متحف الأيام المفقودة 43

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّالِثُ وَالأَربَعُون – عَالِمَةُ الأَعصَاب – بُوسطَن، ٢٠١٩م
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ تَختَلِفُ عَن كُلِّ مَا رَآهُ سَامِرٌ مِن قَبل.
لَم تَكُن قَاعَةً بِالمَعنَى المُتَعَارَفِ عَلَيه، بَل كَانَت أَشبَهَ بِعَالَمٍ قَائِمٍ بِذَاتِه، مُكتَفٍ بِنَفسِه، كَأَنَّهُ انتُزِعَ مِن دَاخِلِ مَعهَدٍ بَحثِيٍّ كَبِيرٍ وَأُودِعَ هُنَا بِكُلِّ تَفَاصِيلِه.
وَقَفَ عِندَ العَتَبَة لَحظَةً، يَستَوعِبُ المَشهَد.
شَاشَاتٌ كَبِيرَةٌ تَمتَدُّ عَلَى الجُدرَانِ مِن أَعلَى إِلَى أَسفَل، تَعرِضُ صُوَرًا مُضَاءَةً لِأَدمِغَةٍ بَشَرِيَّةٍ، مُلَوَّنَةً بِأَلوَانٍ حِيَّةٍ تَتَدَرَّجُ مِنَ الأَزرَقِ الدَّاكِنِ إِلَى الأَحمَرِ القَانِي، كَأَنَّهَا خَرَائِطُ لِعَوَالِمَ لَم يَطَأهَا أَحَدٌ بَعد.
وَأَجهِزَةٌ مَعقَّدَةٌ تَملَأُ زَوَايَا الغُرفَة، تُصدِرُ أَصوَاتًا خَافِتَةً مُنتَظِمَةً، نَبَضَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ تُشبِهُ دَقَّاتِ قَلبٍ هَادِئٍ مُتَأَمِّل.
وَفِي مُنتَصَفِ هَذَا كُلِّه، جَلَسَت امرَأَةٌ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِين، مُنكَبَّةً عَلَى شَاشَةٍ كَبِيرَةٍ تَعلُو مِنضَدَتَهَا، تُشِيرُ بِقَلَمٍ مَخصُوصٍ إِلَى مَنطَقَةٍ مُضَاءَةٍ فِي صُورَةِ دِمَاغٍ، مُنهَمِكَةً فِي عَمَلِهَا انهِمَاكَ مَن يَرَى فِي مَا يَفعَلُهُ شَيئًا أَكبَرَ مِنَ المِهنَة.
لَم تَلتَفِت إِلَيهِ حِينَ دَخَل.
ثُمَّ قَالَت، دُونَ أَن تَرفَعَ عَيَنَيهَا عَنِ الشَّاشَة:
ـ أَهلًا بِك.
أَومَأَ سَامِرٌ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ ببُطء:
ـ شُكرًا.
رَفَعَت رَأسَهَا أَخِيرًا وَنَظَرَت إِلَيهِ بِعَينَينِ فِيهِمَا ذَكَاءٌ هَادِئٌ وَفُضُولٌ مِهنِيٌّ وَاضِح:
ـ أَنتَ بِالضَّبطِ مَن كُنتُ أَنتَظِره.
ـ أَنَا سَامِر.
وَبِلَا تَكَلُّف، كَأَنَّ الوَقتَ كَانَ ثَمِينًا وَلَم يَكُن مِنهُ مَا يُهدَر، قَالَت:
ـ بَاحِثَةٌ فِي عِلمِ الأَعصَاب، مُتَخَصِّصَةٌ فِي آلِيَّاتِ الذَّاكِرَةِ البَشَرِيَّة.
أَمضَيتُ خَمسَةَ عَشَرَ عَامًا أَدرُسُ بِالضَّبطِ مَا تَبحَثُ عَنهُ أَنت: مَا الَّذِي يَجرِي فِي الدِّمَاغِ حِينَ نَتَذَكَّر، وَمَا الَّذِي يَجرِي حِينَ نَنسَى.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيءٍ يَشتَعِلُ فِي صَدرِه، شَيءٍ يُشبِهُ الأَمَل، لَكِنَّهُ كَانَ أَكثَرَ هُدُوءًا وَأَقَلَّ عُجلَةً مِنَ الأَمَلِ الَّذِي اعتَادَهُ.
ـ أَخِيرًا، شَخصٌ يَستَطِيعُ أَن يَشرَحَ لِي عِلمِيًّا مَا الَّذِي حَدَثَ فِي دِمَاغِي.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً حَذِرَة، فِيهَا شَيءٌ مِن التَّحَفُّظِ المِهنِيِّ الأَمِين:
ـ سَأُحَاوِل.
لَكِن أُحَذِّرُكَ مُسبَقًا، وَهَذَا التَّحذِيرُ جُزءٌ مِن أَمَانَتِي العِلمِيَّة لَا مُجَرَّدُ تَوَاضُع: العِلمُ لَا يَملِكُ بَعدُ إِجَابَاتٍ كَامِلَةً عَن كُلِّ تَعقِيدَاتِ الذَّاكِرَةِ البَشَرِيَّة.
سَأَشرَحُ لَكَ مَا نَعرِفُه، لَكِن تَذَكَّر أَنَّ هُنَاكَ كَثِيرًا مَا زِلنَا نَجهَلُه.
ـ حَسَنًا، أَخبِرِيني بِمَا تَعرِفِينَه.
قَامَت مِن كُرسِيِّهَا وَاقتَرَبَت مِنَ الشَّاشَةِ الكَبِيرَة، وَأَشَارَت بِقَلَمِهَا إِلَى مَنطَقَةٍ مُحَدَّدَةٍ فِي الصُّورَة، مَنطَقَةٍ تَضِيءُ بِلَونٍ يَتَرَاوَحُ بَينَ الأَخضَرِ وَالذَّهَبِيّ:
ـ هَذِهِ المَنطَقَةُ تُسَمَّى الحُصَين، أَو بِاسمِهَا الأَكثَرِ شُيُوعًا فِي المَرَاجِعِ العِلمِيَّة: الهِيبُوكَامبُوس.
تَتَخَيَّلُ دِمَاغَكَ كَمَكتَبَةٍ ضَخمَة، فِيهَا أَرفُفٌ لَا تُعَدّ وَلَا تُحصَى.
الهِيبُوكَامبُوسُ هُوَ أَمِينُ هَذِهِ المَكتَبَة، المَسؤُولُ عَن تَحوِيلِ كُلِّ مَا تَمُرُّ بِهِ يَومِيًّا مِن أَحدَاثٍ وَمَشَاعِرَ وَمَعلُومَات، مِن مُلَاحَظَاتٍ عَابِرَةٍ وَضَعهَا عَلَى طَاوِلَةِ المَكتَبَةِ لِدَقَائِق، إِلَى كُتُبٍ مُجَلَّدَةٍ أَودَعَهَا الأَرفُفَ الرَّاسِخَةَ لِعُقُود.
هَذِهِ العَمَلِيَّةُ تُسَمَّى التَّثبِيت.
حِينَ تَتَعَرَّضُ لِصَدمَةٍ شَدِيدَة، جَسَدِيَّةٍ أَو نَفسِيَّة، يُمكِنُ أَن يَتَعَطَّلَ هَذَا الأَمِينُ الدَّقِيقُ بِطُرُقٍ مُختَلِفَة.
أَحيَانًا يُعطِيكَ الكِتَابَ لَكِنَّهُ يَمحُو عَنوَانَه.
وَأَحيَانًا يُخبِئُ الكِتَابَ فِي مَكَانٍ لَا تَعرِفُ أَنتَ الوُصُولَ إِلَيه.
وَأَحيَانًا يَتَظَاهَرُ بِأَنَّ الكِتَابَ لَم يُكتَب أَصلًا.
صَمَتَ سَامِرٌ لَحظَة، يَستَوعِبُ هَذِهِ الصُّورَة، ثُمَّ سَأَل:
ـ هَل هَذَا يَعنِي أَنَّ ذَلِكَ اليَومَ كَانَ صَادِمًا بِالنِّسبَةِ لِي؟
رَفَعَت يَدَهَا بِرِفق، كَأَنَّهَا تُوقِفُ قِطَارًا بَدَأَ يَتَسَارَع:
ـ لَا أَستَطِيعُ أَن أُؤَكِّدَ هَذَا بِيَقِينٍ كَامِلٍ دُونَ مَعرِفَةِ تَفَاصِيلَ أَكثَرَ عَن حَالَتِكَ تَحدِيدًا.
لَكِن هُنَاكَ ظَاهِرَةٌ نُسَمِّيهَا “فَقدَانَ الذَّاكِرَةِ التَّفَارُقِيَّ” أَو الانفِصَالِيّ.
تَخَيَّل أَنَّكَ تَعِيشُ فِي بَيتٍ كَبِير، وَذَاتَ يَومٍ يَحدُثُ شَيءٌ فِي إِحدَى غُرَفِه، شَيءٌ أَلِيمٌ جِدًّا أَو مُرعِبٌ أَو لَا يَحتَمِلُه الوَعي.
مَا الَّذِي يَفعَلُهُ البَيت؟
يُغلِقُ بَابَ تِلكَ الغُرفَةِ وَيَضَعُ عَلَيهَا قُفلًا، لَا لِأَنَّهُ يَنكُرُ وُجُودَهَا، بَل لِأَنَّ إِبقَاءَهَا مَفتُوحَةً أَمَامَكَ كُلَّ لَحظَةٍ قَد يُهَدِّمُ البَيتَ كُلَّه.
هَذَا مَا يَفعَلُهُ الدِّمَاغُ حِينَ يَحجُبُ ذِكرَى بِعَينِهَا كَآلِيَّةِ دِفَاعٍ لِلحِمَايَةِ مِنَ الانهِيَارِ النَّفسِيِّ الكَامِل.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيءٍ يَضِيقُ فِي صَدرِه، وَسَأَل بِصَوتٍ أَخفَضَ مِن ذِي قَبل:
ـ هَل هَذَا يَعنِي أَنَّ مَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ اليَومِ كَانَ مَروِّعًا جِدًّا، لِدَرَجَةِ أَنَّ دِمَاغِي اختَارَ حِمَايَتِي مِنه؟
نَظَرَت إِلَيهِ بِحَذَرٍ مِهنِيٍّ وَاضِح، كَأَنَّهَا تَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ قَبلَ أَن تُفلِتَهَا:
ـ هَذَا احتِمَال، نَعَم، لَكِنَّهُ لَيسَ التَّفسِيرَ الوَحِيدَ المُمكِن.
أَحيَانًا فَقدَانُ الذَّاكِرَةِ يَحدُثُ لِأَسبَابٍ أَبسَطَ بِكَثِير.
إِصَابَةٌ جَسَدِيَّةٌ خَفِيفَةٌ فِي الرَّأس، كَصَدمَةِ مُؤَخِّرَةِ السَّيَّارَةِ الَّتِي يَظُنُّهَا النَّاسُ هَيِّنَةً فِي لَحظَتِهَا وَلَا يَعلَمُونَ أَثَرَهَا عَلَى المُدَى البَعِيد.
أَو تَأثِيرُ مَوَادَّ كِيمِيَائِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ قَد تَكُونُ فِي طَعَامٍ أَو شَرَاب.
أَو حَتَّى مَزِيجٌ مِن إِرهَاقٍ شَدِيدٍ وَضَغطٍ نَفسِيٍّ عَام، دُونَ أَن يَكُونَ هُنَاكَ حَدَثٌ صَادِمٌ وَاحِدٌ بِعَينِه.
ـ كَيفَ أَعرِفُ أَيُّ تَفسِيرٍ يَنطَبِقُ عَلَى حَالَتِي؟
فَكَّرَت طَوِيلًا قَبلَ أَن تُجِيب، وَكَانَ صَمتُهَا مِنَ الصَّمَوَاتِ الَّتِي يَحتَرِمُهَا المَرءُ لِأَنَّهَا تَنبُعُ مِن جِدٍّ حَقِيقِيٍّ لَا مِن تَرَدُّد:
ـ هَذَا يَتَطَلَّبُ عَادَةً تَقيِيمًا نَفسِيًّا وَطِبِّيًّا دَقِيقًا.
تَقيِيمٌ يَأخُذُ بِعَينِ الاعتِبَارِ تَارِيخَكَ الصِّحِّيَّ كَامِلًا، وَأَيَّ أَعرَاضٍ جَسَدِيَّةٍ أَو نَفسِيَّةٍ أُخرَى وَاجَهتَهَا حَولَ ذَلِكَ الوَقت، بَل وَسِيَاقَ حَيَاتِكَ العَامَّ فِي تِلكَ الفَتَرَة.
هَل كُنتَ تَمُرُّ بِضُغُوطٍ مُتَرَاكِمَة؟
هَل كَانَ ثَمَّةَ تَغيِيرٌ جَذرِيٌّ فِي حَيَاتِك؟
هَل كَانَ ثَمَّةَ عَلَاقَةٌ انتَهَت أَو عَمَلٌ خُسِر أَو حُلمٌ وُئِد؟
كُلُّ هَذَا يَدخُلُ فِي الحِسَاب.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِحبَاطٍ خَفِيف، لَيسَ مِنهَا، بَل مِنَ الحَقِيقَةِ ذَاتِهَا:
ـ هَذَا يَعنِي أَنَّنِي لَن أَحصُلَ عَلَى إِجَابَةٍ قَاطِعَةٍ مِنكِ اليَوم.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً فِيهَا فَهمٌ حَقِيقِيٌّ لِمَا يَشعُرُ بِه:
ـ أَعرِفُ أَنَّ هَذَا مُحبِط.
لَكِنَّنِي أُفَضِّلُ أَن أَكُونَ صَادِقَةً مَعَكَ بَدَلًا مِن أَن أُعطِيَكَ تَفسِيرًا مُبَسَّطًا مُطمَئِنًا قَد لَا يَكُونُ دَقِيقًا، وَقَد يُبنَى عَلَيهِ قَرَارٌ خَاطِئ.
العِلمُ يُفَضِّلُ أَن يَقُولَ “لَا أَعرِفُ بِعد” عَلَى أَن يَقُولَ شَيئًا غَلَطًا بِثِقَة.
ثُمَّ أَضَافَت بِنَبرَةٍ أَدفَأ:
ـ لَكِن دَعِينِي أُخبِرُكَ بِشَيءٍ قَد يُسَاعِدُكَ أَكثَرَ مِن تَفسِيرٍ نَظَرِيٍّ وَاحِد.
ـ تَفَضَّلِي.
ـ نَعرِفُ مِن أَبحَاثِنَا أَنَّ الذِّكرَى المَفقُودَة، حَتَّى فِي حَالَاتِ فَقدَانِ الذَّاكِرَةِ الانفِصَالِيِّ الشَّدِيدَة، نَادِرًا مَا تَختَفِي تَمَامًا مِنَ الدِّمَاغ.
تَخَيَّل مَوسِيقَى مُسَجَّلَةً عَلَى شَرِيطٍ قَدِيم.
حِينَ يَتَعَطَّلُ جِهَازُ التَّشغِيل لَا يَعنِي هَذَا أَنَّ الشَّرِيطَ اختَفَى أَو احتَرَق.
الشَّرِيطُ لَا يَزَالُ هُنَاك، وَالمُوسِيقَى لَا تَزَالُ مُسَجَّلَة.
المَعلُومَاتُ لَا تَزَالُ مُخَزَّنَةً بِطَرِيقَةٍ مَا فِي الدِّمَاغ، لَكِنَّ الوُصُولَ الوَاعِيَ إِلَيهَا هُوَ مَا يَتَعَطَّل، أَحيَانًا بِشَكلٍ مُؤَقَّت، وَأَحيَانًا لِفَتَرَاتٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِأَمَلٍ حَقِيقِيٍّ يَتَسَرَّبُ إِلَيه، بَطِيئًا وَمُحتَاطًا، كَمَا تَتَسَرَّبُ أَشعَّةُ الشَّمسِ مِن تَحتِ بَابٍ مُوصَد:
ـ هَل هَذَا يَعنِي أَنَّنِي قَد أَستَعِيدُ تِلكَ الذِّكرَى يَومًا مَا؟
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِحَذَرٍ عِلمِيٍّ مَشُوبٍ بِدِفءٍ إِنسَانِيّ:
ـ هَذَا مُمكِن، نَعَم.
خَاصَّةً إِذَا كَانَت هُنَاكَ ظُرُوفٌ مُعَيَّنَةٌ تُسَاعِدُ عَلَى إِعَادَةِ الوُصُول.
عِلَاجٌ نَفسِيٌّ مُتَخَصِّص، يَصنَعُ لَكَ بِيئَةً آمِنَةً كَأَنَّهَا وَرشَةُ تَصلِيحٍ مُتَخَصِّصَةٌ لِجِهَازِ التَّشغِيلِ المُعَطَّل.
أَو عَوَامِلُ بِيئِيَّةٌ تُشبِهُ ظُرُوفَ الحَدَثِ الأَصلِيّ، رَائِحَةٌ أَو صَوتٌ أَو مَكَانٌ يَفتَحُ بَابًا كَانَ مُوصَدًا.
أَو حَتَّى، بِشَكلٍ عَفوِيٍّ تَامٍّ، دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ أَو مَوعِد.
ـ هَل هُنَاكَ خَطَرٌ فِي مُحَاوَلَةِ استِعَادَةِ هَذِهِ الذِّكرَى بِقُوَّة، إِن كَانَت صَادِمَةً فِعلًا؟
نَظَرَت إِلَيهِ بِجِدِّيَّةٍ مِهنِيَّةٍ لَا لُبسَ فِيهَا:
ـ هَذَا سُؤَالٌ مُهِمٌّ جِدًّا، وَأَنصَحُكَ بِأَخذِهِ بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّة.
إِن كَانَتِ الذِّكرَى مُرتَبِطَةً بِصَدمَةٍ شَدِيدَة، فَإِنَّ مُحَاوَلَاتِ استِعَادَتِهَا بِشَكلٍ غَيرِ مُتَخَصِّصٍ أَو مُتَسَرِّعٍ قَد تُسَبِّبُ ضَرَرًا نَفسِيًّا إِضَافِيًّا بَدَلًا مِنَ المُسَاعَدَة.
تَخَيَّل أَنَّكَ تُحَاوِلُ فَتحَ تِلكَ الغُرفَةِ المُوصَدَةِ بِمِعوَل، بِدَلًا مِن أَن تَبحَثَ بِهُدُوءٍ عَنِ المِفتَاح.
قَد تَفتَحُ الغُرفَة، نَعَم، لَكِنَّكَ قَد تُهَدِّمُ الجِدَارَ كُلَّه.
ـ هَذَا مَنطِقِيٌّ جِدًّا.
ـ لَكِن ثَمَّةَ شَيءٌ آخَر أُرِيدُكَ أَن تَسمَعَه، وَرُبَّمَا هُوَ أَهَمُّ مَا سَتَحمِلُهُ مِنَ هَذِهِ الغُرفَة.
صَمَتَ سَامِرٌ وَنَظَرَ إِلَيهَا.
قَالَت بِنَبرَةٍ أَكثَرَ دِفئًا، كَأَنَّهَا تَرُدُّ عَلَيهِ بِوَصفِهَا إِنسَانَةً لَا بِوَصفِهَا بَاحِثَة:
ـ حَتَّى لَو لَم تَستَعِد تِلكَ الذِّكرَى المُحَدَّدَةَ أَبَدًا، دِمَاغُكَ وَهُوِيَّتُكَ كَكُلٍّ لَيسَا مُعَرَّفَينِ فَقَط بِتِلكَ الفَجوَةِ الوَاحِدَة.
أَنتَ تَحمِلُ مَلَايِينَ الذِّكرَيَاتِ الأُخرَى، الوَاعِيَةَ وَغَيرَ الوَاعِيَة، الَّتِي تَرسِمُ مَن أَنتَ بِشَكلٍ كَامِلٍ وَمُعَقَّد، أَكبَرَ بِكَثِيرٍ مِن أَيِّ فَجوَةٍ وَاحِدَة.
الخَرِيطَةُ لَيسَت مَعطُوبَةً لِأَنَّ فِيهَا بُقعَةً وَاحِدَةً لَم تُرسَم.
أُومَضَ فِي ذِهنِ سَامِر شَيءٌ قَالَهُ لَهُ حَكِيمٌ التَّقَى بِهِ قَبلَ سَاعَات:
ـ هَذَا يُشبِهُ مَا قَالَهُ لِي ابنُ سِينَا، عَنِ الفَرقِ بَينَ النَّفسِ الأَسَاسِيَّةِ وَالسِّيرَةِ المُكتَسَبَة.
رَفَعَت حَاجِبَيهَا بِإِعجَابٍ حَقِيقِيّ:
ـ مُثِيرٌ لِلاهتِمَامِ أَن يَصِلَ فَيلَسُوفٌ قَدِيمٌ جِدًّا إِلَى نَفسِ الفِكرَةِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يَدعَمُهَا عِلمُ الأَعصَابِ الحَدِيث، بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّة.
هَذَا يَحدُثُ كَثِيرًا فِي الحَقِيقَة: حِكمَةٌ فَلسَفِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تَجِدُ أَحيَانًا تَأكِيدًا عِلمِيًّا لَاحِقًا، بِطُرُقٍ مُختَلِفَةٍ عَن لُغَتِهَا الأَصلِيَّة.
كَأَنَّ الإِنسَانَ كَانَ يَعرِفُ حَدسِيًّا مَا لَم يَكُن يَملِكُ بَعدُ أَدَوَاتِ إِثبَاتِه.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالَهُ الأَخِير، بِصَوتٍ فِيهِ شَيءٌ مِنَ التَّسلِيمِ الهَادِئ:
ـ مَاذَا تَنصَحِيننِي أَن أَفعَلَ عَمَلِيًّا الآن، بَعدَ كُلِّ هَذَا الشَّرحِ العِلمِيّ؟
فَكَّرَت طَوِيلًا، ثُمَّ أَجَابَت بِنَصِيحَةٍ عَمَلِيَّةٍ لَا زَخرَفَةَ فِيهَا:
ـ اعتَنِ بِصِحَّتِكَ النَّفسِيَّةِ وَالجَسَدِيَّةِ بِشَكلٍ عَام.
نَومٌ كَافٍ، لِأَنَّ النَّومَ هُوَ الوَقتُ الَّذِي يُرَتِّبُ فِيهِ الدِّمَاغُ أَرشِيفَه.
تَقلِيلُ التَّوَتُّرِ المُزمِنِ قَدرَ الإِمكَان، لِأَنَّ التَّوَتُّرَ المُتَرَاكِمَ كَالغُبَارِ الَّذِي يَجعَلُ قِرَاءَةَ أَيِّ كِتَابٍ فِي المَكتَبَةِ أَمرًا شَاقًّا.
وَإِن استَطَعتَ، استَشِر مُتَخَصِّصًا نَفسِيًّا يَستَطِيعُ أَن يُسَاعِدَكَ فِي استِكشَافِ هَذِهِ الفَجوَةِ بِطَرِيقَةٍ آمِنَةٍ وَمَضمُونَة.
لَا تُحَاوِل وَحدَكَ أَن “تَحفُرَ” بِقُوَّةٍ فِي تِلكَ الذِّكرَى، قَد يَكُونُ هَذَا غَيرَ مُجدٍ، وَرُبَّمَا يَكُونُ ضَارًّا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِامتِنَانٍ لِهَذِهِ النَّصِيحَةِ الصَّادِقَة، نَصِيحَةٍ لَا تَدَّعِي المَعرِفَةَ المُطلَقَةَ وَلَا تَترُكُهُ فِي فَرَاغٍ تَام:
ـ شُكرًا لَكِ، عَلَى كُلِّ هَذَا الشَّرحِ الصَّادِقِ وَالمُتَوَازِن.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً أَخِيرَةً دَافِئَة:
ـ اذهَب الآن، يَا سَامِر.
وَاحمِل مَعَكَ هَذَا: العِلمُ لَا يَملِكُ كُلَّ الإِجَابَاتِ بَعد.
لَكِنَّهُ يُخبِرُنَا أَنَّ الأَمَلَ فِي فَهمٍ أَعمَقَ لَيسَ مُستَحِيلًا، حَتَّى لَو احتَاجَ وَقتًا وَصَبرًا وَمُسَاعَدَةً مُتَخَصِّصَة.
________________________________________
بَدَأَ المُختَبَرُ الحَدِيثُ وَشَاشَاتُهُ المُضِيئَةُ تَتَلَاشَى ببُطءٍ لَا يَخلُو مِن رَهبَة، كَمَا تَتَلَاشَى أَضوَاءُ مَسرَحٍ بَعدَ انتِهَاءِ عَرضٍ لَا يَنسَاه المَرء.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَاد، صَامِتًا كَالمَساء، مُضَاءً كَالسُّؤَال.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لِسَاعَةٍ رَملِيَّةٍ مُتَوَقِّفَةٍ عَنِ الحَرَكَة.
نَظَرَ إِلَيهِ بِعَينَينِ فِيهِمَا شَيءٌ يُشبِهُ الحَنَان:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَة، يَا سَامِر، تَحمِلُ صَوتَ رَجُلٍ يَدرُسُ طَبِيعَةَ الزَّمَنِ نَفسَهُ عَلَى أَعمَقِ مُستَوًى فِيزِيَائِيٍّ مُمكِن.
وَقَد يُفَاجِئُكَ بِمَا اكتَشَفَهُ عَن عَلَاقَةِ المَاضِي بِالحَاضِر.
مَشَى سَامِرٌ نَحوَ البَاب.
وَكَانَتِ السَّاعَةُ الرَّملِيَّةُ المَنقُوشَةُ عَلَيهِ مُتَوَقِّفَةً فِعلًا، رَملُهَا جَامِدٌ فِي مَكَانِه، لَا يَسقُطُ وَلَا يَتَحَرَّك.
كَأَنَّهَا تَنتَظِر.
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 44