متحف الأيام المفقودة 67

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: الدِّيكْتَاتُورُ العَجُوزُ – أَمْرِيكَا اللَّاتِينِيَّة، عَامُ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَمَانِينَ – «هَلْ يَمْلِكُ الطَّاغِيَةُ ذَاكِرَةً، أَمْ أَنَّهُ لَا يَجِيدُ سِوَى مَحْوِهَا؟»
________________________________________
لَمْ تَكُنِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ قَاعَةً بِالمَعْنَى المَأْلُوفِ.
كَانَتْ قَصْرًا بِأَتَمِّ مَعْنَى الكَلِمَة.
سَقْفٌ مُذَهَّبٌ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَكَادُ يَلْمَسُ السَّمَاءَ، وَأَعْمِدَةٌ رُخَامِيَّةٌ بَيْضَاءُ تَصْطَفُّ كَحَرَسٍ صَامِتٍ لَا يَعْرِفُ الرَّاحَة، وَنَوَافِذُ طَوِيلَةٌ تَمْتَدُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى أَعْلَى الجُدْرَانِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُهَا ضَوْءٌ حَقِيقِيٌّ دَافِئٌ.
كَانَتِ القَاعَةُ بَارِدَةً بِطَرِيقَةٍ لَا تُفَسِّرُهَا دَرَجَاتُ الحَرَارَة.
بَارِدَةٌ مِنَ الدَّاخِل.
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا الأَرْبَعِ، وَعَلَى كُلِّ رَفٍّ وَحَامِلٍ وَنِيشٍ، كَانَتْ تَقِفُ تَمَاثِيلُ ضَخْمَةٌ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
رَجُلٌ وَاحِدٌ فَحَسْب.
بَعْضُهَا يُصَوِّرُهُ فَارِسًا يَحْمِلُ سَيْفًا، وَبَعْضُهَا يُجَسِّدُهُ خَطِيبًا رَافِعًا يَدَهُ كَأَنَّهُ يُلْقِي خُطْبَةً لِجُمُوعٍ لَا تَنْتَهِي، وَبَعْضُهَا الآخَرُ يُجَسِّدُهُ جَالِسًا جُلُوسَ المُفَكِّرِينَ، ذَقَنُهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى إِبْهَامِهِ وَنَظَرَتُهُ مُتَّجِهَةٌ إِلَى أُفُقٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.
لَكِنَّ العَيْنَيْنِ فِي كُلِّ التَّمَاثِيلِ كَانَتَا وَاحِدَةً:
فَارِغَتَانِ.
وَفِي وَسَطِ هَذَا كُلِّهِ، عَلَى كُرْسِيٍّ يَشْبِهُ العَرْشَ أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ الكُرْسِيَّ، يَجْلِسُ صَاحِبُ كُلِّ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ بِالجَسَدِ نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ صَغُرَ بِمَا لَا يُقَاسُ.
رَجُلٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالسَّبْعِينَ.
يُحَدِّقُ بِعَيْنَيْنِ فَارِغَتَيْنِ إِلَى لَا شَيْءٍ أَمَامَهُ، كَأَنَّهُ يُحَاوِرُ شَبَحًا لَا يَرَاهُ سِوَاهُ، أَوْ رُبَّمَا كَأَنَّهُ يُحَدِّقُ فِي مَسَافَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَيَعْجِزُ عَنْ قَطْعِهَا.
حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ، لَمْ يَتَحَرَّكِ الرَّجُلُ.
لَمْ يَلْتَفِتْ.
لَمْ تُرَفَّ لَهُ جَفْنٌ.
ثُمَّ، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ مُثْقَلٍ كَأَنَّهُ جَبَلٌ يَتَنَفَّسُ، جَاءَ الصَّوْتُ:
ـ مَنْ سَمَحَ لَكَ بِالدُّخُولِ؟
لَمْ يَكُنِ الصَّوْتُ غَاضِبًا.
كَانَ أَخْطَرَ مِنَ الغَضَب.
كَانَ بَارِدًا.
ـ لَا أَحَدٌ يَدْخُلُ دُونَ إِذْنِي المُبَاشِرِ وَلَا أَحَدٌ يَجْلِسُ قَبْلِي وَلَا أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ قَبْلَ أَنْ أَتَكَلَّم.
أَجَابَ سَامِرٌ بِهُدُوءٍ لَمْ يَكُنْ مُصْطَنَعًا:
ـ أَنَا سَامِر. جِئْتُ لِأَفْهَمَ شَيْئًا عَنِ الذَّاكِرَة.
وَلِلْمَرَّةِ الأُولَى التَفَتَ الدِّيكْتَاتُورُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ بِازْدِرَاءٍ بَارِدٍ، كَازْدِرَاءِ مَنِ اعْتَادَ طُولَ عُمُرِهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ مِنْ فَوْق، حَتَّى حِينَ يَجْلِسُ وَيَقِفُونَ.
ـ الذَّاكِرَةُ؟
نَطَقَهَا كَأَنَّهَا مَزْحَةٌ لَا تَسْتَحِقُّ الضَّحِك.
ـ أَنَا مَنْ يُقَرِّرُ مَاذَا يُتَذَكَّرُ فِي هَذَا البَلَدِ وَمَاذَا يُنْسَى تَمَامًا.
ثُمَّ تَوَقَّفَ لِحَظَّةٍ، كَأَنَّهُ يَسْمَحُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِأَنْ تَرْسُوَ فِي ذِهْنِ مَنْ أَمَامَهُ:
ـ هَذَا امْتِيَازُ السُّلْطَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا تَفْهَمُهَا أَنْتَ عَلَى الأَرْجَح.
شَعَرَ سَامِرٌ بِنُفُورٍ عَمِيقٍ يَنْبُتُ فِي قَاعِ مَعِدَتِهِ، لَكِنَّهُ حَافَظَ عَلَى هُدُوئِهِ.
لَمْ يَكُنِ الهُدُوءُ جُبْنًا هَذِهِ المَرَّة.
كَانَ أُسْلُوبًا.
ـ مَاذَا تَقْصُدُ بِأَنَّكَ «تُقَرِّرُ» مَا يُتَذَكَّر؟
أَشَارَ الدِّيكْتَاتُورُ حَوْلَهُ بِحَرَكَةٍ فَخُورَةٍ قَاسِيَةٍ، كَمَنْ يَسْتَعْرِضُ مَمْلَكَةً بَنَاهَا بِيَدَيْهِ:
ـ غَيَّرْتُ أَسْمَاءَ الشَّوَارِعِ كُلِّهَا، مَحَوْتُ صُوَرَ مَنْ سَبَقَنِي مِنَ الكُتُبِ المَدْرَسِيَّة، أَعَدْتُ كِتَابَةَ تَارِيخِ هَذَا البَلَدِ بِالكَامِلِ تَقْرِيبًا، بَدْءًا مِنَ اللَّحْظَةِ الَّتِي وَصَلْتُ فِيهَا إِلَى السُّلْطَة.
أَجَالَ نَظَرَهُ فِي التَّمَاثِيلِ المُحِيطَةِ بِهِ كَمَنْ يَتَفَقَّدُ حَرَسَهُ الشَّخْصِيَّ:
ـ مَنْ يُعَارِضُ رِوَايَتِي الرَّسْمِيَّةَ يَخْتَفِي.
ثُمَّ بَصَوْتٍ لَا تَرْتَعِشُ فِيهِ نَبْرَةٌ وَاحِدَة:
ـ بِبَسَاطَة. وَلَا يُذْكَرُ مُجَدَّدًا أَبَدًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِقَشْعَرِيرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَسِيرُ عَلَى ظَهْرِهِ، لَيْسَتْ قَشْعَرِيرَةَ خَوْفٍ بَلْ قَشْعَرِيرَةَ إِدْرَاكٍ، قَشْعَرِيرَةَ مَنْ يَفْهَمُ فَجْأَةً حَجْمَ شَيْءٍ كَانَ يَظُنُّهُ مَحْدُودًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
ـ هَذَا يَبْدُو مَحْوًا مَنْهَجِيًّا قَاسِيًا جِدًّا لِإِنْسَانِيَّةٍ كَامِلَة.
نَظَرَ إِلَيْهِ الدِّيكْتَاتُورُ بِفُتُورٍ بَارِدٍ لَمْ يَتَكَلَّفْهُ، بِلَا أَيِّ ذَنْبٍ ظَاهِرٍ وَلَا بِأَيِّ تَعَمُّدٍ لِإِخْفَائِهِ:
ـ أُسَمِّيهِ نِظَامًا وَضَرُورَة. لَا قَسْوَةً.
ثُمَّ بِنَبْرَةِ مَنْ يَشْرَحُ حَقِيقَةً بَدِيهِيَّةً لِطِفْلٍ بَطِيءِ الفَهْم:
ـ الشَّعْبُ يَحْتَاجُ رِوَايَةً وَاحِدَةً مُوَحَّدَةً قَوِيَّةً، لَا فَوْضَى مِنَ القِصَصِ المُتَضَارِبَةِ المُتَنَاقِضَة. أَنَا أُوَفِّرُ لَهُ هَذَا الوُضُوح. حَتَّى لَوْ كَلَّفَ هَذَا ثَمَنًا مَا.
وَكَانَ فِي «ثَمَنًا مَا» هَذِهِ مِنَ البُرُودَةِ مَا يَفُوقُ كُلَّ مَا سَبَقَهَا.
سَأَلَ سَامِرٌ بِمُبَاشَرَةٍ لَمْ يُخَطِّطْ لَهَا مُسْبَقًا:
ـ هَلْ تُؤْمِنُ فِعْلًا بِهَذَا، أَمْ أَنَّهُ فَقَطْ تَبْرِيرٌ لِمَا تَفْعَلُهُ مِنْ أَجْلِ بَقَائِكَ فِي السُّلْطَة؟
صَمَتَ الدِّيكْتَاتُورُ.
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الصَّمْتُ صَمْتَ مَنْ يُفَكِّرُ فِي رَدِّهِ.
كَانَ صَمْتَ مَنْ فُوجِئَ بِأَنَّهُ يُفَكِّرُ فِعْلًا.
تَغَيَّرَتِ النَّظَرَةُ فِي عَيْنَيْهِ قَلِيلًا، شَيْءٌ غَامِضٌ أَطَلَّ مِنْ تَحْتِ القِنَاعِ القَاسِي المُعْتَاد، كَأَنَّ بَابًا أُهْمِلَ إِغْلَاقُهُ فَتَحَرَّكَ بِنَسِيمٍ مُفَاجِئ:
ـ سُؤَالٌ جَرِيءٌ جِدًّا لِمَنْ يَقِفُ أَمَامِي.
ثُمَّ، وَبَعْدَ لَحْظَةٍ أُخْرَى:
ـ دَعْنِي أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ قَدْ يُفَاجِئُك. لَا أَعْرِفُ بِصِدْقٍ كَامِلٍ أَحْيَانًا. حَتَّى أَنَا نَفْسِي.
وَكَأَنَّهُ يَخْجَلُ مِنْ هَذَا الاعْتِرَافِ فَيُسَارِعُ إِلَى شَرْحِهِ:
ـ بَدَأْتُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا أُؤْمِنُ بِرِوَايَتِي الخَاصَّةِ بِصِدْقٍ شَدِيد، لِدَرَجَةٍ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ مُتَأَكِّدًا تَمَامًا أَيْنَ تَنْتَهِي «الحَقِيقَةُ» الَّتِي أُؤْمِنُ بِهَا، وَأَيْنَ يَبْدَأُ «التَّبْرِيرُ» الَّذِي اخْتَرَعْتُهُ لِأَفْعَالِي.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ صَادِقَةٍ تَعْلُو وَجْهَهُ رَغْمَ نَفْسِهِ.
لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ هَذَا.
أَحَدٌ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْقِعِ، بِهَذِهِ التَّمَاثِيلِ وَهَذَا القَصْرِ وَهَذَا التَّارِيخِ الطَّوِيلِ مِنَ المَحْوِ المَنْهَجِيِّ، لَا يَعْتَرِفُ بِمِثْلِ هَذَا فِي العَادَة.
ـ هَذَا يَبْدُو خَطِيرًا جِدًّا، أَنْ تَفْقِدَ القُدْرَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ وَالتَّبْرِيرِ الذَّاتِي.
تَخَيَّلْ إِنْسَانًا يَعِيشُ عَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ وَهُوَ يُقْنِعُ نَفْسَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ صَوَابٌ، حَتَّى يَنْسَى حَدَّ الصَّوَابِ نَفْسَه.
تَخَيَّلْ قَاضِيًا ظَالِمًا يُكَرِّرُ أَحْكَامَهُ الجَائِرَةَ حَتَّى يَرَاهَا عَادِلَة.
تَخَيَّلْ أَبًا قَاسِيًا يُعَاقِبُ أَطْفَالَهُ بِوَحْشِيَّةٍ ثُمَّ يَنَامُ لَيْلَهُ مُطْمَئِنًّا لِأَنَّهُ قَضَى عُمُرَهُ يُقْنِعُ نَفْسَهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الحُبُّ.
هَكَذَا بِالضَّبْطِ يَعْمَلُ مَا يَصِفُهُ الدِّيكْتَاتُورُ.
أَوْمَأَ الدِّيكْتَاتُورُ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، وَظَهَرَ فَجْأَةً عَلَى وَجْهِهِ القَاسِي تَعَبٌ عَمِيقٌ غَرِيبٌ، تَعَبٌ لَمْ تُخَلِّفْهُ السِّنُونَ بَلْ خَلَّفَهُ شَيْءٌ آخَرُ أَثْقَلُ مِنْهَا:
ـ أَنْتَ مُحِقٌّ. رَغْمَ أَنَّنِي لَنْ أَعْتَرِفَ بِهَذَا أَمَامَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرِكَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الغَرِيبَة.
ثُمَّ بِصَوْتٍ خَافِتٍ فَقَدَ مِنْهُ كُلَّ صَلَابَتِهِ المُعْتَادَة:
ـ أَحْيَانًا، فِي اللَّيْلِ، حِينَ لَا يَرَانِي أَحَد، أَتَسَاءَلُ: هَلْ أَتَذَكَّرُ فِعْلًا الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ لِمَا فَعَلْتُهُ، أَمْ أَنَّنِي مَحَوْتُ حَتَّى ذَاكِرَتِي الخَاصَّةَ عَنْ نَفْسِي؟ اسْتَبْدَلْتُهَا بِنُسْخَةٍ أَكْثَرَ احْتِمَالًا لِلْعَيْشِ مَعَهَا؟
وَتَوَقَّفَ، ثُمَّ أَضَافَ بِمَا يُشْبِهُ الهَمْس:
ـ هَلْ يَسْتَطِيعُ إِنْسَانٌ أَنْ يَمْحُوَ نَفْسَهُ مِنْ ذَاكِرَتِهِ وَيَظُنَّ أَنَّهُ مَا زَالَ بَصِيرًا؟
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتُحَاسَبُ يَوْمًا عَلَى مَا فَعَلْتَهُ؟
نَظَرَ الدِّيكْتَاتُورُ بَعِيدًا.
وَظَهَرَ فِي عَيْنَيْهِ لِلَمَّةٍ وَاحِدَةٍ شَيْءٌ نَادِرٌ لَمْ تَعْتَدْهُ تِلْكَ العَيْنَانِ:
خَوْفٌ.
ـ رُبَّمَا. يَوْمًا مَا. حِينَ أَفْقِدُ السُّلْطَةَ. أَوْ بَعْدَ مَوْتِي.
ثُمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الكَآبَةِ المُقَنَّعَةِ بِالكِبْرِيَاء:
ـ لَكِنَّنِي أَيْضًا أَعْمَلُ بِجَهْدٍ كَبِيرٍ لِضَمَانِ أَنَّ رِوَايَتِي، نُسْخَتِي الخَاصَّةَ مِنَ الأَحْدَاثِ، هِيَ مَا سَيَبْقَى وَمَا سَيُكْتَبُ فِي الكُتُبِ حَتَّى بَعْدَ رَحِيلِي.
هُنَا اسْتَحْضَرَ سَامِرٌ فِي ذِهْنِهِ وَجْهًا آخَرَ.
وَجْهُ مَلِكٍ قَابَلَهُ فِي مَحَطَّةٍ سَابِقَةٍ مِنْ رِحْلَتِهِ، فِي حَضَارَةٍ أُخْرَى وَزَمَنٍ آخَرَ.
مَلِكٌ سَمِيُّهُ أَشُوكَا.
مَلِكٌ قَتَلَ هُوَ الآخَرُ، لَكِنَّهُ نَدِمَ بِصِدْقٍ عَمِيقٍ لَا تَصَنُّعَ فِيهِ وَلَا أَدَاءَ.
ـ قَابَلْتُ مَلِكًا آخَرَ فِي رِحْلَتِي. قَتَلَ هُوَ الآخَرُ، وَبِكَثَافَةٍ لَا تُوصَف. لَكِنَّهُ نَدِمَ بِصِدْقٍ عَمِيقٍ لَاحِقًا، وَحَاوَلَ تَعْوِيضَ مَا فَعَلَهُ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِهِ. أَنْتَ تَبْدُو مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْهُ.
نَظَرَ الدِّيكْتَاتُورُ إِلَيْهِ بِفُضُولٍ حَذِرٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ الشَّوْق:
ـ مَاذَا فَعَلَ ذَلِكَ المَلِكُ بِالضَّبْطِ؟
ـ نَشَرَ تَعَالِيمَ رَحْمَة. بَنَى مُسْتَشْفِيَاتٍ وَطُرُقًا لِلْمُسَافِرِين. اعْتَرَفَ صَرَاحَةً بِنَدَمِهِ أَمَامَ شَعْبِهِ. حَاوَلَ أَنْ يُصْلِحَ مَا اسْتَطَاعَ إِصْلَاحَهُ، رَغْمَ مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِعَادَةَ مَنْ قَتَلَهُمْ.
صَمَتَ الدِّيكْتَاتُورُ.
هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ الصَّمْتُ مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا.
لَمْ يَكُنْ صَمْتَ الرَّجُلِ المُتَمَكِّنِ الَّذِي يُفَكِّرُ فِي رَدٍّ حَاسِم.
كَانَ صَمْتَ مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَخَيَّلَ نَفْسَهُ شَخْصًا مُخْتَلِفًا وَيَعْجِزُ.
صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ غَرِيبٌ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِهِ، كَأَنَّ نَصَّيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ يُحَاوِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ الوَجْهَ الَّذِي يَظْهَرُ:
ـ رُبَّمَا هَذَا هُوَ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَنَا، يَا سَامِر.
ثُمَّ بِإِيطَاءٍ يُشْبِهُ الاعْتِرَافَ دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ بِهِ:
ـ أَنَا لَمْ أَصِلْ بَعْدُ إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ مِنَ الصِّدْقِ الكَامِلِ مَعَ نَفْسِي الَّتِي يَبْدُو أَنَّ ذَلِكَ المَلِكَ وَصَلَ إِلَيْهَا. مَا زِلْتُ حَتَّى فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ أُحَاوِلُ أَنْ أُبَرِّرَ، أَنْ أَتَحَكَّمَ بِالرِّوَايَةِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ أُوَاجِهَ الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ لِمَا فَعَلْتُهُ بِصِدْقٍ تَام.
ـ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ فِعْلِ هَذَا؟ مِنْ أَنْ تَعْتَرِفَ وَتُحَاوِلَ الإِصْلَاحَ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ المَلِك؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الدِّيكْتَاتُورُ بِصِدْقٍ نَادِرٍ مُؤْلِم، صِدْقٌ بَدَا مِثْلَ جُرْحٍ يُفَتِّحُهُ بِنَفْسِهِ:
ـ خَوْفٌ. أَعْتَقِد.
ثُمَّ بِهُدُوءٍ فِيهِ كُلُّ مَا تَبَقَّى مِنَ الاعْتِرَافِ الصَّادِق:
ـ خَوْفٌ مِنْ أَنْ أُوَاجِهَ ثِقَلَ مَا فَعَلْتُهُ بِصِدْقٍ كَامِلٍ قَدْ يُحَطِّمُنِي تَمَامًا. مِنَ الأَسْهَلِ حَتَّى الآنَ أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي السَّيْطَرَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا بِطَرِيقَةٍ مَا يَحْبِسُنِي أَيْضًا فِي كَذِبَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ الهُرُوبَ مِنْهَا بِالكَامِلِ، حَتَّى مَعَ نَفْسِي.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعْقِيدٍ أَخْلَاقِيٍّ عَمِيقٍ يَتَجَاذَبُهُ مِنَ الجِهَتَيْنِ.
رَفْضٌ وَمُحَاوَلَةُ فَهْمٍ فِي آنٍ وَاحِد.
كَيْفَ يَرْفُضُ إِنْسَانًا يَرَى فِيهِ لَحْظَةَ حَقِيقَةٍ نَادِرَة؟
وَكَيْفَ لَا يَرْفُضُ إِنْسَانًا صَنَعَ هَذَا كُلَّهُ بِيَدَيْهِ وَاخْتَارَهُ بِإِرَادَتِهِ؟
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتَصِلُ يَوْمًا إِلَى تِلْكَ اللَّحْظَةِ مِنَ الصِّدْقِ الكَامِلِ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ المَلِك؟
نَظَرَ الدِّيكْتَاتُورُ بَعِيدًا.
وَاسْتَغْرَقَ الصَّمْتُ وَقْتًا طَوِيلًا.
ثَقِيلًا.
كَأَنَّهُ يَزِنُ نَفْسَهُ عَلَى مِيزَانٍ لَا يُرِيدُ مَعْرِفَةَ نَتِيجَتِهِ:
ـ لَا أَعْرِفُ بِصَرَاحَة. رُبَّمَا الوَقْتُ قَدْ فَاتَ بِالنِّسْبَةِ لِي.
ثُمَّ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى إِحْدَى تَمَاثِيلِهِ الضَّخْمَةِ الصَّامِتَة:
ـ رُبَّمَا بَنَيْتُ كَذِبَتِي بِعُمْقٍ شَدِيدٍ جِدًّا، لِدَرَجَةٍ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ القُوَّةَ الكَافِيَةَ لِمُوَاجَهَتِهَا بِالكَامِلِ. حَتَّى لَوْ أَرَدْتُ ذَلِكَ حَقًّا.
قَالَ سَامِرٌ بِهُدُوءٍ صَادِق:
ـ أَتَمَنَّى أَنْ تَجِدَ، يَوْمًا مَا، تِلْكَ الشَّجَاعَةَ الَّتِي وَجَدَهَا ذَلِكَ المَلِك.
نَظَرَ إِلَيْهِ الدِّيكْتَاتُورُ بِصِدْقٍ نَادِرٍ أَخِير، آخِرِ مَا تَبَقَّى مِنَ الإِنْسَانِ خَلْفَ كُلِّ ذَلِكَ الرُّخَامِ:
ـ شُكْرًا لَكَ. رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الأُمْنِيَّةَ الطَّيِّبَةَ عَلَى الأَرْجَح.
ثُمَّ بِتَحَوُّلٍ خَفِيفٍ فِي نَبْرَتِهِ، كَأَنَّهُ يَسْتَعِيدُ شَيْئًا مِنْ قِنَاعِهِ القَدِيمِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْلِسُ بِلَا قِنَاع:
ـ اذْهَبِ الآن، يَا سَامِر. وَتَذَكَّرْ هَذَا الدَّرْسَ المُظْلِم: السُّلْطَةُ عَلَى الذَّاكِرَةِ وَالرَّغْبَةُ فِي التَّحَكُّمِ الكَامِلِ فِي الرِّوَايَةِ قَدْ تَبْدُو قُوَّةً عُظْمَى، لَكِنَّهَا فِي النِّهَايَةِ قَدْ تُصْبِحُ سِجْنًا تَبْنِيهِ أَنْتَ لِنَفْسِكَ، أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ سِجْنٍ تَبْنِيهِ لِغَيْرِك.
________________________________________
بَدَأَتِ القَاعَةُ تَتَلَاشَى.
القَصْرُ الفَخْمُ البَارِدُ.
التَّمَاثِيلُ الضَّخْمَةُ الصَّامِتَة.
الكُرْسِيُّ الَّذِي يُشْبِهُ العَرْش.
وَالرَّجُلُ الَّذِي بَنَى لِنَفْسِهِ سِجْنًا لَا بَابَ لَهُ مِنَ الدَّاخِل.
كُلُّ هَذَا تَلَاشَى بِبُطْءٍ حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المَعْتَادِ، يَحْمِلُ ثِقَلًا أَخْلَاقِيًّا مُعَقَّدًا غَيْرَ مُرِيحٍ، ثِقَلًا لَا تَسْتَطِيعُ اللُّغَةُ أَنْ تَضَعَهُ فِي كِفَّةٍ وَاحِدَةٍ بِرَاحَةٍ.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ المَدْخَل، صَامِتًا.
حِينَ رَأَى وَجْهَ سَامِرٍ، لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْء.
فَقَطْ قَال:
ـ هَذِهِ القَاعَةُ لَا تُقَدِّمُ رَاحَةً سَهْلَة، يَا سَامِر. عَمْدًا.
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
ثُمَّ بَعْدَ لَحْظَة:
ـ أَفْهَمُ لِمَاذَا. ثَلَاثَةُ فُصُولٍ أُخْرَى تَنْتَظِرُنِي فِي هَذَا المِحْوَرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
أَوْمَأَ العَجُوزُ:
ـ نَعَمْ. هَلْ تُرِيدُ أَنْ نُوَاصِلَ الآنَ، أَمْ تَحْتَاجُ وَقْتًا لِاسْتِيعَابِ ثِقَلِ مَا سَمِعْتَهُ لِلتَّوِّ؟
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الأَشْيَاءِ المُتَرَاكِمَةِ فِي الدَّرَج، وَشَعَرَ بِثِقَلِ الرِّحْلَةِ كَامِلَةً يَتَرَاكَمُ بِدَاخِلِهِ كَطَبَقَاتِ الأَرْضِ تَحْتَ الأَقْدَام.
ـ لِنُوَاصِلْ، حِينَ تَشَاء.

متحف الأيام المفقودة 68