Numan Albarbari نعمان البربري

لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 01

لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ
رواية

الجزء الأول

الأستاذ سامي المحترم،
أرجو أن تعذرني على مراسلتك بهذه الطريقة المباشرة.
وصلت إلى موقعك بالمصادفة، ولم أكن أعرف عنك شيئًا قبل ذلك. بدأت بفصل واحد من “متحف الأيام المفقودة”، ثم وجدتني في الفصل الذي يليه، ثم في ثالث، إلى أن أدركت أن المساء كله مضى.
ما استوقفني ليس الخيال وحده، بل الطريقة التي تعامل بها الذاكرة: لعنةً في موضع، ونعمةَ النسيان في موضع آخر، وكأن سامر، أمين الأرشيف، الواقف عند آخر الفصول أمام الخزانة ذات الستارة السوداء التي لم يصل صاحبها بعد، لا يعرف بعدُ إلى أيّ الجهتين ينتمي.
أنا أستاذة في دراسات الذاكرة الثقافية. أقضي أيامي بين الأرشيفات والمتاحف والنُّصُب التذكارية، ومع مجتمعات دفعت ثمن أن يُمحى ماضيها، وأخرى دفعت ثمن ألا تنساه. ولهذا ربما قرأتُ فصولك بعين لا تشبه عينك.
أزعجني في الفصل الثاني تحديدًا ما قالته النجمة لسامر: إن الاستمرار ممكن من غير ذاكرة.
أزعجني، ثم لم أستطع أن أتركه.
أودّ، إن لم يكن لديك مانع، أن أحدّثك مباشرة في هذه المسألة.
لا أعدك بأن أكون محاورة سهلة.
لكنني أعدك بأن أكون صريحة.
مع خالص التحية،
نورا

الدكتورة نورا،
شكرًا على رسالتك، وعلى أنك قرأتِ ثلاثة فصول قبل أن تكتبي إليّ؛ هذا أكثر مما يفعله معظم من يعترضون.
أزعجتك النجمة؟ لقد أزعجتني أنا أيضًا وأنا أكتبها. كتبت الفصل الثاني ثلاث مرات، وفي كل مرة كنت أحذف الجملة نفسها ثم أعيدها في مكانها.
لن أدافع عنها الآن. أفضّل أن أسمع اعتراضك أولًا، فقد يكون أدقّ مما كتبت.
أما وعدك بألا تكوني سهلة، فأقبله بشرط واحد: ألا أكون أنا سهلًا كذلك. سأسألك كما تسأليني.
يمكننا أن نتحدث هاتفيًا في الوقت الذي يناسبك.
مع خالص التحية،
سامي

رنّ الهاتف قبل التاسعة بقليل.
لم يكن سامي قد توقّع أن تتصل بهذه السرعة. رأى اسمها على الشاشة، وترك الرنّة تكتمل مرتين قبل أن يجيب.
— نعم؟
— مساء الخير، أستاذ سامي.
كان صوتها هادئًا وواضحًا، وفيه شيء من التردد لم يكن في رسالتها.
— مساء الخير، دكتورة نورا.
— ألم أقل في رسالتي إنني لن أكون محاورة سهلة؟
— وقلتُ إنني لن أكون محاورًا سهلًا.
— هل هذه طريقتك في الترحيب؟
— هذه طريقتي في الاستعداد.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— جيد. لأنني لم آتِ من أجل المجاملات.
— وأنا لم أجلس إلى الهاتف من أجلها.
ساد صمت خفيف، ثم قالت:
— أعدتُ قراءة الفصل الثاني ثلاث مرات.
— وماذا حدث في الثالثة؟
— غضبتُ في الموضع نفسه الذي غضبت فيه في المرتين الأوليين.
— أين هو؟
— حين تقول النجمة إن الذاكرة ليست الطريقة الوحيدة للاستمرار.
— وما الذي يغضبك فيها؟
— أنها صحيحة.
توقف سامي عن الكتابة، وكان قد أمسك القلم من غير أن يشعر.
— صحيحة؟
— بالنسبة إلى الذهب. ففي الفصل الثاني تقول النجمة لسامر إن الذهب يبقى ذهبًا ولو نُسيَ اسم من صاغه، وإنه لا يحتاج إلى من يتذكره كي يستمر. أما بالنسبة إلى البشر فلا.
— اشرحي.
— الذهب لا يحتاج إلى عدالة يا أستاذ سامي. الناس يحتاجون إليها. عندما تُمحى أسماء أناس، لا يكفي أن نقول لأهلهم إن ذرّاتهم ما زالت في التراب. المجتمعات التي أدرسها لم تطلب الاستمرار، طلبت أن يُقال: كانوا هنا، وهذه أسماؤهم.
لم يجب فورًا.
قال بعد لحظة:
— هذا اعتراض حقيقي.
— لم أنتهِ.
— أعرف. لكنني أريد أن أقول إن النجمة لم تقل إن الذاكرة غير ضرورية. قالت إنها ليست الطريقة الوحيدة.
— وسامر؟ لقد بكى.
— نعم.
— أي أنه اقتنع.
— لا. بكى لأنه لم يقتنع.
سكتت.
— لو اقتنع لما بكى. الإنسان كثيرًا ما يبكي أمام فكرة يخشى أن تكون صحيحة.
جاء صوتها بعد ثوانٍ، أبطأ من قبل:
— هذه ملاحظة جيدة.
— ولا تنتظري مني أن أتنازل عنها.
— لم أكن أنتظر.
ابتسم دون أن تراه.
— إذن دوري الآن.
— دورك في ماذا؟
— قلتُ في ردي إنني سأسألك كما تسأليني.
— تفضل.
— أنتِ تدرسين ذاكرة الآخرين. أرشيفاتهم ومتاحفهم وأسماء موتاهم. فماذا عن ذاكرتك أنتِ؟
طال الصمت.
لم يكن صمت من يبحث عن جواب. كان أقرب إلى صمت من فتح بابًا فوجد خلفه غرفة لم يقصد أن يدخلها.
— هذا سؤال ليس من قواعد المكالمة، قالت أخيرًا.
— لم نضع قواعد.
— لا. لكنه ليس سؤال الليلة.
— حسنًا.
— هل ستلحّ؟
— لا.
— غريب.
— لماذا؟
— لأن الذين يسألون هذا السؤال يلحّون عادةً. ويظنون أن ذلك شجاعة.
— وأنا أظن أن الإلحاح طريقة أخرى للاقتحام.
لم تجبه.
لكنه سمع أنفاسها تهدأ، كأن شيئًا شُدّ قليلًا ثم تراخى.
قالت بعد قليل:
— هل أنت دائمًا هادئ هكذا؟
— لا أعرف. ربما لأنني لا أتكلم إلا عندما أشعر أن للكلام معنى.
— هذا ما لاحظته في كتاباتك.
— ماذا لاحظتِ؟
— أنك تكتب عن الأيام والأدراج والنجوم، لكنك في الحقيقة تكتب عن إنسان يخاف أن يخسر شيئًا.
— أليس هذا ما يفعله الأدب؟
— ليس دائمًا.
— وأنتِ؟ ماذا تفعلين في دراساتك؟
— أحاول أن أفهم كيف يقرر الناس ما يتذكرون.
— إذن نحن نفعل الشيء نفسه من طريقين.
— ربما.
— ولهذا كتبتِ إليّ؟
— أو لأن شيئًا في كتابتك أزعجني.
— هذا أكثر إثارة.
— لماذا؟
— لأن الإنسان يتذكر ما أزعجه أكثر مما يتذكر ما أعجبه.
— وهل أزعجتك يومًا فكرة أعجبتك؟
— كثيرًا.
— وماذا تفعل بها؟
— أتركها في رأسي حتى تتوقف عن إزعاجي.
— وهل تتوقف؟
— أحيانًا تتحول إلى فضول.
سكتت لحظة.
— هذا بالضبط ما حدث معي، قالت.
لم يسألها متى. ولا كيف.
ترك الجملة مفتوحة بينهما كما هي، وقال:
— ربما نترك “بعد الفضول” إلى مرة أخرى.
— لماذا؟
— لأن بعض الأشياء تحتاج إلى وقت حتى تعرف أسماءها.
مرّت ثوانٍ طويلة.
ثم قالت، بصوت لم يعد صوت الأستاذة:
— لقد تكلمنا ساعتين.
— أعرف.
— لم أشعر بهما.
— ولا أنا.
— هل يمكن أن نتحدث مرة أخرى؟
— متى تريدين؟
— بعد يومين.
— اتفقنا.
— ولكن ليس عن الذاكرة طوال الوقت.
— لماذا؟
— لأنني أريد أن أعرفك أنت أيضًا.
كان هو الذي صمت هذه المرة.
— هل فاجأتك؟
— قليلًا.
— جيد.
— لماذا “جيد”؟
— لأنني منذ بداية المكالمة كنت أظنك تعرف دائمًا ماذا تقول.
— لا.
— وهذا يطمئنني.
قالت:
— تصبح على خير، سامي.
كانت المرة الأولى التي تنطق فيها اسمه من غير لقب.
لم ينتبه إلى ذلك إلا بعد أن انقطع الخط.
وضع القلم جانبًا.
لم يكن في المكالمة اعتراف واحد، ولا تلميح واحد يمكن أن يُقال إنه تلميح.
ومع ذلك لم يعد يفكر في صاحبة الرسالة بوصفها “الدكتورة نورا”، أستاذة دراسات الذاكرة التي جاءت لتجادله.
كان يفكر في نورا.
وحدها.

في اليوم الثالث، وبينما كان يراجع فصلًا جديدًا من “متحف الأيام المفقودة”، رنّ الهاتف قبل موعده بساعة.
— هل أزعجتك؟
— لا.
— كنت أحاول أن أؤجل الاتصال إلى التاسعة، ولم أستطع.
— يبدو أنك خسرتِ المعركة.
— أمام مَن؟
— أمام نفسك.
ضحكت.
وسمع في الخلفية صوت أوانٍ تتحرك، ثم صوتًا صغيرًا:
— ماما…
— دقيقة واحدة يا ميري.
عادت إليه:
— ابنتي. لم تقتنع بأن وقت النوم قد حان.
— كم عمرها؟
— سبع سنوات.
— وهل تستطيع أمها أن تنهي حديثًا مهمًا وهي مستيقظة؟
— لا. وأنا لا أعتقد ذلك أيضًا. أعطيتها عشر دقائق إضافية.
— يبدو أنك تفاوضينها كما تفاوضين طلابك.
— طلابي أسهل.
جاء الصوت الصغير مرة أخرى، أقرب هذه المرة:
— ماما، سؤال.
— ميري…
— سؤال واحد فقط.
تنهدت نورا، وقالت بعيدًا عن الهاتف:
— تفضلي.
وسمعها سامي تقول بحماس لا يقبل التأجيل:
— عندما أنام، إلى أين يذهب اليوم؟
لم يقل أحد شيئًا.
ثم انفجرت نورا ضاحكة، ضحكة صافية لم يسمعها منها قبل ذلك.
— أنا لا أصدق…
— ماذا؟
— هذا أصعب سؤال يُوجَّه إليّ هذا الأسبوع. وأنا التي أدرّس هذا للطلاب بالساعات.
— وماذا ستقولين لها؟
— لا أعرف. سأقول لها إنه يذهب إلى مكان بعيد، وإنه ينام مثلها. هذا كذب.
— أظنه كذبًا لطيفًا.
— لكنه كذب.
قال سامي بعد لحظة:
— هل تسمحين لي أن أقترح جوابًا؟
— بجدّية؟
— بجدّية.
— أنا مستعدة لأي شيء الآن.
— قولي لها إن اليوم لا يذهب إلى أي مكان إذا حكته لك قبل أن تنام.
سكتت نورا.
ثم سمعها تنقل الجملة إلى الطفلة بصوت أخفض.
جاء صوت ميري بعد لحظة، متأملًا بجدّية طفولية:
— وإذا لم أحكه؟
قال سامي لنورا:
— قولي لها: عندها يذهب إلى مكان آخر، ولكنه يعود إذا سألتِه في الصباح.
أعادت نورا الجملة.
ثم ساد صمت قصير، وبعده سمع الطفلة تقول بسرعة وهي تجري:
— إذن سأحكي لك الآن! أكلنا بيتزا! وسقط سنّي! ورأيت قطة في الحديقة!
ضحكت نورا، لكن ضحكتها انطفأت في آخرها.
قالت وهي تبتعد عن الطفلة:
— هل تعرف ما الذي حدث للتوّ؟
— ماذا؟
— طفلة في السابعة اختصرت أطروحتي في ثلاث ثوانٍ: الأرشيف كلمة تقولها لأحد.
— لأنها تعرف أن الأيام لا تبقى إلا إذا شهد عليها أحد.
— هذه جملة تستحق أن تُكتب.
— أنتِ التي فتحت الباب بسؤال ميري.
— لا. هي التي فتحته.
بعد قليل عادت ميري تودّع وتذهب إلى السرير، وعاد الهدوء إلى البيت.
قالت نورا بصوت ناعس قليلًا:
— هل تعرف ما الذي كان يقوله لي أبي؟
— ماذا؟
— كان يقول: “لا تخافي من السؤال الذي لا تعرفين جوابه، خافي من الجواب الذي لا تسمحين لنفسك بالسؤال بعده”.
— والدك كان حكيمًا.
— كان مهندسًا مصريًا يحب الصور القديمة، ويكره أن يُرمى شيء دون أن يُسأل عنه.
— وهل هو من علّمك مهنتك؟
— هو من علّمني أن أحتفظ بالأشياء. ثم علّمتني الجامعة كيف أسأل لماذا احتفظتُ بها.
سكتت.
— كان يقول أيضًا: “الذاكرة التي تخاف من الأسئلة تتحول إلى متحف صامت، لا إلى بيت”.
قال سامي بهدوء:
— هذه عبارة أحسده عليها.
— اشتقتُ إليه.
قالتها ببساطة تامة، دون أن تنتظر جوابًا.
ثم سألته:
— وأنت؟ هل فقدتَ شخصًا قريبًا منك؟
كان يعرف أن السؤال قادم منذ أن ذكرت أباها.
لم يكن مستعدًا مع ذلك.
قال:
— نعم.
— من؟
مرّت لحظة.
ثم قال، بنبرة لا تطلب شيئًا:
— أسرتي كلها.
لم يسمع في الطرف الآخر أنفاسًا، ولا كلمة عزاء، ولا “آسفة”.
فقط صمت طويل ثابت لا يتحرك.
ثم قالت نورا:
— لن أسألك الليلة.
— أعرف.
— ولا أظنك ستحكي الليلة.
— لا.
— حسنًا.
وبعد لحظة:
— لكنني سأتذكر أنك قلتها.
— هذا يكفيني الليلة.
كانت تلك المرة الأولى التي شعر فيها سامي بأن جملةً قيلت في الهاتف لم تضعف شيئًا فيه، بل أراحت مكانًا كان ثقيلًا منذ سنوات.
لم يقل ذلك لها.
قال:
— وأنتِ؟ ما الذي بقي منه فيك أكثر من غيره؟
— صوته وهو يقرأ لي بالعربية. وصوته أيضًا وهو يقرأ بالألمانية بلكنة مضحكة.
— وأيهما تفضلين؟
— الثانية. لأنها تضحكني ولا تحزنني.
ضحك.
وكانت تلك النكتة الصغيرة كافية ليعود الهواء إلى الغرفة.

في المكالمات التالية لم يتحدثا عن الذاكرة إلا قليلًا.
تحدثا عن الكتب التي يعودان إليها كلما تعبا، وعن الموسيقى التي لا يستطيعان سماعها وهما يعملان، وعن الشتاء الألماني الذي يبدأ في تشرين الأول ولا ينتهي إلا حين يفقد الناس الأمل في نهايته.
سألته ذات ليلة:
— ما المدينة التي تستطيع أن تعيش فيها لو لم يكن عليك أن تعيش حيث أنت الآن؟
— مدينة لا يعرفني فيها أحد.
— لماذا؟
— لكي أعرف نفسي من دون أن أضطر إلى شرحها.
— غريب.
— لماذا؟
— لأنني قضيت عمري كله أفعل العكس: أبني لنفسي مكانًا يعرفني فيه الجميع.
— الجامعة؟
— الجامعة، والعائلة، والفنادق، والأعمال… كل شيء.
— وهل تعرفين نفسك الآن؟
— أقلّ مما كنت أظن.
— جواب مخيف.
— لكنه صادق.
ثم سألته:
— هل تخاف من الوحدة؟
— أحيانًا.
— وأنا أيضًا.
كانت أول مرة تقولها بصراحة.
لم يحاول سامي أن يواسيها.
قال فقط:
— ربما لهذا نحتاج إلى الحديث.
وفي الليلة التالية كان المطر ينهمر على بارغافن، وكان صوتها في الهاتف يبدو أقرب مما ينبغي.
— هل المطر عندكم مثل المطر في فايسارن؟
— لا أعرف. أعرف المطر ولا أعرف فايسارن.
— تعالَ إذن.
سكت.
— لم أتوقع الدعوة.
— لماذا؟
— لأنك قلتِها بهذه البساطة.
— وما المشكلة؟
— لا مشكلة. أفكر فقط.
— لدي أسبوع هادئ نسبيًا بعد أسبوعين. إذا استطعت، تعالَ.
— زيارة عمل؟
— لا.
— زيارة فكرية؟
— لا أعرف.
— إذن ماذا؟
صمتت لحظة.
— أريد أن نتحدث وجهًا لوجه.
لم يجب سامي في الحال.
ثم قال:
— سآتي. لكن لدي شرطان.
— شرطان؟
— الأول أنني سأدفع ثمن إقامتي بنفسي، أيًّا كان المكان الذي ستحجزينه لي.
ضحكت.
— هذا شرط مسبق أم تحذير؟
— كلاهما. والثاني…
— نعم؟
— أنك ستأتين إلى بارغافن بعد ذلك. لا أريد أن تكون المسافة كلها على كتفي.
سكتت نورا.
لم تكن قد توقعت الشرط الثاني.
قالت بعد لحظة، بصوت مختلف:
— هذا عرض تجاري.
— بل عرض متبادل.
— الأول مقبول مبدئيًا. سنرى في التفاصيل.
— والثاني؟
— الثاني… مقبول.
سمع في صوتها ابتسامة لم تستطع إخفاءها.
ثم أضافت:
— لكن لا تأتِ بالسيارة.
— لماذا؟
— أريدك أن ترى المسافة.
— بين بارغافن وفايسارن؟
— وبين حياتك وحياتي.
سكتا.
أدركت نورا أن العبارة قالت أكثر مما أرادت، فأسرعت:
— أعني أن الطريق بالقطار طويل، وستكون لديك ساعات تقرأ فيها أو تكتب أو تنظر من النافذة.
— وربما أفكر فيك.
لم تضحك.
— ربما، قالت.
وبعد دقائق أُغلق الخط.
لكن سامي بقي أمام الهاتف طويلًا.
كانت الرحلة قد بدأت قبل أن يركب القطار.

جاء يوسف مساء الخميس من بلدة قريبة، يحمل علبة حلويات وحقيبة صغيرة، وابتسامة لا تحتاج إلى مقدمات.
عرفه سامي منذ ما قبل المنفى. عرفه عندما كان الاثنان يظنّان أن الكتابة يمكن أن تغيّر شيئًا في أسبوع، وعرفه بعد ذلك حين علّمتهما السنون أن التغيير يحتاج إلى أعمار.
وقف يوسف عند الباب ونظر إلى صاحبه بتدقيق.
— ما هذا؟
— ماذا؟
— وجهك.
— ما به؟
— كان دائمًا وجهًا لرجل يسمع الأخبار السيئة قبل أن تصل. الليلة يبدو لي كوجه رجل ينتظر خبرًا جيدًا ولا يصدق ذلك.
— أنت تبالغ.
— وأنت تتهرب.
دخل وجلس على كرسي المطبخ كأنه يملكه.
— خمس مكالمات في الأسبوع، وتقول لي “لا شيء يستحق الذكر”؟
— لم أقل خمسًا.
— قلتَ ثلاثًا. لكنني حسبتُ الرابعة من طريقة تأخرك في الرد على رسائلي.
ضحك سامي رغمًا عنه.
وضع أمامه الشاي، ثم جلس.
قال يوسف، وقد خفت صوته قليلًا:
— هل أخبرتها؟
— عن ماذا؟
— تعرف عن ماذا.
— قلتُ لها إنني فقدت أسرتي.
— هذا ما قلته. لكن هل حكيت لها؟
— لا.
— ولماذا؟
— لأنني لا أريد أن أدخل حياتها من باب الحزن.
— وهل هناك باب آخر؟
نظر إليه سامي.
— أنت تعرف أنني حاولت سنوات أن أجد باب آخر.
— وهل وجدت؟
— وجدت شقوقًا. نافذة صغيرة. ولا شيء أكثر.
— وربما هذه المرأة لا تبحث عن باب. ربما تبحث عن رجل يقف أمامها كما هو.
قال سامي بهدوء:
— سأحكي لها عندما أقرر أنا.
— وليس عندما يقرر الوجع؟
— لا، يوسف. لن أترك الوجع يقرر عني هذه المرة.
نظر إليه يوسف طويلًا.
ثم ابتسم بنصف فم:
— هذه أول جملة سمعتها منك منذ سنوات طويلة تشبه رجلًا لا يخاف.
— لا تعتمد عليها كثيرًا.
— أعتمد على ما أستطيع.
شربا الشاي بصمت.
ثم سأل يوسف:
— وهي؟ ماذا تفعل؟ ما الذي يعجبك فيها؟ أنا أعرفك، لن تقول “جميلة”.
— هي تجادلني.
— وهذا كل شيء؟
— وحين تكتشف أنها أخطأت، لا تحاول أن تغطي ذلك بكلام أجمل.
— نادر.
— وهي أم.
— ماذا؟
— لديها ابنة. في السابعة.
ساد الصمت.
لم يكن ذلك الصمت الذي يستعد للنقد. كان أقرب إلى صمت يقف أمام صورة قديمة.
قال يوسف بحذر:
— كم عمرها؟
— سبع سنوات.
— هل تعرف أن…
— أعرف.
— لا. أنا أقصد شيئًا آخر. أقصد لينا.
— أعرف ما تقصد.
لينا كانت ابنة أخيه نبيل. عمرها ستة أعوام حين انتهى كل شيء.
لم يذكر سامي اسمها أمام أحد منذ سنوات.
قال:
— كنت أخشى هذه الفكرة أكثر من أي شيء آخر.
— وماذا فعلت بها؟
— لا شيء. تركتها تحدث.
— هذه أشجع طريقة.
— أو أكثرها ارتباكًا.
— أحيانًا هما الشيء نفسه.
وقف يوسف عند الباب حين همّ بالمغادرة، والتفت:
— اسمع. لا تنس أن تأكل هناك. أنت تنسى الطعام حين تتوتر.
ابتسم سامي، لكن ابتسامته كانت أعمق مما بدت.
— كلكم تقولون لي هذه الجملة.
— لأنها أهم جملة يمكن أن يقولها إنسان لآخر حين لا يجد ما يقوله.

في الليلة السابقة للسفر لم يستطع سامي أن ينام بسهولة.
جلس على السرير أمام حقيبته المفتوحة، ووضع فيها أشياء قليلة لا يحتاج إلى التفكير فيها: قميصين، وسترة، وأوراقًا، وكتابًا كان قد بدأ قراءته، وشاحن الهاتف.
ثم توقف.
فتح المحفظة، وأخرج منها صورة صغيرة قديمة، مطوية الأطراف من كثرة ما حملها.
لم تكن صورة رسمية.
لم يكن فيها أحد يبتسم للكاميرا.
كانت صورة لمائدة غداء عادية في بيت في دمشق: أمه تمد يدها بصحن، وأبوه يلتفت ليقول شيئًا لأخيه، ولينا تحاول أن تختطف قطعة خبز من طبق لا يخصها، وريم تضحك بنصف فمها لأن أحدًا ضبطها. وفي أقصى الصورة، مقعد فارغ. مقعده هو.
كان يوسف هو من التقطها في أحد أيام ما قبل كل شيء، ثم أعطاه الصورة بعد سنوات، وقال له: “هذه الصورة الوحيدة التي نجت. كل الصور الأخرى كانت في البيت”.
عند كل زيارة إلى مدينة جديدة، كان يحمل الصورة معه دون أن يعرف لماذا.
كان يقول إن الصور الرسمية تحفظ المناسبات. أما هذه، فتحفظ شيئًا لم يكن أحد يظن أنه يستحق أن يُحفظ: يومًا عاديًا.
وضعها بين صفحات الكتاب. ثم أخرجها. ثم أعادها إلى محفظته.
قال في نفسه بصوت منخفض:
“لماذا أشعر أنني أجهّز شيئًا أكبر من حقيبة؟”
ابتسم من سخافة السؤال. لكنه لم يكن يضحك تمامًا.
منذ المكالمة الأخيرة تغيّر فيه شيء.
لم تكن نورا قد قالت شيئًا صريحًا. لم تقل إنها تشتاق إليه، ولا إنها تفكر فيه أكثر مما ينبغي.
قالت فقط: “تعالَ”.
كان يستطيع أن يجد لها عشرات التفسيرات العقلانية: ربما أرادت أن تناقشه بعيدًا عن الهاتف، أو أن تتأكد أن الرجل الذي قرأته هو الرجل الذي تحدثت إليه، أو…
توقف عند هذه الـ”أو”.
لم يكن يخاف أن تسيء نورا فهمه.
كان يخاف أن يفهمها هو فهمًا خاطئًا. وهذا فرق كبير.
في السابق كان الحديث بينهما مساحة آمنة تقع في المنطقة التي يعرفها جيدًا: الأفكار، والأسئلة، والذاكرة، والإنسان. أما الآن فقد بدأت بعض الكلمات تخرج من تلك المنطقة دون استئذان.
“تعالَ”. “أريدك أن ترى المسافة”. “لن أسألك الليلة”.
كانت كل جملة تصلح أن تكون عادية.
لكن اجتماعها لم يعد عاديًا.
قبل أن يقابلها كان يحب المسافة. كان يرى أن الإنسان يحتاج إلى مساحة لا يدخلها أحد، وأن القرب الزائد قد يفسد الأشياء الجميلة.
أما الآن فقد اكتشف فرقًا بين أن تفقد مساحتك وبين أن تختار أن تفتح جزءًا منها لشخص بعينه.
ولم يعرف متى حدث ذلك.
ربما في مكالمة قالت فيها إنها قرأت الفصل ثلاث مرات. ربما عندما حكت عن ميري دون تصنع. ربما في الليلة التي لم تقل فيها “آسفة” حين سمعت ما لا تُقال بعده “آسفة”.
وربما لم يحدث في لحظة واحدة أصلًا.
ربما كان الحب، إن كان هذا حبًا، قد بدأ بالطريقة التي تبدأ بها الأشياء التي لا ننتبه إليها: ببطء شديد، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يحدد اليوم الذي بدأ فيه.

في الصباح، استيقظ قبل المنبه.
كانت الحقيبة عند الباب، وعلى الطاولة فنجان قهوة نصف فارغ.
جاءته رسالة:
“هل وصلت إلى المحطة؟”
كتب:
“بعد قليل.”
جاء ردها فورًا:
“لا تنس أن تأكل شيئًا قبل أن تصعد.”
قرأ الجملة مرتين.
ثم كتب:
“الجميع اليوم يذكّرونني بالأكل.”
ظهرت علامة الكتابة، ثم اختفت، ثم ظهرت من جديد.
“ربما لأن الجميع يرى ما لا تراه.”
ابتسم.
كتب:
“وأنتِ؟ ماذا لا ترينه؟”
تأخرت قليلًا.
“سأخبرك حين تصل.”
في الطريق إلى المحطة أدرك أن الشيء الذي تغير فيه لم يكن أنه أصبح يحب نورا. كان ذلك سؤالًا لم يسمح لنفسه بحسمه.
الذي تغير هو شيء أعمق: أنه لم يعد يريد أن يعرف مسبقًا إلى أين ستذهب هذه العلاقة. كان قد قضى سنوات يثق في السؤال أكثر من الإجابة، واكتشف أن أصعب الأسئلة ليست تلك التي لا نملك لها جوابًا، بل التي نخشى أن نعرف جوابها.
صعد إلى القطار، وجلس قرب النافذة.
وقبل أن يتحرك جاءته رسالة أخيرة:
“رحلة هادئة يا سامي.”
وحين تحرك القطار، نظر إلى بارغافن وهي تبتعد خلف الزجاج، وشعر لأول مرة أنه لا يترك مدينته فقط. كان يترك شيئًا من نفسه القديمة على ذلك الرصيف.
جلست في المقعد المقابل امرأة شابة ومعها طفلة في نحو السادسة.
بعد ساعة، سألت الطفلة أمها بصوت مدرسي متعب:
— هل اقتربنا؟
قالت الأم:
— بعد قليل.
— كم “بعد قليل”؟
— ساعتان.
— ذلك ليس قليلًا.
كادت الأم أن تبتسم.
أما سامي فقد أشاح بوجهه نحو النافذة، ووضع يده في جيب سترته على المحفظة.
لم تكن الطفلة تشبه لينا في شيء.
لكن السؤال نفسه، بالنبرة نفسها، أعاد إليه سيارة قديمة في طريق إلى الغوطة، وصوتًا صغيرًا في المقعد الخلفي يسأل: “هل اقتربنا؟”.
وكان جوابه يومئذ، دون أن يفكر:
“بعد قليل يا حبيبتي”.
تنفس ببطء.
لم يُغلق عينيه. لم يبتعد عن النافذة.
كان قد تعلم أن بعض الذكريات لا تنتهي بأن نهرب منها، بل بأن نتركها تمر بجوارنا ثم تتابع طريقها.
وتركها تمر.
ولم يكن يعرف بعد ماذا سيعود به من فايسارن.

منذ أن دعت نورا أن يأتي سامي إلى فايسارن، اكتشفت أن الدعوة التي قالتها بسهولة في الهاتف لم تكن سهلة عليها كما بدت.
في صباح وصوله وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا أطول مما اعتادت.
لم تكن تبحث عن ثوب جميل. كانت تبحث عن شيء لا يقول شيئًا.
وهذا تحديدًا ما جعل الأمر صعبًا.
أخرجت سترة. وضعتها على السرير. ثم أعادتها إلى مكانها. اختارت معطفًا بسيطًا، ووقفت أمام المرآة.
قالت:
— نورا، ماذا تفعلين؟
لم يجبها أحد.
ابتسمت لنفسها. ثم صحّحت الجملة في ذهنها: “تستقبلين رجلًا تحدثتِ إليه منذ أسابيع”. كانت تعرف أن الفرق كبير. فهي لم تره عندما يتعب، ولا عندما يغضب، ولا كيف يعامل النادل أو موظف الفندق أو طفلًا أو شخصًا يخالفه.
كانت تعرف أفكاره أكثر مما تعرف عاداته.
وهذا جعلها حذرة.
في الجامعة ألقت محاضرتها كما تفعل دائمًا. ناقشت طالبًا، وصححت فكرة، وأجابت عن سؤال. لكنها لاحظت أن عقلها ينقسم نصفين: نصف حاضر في القاعة، ونصف يعرف أن قطارًا يتحرك الآن بين جنوب ألمانيا وشرقها.
بعد المحاضرة دخلت مكتبها، فتبعتها ليلى، طالبة الدكتوراه التي تعمل معها منذ ثلاث سنوات، ووقفت عند الباب تراقبها بلا خجل.
— ثلاث مرات نظرتِ إلى ساعتك في عشر دقائق.
— لدي موعد.
— مع من؟
— ليلى.
— مجرد سؤال. لا يهمني الجواب… يهمني قليلًا.
— أنتظر ضيفًا.
— ضيف عمل؟
— لا.
— ضيف من النوع الذي ينتظره أحد بمعطف بسيط؟
رفعت نورا حاجبها.
— وهل أصبحت دراسة الذاكرة تشمل مراقبة معاطف أستاذتك؟
— لقد بدأت بذلك الأسبوع الماضي، حين أصبحت تبتسمين للهاتف.
لم تجد نورا ما تقوله.
ضحكت ليلى، وأغلقت الباب خلفها بلطف.
كانت الوحيدة التي عرفت شيئًا، دون أن تعرف شيئًا. ولذلك لم تخف منها.
وفي الطريق إلى المحطة رنّ الهاتف.
كاترين.
كانت كاترين أخت فيليكس، زوجها الراحل. لم تكن نورا تقول إنها تخاف منها، لكنها لم تكن ترد على مكالماتها دون أن تأخذ نفسًا عميقًا قبل ذلك.
— نورا، هل لديك دقيقة؟
— أنا في الطريق إلى المحطة.
— أعرف. ميري أخبرتني أنك ستستقبلين اليوم أحدًا.
— ميري تخبر كل من يقابلها بكل ما تسمعه.
— من هو؟
— كاتب. صديق. زائر.
— وهل سيقيم في فندق عائلتك؟
— نعم.
— نورا…
— ماذا تريدين أن تقولي، كاترين؟
— لا أريد أن أتدخل. لكن ميري تحمل اسم أخي. وأنا…
— لن أسمح لك أن تستعملي اسم فيليكس في هذه المحادثة.
ساد صمت ثقيل في الطرف الآخر.
— هذا ليس عدلًا، قالت كاترين بصوت مبحوح.
— وليس عدلًا أن أُسأل كلما تنفستُ عن رجل لا أعرف بعد هل سيبقى ساعة أم سنة.
— أنا أخاف أن نتعوّد… أن ننسى.
— لن ننسى. أنا لا أنسى. هذه مهنتي وهذه حياتي.
— هل تعدينني بذلك؟
تباطأت نورا في نهاية الشارع.
— أعدك بأنني لن أمحو أحدًا يا كاترين. ولن أتحجر أيضًا.
لم تُجب.
— أراك الأحد على الغداء، قالت نورا.
ثم أغلقت الخط.
بقيت يداها على المقود لحظة.
لم تكن غاضبة. كانت متعبة، من ذلك النوع الذي يأتي حين يعرف الإنسان أن بعض الأسئلة ستظل تلاحقه حتى لو أجاب عنها.
وكان في داخلها سؤال آخر أكثر شخصية، لم تكن كاترين تعرفه:
لو لم أكن وحيدة، هل كنت سأشعر نحوه بالشيء نفسه؟
لم تجد جوابًا.
وهذا كان أكثر ما جعل الأمر حقيقيًا. لأنها لو أرادت أن تخدع نفسها لوجدت الجواب بسهولة.
قبل أن تنزل من السيارة عند المحطة، أرسلت رسالة:
“هل اقتربت؟”
جاء الرد:
“اقتربت.”
ثم:
“وأنتِ؟”
نظرت إلى الكلمة. ابتسمت.
كتبت:
“أنا أيضًا.”
لم يكن يعرف ما تعنيه. لكنها كانت تعرف: كانت تعني أنها لم تعد تقف في مكانها القديم.

تباطأ القطار قبل أن يدخل الرصيف.
وقفت نورا بين الناس الذين ينتظرون القادمين، ولم تكن تعرف أين تنظر: إلى أبواب القطار؟ إلى شاشة الوصول؟ إلى الوجوه التي ستظهر واحدًا بعد آخر؟
شعرت أن يديها أصبحتا باردتين.
قالت في سرها: “اهدئي”.
لم يكن هناك ما يدعو إلى التوتر. لكن جسدها لم يقتنع.
بدأ الركاب ينزلون: رجل بحقيبة، وامرأة تدفع عربة، وشاب بسماعتين، وعائلة.
ثم رأته.
لم يكن يشبه تمامًا الصورة التي احتفظت بها في ذهنها. كان أكثر هدوءً من الخيال: حقيبة في يده، ومعطف داكن، وخطوات غير مستعجلة، ونظرة تبحث بين الوجوه.
عرفته قبل أن يرفع عينيه.
ولسبب لم تفهمه لم تلوّح له.
رفع رأسه.
التقت عيناه بعينيها.
توقف لحظة، كأن المسافة التي قطعاها في الأسابيع الماضية اختُصرت فجأة إلى بضعة أمتار. ابتسم. وابتسمت. وتقدمت.
— سامي؟
كان صوتها مختلفًا. ليس لأنها قالت شيئًا جديدًا، بل لأن الصوت الذي عرفه من الهاتف أصبح الآن صادرًا من امرأة تقف أمامه.
— نورا.
مدّت يدها.
مدّ يده.
تصافحا مصافحة قصيرة، لكنها لم تكن رسمية تمامًا.
— وصلت أخيرًا.
— نعم.
— هل أنت متعب؟
— قليلًا.
— هل أكلت؟
ضحك.
— كنت أعرف أنك ستسألين. أكلت شطيرة وتفاحة، تحت إشراف ثلاثة أشخاص.
— من الثلاثة؟
— أنتِ ورسالتك، ويوسف ورسالته، ومنبّه هاتفي.
ضحكت.
مدّت يدها إلى الحقيبة.
قال:
— هذه لي.
— أستطيع حملها.
— أعرف. لكنني أحمل حقيبتي، وأنتِ تحملين الطريق.
نظرت إليه لحظة.
— هذا تقسيم عادل.
— أبدأ بهذا. وبعد ذلك نتبادل.
— نتبادل؟
— في المرة القادمة، أنتِ تحملين حقيبتك. وأنا أحمل الطريق.
ابتسمت، ولم تعلّق.
خرجا من المحطة.
كانت فايسارن أمامه للمرة الأولى: الهواء أبرد قليلًا مما توقع، والمدينة تتحرك حولهما بسرعة لا علاقة لها باللحظة التي يعيشها. سيارات، وترام، ودراجات، وأشخاص يعبرون الشارع.
قالت نورا:
— ماذا كنت تتوقع من فايسارن؟
نظر حوله.
— لا أعرف.
— هذا ليس جوابًا.
— كنت أتوقع أن تكون مختلفة.
— وهل هي مختلفة؟
— الآن نعم.
لم تسأله لماذا. كانت تعرف.
في المرآب، وجد نفسه أمام سيارة رمادية هادئة، ولم يكن هناك سائق.
— أنتِ التي ستقودين؟
— نعم.
— توقعت سائقًا.
— لماذا؟
— لا أعرف. تخيلتُ أن شخصًا آخر سيفعل.
— أنا لا أحتاج إلى سائق طوال الوقت. كما أنني أردت أن آخذك بنفسي.
ركب إلى جوارها.
وبينما كانت تشير إلى معالم المدينة، كان سامي يراقب الطريقة التي تقود بها: هادئة، دقيقة، لا تنظر إلى الملاحة أكثر من مرة. عرف أن هذه المرأة تتحرك في مدينتها كما يتحرك الناس في بيوتهم.
وعرف أنه يحب ذلك.
قالت:
— هذا وسط المدينة. وهذا جزء من الجامعة.
— سأراك هناك كثيرًا؟
— إذا أردت.
— وهل تريدين؟
نظرت إليه، ثم أعادت عينيها إلى الطريق.
— لم أدعك إلى فايسارن لكي أختبئ منك.

وصلت السيارة إلى الفندق.
نظر سامي إلى المبنى: أنيق وهادئ، دون مظاهر مبالغ فيها.
دخل معها.
عرفها موظفو الاستقبال من أول نظرة. جاء رجل في الخمسينات، ببدلة رمادية وعينين لا ترى في المكان إلا العمل، وقال بصوت محايد:
— دكتورة نورا. مرحبًا.
— السيد فاغنر، هذا ضيفنا.
— أهلًا وسهلًا. الغرفة ٤١٢ كما طلبتِ. سأطلب من أحد الشباب أن يحمل الحقائب.
— لا حاجة، قال سامي. أحملها بنفسي.
لم يرفع فاغنر حاجبيه. كان من الذين يرون في الفندق مؤسسة، لا حكاية.
— كما تحب، سيدي.
وبينما كان يقلّب أوراق الحجز، قال سامي:
— لو سمحت، متى أدفع؟
نظر فاغنر إليه مباشرة.
— عند المغادرة، سيدي. كما يفعل كل النزلاء.
— بالسعر الاعتيادي؟
ألقت نورا نظرة إلى فاغنر، ثم إلى سامي، وفي وجهها ابتسامة تحاول ألا تصبح ضحكة.
— الفندق لا يفرّق بين نزلائه، سيدي، قال فاغنر بجدّية من لا يرى في السؤال شيئًا غريبًا.
في المصعد ساد صمت قصير.
قال سامي:
— أنتِ تعرفين المكان جيدًا.
— طبيعي.
— كأنك صاحبته.
توقفت لحظة.
ثم قالت ببساطة:
— لأنني كذلك.
— ماذا؟
— هذا الفندق من الفنادق التي ورثتها عن جدي لأمي.
بقي صامتًا. لم يكن هذا ما توقعه.
لاحظت دهشته.
— لا تنظر إليّ هكذا.
— كيف أنظر؟
— كأنني أخفيت عنك شيئًا.
— هل أخفيتِ؟
— لا. أنت لم تسأل.
كانت إجابة دقيقة.
قال:
— وهذه طريقتك في الدفاع عن نفسك؟
— ليست دفاعًا. كنت أريدك أن تعرفني أولًا.
صمت.
قال بعد لحظة:
— أنا أفهم هذا. ولهذا بالذات سأدفع.
— سامي…
— ليس عنادًا. أريد أن أعرفك أنتِ، لا أن أكون ضيفًا عند صاحبة فندق. ولا أن تكوني أنتِ ضيفة عندي بعد ذلك بشروط لا أملك مثلها.
فكرت.
لم تكن معتادة أن يقول لها أحد “لا” بهذا الهدوء.
ثم قالت:
— مئة وثمانون يورو الليلة.
— هذا أقل مما توقعت.
— أنت لا تعرف أسعار الفنادق.
— أعرف أنني لا أريد أن أعرف.
— حسنًا. تدفع. لكنني أدفع العشاء.
— اتفقنا. وغدًا أنا.
— نتبادل؟
— نتبادل.
ضحكت.
وحين فتحت باب الغرفة، لم تدخل. وقفت عند العتبة.
— ارتح قليلًا. نتناول الغداء بعد ساعة.
— نورا.
— نعم؟
— شكرًا لأنك قلتِ الحقيقة.
— وأنا سعيدة لأنك جئت.
خرجت.
وقف سامي في وسط الغرفة الواسعة، ينظر إلى المدينة من النافذة.
قال لنفسه:
“إذن هذه هي نورا”.
لكنه كان يعرف أن الجملة ناقصة. فالمرأة التي وقفت أمامه لم تكن فقط نورا التي عرفها على الهاتف. كانت نورا التي بدأت تدخل حياته من الواقع.

في المطعم، رفعت نورا عينيها عن الهاتف حين دخل.
— ارتحت؟
— نعم.
— كنت أخشى أن تنام كثيرًا.
— لماذا؟
— لأنني اشتقت إلى الحديث معك.
قالتها دون أن تفكر، ثم سكتت.
وسكت هو أيضًا.
كأن الجملة خرجت قبل أن تحصل على إذن.
قال بعد لحظة:
— وأنا أيضًا.
جلس أمامها. كانت بينهما طاولة صغيرة، وهذا أمر بسيط جدًا. ومع ذلك شعر كلاهما أن الطاولة تمثل شيئًا من المسافة القديمة.
اختار سامي طعامه بنفسه دون أن ينتظر أن يُقترح عليه شيء. لاحظت نورا ذلك ولم تعلّق.
بعد أن ابتعد النادل قالت:
— هل تعرف ما أغرب شيء؟
— ماذا؟
— أنني أعرف كيف تفكر في أشياء كثيرة، ولا أعرف ماذا تأكل في الغداء.
— هذه مشكلة كبيرة.
— جدًا. اسأل عني.
— ماذا تحبين؟
— الطعام؟
— نعم.
— البسيط. لكنني أتظاهر بأنني أحب الطعام المعقد أمام الشركاء.
— أنا أعرف هذا النوع من الشخصيات.
— وأنت؟
— الأرز والخضار. والدجاج أحيانًا.
— والحلويات؟
— أقل.
نظرت إليه.
— عرفت شيئًا مهمًا.
— ماذا؟
— أنك لست مثاليًا.
— كنتِ تظنين ذلك؟
— لا. لكنني كنت أحتاج إلى دليل.
ضحكا، وذاب من التوتر شيء.
أخرجت هاتفها لتريه صورة، وقالت:
— هذه ميري في أول يوم لها في المدرسة.
نظر إلى الصورة: طفلة تبتسم وعلى كتفها حقيبة أكبر منها، وعيناها واسعتان.
— جميلة.
— أعرف. لكن هل تعرف ما الذي يزعجني في الصورة؟
— ما هو؟
— أنني أعرف أنه أول يوم لها في المدرسة، لكنني لا أتذكر أي شيء آخر عن ذلك اليوم. ماذا أكلنا؟ من اتصل؟ ماذا قلت لها في الصباح؟ لا شيء. الصورة سرقت اليوم.
— سرقته؟
— هذا ما نقوله في مهنتنا. الصورة تميل إلى حفظ اللحظة التي التُقطت فيها، وتُضعف كل ما حولها. نتذكر الصورة أكثر مما نتذكر اليوم.
قال سامي:
— لدي صورة واحدة فقط ليوم عادي.
رفعت عينيها.
— وماذا فيها؟
— غداء.
— غداء عادي؟
— نعم.
سكت.
ولم يكمل.
لمحت نورا شيئًا في وجهه لم تكن قد رأته من قبل: ليس حزنًا بالضبط، بل شيئًا يشبه إغلاق باب برفق.
قالت:
— لا تحكها الآن.
— لم أكن سأفعل.
— أعرف. لكنني أردت أن أعفيك.
نظر إليها.
— أنتِ تعفينني كثيرًا. أخاف أن تعتادي أن تحميني.
— وأنت؟ هل تعتاد أن تُحمى؟
— لا.
— جيد. أنا لا أحب أن أحمي أحدًا. لكنها عادة الأمهات.
— لا أريد أن أكون ابنك.
— ولا أريد أن تكون.
ابتسمت.
— وأنت تعرف أنني لا أعفيك من الأسئلة. أعفيك فقط من الوقت الخطأ.
ابتسم أيضًا.
— هذا الفرق أستطيع أن أقبله.
وبقيت جملتها، “الوقت الخطأ”، معلقة بينهما كنافذة نصف مفتوحة.
بعد الغداء لم يستعجلا العودة إلى الفندق. اقترحت أن يمشيا قليلًا.
كان في المدينة ضوء شتوي منخفض يجعل واجهات المباني تبدو أطول.
قال سامي:
— لا تبدئي بالمدينة.
— بماذا؟
— أخبريني أنتِ عن المكان الذي تحبينه هنا.
— الجامعة.
— توقعت ذلك.
— لماذا؟
— لأنها تبدو جزءًا منك.
— أحبها جدًا. لكنها أخذت مني الكثير أيضًا: الوقت، والهدوء، وأحيانًا أشياء شخصية.
— هل تندمين؟
— لا. لكنني أحيانًا أسأل نفسي إن كنت قد عشت كما أريد أم كما ينبغي.
قال سامي:
— وماذا وجدتِ؟
— لم أجد بعد.
— وهل تبحثين؟
— ربما لهذا دعوتك.
توقف قليلًا.
— هل أنا جزء من البحث؟
— لا أعرف.
ثم تابعت السير.
لكنه لم ينس الجملة.

في المساء جلسا في صالة الفندق الهادئة. كانت الموسيقى خافتة، وطلبت قهوة وطلب شايًا.
قالت بعد قليل:
— هل تعرف ما الذي تغيّر؟
— ماذا؟
— عندما كنا نتحدث في الهاتف، كنت أستطيع أن أفكر في جواب قبل أن أقوله.
— والآن؟
— الآن أراك وأفكر في شيء آخر.
— ماذا؟
— في وجهك وأنت تستمع.
— هل هذا جيد؟
— لا أعرف.
— مرة أخرى “لا أعرف”.
— هذه الكلمة أصبحت مهمة في حياتي.
— ربما هي أهم كلمة في العلاقات.
— لماذا؟
— لأنها تعني أن الإنسان لم يحسم الآخر داخل ذهنه.
صمتت.
ثم قالت:
— وأنا لا أريد أن أحسمك.
— وأنا لا أريد أن أحسمك.
— إذن ماذا نفعل؟
— نعرف بعضنا.
رفعت فنجانها.
— ببطء؟
— ببطء.
بعد وقت طويل نظرت نورا إلى الساعة.
— يجب أن أذهب.
— ميري تنتظرك.
— نعم. لكنني قبل ذلك أريد أن أقول لك شيئًا: غدًا لدي ندوة في الجامعة. أريدك أن تراني في المكان الذي أكون فيه عندما لا أكون معك.
نظر إليها.
— سأكون سعيدًا.
عند الباب توقفت.
— سامي؟
— نعم؟
— اليوم كان مختلفًا عما تخيلت.
— أفضل أم أسوأ؟
— لا أريد أن أستخدم هذه الكلمات بعد. أريد أن أترك لنفسي فرصة أن أكتشف.
وخرجت.

في الصباح كانت السيارة الرمادية تنتظره أمام الفندق.
لم تكن نورا كما رآها بالأمس. ارتدت معطفًا بسيطًا وحملت حقيبة جلدية وملفات، وكانت أكثر تركيزًا، وإن لم تكن أقل دفئًا.
— صباح الخير.
— صباح الخير. هل نمت؟
— أقل مما ينبغي.
— وأنا كذلك.
وحين اقتربا من الجامعة، لاحظ سامي أن نورا تتغير تدريجيًا. الحديث الشخصي يتراجع، وحديث الندوة والطلاب والأوراق يحل محله.
قالت:
— لدي اليوم ندوة عن الأرشيفات المحروقة.
— ما معنى ذلك؟
— ما الذي تفعله مجتمعات فقدت سجلاتها؟ من يعيد كتابتها؟ وبأي حق؟
— هل تخافين أن أعارضك أمام الطلاب؟
نظرت إليه وضحكت.
— كنت أخشى العكس.
— ماذا تعنين؟
— أن أجدك متفقًا معي في كل شيء.
— هذا مستحيل.
— جيد.
دخل الجامعة إلى جانبها.
كان الطلاب يعرفونها. يلقون التحية، وبعضهم يبتسم، وبعضهم يسألها سؤالًا سريعًا. وكانت تجيب دون أن تتوقف طويلًا، ودون أن ترفع صوتها.
قال في نفسه:
“هذه هي نورا التي لم أعرفها”.
في القاعة جلست في المقدمة، وجلس هو في الخلف. لم تقدمه للطلاب. كان ذلك مقصودًا.
جلست إلى جواره شابة بشعر أسود قصير، تحمل حاسوبًا وقهوة، ونظرت إليه نظرة مباشرة.
— أنت لست من الجامعة.
— لا.
— أنا ليلى. أعمل مع الدكتورة نورا.
— أهلًا.
اقتربت قليلًا وخفضت صوتها:
— أنت صاحب “متحف الأيام المفقودة”، أليس كذلك؟
رفع حاجبيه.
— كيف عرفتِ؟
— وجهك على موقعك. والدكتورة تقرأ فصولك منذ أسابيع، ولا تقول ذلك أبدًا، ولا تغلق الحاسوب حين أدخل.
— هل هذه تهمة؟
— لا. هذا دليل.
كتمت ضحكتها بيدها.
— قالت إنه “مزعج”.
— هي قالت ذلك؟
— بحماس لا يليق بمن يقول “مزعج”.
لم يعلّق سامي. لكن شيئًا ما ابتسم في داخله.
بدأت الندوة.
قدّم أحد الطلاب، يوناس، حالة قرية صغيرة احترقت كنيستها عام ١٩٤٥ بكل سجلات المواليد والوفيات والزواج فيها. وبعد عشرات السنين قرر الأحفاد أن يعيدوا كتابة السجل من ذاكرة الكبار. اختلفوا على التواريخ وعلى الأسماء، واختلفوا أكثر على من يحق له أن يقرر.
كان في القاعة أستاذ آخر، رجل ستيني بلحية بيضاء مشذبة، جلس عند الطرف يدوّن بلا صوت. قدّمه يوناس: “البروفيسور هنريك، ضيف الندوة”.
قال هنريك دون أن يرفع رأسه عن دفتره:
— سؤالي صريح. ما الحاجة إلى إعادة بناء سجل احترق؟ ما أُعيد ليس سجلًا، بل رواية. والأرشيف الذي يُبنى من الذاكرة المستعادة هو مقبرة بنظام فهرسة.
ضحك بعض الطلاب.
ردّت نورا بهدوء:
— لا أحد يطلب منك أن تسمي الفهرس حقيقة. نحن نسأل: ماذا يحدث لجماعة تحيا دون سجل؟
— تحيا.
— هل تحيا؟ أم تبقى؟
— لا أرى فرقًا.
— الفرق أن من يبقى لا يعرف من أين جاء.
— وهل هذا ضروري؟
— أظن أنه ضروري لمن يريد أن يعرف إلى أين يذهب.
— هذا شعار.
— هذا اعتراض بشكل شعار. أحب أن أسمعه.
ضحك الطلاب مرة أخرى.
قال هنريك، وقد رفع عينيه هذه المرة نحو الخلف:
— ويبدو لي أن الزائر في آخر القاعة يريد أن يقول شيئًا. لا أحد يجلس في الصف الأخير مجانًا.
التفت الجميع.
جمد سامي لحظة.
نظر إلى نورا.
لم تكن قد خططت لهذا. رأى ذلك من ارتباكها الخفيف. لكنها لم تحاول أن تنقذه. رفعت حاجبها فقط، ونظرت إليه كأنها تقول: “الكلمة لك”.
قال:
— لا أريد أن أفسد ندوتكم.
— لن تفسدها، قالت نورا. تفضّل.
وقف سامي، ثم فكر أن الوقوف مبالغة، فجلس.
— أنا لا أعرف شيئًا عن هذه القرية. لكنني سأقول ما أعرفه عن الناس.
— هذا كافٍ، قال هنريك.
— عندما تسأل الناس عن جدتهم التي ماتت، لا يذكرون تاريخ وفاتها. يذكرون أنها كانت تدندن وهي تعجن. والسجل، مهما احترق، يحفظ الاسم والتاريخ. أما الناس فيحفظون الصوت.
— ولا يصلح الصوت دليلًا أمام المحكمة، قال هنريك.
— ولا يصلح الأرشيف عزاءً في المطبخ.
انفجرت القاعة ضاحكة.
ابتسم هنريك للمرة الأولى، وهزّ رأسه بحركة رجل خسر جولة ولم يتضايق.
لكن نورا لم تبتسم.
قالت:
— لكنك تخلط بين حاجتين يا سامي: الحقيقة والعزاء. وأنا أشرح لطلابي منذ سنوات ألا يخلطوا بينهما.
لاحظ الطلاب أنها نادته باسمه دون لقب. لكنها لم تنتبه.
— لا أخلط، قال. أقول إن المجتمع يحتاج إلى الاثنين، وإن أحدهما لا ينوب عن الآخر.
— هذا ما أقوله في الفصل الثالث من كتابي.
— إذن ما الخلاف؟
— أنك قلته في جملتين، وأنا أحتاج إلى ثلاثمئة صفحة.
ضجّ الطلاب مرة أخرى، وحتى هنريك رفع كوب قهوته بحركة ساخرة.
وهكذا انتقلت المناقشة من الطرف إلى الطرف، وشارك فيها سامي بضع جمل أخرى، وردّت نورا على كل جملة منها، لا بحدة بل بدقة، ولا بمجاملة بل بمحبة خفية لم يكن الطلاب أنفسهم يعرفون كيف يسمونها.
وحين انتهت الندوة، اقتربت ليلى منها وهي تحمل أوراقها وقالت بصوت واضح:
— دكتورة، هل كنتما تعرفان بعضكما من قبل؟
توقفت نورا لحظة.
لم تكن الجملة تحتاج إلى إجابة معقدة. لكنها احمرّت قليلًا، ولم تجد الكلمة.
قال سامي من خلفها بصوت هادئ:
— تبادلنا رسائل حول فصل من فصولي. هذا كل ما في الأمر.
أومأت ليلى بابتسامة لا تصدق شيئًا.
وخرج الطلاب.
في الممر، سارت نورا في صمت بضع خطوات، ثم قالت:
— شكرًا.
— على ماذا؟
— على جملتك.
— لم أكن أنقذك. قلت الحقيقة التي تناسب الموقف.
— هذا هو الإنقاذ بعينه.
— حسنًا.
— وأرجو ألا تفعل ذلك مرة أخرى.
— كنتِ ترتبكين.
— كنت أرتبك، نعم. وكنت سأنهي الجملة بنفسي.
— متى؟
— بعد خمس ثوانٍ.
— لم أستطع الانتظار خمس ثوانٍ.
توقفت.
نظرت إليه.
— هذه أصدق جملة قلتها اليوم.
— وهل أنتِ غاضبة؟
— لا. لكنني لست معتادة على أن يسبقني أحد إلى جملتي.
— وأنا لست معتادًا على أن يطلب مني أحد الكلام أمام ثلاثين طالبًا.
— كنت رائعًا.
— كنتِ رائعة أيضًا. وأنتِ لم تنقذيني.
— لا.
— هذا أيضًا صدق.
ضحكت.
— إذن نحن متعادلان: أنت أنقذتني، وأنا لم أنقذك.
— في المرة القادمة اسبقيني أنتِ.
— أعدك.

عند الظهر دخلا مكتبها.
كان المكان مرتبًا: كتب كثيرة، وأوراق، وصور قليلة. وفي زاوية على الرف صورة لميري تضحك على شاطئ، وبجانبها صورة أخرى صغيرة لرجل في الأربعينات يرتدي قميصًا أزرق ويبتسم كأنه يعرف أن أحدًا سيلتقط له صورة ثم يتظاهر بأنه لا يهتم.
اقترب سامي.
— هذا فيليكس؟
— نعم.
— يبدو ودودًا.
— كان كذلك.
سكتت.
ثم قالت:
— كان يحب أن يلتقط الصور لميري. وأنا كنت أحب أن أحتفظ بها. هذا تقسيم عملنا.
لم يعلّق سامي.
وحين وضعت أمامه فنجان القهوة، قالت:
— هل يمكن أن أطلب منك شيئًا؟
— ماذا؟
— أريد أن آخذك إلى مكان. ليس مكانًا سياحيًا.
— هل هو المكان الذي كنتِ تقولين إنك تحبينه؟
— شيء من هذا.

قادت نورا السيارة بعيدًا عن وسط المدينة.
لم تسلك طريق الزوار. كانت تعرف الشوارع الصغيرة، وكانت تقود بلا كلام، وقد بدت لأول مرة أقل تحكمًا مما كانت في السيارة أمس.
توقفت قرب مساحة خضراء هادئة.
أشجار عارية تقريبًا، وممر طويل من الحصى الرمادي، ومقاعد متباعدة، وبعيدًا قليلًا مقهى صغير بواجهة زجاجية.
قالت:
— أحب هذا المكان.
نظر حوله.
— لماذا؟
— لأنني أستطيع أن أكون فيه وحدي دون أن أشعر أنني وحيدة.
— فرق كبير.
— جدًا.
مشيا ببطء على الممر.
كان الصمت بينهما مريحًا، لكن سامي لاحظ أن نورا تنظر إلى الممر بطريقة مختلفة. لا كما تنظر إلى مكان تحبه، بل كما تنظر إلى شيء تحاول أن تعتاده.
قالت فجأة:
— كان فيليكس يركض هنا كل صباح.
لم يقل شيئًا.
— في هذا الممر تحديدًا.
توقفت.
— وقع هنا، قبل ثلاث سنوات، قبل أن تفتح المقاهي. قلبه توقف. مرّ رجل عجوز يتمشى مع كلبه، ورآه، فاتصل بالإسعاف. لم يكن هناك ما يمكن فعله.
قال سامي:
— كم كانت ميري؟
— أربع سنوات.
— وأنتِ؟
— لم أعد أذكر ما كنته في ذلك الأسبوع. أذكر فقط أنني وقفت في المطبخ، وأنني لم أكن أعرف أين أضع قدحًا.
جلست على مقعد قريب.
جلس إلى جانبها، وترك مسافة صغيرة بينهما.
قالت:
— أتيت إلى هنا بعد ذلك بأشهر. لم أستطع أن أقترب من الممر. جلست في المقهى ونظرت إليه من وراء الزجاج. ثم بعد سنة مشيت عليه ذهابًا وإيابًا. والآن أمشي فيه كل أسبوع.
— هل يخفف ذلك؟
— لا. لكنه يعلمني أن أتحمل.
ثم قالت، وكأنها تتابع فكرة توقفت في منتصفها:
— هل تذكر أنك سألتني في أول مكالمة عن ذاكرتي أنا؟
— نعم.
— هذا هو الجواب. أعرف لون قميصه ذلك الصباح: أزرق. أعرف أنه ترك الباب مفتوحًا. أعرف أنني كنت أبحث عن أوراق لاجتماع. لكنني لا أعرف ما قلناه.
سكتت لحظة.
— قلت له شيئًا. أنا متأكدة أنني قلت له شيئًا. ربما عن الجرس، ربما عن ميري. لا أعرف. ثلاث سنوات وأنا أدرّس كيف تُبنى الذاكرة، وأعجز عن أن أستعيد آخر جملة قلتها لرجل أحببته.
لم يجب سامي في الحال.
ثم قال بهدوء:
— وهذا هو الجواب على سؤالك عن النجمة.
— أي جواب؟
— أن الأشياء الكبيرة تُحفظ. أما ما نخسره فعلًا فهو الأيام العادية.
نظرت إليه.
قال:
— ولهذا كتبت المتحف.
— كيف؟
— سامر يبحث عن يوم واحد. لكنني كنت أبحث في الحقيقة عن كل الأيام العادية.
ساد صمت.
وكانت الريح تحرك بقايا أوراق على الممر، وأبواب المقهى تُفتح ثم تُغلق.
قالت نورا أخيرًا، بصوت منخفض:
— لن أسألك إذا لم تشأ.
— أعرف.
— لكنني أعرف أن هذا المكان يجعل الناس يتكلمون. وأنا…
توقفت.
— أنا لا أريد أن أعرفك بنصفك فقط.
نظر سامي إلى الممر الرمادي أمامه.
كان قد قال ليوسف: “عندما أقرر أنا”.
ولم يكن يعرف أن القرار سيأتي هنا، على مقعد بارد، أمام ممر ركض فيه رجل لم يعرفه.
قال:
— أريد أن أقول لك.
— ليس لأنني قلت لك؟
— لا. ليس لأنك قلتِ لي، ولا لأنني أشعر بأنني مدين لك. لأنني اخترت.
— حسنًا.
أخذ نفسًا طويلًا.
— كنت أعيش في دمشق، في بيت العائلة القديم، مع أبي وأمي، وأخي الأكبر نبيل وزوجته هالة وابنتهما لينا، وأختي الصغرى ريم. كان بيتًا كبيرًا وضيقًا في الوقت نفسه. لم نكن نغلق فيه بابًا إلا للنوم.
لم تقل شيئًا.
— كنت أكتب. وأتكلم. وأقول ما أفكر فيه في مجالس لم يكن ينبغي أن أقوله فيها. اعتقلوني ثلاث مرات. في كل مرة خرجت، بالحيلة أو بالحظ أو بأصدقاء لن أذكر أسماءهم. وفي المرة الأخيرة كتب أحدهم تقريرًا.
— من؟
— لا أعرف. لن أعرف أبدًا.
— ماذا كان فيه؟
— أنني “العقل المدبر”. هذه هي العبارة. كنا نخطط لمسيرة بسيطة: أناس يمشون ويحملون أوراقًا بيضاء. لكنهم لم يكونوا يفهمون كيف يمكن لمسيرة بلا شعارات أن تخيف أحدًا. فقرروا أن أحدًا يقودها من خلف الستار.
توقف.
— بعد التقرير جاءوا إلى البيت مرتين. في الأولى فتشوا كل شيء. وفي الثانية أخذوا أبي ساعات ثم أعادوه. فتركت البيت. كنت أنام في ورشة صديق لي، في حي آخر. أحد عشر يومًا.
— ألم يعلموا؟
— كنت أظن أنهم لا يعلمون. كنت أتصل بأمي كل ليلة من هاتف مختلف. أسألها عن الجميع، وتسألني هل أكلت.
نظرت نورا إليه.
لم تقل شيئًا، لكن شيئًا تحرك في وجهها.
قال:
— في الليلة الأخيرة كنت مستعجلًا. كان الخط غير آمن. قلت لها: “تمام يا أمي، سأغلق”. وأغلقت.
سكت طويلًا.
— لا أذكر ما قالته بعد ذلك. لا أذكر إن كانت قالت شيئًا. لا أذكر هل قلت لها “سلامتك”، أم أغلقت فقط.
لم تتحرك نورا.
— في الفجر جاءوا. لم يجدوني. فأخذوا البيت.
قالها بصوت مسطح، كأن الجملة تعبت من كثرة ما تكررت داخله.
— فجّروه. بمن فيه. لم يبق منه ما يُسمّى بيتًا.
جاءت ريح صغيرة على الممر. ثم هدأت.
— علمت في الصباح من يوسف. كان قد رأى الدخان من بعيد. وحين أردتُ أن أعود، أمسك بي وقال إنهم ينتظرونني هناك. ولو ذهبت فسأصبح سابعًا.
لم تسأل نورا عمّا تعنيه كلمة “سابعًا”. كانت قد فهمتها.
قال بعد لحظة:
— أنا أذكر كل ما حدث بعد ذلك بدقة مؤلمة. الأيام الأولى، الطريق، الحدود. لكنني لا أذكر آخر غداء. لا أذكر آخر يوم عادي. ولذلك أحمل هذه الصورة.
أخرج المحفظة، وأخرج الصورة، ومدّها إليها.
نظرت إليها طويلًا.
مائدة غداء، وأمّ تمد صحنًا، وطفلة تحاول اختطاف خبز، وفتاة تضحك بنصف فمها، ومقعد فارغ في الطرف.
قالت بصوت يكاد لا يُسمع:
— هذا مقعدك.
— نعم.
— ولماذا كان فارغًا؟
— لأنني كنت أتأخر دائمًا.
مرّت لحظة كاملة.
ثم سألت نورا سؤالًا لم يتوقعه.
لم تقل “آسفة”. ولم تقل “كم هذا فظيع”. ولم تلمسه.
قالت:
— ما أسماؤهم؟
رفع عينيه.
— ماذا؟
— أريد أن أعرف أسماءهم كلها. كما كانوا يُنادَون في البيت.
أدرك سامي أنه لم ينطق هذه الأسماء بصوت عال منذ سنوات. كان يكتبها أحيانًا. ويقولها لنفسه أحيانًا. لكنه لم يقلها لأحد.
قال:
— أبي، عدنان.
— عدنان، ردّدت.
— أمي، سعاد.
— سعاد.
— أخي نبيل.
— نبيل.
— وزوجته هالة.
— هالة.
— ولينا. لينا كان عمرها ست سنوات.
سكتت نورا لحظة. ثم قالت بصوت أخفض من كل ما قالت:
— لينا.
— وأختي ريم. كانت في السنة الثانية في الجامعة.
— ريم.
ستة أسماء.
قالتها نورا واحدًا بعد واحد، ببطء، كأنها تفتح ستة أدراج صغيرة، وتترك كل درج مفتوحًا بعد أن تضع فيه اسمًا.
ثم قالت:
— الآن هم في مكان آخر غير ذلك اليوم.
لم يقل شيئًا.
كانت دموعه قد بدأت تسيل، بلا صوت وبلا حركة، كما يسيل ماء من جدار قديم بعد سنوات من الحبس.
لم تحاول أن تمسحها.
ولم تحاول أن تخفف عنه.
جلست إلى جواره بلا كلام، وأبقت المسافة الصغيرة بينهما كما كانت.
بعد دقائق قال:
— لا تنظري إليّ بشفقة.
— لم أفعل.
— كيف تنظرين إذن؟
— كما أنظر إلى أرشيف انفتح أخيرًا.
ضحك ضحكة قصيرة مبحوحة، وسط الدموع، كأن هذه العبارة بالذات كانت الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يحتمله.
— هذه أسوأ عبارة عزاء سمعتها في حياتي.
— وأصدقها.
— وأصدقها، نعم.
مسح وجهه بكفه.
ثم قال:
— هناك شيء آخر أريدك أن تعرفيه.
— قل.
— كل مرة تسألينني “هل أكلت؟”… أسمع أمي.
توقفت نورا عن التنفس لحظة.
— لم أكن أعرف.
— أعرف. ولهذا لم أقل لك.
— هل تريدني أن أتوقف؟
— لا.
— هل أنت متأكد؟
— اسأليني. لكن اعلمي أن الجواب أحيانًا لها.
نظرت إلى يديها.
— حسنًا.
سكتا.
ثم قالت:
— وأنا أيضًا أريدك أن تعرف شيئًا.
— ماذا؟
— أنني أخاف أن أفقد أحدًا مرة أخرى.
— وأنا أخاف أن أنجو وحدي مرة أخرى.
لم يكن بينهما وعد. ولا كلمة حب. ولا حتى لمسة.
لكن نورا، بعد ثوانٍ، مدّت يدها إلى المسافة الصغيرة التي بينهما، ثم وضعتها على المقعد بجانب يده. لم تمسكها. تركتها هناك، قريبة، مثل باب يُترك موارَبًا.
فأمسك سامي يدها.
وبقيا كذلك، ينظران إلى الممر الرمادي، وإلى المقهى، وإلى المكان الذي ركض فيه رجل ولم يعد.
كان الضوء يميل.
وكان في الهواء شيء من رائحة الشتاء الأول.

عاد إلى الفندق قبل السابعة.
لم يجلس أمام النافذة.
جلس على حافة السرير، وأخرج الصورة، ووضعها على المنضدة، ثم وضع بجانبها هاتفه.
كان اسمها يضيء على الشاشة.
— هل عدت؟
— نعم.
— هل أنت بخير؟
— لا أعرف.
— هل تريد أن أبقى على الخط؟
— لا. أريد أن أنام. أظن.
— حسنًا. لن أسألك هل أكلت.
ضحك بصوت خفيف.
— اسأليني.
— هل أكلت؟
— لا.
— هل تريد أن نتناول شيئًا؟ ميري تنام في التاسعة، ويمكنني أن آتي.
— أريد أن أبقى قليلًا وحدي.
— وأنا أيضًا.
كان في صوتها شيء جديد: ليس التردد الذي كان في الأسابيع الأولى، ولا الحماسة التي كان يسمعها حين تجادله. شيء أعمق وأقل حاجة إلى الكلام.
قالت:
— سامي.
— نعم.
— شكرًا على الأسماء.
— شكرًا لأنك سألتِ.
— غدًا ميري تريد أن تراك.
— أعرف. قلتِ لي.
— أنت لست ملزمًا.
— أريد.
— سأخبرها.
سكتت.
ثم قالت:
— تصبح على خير.
— وأنتِ من أهله.
وحين انقطع الخط، بقي سامي جالسًا، ينظر إلى الصورة على المنضدة.
مائدة، وأمّ تمد صحنًا، وطفلة تختلس خبزًا، ومقعد فارغ.
للمرة الأولى منذ سنوات لم يشعر أن المقعد الفارغ يتهمه.
شعر أنه ينتظر.
وأن أحدًا، في مدينة بعيدة عن دمشق وعن بارغافن، قد وضع لتوّه ستة أسماء في مكان آمن.
لم يكن هذا شفاءً.
لكنه، على الأرجح، كان أول درج في المتحف الحقيقي ينفتح دون أن يخاف أحد.


لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ 02


لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ (رواية)