متحف الأيام المفقودة 66

مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ – الطِّفْلُ اللَّاجِئُ – (ذَكَرٌ، عَشْرُ سَنَوَاتٍ | الْبَحْرُ الْمُتَوَسِّطُ، عَامُ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ مِيلَادِيَّةً)
——————-
«الطِّفْلُ الَّذِي يَحْمِلُ وَطَنَيْنِ وَلَا يَمْلِكُ وَاحِدًا»
لَمْ تَكُنِ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ قَاعَةً بِالْمَعْنَى الْمَعْهُودِ الَّذِي أَلِفَهُ سَامِرٌ مُنْذُ أَنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ أَعْتَابَ هَذَا الْمُتْحَفِ الْعَجِيبِ.
لَمْ تَكُنْ جُدْرَانًا تَزْخَرُ بِاللَّوْحَاتِ، وَلَا أَرْضِيَّةً تَعْكِسُ الضَّوْءَ، وَلَا سَقْفًا يَرْتَفِعُ نَحْوَ السَّمَاءِ.
كَانَتِ الْقَاعَةُ قَارِبًا صَغِيرًا مُكْتَظًّا بِالْبَشَرِ، يَتَمَايَلُ عَلَى أَمْوَاجٍ سَوْدَاءَ تُزَمْجِرُ فِي الظَّلَامِ كَأَنَّهَا نِيَّةٌ مُبَيَّتَةٌ، وَالرِّيحُ تَعْصِفُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَتَرْفَعُ رَذَاذَ الْمِلْحِ إِلَى وُجُوهِ مَنْ يَرْكَبُونَهُ فَلَا تَمِيِّزُ بَيْنَ دَمْعٍ وَمَاءٍ.
كَانَ الْهَوَاءُ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الْبَحْرِ وَالْخَوْفِ مَعًا، كَمَا لَوْ كَانَا عُنْصُرَيْنِ كِيمِيَائِيَّيْنِ ذَوَّابَيْنِ لَا يَنْفَصِلَانِ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ بِالذَّاتِ.
وَفِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنَ الْقَارِبِ، بَيْنَ جَسَدَيْنِ بَالِغَيْنِ يَتَلَاصَقَانِ طَلَبًا لِلدِّفْءِ، كَانَ طِفْلٌ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِهِ يَجْلِسُ مُحْتَضِنًا رُكْبَتَيْهِ، مُقَوِّسًا ظَهْرَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَرِدُّ مِنَ الْفَضَاءِ شَيْئًا أُخِذَ مِنْهُ دُونَ إِذْنٍ.
كَانَتْ عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ خَوْفًا وَإِرْهَاقًا يَفُوقَانِ عُمْرَهُ الصَّغِيرَ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ الزَّمَنَ تَسَلَّلَ إِلَيْهِ عَبْرَ ثُغَرَاتِ الرَّحِيلِ فَكَبَّلَهُ بِمَا لَا تُطِيقُهُ الطُّفُولَةُ.
اقْتَرَبَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، مُتَوَسِّلًا أَنْ لَا يَفْزَعَ الطِّفْلَ، ثُمَّ جَلَسَ بِجَانِبِهِ بِرِفْقٍ كَمَنْ يَضَعُ وَرَقَةً نَادِرَةً عَلَى طَاوِلَةٍ زُجَاجِيَّةٍ:
ـ مَرْحَبًا.
وَقَفَ الصَّوْتُ فِي الْهَوَاءِ الرَّطْبِ لَحْظَةً.
ـ أَنَا سَامِرٌ.
رَفَعَ الطِّفْلُ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَرْفَعُ تِرْسَهُ لِيَرَى مَنِ اقْتَرَبَ، نَظَرَةٌ يَقِظَةٌ تَخْتَبِرُ قَبْلَ أَنْ تَثِقَ:
ـ هَلْ أَنْتَ مِنَ الْبَحْرِيَّةِ؟ هَلْ سَتُعِيدُونَنَا؟
وَفِي هَذَا السُّؤَالِ الصَّغِيرِ كَانَتْ قِصَّةٌ كَامِلَةٌ: أَطْفَالٌ تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا الْكِتَابَةَ أَنَّ الزِّيٌّ الرَّسْمِيَّ يَعْنِي الْخَطَرَ، وَأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَسْبِقُ كُلَّ لِقَاءٍ هُوَ: هَلْ سَيَرُدُّونَنَا إِلَى الْجَحِيمِ الَّذِي فَرَرْنَا مِنْهُ؟
هَزَّ سَامِرٌ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ:
ـ لَا، لَسْتُ كَذَلِكَ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي الْمَكَانِ الصَّحِيحِ:
ـ أَنَا فَقَطْ هُنَا لِأَسْتَمِعَ إِلَيْكَ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَتَكَلَّمَ.
اسْتَرْخَى الطِّفْلُ قَلِيلًا، لَيْسَ ثِقَةً كَامِلَةً، بَلْ شَيْئًا أَصْغَرَ مِنْهَا وَلَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، كَأَنَّ بَابًا مَوْصَدًا انْفَتَحَ بِمَسَافَةِ أُصْبُعٍ.
ـ اسْمِي…
تَوَقَّفَ الطِّفْلُ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةِ مَنِ اكْتَشَفَ حَقِيقَةً لَمْ يُعَلِّمْهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ:
ـ لَا يُهِمُّ اسْمِي كَثِيرًا الْآنَ.
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْقَصِيرَةِ يَسْكُنُ مَأْسَاةٌ بِأَكْمَلِهَا: الِاسْمُ هُوَ أَوَّلُ مَا يُمْنَحُ لِلْإِنْسَانِ حِينَ يُولَدُ، وَهُوَ آخِرُ مَا يَبْقَى مِنْهُ حِينَ يَمُوتُ، فَإِذَا صَارَ الِاسْمُ لَا يُهِمُّ فَمَاذَا بَقِيَ؟
ـ غَادَرْنَا بَيْتَنَا مُنْذُ أَشْهُرٍ، بَعْدَ أَنْ دُمِّرَ الشَّارِعُ كُلُّهُ تَقْرِيبًا.
قَالَهَا بِصَوْتٍ مُسْتَوٍ لَا يَرْتَفِعُ وَلَا يَنْخَفِضُ، كَمَنْ يَقْرَأُ مِنْ صَفْحَةٍ مَكْتُوبَةٍ مِنْ قَبْلُ:
ـ أَبِي قَالَ إِنَّنَا سَنَذْهَبُ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ، لَكِنَّ الرِّحْلَةَ طَوِيلَةٌ جِدًّا وَمُخِيفَةٌ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلٍ عَمِيقٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَضَاءِ، لَيْسَ شَفَقَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي يُسِيءُ إِلَى صَاحِبِهِ، بَلْ نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ هَذَا الْأَلَمَ الصَّغِيرَ الضَّخْمَ حَقِيقِيٌّ وَيَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: «أَنَا أَرَاكَ.»
ـ هَذَا يَبْدُو صَعْبًا جِدًّا عَلَيْكَ.
أَوْمَأَ الطِّفْلُ بِرَأْسِهِ بِبَسَاطَةٍ طِفُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا لَا مُبَالَغَةٌ وَلَا تَقْلِيلٌ، مُجَرَّدُ «نَعَمْ» تَحْمِلُ وَزْنَهَا كَامِلًا:
ـ نَعَمْ.
ـ أَحْيَانًا لَا أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا كَيْفَ كَانَ شَكْلُ بَيْتِنَا الْقَدِيمِ بِالضَّبْطِ.
وَهُنَا كَانَ الْجَرْحُ الثَّانِي الَّذِي لَا يُرَى فِي الصُّوَرِ وَلَا يُكْتَبُ فِي التَّقَارِيرِ، الرَّحِيلُ لَا يَسْرِقُ الْبَيْتَ فَقَطْ، بَلْ يَسْرِقُ صُورَتَهُ أَيْضًا، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، حَتَّى تَصِيرَ الذَّاكِرَةُ نَفْسُهَا مَحَلَّ هَدْمٍ بَطِيءٍ لَا يَتَوَقَّفُ.
ـ أُحَاوِلُ أَنْ أَتَذَكَّرَهُ، لَكِنَّ الصُّورَةَ تَصِيرُ ضَبَابِيَّةً أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ كُلَّ يَوْمٍ يَمُرُّ.
ـ هَلْ هَذَا يُخِيفُكَ؟ أَنْ تَنْسَى تَفَاصِيلَ بَيْتِكَ؟
أَوْمَأَ الطِّفْلُ بِرَأْسِهِ، وَتَجَمَّعَتْ دُمُوعٌ فِي عَيْنَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ لَمْ تَسْقُطْ، كَأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ مِنْ صَاحِبِهَا الصَّبْرَ:
ـ نَعَمْ، كَثِيرًا.
تَنَفَّسَ الطِّفْلُ بِعُمْقٍ، ثُمَّ تَابَعَ بِصَوْتٍ يَهُمُّ كَأَنَّهُ يُفَرِّغُ حِمْلًا:
ـ أَخَافُ أَنْ أَنْسَى وَجْهَ جَدَّتِي الَّتِي بَقِيَتْ هُنَاكَ، لَمْ تَسْتَطِعِ السَّفَرَ مَعَنَا.
وَهُنَا خَطَرَ لِسَامِرٍ أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ يَحْمِلُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِمَّا تَحْمِلُهُ حُقَائِبُهُمُ الَّتِي أَخَذُوهَا مَعَهُمْ، كَانَ يَحْمِلُ إِنْسَانًا كَامِلًا خَلَّفَهُ الرَّحِيلُ خَلْفَهُ، جَدَّةٌ لَهَا وَجْهٌ وَصَوْتٌ وَرَائِحَةٌ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ يَمْحُو مِنْهَا خَطًّا.
ـ أَخَافُ أَنْ أَنْسَى لَوْنَ بَابِ بَيْتِنَا، رَائِحَةَ مَطْبَخِ أُمِّي، حَتَّى صَوْتَ أَصْدِقَائِي الَّذِينَ لَعِبْتُ مَعَهُمْ فِي الشَّارِعِ.
وَكَأَنَّ الطِّفْلَ كَانَ يَصِفُ لَيْسَ فَقَدَانَ مَكَانٍ، بَلْ فَقَدَانَ كُلِّ الْحَوَاسِّ الَّتِي رَبَطَتْهُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ: اللَّوْنُ لِلْعَيْنِ، وَالرَّائِحَةُ لِلْأَنْفِ، وَالصَّوْتُ لِلْأُذُنِ، وَالدِّفْءُ لِلْجَسَدِ كُلِّهِ.
لَيْسَ الْوَطَنُ خَرِيطَةً تُحْفَظُ فِي الرَّأْسِ، بَلْ هُوَ نَسِيجٌ مُتَشَابِكٌ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَنْقَطِعُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ حِينَ يُغَادِرُ الْإِنْسَانُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْهُ، فَحَبَسَهَا لَيْسَ خَجَلًا بَلْ احْتِرَامًا، لِأَنَّ هَذَا الطِّفْلَ لَمْ يَبْكِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْبُكَاءِ:
ـ هَذَا يَبْدُو ثَقِيلًا جِدًّا لِطِفْلٍ بِعُمْرِكَ أَنْ يَحْمِلَهُ.
هَزَّ الطِّفْلُ كَتِفَيْهِ بِحَرَكَةٍ طِفُولِيَّةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا حِكْمَةً مُفَاجِئَةً تَفُوقُ سِنَّهُ، كَأَنَّهُ أَدْرَكَ مُبَكِّرًا مَا يَسْتَغْرِقُ الْكِبَارَ عُمْرًا لِيُدْرِكُوهُ:
ـ أُمِّي تَقُولُ إِنَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَوِيًّا.
تَوَقَّفَ ثُمَّ تَابَعَ بِنَبْرَةٍ أَعْمَقَ:
ـ تَقُولُ إِنْ أَتَذَكَّرَ مَا أَسْتَطِيعُ، وَأَنْ أَتَقَبَّلَ أَنَّنِي سَأَنْسَى أَشْيَاءَ أُخْرَى.
تَوَقَّفَ مَرَّةً ثَانِيَةً، يُعَالِجُ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ أَنْ يُطْلِقَهَا:
ـ تَقُولُ إِنَّ هَذَا طَبِيعِيٌّ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُؤْلِمًا.
وَفِي هَذَا تَكَثَّفَتْ تِجْرِبَةُ كُلِّ اللَّاجِئِينَ الَّذِينَ عَبَرُوا هَذَا الْبَحْرَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِحَارًا أُخْرَى: الْأُمَّهَاتُ اللَّوَاتِي يُعَلِّمْنَ أَطْفَالَهُنَّ أَنَّ النِّسْيَانَ أَحْيَانًا رَحْمَةٌ، وَأَنَّ الذَّاكِرَةَ الْمُخْتَارَةَ الَّتِي تُمْسِكُ مَا تَسْتَطِيعُ وَتُفْلِتُ مَا يُثْقِلُهَا هِيَ فَنٌّ لِلنَّجَاةِ لَا ضَعْفٌ.
ـ هَلْ تَشْعُرُ أَنَّ لَدَيْكَ «وَطَنًا» الْآنَ؟ أَمْ أَنَّكَ بَيْنَ وَطَنَيْنِ، بِلَا وَاحِدٍ كَامِلٍ بِالضَّبْطِ؟
صَمَتَ الطِّفْلُ طَوِيلًا.
كَانَ الصَّمْتُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَحْدُثُ حِينَ يَغُوصُ شَخْصٌ مَا إِلَى أَعْمَاقِ نَفْسِهِ بَحْثًا عَنْ إِجَابَةٍ لَا تَوْجَدُ جَاهِزَةً عَلَى السَّطْحِ.
وَكَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الصَّمْتِ نَادِرًا عِنْدَ الْبَالِغِينَ وَأَنْدَرُ عِنْدَ الْأَطْفَالِ، لَكِنَّ هَذَا الطِّفْلَ تَعَلَّمَ مَا لَا تُعَلِّمُهُ الْمَدَارِسُ:
ـ لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ.
ثُمَّ تَابَعَ بِبُطْءٍ كَأَنَّهُ يُشَيِّدُ الْجُمْلَةَ حَجَرًا حَجَرًا:
ـ أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَمْلِكُ وَطَنًا عَلَى الْإِطْلَاقِ الْآنَ.
ـ فَقَطْ ذِكْرَيَاتٌ مُتَنَاثِرَةٌ عَنْ مَكَانٍ فَقَدْتُهُ، وَخَوْفٌ مِنْ مَكَانٍ جَدِيدٍ لَمْ أَصِلْهُ بَعْدُ.
قَالَهَا بِنَبْرَةٍ لَا عِتَابَ فِيهَا وَلَا تَشَكِّيَ، مُجَرَّدُ وَصْفٍ لِحَالَةٍ لَيْسَ لَهَا اسْمٌ فِي الْقَوَامِيسِ:
ـ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ الْجَدِيدُ سَيَقْبَلُنِي أَصْلًا.
وَهُنَا كَمَنَ السُّؤَالُ الأَكْبَرُ الَّذِي يَحْمِلُهُ كُلُّ لَاجِئٍ فِي قَلْبِهِ دُونَ أَنْ يَتَجَرَّأَ دَائِمًا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ: لَيْسَ فَقَطْ «هَلْ سَنَصِلُ؟» بَلْ «هَلْ سَيُرِيدُونَنَا حِينَ نَصِلُ؟»
الرَّحِيلُ خَطَرٌ جَسَدِيٌّ، وَالْوُصُولُ خَطَرٌ نَفْسِيٌّ، وَبَيْنَهُمَا يَرْقُدُ الطِّفْلُ مُحْتَضِنًا رُكْبَتَيْهِ فِي قَارِبٍ يَتَمَايَلُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الشُّعُورِ الْمُعَلَّقِ الْمُؤْلِمِ:
ـ هَذَا يَبْدُو وَحِيدًا جِدًّا.
أَوْمَأَ الطِّفْلُ بِرَأْسِهِ، حُزْنٌ عَمِيقٌ صَادِقٌ يَظْهَرُ فِي عَيْنَيْهِ كَمَاءٍ صَافٍ فِي بِئْرٍ عَمِيقَةٍ:
ـ نَعَمْ، أَحْيَانًا.
ثُمَّ كَانَ التَّحَوُّلُ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْهُ سَامِرٌ:
ـ لَكِنْ أَحْيَانًا أُخْرَى، أُفَكِّرُ أَنَّ رُبَّمَا هَذَا يَعْنِي أَنَّ لَدَيَّ وَطَنَيْنِ، لَا وَطَنًا وَاحِدًا فَقَطْ.
وَشَرَحَ الطِّفْلُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَأَنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ كِتَابٍ كَتَبَهُ بِنَفْسِهِ:
ـ الْوَطَنُ الْقَدِيمُ الَّذِي أَحْمِلُهُ فِي ذِكْرَيَاتِي، حَتَّى الْمُتَنَاثِرَةُ مِنْهَا.
ـ وَالْوَطَنُ الْجَدِيدُ الَّذِي قَدْ أَبْنِيهِ يَوْمًا، حِينَ أَصِلُ وَأَسْتَقِرُّ أَخِيرًا.
وَفِي هَذَا التَّصَوُّرِ كَانَتْ فَلْسَفَةٌ لَمْ تَأْتِ مِنَ الْكُتُبِ وَلَا مِنَ الْمَدَارِسِ، بَلْ مِنَ الْحَاجَةِ الَّتِي هِيَ أُمُّ الِاخْتِرَاعِ وَمُرَبِّيَةُ الْحِكْمَةِ.
كَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ قَضَوْا عُمُرَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْ تَعْرِيفٍ لِلْوَطَنِ: هَلْ هُوَ التُّرَابُ؟ هَلْ هُوَ اللُّغَةُ؟ هَلْ هُوَ الْأَهْلُ؟ هَلْ هُوَ الذَّاكِرَةُ؟
وَهَذَا الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْعَاشِرَةَ بَعْدُ أَجَابَ بِطَرِيقَتِهِ: الْوَطَنُ لَيْسَ مَكَانًا وَاحِدًا تَمْلِكُهُ أَوْ تَفْقِدُهُ، بَلْ هُوَ مَشْرُوعُ حَيَاةٍ قَابِلٌ لِلتَّجَدُّدِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ الطِّفُولِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا هُوَ بِنَفْسِهِ رَغْمَ سَنَوَاتِهِ:
ـ هَذَا مَنْظُورٌ جَمِيلٌ جِدًّا، رَغْمَ كُلِّ الصُّعُوبَةِ الَّتِي تَعِيشُهَا.
ابْتَسَمَ الطِّفْلُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ كَشَمْعَةٍ فِي نَافِذَةٍ:
ـ أَبِي يَقُولُ شَيْئًا مُشَابِهًا أَحْيَانًا.
يَقُولُ إِنَّنَا لَا نَخْسَرُ وَطَنَنَا الْقَدِيمَ تَمَامًا حِينَ نُغَادِرُهُ، بَلْ نَحْمِلُهُ مَعَنَا، حَتَّى لَوْ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ، أَصْغَرَ، أَكْثَرَ تَجَزُّؤًا.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ هِيَ خُلَاصَةُ كُلِّ مَا قَالَهُ الْأَبُ فِي لَيَالِي الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ:
ـ لَكِنَّهُ لَا يَزَالُ جُزْءًا مِنَّا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَرْبِطُ هَذَا بِمَشْكَلَتِهِ الْخَاصَّةِ، تِلْكَ الرَّابِطَةُ الْغَرِيبَةُ الَّتِي تَنْسِجُ الْمُتْحَفُ بَيْنَ الزَّوَّارِ وَمَنْ يَلْتَقُونَ بِهِمْ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا أُحَاوِلُ أَنَا أَيْضًا أَنْ أَفْهَمَهُ، عَنْ يَوْمٍ فَقَدْتُهُ مِنْ ذَاكِرَتِي.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ لَحْظَةً:
ـ رُبَّمَا لَمْ أَفْقِدْهُ تَمَامًا، بَلْ أَحْمِلُهُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهُ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ الْآنَ.
نَظَرَ الطِّفْلُ إِلَيْهِ بِفُضُولٍ طِفُولِيٍّ بَرِيءٍ، كَأَنَّهُ يَكْتَشِفُ أَنَّ الْكِبَارَ أَيْضًا يَخَافُونَ وَيَنْسَوْنَ:
ـ هَلْ تَشْعُرُ بِالْخَوْفِ أَيْضًا، مِثْلِي، مِنْ نِسْيَانِ أَشْيَاءَ مُهِمَّةٍ؟
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ بِصِدْقٍ لَمْ يَتَكَلَّفْهُ:
ـ نَعَمْ، كَثِيرًا، بِطَرِيقَتِي الْخَاصَّةِ.
ابْتَسَمَ الطِّفْلُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَ يَدَ سَامِرٍ بِحَرَكَةٍ عَفْوِيَّةٍ طِفُولِيَّةٍ، بِلَا تَخْطِيطٍ وَلَا تَفْكِيرٍ، مُجَرَّدَ غَرِيزَةُ التَّوَاصُلِ حِينَ تَكُونُ الْكَلِمَاتُ قَاصِرَةً:
ـ رُبَّمَا هَذَا يَعْنِي أَنَّنَا مُتَشَابِهَانِ قَلِيلًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِصَصُنَا مُخْتَلِفَةً جِدًّا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدِفْءٍ عَمِيقٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ مِنْ هَذَا التَّوَاصُلِ الْبَسِيطِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَرْجَمَةٍ أَوْ شَرْحٍ:
ـ نَعَمْ، رُبَّمَا نَحْنُ كَذَلِكَ.
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الصَّغِيرَةِ كَانَتِ الرِّوَايَةُ كُلُّهَا فِي صُورَةٍ مُصَغَّرَةٍ: رَجُلٌ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ ضَائِعٍ فِي ذَاكِرَتِهِ، وَطِفْلٌ يَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ ضَائِعٍ فِي الْجُغْرَافِيَا، وَكِلَاهُمَا يَكْتَشِفُ أَنَّ الضَّيَاعَ لَيْسَ دَائِمًا خَسَارَةً مُكْتَمِلَةً، بَلْ أَحْيَانًا هُوَ تَحَوُّلٌ فِي شَكْلِ الِامْتِلَاكِ.
بَدَأَ الْقَارِبُ يَتَمَايَلُ أَكْثَرَ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَشْهَدَ يَقْتَرِبُ مِنْ نِهَايَتِهِ كَمَا تَقْتَرِبُ الرِّيحُ مِنَ الْهُدُوءِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ:
ـ يَجِبُ أَنْ أَعُودَ إِلَى أُمِّي الْآنَ، قَدْ تَكُونُ قَلِقَةً عَلَيَّ.
ـ اذْهَبْ، إِذَنْ.
ثُمَّ أَضَافَ سَامِرٌ بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّمَنِّي وَشَيْءٌ مِنَ الدُّعَاءِ:
ـ اعْتَنِ بِنَفْسِكَ.
ابْتَسَمَ الطِّفْلُ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً صَغِيرَةً، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَبْتَعِدَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْأَصْوَاتُ الْعَادِيَةُ:
ـ احْمِلْ وَطَنَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا، أَيًّا كَانَا، بِطَرِيقَتِكَ الْخَاصَّةِ.
وَكَانَ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الصَّغِيرَةِ مَا لَمْ يَقُلْهُ أَيٌّ مِنَ الْكُبَارِ الَّذِينَ الْتَقَاهُمْ سَامِرٌ فِي رَوَاقَاتِ الْمُتْحَفِ: لَيْسَ «لَا تَنْسَ» وَلَا «تَذَكَّرْ» بَلْ «احْمِلْ»، وَالْحَمْلُ يَعْنِي أَنَّ الثَّقَلَ حَقِيقِيٌّ، وَأَنَّكَ تَعْرِفُ ذَلِكَ، وَأَنَّكَ تَخْتَارُ الْمَضِيَ رَغْمَهُ.
بَدَأَ الْقَارِبُ وَالْأَمْوَاجُ الْمُظْلِمَةُ تَتَلَاشَيَانِ بِبُطْءٍ، كَمَا تَتَلَاشَى رُؤْيَا حِينَ يُوشِكُ الصُّبْحُ أَنْ يَسْقُطَ مِنَ النَّافِذَةِ، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمَعْتَادِ يَحْمِلُ ثِقَلًا عَاطِفِيًّا عَمِيقًا يَصْعُبُ وَصْفُهُ بِالْكَامِلِ.
لَيْسَ حُزْنًا وَلَيْسَ فَرَحًا، بَلْ شَيْءٌ ثَالِثٌ لَا اسْمَ لَهُ يَسْكُنُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، صَامِتًا لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ كَأَنَّهُ يَمْنَحُ الصَّمْتَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ الْكَلِمَاتُ:
ـ هَذِهِ الْقَاعَةُ تُلَامِسُ قَلْبَ كُلِّ مَنْ يَدْخُلُهَا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ خَلْفِيَّتِهِ الْخَاصَّةِ.
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، عَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ رَطْبَتَيْنِ قَلِيلًا، يَحْمِلَانِ شَيْئًا مِمَّا رَآهُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ إِيدَاعَهُ فِي كَلَامٍ:
ـ نَعَمْ.
ثُمَّ بَعْدَ لَحْظَةٍ أَضَافَ:
ـ أَشْعُرُ بِهَذَا بِعُمْقٍ شَدِيدٍ.
وَبَقِيَا صَامِتَيْنِ مَعًا فِي الرَّوَاقِ، الرَّجُلُ الَّذِي فَقَدَ يَوْمًا وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَى كُلَّ شَيْءٍ، وَبَيْنَهُمَا صَدَى صَوْتِ طِفْلٍ لَمْ يَقُلْ «لَا تَبْكِ» وَلَمْ يَقُلْ «تَجَلَّدْ» بَلْ قَالَ «احْمِلْ»، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ فَرْقٌ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْجِدَارِ وَالْجَنَاحِ.

متحف الأيام المفقودة 67