامي.
— ميري، أنا لا أعرف إن كان…
— أنا أعرف.
تنهدت نورا. ثم نظرت إلى سامي الذي كان جالسًا أمامها وقد سمع كل شيء.
قال:
— أنا أريدها أن تأتي.
— هل أنت متأكد؟
— لا. لكنني أريد.
— لا أريدك أن تفعل ذلك لأجلي.
— ولا لأجل ميري. أفعله لأنني أريد أن أراها في بيتي. لأنني أريد أن أعرف كيف أكون معها دون أن يكون أحد بيننا.
بعد يومين وصلت إنغريد بالقطار مع ميري، وأنزلتها عند الباب، ثم قالت:
— سأعود بعد ساعتين. لا تدلّلاها.
ثم رحلت.
دخلت ميري البيت بلا تردد، وقالت:
— أين الكتب؟
— الكتب؟
— نعم. أريد أن أعرف أين تكتب.
جاءت نورا من المطبخ.
— اعتذر لها.
— عن ماذا؟
— لأنها منذ الصباح تسألني أين تكتب، وأين تنام، وماذا تأكل، وهل عندك تلفزيون.
— لم أسأل عن التلفزيون.
— سألتِ.
— مرة واحدة.
ضحك سامي.
— أهلًا بك في بيتي يا ميري.
نظرت إليه.
— هل اشتقت إليّ؟
توقف لحظة.
— كثيرًا.
— جيد.
ودخلت كأنها تعرف المكان منذ زمن.
بعد الغداء أخذها سامي إلى مكتبته.
وقفت أمام الرفوف الطويلة.
— هل قرأت كل هذه الكتب؟
— لا.
— إذن لماذا عندك؟
— لأن بعض الكتب تحتاج إلى أن تنتظر سنوات حتى نكون مستعدين لها.
فكرت.
— مثل الناس؟
نظر إلى نورا. كانت واقفة عند الباب، وقد ابتسمت.
— ربما.
سحبت ميري كتابًا كبيرًا.
— هل أستطيع أن أقرأ هذا؟
— هذا أكبر من عمرك.
— إذن متى يصبح مناسبًا؟
— عندما يصبح السؤال الذي فيه مهمًا بالنسبة إليك.
— أنا أحب الأسئلة.
— أعرف. أمك تقول ذلك.
— لا، قالت نورا. أنا أقول إنها ورثت الأسئلة من أبيها.
— من أبيك أنتِ؟
— نعم. كان يحب الأسئلة أكثر مما يحب الإجابات.
جلست ميري على الأرض وفتحت الكتاب وقالت بجدية:
— هذا لا يحتوي على صور.
— لأنه للكبار.
— الكبار يحبون الصور أيضًا.
— لكنهم لا يعترفون.
في المساء، خرجت نورا مع سامي إلى الشرفة الصغيرة بينما كانت ميري ترسم في الداخل.
قالت:
— أشعر بشيء غريب.
— ماذا؟
— كأنني رأيت شيئًا كنت أخشاه.
— ماذا رأيتِ؟
— أراك مع ميري.
سكت.
— وهل أخافك ذلك؟
— قليلًا. ليس لأنني لا أريده، بل لأنني أريده.
— نورا، لا أريد أن أكون شيئًا يُفرض على ميري.
— أعرف.
— ولا أريد أن تكون علاقتنا سببًا في أن تشعر هي بأن أحدًا يأخذ مكان أبيها.
— لن يحدث ذلك.
— لن أسمح.
— وأنا لن أسمح أيضًا. لكن هناك فرقًا بين ما نريده وما نستطيعه.
— أعرف.
في تلك اللحظة جاءت ميري تحمل رسمة.
— ماما!
أخذت نورا الورقة.
كانت فيها ثلاثة أشخاص يقفون أمام بيت: هي، وميري، وسامي.
تأملتها طويلًا.
قالت ميري:
— هذا بيتنا.
تجمدت نورا لحظة، ثم نظرت إلى سامي.
قال سامي بهدوء:
— رسم جميل.
— لماذا رسمتِ سامي معنا؟
— لأنه يأتي عندنا. ولأنه يجعل ماما تضحك.
ضحكت نورا رغمًا عنها.
— هل أضحك كثيرًا؟
— أكثر عندما يكون هو هنا.
ثم أخذت الرسم وذهبت.
بقيت نورا صامتة.
قال سامي:
— لا تنظري إليّ هكذا.
— كيف؟
— كأنني مسؤول عن هذه الرسمة.
— لست مسؤولًا عنها. لكنها أخافتني.
— لماذا؟
— لأنها رأت شيئًا قبل أن أجرؤ أنا على رؤيته.
سكت.
ثم قال، وهو ينظر إلى الباب الذي ذهبت منه ميري:
— لو رأيتِني أرتجف قليلًا حين رأيت الرسمة، فلا تفسريه خطأً.
— هل ارتجفت؟
— من الداخل. لينا كانت ترسم لنا أيضًا. ثلاثة أو أربعة أشخاص أمام بيت.
أغمضت نورا عينيها لحظة.
— هل تريد أن تدخل الغرفة الأخرى قليلًا؟
— لا. أريد أن أبقى هنا.
— حسنًا.
بقيا صامتين.
ثم مدّت يدها وأمسكت يده على حاجز الشرفة.
— هذه المرة أنا لست خائفة عليك، قالت. أنا خائفة معك.
— وهذا أفضل.
— جدًا.
بعد أسبوعين اتصلت نورا مساء الخميس.
— ما رأيك أن تأتي إلى فايسارن هذه المرة دون موعد عودة؟
— كم يومًا؟
— لا أعرف.
— هذه إجابة خطيرة.
— بدأت أتعلم منك.
ضحك.
— وماذا سأفعل هناك؟
— شيئًا لا نفعله عادة: لا شيء.
— لا شيء؟
— أن نكون في بيت، ويحدث ما يحدث. أن نتعب، وأن نختلف، وأن نصمت. أريد أن أعرف كيف نكون حين لا نحاول أن نجعل الوقت جميلًا.
— هذا اختبار صعب.
— أعرف.
— وماذا لو فشلنا؟
— نعرف ذلك.
— وماذا لو نجحنا؟
لم تجب. كانت الإجابة واضحة أكثر مما ينبغي.
وصل سامي في الأسبوع التالي.
لم تكن هناك لحظة استقبال كبيرة، فقد كانت نورا في الجامعة. وجد على الطاولة مفتاحًا صغيرًا وورقة:
“إذا كنت ستبقى، فلا أريدك أن تشعر أنك ضيف.”
ثم في الأسفل:
“ولا تحاول ترتيب المكتب.”
ضحك، ووضع المفتاح في جيبه.
في اليوم الأول بقي في البيت يكتب. في الثاني ذهب معها إلى الجامعة، وجلس في المكتبة. وفي الثالث اختلفا.
كان السبب صغيرًا.
عادت نورا من الجامعة متعبة، ووجدت أن سامي قد أعاد ترتيب المطبخ، فنقل الأكواب، وغيّر مكان القهوة، وطبخ غداءً لنفسه وترك لها الباقي.
وقفت عند الباب.
— هل حدث شيء؟
— لا. رتبت المطبخ.
— هذا واضح.
— هل أزعجك؟
— لم أقل ذلك.
— لكنك قلتِه بوجهك.
— وأنت أعدت ترتيب مطبخي دون أن تسألني.
— لم أعلم أن ذلك يحتاج إلى إذن.
— كل شيء يحتاج إلى إذن يا سامي حين يكون بيتي.
سكت.
قال بعد لحظة:
— أنتِ محقة.
— لا أريد أن تقول “أنتِ محقة” لتغلق الموضوع.
— لا أقولها لأغلقه. أقولها لأنه صحيح. لكنني أيضًا لم أقصد أن أتعدى. أنا لا أعرف كيف أعيش في بيت دون أن أفعل شيئًا بيدي.
— إذن اسأل.
— وإذا قلتِ لا؟
— أقول لا.
— وأنا لن أعيد الأكواب إلى مكانها؟
— لا. سأعيدها أنا.
ابتسمت رغمًا عنها.
— وأنت؟ ماذا ستفعل؟
— سأرتب غرفة المكتب في غيابك، لأثبت لك أنني أستطيع أن أكون منظمًا.
— لا تفعل.
— لماذا؟
— لأنها مرتبة كما أريد.
ضحك.
— اتفقنا. المطبخ لك، والمكتب لي، وحين نتزوج نقتسم الحمام.
توقفت.
نظر إليها.
— قلت “نتزوج”.
— لم أقصد أن أقولها هكذا.
— لكنك قلتها.
— أعرف.
— وهل أزعجك أنني قلتها؟
— لا. أزعجني أنني لم أنزعج.
في المساء التالي جلسا في الشرفة، وقالت نورا:
— أريد أن أسألك عن شيء.
— قولي.
— حين قلتُ لك إن الفندق ورثته عائلتي، وحين رأيت السيارة، وحين عرفت عن الاستثمارات… هل غيّر ذلك شيئًا؟
— غيّر أشياء كثيرة.
— مثل ماذا؟
— جعلني أنتبه أكثر إلى كل جملة أقولها. لا أريد أن يقول أحد يومًا: هو معها لأنها غنية. ولا أريد أن يقول أحد: هي معه لأنه حزين.
— وأنا لا أريد أن يقول أحد: هو معها لأنها أرملة. ولا: هي معه لأنه كاتب.
— ونحن لا نستطيع أن نمنع الناس.
— لكننا نستطيع أن نعرف الحقيقة.
سكتا.
قالت:
— لكن هناك شيئًا لا أعرف كيف أقوله.
— قوليه.
— أنا لا أريد أن أشتريك بحياتي.
— أنا لا أريد أن تشتريني.
— لكنني لا أعرف كيف أعيش دون أن أملك ما أملك. لا أستطيع أن أتظاهر.
— ولا أريدك أن تتظاهري. أريدك أن تعيشي كما أنتِ.
— وأنت؟
— أنا لن أعيش على مالك. ولن أكتب لك عقدًا لتمنحيني مالًا. ولن أرفض أن تدفعي لي ثمن قهوة.
ضحكت.
— هذا موقف واضح.
— أنا لم أنته. سأدفع ما أستطيع. وحين لا أستطيع، سأقول لك. لن أخفي ذلك، ولن أحمل عبء أن أكون رجلًا كل ما يقدمه هو أنه لا يحتاج.
— هل تريد أن تعرف ما أخافه؟
— نعم.
— أخاف أنني، في لحظة ضعف، سأقول شيئًا مثل: “لا تقلق، أنا أدفع”. وأنك ستسمع فيه أنني أحمل حياتك.
— وأنا أخاف أن أسمع ذلك فأصمت، فتفهمين صمتي رضا، وأنا في الحقيقة أغلي.
— إذن نتفق: إذا قلت شيئًا كهذا، تقول لي على الفور.
— وإذا صمتُّ، تسألينني.
— وإذا لم تجب؟
— أجيب في اليوم التالي.
— لا. في الساعة نفسها.
— في الساعة نفسها.
نظرت إليه.
— هذا اتفاق غريب.
— هو عملي.
في اليوم الخامس أخذته نورا معها إلى اجتماع.
قالت في الصباح:
— لن تدخل. ستكون معي فقط.
— هل سيكون وجودي مناسبًا؟
— لا أعرف. لكنني أريدك أن ترى جزءًا آخر من حياتي، كما رأيت أنا جزءًا من حياتك.
قادت السيارة إلى مبنى إداري حديث بواجهة زجاجية.
— هنا بعض المكاتب التي تدير استثمارات العائلة. أنا شريكة فيها على الورق، أحضر الاجتماعات الكبرى فقط، وأترك الباقي لابن خالي.
دخلت، فاستقبلها رجل في الأربعين، ببدلة زرقاء وابتسامة مهذبة أكثر من اللازم، وصافح سامي.
— كونراد، ابن خالي وشريكي في الإدارة.
— يسعدني.
— وأنا كذلك.
نظر كونراد إلى سامي لحظة أطول من اللازم، ثم قال:
— سمعت أنك كاتب.
— هذا ما يقولونه.
— هل يمكن أن أسأل عن… وضعك؟
— كونراد، قالت نورا.
— أنا أسأل. أنت تعرفين أن هذا سؤال ضروري.
قال سامي:
— نعم، سؤال ضروري. وضعي أنني أعيش من الكتابة والترجمة، وأنني لا أملك شيئًا مما تملكه العائلة، وأنني لا أنوي أن أملك.
— لا تنوي؟
— لا. إذا تزوجنا، لا أريد أن يكون لي حق في شيء من ملكية عائلة نورا. أريد أن أوقع ما يلزم لتكون الأمور واضحة.
نظرت إليه نورا.
كانت قد توقعت أن يصمت أو أن ينزعج. لم تتوقع هذا الوضوح.
— لم نتحدث في هذا، قالت.
— نتحدث الآن.
قال كونراد بحذر:
— هذا لطيف منك. لكن لا بد أن أقول: الأمر ليس مجرد ورقة توقعها. هناك إجراءات، وهناك مصالح، وهناك إخوة وأعمام وأشخاص…
— كونراد، قالت نورا، لا أحد هنا يطلب منك رأيك في مشاعرنا.
— لم أقل ذلك.
— بل قلته بلطف.
— أقول إنني قلق.
— وهذا حقك. لكن قرارنا لن يتغير بقلقك.
— هل هو قرار؟
نظر سامي إليها.
نظرت إليه.
قالت:
— ليس بعد. لكنه سيكون قرارنا نحن، لا قرار أحد آخر.
هزّ كونراد رأسه، ثم ابتسم ابتسامة لا يعرف أحد إن كانت سخرية أم استسلامًا.
— حسنًا. أنا أقول لك فقط: لن أخفي رأيي إن سألتِني.
— وسأسألك حين أحتاج.
عندما خرجا من المبنى، مشيا صامتين حتى السيارة.
قالت نورا:
— لم أتوقع ما قلته.
— أي جزء؟
— العقد.
— كنت أريد أن أقولها قبل أن يقولها هو.
— وقلتها.
— وهل أزعجك؟
— لا. لكنني لا أريدك أن تتنازل قبل أن تُسأل.
— لم أتنازل. اخترت.
— الفرق دقيق.
— وأنتِ تعرفين أنه دقيق.
فكرت.
— أنا لا أريد أن نتزوج بعقد يعزل كل شيء. لا أريد أن نكون شريكين في سرير وغريبين في كل ما عداه.
— ولا أنا. لكنني لا أريد أن أدخل حياتك من باب المال.
— ونتفق على الباقي لاحقًا؟
— ونتفق على الباقي لاحقًا.
ابتسمت.
— أنت تحب كلمة “لاحقًا”.
— وأنتِ تحبين أن تعرفي الآن.
— نتفق في الوسط.
— هذا أصعب مكان.
في اليوم السابع ذهبا إلى بحيرة صغيرة على بعد ساعة من المدينة، لا يعرفها أحد.
مشيا بمحاذاة الماء بين أشجار عارية، وكان الهواء يحمل رائحة الخشب المبلل.
جلسا على مقعد خشبي.
قالت نورا:
— أحيانًا أفكر أن الشهرة، حتى الصغيرة منها، تجعل الإنسان يعيش أمام صورته. أنت كاتب، وأنا أستاذة، والناس يتعاملون معنا بما نبدو عليه.
— نعم.
— لكن الحب لا يعيش مع الصورة. يعيش مع الشخص.
بقيت لحظة صامتة، ثم قالت:
— هل فكرت في الزواج من قبل؟
جاء السؤال هادئًا. لم يكن مفاجئًا تمامًا، لكنه كان أوضح من كل ما سبقه.
— نعم.
— متى؟
— في الماضي. لكنني لم أجد المرأة التي أشعر معها أن الزواج امتدادٌ للحياة لا خروجٌ منها.
— وماذا يعني ذلك؟
— أنني لا أريد أن أتزوج كي أصبح شخصًا آخر. أريد أن أتزوج امرأة تجعلني أكثر نفسي.
نظرت إلى الماء.
— وهل تعتقد أنك وجدتها؟
— نعم.
— أنا؟
— أنتِ.
سكتت.
— أنا أخاف من كلمة الزواج.
— لماذا؟
— لأنها ليست كلمة بين رجل وامرأة فقط. هناك ميري. وهناك حياتي. وأمي. وكاترين. وكونراد.
— وهناك حياتي أيضًا.
— نعم.
— لذلك لا أريد أن نحول الحب إلى سباق.
— كنت أحتاج أن تقول ذلك.
قالت:
— هل تريد أطفالًا؟
— لا أعرف. لم أفكر في ذلك بجدية.
— وأنا كذلك.
— لكن ميري موجودة.
— وهذا يكفي الآن.
— يعجبني أنك لا تتعاملين معها كأن وجودها شرط ضد أو معك.
— هي ليست شرطًا. هي إنسانة.
ثم قالت:
— أبوها له مكانه.
— أعرف.
— ولا أريد أن أمسح ذلك المكان كي أصنع مكانًا لك.
— ولا أريد ذلك. أريد فقط أن يكون لي مكان إلى جوارك.
نهضا وسارا.
كانت الشمس قد بدأت تميل.
قالت:
— لو تزوجنا يومًا…
— “لو”؟
— دعني أكمل.
— تفضلي.
— لو تزوجنا يومًا، لا أريد أن يكون الزواج هو الذي يجعلنا نحب بعضنا. أريد أن يكون الحب هو الذي جعل الزواج ممكنًا.
ابتسم.
— هذا فرق كبير.
— وأريد ألا يتغير كل شيء بعد الزواج. بعض الأشياء ستتغير، نعم. لكن ليس نحن.
— هذا ما أريده.
في السيارة، حين كان سامي يقود، رنّ الهاتف.
كانت ميري.
— ماما، أين أنتما؟
— على الطريق.
— ماذا فعلتما؟
— تحدثنا، قال سامي.
— فقط؟
— نعم.
— هل تحدثتما عن الزواج؟
نظر الاثنان إلى بعضهما.
— ميري! قال سامي.
ضحكت نورا.
— من أين جاءك هذا السؤال؟
— لأن جدتي قالت إن الأشخاص الذين يحبون بعضهم يتزوجون.
سكتت نورا.
ثم قالت بهدوء:
— ليس دائمًا بهذه السرعة.
— لكن هل تحبان بعضكما؟
نظر سامي إلى نورا.
قالت:
— نعم.
— إذن كل شيء جيد.
وأغلقت الخط.
نظر سامي إلى نورا وضحكا.
— يبدو أن ابنتك أكثر حسمًا منا.
— وهذه مشكلتنا.
ثم قالت:
— لكن ربما هي محقة في شيء واحد: أن الحب لا يحتاج دائمًا إلى كل هذا الخوف.
— ونحن؟
— لا نحتاج أن نقرر اليوم. لكننا نستطيع أن نعرف إلى أين نريد أن نمشي.
بعد العشاء جلست نورا مع ميري.
— هل تحبين بيتنا؟
— نعم.
— وهل تحبين أن يأتي سامي؟
— نعم.
— وهل تحبين أن نذهب نحن إليه؟
— نعم.
ثم سألت ميري:
— وإذا تغير شيء في حياتنا؟
— ماذا سيتغير؟
— لا أعرف.
— هل ستتركينني؟
تغير وجه نورا فورًا. اقتربت منها.
— أبدًا.
— حتى لو تزوجتِ؟
سكتت نورا.
— حتى لو تزوجت.
فكرت ميري قليلًا.
— إذن لا مشكلة.
ضحكت نورا رغم تأثرها.
— بهذه السهولة؟
— نعم.
ثم قالت:
— لكن يجب أن يحبني أيضًا.
احتضنتها نورا.
— أظن أنه يحبك.
في اليوم التالي، أخبرت نورا سامي بما حدث.
قال:
— هل سألتك إن كنت سأحبها؟
— نعم.
— وماذا قلتِ؟
— قلت إنني أظن أنك تحبها.
— وأنا متأكد.
سكت.
ثم قال:
— لكنني أريد أن أقول لك شيئًا. حين سمعت أنها سألت، لم أشعر بالخوف. شعرت بشيء لم أشعر به منذ سنوات.
— ماذا؟
— كأنني أُمنح شيئًا لا أستحقه.
— أنت تستحق.
— لا أعرف بعد.
— وأنا أعرف.
نظر إليها.
— قوليها.
— لن أقولها. ستكتشفها.
— هذا غير عادل.
— أعرف.
بعد أيام، استُدعيت نورا إلى استقبال في الجامعة، تقيمه كليتها في نهاية الفصل.
قالت:
— هل تأتي معي؟
— بصفتي ماذا؟
لم تجب فورًا. خفضت عينيها.
— هذه هي المشكلة.
— لا أفهم.
— لا أعرف ماذا أقول لهم. أنا لم أتعود أن تكون حياتي الخاصة موضوعًا للحديث.
— ولا أنا.
— لكنهم يعرفونني منذ سنوات.
— وهل يجب أن يعرفوا كل شيء؟
— لا. لكنني لا أريد أن أخفيك.
توقف.
— نورا، لا أريد أن أدخل عالمك بطريقة تجعلك مطالبة بتفسير وجودي.
— وأنا لا أريد ذلك.
— إذن اذهبي أنتِ، وسأبقى.
— لا. أريدك معي.
ذهبا معًا.
كانت القاعة مزدحمة، والأكواب تتحرك في الأيدي، والأصوات ترتفع وتنخفض. جاء هنريك من بعيد، وقد رأى سامي فرفع كأسه.
— الزائر الذي لا يجلس مجانًا.
— أهلًا.
— لم أنسَ جملتك عن المطبخ. لقد استعملتها في محاضرتي الأسبوع الماضي.
— هل نسبتها إليّ؟
— لا. نسبتها إلى “كاتب سوري لا يحب الاعتراف بمواهبه”.
ضحك سامي.
— هذا وصف عادل.
قال هنريك:
— وأنتِ، نورا، هل ستقدمين لنا صديقك رسميًا؟
توقفت نورا.
كانت الجملة سهلة. لكنها قالت في نفسها إنها ستكون آخر جملة تُقال دون أن تغيّر شيئًا.
نظرت إلى سامي.
ثم قالت بصوت واضح، بحيث سمعها من حولها:
— هذا سامي. الرجل الذي أحبه.
ساد صمت قصير.
ثم قالت ليلى من الجهة الأخرى بصوت عالٍ:
— أخيرًا!
انفجر بعض الحاضرين ضاحكين، وابتسم آخرون، وحدّق بعضهم في كأسه.
قال هنريك، وقد ارتفع حاجباه:
— هذا… تطور مثير.
— لا تحاول أن تناقشه، قالت نورا.
— لن أفعل. لكنني سأقول إنني كنت أظن أنك ستقولين “صديقي”.
— كنت أنا أيضًا أظن ذلك.
ضحك هنريك، وشرب.
بعد دقائق، وجدت نورا نفسها بجانب سامي عند النافذة.
كانت يداها ترتجفان قليلًا.
— لم أخطط لذلك.
— أعرف.
— هل أخطأت؟
— لا. لكنني لم أطلب منكِ.
— أعرف. ولهذا قلتها.
سكت.
ثم قال:
— هل كنتِ ستقولينها لو لم يسألك هنريك؟
— ربما لا.
— وهل أنتِ نادمة؟
— لا.
— حسنًا.
— لكنني أريد أن أقول لك شيئًا.
— قولي.
— لم أقلها لأجلك. قلتها لأجلي. كنت أريد أن أقف بجانبك دون أن أشرح.
— وقد فعلتِ.
— وأنت؟
— أنا لم أشعر بأنني بحاجة إلى تفسير. شعرت أنني بحاجة إلى أن أبقى واقفًا.
— وهل بقيت؟
— نعم.
ثم أضاف:
— لكنني أتمنى ألا نجعل هذا عادة: أن نقول أشياء كبيرة في أماكن عامة لأن الجو يحتمل.
— أنا أيضًا.
— لكن هذه المرة كانت جميلة.
— كانت.
كانت ليلة هادئة في فايسارن.
نامت ميري مبكرًا، وبقي الاثنان وحدهما في غرفة المعيشة، وقهوتهما أمامهما، والكتب موزعة على الطاولة، والمدينة تمضي في هدوئها خلف النافذة.
قالت نورا:
— هل أنت مستعد؟
— لأي شيء؟
— للحديث الذي نؤجله منذ فترة.
— كنت أعرف أنه سيأتي.
— الزواج.
لم تتغير ملامحه، ولم يبتسم. وضع فنجانه على الطاولة.
— نعم.
— أريد أن أتحدث عنه دون أن نجعله نهاية كل شيء.
— لأنه ليس النهاية.
— بالضبط.
نظرت إلى يديها.
— أخشى أن الناس يعاملون الزواج كأنه الإجابة الأخيرة.
— وأنا أخشى أن نعامله نحن كذلك: أن نقول أحببنا بعضنا، إذن يجب أن نتزوج، وكأن الحب يفرض النتيجة.
— وأنت لا تراه كذلك؟
— أراه اختيارًا. لا نتيجة.
فكرت قليلًا.
— وأنا أريده.
قالها بهدوء.
— وأنا أيضًا.
كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت بينهما طويلًا.
قالت:
— هناك أشياء يجب أن نتحدث عنها قبل أن نقرر. ميري.
— أولًا.
— عملي.
— ثانيًا.
— عملك وكتابتك.
— ثالثًا.
— وأين نعيش؟
— رابعًا.
— وكيف نعيش؟
— هذا هو السؤال الحقيقي.
— لا أريد أن أتزوجك ثم أكتشف أننا بنينا حياتنا على التضحية.
— وأنا لا أريد أن أتزوجك ثم أشعر أنك تركت حياتك من أجلي.
— ولا أريدك أن تتركي الجامعة.
— ولن أفعل.
— ولا أريد أن أتوقف عن الكتابة لأنني أصبحت زوجك.
— ولن أطلب ذلك.
— إذن ماذا نريد؟
فكر قليلًا.
— أن يصبح لكل واحد منا مكان في حياة الآخر، من دون أن يفقد مكانه في نفسه.
نظرت إليه طويلًا.
— هذه الجملة أخاف منها وأحبها.
— لماذا؟
— لأنها تعني أن الزواج لن ينقذنا من أنفسنا.
— ولا ينبغي له.
قالت:
— بالنسبة إلى أين نعيش…
ضحك.
— وصلنا أخيرًا إلى أصعب سؤال.
— لا تتهرب.
— لن أتهرب. ربما لا نحتاج إلى مدينة واحدة منذ البداية. تبقى حياتك الأساسية في فايسارن، وتبقى حياتي مرتبطة بـ بارغافن. ونجد بين المدينتين طريقة لا تجعلنا نشعر أننا مسافران إلى بعضنا كل مرة.
— وبعد ذلك؟
— بعد ذلك نرى.
— وماذا لو اكتشفنا أن هذا لا يكفي؟
— نغيّر.
— وماذا لو احتجنا إلى أن نعيش في مكان واحد؟
— نقرر حينها.
ابتسمت.
— أنت تحب كلمة “حينها”.
— لأنها تترك للحياة فرصة أن تخبرنا بما نحتاج إليه.
— وأنا أحبها أقل، لأنني أريد أن أعرف أين أقف.
— أنتِ تعرفين.
— أين؟
— معي.
سكتت.
— هذا ليس عنوانًا جغرافيًا.
— لكنه المكان الذي أتحدث عنه.
اقتربت منه.
— هل تعرف متى شعرت أنني أريد الزواج منك؟
— متى؟
— ليس عندما قلت إنك تحبني. عندما اختلفنا أول مرة.
— هذا غريب.
— لا. لأنني اكتشفت أنك حين تختلف معي لا تحاول أن تربحني، بل تحاول أن تفهمني. وفي الوقت نفسه لا تتخلى عن نفسك كي ترضيني.
— وأنتِ فعلتِ الشيء نفسه.
— نعم.
— وهذا ما جعلني أريدك أكثر.
في تلك اللحظة فتحت ميري باب الغرفة قليلًا.
— هل أنتما مستيقظان؟
— نعم، قالا معًا.
دخلت وهي تحمل دميتها.
— هل يمكنني أن أنام هنا قليلًا؟
فتحت نورا ذراعيها، فجاءت ميري وجلست بجانبها، ثم وضعت رأسها على ساق أمها.
قالت:
— هل تحدثتما عني؟
— قليلًا.
— ماذا قلتما؟
— قلنا إنك مهمة جدًا، قال سامي.
فكرت ميري.
— أعرف.
ضحكت نورا.
— وهل تعرفين ماذا تحدثنا أيضًا؟
— ماذا؟
— عن المستقبل.
فتحت ميري عينيها.
— أي مستقبل؟
— مستقبلنا.
— هل سأكون فيه؟
نظر سامي إلى نورا.
— بالتأكيد.
ابتسمت ميري.
— إذن لا مشكلة.
— لماذا؟
— لأنني أحب الأماكن التي نكون فيها كلنا.
ثم نهضت وعادت إلى غرفتها.
بقي الاثنان صامتين.
قالت نورا:
— هل سمعت؟
— نعم.
— ماذا قالت؟
— قالت شيئًا كنت أحاول أن أتعلمه منذ زمن: أن بعض القرارات لا تحتاج إلى أن تكون كاملة كي تكون صحيحة.
نظرت إليه، ثم أخذت يده.
— سامي.
— نعم؟
— لنتزوج.
لم تكن الجملة مفاجئة، فقد وصلا إليها ببطء شديد. لكنها حين قيلت بدت كأنها كانت تنتظرهما منذ زمن.
— نعم.
ثم سأل:
— هل أنتِ متأكدة؟
— لا.
رفع حاجبيه، فضحكت.
— وأنت؟
— لا.
— إذن نحن متفقان.
— تمامًا.
— لكنني متأكدة من شيء واحد: أنني لا أريد أن أستيقظ يومًا وأكتشف أننا تركنا هذا الحب لأننا كنا خائفين من المستقبل.
— وأنا لا أريد أن أتزوجك لأنني خائف من فقدانك.
— إذن لماذا؟
نظر إليها طويلًا.
— لأنني أريد أن أعيش معك ما سيأتي.
أغمضت عينيها لحظة.
— هذا يكفيني.
ولم يتحدثا عن موعد، ولا عن قاعة، ولا عن ثوب، ولا عن احتفال.
كان القرار قد اتخذ بطريقة أكثر هدوءًا من كل ما تخيلاه: لم يختارا الزواج لأنهما وجدا نهاية للحب، بل لأنهما أرادا أن يمنحا الحب فرصة أن يصبح حياة.
بعد يومين، جاءت كاترين إلى البيت دون موعد.
فتحت نورا الباب، ورأتها واقفة على العتبة، بمعطف داكن، وحقيبة صغيرة في يدها.
— هل تسمحين لي؟
— طبعًا.
دخلت كاترين، وجلست في غرفة الجلوس، ورأت سامي جالسًا عند الطاولة يقرأ.
توقف.
— سأترككما.
— لا، قالت كاترين. أرغب أن تسمع.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— ميري أخبرت أمي أنكما ستتزوجان.
— لم نعلن شيئًا بعد.
— لكنكما قررتما.
— نعم.
— لن أقول إنني أوافق.
— لا نحتاج إلى موافقتك، قالت نورا بهدوء لا يخلو من الرقة.
— أعرف. ولهذا جئت.
فتحت الحقيبة الصغيرة، وأخرجت مغلفًا سميكًا، ووضعته على الطاولة.
— هذه صور. فيليكس وميري. وأنتِ أيضًا. صور لم ترها ميري. كنت أحتفظ بها في بيتي لأنني كنت خائفة أن…
توقفت.
— أن تُنسي.
— لا. أن تُمحى.
نظرت إليها نورا.
— لم ولن أمحو شيئًا.
— أعرف. لكنني كنت أحتاج إلى أن أراكِ تفعلين. ولم أرَ ذلك حتى الأسبوع الماضي، حين رأيت ميري تحتفظ برسمة فيها ثلاثة أشخاص، وبجانبها في الدرج صورة لأبيها لا تزال في مكانها.
نظرت إلى سامي.
— لن أحبك بسهولة.
— أعرف.
— لكنني لن أقف في طريقك.
— هذا أكثر مما أطلب.
— لا تشكرني. أنا لا أفعل ذلك من أجلك.
— أعرف.
نهضت.
— سأذهب.
— هل تبقين للعشاء؟
— لا. ماركوس ينتظرني.
عند الباب قالت نورا:
— شكرًا يا كاترين.
— لا تشكريني. فقط… لا تنسي.
— لن أنسى.
بعد أن خرجت، بقيت نورا واقفة عند الباب لحظة.
جاء سامي بجانبها.
— هل تريدين أن نفتح المغلف؟
— لا الآن.
— كما تشائين.
— غدًا. مع ميري.
— أعتقد أن هذا أفضل.
— أعتقد أن كاترين تعرف ذلك.
لم يتزوجا بعد.
ولم يتراجعا عن فكرة الزواج. كانت المسألة، ببساطة، قد خرجت من دائرة الكلام عن المستقبل وأصبحت جزءًا من الحاضر.
لم يعد سامي يسأل نفسه إن كانت نورا تحبه، ولم تعد نورا تسأل نفسها إن كان ما تشعر به حبًا أم وحدة أم حاجة إلى شخص يعيد إليها شيئًا فقدته. كان السؤالان قد فقدا أهميتهما، ليس لأنهما وجدا الإجابة النهائية، بل لأنهما عاشا معًا ما يكفي ليعرف كل منهما أن الإجابة لا تأتي دائمًا في صورة جملة.
في أحد الصباحات كان سامي في بارغافن.
كانت أمامه أوراق كثيرة. قرأ فقرة ثم شطبها، وكتب جملة ثم توقف.
رنّ هاتفه.
— هل أيقظتك؟
— لا.
— كاذب.
ابتسم.
— كنت أكتب.
— أعرف. صوتك حين ترد وأنت تكتب يكون مختلفًا.
— وهل أصبحتِ خبيرة في أصواتي؟
— منذ وقت طويل.
ثم قالت:
— ميري تريد أن تتحدث إليك.
سمع صوتها من بعيد:
— سامي! متى ستأتي؟
نظر إلى الأوراق أمامه، ثم إلى النافذة.
— قريبًا.
— هذا جواب الكبار حين لا يعرفون.
ضحكت نورا، وسمع ضحكتها.
— لديها حق، قالت.
— وأنا أعرف.
بعد أن انتهت المكالمة، بقي الهاتف في يده.
لم يشعر بالشوق بالطريقة القديمة. لم يكن ذلك الفراغ الذي كان يشعر به بعد مغادرته فايسارن. كان يعرف الآن أن نورا موجودة في مكان آخر من المسافة التي تفصل بينهما، وأنها ستتصل، وأنه سيذهب، وأنها ستأتي، وأن الأيام ستظل تحمل معها أشياء لم يتوقعاها.
وكان هذا النوع الجديد من اليقين أكثر هدوءًا من الحب الذي كان يخاف عليه في البداية.
عاد إلى أوراقه، وكتب:
“هناك أشياء لا نعرف قيمتها إلا حين نتوقف عن محاولة امتلاكها.”
ثم توقف، وفكر في الجملة، وشطبها. لم تعجبه.
كتب بدلًا منها:
“ربما لا يكون الحب وعدًا بما سيحدث، بل قدرة على أن نعيش ما يحدث دون أن نخونه.”
بقي ينظر إليها، ثم أغلق الدفتر.
لم يكن يعرف إن كان سيضعها في رواية. ربما لا.
في فايسارن كانت نورا في مكتبها. ناقشت طالبًا في بحثه، ثم طلبت منه أن يعيد صياغة فكرة كاملة. كانت في عالمها، في مكانها. لم يغيّر الحب طريقتها في العمل، ولم يجعلها أقل حدة في الأسئلة.
وحين انتهت، فتحت هاتفها، ووجدت رسالة منه:
“انتهيت من الكتابة. أظن أنني أريد أن آتي.”
ابتسمت.
كتبت: “تعالَ.” ثم مسحت الكلمة. كتبت: “متى؟” ثم مسحتها أيضًا. وأخيرًا كتبت:
“سأكون في البيت.”
وبعد لحظة أضافت:
“ولا تنس أن تأكل.”
وضحكت وحدها. كانت تعرف أنها قالت له هذه الجملة في أول رحلة، وكان يعرف هو ذلك أيضًا.
لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 03
