Numan Albarbari نعمان البربري

لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 03

الجزء الثالث

وصل الظرف في صباح ثلاثاء عادي، بين فاتورة الكهرباء وإعلان عن مغسلة سجاد.
كان ظرفًا أبيضَ رسميًّا، عليه ختم المحكمة الإقليمية العليا في هوهنراين، واسمه مكتوب بحروف لاتينية منتظمة كأن الآلة التي كتبته لم تعرف قط ماذا يعني اسمه.
جلس سامي إلى طاولة المطبخ، وفتحه بسكين الخبز.
قرأ السطر الأول مرتين، ثم الثاني، ثم وضع الورقة على الطاولة وألصق كفه عليها كما يُلصَق على شيء يخاف أن يطير.
تدعوكم المحكمة للإدلاء بشهادتكم بصفتكم شاهدًا في القضية المرفوعة ضد الضابط السابق في جهاز الأمن السوري، بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، ومنها المداهمة التي وقعت بتاريخ…
كان التاريخ مطبوعًا هناك، كاملًا، بلا أي حرج.
لم يكن تاريخ اليوم الذي فقده سامر في المتحف. كان تاريخًا يعرفه سامي جيدًا. لكنه لم يره مطبوعًا في ورقة حكومية من قبل.
وضع الورقة داخل الظرف، والظرف داخل كتاب على الرف، وخرج ليمشي.
لم يقل لأحد.
في اليوم التالي لم يقل.
ولم يكتب حرفًا.
وفي اليوم الثالث اتصلت نورا في الثامنة مساءً، فردّ.
— مرحبًا.
— هل أكلت؟
— أكلت.
— ماذا؟

— سامي.
— خبز وجبن.
— لا شيء آخر؟
— لا شيء آخر.
سكتت.
— ما الأمر؟
— لا شيء.
— هذه ليست لا بأس. هذه لا شيء.
— ما الفرق؟
— لا بأس تعني أنك لا تريد أن تتكلم. لا شيء تعني أنك لا تريد أن تقول لي.
قال بعد لحظة:
— هل تسمحين لي أن أقول لك غدًا؟
— اتفقنا أن يكون في الساعة نفسها.
— أعرف.
— وأنا لن أضغط عليك. لكنني أذكّرك بما اتفقنا عليه.
— أعرف.
— ولن أغلق الخط.
— حسنًا.
ساد صمت طويل.
سمع في الخلفية صوت ميري وهي تسأل عن شيء، وردّ نورا عليها بعيدًا عن الهاتف، ثم عادت.
— أنا هنا.
— وصلتني رسالة من المحكمة.
— أي محكمة؟
— في هوهنراين. القضية التي قرأتِ عنها.
— القضية…
توقفت.
— أعرف أي قضية تقصد.
— يريدونني شاهدًا.
— على…
— على البيت.
لم تقل شيئًا.
لكنه سمعها تجلس. أو ربما كانت تجلس منذ زمن وأصبح الآن فقط يسمع كرسيها.
قالت أخيرًا:
— متى؟
— بعد ستة أسابيع.
— هل قلت لهم نعم؟
— لم أرد بعد.
— ولماذا لم تقل لي منذ ثلاثة أيام؟
— لأنني لم أعرف بعد كيف أقولها.
— وكيف قلتها الآن؟
— كما ترين. بجملة واحدة.
— وهل هذا يعني أنك لا تريد أن تذهب؟
— هذا يعني أنني أخاف أن أذهب.
— وأنا؟ ما الذي تريدني أن أفعل؟
— لا أعرف بعد.
— هل تريدني أن آتي؟
— لا أعرف.
— هل تريدني ألا آتي؟
— لا أعرف.
— حسنًا. هذا كل ما أحتاجه الليلة.
قال:
— أنتِ لا تحاولين أن تحميني.
— أحاول. لكنني أحاول أن أفعلها ببطء، كما اتفقنا.

جاءت في اليوم التالي بالقطار، وحدها، بحقيبة صغيرة.
وقف سامي على الرصيف، وكان قد قرر أن يبدو هادئًا. لكنها حين رأته تركت الحقيبة تسقط عن كتفها، وضمّته بكل جسدها، دون كلام.
بقيا هكذا على الرصيف حتى رنّ جرس التحرك، وابتعد القطار.
قال:
— لم أقل لكِ أن تأتي.
— أعرف.
— لماذا جئتِ؟
— لأنني أردت أن أكون حيث أنت حين تفتح الظرف مرة ثانية.
— كيف عرفتِ؟
— لأنني لو كنت مكانك لفتحته مرة ثانية.
في البيت وضع سامي الظرف على الطاولة.
قرأته نورا ببطء. قرأته مرتين. وضعته جانبًا، ثم قالت:
— هل تريد أن أقول لك ما فكرت فيه في القطار؟
— قولي.
— فكرت في ثلاثة أشياء. الأول: أنني أريدك ألا تذهب.
نظر إليها.
— لماذا؟
— لأنني لا أريدك أن تمر بهذا. لا أريد أن أراك في قاعة خشبية، أمام رجل تعرف أنه أمر بتفجير بيتك أو كان جزءًا منه، ومحامٍ سيسألك عن كل ما لا تذكره.
— والثاني؟
— أنني أعرف أن هذه الرغبة أنانية. وأنها ليست لك. هي لي.
— والثالث؟
— أنني لا أعرف ماذا أفعل بهذه الرغبة.
سكت.
ثم قال:
— هل تعرفين ما أخافه؟
— قل.
— أخاف أن أقف هناك فأكتشف أنني لا أذكر شيئًا. أن يسألني القاضي: ماذا قالت لك أمك في آخر مكالمة؟ وأجيب: لا أذكر.
— وماذا في ذلك؟
— يقولون إن ذاكرتي لا تُعتمد.
— من يقول؟
— محامي الدفاع. لا بد أنه سيقول.
قالت:
— أنا أدرّس هذا للطلاب منذ عشر سنوات. الشاهد الذي يروي كل شيء بدقة متساوية، حتى الهوامش، يثير الشك، لأنه غالبًا ردّد حكايته ألف مرة حتى صقلها. أما الصادق فيحتفظ بجوهر ما جرى ويتلعثم عند الهوامش، وقد يقول: لا أذكر.
— هذا ما تقولينه أنتِ. ليس ما يقوله المحامي.
— ولذلك أحتاج أن أقول لك شيئًا آخر.
— ماذا؟
— قد يطلبون مني أن أكون خبيرة.
— كيف؟
— المحكمة تبحث عن أستاذ في الذاكرة والشهادة. اتصل بي أحدهم من مكتب المدعي العام قبل أسبوعين. لم أعرف حينها أنها هذه القضية. رفضت لأنني مشغولة.
— وهل…
— اتصل بي مرة ثانية أمس.
كان صوتها ثابتًا. لكنه رأى يدها تضغط على حافة الطاولة.
— قلت لهم لا.
— لماذا؟
— لأنني لا أستطيع أن أكون خبيرة في قضية أنت فيها.
— أنتِ الأنسب.
— لا. أنا الأقل نزاهة. لو وقفت هناك وقلت إن شهادة سامي موثوقة، فهل يصدقني أحد؟
— لن تكون شهادتك عني. ستكون عن الذاكرة.
— وسأكون مرتبطة بك أمام القاضي وأمام الصحافة. سيقولون: خطيبته. وأنا لا أريد أن تكون شهادتك، أو أن يكون ضحاياك، أو أن يكون هذا الرجل خلف القضبان، موضوع تشكيك بسبب علاقتي بك.
— أنتِ تحمينني.
— أنا أحمي القضية.
— والفرق؟
— أن الأولى قد تكون أنانية.
— أنتِ أعقل منها.
— لا. أنا فقط أدرس هذا العالم أكثر منك.
سكتا.
قال سامي:
— وما الرابع؟ القطار كان طويلًا وأنتِ لم تنتهِ.
ابتسمت قليلًا.
— الرابع: أنني سأكون في القاعة إن أردت. وإن لم ترد، سأنتظر خارجها. وإن لم تعرف بعد، فلا أحتاج أن تعرف الليلة.
— وإن قررت ألا أذهب؟
— سأقول: أنت تعرف.
— وإن ذهبت؟
— سأقول: أنت تعرف أيضًا.
ضحك ضحكة قصيرة رغمًا عنه.
— هذه ليست إجابة.
— لأنها ليست سؤالًا. هذا قرارك أنت.

اتصل يوسف في الليلة نفسها.
— وصلتك؟
— نعم.
— وصلتني قبل أسبوع.
— ولم تقل لي؟
— لم أقل لأنني كنت أنتظر أن تصلك.
— لماذا؟
— لأنني لا أريد أن أفتح باب الحزن قبل أن يفتحه صاحبه.
— هل ستذهب؟
— بالطبع.
— بهذه السرعة؟
— أنا أفكر في هذا منذ خمسة عشر عامًا. لا أحتاج ثلاثة أيام.
— وأنا؟
— أنت؟ هذا سؤال لا يجيب عنه أحد غيرك.
— كنت أظنك ستقول لي: اذهب.
— لو قلتها لك، لأصبحت الشهادة شهادتي لا شهادتك.
سكت سامي.
ثم قال:
— يعني إن قلت لا، ستظل صديقي؟
— يا رجل. أنا أعرفك منذ ثلاثين سنة. سأظل صديقك حتى لو قلتَ إن الأرض مسطحة.
— هذا مريح.
— قصدي أن الأمر ليس امتحانًا.
— بل هو امتحان.
— نعم. لكنه ليس امتحان أحد لك. أنت من يمتحن نفسه.

بعد أسبوع، زارته أمل في المساء، بلا موعد، وجلست في مطبخه، ولم تخلع معطفها.
قالت:
— وصلتني رسالة مثل رسالتك.
نظر إليها.
— أنتِ أيضًا؟
— أخي بسام. كان في سجن صيدنايا. اختفى عام ٢٠١٢. لم أعرف عنه شيئًا حتى جاء أحدهم إلى المكتبة قبل ثلاث سنوات وقال لي إنه رآه حيًا في العام الثالث.
سكتت.
— لم أذهب إلى أي مكان من أجله. لم أقدم أي شهادة. لم أتحدث مع صحفي. كنت أقول لنفسي: حين أجد قبره، سأقف وأتكلم.
— وهل وجدتِ؟
— لا.
ساد الصمت.
— ماذا ستفعلين؟
— لن أذهب.
قالتها بهدوء.
— لماذا؟
— لأنني لا أستطيع. هذا كل شيء. لا أستطيع أن أقف أمام قاضٍ ألماني وأتكلم عن أخي بلغة لا أعرف كيف أحول فيها أخي إلى الشاهد أ أو الضحية رقم ٣٤. أنا لا أملك هذه القوة.
— لا أحد يطلب منك أن تملكيها.
— لكنني أشعر بالذنب لأنني لا أفعل.
— ولا ينبغي.
— أنا لم أقل ذلك لتخفف عني. قلته لأنني أريدك أن تعرف أن هناك طريقين، وأنني أحترم طريقك أنت، ولا أفتح فمي بنصيحة.
نظر إليها طويلًا.
— لماذا جئتِ إذن؟
— لأنني أريد أن أعرف: إذا ذهبت، هل ستعيش بعد ذلك؟
لم يجب فورًا.
قالت:
— لا أسألك عن الشهادة. أسألك عن اليوم التالي.
— لا أعرف.
— جيد. هذا هو الجواب الأول الصادق.
— ولو لم أذهب؟
— ستعيش أيضًا. لكنك ستحمل المحكمة معك كلما مررت أمام ورقة رسمية.
— وأنتِ تحملين الآن؟
— أحمل منذ خمسة عشر عامًا.
قامت، وارتدت قفازها.
— قالت لي نورا شيئًا في العشاء الماضي. قالت إن الأشخاص الذين يحبون بحق يتعلمون أن يتركوا للآخر حق اختيار الألم الذي يريده.
— هي قالت هذا؟
— لا. أنا استخلصته من طريقتها في الصمت.
— أنتِ ذكية.
— أنا مكتبية. أقرأ الصمت لأن الكتب لا تتكلم.
عند الباب قالت:
— إن ذهبت، سأنتظرك في المحطة عند العودة.
— وإن لم أذهب؟
— سأنتظرك في المحطة أيضًا.

مرت ثلاثة أسابيع.
لم يكتب سامي سطرًا في المتحف. كان ينهض في الصباح، ويجلس أمام الشاشة، ثم يغلقها.
في الأسبوع الرابع، وبينما كانت نورا عنده، وجدته واقفًا أمام رف الكتب، يمسك بكتاب دون أن يفتحه.
قالت:
— هل ما زلت تفكر؟
— لقد اتخذت القرار.
— متى؟
— هذا الصباح.
— لماذا لم تقل؟
— قلتُها الآن.
— ما هو؟
نظر إليها.
— سأذهب.
— حسنًا.
— هذا كل ما ستقولينه؟
— هذا كل ما أحتاج أن أقوله.
— لا تريدين أن تعرفي لماذا؟
— أريد. لكنك لن تقول اليوم. ستقوله حين تعرف.
— أعرف الآن.
— إذن قل.
فكر قليلًا.
— لأن أبي كان يقول إن الشجاعة أن تقول: أنا كنت هنا.
سكتت.
— ولأنني لم أستطع أن أنسى أنني أغلقت الخط.
— هذا ليس سببًا.
— هو سبب. أنا لن أستعيد المكالمة. لكنني أستطيع أن أقول للعالم ما جرى بعدها.
نظرت إليه.
— هذه ليست شجاعة فقط. هذه أيضًا كفّارة.
— ولا أريد كفّارة. لا أريد أن أدفع ثمن ذنب لم أرتكبه.
— أعرف. لكنها تتسرب.
— أعرف.
ثم قال:
— هل هذا يزعجك؟
— أن تكفّر؟
— نعم.
— لا. يزعجني أن تظن أنك مدين.
— وإذا قلت لك إنني أتألم كلما فكرت أنني حي؟
— أقول لك إن ألمك حقيقي. ولا أقول لك إنه في محله.
— هذا فرق دقيق.
— هو كل ما لدي.

في اليوم الأول من المحاكمة مشى سامي على الرصيف الحجري أمام مبنى المحكمة، ومن خلفه نورا ويوسف.
كان المبنى رماديًا مربعًا، بلا ملامح، أشبه بمكتبة كبرى، وأمام مدخله شرطي بزي أخضر يفتش الحقائب بلطف لا يحتمل.
كانت نورا تحاول أن تبدو هادئة. حين وصلا إلى الباب تمتمت:
— لن أستطيع أن أدخل القاعة معك.
— لماذا؟
— القاعة صغيرة والمقاعد قليلة، والجمهور يدخل بالدور. عليّ أن أنتظر في الصف.
— إذن ننتظر معًا.
— لا. لا تنتظر. اذهب.
— نورا.
— نعم؟
— أنتِ ترتجفين.
— أعرف.
— هل أنتِ خائفة؟
— جدًا. خائفة أكثر منك.
— هذا ليس عدلًا.
— أعرف.
اقترب منها.
— يمكنك أن تخافي وأنا أشهد. لا تريدين أن تخفي ذلك عني.
— أريد أن أبدو قوية.
— أنتِ قوية. والقوة ليست ألا ترتجفي.
— هذه الجملة تشبه جملتي.
— أعرف. استعرتها منكِ.
قال يوسف من خلفهما:
— أنا لا أقاطع. لكن القاضية ستدخل القاعة بعد ثلاث دقائق.
ضحكت نورا وأخذت نفسًا.
— اذهبا.
— سأخرج، وأجدك هنا.
— سأكون هنا.
— هل تعدين؟
— أعدك أنني لن أذهب حتى تخرج.

كانت القاعة أصغر مما تخيل.
لا قضبان، ولا أروقة عالية، ولا قوس من الخشب المزخرف كما في الأفلام. مجرد قاعة خشبية بنوافذ عالية، وطاولات مصفوفة، وسماعات صغيرة لكل مقعد للترجمة.
جلس المتهم في الطرف الأيمن، رجل في الستين، بشعر رمادي مسرّح، ونظارة إطارها رقيق، وبدلة رمادية. كان يبدو كأستاذ متقاعد أو كموظف في بنك.
لم يكن سامي قد تخيله هكذا.
كان قد تخيله بوجه يعرفه. لكنه لم يعرف هذا الوجه ولا مرة.
نودي اسمه.
وقف على المنصة الصغيرة، وقد ذُكِّر بواجبه في قول الحقيقة.
ثم بدأت الأسئلة.
كانت القاضية هوفمان امرأة ستينية بشعر أبيض قصير ونظارة على سلسلة. سألت بصوت هادئ:
— هل تقص علينا، بكلماتك، ما حدث في ذلك الأسبوع؟
بدأ سامي.
روى للقاعة بيتًا كبيرًا وضيقًا في نفس الوقت، وعشاءً عاديًا، وتقريرًا كتبه أحدهم، وأحد عشر يومًا في ورشة، ومكالمة كل ليلة. تكلم بهدوء، وترجم له المترجم جملة جملة.
لم تقاطعه القاضية.
حين وصل إلى الليلة الأخيرة، سكت.
قالت القاضية:
— خذ وقتك.
— أنا لا أحتاج وقتًا. أحتاج أن أختار الجملة.
— لا بأس.
قال:
— في الليلة الأخيرة كلّمت أمي. كنت مستعجلًا. قلت لها: تمام يا أمي، سأغلق. وأغلقت.
— وماذا قالت لك؟
— لا أعرف.
ساد صمت.
— ماذا تقصد؟
— أقصد أنني لا أذكر ما قالته بعد ذلك. لا أذكر إن كانت قالت شيئًا أصلًا. لا أذكر هل قلت لها سلامتك أم أغلقت فقط.
نظرت القاضية إلى أوراقها.
ثم قالت بهدوء:
— شكرًا لك.
نهض محامي الدفاع، رجل نحيل ببدلة زرقاء، اسمه الدكتور تسيلر.
— سيد سامي، أنت تقول إنك لا تذكر مكالمتك الأخيرة مع والدتك.
— نعم.
— هل تذكر بدقة ما جرى في الفجر؟
— لم أكن هناك.
— إذن كيف تعرف؟
— علمت من صديق كان قريبًا من البيت.
— هل رأيتَ بنفسك أي جزء من المداهمة؟
— لا.
— هل رأيتَ المتهم؟
— لا.
— هل تعرف أنه هو من أعطى الأمر؟
— لا أعرف.
— هل تعرف أن الأمر كان صادرًا عنه؟
— لا.
— هل تعرف من كتب التقرير عنك؟
— لا.
— هل تذكر الأسماء التي كانت في ذلك الأسبوع؟
— أذكر أسماء أهلي.
— وغيرهم؟
— لا.
— لا تذكر الكثير، أليس كذلك؟
— لا.
— ألا يجعلك ذلك شاهدًا غير موثوق؟
نظر سامي إلى القاعة.
رأى صحفية شابة تكتب، ورأى امرأة غريبة تمسح عينيها. ولم يكن يوسف بين الحاضرين؛ فالشهود ينتظرون خارج القاعة حتى يُنادى عليهم.
وقال:
— لا أعرف إن كنت موثوقًا. لكنني أعرف أنني لم أخترع شيئًا.
— هل تعرف الجواب عن كل ما أسألك؟
— لا.
— هل تعرف كل شيء عن ذلك اليوم؟
قالها بنبرة انتصار خفيفة.
نظر سامي إلى الميكروفون، ثم إلى القاضية.
وقال بهدوء:
— لا. وليس علينا أن نعرف كل شيء لنشهد بما نعرف.
ساد الصمت.
لم يقل المترجم شيئًا لثانية.
ثم ترجم.
نظرت القاضية إليه من فوق نظارتها.
— دكتور تسيلر، هل لديك أسئلة أخرى؟
— لا، سيدتي الرئيسة.
— شكرًا لك.
قالتها مرة ثانية، لـ سامي:
— شكرًا لك.

بعد الظهر جاء دور الخبير.
كان البروفيسور هنريك هو من عيّنته المحكمة. دخل بلحيته البيضاء المشذبة، وبدلته الرمادية، وقد بدا أنه اعتاد المكان. وقف أمام القاضية.
قبل أن يبدأ، قال بهدوء: “أُعلم المحكمة بأنني التقيت الشاهد مرة واحدة في ندوة جامعية، وتبادلنا بضع جمل أمام الطلاب. لا أعرفه أكثر من ذلك.”
نظرت القاضية إلى الدفاع، فهزّ الدكتور تسيلر كتفيه: “لا اعتراض، سيدتي الرئيسة.”
سأله المدعي العام:
— بروفيسور، هل يمكنك أن تشرح للمحكمة إلى أي حد يمكن الاعتماد على شهادة تتعلق بأحداث وقعت قبل خمسة عشر عامًا؟
قال هنريك:
— هذا يتوقف على ما تقصد بالاعتماد.
— هل يمكن الاعتماد على الشهود الذين لا يذكرون التفاصيل؟
— سأقول أمرًا قد يبدو غريبًا. الشاهد الذي لا يذكر بعض التفاصيل يكون أحيانًا أكثر مصداقية من الشاهد الذي يذكر كل شيء.
— لماذا؟
— لأن الذاكرة الإنسانية لا تعمل كالتسجيل. إنها تعيد البناء في كل مرة. الشاهد الذي يقول لك: أذكر هذا ولا أذكر ذاك لا يملأ الفراغات بالتخمين. أما الذي لا فراغ عنده إطلاقًا فيستحق أن نسأله كيف حفظ كل هذا. على أن الفراغ وحده ليس دليلًا؛ المهم أن يبقى الجوهر ثابتًا كلما أعيد السؤال.
— هل تقول إن الشاهد الذي سمعناه اليوم موثوق؟
— أنا لا أقول ذلك عن شاهد معين. أقول ذلك عن النمط.
— هل رأيت في إجابات الشاهد ما يثير الشك؟
— لا.
— ما الذي رأيته؟
فكر هنريك لحظة.
— رأيت رجلًا رفض أن يقول لك ما تريد. سُئل: ماذا قالت لك أمك؟ فقال: لا أعرف. كان بإمكانه أن يخترع جملة جميلة، وكانت القاعة ستصدقه. لم يفعل.
سكت.
ثم أضاف، بنبرة من لم ينوِ قول هذا:
— أنا أتعجب أنه لم يفعل. أنا نفسي لست متأكدًا أنني كنت سأقاوم.
ساد صمت.
قال الدفاع:
— سيدتي الرئيسة، أطلب تسجيل أن الخبير يُبدي رأيًا شخصيًا لا معرفة علمية.
— سُجّل طلبك يا دكتور تسيلر. وسنسجّل أيضًا ملاحظة البروفيسور.

خرج سامي من القاعة بعد ثلاث ساعات.
كانت الممرات الطويلة مضاءة بنور أبيض، وكان الهواء باردًا كأنما يسير في متحف.
وقف في نهاية الممر عند النافذة، وأسند جبهته إلى الزجاج.
لم يبكِ. لكنه كان يتنفس بصعوبة رجل خرج لتوّه من تحت الماء.
جاء صوت خلفه:
— سيد سامي؟
التفت.
كانت امرأة في الثلاثينات، بشعر أسود مربوط وعينين واسعتين، ومعطف رمادي. كانت تحمل ظرفًا صغيرًا في يدها.
قالت بالعربية:
— أنا ديما.
— أهلًا.
— لا أعرف كيف أبدأ.
قال سامي:
— ابدئي حيث تستطيعين.
— أنا ابنة فواز.
لم يعرف الاسم.
— من هو؟
قالت بصوت خافت:
— الرجل الذي كتب التقرير.
مرّت لحظة كاملة لا أحد فيها يتنفس.
كان سامي يعرف أن أحدًا كتب التقرير. لكنه لم يفكر يومًا أن الكاتب قد يكون له اسم، وأن الاسم قد يكون له بنت، وأن البنت ستقف أمامه في ممر محكمة ألمانية بمعطف رمادي.
قال:
— اجلسي.
جلستا معًا على مقعد خشبي قصير.
قالت:
— أبي كان جارًا لأهلك. كان معلم رسم. اعتُقل قبل أسبوعين من التقرير. أخذوه لأنه رسم شيئًا في حصة. بقي تسعة أيام. حين خرج كان قد وقّع على ورقة. كان فيها اسمك.
— لماذا اسمي؟
— لأنك كنت الاسم الوحيد الذي عرفه من كل الذين كانوا يجتمعون في المقهى.
— كنا نجتمع في المقهى؟
— أنت لم تكن تعرف أنه هناك. كان يجلس في الزاوية ويرسم الوجوه.
سكتت.
— أنا لا أقول ذلك لأخفف عنه. أنا أقوله لأنه الحقيقة.
— ولماذا جئتِ؟
— لأنه مات قبل سبع سنوات. كان يكتب رسالة كل عام ولا يرسلها. وجدتها في دفتره. وأنا أعرف أنك لا تستطيع أن تسامحه. ولا أنا أستطيع.
مدّت الظرف.
— لا أطلب منك أن تقرأها. أطلب منك أن تحتفظ بها. وإذا أردت أن تقرأها بعد سنوات، ستكون هناك.
نظر سامي إلى الظرف، ولم يمد يده.
— لماذا لا تحتفظين بها أنتِ؟
— لأنني لا أريد أن تبقى معي.
— هذا ليس عدلًا.
— لا. وأنا لا أطلب العدل.
ساد الصمت.
ثم قالت، بصوت أخفض:
— هل تسمح لي أن أسأل شيئًا؟
— اسألي.
— ما أسماؤهم؟
رفع عينيه.
— من أخبرك أنني…
— لا أحد. لكنني قرأت عن الأسماء. الدكتورة نورا ألقت محاضرة في الجامعة قبل شهرين، وحضرتها. قالت في مطلعها إنها تروي ما سمعته بإذن صاحبه، ولم تذكر اسمك. لكنها قالت إن هناك رجلًا سمّى موتاه أمامها، وإن هذا أهم ما رأته في حياتها المهنية.
لم يقل سامي شيئًا.
قال بعد لحظة:
— أبي عدنان. أمي سعاد. أخي نبيل. وزوجته هالة. وابنتهما لينا. وأختي ريم.
قالتها ديما بعده، ببطء، واحدًا واحدًا.
— عدنان. سعاد. نبيل. هالة. لينا. ريم.
ثم قالت:
— وأنا أقول اسم أبي: فواز.
— فواز.
— أنت لا تسامحه؟
— لا أستطيع أن أسامح باسم أحد.
— أعرف.
— لكنني أستطيع أن أقول اسمه.
أخذت نفسًا عميقًا.
— هذا كل ما أريده.
وضعت الظرف بين صفحتين من الكتاب الذي كان معه، دون أن تنتظر إذنه.
— شكرًا.
قامت.
— دكتورة ديما؟
— أنا لست دكتورة.
— ولماذا لم تكملي؟
— لأنني لم أستطع أن أكمل بعد أبي.
— ما الذي تعملينه؟
— أعلّم الرسم للأطفال.
نظر إليها.
— ربما لهذا تشبهينه.
— لا. لهذا أختلف عنه.
ثم ذهبت في الممر الطويل.
بقي سامي واقفًا أمام النافذة.
كانت الريح تحرك الأشجار في الخارج.

وجدته نورا عند مدخل المحكمة.
لم تقل شيئًا.
وقف أمامها، ثم فتح فمه ليتكلم، فلم يخرج صوت.
لم تسأل.
ضمته.
هذه المرة لم يكن الضم عناقًا. كان كأن أحدًا يمسك بشيء يخاف أن ينهار. ولم يكن سامي هو الذي ينهار وحده. ارتعش كتفاها أيضًا.
قال:
— كنت في الممر أنتظر أن ينتهي كل شيء.
— أعرف.
— وأخيرًا قلتُ لهم إنني لا أعرف.
— سمعتُ.
— كيف؟
— دخلتُ مع آخر دفعة من الجمهور قبل أن تبدأ الشهادة. جلست في الصف الأخير. لم أقل لك، لأنني كنت أعرف أنك ستشعر بأنني أراقبك.
— كنتِ هناك؟
— كل الوقت.
— وسمعتِ…
— كل كلمة.
— حتى قولي…
— حتى ليس علينا أن نعرف كل شيء لنشهد بما نعرف.
سكتت.
— هذه جملة تصلح عنوانًا لرواية.
— لم أقصد. خرجت وحدها.
— هذا ما يحدث حين تخرج الجمل الصادقة.
ثم قالت:
— أريد أن أقول لك شيئًا. لم أكن أعرف أنك بهذه الشجاعة.
— لست شجاعًا.
— أنا لا أقول ذلك لأجعلك بطلًا. أقول ما رأيت.
— وأنا رأيتُ…
— ماذا؟
— أنكِ رأيتِ ما رأيتُ. وأنني لم أكن وحدي.
في الليل عاد الاثنان إلى الفندق.
لم يتحدثا كثيرًا.
جلس سامي على حافة السرير، وقال فجأة:
— أريد أن أقول شيئًا.
— قل.
— أنا لم أكن مستعدًا لما بعد. لم أكن أعرف أن الشهادة ستنتهي ثم أبقى أنا. ماذا بعد؟
— ما بعد ماذا؟
— بعد أن قلتها.
— ماذا تشعر؟
— لا شيء.
— هذا لا يكفي.
— كأنني تركت شيئًا في القاعة ولم أعد أعرف ماذا.
— وربما تركت ما كنت تحمله.
— لا. هذا ثقيل بما يكفي كي أبقى أحمله.
— إذن ما الذي تركته؟
سكت.
— الخوف.
— من ماذا؟
— من أن أُسأل.
سكتت.
ثم اقتربت منه، وجلست بجانبه.
— أنا أيضًا كنت خائفة من السؤال.
— أي سؤال؟
— سؤال ميري.
— ماذا؟
— قالت لي هذا الصباح: إذا ذهب سامي إلى المحكمة، هل سيأتي بعد ذلك؟
— وماذا أجبتِ؟
— قلت: نعم.
— وهل صدقتِ؟
— لم أكن متأكدة.
— وأنا الآن متأكد.
نظرت إليه.
ثم رنّ هاتفها.
— ماما!
كانت ميري.
— أنتِ نائمة؟
— لا. أنا مع سامي.
— أعطيني إياه!
مدّت نورا الهاتف.
— سامي؟
— نعم.
— هل قلت للقاضي قصة اليوم؟
— أي قصة؟
— اليوم الذي يبقى إذا حكيته.
ابتسم رغم كل شيء.
— قلت له أيامًا كثيرة.
— هل صدقك؟
— أظنه صدّقني.
— جيد. لأن القضاة لا يبكون عادة.
— هل قال لك أحد ذلك؟
— جدتي.
— جدتك امرأة ذكية.
— أعرف.
ثم قالت:
— أنا أحكي لك يومي.
— أنا أسمع.
— اليوم كان فيه مطر. وأكلنا بيتزا. وقالت لي كاترين إنها ستأتي غدًا لتأخذني إلى بيت جدتي. وأنا لا أريد أن أذهب لأنني أريد أن أراك.
— سنرى بعضنا بعد يومين.
— وعد؟
نظر إلى نورا.
— وعد.
أغلقت ميري الهاتف.
كان سامي لا يزال يبتسم، وعيناه مبللتان.
قالت نورا:
— لم أسمعك تبكي منذ أن قلت لي أسماءهم.
— لم أبكِ بعد.
— لا. أنت الآن.
قال:
— هذه المرة أنا أبكي لأنني لست وحدي.
— وأنا أبكي لأنك تبكي.
— هذا غريب.
— لا. هذا هو ما أعنيه بالشراكة.

في الأسابيع التالية عاد سامي إلى بارغافن، وعادت نورا إلى فايسارن.
استمرت المحاكمة أشهرًا.
لم يعد الشهود يُستدعون، لكن الصحف كانت تتحدث، وكان يوسف يتصل أحيانًا ليقرأ له خبرًا أو خبرين.
حكم القاضية جاء بعد شهرين.
لم يكن سامي حاضرًا. قرأه على الهاتف وهو جالس في مطبخه.
أُدين المتهم بتهم الجرائم ضد الإنسانية والقتل والتعذيب، وحُكم عليه بالسجن المؤبد.
ثم أسفل الخبر: وأشار مراسل الجلسة الأخيرة إلى أن من بين الناجين الذين استمعت إليهم المحكمة رجلًا قال إنه لا يذكر كل شيء، لكنه ذكر ما يكفي.
بقي ينظر إلى السطر الأخير.
رنّ الهاتف.
— هل قرأت؟
— قرأت.
— كيف تشعر؟
— لا أعرف.
— لا بأس.
— لا أشعر بشيء مما توقعته. لا انتصار، ولا راحة. شعور غريب كأن شيئًا ثقيلًا وُضع على الأرض، ولا أعرف هل أرفعه أم أتركه.
— اتركه اليوم. ارفعه غدًا.
— هل هذا نصيحة؟
— هذا اقتراح.
ثم قالت:
— ديما اتصلت بي.
— متى؟
— أمس. قالت إنها شعرت أنها يجب أن تخبرني قبل أن تخبرك، لأنها تعرف أنك ستحتاج إلى وقت.
— ماذا قالت؟
— إنها ستنظم معرضًا في مدرستها. لوحات أطفال عن أيامهم العادية. وإنها تريد أن تهديك أول لوحة.
— لا أستحق.
— هذا ليس شأنك. هذا شأنها.
— وهل ستقبلين لوحة؟
— أنا أرى أنها فكرة جميلة. لكنني أريدك أنت أن تقرر.
فكر سامي.
— أقبلها. بشرط.
— ما هو؟
— أن ترسمها ميري.
سكتت نورا.
ثم ضحكت ضحكة صغيرة.
— لا أعرف إن كانت ديما ستفهم.
— هي ستفهم. هي معلمة رسم.

جاء الصندوق في مطلع الربيع، من الإسكندرية.
كانت نورا في مطبخ سامي في بارغافن، وكانت ميري جالسة على الأرض تلعب بقطار خشبي قديم وجدته نورا في بيت أمها.
رنّ الجرس.
فتح سامي. ساعي البريد رجل ضخم في سترة صفراء، وضع صندوقًا كرتونيًا كبيرًا على العتبة.
— من؟
— من مصر. لنورا.
— نورا؟
نظرت نورا إلى الاسم على الصندوق.
كان الخط عربيًا قديمًا، مائلًا، بحبر أزرق.
— عمتي ناديا.
فتحته على الطاولة.
كان الصندوق ممتلئًا بأوراق مصفرّة وألبومات مغلفة بقماش أخضر وشريط صغير من المطاط القديم.
وفي الأعلى رسالة قصيرة بالعربية:
يا نورا، حبيبتي. لقد سمعت من أمك أنك ستتزوجين. أنا لا أعرف الرجل، لكنني أعرف أنك تحتفظين بما يُحب. أرسلت لك ما تركه أبوك. لم أجرؤ أن أفتحه. أنتِ التي تعرفين ماذا تفعلين به. عمتك التي تحبك، ناديا.
جلست نورا أمام الصندوق.
لم تقل شيئًا.
قال سامي:
— هل تريدين أن أخرج؟
— لا. ابقَ.
فتحت الألبوم الأول.
كانت فيه صور بالأبيض والأسود. رجل شاب بشارب رفيع، يقف أمام ميناء. امرأة ترتدي فستانًا فاتحًا وتضحك وهي تمسك قبعتها. أطفال على شاطئ. سيارة قديمة. بيت له شرفة عالية.
— هذا أبي.
— يشبهك.
— هذه عمتي ناديا.
— وهذه؟
— لا أعرف.
قلّبت صفحات كثيرة.
ثم توقفت.
كانت صورة صغيرة لمائدة غداء عادية. طبق أرز، ونصف رغيف، وبطيخ مقطّع، وأيدٍ تتجه نحو الطعام من زوايا مختلفة. لا وجوه. فقط الأيدي.
كتب أحدهم على ظهر الصورة بحبر أزرق:
يوم الجمعة. لا شيء حدث. — أبو نورا.
رفعت نورا رأسها.
كانت عيناها تلمعان.
قالت بصوت منخفض:
— كان يصور الأيام التي لا شيء فيها.
— كان يعرف.
— ماذا؟
— أن هذا هو الذي يضيع.
نظرت إليه.
— هل تعرف؟ أنا لم أجد جملة فيليكس الأخيرة. لكنني الآن قلت لنفسي: لم أنسَ لأنني لم أحبه. نسيتها لأنها كانت عادية.
— وهذا يعزيك؟
— لا. لكنه يريحني.
— الفرق دقيق.
— صحيح.
جاءت ميري.
— ما هذه؟
— صور جدك.
— هل هذا جدي؟
— نعم.
— لماذا لا يوجد وجوه؟
— لأن الوجوه تتذكرها.
— ماذا؟
— قال جدك: الوجوه نتذكرها وحدها. أما الأيدي فتكذب أقل.
— لا أفهم.
— ولا أنا. لكن أعتقد أنه قصد شيئًا جميلًا.
فكرت ميري.
ثم قالت:
— سأرسم أيدينا.
— أي أيدٍ؟
— أيدينا نحن، على الطاولة، حين نأكل.
— ماذا سنسميها؟
— يوم الجمعة. لا شيء حدث.
نظر سامي إلى نورا.
لم يقل شيئًا. لم يستطع.
بعد أن ذهبت ميري إلى الغرفة، قال:
— هل تفعلين لي شيئًا؟
— ماذا؟
— حين نتزوج… أريد أن تكون هناك صورة من هذا النوع.
— أي نوع؟
— يوم عادي. لا وجوه. أيدٍ فقط.
— وأين ستُعلق؟
— في الممر. حيث لا يراها الضيوف، وحيث نراها نحن كل يوم.
ابتسمت.
— اتفقنا.

تزوجا في أواخر الربيع، في حديقة بيت إنغريد، تحت شجرة التفاح التي تفتّحت أزهارها قبل أسبوع من الموعد، كأنها لا تعرف أن الموعد لم يحن.
لم يكن حفلًا كبيرًا. أربعون شخصًا، وكراسي خشبية غير متطابقة، وطاولة طويلة عليها أطباق متنوعة، وموسيقى تنبعث من غرفة الجلوس عبر النافذة المفتوحة.
جاء ديتر من بارغافن بقطار الصباح، بعصاه وسترته القديمة، وكيس تفاح كعادته.
— هذا لكِ.
— أنا أملك شجرة تفاح خلفي.
— أعرف. لكن تفاحي أفضل.
— هل هذا صحيح؟
— لا. لكنه تقليدي.
وصل يوسف ومعه زوجته رنا، التي لم تكن قد رأتها نورا من قبل، ومعهما ابنهما الصغير كريم، الذي التصق بميري خلال دقيقة وسألها هل تحب الخنافس.
وصلت أمل في الحادية عشرة، متأخرة قليلًا، بفستان رمادي بسيط وحقيبة يد.
اقتربت من نورا.
— جئتُ.
— شكرًا.
— لا تشكريني. أنا لم أغيّر رأيي.
— في ماذا؟
— في أن الحب سهل حين يكون الوقت قصيرًا.
— وقد مضى وقت.
— مضى. نحو ثمانية أشهر. لكنني لست متأكدة أنه يكفي.
— لا أحد متأكد.
— ولهذا جئت. لأنني اكتشفت أنني أفضل أن أكون في مكان الحدث وأنا أشك، على أن أغيب وأنا متأكدة.
ابتسمت نورا.
— هذا يكفيني.
جاء توبياس آخر الجميع، بسترة جلدية وحقيبة كبيرة، وضع منها علبة على الطاولة.
— هدية.
— ما هذه؟
— مفتاح ربط. أنا أعرف أنه غريب. لكن كل بيت يحتاج إلى مفتاح ربط.
— توبياس…
— قال لي سامي إنكما ستعيشان في مدينتين. سيحتاج أحدكما إلى إصلاح شيء في مدينة الآخر.
ضحكت نورا، وأخذت العلبة.
— سنحتفظ بها في الممر.
— حيث لا يراها الضيوف؟
— بالضبط.
وصل كونراد متأخرًا، بابتسامته المهذبة. اقترب من سامي وناوله مغلفًا: “الاتفاق الذي طلبته. بنوده أعدل مما توقعت.” ثم أضاف بنبرة لم يعرف أحد أهي سخرية أم اعتذار: “لم أكن أقصد أن أكون الشرير الوحيد في القصة.”
وصلت ليلى بفستان أخضر، وحاسوبها معها، لأنها قالت إنها لا تستطيع أن تترك ملاحظاتها.
قالت:
— كنت أعرف.
— ماذا كنت تعرفين؟
— أنك ستقولين الرجل الذي أحبه في الاستقبال. راهنت يوناس على ذلك.
— كم ربحتِ؟
— قهوة لمدة شهر.
جاء هنريك بلحيته المشذبة وربطة عنق ملونة، وبجانبه امرأة صغيرة الحجم، قال إنها زوجته مارلين.
قال لسامي:
— قرأت الحكم.
— وأنا.
— لم أكن أعرف أنني سأقول ما قلته.
— لا أحد كان يعرف.
— هل أخطأت؟
— لا.
— أنا لا أتذكر أنني تعاطفت مع شاهد في حياتي المهنية.
— ولهذا كنت شاهدًا جيدًا.
— أنت تبالغ.
— وأنت تقلل.
ضحك هنريك، وربّت على كتفه.
وصلت كاترين مع ماركوس في آخر لحظة.
كانت ترتدي فستانًا أزرق داكنًا، وشعرها مفكوكًا لأول مرة منذ أن رآها سامي. لم تقترب منه فورًا.
جلست في الصف الثاني، بجانب إنغريد.
قالت إنغريد بصوت خافت:
— جئتِ.
— جئت.
— لماذا؟
— لأن ميري طلبت.
— هذا سبب.
— وأنا لا أعرف سببًا آخر.
— هل هذا صحيح؟
— لا. لكنني لا أريد أن أقول.
ابتسمت إنغريد.
— أنت تشبهين أخاك.
— أعرف.

لم يكن هناك قسّ ولا خطيب.
وقفت إنغريد تحت الشجرة، وقالت بصوتها الحاد:
— اتفقنا على أن أتكلم دقيقتين.
— ثلاث، قالت نورا.
— دقيقتان. وأعرف أنكم تنتظرون الطعام.
ضحك الحضور.
— ابنتي جاءتني قبل شهور وقالت إنها تحب رجلًا. قلت لها: أنت تعرفينه منذ كم؟ قالت: شهران. قلت: هذا لا يكفي. قالت: أعرف. قلت: ولماذا تخبرينني إذن؟ قالت: لأنني أريد أن أسمع جوابك، لا لأتبعه.
سكتت لحظة.
— ولهذا قررت ألا أعطيها جوابًا. أعطيتها هذا.
أخرجت من جيبها مفتاحًا صغيرًا.
— مفتاح البيت الذي كنت أظنه سيكون لأبيها. أعطيته لفيليكس ذات مرة. ثم استعدته. ثم أعطيته لها. وأنا أعطيه لكما.
مدت المفتاح إلى نورا.
— لا أريد أن يفهم أحد أن هذا تخلٍّ. أنا لم أتخلَّ عن شيء. أنا فقط أفتح بابًا.
ثم قالت:
— هذا كل شيء. يمكنكم الأكل.
ضحك الجميع، وصفّق ديتر بعصاه.

أُعدّت طاولة كبيرة في الحديقة.
كانت الكراسي متفرقة حولها. وفي أحد الأطراف، بين كاترين وديتر، كان هناك كرسي فارغ.
لم يجلس عليه أحد.
سأل توبياس وهو يملأ طبقه:
— لمن هذا الكرسي؟
قالت ميري من بعيد:
— لجدي وجدتي وعمي ولـ لينا.
توقف توبياس.
— من هم؟
— أهل سامي.
— وأبي؟
— أبي أيضًا.
قالتها ببساطة، وعادت إلى طبقها.
نظرت كاترين إلى الكرسي.
نظرت إلى نورا.
ثم أخذت الصورة من حقيبتها ووضعتها فوق الكرسي، على مسنده: فيليكس بقميصه الأزرق يبتسم كأنه يعرف أن أحدًا سيلتقط له صورة.
لم تقل شيئًا.
ولم يقل أحد شيئًا.
قال سامي، من مكانه في رأس الطاولة، بصوت هادئ:
— هذا كرسي لكل من نحبه ولا نستطيع أن نراه.
قال ديتر، وهو يضع تفاحة على المسند:
— وأنا لي كرسي أيضًا. لزوجتي غيردا. توفيت قبل تسع سنوات.
أخرجت أمل من حقيبتها صورة صغيرة لشاب بعينين ضاحكتين، ووضعتها بجانب صورة فيليكس.
— أخي.
وضع يوسف شيئًا لم يره أحد. مجرد يد على المسند، لحظة.
وضعت ليلى شيئًا. وهنريك. وإنغريد.
في لحظة، صار الكرسي مغطى بأشياء صغيرة: صور، وتفاحة، وقلم، ورسمة طفل.
قال توبياس بصوت غير معتاد:
— ليس عندي أحد أضعه.
— لا بأس، قال سامي.
— لكنني أشعر أنني يجب أن أضع شيئًا.
— ضع ما تريد.
فكر توبياس لحظة.
ثم أخرج مفتاح سيارته، ووضعه على المسند.
— إنه أول شيء اشتريته بمالي.

عند المساء، حين انصرف بعض الضيوف وهدأت الحديقة، جلس سامي ونورا على مقعد خشبي تحت الشجرة.
كانت ميري قد نامت على الحصير مع كريم، وقد وضع أحدهما رأسه على ذراع الآخر.
قالت نورا:
— أنا لم أقل لك شيئًا اليوم.
— أعرف.
— كنت أريد أن أقول.
— قولي.
— أنا اخترتك.
— وأنا اخترتك.
— لا. سمعني. أنا اخترتك دون أن أعرف ماذا سيحدث. وسأختارك غدًا دون أن أعرف. وبعد غد. لن يحدث أن أتوقف عن الاختيار لأنني أصبحت متزوجة.
— وأنا لن أتوقف.
— وأنا سأحتفظ باسمي، وبمدينتي، وبأيامي، وبمعاطفي البسيطة.
— وأنا سأحتفظ بقهوتي التي لا أغسل فنجانها.
— لن أطلب منك أن تغسله.
— وأنا لن أطلب منك أن تتوقفي عن سؤال هل أكلت.
رفعت رأسها.
— هل تريدني أن أتوقف؟
— أحيانًا أسمع أمي، وأحيانًا أسمعك أنت. وأصبحت أفرق.
نظرت إليه.
— هذا يكفيني.
ثم أخرجت من حقيبتها ورقة مطوية.
— هذه جاءتني اليوم مع ديما.
فتحتها.
كانت لوحة صغيرة بألوان مائية: طاولة، وأيدٍ تتجه نحو أطباق. ولا وجوه.
وفي الأسفل، بخط طفولي بارز:
يوم الجمعة. لا شيء حدث. — ميري وديما.
نظر سامي إلى اللوحة طويلًا.
ثم قال:
— هل رسمتاها معًا؟
— هذا ما قالته ديما.
— وأين ديما الآن؟
— لم تأتِ. قالت إنها لا تستطيع أن تحضر عرسنا. لكنها أرسلت هذه.
— وهل كانت هناك ورقة أخرى؟
— ورقة صغيرة.
مدّت إليه ورقة أخرى.
كتبت ديما فيها بالعربية:
لا أريد شيئًا. أردت فقط أن أضع شيئًا على كرسيك الفارغ.
قرأها سامي مرتين.
ثم قام، ومشى إلى الطاولة حيث كان الكرسي لا يزال مغطى بالأشياء الصغيرة.
وضع اللوحة والورقة عليه.
وأخرج من جيب سترته الظرف الأبيض الصغير الذي أعطته إياه ديما في ممر المحكمة، والذي لم يفتحه.
نظر إليه لحظة.
لم يفتحه.
وضعه هناك أيضًا، تحت اللوحة.
قال بصوت لا يسمعه أحد سواه:
— فواز.
ثم عاد إلى المقعد.
لم يسأله أحد.

في الصباح التالي، وقفا على رصيف محطة فايسارن.
كانت حقيبة سامي عند قدميه، وحقيبة نورا الصغيرة على كتفها.
لم يكن هناك وداع دراماتيكي.
كان جدول القطارات معلقًا فوق الرصيف، وضوء الشمس مائلًا على القضبان.
قال سامي:
— القطار في العاشرة وسبع دقائق.
— أعرف.
— وأنتِ تسافرين إلى العاصمة يوم الثلاثاء.
— أعرف.
— وأنا أعود إلى بارغافن، وأنتِ تعودين إلى الجامعة.
— أعرف.
— وسنلتقي يوم السبت في المنتصف.
— أعرف.
— لماذا تقولين أعرف كل مرة؟
— لأنها تساعدني ألا أقول شيئًا آخر.
ابتسم.
— قولي.
— لا أريدك أن تذهب.
— وأنا لا أريد.
— ولكنك ستذهب.
— وأنتِ لن تأتي معي.
— لا.
— ولا أنتِ تريدين أن أبقى.
— لا. أريدك أن تعود إلى كتابتك، وأريد أن أعود إلى طلابي. لكنني أريد أن أقول: لا أريدك أن تذهب.
— هذا ليس تناقضًا.
— لا. هذا هو ما يسمى الحياة.
أخرج من جيبه مفتاحين.
— أحدهما لبيتي.
— والآخر؟
— لبيتك. أعطتني أمك إياه بالأمس.
— هي أعطتني أنا.
— وأنا أعطيه لكِ. لتفتحي به بيتي، ولأفتح أنا به بيتك.
— هذا تبادل.
— وأنا أتقن التبادل.
ضحكت.
وأخذت المفتاح، ووضعته مع مفاتيحها.
أعلنت مكبرات الصوت عن القطار، ومدّت يدها فأمسكها.
قال:
— نورا.
— نعم؟
— هل تعرفين إلى أين سنصل؟
— لا.
— وأنا لا أعرف.
— ولا يزعجك؟
— لا.
— لماذا؟
نظر إلى القضبان الطويلة التي تمتد نحو الأفق، تلتقي ولا تلتقي في آنٍ واحد.
— لأنني تعلمت أن أعرف ما يكفي. وأن أمشي.
— وما الذي يكفي؟
— أن أعرف أنك في نهاية الطريق.
— وأنا أعرف أنك في نهايته أيضًا.
— وأن هذه النهاية…
— ليست نهاية.
— هذا ما كنت أقوله.
صعد القطار، ووقف عند النافذة.
كانت نورا تقف على الرصيف، وقد رفعت يدها.
رفع يده.
وتحرك القطار.
هذه المرة لم تبقَ نورا واقفة لحظات بعد رحيله.
استدارت، ومشت نحو الموقف، حيث كانت سيارتها الرمادية في انتظارها. أخرجت هاتفها وكتبت رسالة:
“وصلت إلى السيارة.”
بعد ثوانٍ جاء الرد:
“وأنا وجدت مقعدي.”
كتبت:
“هل أكلت؟”
جاء الرد:
“أكلت. وأنتِ؟”
نظرت إلى الكلمة.
ابتسمت.
كتبت:
“سآكل الآن.”
ثم وضعت الهاتف على المقعد المجاور، وأدارت المفتاح.
وفي القطار، جلس سامي بجانب النافذة، وأخرج دفتره، وكتب في أول صفحة بيضاء:

فصل جديد: الأمين الذي لم يعد يخاف من الخزانة ذات الستارة السوداء.

ثم توقف.
نظر من النافذة إلى الحقول الخضراء الممتدة، إلى الأسلاك التي تتدلى ثم ترتفع بين العواميد، إلى الغيوم التي كانت تتحرك ببطء شديد.
لم يعرف بعد ماذا سيكتب.
ولم يكن يحتاج أن يعرف.
المسافة لم تنتهِ.
لكنه كان يعرف أنه حين يصل، سيكون هناك من ينتظره. وحين يغادر، سيكون هناك من ينتظره أيضًا. وأن ما بينهما، من أميال وقضبان وجداول وأيام عادية لا شيء فيها، لم يعد ثمن الحب.
كان الحب نفسه.


لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 04


لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ (رواية)