الجزء الرابع
قسم 2
بعد سنة من العرس كانا قد بنيا لأنفسهما نظامًا يشبه الطقس.
من الاثنين إلى الأربعاء يكتب سامي في بارغافن وتدرّس نورا في فايسارن. الخميس يسافر أحدهما إلى الآخر، بالتناوب، ومن يصل أولًا يحمل الطريق. والسبت يلتقيان في “المنتصف”، وهو فندق صغير في بلدة بين المدينتين تدعى مارباخ-فيلد، ليس لأحدهما فيه شيء، ولا يعرفهما فيه أحد. أما الأحد فيكون عند من استقبل.
كانت ميري قد اعتادت الطريق أيضًا. صار لها في بيت سامي دولاب صغير، وفي حقيبتها قطار خشبي يسافر معها، وفي الممر بين غرفتين في فايسارن لوحة صغيرة لأيدٍ على مائدة.
أما القواعد فلم تتغير: من يتضايق يقول في الساعة نفسها، ومن يصمت يُسأل، ومن يعتذر لا يعتذر ليغلق الموضوع.
وكان الأمر، على غير المتوقع، يعمل.
في صباح أحد الخميسات، وبينما كان سامي في القطار متجهًا إلى فايسارن، وصلته رسالة من نورا:
“هل أنت في القطار؟”
“نعم.”
“لا تنزل في المحطة. اذهب مباشرة إلى بيت أمي. أنا هناك.”
كتب:
“هل حدث شيء؟”
تأخر الرد.
“لا أعرف بعد.”
قرأ الجملة الأخيرة، وعرف أنها أخطر ما قرأه في الأشهر الماضية.
قسم 3
وجد نورا جالسة على درج الحديقة الخلفية، تنظر إلى شجرة التفاح التي اخضرّت.
قال:
— أنا هنا.
— أعرف.
— لا تنظرين إليّ.
— لأنني إذا نظرت سأبكي.
جلس بجانبها، وترك مسافة الكف المعتادة بينهما.
بعد لحظة قالت:
— اتصلت بي أمي في السابعة صباحًا. قالت: “نورا، هل ميري عادت من المدرسة؟”
— في السابعة صباحًا؟
— نعم.
— ربما كانت تقصد الأمس.
— هذا ما قلته لنفسي. ثم اتصلت مرة ثانية في الثامنة وسألت السؤال نفسه. وفي التاسعة.
— نورا.
— جئت بسرعة. وجدتها في المطبخ. كانت قد أشعلت الموقد ووضعت عليه إبريقًا فارغًا، ثم وقفت أمامه تنظر إلى الشعلة.
— هل كانت بخير؟
— سألتها: أمي، ما اسم هذه الشجرة؟ فنظرت إلى الشجرة من النافذة وقالت: “شجرة”. فقلت: أي شجرة؟ وقالت: “التي في الحديقة”. ولم تجد الكلمة.
سكتت.
— آبفلباوم. كلمة كانت تعلمني إياها منذ كنت في الرابعة.
مدّ سامي يده ووضعها على ظهرها. لم تُبعده.
— أنا أدرّس هذا منذ أكثر من عشر سنوات، قالت. قرأت عن كل مراحله. أعرف أن الفرق بين النسيان العادي والمرض ليس فيما نفقده فقط، بل في أننا كثيرًا ما لا نعرف أننا فقدناه. أعرف كل ما يمكن أن يقوله لي طبيب. ومع ذلك وقفت في مطبخ أمي كطفلة تسأل: ماذا حدث؟
— لأن هذه أمك.
— نعم. وهذا ما لم يعلمني أحد كيف أقرأه.
قسم 4
بعد أسبوعين جلسوا في عيادة الطبيب.
كان الدكتور ليندنر رجلًا في الخمسين، هادئًا، يتكلم بجمل قصيرة يتجنب فيها كل كلمة زائدة. عرض الصور والنتائج، ثم أغلق الملف.
— من المبكر جدًا أن نقول الكثير. لكن الصورة تتفق مع المراحل الأولى من الخرف.
لم يتحرك أحد.
قالت إنغريد، وكانت جالسة بين نورا وكاترين، بصوتها الحاد الواضح:
— من المبكر أن نقول الكثير، لكنك قلته.
— سيدتي إنغريد…
— لا، أريد أن أعرف. كم عندي؟
— لا أحد يعرف.
— خمس سنوات؟ عشر؟
— قد تكون عشرًا. وقد تكون أقل.
— وما الذي سأفقده أولًا؟
— الذاكرة القريبة عادة. ما حدث أمس. أين وضعتِ النظارة.
— وبعد ذلك؟
— الأسماء.
— وبعد؟
نظر الطبيب إلى نورا، ثم إليها.
— الوجوه.
ساد صمت.
قالت إنغريد بهدوء:
— حسنًا.
نهضت، وأخذت حقيبتها، وخرجت من الغرفة بخطوات لم تتغير.
بقي الثلاثة.
قال الدكتور ليندنر:
— إنها أشجع مريضة رأيتها.
قالت كاترين بصوت مبحوح:
— هذه ليست شجاعة. هذه ألمانية.
وفي الممر، وقفت نورا أمام النافذة الزجاجية الطويلة، ويداها مفتوحتان على الزجاج.
لم يأتِ سامي إليها فورًا.
كانت كاترين قد وصلت أولًا. وقفت بجانبها، وقالت دون أن تنظر:
— هل تعرفين أسوأ ما في هذا؟
— ماذا؟
— أنني كنت أتمنى يومًا أن تنسى.
التفتت نورا.
— كاترين…
— بعد موت فيليكس. كانت إنغريد تتصل بي كل ليلة وهي تبكي، وتقول: “لا أستطيع أن أتذكر صوته دون أن أتألم”. وكنت أقول لنفسي: ليتها تنسى قليلًا.
— لم يكن ذنبك.
— لم أقل إنه ذنب. أقول إنني كنت أتمنى شيئًا، والآن الأمنية تتحقق بطريقة لم أتخيلها.
نظرت نورا إليها.
كانت المرة الأولى التي ترى فيها كاترين تبكي.
مدّت يدها، وأمسكت يدها.
لم تقل شيئًا.
ومن بعيد، عند نهاية الممر، كان سامي يقف، وقد قرر ألا يقترب.
قسم 5
في المساء عاد إلى بارغافن على غير المعتاد، لأنه كان يحتاج إلى أن يبقى وحده يومًا.
كانت نورا قد طلبت منه ذلك.
— أريد أن أبقى هنا مع أمي الأسبوع القادم. لا أريدك أن تغير خططك.
— أنا لا أغيّر. أنا أتخلى عن خطة ليست خطتي.
— سامي.
— أعرف. لكنني أقولها لك: إن احتجتِ إليّ، قولي. إن لم تحتاجي، قولي أيضًا.
— لا أعرف.
— وهذا جواب كافٍ.
وضع الهاتف، ثم فتح البريد.
كانت في صندوقه رسالة جديدة، من عنوان لم يعرفه. قرأ سطرها الأول:
“السيد سامي، نكتب إليكم من مكتب التوثيق الدولي في لاهاي، بالتعاون مع المدعي العام الاتحادي.”
قرأ الرسالة كلها ثلاث مرات.
كانت الرسالة مكتوبة بلغة رسمية محايدة، لا تعطي أي مؤشر على ما فيها:
“في إطار تحليل الأرشيف المصادَر من جهاز الأمن خلال التحقيق، عثرنا على مواد صوتية تتعلق بمراقبة خط هاتف عائلتكم في الفترة المذكورة في دعواكم. ومن بينها تسجيل لمكالمة واردة تتطابق مع المكالمة التي ذكرتموها في شهادتكم. نحيطكم علمًا بحقكم، بصفتكم من ذوي الضحايا، في الاطلاع على هذا التسجيل أو في رفض الاطلاع عليه أو في تأجيل القرار. لا نطلب منكم ردًا عاجلًا.”
وضع الهاتف على الطاولة.
رأى كفّيه ترتجفان.
ثم رأى الساعة.
كانت الثامنة وأربع دقائق.
تذكر ما اتفقا عليه.
ضغط على اسمها.
— مرحبًا؟
— نورا.
— هل حدث شيء؟
— نعم.
— قل.
— لا أريد أن أزيد عليك يومك.
— قل.
— وصلتني رسالة من لاهاي. من المكتب الذي يحلل أرشيف الأمن.
— وماذا فيها؟
— تسجيل.
— تسجيل لماذا؟
— لمكالمتي الأخيرة مع أمي.
لم تقل شيئًا.
سمع أنفاسها ثم صمتًا كاملًا.
— هل أنتِ هناك؟
— أنا هنا.
— هل أزعجتك بقولي؟
— لا. أزعجني أنني لا أعرف ماذا أقول.
— لا تقولي شيئًا.
— أنا أعرف كيف يبدو ذلك. أعرف كل ما يحدث لك الآن: الرغبة في أن تسمعه، والرغبة في ألا تسمعه، والرغبة في أن تحرق الرسالة. وأنا الآن بنصف عقلي هنا عند أمي التي لا تعرف اسم شجرة.
— أعرف.
— وأعرف أنني لو كنت مكانك لسمعته.
— وأنتِ؟ ماذا ستفعلين إن وصلك تسجيل فيليكس؟
— ليس عندي.
— لكن لو كان؟
سكتت.
— كنت سأسمعه وأنا أعرف أنني لن أعود كما كنت.
— وهل هذا يكفي كي لا تسمعيه؟
— لا. هذا يكفي كي أستعد.
— وأنا أحتاج أن أستعد.
— ولا تستعجل.
— لا أستعجل.
— وأريد أن أقول لك شيئًا أخيرًا.
— قولي.
— لو سمعته ولم تتحمل، لن أقول لك: قلت لك. ولو لم تسمعه أبدًا، لن أقول لك: كان عليك.
— أعرف.
— لا أقولها لأطمئنك. أقولها لأنني أعرف أن الكلمة المناسبة تأتي بعد فوات الأوان.
قسم 6
في الأسبوع التالي جاء سامي إلى فايسارن كعادته.
وكان السيد فاغنر قد بعث إليه برسالة بخط يده:
“سيد سامي، سنحتفظ بالغرفة ٤١٢ باسمكم مدى الحياة، بسعر عادي، بموجب أمر من الإدارة، ولا تعليق.”
ضحك سامي حين قرأها، وأخذها معه ليراها نورا.
قالت:
— لم أعطه هذا الأمر.
— أنا أعرف. لكنني أحب أن فاغنر يفعل ما يراه عدلًا.
في ذلك المساء جلس الثلاثة إلى عشاء بسيط في بيت إنغريد: إنغريد ونورا وسامي، بينما كانت ميري نائمة في الأعلى.
كانت إنغريد في أفضل حالاتها: أنيقة، حادة، تحدّث سامي عن بارغافن، وعن كتاب رأته في المكتبة.
ثم قالت، وهي تقطع قطعة من الخبز:
— أين حسن؟
توقفت الملاعق.
نظر سامي إلى نورا.
قالت نورا بهدوء:
— أمي، حسن توفي. منذ ثماني سنوات.
— توفي؟
— نعم.
نظرت إنغريد إلى الطبق.
ثم رفعت رأسها، وكانت عيناها زرقاوين واسعتين، وقالت:
— معلش.
كانت الكلمة عربية، مصرية، خرجت من فمها بنبرة لم يسمعها سامي من قبل.
قال:
— معلش يا فندم.
نظرت إليه إنغريد.
— أنت تتكلم كما كان يتكلم.
— من؟
— حبيبي. حسن. يا حبيبي.
وابتسمت.
كانت ابتسامة لم تكن فيها إنغريد الحادة التي عرفها، بل امرأة أخرى، أصغر سنًا، تعرف أن الرجل الجالس أمامها من مكان آخر.
قالت نورا بصوت خافت:
— كان أبي يناديها هكذا.
أخذت إنغريد لقمة.
قالت بعد لحظة:
— إيه ده؟ هل هذا حساء؟ أنا لا أحب الحساء.
قال سامي:
— هذا ليس حساء. هذا طبق الخضار.
— أنت لا تعرف.
— أعرف.
— أنت تكذب.
ضحكت نورا.
— أمي تعود إلى العربية حين تكون متعبة.
— منذ متى؟
— منذ الأسبوع الماضي. لم تكن تتحدثها من قبل. كانت تعرف كلمات قليلة. كان أبي يعلمها إياها ضاحكًا.
— هي تتذكرها الآن.
— الطبيب يقول إن هذا نادر، وإن ما ارتبط بعاطفة قوية قد يبقى بعد أن يذهب غيره. لا أعرف أكثر من ذلك. لا أعرف حتى إن كانت تتذكرها أم تعود إليها.
— ما الفرق؟
— أن التذكر اختيار. والعودة لا.
وضعت إنغريد الشوكة، ونظرت إلى سامي.
قالت بألمانية واضحة:
— أنت الرجل السوري. الذي جاء إلى عرس نورا.
— نعم.
— هل دفعت ثمن الفندق؟
ضحك سامي، وضحكت نورا.
— دفعت.
— جيد. لا أحب الذين لا يدفعون.
ثم، كأن شيئًا خرج من خيط دقيق، قالت بالعربية:
— سلامتك.
نظر إليها سامي.
كانت الكلمة نفسها.
الكلمة التي قالتها له أمه، ربما، وربما لا، على هاتف قبل ستة عشر عامًا.
قال بصوت منخفض:
— سلامتك يا ست إنغريد.
ولم يعرف هل أجابها أم أجاب أمه.
قسم 7
جاءت كاترين إلى البيت صباح الأحد، وهي تحمل سلة فيها خبز وجبن وتفاح.
فتح سامي الباب.
توقفت.
— أنت هنا.
— نورا هناك في المطبخ مع إنغريد.
— أعرف. جئت أراها.
نظرت إليه نظرة بقيت فيها البرودة القديمة، لكنها لم تكن كما كانت.
— هل أتحدث معك قليلًا؟
— بالطبع.
خرجا إلى الحديقة.
جلست كاترين على حافة المقعد الخشبي، ولم تضع السلة.
قالت:
— إنغريد تتكلم العربية الآن.
— سمعت.
— أنا لا أفهمها.
— لا أحد هنا يفهم أكثر من بضع كلمات.
— إلا أنت.
— نعم.
— وهي تفهمك.
— لا أعرف إن كانت تفهمني. أعرف أنها تبتسم.
— هذا هو المهم.
سكتت.
ثم قالت، بنبرة من يجبر نفسه:
— هل تتفضل، حين تكون هنا، أن تجلس معها؟
رفع حاجبيه.
— أنتِ تطلبين مني؟
— لا أطلب. أسأل.
— أنا جاهز. لكنني أسأل: لماذا؟
— لأنها حين تتكلم معك تكون أقل خوفًا.
— وأنتِ؟
— أنا لست خائفة منك. أنا خائفة من أنني لا أستطيع أن أعطيها ما تعطيها إياه أنت. لا أفهم لغتها.
— كاترين، أنا لا أعطيها شيئًا. أنا فقط أجيب.
— وهذا هو الشيء.
قال بعد لحظة:
— هل تعرفين ما أظنه؟
— ماذا؟
— أنك لا تحتاجين إلى لغة. كنتِ تجلسين معها حين كانت تبكي على فيليكس. وتقولين لها أشياء. وهي لا تنسى ذلك حتى لو نسيت كل شيء.
— من قال لك؟
— نورا.
— نورا تبالغ.
— لا. هي تدرّس هذا: أن ما يبقى ليس ما قيل، بل الدفء الذي قيل به.
— هذا جميل.
— وصحيح.
نظرت إليه طويلًا.
— أنا لا أحبك.
— أعرف.
— ولن أحبك.
— لا بأس.
— لكنني أحتاجك.
— وهذا يكفيني.
— لا تقل “يكفيني”. لا تجعل الأمر أسهل مما هو.
— إذن أقول: هذا يفرحني ويخيفني.
— هذه جملة أفضل.
نهضت كاترين، ودخلت البيت.
بقي سامي في الحديقة، ينظر إلى الشجرة التي لم تجد إنغريد اسمها هذا الصباح.
قسم 8
في تلك الليلة، بينما كان الجميع نيامًا، دار الحديث الذي لم يستطيعوا تأجيله.
في مطبخ إنغريد، جلست نورا وكاترين وسامي وكونراد الذي حضر بدعوة من نورا، ومعه ملف أزرق.
بدأ كونراد:
— لا بد أن نتحدث في الأمور العملية.
— أعرف.
— لقد سألت محاميّ. لا بد من وكالة رعاية مسبقة، تُوقَّع قبل أن تفقد القدرة على التوقيع. وإلا تحول الأمر إلى وصاية قضائية، وهذا أسوأ لها.
— من سيكون الوكيل؟
— أنا اقترحت نورا.
— ولماذا ليس كاترين؟ سألت نورا.
نظرت كاترين إلى كونراد.
— أنا لم أطلب ذلك.
— أعرف. ولهذا أسأل. نورا لديها عمل في الجامعة، ولديها ميري. وأنتِ لديك وقتك.
— وهي ابنتها.
— وأنتِ قريبة منها كابنة.
ساد الصمت.
قالت نورا:
— أنا أعتقد أن كاترين…
— لا، قالت كاترين. نورا هي الأنسب. أنا لا أحسن الأوراق.
— كاترين.
— أنا أحسن البقاء معها. هذا ما أستطيعه.
— إذن أنتما معًا، قال كونراد. نورا للقرارات، وكاترين للأيام.
— وأنا؟ سأل سامي.
نظروا إليه.
— ماذا تقصد؟
— أنا لا أملك قرارًا. لا أريد أن يكون لي. هذه عائلتكم.
قالت نورا:
— أنت من العائلة.
— لا. أنا الرجل الذي تزوجته نورا. هذا ليس نفسه.
— سامي…
— أنا جاد. أنا أريد أن أكون بجانبكم. لكنني لا أريد أن يكون لي صوت في قرار يخص أم غيري. هذا لا يعني أنني لن أفعل شيئًا. أعني أنني سأفعل ما تطلبونه، لا ما أراه أنا.
نظر كونراد إليه، وقال ببطء:
— هذا موقف غير معتاد.
— ربما.
— أنا أحترمه.
— لا تحترمه. اقبله.
ضحكت كاترين فجأة، ضحكة قصيرة.
— هذا ما كان يفعله فيليكس.
— ماذا؟
— يقول: لا تحترموني، اقبلوني.
نظر إليها سامي.
— لا أدري إن كان هذا يجعلني أحب فيليكس أكثر أم أحبك أقل.
— الاثنان معًا.
— اتفقنا.
قسم 9
في الأسبوع الذي تلا، بقي سامي في فايسارن، يكتب في غرفة صغيرة أعدتها له نورا في بيتها، ويذهب عصرًا إلى بيت إنغريد ليجلس معها.
كان يجلس ويقرأ لها.
في البداية قرأ لها بالألمانية، فكانت تستمع بانتباه مهذب. ثم قرأ لها بالعربية ففتحت عينيها.
— ما هذا؟
— شعر.
— لمن؟
— لشاعر سوري.
— هل هو جميل؟
— لا أعرف. أنا لا أحسن الحكم.
— أنت تكذب.
— ربما.
— اقرأ.
قرأ.
لم تكن تفهم كل كلمة. لكن جسدها كان يهدأ مع الإيقاع، وكانت أصابعها تتحرك على مسند الكرسي كأنها تعرف البيت الذي يليه.
في اليوم الثالث سألته:
— أين فيليكس؟
كانت كاترين في المطبخ. وكانت نورا قد دخلت الغرفة لتوّها.
جمدتا.
نظرت إنغريد إليهما بعينين صافيتين:
— لماذا لم يأتِ؟
قالت نورا، بنبرة القاعة:
— أمي، فيليكس…
قاطعتها كاترين من الباب، بصوت حاد:
— لا.
— ماذا؟
— لا تقوليها.
— يجب أن تعرف.
— لا. ليس كل يوم.
— إذا لم أقل، فأنا أكذب.
— أنتِ تدرّسين الحقيقة. لكنك لا تعيشين يوم إنغريد.
— هذا ليس عدلًا.
— وما تفعلينه ليس رحمة.
تقدمت كاترين خطوة.
— في المرة الأولى التي قلتِ لها فيها إن فيليكس مات، بكت كما لو سمعت الخبر لأول مرة. وفي الثانية كذلك. وفي الثالثة. أنتِ تعيدين لها موته كل يوم!
— وماذا أفعل؟ أقول لها إنه في العمل؟
— نعم!
— هذا كذب!
— هذا رحمة!
ارتفع صوتاهما، وكانت إنغريد قد أخفضت عينيها، وبدأت أصابعها ترتجف.
قال سامي بصوت منخفض:
— هل أستطيع أن أقول شيئًا؟
التفتتا إليه.
— لقد قلت لكما إنني لا أريد قرارًا.
— لكنني أريد أن أسمعك، قالت نورا.
— وأنا كذلك، قالت كاترين بعد لحظة، وبدا عليها أنها تفاجأت بنفسها.
جلس على الأرض بجوار كرسي إنغريد.
— حين تسأل إنغريد: “أين فيليكس؟” هل تسأل عن معلومة؟
— ماذا؟
— هل تريد أن تعرف المكان؟
— لا.
— إذن ماذا تريد؟
سكتت نورا.
— تريد أن تعرف أنه لا يزال مرتبطًا بها.
— أن تعرف أنه لا يزال بخير؟
— ربما أن تعرف أنه لا يزال في العائلة.
قال سامي:
— إذن لنجب عن السؤال الذي تسأله، لا عن الذي تقوله.
— كيف؟
التفت إلى إنغريد.
— فيليكس ليس هنا الآن. لكنه حاضر في كل ركن من هذا البيت. وميري تشبهه.
رفعت إنغريد عينيها.
— ميري؟
— نعم.
— ميري صغيرة.
— لكنها تضحك مثله.
ابتسمت.
— نعم. تضحك مثله.
وأغمضت عينيها وارتاحت.
نظرت نورا إلى سامي. وكاترين إلى نورا.
قالت نورا بصوت خافت:
— هذا ليس كذبًا.
— لا.
— وليس الحقيقة كلها.
— لا.
— إذن ما هو؟
— ما تحتاج أن تسمعه.
— أنا أخاف من هذا.
— لماذا؟
— لأنه يعني أن الحقيقة ليست دائمًا أولى.
— ولا هي دائمًا آخرة.
سكتت.
ثم قالت:
— أنا أدرّس أن الذاكرة حق. وأن الإنكار خيانة. وأنا الآن أقف في غرفة أمي وأقرر ألا أقول لها ما أعرفه.
— لا. أنتِ لا تنكرين. أنتِ تختارين ما تقولين، ومتى.
— هذا جواب مرعب.
— ولهذا يناسبك.
قالت كاترين:
— لا أعرف إن كنتما على صواب. لكنني أعرف أنني أريد أن أجرب.
— سنجرب، قالت نورا.
— ونقرر بعد أسبوع؟
— نقرر بعد أسبوع.
قسم 10
قرر سامي أن يسمع التسجيل في الثلاثاء الثالث من حزيران.
لم يقل لأحد متى سيقرر. قال لنورا في الصباح، وهي تعد القهوة:
— سأذهب.
— إلى هوهنراين؟
— نعم.
— اليوم؟
— بعد غد.
وضعت الفنجان.
— هل تريدني أن آتي؟
— أريدك أن تأتي. ولا أريدك أن تدخل.
— كيف؟
— أن تكوني في الغرفة، وليس معي.
فكرت.
— أجلس في ركن، أعطيك ظهري، ولا أنظر ولا أتكلم؟
— نعم.
— وإن بكيتُ أنا؟
— لا بأس.
— وإن بكيتَ أنت؟
— لا بأس أيضًا.
— حسنًا.
وفي الطريق إلى المبنى لم يتحدثا.
كانت ميري قد بقيت عند كاترين، وقد سألت قبل أن تُسلّمها نورا: “هل هذا يوم كبير؟” فقالت نورا: “أظن نعم”. فقالت ميري: “إذن سأرسم له شيئًا”.
في الممر الطويل نفسه، الذي كان فيه ضوء أبيض بارد، استقبلهما موظف شاب من الادعاء العام، يتكلم الإنجليزية والعربية.
قال لسامي:
— التسجيل مدته ثلاث دقائق وأربع عشرة ثانية. يمكنك أن تتوقف في أي لحظة. يمكنك أن تعيد. ويمكنك ألا تعيد.
— وإن أردت نسخة؟
— يمكنك أن تطلب. لكننا ننصح بالانتظار.
— لماذا؟
— لأن الناس يغيرون رأيهم بعد أن يسمعوا.
أدخلهما إلى غرفة صغيرة، فيها طاولة وكرسيان وحاسوب وسماعات.
جلس سامي.
جلست نورا على كرسي قرب الباب، وأدارت وجهها إلى الجدار، وأسندت يديها على ركبتيها كتلميذة في الصف.
وضع سامي السماعات.
قال الموظف:
— سأخرج. اضغط الزر الأخضر حين تريد.
خرج.
مرّت دقيقة.
ضغط.
قسم 11
بدأ التسجيل بصوت احتكاك، ثم نقرة، ثم فحيح خط قديم.
ثم صوت شاب، يعرفه جيدًا ولم يسمعه منذ سنوات:
“ألو؟ ماما؟”
رنّ الصوت في أذنيه.
كان صوته هو، قبل ستة عشر عامًا، متعبًا ومستعجلًا وأصغر مما يتذكر.
وجاء الرد، بعد لحظة:
“أهلين يا ولدي.”
توقف قلبه.
لم يكن صوتًا يشبه أمه. كان صوتها. بنبرته الدافئة المنخفضة التي لا تعرف أن أحدًا يستمع.
“كيف الجميع؟”
“كلنا بخير. ريم عندها امتحان بكرة، قاعدة تدرس. لينا ما راضية تنام. وأبوك ناعس على الكنبة. نبيل وهالة في غرفتهم.”
“تمام.”
تابع.
“وأنت؟ أكلت؟”
“أكلت.”
“لا. صوتك يقول إنك ما أكلت.”
ضحك على التسجيل ضحكة قصيرة متعبة.
“أكلت يا أمي، صدقيني.”
“ماشي. سلّم على صاحبك.”
“يسلّم عليك.”
ثم سكتت.
كان الصمت قصيرًا. ثانيتين، ربما ثلاثًا. لكنه كان صمت امرأة تفكر كيف تقول شيئًا في خط تعرف أن أحدًا يسمعه.
ثم قالت، بصوت أخفض قليلًا، وبنبرة عادية تمامًا:
“اسمع يا سامي. لا تتصل بكرة.”
“ليش؟”
“لأن الجيران بيقولوا الخط خربان. خلّينا يومين.”
كان يسمع ويفهم ويسمع.
وعرف فجأة، بعد ستة عشر عامًا، أن أمه كانت تعرف.
كانت تعرف أن الخط ليس خربانًا. كانت تعرف أن أحدًا يسمع. وكانت تعرف أن كل ليلة يتصل فيها هي ليلة خطر عليه. فقررت، في ثلاثين ثانية، أن تحميه بجملة عن “الجيران”.
وقالتها بنبرة امرأة تتحدث عن الطقس.
سمع نفسه يقول:
“تمام يا أمي، سأغلق.”
“سلامتك يا ولدي.”
ونقرة.
انتهت المكالمة.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
لم تكن أمه قد أحكمت وضع السماعة، فبقي الخط مفتوحًا على الغرفة ثواني أخرى، وبقي المتنصت يسجّل.
وسمع سامي، في الثواني الأخيرة، صوتًا لم يتوقعه.
سمع الغرفة.
سمع صوت صحن يوضع على طاولة. وسعالًا خفيفًا لرجل مسن. وضحكة فتاة، نصفها مكتومة، تقول بعيدًا: “ماما، من كان على الهاتف؟”
وصوت أمه تجيب: “سامي.”
وضحكة ريم: “هل أكل؟”
وصوت أمه: “يقول إنه أكل.”
وضحكة ريم أخرى: “كاذب.”
ثم، من بعيد، من الغرفة المجاورة، صوت صغير:
“جدتي، أنا أريد الخبز!”
كان صوت لينا.
صوت طفلة عمرها ست سنوات، حادًا وحاسمًا وغاضبًا، كأنها تعلن حقًا من حقوقها.
وجاء صوت أمه، دافئًا ومنخفضًا، كما كان يقوله كل يوم:
“بعد قليل يا حبيبتي.”
ثم النقرة الأخيرة.
وسكت كل شيء.
قسم 12
لم يعرف كم بقي جالسًا.
كانت السماعات لا تزال على أذنيه. والشاشة أمامه تعرض خطًا أخضر مسطحًا.
رفع يده ببطء، ونزع السماعات.
بقيت نورا على الكرسي، ظهرها إليه، وكتفاها ثابتتان. لم تتحرك طوال الدقائق.
قال بصوت لم يعرفه:
— نورا.
— أنا هنا.
— يمكنك أن تلتفتي.
التفتت.
لم يكن وجهه يبكي. كان فارغًا بطريقة من ينتظر أن تصل إليه الأشياء.
— ماذا سمعت؟
— كل شيء.
— هل تريد أن تقول؟
— لا أعرف كيف.
— لا تقل.
— قالت لي ألا أتصل غدًا.
— أمك؟
— نعم. كانت تعرف.
— ماذا كانت تعرف؟
— أنهم يسمعون. وأنهم قادمون. وأنني إذا اتصلت سيعرفون أين أنا.
سكتت نورا.
— قالتها بنبرة عادية. لو لم أكن أعرف لظننت أنها تتحدث عن الجيران.
— كانت تحميك.
— نعم.
— وكانت تعرف أنك ستغلق الخط.
— لا أعرف.
— بلى. لأنها أعطتك الجملة التي تسمح لك بالإغلاق: “خلّينا يومين”.
رفع عينيه.
— هذا ما لم أفكر فيه.
— وأنت كنت تحمل ستة عشر عامًا أنك أغلقت.
— نعم.
— وهي التي أغلقتها لك.
انفجر.
لم يكن بكاءً كما بكى في الحديقة، حين كان بلا صوت. كان صوتًا خرج من مكان لم يعرف أنه ممتلئ: هدير متقطع، كأن جدارًا قديمًا بدأ ينهار. انحنى على الطاولة، ووضع وجهه بين يديه.
لم تقترب نورا فورًا.
بقيت على كرسيها، وانتظرت.
ثم قامت، وجلست بجانبه.
لم تقل “أنا هنا”. ولم تقل “لا بأس”. وضعت يدها على ظهره، دون ضغط، وتركتها.
بعد وقت طويل قال:
— سلامتك يا ولدي.
— ماذا؟
— قالتها. “سلامتك يا ولدي”. وأنا قلت لها: “تمام يا أمي، سأغلق”. وكانت آخر جملة.
— ولم تعد آخر جملة فقط.
— كيف؟
— صارت آخر جملة سمعتها. وأنت الآن تعرفها.
نظر إليها.
— وصوت لينا…
— نعم.
— “بعد قليل يا حبيبتي”. هي التي قالتها. أنا كنت أقولها لها في السيارة. كانت أمي تقولها قبلي. لم أكن أعرف أنني أنقل جملتها.
— وأنت تنقلها إلى ميري.
رفع رأسه.
— لم أنتبه.
— أنا انتبهت منذ الأسبوع الأول.
— وأنتِ لم تقولي.
— كنت أعرف أنك ستعرف حين تكون مستعدًا.
مسح وجهه بكفه.
— أريد أن أقول شيئًا.
— قل.
— لن أطلب نسخة.
— لماذا؟
— لأنني أعرف أنني سأسمعها كل يوم. ولن أعيش.
— وماذا تريد؟
— أن تبقى هنا، في الأرشيف. باسمهم. باسمهم الستة. ولن أسمعها مرة ثانية إلا إذا…
— إلا إذا ماذا؟
فكر.
— إلا إذا سألتني ميري يومًا: ماذا قالت لك أمك في آخر مكالمة؟
— وإن لم تسأل؟
— لن أسمعها.
— وإن سألت وأنت لست مستعدًا؟
— أقول لها: لا أزال أتعلم.
ابتسمت.
— هذا أجمل جواب سمعته.
— وأنتِ؟ هل تريدين شيئًا؟
— أريد شيئًا واحدًا.
— ماذا؟
— أن أعرف أنني كنت هنا.
— كنتِ هنا.
— ولم أسمع شيئًا.
— أعرف.
— هذا ما أردته.
وفي المساء، حين عادا إلى بيت كاترين، كانت ميري قد رسمت بيتًا صغيرًا ونجمة كبيرة فوقه، ومدّته إلى سامي دون أن تسأل شيئًا.
جاءه الاتصال في الثانية والنصف بعد منتصف الليل.
كانت نورا نائمة بجانبه، وميري في غرفتها. رنّ الهاتف على المنضدة، فأمسكه قبل أن يوقظها.
— كاترين؟
— هل إنغريد عندكم؟
— لا.
— اتصلت بها الساعة الحادية عشرة ولم ترد. جئت إلى بيتها الآن. الباب مفتوح والسرير فارغ.
نهض.
— سأوقظ نورا.
— لا… نعم. أيقظها.
وفي ثلاث دقائق كانوا في السيارة: نورا تقود، وسامي بجانبها، وميري نائمة في الخلف ملفوفة في بطانية، لأن أحدًا لم يكن هناك ليبقى معها.
كانت نورا تقود بسرعة، وعيناها على الطريق، وصوتها غير صوتها:
— ذهبت في اتجاه الجامعة؟
— لا أعرف.
— أو إلى محطة القطار؟
— نورا.
— أو إلى النهر؟
— نورا، اسمعيني.
— ماذا؟
— إلى أين تذهب امرأة تفتش عن فيليكس؟
تجمدت يداها على المقود.
— إلى الممر.
— نعم.
أدارت السيارة بحدة.
كانت المساحة الخضراء مظلمة. لم يكن في الممر إلا مصباح واحد يبعث ضوءً أصفر باهتًا. والأشجار العارية تتحرك بهدوء.
ركضت نورا أولًا.
ثم وقفت.
كانت إنغريد جالسة على المقعد القريب من المقهى المغلق، بمعطفها فوق قميص نومها، وحذاء واحد في قدمها والآخر في يدها. كانت تنظر إلى الممر، وتقول بصوت خافت، بالألمانية:
— فيليكس؟ فيليكس؟
وقفت نورا في مكانها.
لم تستطع أن تتحرك.
كان سامي خلفها. رأى ارتجاف كتفيها. رأى كيف حاولت أن تتقدم فلم تقدر.
قال بهدوء:
— نورا.
— لا أستطيع.
— أعرف.
— أنا…
— أعرف. أنا أذهب.
وتقدم.
اقترب من المقعد ببطء، بحيث تراه إنغريد قبل أن تسمعه. ثم جلس بجانبها، وترك مسافة صغيرة.
قالت:
— أنت؟
— نعم.
— حسن؟
توقف.
كان أمامه خياران. كان يعرف ذلك.
قال بالعربية، بصوت منخفض ومطمئن:
— معلش يا حبيبتي.
نظرت إليه.
— إنت اتأخرت.
— آسف.
— كنت قلقانة.
— أنا هنا.
— وفين فيليكس؟
ابتلع ريقه.
— لا يستطيع أن يأتي الليلة. لكنه بخير. وهو يفكر فيك.
— بجد؟
— بجد.
أخذت تنظر إليه طويلًا.
ثم وضعت رأسها على كتفه.
قالت بالألمانية بصوت خافت:
— أنا متعبة.
— أعرف.
— هل نعود؟
— نعود.
نهضا معًا.
وكانت نورا لا تزال واقفة عند بداية الممر، تبكي بصمت، وكاترين قد وصلت ووقفت بجانبها، وقد أمسكت بيدها دون أن تنظر إليها.
مشى سامي مع إنغريد على الممر الرمادي، بخطوات بطيئة، ويدها على ذراعه.
لم تكن تعرف أين هي. وكان هو يعرف.
عندما مرّا بجوار نورا، نظرت إنغريد إلى ابنتها، وقالت بألمانية واضحة:
— نورا، لماذا تبكين؟
— لا شيء يا أمي.
— لا تبكي. أنا بخير.
وأكملت سيرها.
بعد يومين فتحت كاترين درج مكتب إنغريد الخشبي في غرفة الجلوس، لتبحث عن بطاقة التأمين.
وجدت مغلفًا أبيض سميكًا، مكتوبًا عليه بخط إنغريد المستقيم:
“لنورا ولكاترين، إن احتجتما.”
جلست على الأرض بجانب الدرج، وفتحته.
اتصلت بنورا، وجاءت نورا ومعها سامي، وجلس الثلاثة في غرفة الجلوس.
كانت الرسالة مكتوبة بالألمانية في صفحتين، بتاريخ يعود إلى ما قبل عرس نورا وسامي بأسابيع.
قرأتها كاترين بصوت عالٍ. ثم أعطتها إلى نورا لتقرأ، وقالت: “اقرأيها لنا أنتِ، صوتك أوضح”.
قرأت نورا:
“إن قرأتما هذا، فقد بدأت أنسى. أعرف نفسي. أعرف أنني سأنكر ذلك في البداية، وأنني سأغضب في الوسط، وأنني سأنسى أنني كتبت هذه الرسالة في النهاية. لذلك أكتب الآن، وأنا صافية.
أولًا: لا أريد أن تكذبا عليّ في الأمور الكبرى. إن سألت: أين فيليكس؟ قولا لي مرة واحدة كل أسبوعين إنه مات. لا كل يوم. وفي الأيام بين ذلك، قولا لي: “أنا هنا”. وأمسكا يدي. ولا تجادلاني. لا تجادلاني أبدًا.
ثانيًا: إن سألت عن حسن فقولا لي إنه ذهب إلى الميناء وسيعود. وأنا أعرف أنه كذب. لكن الكذب هذه المرة هبة.
ثالثًا: نورا، لا تدرسيني. لقد أمضيتِ حياتك تدرسين ذاكرة الناس. أنا أريد أن تكوني ابنتي، لا باحثتي. إن نسيتكِ فلا تقولي لي “أنا ابنتك” بنبرة المحاضرة. قولي: “أنا نورا”. وافتحي لي يديك.
رابعًا: كاترين، لقد كنتِ حمّالة الجميع وأنتِ لا تشتكين. إن كانت لديك أي فكرة أنك أخطأتِ بحقي، فأنتِ لم تخطئي. لو استطعتِ أن تضحكي، اضحكي.
خامسًا: إن جاء الرجل السوري، فدعوه يجلس. أنا أرتاح لصوته. سيأكل جيدًا إن أطعمتموه. تأكدوا أنه يأكل.
سادسًا: شجرة التفاح. اتركاها. لا تقطعاها حتى لو أصبحت كبيرة جدًا.
وآخرًا: لا تبكيا عليّ قبل أن أموت. أنا لم أمت بعد.”
ساد صمت طويل.
رفعت نورا عينيها.
كانت كاترين تضحك وتبكي في آن واحد، كأن الضحك والدموع خرجا من الفم نفسه.
— “تأكدوا أنه يأكل”.
— “الرجل السوري”.
— “لا تجادلاني أبدًا”.
— “لا تدرسيني”.
ضحك سامي أخيرًا. ضحكة قصيرة، ثم اشتدت.
— هذه أعظم امرأة رأيتها.
— ألمانية، قالت كاترين وهي تمسح وجهها. ماذا تتوقع؟
قالت نورا:
— أنا لم أعرف أنها كانت تعرف.
— ربما كانت تعرف منذ سنوات.
— ولماذا لم تقل؟
— لأنها كتبت لنا. حين يقل الوقت، نترك الرسائل في الأدراج.
— أنا أدرّس هذا.
— وأنتِ الآن تعيشينه.
نظرت نورا إلى الورقة في يدها.
ثم قالت، لأول مرة منذ شهور، بصوت لا أثر فيه لنبرة المحاضرة:
— لقد أخطأت.
— في ماذا؟
— حين صححتها على العشاء وقلت لها إن أبي مات. قالت “معلش” كأنها تتنازل لي عن المعركة. لم أفهم أنها كانت تعلمني كيف أتنازل أنا.
— والآن؟
— الآن أعرف.
جاءت الدعوة من كيب تاون في تموز.
كانت قد جاءت قبل ذلك بشهرين، لكن نورا أخفتها في رسائلها حتى لا تزيد على نفسها حملًا. وحين أخبرت سامي، قال:
— هل أنتِ غاضبة مني لأنني لم أسألك؟
— لا. غاضبة من نفسي لأنني لم أقل.
— ماذا قالت الدعوة؟
— معهد للأرشيفات المجتمعية. مشروع اسمه “أيام لا أحد يسجلها”. جمعوا في عشر سنوات ثمانين ألف صورة ورسالة وتسجيل من عائلات في خمس قارات. أرادوا أن أقضي ستة أسابيع أكتب عن منهجيته.
— هنريك رشحك.
— من أين عرفت؟
— عرفت. هو صاحب وجه ساخر ولا يعرف الإخفاء.
— نعم.
— ستذهبين؟
— لا أعرف. أمي…
— أمك معها كاترين وكونراد وممرضة نهارية. وأنتِ ستعودين.
— أعرف. لكنني لا أريد أن أترك.
— وهل ستتركين؟
سكتت.
— هل أنت تقول لي أن أذهب؟
— لا. أنا لا أقول. أنا أسأل فقط: ما الذي يضيع منك إن لم تذهبي؟
نظرت إليه.
— نفسي.
— إذن أجبتِ.
— هذا ليس عدلًا.
— العدل ليس موضوعنا. نحن نبحث عن الصحيح.
— وإن قالت كاترين إنني أهرب؟
— ستقولها. وستعرفين أنها تخاف. وستذهبين.
— وميري؟
— ميري تأتي معك.
— وأنت؟
— أنا أنضم إليكما في الأسبوع الثالث.
— ألن يكون ذلك مكلفًا؟
— لا. سأدفع من عائدات المتحف.
ضحكت.
— هذا مقترح تجاري.
— بل جدول.
في كيب تاون، كان الضوء غريبًا.
ضوء صاف، قاسٍ، يكشف كل الحواف. والبحر في الأسفل كأنه قرأ كل شيء وسكت.
كان المعهد مبنى قديمًا من حجر رمادي، على سفح جبل، وفي ردهته صور مكبرة معلقة على الحبال: سفرة، وسلم، وحذاء على عتبة، ويدان تعجنان، وكرسي فارغ تحت شجرة.
وقفت نورا أمام صورة الكرسي.
قالت ليلى، التي جاءت معها:
— هل تعرفين أن هذه الصورة جاءت من حلب؟
— لا.
— من امرأة جاءت قبل خمس سنوات. قالت: “هذا كرسي أبي. لم أحتفظ إلا به”.
نظرت نورا إلى الصورة، ولم تقل شيئًا.
في الأسبوع الثالث وصل سامي.
نزل من سيارة الأجرة بحقيبته الصغيرة، ووجد ميري واقفة عند باب المعهد، بقبعة صيفية أكبر من رأسها، تنتظر بصبر من تعلم أن الانتظار يحتاج إلى ثبات.
— تأخرت.
— الطائرة تأخرت.
— أنت دائمًا تتأخر.
— أعرف.
— لكنك تصل.
— دائمًا.
احتضنته.
بعد الغداء أخذته نورا إلى قاعة صغيرة في الطابق الثاني، فيها مقاعد دائرية، ونافذة واسعة تطل على الجبل.
كان في القاعة عشرة أشخاص: امرأة مسنة بوشاح أزرق، ورجل نحيل بنظارات مستديرة، وشابتان، ورجل مسن بقبعة من القش، وآخرون. قالت نورا:
— هؤلاء من المشروع. يأتون كل أسبوع يتحدثون عن الصور التي يجمعونها.
أشارت إلى المرأة المسنة.
— هذه ماما نومسا. كانت معلمة في حي لانغا ثلاثين سنة.
نهضت المرأة.
— مرحبًا يا ابني.
— مرحبًا.
— قالت لي نورا إن عندك أسماء.
— عندي ستة.
— هل تقولها لنا؟
نظر إلى نورا.
— هذا ليس شرطًا.
— أعرف.
— لا تشعر أنك مجبر.
— أعرف. لكنني أريد.
ووقف في وسط الدائرة.
— أبي عدنان. أمي سعاد. أخي نبيل. وزوجته هالة. وابنتهما لينا. وأختي ريم.
سكتت القاعة.
ثم قالت ماما نومسا بصوت واضح، ببطء وإيقاع أغنية:
— عدنان. سعاد. نبيل. هالة. لينا. ريم.
وردد الرجل ذو القبعة:
— عدنان.
وقالت إحدى الشابتين:
— سعاد.
ومضى الدور، واحدًا واحدًا، حتى عاد إليه.
قالت ماما نومسا:
— في لغتي عبارة تقول: الإنسان إنسان بالناس. أنت لا تحمل أهلك وحدك. نحن نحملهم الآن أيضًا.
لم يستطع أن يقول شيئًا.
نظرت نورا إليه من الجهة الأخرى للقاعة.
كانت ترتجف قليلًا. لكن وجهها، على غير العادة، كان مفتوحًا.
في تلك الليلة، بينما كانا على الشرفة الصغيرة للنزل، قالت:
— أتذكر ما قالته النجمة في الفصل الثاني؟ الاستمرار ممكن بلا ذاكرة.
— نعم.
— كنت أغضب منها لأنها صحيحة بالنسبة إلى الذهب، وغير صحيحة بالنسبة إلى البشر.
— وأنتِ الآن؟
— أظن أنني أخطأت في الاثنين.
— كيف؟
— الذهب لا يحتاج أن نتذكره. نعم. لكن الإنسان لا يحتاج أن يتذكر هو نفسه. يحتاج أن يتذكره أحد.
نظر إليها.
— أمك؟
— أمي تنسى. لكن كاترين تتذكر. وأنا أتذكر. وأنت. وميري ستتذكر. وبذلك أمي مستمرة، حتى لو لم تعد تعرف اسم الشجرة.
— هذا ما قلتِه في المكالمة الثانية، حين سألت ميري إلى أين يذهب اليوم إذا نمنا: الأرشيف كلمة تقولها لأحد.
ابتسمت.
— هي قالتها قبلي. أنا فقط ترجمتها.
عادوا إلى فايسارن في أيلول.
كانت الشجرة قد أثمرت. وكانت كاترين تنتظرهم عند الباب، وقد بدت أصغر بخمس سنوات، كأنها وضعت عن كتفيها شيئًا.
قالت:
— تعالوا. إنغريد تسأل عنكم كل يوم.
— تتذكرنا؟
— لا. لكنها تسأل.
دخلوا.
كانت إنغريد جالسة في الحديقة تحت الشجرة، وفي حجرها شال أزرق، وإلى جانبها ممرضة شابة تقرأ كتابًا.
رفعت إنغريد عينيها حين اقتربوا.
نظرت إلى نورا.
طال النظر.
قالت:
— من أنتِ؟
توقفت نورا لحظة.
ثم أخذت نفسًا، وركعت أمام الكرسي، وفتحت يديها.
— أنا نورا.
— نورا…
— نعم.
نظرت إنغريد إلى يديها المفتوحتين، ثم إلى وجهها.
وقالت بصوت متردد:
— جميلة.
— شكرًا.
— أنتِ تشبهين ابنتي.
ابتسمت نورا، ودمعت عيناها، ولم تصحح.
— ربما.
أخذت إنغريد يدها، ولم تتركها.
جاءت ميري وجلست على الأرض بجانبها.
قالت:
— جدتي. هل أحكي لك اليوم؟
نظرت إنغريد إليها.
— ميري؟
— نعم!
— أنتِ كبرتِ.
— ستة أسابيع فقط.
— ماذا فعلتِ؟
— رأيت بحرًا. وجبلًا. وأكلنا سمكًا. وقال لي سامي إن اليوم لا يذهب إلى مكان إذا حكيته لأحد.
— احكِ.
بدأت ميري تحكي، وهي تشير بيديها، وبصوت أعلى من اللازم، وأخطأت في التسلسل ثلاث مرات، وصححت نفسها مرتين، وأضافت قطة لم تكن هناك.
كانت إنغريد تستمع، وتبتسم.
ربما لم تكن تحتفظ بأي كلمة. ربما لن تتذكر في الغد أن حفيدتها رأت بحرًا.
لكنها في تلك اللحظة، تحت الشجرة، كانت ممتلئة.
رأى سامي ذلك.
رأته نورا أيضًا.
تبادلا نظرة.
وقف سامي بجانبها.
— نورا.
— نعم.
— فكرت في شيء.
— ماذا؟
— إن أردتِ، أكون هنا أكثر أيام الأسبوع، لا نصفها. أكتب من هنا. وأسافر إلى بارغافن كلما احتجت، وتأتين معي حين تستطيعين.
التفتت.
— تقصد أن تنتقل؟
— أقصد أن أكون هنا أكثر.
— وبيتك؟
— يبقى بيتي. وسيبقى ديتر يسقي نباتاته. وسيصلح له توبياس الصنبور.
— هل هذا ما تريده أنت؟ أم ما أحتاجه أنا؟
— كلاهما.
— لا أريدك أن تضحي.
— لن أضحي. أنا أختار. وإن شعرت يومًا أنني أضحي، سأقول لك في الساعة نفسها.
— والمسافة؟
— لم تختفِ.
— لكن؟
— لكنها الآن لا تفصلنا. هي التي تسمح لكل منا أن يعود إلى الآخر.
نظرت نورا إليه طويلًا.
ثم أخذت يده.
— اتفقنا.
في الليلة الأخيرة من أيلول، جلسا في الشرفة في فايسارن.
كانت المدينة هادئة، وقد بدأت أوراق الأشجار تصفرّ، ومن بعيد يأتي صوت ترام متأخر.
قالت نورا:
— عندما قرأت رسالة أمي، كان فيها جملة لا أستطيع أن أنساها.
— أي جملة؟
— “أنا لم أمت بعد”.
— نعم.
— كنت أبكي عليها قبل أن تموت. بكيتُ عندما بدأت تنسى. ثم تعلمت منك ومنها ألا أفعل.
— لم أعلّمك شيئًا.
— علّمتني أن أختار ما أقوله. وألا أفتش كل شيء.
— وأنتِ علمتني أن أقول ما أريد أن أقوله دون أن أنتظر أن أكون جاهزًا.
رنّ الهاتف.
كان اسم يوسف.
— نعم؟
— هل أنتما مستيقظان؟
— نعم.
— هل أزعجكما؟
— لا.
— عندي مفاجأة.
— ماذا؟
— رنا حامل. وقد قال الطبيب إنه صبي.
ضحك سامي، وتوقف.
— مبارك.
— أنا لا أصدق.
— ولا أنا.
— سنسميه عدنان.
سكت سامي.
— يوسف…
— إن لم تقبل لن أفعل.
— سامي؟
— أقبل.
— أحقًا؟
— أحقًا.
أغلق الخط، ووضع الهاتف على الطاولة.
نظرت إليه نورا.
— عدنان؟
— نعم.
— هذا اسم أبيك.
— نعم.
— هل تريد أن تبكي؟
— لا.
— وأنا أريد.
— ابكي.
بكت. لم يبكِ هو. أخذ يدها، ونظر إلى الأشجار الصفراء والمدينة الهادئة، وقال لنفسه: لقد استمر الاسم.
بعد دقائق سألته:
— هل تعرف ما الذي يعجبني فيك؟
— ماذا؟
— أنك لا تحاول أن تجعل الأشياء أكمل مما هي.
— وأنتِ؟
— أنا أحاول دائمًا.
— وأنا أحبك حين تحاولين.
— وأنا أحبك حين تكف عني.
ضحك.
وبقيا.
في الأعلى، بعد بضعة أمتار، في غرفة بيضاء صغيرة، كانت ميري نائمة. وعلى الجدار فوق سريرها ثلاثة أشياء: رسمة لثلاثة أشخاص أمام بيت، ولوحة لأيدٍ على مائدة، وصورة صغيرة بحجم كف، كان سامي قد طبعها من هاتفه، لكرسي فارغ تحت شجرة تفاح.
وفي بيت على أطراف المدينة، كانت إنغريد مستلقية على سريرها، وقد نسيت أسماء كثيرة، وأغمضت عينيها، وابتسمت في النوم.
لم يعرف أحد إلى أين سيمضي كل ذلك.
لكنهم جميعًا، بمن فيهم من لم يعد يعرف، كانوا يمشون.
لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 05
لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ (رواية)
