مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ: الفَيْلَسُوفَةُ الشَّابَّةُ – سيئول، ٢٠٢٤م — «هَلِ الذَّاكِرَةُ الرَّقْمِيَّةُ ذَاكِرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؟»
________________________________________
كانَتِ القاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي هَذَا المِحْوَرِ تَختَلِفُ عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهَا اخْتِلافاً جَوْهَرِيَّاً عَمِيقاً.
لَمْ تَكُنْ فِيهَا جُدْرَانٌ مُزَيَّنَةٌ بِاللَّوْحَاتِ الزَّيْتِيَّةِ، وَلا رُفُوفٌ مُثْقَلَةٌ بِالمُجَلَّدَاتِ الصَّفْرَاءِ، وَلا ذَلِكَ العِطْرُ الخَاصُّ الَّذِي تَفُوحُ بِهِ الأَمَاكِنُ الَّتِي تَرَاكَمَتْ فِيهَا السِّنُونَ فَوْقَ السِّنِينَ. كانَتِ القاعَةُ حَدِيثَةً بِامْتِيَازٍ: جُدْرَانٌ بَيْضَاءُ نَاصِعَةٌ، وَإِضَاءَةٌ بَارِدَةٌ خَافِتَةٌ، وَشَاشَاتٌ رَقْمِيَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَمْلأُ كُلَّ جِهَةٍ، تَعْرِضُ صُوَرَاً وَمَقَاطِعَ مُتَغَيِّرَةً بِلا انْقِطَاعٍ، كَأَنَّهَا تَنْبُضُ نَبْضَ حَيٍّ لا يَنَامُ.
جَلَسَتْ فِي زَاوِيَةِ القاعَةِ فَتَاةٌ فِي الرَّابِعَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهَا، تَرْتَدِي مَلابِسَ عَصْرِيَّةً بَسِيطَةً، وَهَاتِفُهَا مَوْضُوعٌ بِجَانِبِهَا عَلى الطَّاوِلَةِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي كانَ سَامِرٌ يَتَوَقَّعُهُ. كانَتْ تُدَوِّنُ بِقَلَمٍ حَقِيقِيٍّ عَلى دَفْتَرٍ وَرَقِيٍّ حَقِيقِيٍّ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ مَشْهَداً لافِتَاً فِي غُرْفَةٍ مُحَاطَةٍ بِكُلِّ هَذَا التَّوَهُّجِ الرَّقْمِيِّ الصَّاخِبِ.
تَوَقَّفَتْ عَنِ الكِتَابَةِ حِينَ لاحَظَتْ سَامِرَ يَقِفُ عِنْدَ العَتَبَةِ، فَأَدَارَتْ نَحْوَهُ وَجْهَاً مَرِحاً تَسْكُنُهُ ابْتِسَامَةٌ سَرِيعَةٌ:
ـ مَرْحَبَاً! أَنْتَ تَبْدُو مِنْ زَمَنٍ بِلا هَوَاتِفَ ذَكِيَّةٍ تَقْرِيبَاً، بِنَاءً عَلى مَلابِسِكَ!
ابْتَسَمَ سَامِرٌ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ نَحْوَهَا:
ـ أَنَا سَامِرٌ. وَزَمَنِي لَدَيْهِ هَوَاتِفُ ذَكِيَّةٌ فِعْلاً، غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّ أَنَّ مَلابِسَنَا قَدْ تَبْدُو لَكِ بَالِيَةً بَعْضَ الشَّيْءِ.
ضَحِكَتِ الفَتَاةُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً طَيِّبَةً، ثُمَّ أَشَارَتْ إِلَى الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ لَهَا:
ـ أَنَا بَاحِثَةٌ فِي الفَلْسَفَةِ الرَّقْمِيَّةِ. أَدْرُسُ كَيْفَ تُغَيِّرُ التِّكْنُولُوجِيَا فَهْمَنَا لِمَفَاهِيمَ أَسَاسِيَّةٍ عَمِيقَةٍ كَالذَّاكِرَةِ، وَالهَوِيَّةِ، وَحَتَّى الوُجُودِ نَفْسِهِ.
جَلَسَ سَامِرٌ وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ هَذَا مَجَالٌ يَبْدُو مُثِيرَاً بِحَقٍّ. أَخْبِرِينِي، هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ الرَّقْمِيَّةَ، بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ صُوَرٍ مَحْفُوظَةٍ وَمَقَاطِعَ مُسَجَّلَةٍ وَمَنْشُورَاتٍ عَلى الشَّبَكَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، تُعَدُّ ذَاكِرَةً حَقِيقِيَّةً بِالمَعْنى ذَاتِهِ الَّذِي تَحْمِلُهُ ذَاكِرَتُنَا الدَّاخِلِيَّةُ الحَيَّةُ؟
وَضَعَتِ القَلَمَ جَانِبَاً، وَصَمَتَتْ لِحَظَاتٍ طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا لا تَجِيبُ بِما حَضَرَ، بَلْ تُفَتِّشُ عَنِ الإِجَابَةِ الصَّحِيحَةِ فِي مَكَانٍ أَعْمَقَ مِنَ السَّطْحِ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَبْدُو عِنْدَ الوَهْلَةِ الأُولى. مِنْ نَاحِيَةٍ، الذَّاكِرَةُ الرَّقْمِيَّةُ تَبْدُو أَكْثَرَ دِقَّةً وَأَكْثَرَ مُوثُوقِيَّةً مِنَ الذَّاكِرَةِ البَشَرِيَّةِ المُتَقَلِّبَةِ، تِلْكَ الذَّاكِرَةِ الَّتِي تَحَدَّثَكَ عَنْهَا عَلى الأَرْجَحِ فَيْلَسُوفٌ سَبَقَ أَنْ قَابَلْتَهُ اسْمُهُ هِيرَاقْلِيطُسُ، إِنْ صَحَّ ظَنِّي.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ صَادِقَةٍ وَابْتَسَمَ:
ـ نَعَمْ، بِالضَّبْطِ، قَابَلْتُهُ فِعْلاً.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا كَمَنْ يُؤَكِّدُ تَوَقُّعَاً كَانَ يَسْكُنُ ذِهْنَهَا:
ـ ذَكَرْتُهُ لِأَنَّ المُفَارَقَةَ هُنَا مُثِيرَةٌ لِلتَّأَمُّلِ فِعْلاً. الصُّورَةُ الرَّقْمِيَّةُ لا تَتَغَيَّرُ مَعَ الوَقْتِ، خِلافَاً لِصُورَتِنَا الذِّهْنِيَّةِ الَّتِي لا تَكَادُ تَثْبُتُ عَلى حَالٍ. لَكِنَّ الصُّورَةَ الرَّقْمِيَّةَ، وَبِطَرِيقَةٍ عَمِيقَةٍ لا تَلْفِتُ الانْتِبَاهَ لِلْوَهْلَةِ الأُولى، أَفْقَرُ بِكَثِيرٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ البَشَرِيَّةِ الحَيَّةِ. الصُّورَةُ تَلْتَقِطُ لَحْظَةً وَاحِدَةً جَامِدَةً وَمُجَمَّدَةً خَارِجَ الزَّمَنِ، بَيْنَمَا ذَاكِرَتُكَ الدَّاخِلِيَّةُ، حَتَّى حِينَ لا تَكُونُ دَقِيقَةً تَمَاماً، تَحْمِلُ مَعَهَا مَشَاعِرَ وَرَوَائِحَ وَأَصْوَاتَاً وَسِيَاقَاتٍ إِنْسَانِيَّةً كَامِلَةً مُحِيطَةً بِتِلْكَ اللَّحْظَةِ. تُخَيِّلْ مَثَلاً أَنَّكَ تَتَذَكَّرُ حَفْلَةَ عِيدِ مِيلادٍ مِنْ طُفُولَتِكَ: ذَاكِرَتُكَ لَنْ تُعِيدَ إِلَيْكَ صُورَةً طَابِعِيَّةً دَقِيقَةً لِوُجُوهِ الحَاضِرِينَ، لَكِنَّهَا سَتُعِيدُ إِلَيْكَ رَائِحَةَ الشُّوكُولاطَةِ عَلى الكَعْكَةِ، وَدِفْءَ الغُرْفَةِ المُكْتَظَّةِ، وَضَحِكَةَ أُمِّكَ وَهِيَ تُطْفِئُ الشُّمُوعَ، وَشَعُورَاً بِالسَّعَادَةِ لا يَقْدِرُ مُعَالِجُ صُوَرٍ رَقْمِيٌّ عَلى حَسَابِهِ أَوِ اخْتِزَالِهِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَهْتَزُّ فِي دَاخِلِهِ عِنْدَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، كَمَنْ يُرَى فِي مِرْآةٍ كانَ قَدِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ:
ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الذَّاكِرَةَ الرَّقْمِيَّةَ أَكْثَرُ دِقَّةً مِنْ نَاحِيَةٍ، لَكِنَّهَا أَفْقَرُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرى؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَمَاسٍ وَاضِحٍ:
ـ بِالضَّبْطِ، هَذَا هُوَ التَّنَاقُضُ المُثِيرُ الَّذِي أَكْرِسُ لَهُ بَحْثِي. لَكِنَّ ثَمَّةَ سُؤَالاً أَعْمَقَ يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ: هَلْ امْتِلاكُنَا لِكُلِّ هَذِهِ الذَّاكِرَةِ الرَّقْمِيَّةِ الخَارِجِيَّةِ بِكَمِّيَّاتٍ هَائِلَةٍ، يَجْعَلُنَا فِي الحَقِيقَةِ أَقَلَّ قُدْرَةً عَلى تَطْوِيرِ ذَاكِرَتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا؟ يُشْبِهُ الأَمْرُ تَمَاماً ما يَحْدُثُ لِشَخْصٍ يَعْتَمِدُ عَلى سَيَّارَتِهِ فِي كُلِّ تَنَقُّلٍ مَهْمَا كانَ قَصِيرَاً: بَعْدَ سَنَوَاتٍ، تَجِدُهُ عَاجِزَاً عَنِ المَشْيِ لِمَسَافَاتٍ كانَتْ يَوْمَاً أَمْرَاً عَادِيَاً. ذَاكِرَتُنَا الدَّاخِلِيَّةُ عَضَلَةٌ كَسَائِرِ العَضَلاتِ: إِنْ لَمْ نُمَرِّنْهَا، ضَعُفَتْ وَضَمُرَتْ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَيْهَا بِتَأَمُّلٍ:
ـ فِي زَمَنِي، نُوَثِّقُ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبَاً بِالصُّوَرِ وَالمَقَاطِعِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْتُ يَوْمَاً كَامِلاً مِنْ ذَاكِرَتِي، دُونَ أَيِّ تَوْثِيقٍ رَقْمِيٍّ لَهُ عَلى الإِطْلاقِ.
تَوَقَّفَتِ الفَتَاةُ تَمَاماً. وَضَعَتِ القَلَمَ عَلى الطَّاوِلَةِ بِبُطْءٍ، ونَظَرَتْ إِلَيْهِ بِفُضُولٍ شَدِيدٍ تَشُوبُهُ جِدِّيَّةٌ بَحْثِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ:
ـ هَذَا مُثِيرٌ جِدَّاً. أَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ صُوَرٍ أَوْ وَثَائِقَ رَقْمِيَّةٍ لِذَلِكَ اليَوْمِ بِالذَّاتِ؟ هَذَا أَمْرٌ غَرِيبٌ جِدَّاً فِي زَمَنِكُمْ، بِحَسَبِ مَا أَعْلَمُهُ عَنْهُ.
هَزَّ سَامِرٌ رَأْسَهُ بِحَسْرَةٍ خَفِيَّةٍ:
ـ لا. بَحَثْتُ كَثِيرَاً، وَلَمْ أَعْثُرْ عَلى شَيْءٍ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ بِالذَّاتِ قَدِ اخْتَفَى مِنْ كُلِّ سِجِلٍّ، دَاخِلِيٍّ وَخَارِجِيٍّ مَعَاً.
غَرِقَتِ الفَتَاةُ فِي صَمْتٍ طَوِيلٍ، نَظَرَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَتَشَكَّلُ فِي عَيْنَيْهَا الشَّابَّتَيْنِ شَيْئَاً فَشَيْئَاً، كَأَنَّ فِكْرَةً كانَتْ تَنْتَظِرُ الفُرْصَةَ المُنَاسِبَةَ لِتَخْرُجَ إِلَى النُّورِ:
ـ هَذَا يَطْرَحُ سُؤَالاً لَمْ أَتَوَقَّعْ أَنْ أَطْرَحَهُ اليَوْمَ: هَلْ غِيَابُ أَيِّ أَثَرٍ رَقْمِيٍّ، فِي زَمَنٍ مُفْرِطٍ فِي التَّوْثِيقِ كَزَمَنِكَ، يَحْمِلُ دَلالَةً خَاصَّةً بِحَدِّ ذَاتِهَا؟ رُبَّمَا عَدَمُ وُجُودِ أَيِّ صُورَةٍ أَوْ مَنْشُورٍ أَوْ رِسَالَةٍ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْدِيدَاً لَيْسَ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ إِشَارَةٌ تَسْتَحِقُّ تَأَمُّلاً حَقِيقِيَّاً.
توَقَّفَتْ لِتَنْظُرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَكْمَلَتْ:
ـ فِي زَمَنِكُمْ، حَيْثُ يُوَثِّقُ النَّاسُ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبَاً، الغِيَابُ التَّامُّ لِلتَّوْثِيقِ قَدْ يَعْنِي أَنَّكَ كُنْتَ تَمُرُّ بِحَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ: عُزْلَةٌ قَاسِيَةٌ، أَزْمَةٌ مُحْتَقَنَةٌ، أَوْ حَتَّى قَرَارٌ وَاعٍ وَصَرِيحٌ بِعَدَمِ التَّوْثِيقِ، لِسَبَبٍ مَا، فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بِالذَّاتِ. هَذَا الغِيَابُ نَفْسُهُ قَدْ يَكُونُ «أَثَرَاً» يَسْتَحِقُّ التَّحْقِيقَ الدَّقِيقَ، لا مُجَرَّدَ فَرَاغٍ عَشْوَائِيٍّ فَارِغٍ مِنَ الدَّلالَةِ. تُخَيِّلْ مَثَلاً أَنَّكَ وَجَدْتَ يَوْمِيَّةً قَدِيمَةً لِكَاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ دُونَ انْقِطَاعٍ، ثُمَّ لاحَظْتَ فَجَأَةً صَفْحَةً فَارِغَةً بِلا كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: تِلْكَ الصَّفْحَةُ الفَارِغَةُ لَيْسَتْ لا شَيْءَ، بَلْ هِيَ رُبَّمَا أَكْثَرُ الصَّفَحَاتِ كَلاماً.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ قَوِيَّةٍ تَتَشَكَّلُ فِي أَعْمَاقِهِ كَبَذْرَةٍ تُشَقُّ بِهَا التُّرْبَةُ:
ـ لَمْ أُفَكِّرْ فِي الأَمْرِ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ قَطُّ. أَنْ يَكُونَ غِيَابُ التَّوْثِيقِ نَفْسُهُ دَلِيلاً قَائِمَاً بِذَاتِهِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِاقْتِنَاعٍ عَمِيقٍ:
ـ بِالضَّبْطِ. فِي جِيلِي، حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ يُوَثَّقُ بِشَكْلٍ شِبْهِ قَهْرِيٍّ أَحْيَانَاً، الصَّمْتُ الرَّقْمِيُّ الكَامِلُ أَصْبَحَ ظَاهِرَةً نَادِرَةً وَمُثِيرَةً لِلاهْتِمَامِ بِحَدِّ ذَاتِهَا، تَحْمِلُ دَلالاتٍ نَفْسِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً عَمِيقَةً. أَنَا شَخْصِيَّاً أَدْرُسُ حَالاتٍ لِأَشْخَاصٍ قَرَّرُوا فَجَأَةً التَّوَقُّفَ عَنِ النَّشْرِ عَلى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ: فِي بَعْضِ الحَالاتِ، كانَ ذَلِكَ التَّوَقُّفُ إِيذَانَاً بِتَحَوُّلٍ داخِلِيٍّ جَذْرِيٍّ عَمِيقٍ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنَهُ أَحَدٌ.
أَلَحَّ سَامِرٌ بِسُؤَالٍ أَخِيرٍ، صَادِرٍ مِنْ مَكَانٍ شَخْصِيٍّ دَاخِلِيٍّ لا مِنْ مَكَانِ الفَضُولِ الأَكَادِيمِيِّ المُجَرَّدِ:
ـ هَلْ تَخَافِينَ أَنْ تَفْقِدِي قُدْرَتَكِ عَلى الذَّاكِرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، بِسَبَبِ اعْتِمَادِكِ الشَّدِيدِ عَلى التِّكْنُولُوجِيَا؟
صَمَتَتْ طَوِيلاً هَذِهِ المَرَّةَ. نَظَرَةُ قَلَقٍ حَقِيقِيٍّ ظَهَرَتْ لِلْحَظَةٍ فِي عَيْنَيْهَا الشَّابَّتَيْنِ، كَأَنَّها خَلَعَتْ لِثَوَانٍ قِنَاعَ البَاحِثَةِ الأَكَادِيمِيَّةِ وَكَشَفَتْ عَنْ إِنْسَانَةٍ شَابَّةٍ تَخَافُ مِثْلَ سَائِرِ البَشَرِ:
ـ نَعَمْ، أَخَافُ مِنْ هَذَا أَحْيَانَاً، بِصَرَاحَةٍ شَدِيدَةٍ. أُلاحِظُ فِي نَفْسِي وَفِي جِيلِي ضَعْفَاً مُتَزَايِدَاً فِي الذَّاكِرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ غَيْرِ المُعْتَمِدَةِ عَلى أَجْهِزَةٍ خَارِجِيَّةٍ. أَنَا وَأَصْدِقَائِي لا نَكَادُ نَحْفَظُ أَرْقَامَ هَوَاتِفِ بَعْضِنَا البَعْضِ، لَوِ انْكَسَرَتْ هَوَاتِفُنَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَأَصْبَحْنَا غُرَبَاءَ لا يَعْرِفُ بَعْضُنَا كَيْفَ يَصِلُ إِلى بَعْضٍ. هَذَا أَحَدُ الأَسْبَابِ العَمِيقَةِ لِاهْتِمَامِي الأَكَادِيمِيِّ بِهَذَا المَوْضُوعِ: أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ، وَرُبَّمَا أُحَارِبَ، هَذَا الضَّعْفَ المُتَنَامِيَ بِدَاخِلِي وَبِدَاخِلِ جِيلِي.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ وَحَقِيقِيٍّ مَعَ هَذَا القَلَقِ الجِيلِيِّ الجَدِيدِ:
ـ شُكْرَاً لَكِ عَلى هَذَا المَنْظُورِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُهُ.
ابْتَسَمَتِ الفَتَاةُ ابْتِسَامَةً شَابَّةً صَادِقَةً دَافِئَةً:
ـ شُكْرَاً لَكَ أَنْتَ أَيْضَاً. سُؤَالُكَ دَفَعَنِي إِلى التَّأَمُّلِ فِي فِكْرَةٍ لَمْ أَكُنْ قَدْ مَنَحْتُهَا عَمَقَهَا الكَافِيَ: رُبَّمَا غِيَابُ الذَّاكِرَةِ الرَّقْمِيَّةِ لِذَلِكَ اليَوْمِ تَحْدِيدَاً، فِي زَمَنِ التَّوْثِيقِ المُفْرِطِ، هُوَ بِحَدِّ ذَاتِهِ أَهَمُّ أَثَرٍ يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَتَبَّعَهُ. لا تَبْحَثْ عَمَّا هُوَ مَوْجُودٌ فَحَسْبُ: ابْحَثْ أَيْضَاً عَمَّا اخْتَفَى وَكَيْفَ اخْتَفَى.
________________________________________
بَدَأَتِ الشَّاشَاتُ الرَّقْمِيَّةُ وَالغُرْفَةُ الحَدِيثَةُ تَتَلاشَى بِبُطْءٍ وَاضِحٍ، لَوْنٌ يَذُوبُ فِي لَوْنٍ، وَضَوْءٌ يَتَرَاجَعُ أَمَامَ ضَوْءٍ آخَرَ، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلى الرَّوَاقِ المَأْلُوفِ يَحْمِلُ فِكْرَةً جَدِيدَةً لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهَا حِينَ دَخَلَ.
كانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِصَبْرٍ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَتَهُ العَمِيقَةَ المُعْتَادَةَ، وَهُوَ يَضَعُ شَيْئَاً صَغِيرَاً جَدِيدَاً فِي الدَّرَجِ: قِطْعَةٌ مَعْدَنِيَّةٌ دَقِيقَةٌ تُشْبِهُ شَرِيحَةَ ذَاكِرَةٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ مُصَغَّرَةً.
ـ انْتَهَى مِحْوَرُ الفَلْسَفَةِ وَالفِكْرِ بِأَكْمَلِهِ الآنَ يَا سَامِرُ. اثْنَا عَشَرَ صَوْتَاً فَلْسَفِيَّاً عَمِيقَاً، مِنْ هِيرَاقْلِيطُسَ إِلى فَيْلَسُوفَةٍ مِنْ زَمَنِكَ المُسْتَقْبَلِيِّ تَقْرِيبَاً.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلى الشَّرِيحَةِ الصَّغِيرَةِ بِدَهْشَةٍ مُمْتَزِجَةٍ بِتَسَاؤُلٍ:
ـ مِنْ أَيْنَ أَتَتْ هَذِهِ؟
ابْتَسَمَ العَجُوزُ ابْتِسَامَتَهُ الغَامِضَةَ المَأْلُوفَةَ:
ـ هَدِيَّةٌ أَخِيرَةٌ مِنَ الفَيْلَسُوفَةِ الشَّابَّةِ، تَرَكَتْهَا لَكَ دُونَ أَنْ تُخْبِرَكَ، رَمْزَاً لِفِكْرَتِهَا الأَخِيرَةِ: أَنَّ غِيَابَ الأَثَرِ قَدْ يَكُونُ أَهَمَّ أَثَرٍ عَلى الإِطْلاقِ.
أَخَذَ سَامِرٌ الشَّرِيحَةَ بِيَدٍ بَطِيئَةٍ وَاعِيَةٍ، شَعَرَ بِثِقَلِهَا الرَّمْزِيِّ الجَدِيدِ بَيْنَ أَشْيَائِهِ الأُخْرى:
ـ وَمَاذَا بَعْدَ الآنَ؟
ـ المِحْوَرُ الخَامِسُ يَنْتَظِرُكَ: العُلُومُ وَالاخْتِصَاصَاتُ المَعْرِفِيَّةُ. اثْنَا عَشَرَ فَصْلاً جَدِيدَاً، مِنَ الفِيزِيَاءِ إِلى عِلْمِ الأَعْصَابِ إِلى عِلْمِ المَنَاخِ. هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، يَشْعُرُ بِثِقَلِ التَّعَبِ الحَلَوِ الَّذِي يَصَبُّهُ الفِكْرُ الحَقِيقِيُّ فِي الجَسَدِ، لَكِنَّهُ يَشْعُرُ أَيْضَاً بِفُضُولٍ مُتَجَدِّدٍ لا يَخْمُدُ:
ـ نَعَمْ. لِنُكْمِلْ، حِينَ تَشَاءُ.
